ملاحظات حول فلسفة نيتشه


هشام غصيب
الحوار المتمدن - العدد: 3904 - 2012 / 11 / 7 - 20:30
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع     


قرأت نيتشه مبكراً، وأنا في الواحدة والعشرين من عمري. لكني قرأته في حينها بوجداني، لا بعقلي. فزعزع كياني آنذاك بأسلوبه اللاذع الحارق وأفكاره الجنونية غير المألوفة وتحدياته التي لا تنقطع وقحته اللامحدودة. فعل فعله في ذاتي وصرت أردد كلماته وأفكاره بلذة وفخار من دون أن أكون مقتنعا تماما بها، لأنها لم تكن تستجيب بالفعل لما كان يعتمل في ذاتي آنذاك من هواجس وآلام وإشكالات وتناقضات وأسئلة وشكوك وحيرة. لذلك، فسرعان ما قادني نيتشه إلى طريق مسدودة، كان المكوث عندها يعني الانتحار الروحي. لذلك، كان لا بد لي من تخطيه من أجل الحياة والفعل الخلاق. وهذا ما أتيح لي أن افعله حين اكتشفت التراث الهيغلي، وبخاصة كارل ماركس. فساعدني ماركس على تخطي نيتشه بخاصة، والفلسفة البرجوازية بعامة، صوب آفاق جديدة لا حصر لها. وهاأنذا أعود إلى قراءة نيتشه بعد عقود من الزمان، ولكن هذه المرة ليس بوجداني وحماسي الغض، وإنما بعقلي البارد. ويبقى ماركس شامخاً وماثلاً ورائعاً ومؤسساً لآفاق لانهائية. فماركس هو الأًصل والأساس. أما نيتشه، فهو تفصيل مهم على خلفية ماركس اللانهائية. فماركس لا غنى عنه للحياة والسياسة والعمل العام والاقتصاد والثقافة. أما نيتشه، فتنحصر أهميته في الفلسفة البحتية والسيكولوجيا. ولئن كان ماركس مثال الثوري والفكر الثوري بامتياز، فإن نيتشه لم يكن ثوريا بمعنى ماركس أو داروين أو آينشتاين، لكنه اتسم بقحة فكرية قل نظيرها وتجعل منه مثالا لفلسفة الحداثة بامتياز.

هل يمكن الكلام عن نيتشه؟ هل هو قابل لأن نتكلم عن فلسفته بصورة مترابطة؟ يبدو للوهلة الأولى أن فكر نيتشه ينقصه التحديد والتماسك والترابط والانسجام. إنه بالتأكيد منجم من الأفكار العميقة والمثيرة، لكننا نشعر أن هذه الأفكار غير مؤسسة عقليا وتخلو من الحجج المفصلة, علاوة على أنها، ظاهرياً على الأقل، غير مترابطة، بل وتبدو متناقضة معا في كثير من الأحيان، برغم وحدة روحيتها.

ومع ذلك، فإن قراءة نيتشه تولد الشعور أن هناك ترابطات عميقة مستترة بين هذه الأفكار. لكن اكتشافها يستلزم التأويل، بل عدة تأويلات، لأنه ليس هناك تأويل واحد احد يمكن أن ينسج كل هذه الأفكار في نسيج واحد موحد. فقد يفلح التأويل في ربط بعضها فقط، لكن ليس هناك تأويل واحد جامع شامل. إذ إننا في حاجة إلى عدة تأويلات، قد يكون بعضها متناقضاً مع بعضها الآخر، لاستيعاب جلّ أفكار نيتشه.

وهذا يعني أن الكلام عن فلسفة نيتشه ممكن، ولكن فقط على أساس التأويل المتعدد والمتواصل، وعلى أساس دفع المستمع صوب قراءة نيتشه بصورة مباشرة وتقديم تأويلات جديدة لفكره.

هل كان نيتشه فيلسوفا بالمعنى السائد للكلمة؟ لقد عني نيتشه بما يسميه الألمان الروح geist، أي بالفلسفة والدين والأدب والموسيقى والفن وعلم النفس وتاريخ العلم. وكرس جزءاً كبيراً من كتاباته لنقد الفلسفة وتفكيك الفلسفة الكلاسيكية، أو ما أسماه هيدغر الميتافيزيقا. لكنه لجأ في سبيل ذلك إلى الأساليب السيكولوجية والشعرية والدينية أكثر من لجوئه إلى الحجة الفلسفية. وما عليك سوى مقارنة فكره بفكر سبينوزا أو ليبنتس أو كانط لكي ترى ذلك. إنه يريد أن يزعزع يقينه الأفكار بهكذا أدوات (قارن مع ديكارت). لكنه غير معني بدحضها منطقيا وفلسفيا. بل إنه كان يعد الدحض المنطقي نوعاً من الدجل والخداع والفساد والانحلال الثقافي لا يليق بفيلسوف أصيل.

وبالنظر إلى قحته الفكرية غير المسبوقة ومنسوبه النقدي العالي وسعيه الدؤوب للغوص في أعماق الأعماق وتفكيك الأسس والمسلمات والأصول النهائية، فقد كان فيلسوفا بامتياز، وإن لجأ في كثير من الأحيان إلى أدوات غير فلسفية. فقد أصر في أكثر من موقع في كتاباته على أننا لا نستطيع أن نلتقط الواقع ونتملكه، بالقدر الذي يمكن لنا أن نفعل ذلك، بالحجج المفصلة والنظم الفلسفية المهيبة، وإنما بالشذرات والصدمات الصاعقة، بل وربما بالأفكار المتناقضة معاً.

لذلك كله، جاء تأثيره متنوعاً وفي اتجاهات شتى. فهو قد أثر بعمق على اليمين الفاشي، على هتلر ومنظري النازية تحديداً، وعلى الوجوديين، وبخاصة هيدغر وياسبرز، وعلى المحافظين الجدد الأميركيين، وبخاصة على ليوشتراوس وآين راند. لكنه أثر أيضاً على اليسار بمعناه الواسع العريض، مع أنه كان عدواً لدوداً للاشتراكية والاشتراكيين. ومع أنه لم يقرأ حرفا واحدا من ماركس وإنغلز، إلا انه تبنى وجهات نظر تكاد أن تكون النقيض الكامل لوجهات نظر ماركس وإنغلز حول العديد من الأمور. وقد تأثرت به بعض نخب الاشتراكية الألمانية. لكن أثره الأكبر تركز في مدرسة فرانكفورت الماركسية، في هوركهايمر وأدورنو وماركوزه. كذلك، فقد ترك أثراً كبيراً على فلاسفة ما بعد البنائية وما بعد الحداثة، وبخاصة على جيل دولوز وميشيل فوكو وجاك دريدا وفاطميو. هذا ناهيك بأثره الكبير في الأدب وعلم النفس والموسيقى.

لقد كان نيتشه فيلسوفا بامتياز، لكنه لم يكن مجرد فيلسوف، وإنما كان أيضاً عالم نفس بمعنى من المعاني، وشاعراً متميزاً، وناثراً نادراً باللغة الألمانية، وموسيقاراً. وقد اخذ من فن الرسم فكرة المنظور Perspective، التي شكلت محوراً أساسيا من محاور فلسفته. ففرقع أفكاره الجديدة الأصيلة من منظورات متنوعة، الأمر الذي قد يفسر تنوع هذه الأفكار المربك والضعف الظاهري لتماسكها وتناقضها الظاهري في بعض الأحيان، ولماذا لم يحسم أمره بشأنها. وكأن لسان حاله يقول: لكل فكرة الحق في الوجود والحياة والتطور.

لقد شكك الفلاسفة الأنغلوسكسون في كون نيتشه فيلسوفا وألمحوا إلى كون نصوصه هذيان مجنون. لكن الرأي العام الفلسفي الأنغلوسكسوني اليوم تغير تماماً وأخذ ينحو منحى المتفهم لفرادة نيتشه الفيلسوف. وتكمن هذه الفرادة في أن نيتشه يغوص في الأفكار والحالات بلا انقطاع ويسائل ويفكك ويشكك ويسخر ويؤسس وينقد ويناقض ويصعق ويهجو ويلعب بالأفكار ويجرب بلا حدود، فلا يصل إلى نهاية أو خاتمة، وإنما يبقي كل شيء مفتوحاً على كل الاحتمالات، ويصل احياناً إلى حالات مستعصية من الحيرة والتناقض. إنه يمثل العقل التفكيكي في اجلى صوره، مثلما يمثل سبينوزا أو ليبنتس أو فولف العقل التركيبي في أجلى صوره.

وهناك نزعة وجودية جلية في نيتشه تتمثل في اعتبار الفلسفة ليست انعكاسا موضوعيا لواقع ما، وإنما في اعتبارها تعبيراً عن حالات ذاتية، حالات سقم وصحة فردية. فالفلسفة، وفق نيتشه، هي فن تحويل هذه الحالات إلى فكر أو إلى أكثر الصور روحية وأبعدها عن مصادرها. فالذاتية هي الأساس إذاً، تماماً كما لدى كيركغور.

فالأفكار، وفق نيتشه، لا تنبع ميكانيكيا من برمجة معينة، وإنما تنبع من الألم الذاتي والمعاناة الذاتية. وكما يعبر عنها نيتشه في كتابه، “العلم البهيج ” The Gay Science “: “إننا (نحن معشر الفلاسفة) لسنا ضفادع مفكرة. ولسنا آليات تسجيل ورصد وتموضع استؤصلت جوانيتها، وإنما علينا أن نولد أفكارنا من آلامنا. وكالأمهات، علينا أن نكسبها كل مانملكه من دماء وقلوب ونيران ولذة وعاطفة وألم وضمير وقدر وكوارث. فنيتشه رأى ضرورة الألم والمرض للحياة بعامة، وللفلسفة بخاصة.

نيتشه وعصره:

ولد نيتشه عام 1844 في ألمانيا، وتوفي جسديا عام 1900. أقول جسدياً لأنه توفي فكريا عام 1889، حينما أصيب بانهيار عقلي في مدينة تورين في ايطاليا، ظل بعدها في كنف والدته وشقيقته حتى وفاته الجسدية. وقد عاش نيتشه حياة غير نمطية مليئة بالمكابدة والوحدة والمرض والتجارب الذاتية غير المألوفة، الأمر الذي هيأة لحياة ذهنية غير نمطية ولتحدي المقدسات والأفكار السائدة والرائجة بعمق وقحة وراديكالية قل نظيرها.

وقد عاش نيتشه في ألمانيا عقب هزيمة ثورات 1848، في بيئة هيمنت عليها الرجعية البروسية والثورة المضادة. وحين اندلعت كومونة باريس وصفيت، كان شابا يافعا في السابعة والعشرين من عمره. وشهد توحيد ألمانيا على يدي بزمارك وبروز ألمانيا الموحدة بوصفها أعظم قوة صناعية في العالم وإحدى اقوي الإمبراطوريات الحديثة. وعاش وفكر وكتب عشية تحول الرأسمالية من مرحلة السوق الحرة إلى مرحلة الرأسمالية الاحتكارية والإمبريالية. ولعل أهم محاولة لربط فكر نيتشه بهذه الخلفية التاريخية هي المحاولة التي أجراها الفيلسوف المجري الماركسي، جورجي لوكاتش، في كتابه، “تحطيم العقل”.

أما فكريا وثقافيا، فقد عاش نيتشه في مرحلة ما بعد هيغل، أي في مرحلة انحسار هيغل وبروز غريمه، آرتور شوبنهاور. بذلك، فقد فلسف نيتشه تحلل المثالية الألمانية والثقافة الدينية في ألمانيا.

كتاباته:

برغم حياته القصيرة، كتب نيتشه عدداً كبيراً من الكتب المنشورة وترك وراءه عدداً كبيراً من الدفاتر غير المنشورة. وكتبه صعبة وتستلزم جهوداً تأويلية وتفسيرية كبيرة. وأعماله المنشورة هي: مولد التراجيديا (1872)، ديفد شتراوس (1873)، حول حسنات التاريخ وسيئاته للحياة (1874)، شوبنهاور بوصفه معلماً (1874)، نحن علماء الكلاسيكيات (1875)، ريخارد فاغنز في بايرويت (1876)، مقالات مبكرة، إنساني: إنساني جداً (1878)، الفجر(1881)، العلم البهيج(1882)، هكذا تكلم زرادشت، أربعة مجلدات (1883-1885)، ما بعد الخير والشر (1886)، جينيولوجيا الأخلاق(1887)، مسألة فاغنر(1888)، غسق الأصنام(1888)، ضد المسيح (1888)، نيتشه نقيض فاغنر(1888)، هذا هو الإنسان(1888)، إرادة القوة(1888).





أسلوبه:

لجأ نيتشه إلى أساليب متنوعة تربطها ذات واحدة وروحية واحدة. وأسلوبه ناري عاطفي حارق ينبض حركة وحياة. وهو يعد ربما أعظم ناثر باللغة الألمانية منذ مارتن لوثر. ولم يكتب نصوصا متصلة متماسكة، كما هو الحال مع كانط مثلا، وإنما تشكلت جل نصوصه من شذرات وفقرات قائمة في ذاتها ومقالات وقصائد وحكم. فهو لم يسع إلى بناء نظام فلسفي، كما هو الحال مع ليبنتس وكانط وفيخته وشلنغ وهيغل وشوبنهاور، ليس لأنه كان عاجزاً عن تحقيق ذلك، ولكن لأنه رفض فكرة النظام الفلسفي وعدها فكرة زائفة مزورة في أساسها، وعد بناء نظام فلسفي إشارة إلى الضعف والفساد والانحلال الثقافي. كذلك، فقد عدّ الحجة الفلسفية المطولة نوعا من الزيف يخفي وراءه مستنقعا من النزعات المستترة. لذلك جاءت كتاباته فيضا من الومضات الحارقة، التي كانت تهدف إلى إنارة جوانب مهمة من الوضع الإنساني، والى تفكيك القيم والأفكار الرائجة. وكما قلت سابقا، فلم تكن فلسفة نيتشه ثورية كما فلسفة ماركس، لكنها كانت تتمتع بقحة غير مسبوقة، الأمر الذي جعلها مثيرة للقلق وقادرة على زعزعة النفوس وخلخلتها ودفعها صوب التمرد على الرائج. إذ إنها شككت واستجوبت ما لم يشكك فيه أو يستجوب. وهي لم تلجأ إلى نقد السائد والرائج بالحجج العقلية الفلسفية المألوفة، لكنها شككت فيها ببيان إمكانية نفيها ونتائج ذلك والحفر في جذورها. وهو لم يخاطب العقل وحده، وإنما خاطب أيضا الوجدان والعقل الباطن والحس الجمالي وروح التمرد. لذلك، جاءت شذراته صاعقة وفضائحية وأثارت الأسس الوجدانية للمعتقدات والأفكار. هل كانت هذه الومضات منسجمة منطقيا مع بعضها بعضا؟ ليس بالضرورة. وعلى أي حال، فهو لم يحاول أن يوفق بينها بصورة مصطنعة. ولربما كانت أي محاولة من هذا القبيل طريقة أكيدة لتحطيم روح هذه الومضات. وفي هذا السياق، فقد لاحظت أن نيتشه، الذي ألمحه من قراءته بصورة مباشرة، هو غير نيتشه، الذي تظهره الكتابات الكثيرة عنه. ولربما كان السبب في ذلك هو محاولة أولئك الكتاب والباحثين حشر ومضاته عنوة في قوالب منطقية جاهزة، وتنظيم ما هو غير قابل للتنظيم.

هناك مشكلة في قراءة نيتشه تتمثل في أنك في حاجة إلى مراجعة تأويلاتك مع كل شذره أو فقرة جديدة. فقد تستقر عند فهم معين لشذرة ما. لكنك سرعان ما تصل إلى شذرة جديدة تضع علامات استفهام عريضة على هذا الفهم. إن نيتشه هو أكثر فيلسوف مثيراً للحيرة في تاريخ الفلسفة.

هل هناك نوع من الترابط بين الشذرات؟ ربما؟ لكنه ليس معطى وليس مقصوداً. عليك أن تبحث عنه في الشذرات نفسها وفي ترتيبها. عليك أن تكتشفه بالتأويلات المتواصلة. فلا سبيل إلى الوصول إلى معنى نيتشه إلا بتجربة التأويلات.



جهازه المفاهيمي :

ربما كان من الأدق أن نسميه كومة مصطلحاته. فهو ليس جهازا بالمعنى الدقيق للكلمة. وهي ليست مفهومات بقدر ما هي مصطلحات. إذ نرى مصطلحات مبتكره كالآتية مبعثره في كتابات نيتشه: موت الله، الانحلال الثقافي، العدمية، الحقد الدفين، إعادة تقويم القيم جميعا، العود الأبدي، الرجل العلوي، أخلاقيات السيد والعبد، الوحش الأشقر، إرادة القوة، دايونسوس، زرادشت، العلم البهيج، الخ…

وقد سخرها أداة في تفكيك سقراط وأفلاطون،والمسيحية، والأديان الأخرى، والميتافيزيقا، والفلسفة الكلاسيكية، وكانط، وفاغنر، والليبرالية، والديموقراطية، والاشتراكية، والعديد من الرموز الموسيقية والأدبية والفلسفية والتاريخية.

منهجية نيتشه :

نيتشه فيلسوف نقدي بامتياز. لكن نقده ليس من النوع المنطقي العقلي. ويغرى المرء بنعته نقداً شعرياً. فهو يسخر من المفكرين والأفكار، يهدمهم، يصورهم بصورة كاريكاتورية، يلعب بالأفكار والمعتقدات لكي يجردها من ضرورتها. فهو يقلل من شأن فكرة ببيان إمكانية نقيضها ومعقوليته، وببيان جذور الفكرة وأرضيتها ومصدرها اللاعقلي. وهو دوما صاعق صادم. هذه طريقته في تحطيم الأفكار. ومن هذا المنظور، فقد لجأ إلى تكتيكات الأنبياء. فمثلما لجأ يسوع المسيح إلى صدم مستمعيه بمناقضة كل مبدأ رائج بينهم (العين بالعين مثلاً) والتأكيد على نقيضه، لجأ نيتشه إلى تكتيكات شبيهة. ويمكن القول إنه استوعب تكتيكات الأنبياء والشعراء بعمق أكبر من استيعابه تكتيكات الفلاسفة العقلية المعهودة.

انظر مثلا إلى الطريقة التي يستهل بها كتابه، “مابعد الخير والشر” (1886). فهو يستهله بالقول الصادم: “ماذا لو كانت الحقيقة امرأة ؟ ماذا بعد؟” ولهذا القول نتائجه الوخيمة. إذ كان معروفاً عن الفيلسوف النمطي أنه جامد يابس جدي غير مؤهل للتعامل مع النساء. بذلك، فإن نيتشه يوحي أن الفيلسوف النمطي الكلاسيكي غير مؤهل للتعامل مع الحقيقة، برغم زعمه المتواصل أن الحقيقة مبتغاه. لكن نيتشه لا يتوقف عند سيكلوجية الفيلسوف، وإنما يتعداها إلى طبيعة الحقيقة الفلسفية، ومن ثم طبيعة الدوغما الفلسفية أو الميتافيزيقا. فهو يعلن منذ البداية موت الدوغما الفلسفية، موت الميتافيزيقا. وهذا ما لاحظه وأكد عليه لاحقا الفيلسوف الألماني، مارتن هيدغر. وموت الدوغما الفلسفية هو جزء من مصطلحه الشهير، موت الله. فموت الله لا يعني فقط موت الدين، وإنما أيضا موت الميتافيزيقا، موت الفلسفة الكلاسيكية. بيد أن نيتشه لا يفرق تماماً بين الدوغما الدينية والدوغما الفلسفية. فهو يعد الدين ميتافيزيقا العامة، أو ميتافيزيقا مشعبنة. وعلى سبيل المثال، فهو يعد المسيحية أفلاطونية مشعبنة. لكنه، ومع ذلك، لا يعد الفلسفة الكلاسيكية خالية من القيمة التاريخية، وإنما يعدها مقدمة لا بد منها للفلسفة الجديدة التي يبشر بها، تماماً مثلما أن التنجيم كان مقدمة لعلم الفلك والسيمياء مقدمة لعلم الكيمياء.

وعلى أي حال، فإن نيتشه يرى أن الميتافيزيقا، ابتداء بأفلاطون، بما في ذلك ما يسمى الأديان السماوية، هي خطأ كبير معطل للحياة. وقد بدأ هذا الخطأ عندما ابتكر أفلاطون كذبة الروح البحتة والخير المطلق، التي وجدت تعبيراتها المتنوعة مذاك في الأديان والفلسفة. لكن مجابهة اوروبا الحديثة لهذا التراث الأفلاطوني الديني وتخلصها من هذا “الكابوس”، حسب تعبير نيتشه، جعلها تتنفس بحرية واكسبها توترا عاليا يمكنها من أن تسعى لتحقيق أعلى المرامي. وهنا ينبغي أن نشير إلى أن نيتشه لا يعد الميتافيزيقا خطا لأنها ليست مطابقة لواقع موضوعي مزعوم، وإنما لأنها تعوق الحياة، وربما لأنها تنبع من خطا لغوي.

نقد نيتشه لمفهوم الحقيقة:

بدلا من أن يركز نيتشه على مفهوم الحقيقة الفلسفية وينقده عقليا، فانه يبدأ بالتركيز على إرادة الحقيقة. لماذا يسعى الإنسان إلى الحقيقة؟ وهذا السؤال عن جذور إرادة الحقيقة يقوده إلى السؤال عن قيمة إرادة الحقيقة. وسؤال القيمة هو السؤال المحوري دوما في فلسفة نيتشه. وسؤال القيمة يدفعه إلى سؤال فضائحي من الناحية الفلسفية: لماذا ينبغي أن نتبع إرادة الحقيقة؟ لماذا لا نتبع إرادة اللاحقيقة، اللايقين، الجهل حتى؟ لماذا لا نسعى إلى اللاحقيقة؟ سؤال نيتشوي بامتياز.

وببحثه عن جذور قيمة إرادة الحقيقة يصل نيتشه بنا إلى جذور الميتافيزيقا نفسها. ويبدو أن نيتشه يعتبر أي نظام فكري يرتكز إلى مسلمات ومطلقات ميتافيزيقيا، سواء أبانها العقل، كما في الفلسفة، أو أبانها “الوحي”، كما في الدين. إذ يرى أن الميتافيزيقيين جميعا ينطلقون من التعارضات المطلقة، بين الحقيقة والخداع، بين الكرم والأنانية، بين الحكمة والرعونة. ولا يخطر على بالهم أن هناك روابط عضوية بين طرفي كل تعارض. لذلك، لا يخطر على بالهم أن إرادة الحقيقة يمكن أن تنبع من إرادة الخداع، وان الكرم يمكن أن ينبع من الدوافع الأنانية، وان الحكمة النقية يمكن أن تنبع من الرعونة. لذلك، نراهم يخترعون عالما علويا مثاليا لا بد أن تنبع منه الحكمة والكرم والحقيقة. وليس لهذا العالم العلوي أي علاقة بالعالم السفلي الواقعي. وهكذا، فهم يشتقون ما يسمى معرفتهم، حقيقتهم المزعومة، من محض معتقد، من نظام قيمي. ولا يخطر على بالهم قط أن قيمة أعلى وأكثر جذرية ترتبط بالظاهر والخداع والأنانية، ولا أن قيمة العالم العلوي المتخيل يمكن أن تكون متجذرة بصورة مستترة في العالم الزائف الواقعي. لكن إدراك ذلك قد يحتاج إلى نشوء فلاسفة من نوع جديد متحررين من سطوة الدوغما أو الميتافيزيقا.

إن نيتشه يريد أن يكتشف السر اللاعقلي، أو ما قبل العقلي، للخطاب الفلسفي الكلاسيكي، أي للميتافيزيقا.

هل يعني ذلك انه أراد أن يكتشف السر الآيديولوجي للفلسفة، كما أراد ماركس؟ لا أظن ذلك. فلم يكن نيتشه معنيا بالآيديولوجيا بالمعنى الاجتماعي، وإنما كان معنيا بالمعنى السيكولوجي، أو الفيزيولوجي، كما عبر عنه. وبصورة خاصة، فقد أراد الوصول إلى السر الأخلاقي للفلسفة. والأخلاق، وفق نيتشه، تنبع أصلاً من السيكولوجيا والفيزيولوجيا. ذلك أن نيتشه لم يعد الفلسفة أو الميتافيزيقا ظاهرة معرفية في جوهرها، وإنما عدها ظاهرة أخلاقية بامتياز، وإن حاولت أن تخفي قلبها الأخلاقي بغطاء معرفي منطقي.

ويرتبط هذا التصور للفلسفة بإدراكه أن الوعي متجذر في الغريزة. وهو قد سبق فرويد إلى ذلك. بل ربما اشتق فرويد هذه الفكرة أصلا من نيتشه نفسه بصورة مباشرة. فالوعي، وفق نيتشه، توجهه الغريزة والمتطلبات الفيزيولوجية. لذلك نراه يطرح السؤال الفضائحي الآتي: هل يمكن أن تشكل اللاحقيقة شرطاً من شروط الحياة؟ وهنا، لا بد من الإشارة إلى أهمية مفهوم الحياة لدى نيتشه. فهو قد وضع الحياة انطولوجيا فوق الواقع الموضوعي وفوق العقل. وهو بهذا المعنى كان فيلسوف اللاعقلانية بامتياز، كما وصفه جورجي لوكاتش.

ومثاله الفلسفي الأكبر على دور اللاحقيقة في دعم الحياة هو مقولات كانط، التي تشكل الخبرة البشرية والعالم المدرك. فهو يعد هذه المقولات زائفة، أي مجرد ابتكارات أو خيالات منطقية. ومع ذلك، فقد عدّها ضرورية، ليس بمعنى كانط، وإنما ضرورية للحياة. فالحياة تغدو مستحيلة من دون هذه الخيالات التي يبتكرها الإنسان ويسلطها على الطبيعة بفوضاها ولأنهائيتها ولا أباليتها وثرائها المربك وطاقتها الزاخرة. وهو بذلك لا يكتفي بنفي موضوعية مقولات كانط، كما فعل كانط نفسه، وإنما يجردها من أي قيمة معرفية ونظرية. إن قيمتها أخلاقية فيزيولوجية لا أكثر ولا اقل. وهكذا، فإن نيتشه يرى أن الإنسان يخلق عالمه الخيالي بإسقاط مبتكراته الفكرية والمنطقية على الطبيعة وتبسيط خبرته وحواسه بصورة زائفة من اجل الحياة. إن الحياة، لا العقل، هي منبع هذه الخيالات المنطقية.

لذلك، نرى نيتشه يشن هجوما عنيفا وكاسحا على الفلاسفة الكلاسيكيين، واصفا إياهم بالصبيانيين والسذج والكذبة. فحججهم المنطقية وجدلياتهم هي مجرد تكتيكات إغوائية تخفي وراءها جملة من التحيزات والمعتقدات الزائفة. ونراه يسخر بصورة خاصة من ديالكتيك كانط المفصل ومن أسلوب سبينوزا الهندسي المتشعب. فهو ينظر إلى الإنسان على أنه ساحة للنزوعات والدوافع المتصارعة، التي تسعى كل منها إلى الاستفراد بالساحة وفرض نفسها على حساب الأخريات. ويرى أن نزعة المعرفة لا تمت بصلة إلى الفلسفة. إنها قد تكون مرتبطة بالعلم والبحث العلمي. لكنها ليست مرتبطة البتة بالفلسفة. فالأخيرة تحكمها الأخلاق. فمهما بدت الفلسفة محكمة منطقيا، فهي محكومة جوهريا بالأخلاق. فالذي يحرك الفلاسفة هو الإيمان، وليس المنطق البارد. لذلك، نرى نيتشه يؤيد ابيقور في قول الأخير إن الفلاسفة ممثلون يتظاهرون بغير حقيقتهم.

وفي هذا السياق، فإنه يحاكم زعم الرواقيين أنهم يريدون أن يعيشوا وفق الطبيعة. وهو يعريهم بالقول إن الطبيعة هي عكس الإنسان في كل شيء، حيث إنها لانهائية ولاأبالية وفاحشة الثراء وغير عادلة وغير هادفة. من ثم فلا يمكن أن يكون الرواقيون قد عنوا ما يقولونه. ولا بد أن معناهم الدفين هو أنهم أرادوا فرض الرواقية على الطبيعة نفسها، أي خلق الطبيعة على شاكلتهم ومثالهم، أي إسقاط إرادتهم على الطبيعة. من ثم، فإن الفلسفة هي نوع من الطغيان. إنها إرادة القوة في أكثر صورها روحية. إنها إرادة الخلق.

مشروع نيتشه الفلسفي:

هل كان لنيتشه مشروع فلسفي، أم إن فلسفته كانت مجرد كومة من الشذرات والومضات والتبصرات المتنوعة والمتفرقة؟

بعد قراءة متأنية لأعماله الرئيسية، أخلص إلى القول إنه كان بالفعل صاحب مشروع فلسفي. وإذا أردت أن أضع عنوانا مختصرا لهذا المشروع، فإني أختار: نقد الحداثة صوب تخطيها.

وقد نقد نيتشه الحداثة بدلالة مفهومات كموت الله، والعدمية، والحقد الدفين، والانحلال الثقافي، وإرادة القوة، والحياة، والروح اللاهوتية، وما شابه ذلك. لكنه لم يعزل ظاهرة الحداثة عن تاريخها. إذ عدها نتيجة لتطورات بدأت بسقراط. وعد مأزقها النتيجة الحتمية لطبيعة التراث السقراطي الأفلاطوني.

لقد عدّ نيتشه التراث السقراطي الأفلاطوني، بما في ذلك اليهودية والمسيحية والمثالية الألمانية، نوعا من المرض الحضاري الذي دب في المجتمع الغربي، وأدى إلى خنق الحياة وطمسها وتزويرها وخفض قيمتها. ولكن، مع نشوء العلم الحديث وما صاحبه من روح نقدية، وجهت طعنة نجلاء إلى قلب هذا الواقع الحضاري السقراطي الأفلاطوني، هذا القلب المتمثل بالله. وهذا ما دعاه نيتشه موت الله. لكن موت الله لم ينهِ هذا التراث السقراطي الأفلاطوني بصورة تلقائية، وإنما استمر هذا التراث بنزف وبخنق الحياة. وأعاد إنتاج نفسه بصور حدثاوية، كالليبرالية والديموقراطية والاشتراكية والميتافيزيقا الحديثة. ولئن كان هذا التراث يضفي نوعا من المعنى على العالم عندما كان بكامل قوته، فإن انهيار معناه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، من دون أن ينهار هو نفسه ومن دون أن ينهار النظام الأخلاقي الذي يفترضه، جرّد العالم والحياة البشرية من كل معنى ومرمى. وهو ما يدعوه نيتشه العدمية. لقد مات الله، لكن ظله وجثته ما زالا يخيمان على العالم الحديث. لذلك، ولكي تتغلب أوروبا على العدمية وعوامل خنق الحياة، فلا بد أن تتخلص من الأخلاقية السائدة ومن الجثة والظل في آن واحد، من أجل استرداد معنى العالم ووهج الحياة.

وبالنظر إلى ذلك كله، وجد نيتشه أن عليه أن يوجه نصل نقده الحاد إلى التراث السقراطي الأفلاطوني برمته، جذوراً ومظاهر حديثة: إلى سقراط، وأفلاطون، والرواقية، والمسيح، وبولس الرسول، وكانط، ويغل، وشوبنهاور، وفاغنر، والليبرالية، والديموقراطية، والاشتراكية، والقومية، الخ… ووجد أن عليه أن يؤكد الحياة ويقول نعم للحياة حتى الثمالة، وأن يؤكد قيمة اللحظة الراهنة المطلقة على حساب المآل، وأن يؤكد أخلاقيات السادة على حساب أخلاقيات العبيد، وأن يؤكد الإنسان العلوي على حساب الإنسان الأخير، وان يؤكد عالم الحواس على حساب المثالات والعالم المثالي، وأن يؤكد التغيير والألم على حساب الثبات والراحة، وأن يؤكد المجابهة والحرب على حساب النكوص والسلام.

وفي هذا السياق، يبرز السؤال: هل يعني موت الله مجرد انعدام الإيمان بكائن ميتافيزيقي أسميناه الله؟ أم إنه موت واقع بكامله؟ ويرتبط هذا السؤال بالسؤال عن معنى الواقع لدى نيتشه؟ هل تبنى نيتشه المنظوراتية، بحيث عد الواقع مجرد تعبير عن منظور ذاتي، وعد المنظورات الذاتية مساوية تماماً لبعضها بعضا؟

إن نيتشه لم ينفِ وجود واقع موضوعي قائم في ذاته. لكنه أدرك صعوبة الوصول إليه. وربما استحالة ذلك. وأدرك أيضا أن اللغة ذاتها تعجز عن التقاط الواقع الموضوعي وتملكه. والأهم من ذلك كله أن الحياة نفسها تستلزم تزييف الواقع وتبسيطه من اجل التعامل معه. لكن نيتشه رأى أن الواقع الموضوعي ليس ذا جدوى بالنسبة إلى ما يسمى الحقيقة الفلسفية. فليست مطابقة الواقع الموضوعي هي ذات الجدوى الفعلية للحقيقة الفلسفية، وإنما مطابقة الحياة. إن المطابقة الأولى ذات جدوى للحقيقة النسبية، الحقيقة العلمية، لكنها ليست ذات جدوى بالنسبة إلى الحقيقة المطلقة، الحقيقة الفلسفية.

وهذا يعني أيضا أن المنظورات المتنوعة ليست متساوية مع بعضها بعضا، لأنها ليست كذلك من باب مطابقتها مع الحياة. فالحياة، لا الواقع الموضوعي، هي الفيصل بين المنظورات المتنوعة.

ويفسر ذلك مفهوم موت الله لدى نيتشه. فموت الله لا يعني مجرد موت الإيمان به بوصفه كائنا ميتافيزيقا علويا. فمن منظور الحياة، شكل الله واقعا حياتيا حقيقيا، أو قلب واقع حياتي حقيقي. ويعني موت الله الموت الحقيقي الفعلي لهذا القلب. ولما انتفى الأمل والرغبة في إنقاذ هذا القلب، بات من الضروري إكمال المهمة بالتخلص من جثته المتحللة وظله المخيم على الإنسان وواقع العدمية الذي تركه وراءه. وعوضا عن ذلك، بات من الضروري خلق واقع جديد ينسجم مع الحياة والحرية وإرادة القوة في نقائها. هذا هو بيت القصيد لدى نيتشه.





نقد نيتشه للمسيحية:

عد نيتشه المسيحية جوهر التراث السقراطي الأفلاطوني. وأدرك أنها ظلت مؤثرة جدا حتى بعد موت الله. لذلك، صب جام غضبه عليها وهاجمها بضراوة وعنف في كثير من أعماله. وخصص كتاباً كاملاً لكشف المستور عن المسيحية وتعريتها ونقضها وتحطيمها بهدف استئصالها كليا من الحضارة الأوروبية. ويبدو ذلك جليا من عنوان هذا الكتاب، وهو ” ضد المسيح”.

ويبدأ نيتشه الكتاب بتعريف الخير والشر والسعادة. فيعرف الخير بأنه أي شيء يعزز الشعور بالقوة والإرادة للقوة والقوة ذاتها في الإنسان. أما الشر، فهو كل ما ينبع من الضعف. ويعرف السعادة بأنها الشعور بأن القوة في ازدياد وأن المقاومة قد تم التغلب عليها. تعريفات تعزز تأويلنا بأن المعيار ليس الواقع الموضوعي، وإنما هو الحياة أو إرادة القوة.

من الواضح إذا أن نيتشه يؤكد القوة على حساب القناعة، والحرب على حساب السلم، والكفاءة على حساب الفضيلة بالمعنى الكلاسيكي. ثم، وبعد هذه المقدمة الغريبة، يفاجئنا بقول أكثر غرائبية. إذ يقول إن الضعاف والضعفاء والرقعاء سيهلكون، وإن على المرء أن يساعدهم في ذلك. هل كان هذا القول تعبيراً عن كراهيته لذاته وعلى رغبة انتحارية في الموت؟

وهو يعبر عن اشمئزازه من المسيحية بفعل تعاطفها الجلي مع الضعفاء وذوي التركيبات الهشة. وهو ينطلق من هذا الحكم من أجل توضيح مفهوم الرجل العلوي. فهو يؤكد أنه لا يسعى إلى نوع أعلى من الأنواع البيولوجية لكي يحل محل الإنسان. كلا! إنه يسعى إلى نوع أعلى من البشر، إلى إرادة توليد مثل هذا النوع، بوصفه الأكثر قيمة في الوجود، والأكثر جدارة بالحياة، والأكثر ضمانة للمستقبل.

ويرى نيتشه أن الرجل العلوي قد وجد فعلا في الماضي، لكنه وجد بالصدفة. وكان مرهوبا وعدّ مصدر رعب وخوف وإرهاب. لذلك حورب بضراوة، وعد كائنا مرفوضا ومنبوذا. وبدلا من الرجل العلوي، فقد تم توليد الرجل الدوني، رجل القطيع، المسيحي، ورعايته وتربيته.

ونرى هنا رفض نيتشه لفكرة التطور بوصفه ارتقاء. فالتطور ليس بالضرورة ارتقاء. فهو يرى مثلا أن إنسان عصر النهضة الأوروبية أعلى من إنسان عصره. وهو يشترك في ذلك مع انغلز، وإن كان معزى ذلك لدى إنغلز مختلفا تماما. ولا يتكلم نيتشه عن الإنسان العلوي فقط بوصفه فرداً، وإنما أيضا بوصفه جماعة أو أمة أو قبيلة أيضا.

ويرى نيتشه أن المسيحية شكلت اكبر هجوم مركز ومتواصل على الرجل العلوي في التاريخ. إذ إن المسيحية انحازت تماما إلى الرجل الدوني. بل إنها حرمت الغرائز العليا لهذا النوع العلوي. وبالطبع، فإن نيتشه ركز دوما على الغرائز والدوافع الجوانية على حساب الوعي والعقل. وقد عدت المسيحية الرجل العلوي منبوذاً؛ عدته الشرير نفسه، أي الشيطان. وعملت أيضا على إفساد الرجال ذوي المعدن الفكري الرفيع، كالمفكر والعالم الفرنسي، بليز باسكال مثلا. وهنا، يدخل نيتشه واحداً من أهم مفهوماته المبتكرة، الانحلال الثقافي Decadence.

وعلى هذا الأساس، فهو يأسف لعصره، ويعده مؤلماً ومأساوياً. وهو يظهر عفن عصره، ليس بالمعنى الأخلاقي، وإنما بالمعنى التشخيصي. فكل قيم العصر هي قيم انحلال ثقافي. وكل مساعي عصره صوب القدسية والفضيلة منحلة ثقافياً.

ولكن، ما هو الانحلال الثقافي؟ يرى نيتشه أن الانحلال الثقافي لنوع أو فرد يتمثل في فقدان هذا الفرد أو النوع غرائزه وفي اختياره وتفضيله ما هو مؤذ له. ويرى نيتشه أن ما يسمى القيم الرفيعة الموروثة عن المسيحية هي قيم انحلال وعدمية، لأنها تنكر الغرائز وإرادة القوة. فالحياة في حد ذاتها غريزة. إنها غريزة النمو والبقاء والقوة. لذلك، فإن طمس إرادة القوة هو طمس للحياة نفسها. وهذا بالضبط ما تفعله هذه القيم الرفيعة المزعومة.

ويشن نيتشه هجوما شرساً على الشفقة، وهي قيمة مسيحية عليا. بل إنه يعدها قلب الأخلاقية المسيحية. فهو يرى أن الشفقة منافية للحياة بأكثر من معنى. فهي تعزز الألم وتبدد القوة وتضعف إرادة القوة. وعلاوة على ذلك، فهي تناقض قانون التطور البيولوجي، قانون الانتقاء الطبيعي. وهو يبدو هنا داروينيا، مع أنه يعارض داروين في كتابات أخرى. فمن الصعب أن تحشر نيتشه في قالب محدد. ويرى نيتشه أن قيمة الشفقة تعزز بقاء الضعفاء الذين يدفعهم الانتقاء الطبيعي إلى الهلاك. من ثم، فإن هذه القيمة منافية لقوانين الطبيعة، وتحديداً لقانون الانتقاء الطبيعي. كذلك، فإن الشفقة، بالعمل على الحفاظ على الأنماط الدونية من الحياة، فإنها تقلل من قيمة الحياة في حد ذاتها.

ويرى نيتشه أن الشفقة تشكل أساس نظام القيم السائد. وهذا ما أدركه بعمق معلمه، آرتور شوبنهاور. لكن شوبنهاور كان التجسيد الأبرز للعدمية الأوروبية. إذ إنه رفع راية إنكار الحياة والدعوة إلى طمسها من أجل طمس فعل الإرادة الكونية الشيطانية التي تحرك العالم. وقد مجد شوبنهاور الشفقة وعدها أساس الأخلاقية نفسها، وذلك إدراكاً منه لطبيعتها المعادية للحياة. وقد اتخذ نيتشه الموقف المعاكس تماماً لموقف شوبنهاور، لأنه دعا إلى تأكيد الحياة، ومن ثم الإرادة للقوة، بدلاً من إنكارها كما فعل شوبنهاور. وعليه، فقد رأى نيتشه أن الشفقة هي العنوان الأبرز للانحلال الثقافي والعدمية في آن واحد. وذهب ابعد من ذلك باعتبار الشفقة إرادة الفناء. ورأى أنها تأخذ أشكالا مقدسة كالحياة الأخرى والله والنيرفانا البوذية والعالم المثالي وما إلى ذلك. وهكذا ربط نيتشه بين رفضه الشفقة ورفضه الغيبيات والمثالات.

وفي هذا السياق، فقد صب نيتشه جام غضبه على ما أسماه الروح اللاهوتية، التي يمثلها عادة رجل الدين أو الكاهن. وقد عد نفسه نقيض رجل الدين. إذ عدّ الأخير منكر الحياة وسم الحياة بامتياز.

ورأى أن الروح اللاهوتية، التي تؤكد عالم الغيب والمثال على حساب الأرض والحياة الفعلية،هو الحامل الرئيسي لما أسماه نيتشه أخلاق العبد. وعد الميتافيزيقيين الدوغمائيين والفلاسفة المثاليين امتداداً للكاهن وللروح اللاهوتية.

وأساس ذلك كله التمييز الذي يؤكد عليه نيتشه بين أخلاق السيد وأخلاق العبد. بل إنه يوحي أنه ليس هناك أخلاقية للسيد وأن الأخلاقية هي ابتكار عبدي. فالسيد لا يعترف بالخير والشر، وإنما فقط بالجيد والسيئ. والأساس في عالم السيد هو الجيد. أما السيئ، فهو مجرد ملحق عرضي بالجيد. إذ إن السيد يعد كل فعل يفعله جيداً لأنه يؤكد الحياة وإرادة القوة وفوران الحياة. وكنتيجة لذلك، فهو يعد فعل الآخرين سيئا بوصفه غير فعله.

وبالمقابل، فقد ابتكر العبد الأخلاقية، أي فكرة الخير والشر، من قلب حقده الدفين على السادة وعلى الحياة نفسها. هذا الحقد المستتر يعد كل خصلة من خصال السيد شراً مستطيراً. إنه إذن يشيطن السادة وخصالهم من غرائز صريحة وذاتية وقوة بدنية وقوة إرادة وذكاء وجرأة وثقة بالنفس. والأصل لدى العبد هو الشر. أما الخير، فهو نتيجة عرضية. فالشر هو الحاضر أبداً. أما الخير، فهو مجرد نقيض للشر. فكل خصلة من خصال السيد شر. وكل نقيض لها خير. إنه نظام قيمي كامل متكامل يبخس السيد ويرفع ضمنا من قيمة العبد. وقد عد نيتشه المسيحية أبرز وأشد تعبير عن الأخلاقية، أخلاقية العبد. إنها ابتكار عبدي بامتياز. وهذا ما ذهب إليه أيضا فريدريش إنغلز، الذي عد المسيحية شيوعية العصر الروماني. لكن إنغلز عد ذلك من إيجابيات المسيحية، بعكس ما رآه نيتشه. لذلك، دعا نيتشه إلى التحرر من الأخلاقية في حد ذاتها، ومن الأخلاقية المسيحية بصورة خاصة. أي دعا إلى تحرير فعل السيد من هذه القيود العبدية، لكي ينطلق حراً بهيجاً بريئاً خاليا من الأحقاد والعقد. هذا هو الرجل العلوي الذي يؤكد الحياة والذات وإرادة القوة والغرائز الخلاقة.

خاتمة:

هذه مجرد ملاحظات، مجرد إطلالة سريعة، على جوانب معينة من فلسفة نيتشه. لكن هناك العديد من الجوانب والتفصيلات التي لم نتطرق إليها. ونأمل في أن يتاح لنا ذلك في دراسات لاحقة.