راهنية لينين - الجزء الأول


هشام غصيب
الحوار المتمدن - العدد: 3780 - 2012 / 7 / 6 - 17:24
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية     

توطئة:- ما الإضافات التي حققها لينين لماركسية عصره؟ هذا هو موضوع كتاب ستالين، ” أسس اللينينية” (1924).

اللينينية، ما هي؟ هل هي الشكل الروسي للماركسية؟ هل هي مجرد تطبيق للماركسية على ظروف روسيا؟ ستالين يوحي بأنه كان لا بد للينين أن يطور الماركسية لكي يطبقها بفاعلية على الأوضاع الروسية.

- هل هي رد الاعتبار لماركس الشاب الثوري على حساب ماركس الناضج المعتدل؟ ستالين ينفي هذا التمييز بين ماركس الشاب وماركس المتأخر. وأنا اتفق معه. لكنه يتفق مع القول إن لينين رد الاعتبار للروح الثورية في الماركسية، أي رد الاعتبار للماركسية نفسها، التي هي ثورية في جوهرها. لكن لينين لم يكتف بذلك، وإنما أضاف إليها وطورها لكي تكون فعالة وثورية في الظروف الجديدة.

- ويصل ستالين إلى تحديد ماهية اللينينية كالآتي: إن اللينينية هي ماركسية عصر الإمبريالية والثورة العمالية. إنها نظرية الثورة العمالية وتكتيكاتها بعامة، ونظرية دكتاتورية الطبقة العاملة وتكتيكاتها بخاصة.

- في عصر ماركس وإنغلز، كانت الإمبريالية، ومن ثم راهينة الثورة العمالية، في بداياتها. لذلك ما كان ممكناً أن تتبلر نظريتها وممارستها بصورة ناضجة وشاملة. وقد نضجت هذه التطورات في عصر لينين. وعليه، توافرت شروط تطوير الماركسية صوب اكتمال نظرية الثورة العمالية ودكتاتورية البروليتاريا، والتي تمت على يدي تلميذ ماركس و وإنغلز الألمعي، لينين.

- لقد أكمل لينين بناء هذه النظرية في سياق راهنية الثورة البروليتارية من جهة، ونضاله ضد انتهازية الأممية الثانية. فالعقبة الكأداء أمام الثورة البروليتارية وأمام رد الاعتبار إلى الماركسية الثورية ورد الحياة إليها كانت انتهازية الأممية الثانية. فكان لا بد من مجابهة هذه الانتهازية. وقد بنيت اللينينية في سياق هذه المجابهة والتحضير للثورة البروليتارية.





الجذور التاريخية للينينية:

يربط ستالين عضويا ما بين وجود الإمبريالية في شكلها الناضج وما بين راهنية الثورة البروليتارية. فالإمبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية، ومن ثم فإن تناقضات الرأسمالية تصل أوجها في مرحلة الإمبريالية. فلا يبقى مجال لمزيد من التفاقم، ومن ثم فإنها تفتح الباب على مصراعيه أمام الثورة البروليتارية. لذلك أسمى لينين الإمبريالية ” رأسمالية النزع الأخير”.

- تناقضات الإمبريالية الرئيسية:
1.1. التناقض بين الرأسمال والعمل. إن الإمبريالية هي حكم الاحتكارات، حكم الأرستقراطية المالية، حكم البنوك والشركات والترستات والسندكات الكبرى. ويرى ستالين أنه لم يعد يجدي نفعاً مع هذه العمالقة الأساليب القديمة من نقابات وتعاونيات وأحزاب برلمانية ونضالات انتخابية. فليس أمام العمال سوى خيارين: إما الشقاء الرأسمالي المتفاقم وإما الثورة. إن الإمبريالية تدفع العمال صوب الثورة.

2. التناقض الحاد بين القوى الإمبريالية والطغم المالية. ذلك أن صفة أساسية من صفات الإمبريالية هي تصدير رأس المال، والسعي لاحتكار مصادر المواد الخام والسيطرة عليها، والسعي لتحويل العالم إلى مناطق نفوذ، والتنافس الضاري على الأسواق، والسعي إلى تقسيم العالم بين القوى الإمبريالية وإعادة تقسيمها عبر الحروب. ويقود هذا التناقض إلى حتمية الحروب الإمبريالية الدامية، التي تؤكد الإفلاس التاريخي والأخلاقي للإمبريالية وتضعف الدول الإمبريالية وتدفع البروليتاريا إلى الثورة عليها.

3. التناقض بين القوى الإمبريالية وشعوب الأمم المستعمرة. إذ تتعرض هذه الشعوب إلى استغلال مفرط من اجل الأرباح المفرطة وإلى نهب مفرط أيضا. لكن الإمبريالية، من اجل تحقيق هذه الأهداف، تحدث تغييرات هيكلية في هذه الأمم وتخلق شروط ثورة الشعوب عليها. فهي تضطر إلى تحديث بعض القطاعات ومد الطرقات والسكك الحديدية وبناء المطارات والمصانع، ومن ثم تقود إلى نشوء طبقة عاملة، وشريحة من المثقفين الحداثويين، وإلى بناء الوعي القومي واستفزازه، ومن ثم إلى نشوء حركات تحرر وطني. ويرى ستالين أن هذه الحركات هي حليف موضوعي للبروليتاريا. إذ إنها تحول المستعمرات من مخزون واحتياطي للإمبريالية إلى ظهير للثورة البروليتارية.

- ثم يطرح ستالين السؤال: ما شأن ذلك بروسيا؟ وما شأنه بلينين؟

- يرى ستالين أن روسيا آنذاك كانت ملتقى هذه التناقضات جميعا، أي أن هذه الأخيرة التقت جميعا بصورة مكثفة ومتفجرة فيها. فالدولة القيصرية كانت ملكية مطلقة إقطاعية الطابع ودولة استبداد آسيوي تتميز بوحشية لا مثيل لها في قمع شعبها. كما إنها كانت دولة كولونيالية تحكم شعوبا متعددة وتستغلهم وتضطهدهم بصورة مفرطة، وتغذي الشوفينية الروسية في مجابهتهم. ومن جهة أخرى، فقد كانت متحالفة مع الرأسمال الاحتكاري الإمبريالي وتحميه وتتيح له المجال لاستغلال عمالها وفلاحيها وشعوبها المستعمرة. وكانت تتيح عبر ماتقترضه من البنوك الغربية لهذا الرأسمال الفرصة لنهب روسيا واستغلالها. وقد أقحمت نفسها في صراعات المراكز الإمبريالية. كما إنها وضعت تحت تصرف آلة الحرب الغربية، وبخاصة الفرنسية والإنجليزية، ملايين البشر من مواطنيها جنوداً لتحقيق المآرب الإمبريالية والدفاع عن مصالحها ومطامعها. أضف إلى ذلك أن هذه الظروف أدت إلى نشوء بروليتاريا متطورة في المدن الروسية وحركات تمرد ضارية لدى الفلاحين وفي المستعمرات. وبالنظر إلى العلاقة العضوية بين القيصرية والإمبريالية، فقد كان الصراع مع القيصرية بالضرورة صراعاً مع الإمبريالية، ومن ثم صراعاً عالمياً أو أممياً.

- ويعقد ستالين مقارنة مهمة بين روسيا 1917 وألمانيا 1948. وفي هذا السياق، يرى أن ضرورة الثورة البروليتارية مكتوبة في هذا الوضع المتشابك. أي يرى أن كون الثورة (البرجوازية) على القيصرية هو أيضاً وبالضرورة ثورة على الإمبريالية يدفع الثورة البرجوازية في روسا صوب الثورة البروليتارية.

- هكذا يفسر ستالين عالمية الثورة الروسية وعالمية فكرها ممثلاً بلينين.

منهج لينين:

- يؤكد ستالين على أن عقوداً من انتهازية الأممية الثانية تفصل ماركس وإنغلز عن لينين، وأثر ذلك على منهج لينين.

- لقد كان هناك تياران في الأممية الثانية: التيار الأرثودكسي، الذي كان يؤكد التزامه بالماركسية، والتيار الانتهازي التحريفي. وسعى الثاني إلى التأقلم مع البرجوازية بالنظر إلى طابعه البرجوازي الصغير. أما الأول، فقد سعى إلى التأقلم مع التيار الانتهازي بحجة الحفاظ على وحدة الأممية الثانية. والنتيجة كانت هيمنة الانتهازية على الأممية الثانية، التي أضحت ماركسية بالاسم والشعار وانتهازية بالممارسة والمضمون.

- والنتيجة غياب النظرية المتماسكة + الغرق في المساومات والألاعيب البرلمانية وتغطية ذلك بالشعارات الثورية.

- لقد أحس لينين بقرب الثورة الروسية في سياق الثورة العالمية وبوصفها جزءاً منها. وقاده هذه الإحساس العارم مبكراً إلى نقد الأممية الثانية نقداً ثورياً صارماً.

- وأدرك أيضاً أن أوهام الأممية الثانية كانت تشكل عقبة كأداء أمام بناء حركة ثورية اشتراكية تؤدي دوراً مهماً في الثورة القادمة، بل وتقودها إن أمكن. وأدرك مبكراً ببصيرته الثاقبة أن الأممية الثانية كانت تعد نفسها للانخراط في السياسة البرجوازية الانتخابية البرلمانية، لا للانخراط في العمل الثوري، برغم رطانتها الثورية، وأنها، من ثم، كانت تعد نفسها لأداء دور في إعادة إنتاج الرأسمالية والتغلب على أزماتها.

- وقد انصب نقده للأممية الثانية على النقاط الآتية:
1.1. رأى لينين أن الأممية الثانية كانت مثقلة بافتراضات دغمائية غير ثورية وغير حقيقية.

2. الدغما الأولى: رأت الأممية الأولى إن شرطا أساسيا لاستلام البروليتاريا السلطة السياسية هو أن تشكل غالبية سكان بلد ما. ويرفض لينين هذه المقولة تماماً، ويتساءل: ماذا لو نشأت ظروف، كالحرب والأزمات الزراعية، جعلت الجماهير العاملة من فلاحين وبرجوازيين صغار تلتف حول البروليتاريا وتمنحها القوة والشرعية الديموقراطية الثورية؟ لماذا لا تستلم البروليتاريا السلطة السياسية في هذه الحالة؟ ألم يدع ماركس في خمسينيات القرن التاسع عشر إلى الجمع بين الثورة العمالية وحزب الفلاحين في ألمانيا؟ لاحظ أن لينين هنا كان يبرر أن تستلم البروليتاريا السلطة في روسيا، برغم أنها كانت تشكل أقلية في المجتمع الروسي. لكنه وضع شرطاً ديموقراطيا لذلك، وهو التفاف الجماهير الكادحة حول البروليتاريا المنظمة الواعية. بهذه المعادلة العبقرية أفلح لينين في حل التناقض الظاهري بين الثورة العمالية والديموقراطية الشعبية. إذ أصر على ضرورة الثورة العمالية والديموقراطية الشعبية في آن واحد. وقد أصر لينين طوال حياته على شرط الديموقراطية الشعبية ورفض النهج الانقلابي البلانكي وفكرة الحزب الواحد.

3. الدغما الثانية: رأت الأممية الثانية أن البروليتاريا الثورية لن تستطيع أن تحافظ على سلطتها، ولن تستطيع أن تدير البلاد، لأنه ينقصها بصورة مريعة الشروط الفنية لذلك، أي الكوادر الفنية والإدارية الماهرة والمدربة، وأنها تحتاج إلى سنوات طويلة من الرأسمالية لكي تكتسب هذه المهارات وتبني طاقمها الفني والإداري. لكن لينين لا يقبل بهذه الدغما لأنه يعتبر السلطة الثورية سابقة على ذلك. خذ السلطة أولاً، ثم ابن كادرك، يقول لينين. فلئن وفرت الرأسمالية على المدى الطويل شروط بناء هذه الكوادر والمهارات، فإن الظروف التي تهيئها سلطة العمال أنسب بمرات عديدة من الظروف الرأسمالية في تنمية المهارات الفنية والإدارية للطبقة العاملة. وهنا نتوقف قليلاً لكي نتأمل هذه المقولة اللينينية. هنا نجد لينين يناقض ماركس ظاهرياً. إذ نستشف من كثير من كتابات ماركس أن نضج الظروف هو الأساس. فالثورة العمالية لا تقوم ولا تدوم ولا تنجح إلا إذا نضجت الظروف تماماً. أما لينين، فنظرته في هذا الشأن أكثر جدلية، حيث إنه لا يفصل بين الثورة العمالية وظروفها فصلا ميكانيكيا كاملا، وإنما يرى أن الثورة تؤدي دوراً حاسماً في نضج ظروف اندلاعها وديمومتها ونجاحها، أي تدخل جوهريا في إنضاج ظروفها. بل إن مفهوم إنضاج الظروف نفسه يعاني تحولاً كبيراً في المعنى على يدي لينين. فالثورة العمالية لا تندلع نتيجة نضج الظروف، وإنما لالتقاء عدد من الظروف، ربما بالصدفة أحياناً. وبعد اندلاعها، فإن سلطة العمال تصبح العامل الأساسي في إنضاج ظروف ديمومة الثورة ونجاحها. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، تراجع المفهوم اللينيني لصالح مفهوم ماركس، حيث رأى كثير من الشيوعيين أن انهيار الاتحاد السوفييتي بهذه الصورة الكارثية لهو في حد ذاته دحض للتصور اللينيني لصالح التصور الماركسي. لكن التطورات الكبيرة والأحداث الجسام، التي وقعت في العقد الأخير، تعيد طرح الإشكال بزخم جديد وإلحاحية مؤلمة، الأمر الذي يؤكد أن انهيار الاتحاد السوفييتي لم يكن نهاية المطاف ولا نهاية التاريخ.

4. الدغما الثالثة: رأت الأممية الثانية إن الصراع البرلماني الانتخابي هو الصراع المجدي الوحيد للبروليتاريا، الشكل الرئيسي للصراع البروليتاري، ومن ثم، لقد أدانت الأشكال الأخرى، وفي مقدمتها الإضراب العام والانتفاضة الشعبية، بحجة أن هذه الأشكال تحدث فوضى في الاقتصاد الوطني وتضعف النقابات العمالية وتنهكها مالياً. وبالطبع، فإن لينين يرفض هذا الموقف. وهو يميز بين الإضراب العام الاقتصادي الذي كان ينادي به الأناركيون، والذي سبق أن نقده إنغلز، وبين الإضراب العام السياسي ذي الأهداف السياسية الطبقية، والذي ينطوي على الانتفاضة والعصيان المدني. فالأخير هو شكل رئيسي من أشكال الكفاح البزوليتاري، ولا يطاله نقد إنغلز، الذي كان محصوراً بالإضراب العام الاقتصادي. وهو لا ينفي أهمية الصراع البرلماني. إلا أنه يعده ملحقاً بالصراع فوق البرلماني، أي الحراك الشعبي. فالصراع البرلماني ليس بديلاً عن الصراع فوق البرلماني. ولا تستطيع البروليتاريا أن تنظم نفسها وتعد نفسها للثورة واستلام السلطة السياسية إلا عبر الإضراب العام السياسي. لقد أدرك لينين محدودية الصراع البرلماني كون البرلمان ساحة محدودة للصراع مفصلة برجوازياً.

5. مبدأ الصدق الثوري المطلق: ويتمثل هذا المبدأ بالوحدة الكاملة بين الفكر والفعل، الموقف والسياسة، القول والفعل، الشعار والممارسة. ويرى لينين أن الالتزام بهذا المبدأ مقياس جوهري لجدية القيادة في انتمائها إلى الجماعة التي تمثلها وشرعية قيادتها. وهو ينقد الأممية الثانية نقداً صارماً لخروجها الفاضح عن هذا المبدأ. إذ رفعت الأممية الثانية شعارات ثورية براقة لكي تخفي وراءها مواقف وممارسات انتهازية وضيعة. فلم تكن الشعارات تعبيراً عن رؤى ومواقف حقيقة ترشد الفعل والممارسة، كما يجب أن تكون، وإنما كانت زينة تتحلى بها الأممية الثانية لخداع الجماهير. وأوضح حالة تجلى فيها هذا الزيف كانت موقف الأممية الثانية من الحرب العالمية الأولى. فقبيل الحرب، وفعت الأممية شعار ” الحرب ضد الحرب” ، وهددت الأنظمة الإمبريالية بأنها ستزلزل الأرض من تحت أقدامها وتشن حرباً أهلية ضدها، إن جرأت هذه الأنظمة على إشعال فتيل الحرب. لكنها سرعان ما تناست ذلك، ودعمت حكوماتها الإمبريالية وسياساتها العدوانية، وناشدت الجماهير الالتفاف حول هذه الحكومات والمشاركة في مذبحة ذلك العصر. وبالمقابل، فإن أقلية في الأممية الثانية، بقيادة لينين والبلاشفة وروزا لوكسمبرغ، تمردت على هذا الخط الانتهازي الاستسلامي، ودعت إلى الالتزام بالشعارات الثورية وتحويل الحرب بين الأمم إلى حرب بين الشعوب وحكوماتها الإمبريالية الإجرامية. فمبدأ الصدق الثوري المطلق هو مقياس جوهري لأهلية القيادة الثورية وجديتها وشرعيتها.

6. مبدأ النقد الذاتي: وينبع هذا المبدأ بالضرورة من مبدأ الصدق الثوري المطلق. ومفاده أن الحزب الثوري عليه أن ينقد فكره وممارسته بصورة متواصلة ، أي أن يسلط الضوء على أخطائه وأسبابها وحيثياتها ودوافعها وسبل تصحيحها. فهذا هو المؤشر على صدقية الحزب وجديته في أداء دوره ووظيفته الثورية وفي خدمة رسالته وطبقته الاجتماعية. وعلى الحزب الثوري ألا يخشى النقد الذاتي، حتى لو حاول أعداؤه أن يستغلوا هذا النقد الذاتي سلاحاً ضده.

7. ضرورة النظرية: هناك انطباع لدى كثيرين أن لينين مثل الممارسة الثورية على حساب النظرية، وأنه لم يولِ النظرية أي اهتمام يذكر. ويرى أصحاب هذا الانطباع أن لينين لم يضف شيئاً يذكر إلى النظرية الماركسية. إذ اكتفى بتطبيقها. وقد وجد هذا الانطباع من تبناه حتى بعد ثورة أكتوبر. ووصل أوجه بعيد انهيار الاتحاد السوفييتي. وبالطبع، فإن هذا الانطباع خاطئ إلى حد الغثيان ويناقض تماماً حقيقة علاقة لينين بالنظرية. وتتمثل حقيقة هذه العلاقة بالملاحظات الآتية. أولا، فالنظرية وفق لينين ليست بناء من الوصفات الجاهزة للتطبيق، وإنما هي صورة تاريخية متنامية لديناميات الواقع التاريخي.

وبهذه الصفة، فهي تلخيص لخبرة عالمية، ومرشد للفعل المنظم المثمر. كما إنها ضمانة أن يكون الفعل صحيحاً، أي أن يكون مؤثراً ومثمراً وسليماً وأخلاقياً. إنه ضمانة أن يكون الفعل نابعاً من قلب الطبقة وموجها إلى قلبها أيضا، ومن ثم أن يكون في خدمتها وخدمة أهدافها التاريخية، لا في خدمة مصالح فئوية ضيقة باسم الطبقة. وأساس نهج لينين في هذا المقام هو الوحدة الجدلية بين الممارسة والنظرية. فالنظرية تنمو وتطابق الواقع المتغير بالممارسة. والممارسة تنمو وتوجه وتحقق أهدافها بالنظرية. فالنظرية تفقد واقعيتها وتعينها وتغدو شبحا عديم الفائدة من دون الممارسة. بل إنها تغدو عديمة المعنى من دون الممارسة. كما إن الممارسة تغدو عمياء وعشوائية، بل وضارة وعديمة المعنى، من دون النظرية. والمواقف السليمة الصحيحة لا تبنى بالحدس والاعتبارات البراغماتية، وإنما بالنظرية. فهذه ضمان موضوعيتها وصحتها ونزاهتها الطبقية. لذلك، نجد أن لينين كان أحرص ثوري في التاريخ ( إلى جانب ماركس وإنغلز) على هذه الوحدة الجدلية وعلى صوغ مواقفه بعمق أعماق النظرية. وبالطبع، فإن صوغ الموقف والفعل المترتب عليه ليس بالمسألة الميكانيكية الروتينية، وإنما هو فعل إبداعي يستلزم براعة في فهم النظرية وتطويرها وتطبيقها. فالنظرية لا تكون جاهزة من أجل صوغ الموقف، وإنما يحتاج الأمر في كثير من الأحيان إلى تطويرها وإثرائها وتعيينها حتى تكون قابلة لذلك. وفي هذا السياق، نشير إلى الاختلاف الجوهري بين منهج لينين وبين مناهج أقرانه من قادة الأممية الثانية والتيار المنشفي الروسي. ففيما التزم قباطنة الأممية الثانية بآيديولوجيا التطبيق، أي فيما انتهجوا منهج التطبيق المباشر للنماذج الجاهزة، التي سبق ان بنيت للتعامل مع وقائع ماضية، فقد أدرك لينين أن الواقع التاريخي متغير باستمرار وأن عليه أن يطور النظرية الماركسية ويبدع مفهومات جديدة ونماذج جديدة من أجل فهم الواقع المتغير من أجل التأثير فيه بفاعلية منظمة. لذلك، ساروا هم في طريق التحالف مع البرجوازية، سواء في روسيا أو في غيرها من الأقطار، والاستقالة من التاريخ، فيما لجأ لينين إلى التحالف مع الفلاحين والجماهير الكادحة عموما. وفيما لجأوا إلى الطريق البرلماني وإلى نبذ الطريق الثوري في أوروبا الغربية، ولجأوا إلى التواري خلف البرجوازية في روسيا ظنا منهم أن البرجوازية الروسية هي بالضرورة القائد التاريخي للمرحلة، فقد أكد لينين على ضرورة الثورة وعالميتها وعلى الدور الطليعي للطبقة العاملة.

وفي هذا السياق أيضا، نشير إلى الاختلاف الجوهري بين منهج لينين وبين مناهج الشيوعيين اللاحقين المتمحورين حول موسكو السوفييتية. ففي لينين، شكلت النظرية مصنعاً للمفهومات والنماذج والمواقف، ومن ثم مرشداً للفعل. أما الأحزاب الشيوعية اللاحقة، فقد مالت إلى اختزال النظرية إلى مجرد عنوان آيديولوجي، وتعبير عن الولاء للمركز الروسي، وزينة يتبرج بها الحزب، ونص مقدس لا يقرأ. ولم تعد مرشداً للفعل ومصنعا للمواقف الصحيحة، وإنما أضحت أداة تبرير وتجميل لا أكثر، ومن ثم أضحت مطلقا صنميا غير قابل للنمو والتغيير، فأضحت النظرية مومياء محنطة بعيدة عن الفعل التاريخي والواقع التاريخي.

8. الموقف من عفوية الجماهير: يتأرجح الكثير من محترفي السياسة بين موقفين: موقف إغفال دور الجماهير والتقليل من أهميته، وموقف عبادة عفوية الجماهير. وقد لمسنا ذلك بصورة جلية في الموقف من الثورات العربية عام 2011. وبصورة خاصة، فقد ساد خلال عام 2011 شعور بالثقة المطلقة بحدس الجماهير وغرائزها، ولسان حال من شعر بذلك يقول: اتركوا الجماهير لذاتها وذوبوا فيها. فهي تدرك تماماً ما تفعله ابتغاء الحرية والكرامة.

ويحذر لينين كثيراً من هذا الميل صوب عبادة عفوية الجماهير. ويسميه الآيديولوجيا النقابية. فهذه العفوية تضع سقفاً لثورية الجماهير وراديكالية الحركة الشعبية وتحيلها من حركة ثورية بالقوة إلى حركة نقابية أو ديموقراطية أو مطلبية. وهذا ما لمسناه بجلاء في الثورات العربية (2011) جميعا. فقد حالت هذه العفوية دون تجذرها وتحركها صوب الأسس من أجل نسفها.

وقد أكد لينين على ضرورة الحزب الثوري. فالحركة الثورية لا تكتمل، أي لا تتحول من حركة ثورية بالقوة إلى حركة ثورية بالفعل، إلا بالحزب الثوري المسلح بأرقى أشكال النظرية العلمية الثورية. فالجماهير إما أن تنظم نفسها وإما أن تخفق في تحقيق أهدافها ومطالبها. وبيت القصيد هنا هو تنظيم الجماهير ذاتها سلطة بديلة للسلطة القائمة. وهنا تبرز ضرورة الحزب الثوري. فالحزب الثوري أداة ضرورية لهذا التنظيم الذاتي وعنصر رئيسي من عناصر التنظيم الذاتي. كما إنه يشكل عقلا للجماهير يوجهها ويرشدها ويقودها وتخطط حراكها عبره. وهو يعمل أيضا على إكسابها وعيا متقدما ويرفع مستوى وعيها باستمرار ويقيها من تأثير الطبقات النقيضة ومن آيديولوجيا الخصم. فالجماهير الشعبية تظل عرضة للانحراف والضياع والوقوع فريسة لآيديولوجيا الخصم وإعلامه المتعدد الأوجه في غياب الحزب الثوري القيادي.

وقد نقد لينين ما اسماه اقتصادوية الحركة الاشتراكية الروسية في مطلع القرن العشرين، تلك النزعة التي مجدت عفوية الجماهير ومطالبها وعارضت تأسيس حزب ثوري مستقل وأكدت الاقتصادي على حساب السياسي ولم تسع إلى الحيلولة دون سقوط الطبقة العالمة بين حبائل البرجوازية الليبرالية، وبخاصة في عمله الفذ، “ما العمل؟” (1902). وفي هذا السياق، أكد لينين على البعد الذاتي، بما يتضمنه من بعد أخلاقي. فلا يجوز التذرع بالظروف الموضوعية لتبرير المواقف المتخاذلة والخيانية، وإنما ينبغي أن يتحمل الحزب دوما المسؤولية التاريخية والأخلاقية. لذلك رفض لينين دوما التذرع بذرائع كالظروف التاريخية واللحظة التاريخية ودرجة نضج قوى الإنتاج لتبرير اتخاذ المواقف المتخاذلة والخيانية.
1.9. نظرية الثورة البروليتارية: وضع لينين نظرية شاملة وجديدة في الثورة البروليتارية ارتكازاً إلى نظريته في الإمبريالية وتطور الرأسمالية وعالميتها. ويمكن تلخيص هذه النظرية بالنقاط الآتية:

- أولاً، أكد لينين على راهنية الثورة البروليتارية في ظل الإمبريالية. إذ إن تناقضات النظام الرأسمالي تصل حد الانفجار في مرحلة الإمبريالية في جميع أرجاء المعمورة. إذ تشهد هذه المرحلة تفاقماً في الاستغلال الرأسمالي وتعميما لعلائق الانتاج الرأسمالية. فمرحلة الامبريالية هي مرحلة نضج ظروف الثورة البروليتارية عالمياً. وترتبط هذه الراهنية بعالمية الرأسمالية وتحولها إلى نظام عالمي مترابط عضويا في مرحلة الإمبريالية، الأمر الذي يجعل كل بقعة في النظام الرأسمالي قابلة للانفجار الثوري. وإذا نظرنا إلى النظام الإمبريالي اليوم، رأينا رأسمالا عالميا متمركزا في مراكز رأسمالية محددة يسرح ويمرح في طول العالم وعرضه. لقد أضحى العالم مسرحاً مفتوحاً للرأسمال العالمي، للبنوك والشركات الكبرى، أي ساحة للطغم المالية الكبرى وعبثها بمقدرات البشر. ويتضمن هذا الوضع تكثيفا للتناقض الرئيسي بين الرأسمال والعمل، وللتناقض الممض بين الرأسمال العالمي وبين السيادة الوطنية لأقطار العالم الضعيفة وسعيها إلى التنمية الوطنية المستقلة وحماية ثرواتها المادية والمعنوية من سطو الرأسمال العالمي، والتنافس التناحري الشديد بين التجمعات الرأسمالية على الأسواق والموارد، والتناقض الحاد بين المراكز الرأسمالية الراسخة والأخرى الصاعدة. فهو نظام ملتهب بتناقضات حادة على عدة صعد. لذلك، فهو مهيأ موضوعياً للثورة البروليتارية. لقد كان ينظر في السابق إلى الرأسمالية على أنها مجموعة من الأقطار الرأسمالية القائمة جوهريا في ذاتها، والتي ترتبط عرضيا ببعضها بعضا. لذلك، كان يظن بأن الثورة البروليتارية لا يمكن أن تقوم إلا في الأقطار التي نضجت فيها الظروف محلياً، ظروف كالدرجة العالية من التطور الصناعي، ووجود نسبة عالية من البروليتاريا الصناعية المسلحة بمهارات فنية وتنظيمية وإدارية عالية. أما في مرحلة الإمبريالية، فلم يعد ذلك قائما أو ضروريا، وإنما أخذت تناقضات الرأسمالية طابع العالمية، بمعنى أنها لم تعد مقصورة على قطر أو أقطار معينة، وإنما أضحت مشتركة بين جميع حلقات النظام الرأسمالي العالمي، الأمر الذي يجعلها جميعا معرضة للثورة البروليتارية.

لكن هذه الحلقات تتباين عن بعضها بعضا من حيث درجة تعرضها للثورة البروليتارية. فما الذي يحدد هذه الدرجة؟ وهنا يطرح لينين مفهوماً في غاية الأهمية والأصالة، وهو مفهوم الحلقة الأضعف في السلسلة الرأسمالية. فالمرجح ان تندلع الثورة في الحلقة الأضعف من السلسلة الرأسمالية. وهذه الحلقة ليست بالضرورة هي الحلقة الأكثر تطورا والأكثر ديموقراطية والتي تتضمن النسبة العليا من البروليتاريين، وإنما هي الحلقة التي تتراكب فيها عدة تناقضات تضعف الطبقة الحاكمة وتقوي الطبقات الشعبية. إنها الحلقة التي تتزامن فيها تناقضات حقب ومراحل متنوعة. وعلى سبيل المثال، فقد كانت الحلقة الأضعف في السلسلة الرأسمالية عام 1917 هي روسيا، لأنه تراكبت فيها الثورة العمالية على الثورة الفلاحية، الأمر الذي وحد ما بين الطبقة العاملة وطبقة الفلاحين، وجعل الطبقة العاملة تقود غالبية الجماهير الروسية ضد الطبقة الحاكمة، ولأنها جابهت شكلا متخلفا وشنيعا جدا من أشكال حكم الإمبريالية (القيصرية الروسية)، ولأنه توافرت في روسيا آنذاك شروط ثقافية مواتية، كوجود ثقافة ماركسية متقدمة فها، ولغير ذلك من الأسباب. وعلينا أن نؤكد هنا أن الثورة البروليتارية في الحلقة الأضعف لا تجابه نظاما محليا بقدر ما تجابه الرأسمال العالمي برمته. لذلك فهي ثورة عالمية في جوهرها. إنها في جوهرها ثورة على الرأسمال العالمي.

أما في عصرنا، فيبدو أن الحلقة الأضعف في السلسلة الرأسمالية هي الوطن العربي. فالوطن العربي مجزأ قوميا ووطنيا وفاشل تنمويا على جميع الصعد وتابع اقتصاديا وسياسيا وتحكمه الإمبريالية عبر مافيات أمنية شنيعة ويشكو فيه جهاز الدولة من تخلف وثغرات مريعة، الأمر الذي يعزز الأطر الاجتماعية ما قبل الرأسمالية. ومع استمرار أزمة الرأسمالية العالمية منذ 2008، ومع تنامي النيوليبرالية في الوطن العربي، لم تستطع هذه الكيانات الهشة أن تصمد، خصوصا في الأقطار العربية التي قطعت شوطا في التصنيع التقليدي والحديث (مصر وتونس مثلاً)، حيث تراكبت ثورة البروليتاريا الذهنية من الشباب على ثورة العمال الصناعيين.

لكن التاريخ ينبئنا أنه، لئن اندلعت الثورة في الحلقات الأضعف، فإن الثورة المضادة تندلع في الحلقات الأقوى. هذا ما حصل بعيد الثورة البلشفية عام 1917، وهذا ما يحصل اليوم في الوطن العربي.



وقد أكد لينين على عالمية الثورة في عصر الإمبريالية، ومن ثم على استمراريتها أو ديمومتها. فالثورة تبدأ في الحلقة الأضعف من السلسلة الرأسمالية، لكنها تنتقل أفقيا وعموديا، أي تنتقل من حلقة إلى أخرى وتتجذر في كل حلقة، منتقلة من طور إلى آخر. وهذا ما يحصل اليوم في الوطن العربي، حيث انتقلت الثورة من ريف تونس إلى عاصمتها، ثم إلى مصر، فاليمن، فالبحرين. بل وسرعان ما تخطت الوطن العربي صوب أوروبا الجنوبية والولايات المتحدة الأميركية.

وهي مازالت مستمرة في تونس ومصر واليمن وتسعى إلى التجذر في هذه الأقطار، وإن كانت تجابه ضغطا هائلا في الاتجاه المعاكس من الثورة المضادة. ولربما كان ما حصل في ليبيا وما يحصل في سوريا يندرج ضمن الثورة المضادة في محاولتها تفكيك الثورة العربية وحرفها عن مسارها وهزيمتها.

وفي هذا السياق، تطرق لينين إلى العلاقة بين الثورة البروليتارية والثورة البرجوازية. فالحكمة، التي كانت سائدة في صفوف المناشفة والأممية الثانية، كانت تتمثل في الفصل الكامل بين الثورتين زمنيا ونوعيا. إذ كان الظن السائد أن حكم البرجوازية هو الحكم الوحيد الذي ينضج البروليتاريا ويهيئها للثورة البروليتارية، بعد عقود من النمو البرجوازي. ففي بلد شبه إقطاعي كروسيا في 1917، ما كان ممكنا للبروليتاريا أن تستلم السلطة السياسية، وإنما كان المجتمع الروسي مهيئا للثورة البرجوازية بقيادة البرجوازية الروسية. وكانت روسيا مهيأة لحقبة كاملة من الحكم البرجوازي. أما البروليتاريا الروسية، فكان دورها مقصوراً على مساندة البرجوازية في ثورتها وتأكيد المكاسب المطلبية للطبقة العاملة.

أما لينين، فقد أدرك أن بروز الإمبريالية والنظام الرأسمالي العالمي غير كليا من ذلك وسحب البساط من تحت أرجل هذا النمط من التفكير. إذ رأى لينين أن بروز الإمبريالية خلق شروطاً وظروفاً في الحلقة الأضعف لاستلام البروليتاريا السلطة بدعم من طبقة الفلاحين، ولتحول الثورة البرجوازية بصورة متصلة إلى الثورة البروليتارية تحت سلطة البروليتاريا. فلا يجوز فصل الثورتين عن بعضهما بعضا. فهما تتداخلان معاً وتشكلان حلقتين متداخلتين من السلسلة ذاتها. فالثورة الديموقراطية تؤسس للثورة الاشتراكية. فإذ تتجذر الثورة، تتحول المهمات الديموقراطية إلى مهمات اشتراكية. والنقطة الجوهرية هنا هي أن ظروف الإمبريالية في مطلع القرن العشرين أوجدت في روسيا برجوازية ضعيفة مرعوبة غير قادرة على تحقيق أي من المهمات الديموقراطية الكبرى، التي سبق أن حققتها البرجوازية الإنجليزية في القرن السابع عشر والبرجوازية الفرنسية في القرن الثامن عشر. وفي الوقت ذاته، فقد أوجدت بروليتاريا قوية جريئة ومنظمة وذات وعي متقدم وتنظيمات قيادية رفيعة. لذلك، كان لا بد للبروليتاريا من أن تتحمل مسؤولياتها التاريخية وان تحل محل البرجوازية قائدة للثورة. فاستلمت السلطة من أجل تنفيذ المهمات الحياتية الملحة والمهمات الديموقراطية اللازمة. فتحالفت مع الفلاحين من اجل الإطاحة بالقيصرية وحكم النبلاء. ثم تحالفت مع فقراء الفلاحين من أجل الإطاحة بالبرجوازية، بما في ذلك البرجوازية الريفية (الكولاك). إن طبيعة حكم البروليتاريا تحول دون توقف البروليتاريا عند تحقيق المهمات الديموقراطية، وإنما تدفعها دفعا صوب تحقيق المهمات الاشتراكية. ويمكن القول إن الثورة الديموقراطية تؤسس للثورة الاشتراكية، والثورة الاشتراكية تضمن نجاح تحقيق الثورة الديموقراطية. فالأخيرة لا تتحقق إلا على أيدي البروليتاريا، التي لا تستطيع أن تتوقف عندها، وإنما تتخطاها بالضرورة بحكم طبيعتها. لكن تحقيق المهمات الاشتراكية لا يكتمل أو يقطع شوطا كبيراً إلا بانتقال الثورة إلى المراكز الرأسمالية المتطورة، ثم ارتدادها من هناك صوب روسيا، معمقة مسيرة بناء الاشتراكية فيها.

والنقطة الجوهرية هنا هي أن الذي يوحد الثورتين معاً هو الدور القيادي للبروليتاريا في الثورتين. فالبرجوازية في الحلقات الأضعف تكون ضعيفة وتابعة وذات طابع طفيلي ومرعوبة من الطبقات الكادحة. لذلك، فإنها تميل إلى التحالف مع الإمبريالية وفلول الإقطاع وإلى محاولة إبطاء الثورة، تمهيداً لإيقافها وتصفيتها وهزيمة القوى الثورية. ومن ثم، فهي لا تكون قادرة على، ولا راغبة في، تحقيق المهمات الديموقراطية، مثل: توحيد الأمة، وبناء المؤسسات الموضوعية، والإصلاح الزراعي، وبناء الديموقراطية الليبرالية، والتصنيع أو استكماله، وما إلى ذلك. أما القوة التي تكون مهيأة لذلك، فهي البروليتاريا، حيث إن تحقيق المهمات الديموقراطية لهو شرط تحقيق المهمات الاشتراكية. فلا تستطيع البروليتاريا تنظيم نفسها قوة اشتراكية فعلية إلا في ظل الديموقراطية.

لذلك، كان على البروليتاريا أن تستلم السلطة السياسية من اجل تحقيق الديموقراطية والاشتراكية كلتيهما. فلا سبيل إلى إنجاح الثورة بأي شكل كان إلا بذلك. وبالطبع، فإن المهمات الديموقراطية لا تكون مستقلة تماماً عن المهمات الاشتراكية، وإنما تتداخل معاً. وإذا طبقنا هذه المقولة على الوطن العربي اليوم، وجدنا أن توحيد البروليتاريا العربية على رأس الجماهير الكادحة، وهو مهمة ديموقراطية واشتراكية في آن، يستلزم توحيد الأقطار العربية وكسر الجدران الفاصلة بينها، وهي مهمة ديموقراطية بامتياز. كما إن تحرير الموارد العربية من ربقة الإمبريالية والصهيونية يستلزم نقل ملكيتها منها والطغم المتحالفة معها إلى ملكية مجالس الشعب العامل. وتستلزم حماية هذه الموارد وعمليتي التصنيع والإنتاج من سطوة الإمبريالية والسوق العالمية وضع هذه الموارد والاقتصاد الوطني برمته تحت تصرف مجالس الشعب العامل وهيئاته الموحدة عبر دكتاتورية الكادحين، وذلك من أجل تسخير هذه الموارد في بناء مجتمع حديث متقدم وفق خطة متفق عليها ديموقراطيا.

وعلينا، في هذا المقام، أن ننتبه إلى أهمية مسألة التحالفات. ففيما جنح المناشفة والثوريون الاشتراكيون في روسيا 1917 إلى التحالف مع البرجوازية، ظنا منهم أن المرحلة كانت مرحلتها، فقد أكد لينين على ضرورة التحالف مع الفلاحين في مجابهة القيصرية والنبلاء والبرجوازية. ويمكن القول إن هذا التحالف في ثورتي 1905 وفبراير 1917 هو الذي أثمر إسقاط القيصرية. لكن، سرعان ما اقتضى الأمر تحالف البروليتاريا مع صغار الفلاحين والفقراء من أجل إسقاط حكم البرجوازية وإقامة دكتاتورية البروليتاريا في أكتوبر 1917.