الإرادة الأميركيَّة – «الإسرائيليَّة» ليست قدراً لا يُردّ


سعود قبيلات
الحوار المتمدن - العدد: 8656 - 2026 / 3 / 24 - 20:16
المحور: الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني     

لا تُخاض الحروبُ لذاتها، بل لتحقيقِ أهدافٍ سياسيَّة محدَّدة. المعتدِي يسعى إلى فَرْضِ سيطرته وهيمنته على البلاد الَّتي يعتدي عليها، مستخدماً كُلَّ أدوات القوَّة المتاحة له؛ أمّا المعتدَى عليه، فيبذل كُلَّ جهدٍ ممكن، وكُلَّ تضحيةٍ ضروريَّة، مِنْ أجل مَنْعِ تحقيقِ هذا الهدف، وإبقاء بلاده مستقلَّة.

لذلك، لا يُقاس مدى الانتصار في الحرب، أو خسارتها، بحجم الدَّمار الَّذي يُلحِقه المعتدِي بالمعتدَى عليه، ولا بعدد الضَّحايا الَّذين يقتلهم؛ بل بمدى نجاحه في فرض شروطه وتحقيق غاياته، أو إخفاقه في ذلك.

مثال ذلك في الحرب الأميركيَّة على فيتنام (1955-1975)؛ حيث خسر الفيتناميون أرواحَ نحو أربعة ملايين إنسان، وتعرَّضت بلادُهم لدمارٍ هائل، مقابل مقتل ثمانية وخمسين ألف جندي وضابط أميركيّ.

وبالنَّظرِ إلى موازين القوى العسكريَّة والاقتصاديَّة، آنذاك، كان الجيش الأميركيّ يملك تفوُّقاً ساحقاً في التَّسليح والتَّقنية والقدرات اللوجستيَّة. ومع ذلك، لم تكن الخاتمة لصالح القوَّة الأعظم عدّةً وعتاداً، بل لصالح الطَّرف الَّذي تمسّك بأهدافه الوطنيَّة ودافع عنها ببسالة وبَذَلَ أفدح التَّضحيات في سبيلها.

ويَختصِرُ نهايةَ تلك الحرب المشهدُ الشَّهيرُ المُذِلُّ في العام 1975، حين تدافع الأميركيّون مع بعضهم البعض ومع أتباعهم المحلِّيين، للتَّعلُّق بطائرة هليكوبتر كانت تقلع مِنْ فوق سطح السَّفارة الأميركيَّة في سايغون (عاصمة فيتنام الجنوبيَّة آنذاك) الَّتي تُعرف اليوم بـمدينة هو تشي منه.

وتكرّر المشهد، بصورةٍ أخرى، في أفغانستان. حيث احتلَّ الأميركيّون البلادَ في العام 2001، وظلَّوا هناك عشرين عاماً غارقين في حربٍ مريرةٍ مفتوحة، أنفقوا خلالها تريليونات الدُّولارات وخسروا آلاف الجنود.

وكانت الخاتمةُ، بانسحابٍ متعجّلٍ مخزٍ، لخَّصته الصُّورةُ الشَّهيرةُ لطائرة الشَّحن العسكريَّة الأميركيَّة وهي تُقلع مِنْ مطار كابول، فيما كان بعض الأفغان الَّذين رهنوا مصيرهم بالاحتلال الأميركيّ يحاولون التَّعلّق بعجلاتها في محاولةٍ يائسةٍ للفرار، ليسقط بعضهم من السَّماء، في مشهدٍ بات رمزاً عالميَّاً للهزيمة السِّياسيَّة النَّكراء.

كما أنّ الدُّروسَ المستفادة مِنْ تجارب المقاومة في المنطقة، مِنْ لبنان إلى فلسطين إلى العراق واليمن، تؤكِّدُ أنّ المعادلةَ العسكريَّة التَّقليديَّة لم تعد وحدها الحاسمة في الصِّراعات الحديثة.

واليوم، لا يوفّر المعتدون الأميركيّون و«الإسرائيليون» فرصةً أو سبيلاً لإلحاق أكبر قدرٍ من الأذى بإيران لإجبارها على الاستسلام والخضوع لشروطهم السِّياسية المجحِفَة؛ لكنَّّها تردُّ الصَّاع صاعين لهم، وتؤكِّدُ أنَّ الاستسلام غير وارد بالنِّسبة لها، مهما كانت الأثمان باهظةً.

قال أرنست هيمنجواي، في روايته «الشَّيخ والبحر»: «الإنسان قد يُدمَّر؛ لكنَّه لا يُهزم». وهذه المقولة تنطبق على الدُّول أيضاً.

وبالمقابل، ثمَّة مَنْ لم يُدَمَّر، ولم يُمَسّ، أصلاً؛ لكنَّه مهزوم سلفاً؛ لأنَّه يفتقر للعزيمة والإرادة المستقِلَّة.