الإنسانية الرائعة التي نفقدها يوما بعد يوم..


محمد عبد الكريم يوسف
الحوار المتمدن - العدد: 8762 - 2026 / 7 / 10 - 19:43
المحور: قضايا ثقافية     

الإنسانية الرائعة التي نفقدها يوما بعد يوم
أجلس الآن، في غرفة مكتظة بالأضواء الخافتة الصادرة عن شاشات صغيرة، وأحاول أن أتذكر متى كانت آخر مرة شعرت فيها بدفء كف إنسان، أو سمعت فيها نبض قلب آخر يخفق بجانبي دون أن يكون مجرد صوت مشوّه قادم من سماعة أذن. هناك شيء يموت فينا، ليس فجأة، بل خيطاً خيطاً، يوماً بعد يوم. إنها "الإنسانية الرائعة" التي كنا نعرفها؛ تلك التي كانت تسكن الأصابع قبل أن تسكنها الآلة، وتقطن العيون قبل أن تصبح مجرد عدسات تلتقط الصور لتخزينها في سحابة لا روح فيها.
تلك الأيام التي ولت
في زمن الإقطاع، حيث كانت الأرض هي الأم، والفلاح يحفر بيديه العاريتين ليستخرج لقمة عيشه، كانت العلاقة إنسانية بامتياز. لم تكن مجرد طبقة تحكم أخرى، بل كانت رابطة عجيبة من الحاجة المتبادلة، والوعود التي تُقطع وجهاً لوجه، لا بإمضاء إلكتروني. كان للوقت طعم مختلف؛ كان يقاس بظلال الشمس، وصياح الديك، وعرق الجبين. كانت الحياة خشنة، قاسية أحياناً، لكنها كانت حقيقية. كانت الروح هناك، في كل حبة قمح، وفي كل قبضة يد مصافحة لا تبحث عن "متابعة" أو "إعجاب"، بل عن أمان واطمئنان.
ثم جاءت البرجوازية، بكل بريقها المعدني، وضجيج عملاتها الذهبية. بدأ الإنسان يتحول من كائن عضوي ينتمي إلى الأرض، إلى رقم في دفتر حسابات. تحولت القيم إلى سلع، والكرامة إلى صفقات. ومع أن البرجوازية حررت الفرد من أغلال الإقطاع، إلا أنها سرقت منه الدفء، وجعلت العلاقات الإنسانية مجرد عقود مؤقتة، تتبخر بمجرد أن تصبح غير مجدية اقتصادياً.
ولادة الآلة، وموت الأصابع
مع هدير الثورة الصناعية، دخلنا العصر الذهبي للحديد والبخار. في البداية، ظننا أن الآلة خادمة لنا، ستمدد عضلاتنا وتريح ظهورنا. لكن سرعان ما انقلب السحر على الساحر. تحول الإنسان إلى ملحق للآلة؛ كان عليه أن يضبط سرعة تنفسه على وقع المطارق، وأن يحوّل ذراعيه إلى رافعتين جامدتين. تلك الأصابع التي كانت تعزف على أوتار القلوب، أو ترسم جمال الطبيعة، صارت تكرر حركة واحدة على مدار ستة عشر ساعة. كنا نبتكر "الإنسانية الرائعة" بإنتاجنا، لكننا كنا نفقدها بإنسانيتنا.
ومضت السنون، ودخلنا طور "الأتمتة الصناعية". لم تعد الآلة تحتاج إلى أيدينا، بل صارت تكتفي منا بنظرة خاطفة على لوحة التحكم. الكل يعمل، لكن لا أحد يعمل حقاً. صارت المصانع مدناً صامتة، تئن بالحركة ولكنها تخلو من الروح. رحلت تلك اللحظات التي كان العمال يتشاركون فيها وجبة الغداء تحت شجرة، أو يضحكون على نكتة سخيفة تضيء أعماقهم. حلّت محلها الكاميرات، والمستشعرات، والصرامة الباردة.
الفضاء الوهمي
ثم جاءت معجزة الإنترنت والسوشيال ميديا. كنا نظن أننا سنصبح قرية عالمية واحدة، حيث تتلاشى الحدود وتتفتح القلوب. لكن يا للهول! لقد أصبحنا قرى عالمية من الغرباء. أمسك بهاتفي الذكي لأتصفح "أصدقائي"، فأجد مئات الأسماء، لكنني أشعر أنني في غرفة فارغة. أصبحنا نعرض حياتنا كديكور جميل، نصور ابتساماتنا، نصنع محتوى لذكرياتنا، ولكننا ننسى أن نعيشها. الحب صار مجرد "قلب" إلكتروني، والحزن صار مجرد "حالة" تختفي بعد أربع وعشرين ساعة. نحن نتواصل بشراسة، ولكننا منعزلون بامتياز. نكتب تعليقات طويلة، لكننا عجزنا عن كتابة رسالة حب بخط اليد.
تطور الأمر إلى "إنترنت الأشياء"، حيث الثلاجة تتحدث إلى الميكروويف، والسيارة تتصل بالضوء الأحمر، والمنزل بأكمله ينبض بذكاء اصطناعي دون أن نرفع إصبعاً. صرنا ضيوفاً في بيوتنا، فكل شيء يعمل من تلقاء نفسه، وكأننا لم نعد ضروريين حتى لإدارة أركان حياتنا اليومية. الأشياء أصبحت تعرف ما نريد قبل أن نطلبه، لكنها لا تعرف لماذا نبكي، ولا لماذا نشتهي أن نلمس حبيبا.
الذكاء الصناعي .. سطو الروح
والآن، نقف على أعتاب الذكاء الصناعي. الآلة التي كانت تغلبنا بالعضلات، ثم تساوت معنا في السرعة، صارت تتفوق علينا في العقل. أصبحت تكتب شعراً يبكي، وتلحن موسيقى تشجي، وتخطط لمدن خيالية. آلة تتحدث بلغتنا، وتفكر بمنطقنا، ولكنها للأسف لا تحمل روحنا.
الذكاء الصناعي سيكون أعظم إنجازاتنا، ولكنه سيكون أيضاً مرثيتنا المجيدة. فبينما نحمّله أعباء التفكير، نُفرغ عقولنا. وبينما نمنحه القدرة على اتخاذ القرار، نُفقِد قلوبنا حقها في الخطأ، والحيرة، والألم، تلك المشاعر الإنسانية الجميلة التي كانت تصنع منا بشراً. الإنسان الرائع لم يكن رائعاً لأنه معصوم، بل كان رائعاً لأنه يخطئ، ثم يبكي على خطئه، ثم يقوم ليصلحه بيديه المرتجفتين.
صرخة في وادٍ خالٍ
نحن نفقد الإنسانية الرائعة التي كانت تسكن في التفاصيل الصغيرة: في نظرة الأم، في عناق الصديق، في دموع الفراق، في رائحة المطر على التراب، في الصمت المطبق بين عاشقين يفهمان بعضهما دون كلمات. نستبدل كل ذلك بـ "إيموجي" أصفر، أو صوت تنبيه بارد.
يا له من ألم ممضّ! نحن نبني عالماً من الكمال المادي، ولكنه يخلو من العيوب الجميلة التي كانت تجعلنا بشراً. نحن نصنع آلات تحاكي كل شيء، إلا قدرتها على أن تشعر بما نشعر به من فراغ.
قبل أن نُسلم مفاتيح حياتنا كلها للخوارزميات، لنتوقف للحظة. لنتنفس بعيداً عن الشاشات. لننظر في عيون بعضنا البعض كما كنا نفعل قديماً، ليس لنجد "معلومة" أو "بياناً"، بل لنجد هناك، في الأعماق، بقايا تلك الإنسانية الرائعة التي نخسرها كل يوم. فإن لم نفعل، سنظل نتجول بين الآلات الذكية، أذكى منا جميعاً، لكننا سنكون أشبه بالطيف، نحمل هواتف ذكية في أيدٍ خاوية من الروح، نبحث في ثنايا العالم الرقمي عن تلك القبلة التي لم نعد نتذكر طعمها، وعن تلك الكلمة التي لم نعد نعرف كيف ننطقها دون وسيط.
ارحموا الإنسانية التي فينا... قبل أن تصبح مجرد ذكرى في ذاكرة آلة لا تبكي.