تأملات في الثورة العربية


هشام غصيب
الحوار المتمدن - العدد: 4171 - 2013 / 8 / 1 - 08:18
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية     


من الواضح أن الوطن العربي يمر منذ نهايات 2010 في مخاض ثوري غير مسبوق في تاريخ الأمة العربية. وكنا نتساءل قبل اندلاع أحداث تونس لماذا يتسم الشارع العربي بذلك القدر من السكونية والجمود والشلل، وعزونا الإخفاقات المتكررة للأمة العربية وحركاتها الثورية والنهضوية إلى إخفاق الأمة العربية عبر تاريخا المديد في تحقيق ثورتها الجماهيرية وإلى كونها الأمة الوحيدة تقريباً التي أخفقت في ذلك.

ومنذ عام 1989، الذكرى المئوية الثانية لاندلاع الثورة الفرنسية الكبرى، دب اليأس تماما في قلوبنا من إمكانية قيام الثورة العربية، حيث بدأ آنذاك يسود الاعتقاد بنهاية التاريخ ونهاية الثورة ونهاية الأزمات الرأسمالية؛ بدا وكأن الرأسمالية تغلبت نهائياً على تناقضاتها الداخلية ضمن إطار علائق الإنتاج الرأسمالية، ومن ثم على أزماتها البنيوية، وأنها توصلت إلى النظام السياسي الأمثل (الديموقراطية الليبرالية)، ومن ثم أفلحت في إلغاء ضرورة الثورات الشعبية، التي، على أي حال، أثبتت إخفاقها وهمجيتها وأنها تعبير عن حالة عدم النضج التاريخي للبشرية والرأسمالية ما قبل 1989.

وفي الذكرى المئوية الثانية للثورة الفرنسية الكبرى، سال مداد كثير في إدانة حقبة الثورات الممتدة ما بين 1789-1989، وبيان همجيتها، وربطها بالغباء التاريخي للبشر، وبيان انعدام الحاجة إليها. وصدق الرأي العام ذلك لعقدين من الزمان، بما في ذلك الرأي العام اليساري. فنبذ جل اليسارين الخطاب الثوري، وهيأوا أنفسهم للانخراط في الديموقراطية الليبرالية والنضال النقابي والبرلماني والإصلاحي، وانعكس ذلك على مجمل تفكيرهم وبناهم التنظيمية وممارساتهم.

وبرغم الحروب المدمرة التي شهدتها الفترة الممتدة ما بين 1989-2008، في إفريقيا ويوغسلافيا وأفغانستان والعراق وفلسطين، وبرغم الأزمات الاقتصادية هنا وهناك، إلا أن أسطورة النهايات (نهاية التاريخ، نهاية الثورات الشعبية، نهاية أزمات الرأسمالية) ظلت مهيمنة على الرأي العام العالمي، بما في ذلك الرأي العام اليساري؛ وهذا كله برغم إخفاق النيوليبرالية الرأسمالية في أكثر من بقعة، وبخاصة في أميركا اللاتينية، التي ما لبثت أن شهدت عودة اليسار إلى صدارة المشهد.

ثم جاء 2008، وبدأت معه أزمة مالية واقتصادية عالمية، يعدها الكثيرون أكبر وأعمق أزمة اقتصادية في تاريخ الرأسمالية. فبدأ خطاب النهايات يترنح تحت وطأة انهيار البنوك الكبرى وللتدخلات السافرة للدولة. كانت الصدمة كبيرة على الجميع حتى إن الملكة إليزابيث، ملكة بريطانيا، وبخت لقاء لكبار الاقتصاديين الغربيين، وسخرت منهم لعجزهم عن استشراف البركان المالي.

وفي نهايات 2010، إذا بثورات شعبية غير مسبوقة في تاريخنا تندلع، ابتداء بتونس، وإذا بها تمتد إلى مصر واليمن والبحرين وتحرك انتفاضات احتجاجية هنا وهناك في الوطن العربي. ولم يعد بإمكان خطاب النهايات المترنح أن يتحمل ذلك، فانهار وتفكك، ولكن من دون أن يقوم على أنقاضه خطاب ثوري بديل.

ولم يكن بمستغرب أن تأتي الثورة العربية في أعقاب أعمق أزمة تمر فيها الرأسمالية العالمية في تاريخها. فالثورات الحديثة جميعا اندلعت على خلفية أزمات مالية خانقة (الثورة الإنغليزية في القرن السابع عشر، والثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، والثورة الفرنسية عام 1830، والثورات الأوروبية عام 1848، والثورات الروسية في القرن العشرين، إلخ…). لذلك لا بدّ من ربط الثورة العربية بأزمة الرأسمالية العالمية.

وقد يكون من المفيد هنا أن نطبق على الثورة العربية مفهوم الحلقة الأضعف في السلسلة الرأسمالية، مفهوم لينين الأثير. فمن الواضح أن الحلقة الأَضعف في السلسلة الرأسمالية اليوم هي الوطن العربي بنظمه السياسية المافيوية الفاشلة ما قبل الرأسمالية، واقتصاداته الريعية الهشة، وطاقاته الإنتاجية المهدورة والمعطلة، وموارده المنهوبة والمهدورة، وتنميته المتعثرة، وأراضيه المحتلة، وسيادته المنتهكة، وهويته الضائعة، على غرار روسيا عام 1917.

وقد فاقم الوضع سوءا الغزو الإمبريالي التدميري للعراق والسيطرة الإمبريالية شبه الكاملة لمنابع النفط العربية وإلزام الأقطار العربية باتباع نهج الخصخصة والنيوليبرالية، الذي أضحى في البيئة العربية مرتعاً لفساد غير مسبوق.

ومثلما عدت الثورة الروسية عام 1917 مقدمة للثورة العالمية (التي لم تتحقق بالطبع)، فإنه يمكن أن نعد الثورة العربية نوعاً من الثورة الدائمة، أي مقدمة للثورة العالمية. وهناك دلائل على أن الثورة العربية هي نوع من الثورة الدائمة أفقيا وعموديا، جغرافيا واجتماعيا. فهي قد انطلقت من البؤرة التونسية لتعم الوطن العربي برمته، بل وأبعد منه. كما إنها آخذة في التجذر جاذبة إليها مزيداً من شرائح المجتمع وبمزيد من المطالب السياسية والاقتصادية.

ولكن، وكأي ثورة شعبية، فإنها تستفز قوى الثورة المضادة في الحلقات الأقوى. وبصورة خاصة، فقد استفزت الثورة العربية بملايينها قوى النظام الصهيوإمبريالي المهيمن، وفي مقدمتها الإمبريالية الأميركية والفرنسية والبريطانية والمشيخات النفطية وتركيا النيوعثمانية. إذ أدركت هذه القوى أن الثورة العربية تهدد هيمنتها موضوعيا، وإن عجزت حتى الآن عن تهديدها ذاتيا. وقد أحست هذه القوى بالخطر يحيط بها من كل جانب. إذ أنهكتها المقاومات اللبنانية والعراقية والأفغانية عسكرياً واقتصادياً. وتنامت قوة محور المقاومة والممانعة والاستقلال (إيران، سوريا، حزب الله) مدعومة من المراكز الصاعدة (روسيا والصين بخاصة) في مجابهتها. وإذا بالجماهير الشعبية تنتفض بملايينها في مجابهة أنظمة التبعية المافيوية. فما كان منها إلا أن تحركت في اتجاهين مكملين لبعضهما بعضا. إذ شنت هجوما ناعماً على الجماهير الشعبية، مستغلة ضعف التنظيم الذاتي للجماهير وغياب القيادات الثورية. فسلطت عليها قيادات ليبرالية وإسلاموية مضادة للثورة من أجل إعادة إنتاج هيمنتها بصورة أخرى.

واستطاعت بذلك أن تحد من وتيرة تمدد الثورة أفقياً وعمودياً. ومن جهة أخرى، نظمت هجوماً خشناً وشرساً جداً على الأقطار الخارجة عن سيطرتها الكلية. فشنت حربا تدميرية على ليبيا بمساعدة مرتزقتها الليبراليين والإسلامويين باسم الثورة العربية نفسها، من أجل وضع يدها على النفط والغاز الليبين وتدمير البنية التحتية الليبية وتمزيق المجتمع الليبي والتحكم في ليبيا بوصفها بوابة رئيسية للقارة الإفريقية. وبعد أن تم لها ذلك، حاولت اتباع السيناريو الليبي في سوريا، قلب محور الممانعة والمقاومة والاستقلال، مستغلة نقاط ضعف النظام السوري (الاستبداد الأمني، البرنامج النيوليبرالي) والطائفية والمذهبية. وعندما تعثر هذا السيناريو لأسباب متنوعة، وفي مقدمتها الفيتو الروسي والصيني، لجأت إلى سيناريوهات أخرى تذكرنا بسيناريو الكونترا الذي سبق أن اتبعته في نيكاراغوا في نهاية العقد الثامن من القرن العشرين في مجابهة السندينستا. والهدف منه تدمير سوريا وتمزيق نسيجها الاجتماعي وإجبار النظام على تقديم تنازلات مؤلمة، تماماً كما حصل مع نيكاراغوا قبل ربع قرن. فتحولت سوريا إلى غابة تسرح فيها وتمرح الوحوش والكلاب المسعورة من كل حدب وصوب ومن سائر أرجاء المعمورة. وما زال الصراع محتدماً بالطبع.

وبرغم هذه الهجمة الشرسة، فهناك ما يشير إلى أن الثورة مستمرة وأن الجماهير مصممة على التغيير وعلى إيجاد مخارج لأوضاعها التي لا تطاق. وثورة 30 يونيو 2013 هي خير دليل على ذلك. لقد ظنت الإمبريالية الأميركية وقطاعات من البرجوازية المصرية أن الإخوان المسلمين، بأيديولوجيتهم الأفيونية ومؤسساتهم الإعالية وتنظيمهم المحكم، سيفلحون في ترويض الجماهير الثائرة والمتململة، معتمدين في ذلك على نسبة الأمية العالية في مصر وعلى عمق التراث الديني في منطقتنا. لكن، هيهات! فالاقتصاد والقهر والصراع الطبقي هي محركة التاريخ، وهي قادرة على تخطي الأفيون بكل أصنافه. لذلك جاءت ثورة 30 يونيو أعمق من ثورة 25 يناير، حيث إنها جاءت ثورة عارمة على أكبر وهم آيديولوجي عشش في وعي جماهير الأمة العربية.

ولكن، علينا أن نعترف أن الثورة العربية تعرف حتى الآن ما لا تريد، لكنها لا تعرف تماما ما تريد ولا كيف تصل إلى ما تريد. كذلك، فلئن حولت الجماهير (المصرية والتونسية بصورة خاصة) نفسها إلى قوة مؤثرة تاريخياً، فإنها لما تحول نفسها إلى سلطة بديلة. ويعود ذلك إلى أن الثورة العربية هي ثورة جماهيرية عارمة بقيادات غير ثورية، بمعنى أنها لما تفرز قيادات ثورية تعكس الزخم الثوري للجماهير وتقود الجماهير من أجل تحقق تغييرات جذرية تجدد حياة الوطن والأمة. ولكن، أحسب أنه، مع تفاقم أزمة الرأسمالية، واشتداد وقعها على الوطن العربي، ستتجه الجماهير صوب قيادات وتغييرات أكثر راديكالية مما شهدناه حتى الآن.

والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح ههنا هو: ما المضمون الطبقي للثورة العربية، وبخاصة في مصر وتونس؟ هل هي ثورة الطبقة الوسطى المدنية على الاستبداد الشرقي ومخلفات عصور ما قبل الرأسمالية من أجل تحديث النظام السياسي العربي؟ ربما. ولكن، علينا أن ننتبه إلى أن الطبقات الوسطى التي انتفضت ليست طبقات وسطى تقليدية. رأس حرب الثورة العربية هو الشباب المتعلم المدجج بالمهارات التكنولوجية الحديثة. والأولى أن نسمي أولئك الشباب بروليتاريا ذهنية، حيث إنهم يكدحون بأذهانهم لخلق الثروات الهائلة، التي لا يطالهم شيء منها، تماماً كما يفعل البروليتاريون التقليديون. كذلك، تتفشى البطالة في صفوفهم على غرار تفشيها في صفوف العمّال الصناعيين. ولهم أطرهم التنظيمية الخاصة التي تتوافق مع مهاراتهم العلمية الحديثة. ومع أن وعيهم ما زال ليبرالياً بسقف برجوازي، إلا أن ذلك لا يعني أنه وعي طبقي ثابت يعكس وضعهم الطبقي الفعلي، وأنه غير قابل للتحول والتبدل. كلا! فمع تفاقم الأزمة العالمية وامتدادها العربي، فإني لا أستبعد أن يتجذر وعي هذه الفئات ويتخطى السقف البرجوازي، خصوصاً بالنظر إلى تنامي غضب الطبقة العاملة التقليدية وعدد إضراباتها وعدد المنخرطين في الثورة من أبنائها. إن الثورة العربية هي ثورة برجوازية مدنية بمضمون عمالي متحرك، ربما كالثورة الفرنسية الكبرى (1789). لكن، لئن لم يكن من الممكن للثورة الفرنسية تخطي سقفها البرجوازي في ظل الظروف التاريخية السائدة آنذاك، فإن الظروف المعاصرة قد تتيح للثورة العربية ذلك.

بقي أن نقول إن علينا أن نتدبر الظروف العيانية لكل قطر عربي على حدة، إذا أردنا أن نلم بحيثيات الثورة العربية بعيانيتها. ولنأخذ الأردن مثالاً.

الأردن قطر جيوسياسي بامتياز. فهو خاضع للهيمنة الأميركية، ويعده الكيان الصهيوني فناءه الخلفي، وتعده المملكة العربية السعودية جدارها العازل الشمالي. وقد أريد له أن يكون موئلاً وملاذاً ومخيماً لملايين اللاجئين القادمين من الأقطار المحيطة ضحية العدوان الصهيوإمبريالي (فلسطين، لبنان، العراق، سوريا). كما أريد له أن يكون وطناً بديلاً للفلسطينيين في سياق إقامة الدولة اليهودية على كامل الأرض الفلسطينية وعلى حساب الشعبين العربيين الفلسطيني والأردني. وقد قاد النهج النيوليبرالي، الذي ساد في العقدين الأخيرين، البلاد إلى نفق المديونية المفرطة والعجز الكبير في ميزانية الدولة وبيع مؤسسات الدولة بثمن بخس وتنامي مؤسسة الفساد بصورة فاحشة وتفكيك جزء كبير من قاعدة السلطة السياسية. لذلك كله، وبرغم تردي الأوضاع المعيشية لغالبية الشعب الأردني، وتنامي سخط قطاع واسع من الجماهير على هذه الأوضاع، وبرغم الإضرابات العمالية والاعتصامات والمسيرات والانتقادات الحادة الكثيرة، فإن لم ينشأ في الأردن وضع ثوري.

وهذا الأمر يرتبط بصورة أساسية بالحساسية الجيوسياسية الشديدة للأردن وصغره النسبي وتركيبته الديموغرافية الخاصة المرتبطة بقضية عالمية، هي القضية الفلسطينية، وضعف أحزابه الوطنية، وطغيان تنظيم الإخوان المسلمين بأجندته الإقليمية ومرجعيته التاريخية. وقد حال ذلك كله دون تراكم الاحتجاجات والسخط إلى حد الانفجار الثوري. لكن هذا لا يعني البتة أن الوضع الأردني مستقر وتحت السيطرة. كلا! فمؤسسات المجتمع آيلة إلى التأزم والانهيار، والوضع الاقتصادي آيل إلى التردي المتسارع، والوضع الإقليمي لا ينبئ بخير. فاحتمالات الهبات والانتفاضات قائم بالفعل، خصوصاً في ضوء ما نشهده حالياً في المجتمع الأردني من مظاهر عنفيه عبثية وتفكيكية مثيرة للقلق. إذ ارتد انسداد آفاق التحول الثوري في الأردن على المجتمع الأردني على صورة عنف عبثي بين الأفراد والمجاميع وتفكك للمؤسسات والأطر الاجتماعية المتنوعة. والخلاصة أننا مقدمون على حالة من عدم الاستقرار، وربما الفوضى، إذا ظلت آفاق التحول الثوري مسدودة على هذا النحو.

وختاماً، نقول إن الثورة العربية مستمرة، لكن الثورة المضادة وما يصاحبها من حروب مستمرة أيضاً. والأهم من ذلك كله هو أن يعد اليسار العربي نفسه، فكرياً وتنظيمياً، لذلك، لكي يكون فاعلاً في الساحة الثورية العربية، يؤثر فيها ويتأثر بها، في سياق توجيه الطاقة الثورية للجماهير صوب التحرر والتقدم والنهوض.