الإسلام السياسي يتحدى الدولة الوطنية ويهدد بتفكيك المجتمعات العربية /*/


عبدالله تركماني
الحوار المتمدن - العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 16:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

حوار/ رامي شفيق
يفرض صعود تيارات الإسلام السياسي نفسه اليوم كأحد أخطر التحولات التي تواجه الدولة الوطنية العربية، في ظل ما أحدثته هذه التيارات من تصدعات سياسية واجتماعية وفكرية داخل بنية المجتمعات العربية. فالتنظيمات ذات المرجعيات الدينية لم تعد تقدم نفسها عبر آليات العمل الدعوي بل توسعت عبر أنساق المشاركة السياسية بهدف إعادة تشكيل مفهوم السلطة والدولة والهوية، وفق مشاريع إيديولوجية تتجاوز حدود الدولة الوطنية الحديثة، الأمر الذي يهدد بتفكيك البنية المجتمعية وإعادة إنتاج الانقسامات الطائفية والمذهبية.
إلى ذلك التقت (حفريات) بالمفكر العربي عبد الله تركماني ليقدّم قراءة نقدية معمّقة لمخاطر صعود الإسلام السياسي وانعكاساته على مستقبل الدولة الوطنية العربية، محذرًا من أنّ تمدد هذه التيارات لا يهدد فقط البنية السياسية للدول، بل يطال أيضًا النسيج الاجتماعي ومفهوم المواطنة والتعددية. ويرى تركماني أنّ "مفاهيم الإسلام السياسي تحاول أن تعيد تشكيل كل المفاهيم الحديثة للدولة الوطنية، بما ينطوي على ترجيح خطر تفكك بعض الدول العربية"، في إشارة إلى تصاعد المشاريع الإيديولوجية العابرة للحدود، وما تخلقه من انقسامات وصراعات داخل المجتمعات العربية.
ويؤكد صاحب كتاب "أنماط من بناء الدولة القومية في التاريخ الحديث" أنّ مواجهة هذه المخاطر لا يمكن أن تبقى رهينة الحلول الأمنية وحدها، مشددًا على أنّ "التعاطي المجدي لهذه المخاطر لا تكفيه المقاربات الأمنية، بل يحتاج إلى تحصين العقول، من خلال خطاب ديني معتدل، يستلهم المقاصد القيمية للإسلام"، بما يعزز ثقافة الاعتدال والتسامح في مواجهة التطرف والتشدد.
وينبه الدكتور عبد الله تركماني، في حواره مع (حفريات)، إلى أنّ هشاشة البنى السياسية في العالم العربي أسهمت في فتح المجال أمام تمدد تيارات الإسلام السياسي، موضحًا أنّ بعض "دول المنطقة العربية تعاني من هشاشة في أغلب دولها الوطنية وأحزابها السياسية، ممّا أفسح المجال لتغذية تيارات الإسلام السياسي."
نص الحوار:
كيف تقرأ تأثير صعود الإسلام السياسي على مفهوم الدولة القومية في العالم العربي، وهل ترى أنّه يعيد تشكيل هذا المفهوم أم يهدده بالتفكك؟
ـ تقوم الدولة الوطنية الحديثة على الحق والقانون تعبيراً عن حياديتها إزاء الأديان والإيديولوجيات والأحزاب، بينما تنطلق أغلب حركات الإسلام السياسي من مفهوم "الحاكمية لله "، بما يتناقض مع المبدأ الأساسي للدولة الوطنية "سيادة الشعب" و"المواطنة المتساوية"، ومن مقتضياتهما التوافق بين كل المكوّنات الدينية والطائفية والقومية على عقد اجتماعي يحكم بينهم، بما يوفر المصالح المشتركة لجميع المواطنين. ولا شك أنّ مفاهيم الإسلام السياسي تحاول أن تعيد تشكيل كل المفاهيم الحديثة للدولة الوطنية، بما ينطوي على ترجيح تفكك بعض الدول العربية، كما هو حال سوريا، وكذلك لبنان في ظل سلاح حزب الله.
وفي الحقيقة تلتقي أغلب تيارات الإسلام السياسي مع التيار المتطرف عند نقطة جوهرية تتمثل في رفضهم للدولة الوطنية الحديثة كلما تعارضت مع مشروعهما. إذ إنّ الأول يعمل على تقويض الشرعية من الداخل عبر أدوات الهوية والتمكين، بينما يستهدفها الثاني بالسلاح والتكفير، بما ينطوي على مفهوم الجماعات العابرة للحدود الوطنية، وبما يؤدي إلى تقويض الدولة الوطنية.
المشكلة أنّ أغلب الحركات الإسلامية دخلت السياسة وهي تحمل رؤية دعوية أكثر من كونها برنامج دولة: دستور، مواطنة، اقتصاد، حقوق أقليات، تداول سلطة، مؤسسات.
ما أبرز الأخطار الفكرية والاجتماعية التي يمكن أن تترتب على انتشار الأفكار التي توصف بـ "الظلامية" داخل بعض المجتمعات العربية، وكيف يمكن مواجهتها دون المساس بحرية الفكر؟
ـ ثمة أخطار كثيرة ومتنوعة على المجتمعات التي تنتشر فيها أفكار وقيم الجماعات الظلامية، خاصة إذا اتسعت الفوضى الأمنية والسياسية، بحيث تتحوّل الدولة إلى بؤرة مفتوحة لتجنيد مزيد من الأتباع، وإطلاق سرديات متشددة تهيئ الأرضية لولادة تيارات أكثر عنفاً، تؤدي إلى مزيد من المخاطر الفكرية والاجتماعية، بما يؤدي إلى عدم الاستقرار، وقد يدفع إلى مرحلة أكثر خطورة، تتصاعد فيها فرص تمدد هذه الجماعات وإعادة إنتاج خطابها المتشدد.
ولا شك أنّ التعاطي المجدي مع هذه المخاطر لا تكفيها المقاربات الأمنية، بل تحتاج إلى تحصين العقول، من خلال خطاب ديني معتدل، يستلهم المقاصد القيمية للإسلام. وكما يذكر الصديق الأستاذ أحمد الرمح أنَّ هناك مسألتين أساسيتين: أولاهما، تكمن في التربية والثقافة الخاطئتين اللتين تقومان على افتراض امتلاك الصواب المطلق، وبأنَّ الآخر على خطأ، والقاعدة الإيمانية والأخلاقية في الإطار الديني تقول إنَّه لا أحد يملك الصواب المطلق إلا الله، وما عداه صواب نسبي. وثانيتهما، الرؤية التي يشبِّهها بالنظارة، فهناك من يستخدم النظارة ليرى بشكل أفضل، وهذا ما نسميه الوعي، وهناك نظارة التعصب والطائفية التي يؤدي استخدامها إلى تشوّه النظر، وتجعل من يرتديها لا يرى الآخر بصورته الحقيقية، إنّما بصورة مشوهة.
ولا شك أنّ الأمر يحتاج إلى إعداد جيل جديد ذي عقل مستند إلى المنطق، ومن الضروري أن يدرك أهمية العلمانية في بناء الدول الوطنية، باعتبارها ضامنة لحرية المعتقد. وفي الوقت نفسه تحصر دور رجال الدين بدور العبادة، وتمنعهم من التدخل في إدارة الدولة والعمل السياسي.
إلى أيّ مدى تعتقد أنّ هشاشة البنى السياسية في المنطقة أسهمت في تغذية التيارات المتطرفة التي تستند إلى خطاب ديني سياسي؟
ـ تعاني المنطقة العربية من هشاشة في أغلب دولها الوطنية وأحزابها السياسية، ممّا أفسح المجال لتغذية تيارات الإسلام السياسي التي اتسقت مع عقيدة أغلب المجتمعات العربية، ممّا جعلها أقدر على التواصل والتفاهم مع أغلب المواطنين واستقطابهم وتحشيدهم.
كيف ترى دور التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي في تحويل التطرف من ظاهرة محلية إلى تهديد عابر للحدود، وما الأدوات الممكنة للحد من هذا التوظيف؟
ـ إنّ وسائل التواصل الاجتماعي أضحت أداة كل القوى السياسية والاجتماعية لمخاطبة جمهورها، وقد استغلتها حركات الإسلام السياسي بشكل واسع، إذ إنّ القوى المتطرفة وظفتها لتواصلها عبر الحدود، ومن ذلك مثلاً وصول جهاديين متطرفين من دول عربية وآسيوية وأوروبية إلى سوريا خلال الحراك الشعبي السوري، من 2011 ـ 2024.
في ظل التحولات الإقليمية الراهنة في الشرق الأوسط، هل ما زال الإسلام السياسي يمتلك قدرة على التمدد، أم أنّه يواجه مرحلة انحسار وإعادة تموضع؟
ـ تحاول قوى الإسلام السياسي استغلال توترات منطقة الشرق الأوسط والساحل الأفريقي لتوسيع انتشارها، خاصة بما تفرضه هذه التوترات من فراغات أمنية واستقطابات حادة وانشغال دولي بالمواجهات الكبرى، حيث أعادت فتح المجال أمام التنظيمات المتطرفة لإعادة التموضع والتجنيد وتوسيع النفوذ، وسط تحذيرات من أن تكون ارتدادات ما بعد الحرب أكثر خطورة من الحروب نفسها، مع اتساع مساحات الفوضى، وتراجع قدرة بعض الدول على احتواء التهديدات الأمنية المتصاعدة. حيث بدأت التنظيمات المتشددة تستعيد حضورها تدريجياً، مستفيدة من التوترات المتصاعدة، وحالة الاستقطاب، وتراجع التركيز على ملاحقة شبكات العنف العابر الحدود. فمثلاً تحاول إيران تفعيل أذرعها في المنطقة، بدءاً من حزب الله والحشد الشعبي وصولاً إلى الحوثيين. ممّا ينطوي على تحديات كبيرة لما بعد هذه التوترات والحروب، تتمثل في نشاط ملحوظ للجماعات الإسلامية، وقد تخرج المنطقة بإقليم أفريقي وشرق أوسطي مختلف ترسّخت فيه ممارسات استهداف الدول الوطنية. خاصة إذا علمنا أنّ هذه القوى تتميز ببنية تنظيمية مغلقة، ومركزية القيادة، وغموض العلاقة بين الدعوي والسياسي، والبراغماتية العالية، واستخدام الخطاب الديني تعبوياً.
وبالرغم من الإعلانات الرسمية، بما فيها إعلان الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس ترامب عن تصنيف فروع رئيسية من جماعة الإخوان المسلمين "جماعات إرهابية"، في انتقال واضح من الجدل السياسي حول طبيعة الجماعة إلى مقاربة أمنية تعتبر أنّ بعض فروعها ليست استثناءات، بل أجزاء من بنية تنظيمية ممتدة يُعاد تعريفها ضمن منظومة التهديد. وتؤكد الاستراتيجية أنّ الهدف من هذا النهج لا يقتصر على الاحتواء، بل يمتد إلى تفكيك التنظيم وتقويض قدرته التشغيلية عالمياً، عبر استهداف شبكات التمويل، والروابط التنظيمية، والبنى العابرة للحدود التي تصل بين الفروع المختلفة.
وهكذا، فطالما بقيت الهشاشة في دول المنطقة قائمة، والفقر في تزايد، والتعليم في تراجع، يمكن القول إنّ قوى الإسلام السياسي ليست في انحسار وإنّما تعيد تموضعها في مجتمعاتنا.
ما السيناريوهات المحتملة لمستقبل الإسلام السياسي خلال العقد القادم، خصوصًا في ظل التوترات السياسية والأمنية المستمرة في المنطقة؟
ـ يبدو أنّ التوترات التي تشهدها المنطقة، خاصة الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ـ الإيرانية، ستترك آثاراً بعيدة المدى على المنطقة، وعليه فإنّ السيناريوهات المحتملة ثلاثة:
أوّلها في الأفق المنظور، يبدو أنّ تيارات الإسلام السياسي ستتمدد في المنطقة، انطلاقاً ممّا نشهده في سوريا ولبنان والعراق وليبيا والسودان واليمن، وفي دول الساحل الأفريقي. وسيتحدد مدى هذا الأفق بما ستؤول إليه التوترات والحروب القائمة، وأيضاً مدى استجابة الدول لمصالح وحاجات شعوبها، وقطع الطريق على تمدد تلك التيارات.
وثانيها في الأفق المتوسط، تبلور رؤى إسلامية قابلة للتشاركية مع التيارات المدنية والسياسية الأخرى، دون إقصاء أو تفرد. ممّا يشترط قبولها أن تكون حزباً مدنياً بمرجعية قيمية مقاصدية إسلامية لا وصياً على الدين، وأن تعترف بالمواطنة المتساوية، وتقبل تداول السلطة والانتخابات والخسارة، وأن تفصل الدعوي عن السياسي. والقبول بالشراكة داخل نظام دستوري تعددي، مثلما هو الحال في أيّ حزب ديمقراطي مسيحي في أوروبا أو الأحزاب المحافظة ذات المرجعية الدينية.
وثالثها في الأفق البعيد، حيث يصبح للتيار الإسلامي التنويري نفوذاً مؤثراً، من خلال الانتقال من نقد الإسلام السياسي إلى الإسهام في إعادة بناء مجتمعاتنا في الاقتصاد، والتعليم، والعدالة، والقانون، ومرتكزات الدولة الوطنية الحديثة، بمعنى المشاركة الفاعلة، لا الاكتفاء بالتنظير.
هل ترى أنّ هناك دولاً هشة في المنطقة قد تكون الأكثر قابلية لتموضع تيار الإسلام السياسي؟
ـ يمكن الحديث عن دول هشة ومجتمعات عربية فاقدة للمناعة ضد التطرف، ممّا سهّل على قوى الإسلام السياسي التموضع في المنطقة. ولعلَّ الحالة السورية كاشفة لهذه الهشاشة وإمكانية تموضع قوى التطرف الإسلامي، وقد أظهرت الستة عشر شهراً للسلطة الجديدة مدى تأثير الخطاب المتشدد لرموزها، في مجزرتي الساحل ضد العلويين والسويداء ضد الدروز، إضافة إلى الاختطاف المتكرر للعلويات، وآخرها الصبية بتول علوش. وأيضاً اعتماد أهل الولاء من أعضاء هيئة تحرير الشام في الوظائف الشرفية في الدولة، واستبعاد الكفاءات السورية في أغلب المجالات.
/*/ - نُشرت في موقع " حفريات " – 1 يونيو 2026.