أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامي المصري - القوانين الكنسية لانتخاب بابا الإسكندرية... والأنبا شنودة















المزيد.....


القوانين الكنسية لانتخاب بابا الإسكندرية... والأنبا شنودة


سامي المصري
الحوار المتمدن-العدد: 1735 - 2006 / 11 / 15 - 11:40
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لعل أكثر ما أرهق الكنيسة القبطية خلال القرن العشرين وسبَّب الكثير من الصراعات والمشاكل والبلبلة هو التعديلات التي حدثت في اللائحة المنظِّمة لانتخاب البطريرك والتي تخالف القانون الكنسي وقرارات المجامع المسكونية والكتاب المقدس. لقد قامت مراكز القوى بالاشتراك مع أصحاب الطموحات الشخصية بالعبث ببنود هذه اللائحة لتفرض على الكنيسة بطاركة مخالفين للشروط الأساسية التي أقرها التقليد الرسولي والكتاب المقدس. لقد التزمت الكنيسة القبطية بالتقليد الصحيح في اختيار البطريرك لمدة عشرين قرنا حتى بدأت رياح التغيير تعصف بقوانين الكنيسة عند اختيار البابا رقم 113 الأنبا يؤنس 19 والذي تم رسامته بطريركا في ديسمبر عام 1928م. وقد كان للتدخل الشخصي للملك فؤاد بكل ثقله لصالح الأنبا يؤنس سببا في العبث بالقانون الكنسي لأول مرة في تاريخ الكنيسة. هذا الاختيار كان سابقة ترتب عليها مخالفات كثيرة متعاقبة تسببت في كل متاعب الكنيسة في القرن العشرين وها هي تمتد للقرن الواحد وعشرين. كان هناك استثناء لهذه المخالفات وهو البابا كيرلس السادس، فبعد ثلاثة بطاركة مخالفين متعاقبين ظهر جيل مثقف استوعب كل العواقب التي ترتبت على كسر القانون مما أشعل فيه الحماس فتحرك الشعب الواعي المقدر للأهمية القصوى لاحترام القوانين الكنيسة، فرفض تكرار المخالفة. وتحققت ثمرة جهوده في اعتلاء البابا كيرلس السادس للسدة المرقسية.

وبعد البابا كيرلس حدثت انتكاسة شديدة بالعودة للقانون المكسور، انحرفت بمسار الكنيسة بصورة أكثر ضررا بالصالح العام. وبالأسف قاد المسار الكنسي للانحراف بعض المثقفين الذين كان منوط بهم القيام بالإصلاح الكنسي المنشود بحسب ما نادوا وطالبوا وعلموا في الماضي القريب. لكن عندما خطف أبصارهم بريق السلطة أعمي عيونهم عن الحق فتمرغوا في وحل المخالفة إلي قمة الرأس. وإليك أيها القارئ العزيز حقيقة الوضع الكنسي الراهن في ضوء القوانين الكنسية المعتدى عليها نعرضها على طريقة السؤال والجواب.

سؤال رقم (1): من هو بطريرك الكرازة المرقسية؟

الإجابة: هو أسقف الإسكندرية
ليس هذا التعريف وليد واقع تاريخي فقط لكنه تثبَّت بقرار من المجمع المسكوني الأول بنيقيا عام 325 م. فالبند رقم 5 من قرارات المجمع ينص على:

CANON 5
LET the ancient customs in Egypt, Libya and Pentapolis prevail, that the Bishop of Alexandria have jurisdiction in all these, since the like is customary for the Bishop of Rome also. Likewise in Antioch and the other provinces, let the Churches retain their privileges. And this is to be universally understood, that if any one be made bishop without the consent of the Metropolitan, the great Synod has declared that such a man ought not to be a bishop. If, however, two or three bishops shall from natural love of contradiction, oppose the common suffrage of the rest, it being reasonable and in accordance with the ecclesiastical law, then let the choice of the majority prevail. (N. & PN.F., 2nd Series, Volume 14, pp. 72)

القانون الخامس من قوانين مجمع نيقيا العشرين بدأ بالتعريف أولا بـ "أسقف الإسكندرية"، بسبب تصرفات الأسقف مليتس أسقف ليكابوليس (أسيوط) والذي قام برسامة الأساقفة في غيبة الأنبا بطرس خاتم الشهداء. وقد حرم مجمع نيقيا ميليتس كما حرم كل من رسمهم أساقفة واعتبر هرطوقيا. معنى هذا أنه لا يجوز لأي أسقف أن يقوم بعمل البابا غير الأسقف المنتخب لمدينة الإسكندرية بالتحديد. وقد قام المجمع بتطبيق هذا القانون علي باقي الكنائس الأخرى. وقد كان هناك خمسة كراسي مسيحية كبرى على مستوى المسكونة كل منها يرأسها أسقف يحمل اسم متقدم الأساقفة. وهي بحسب الترتيب التاريخي:

1- كرسي أورشليم 2- كرسي إنطاكية 3- كرسي الإسكندرية 4- كرسي روما 5- كرسي القسطنطينية

وهذه الكراسي كانت في وحدة كاملة ومتساوية في كل شيء وتمثل المسيحية في كل الأرض وذلك حتى القرن الخامس حين حدث الانقسام الأول في مجمع خلقيدونيا.

ويلاحظ أن البطريرك أو المطران يحمل درجة الأسقف التي هي أعلى درجة كنسية، فلا يوجد ترقي في رتبة الأسقف كما يحدث الآن. فالمطران هو أسقف مدينة كبيرة أو محافظة(Metropolitan Aria) أما البطريرك فهو أسقف الإسكندرية ومتقدم الأساقفة لواحدة من الكراسي الخمس الكبرى. وهو مجرد أسقف على أبراشية، لكنه في نفس الوقت مسئول عن تدبير الأمور العامة في إقليم يشمل عددا من الأساقفة (المطارنة) وذلك بالتعاون معهم. وهو لا يملك أن يتخذ أي قرار بخصوص الأمور العامة بدون موافقة أغلبية الأساقفة بل وقرار الأغلبية هو الذي يسود حتى لو لم يوافق عليه البطريرك.

سؤال رقم (2): إذا كان بطريرك الكرازة المرقسية هو أسقف الإسكندرية فقط، فهل يجوز نقل أسقف من إبراشية أخرى وتعينه أسقفا للإسكندرية؟

الإجابة: لا لأسباب قانونية غاية في اِلأهمية:
القانون رقم 15 لمجمع نيقيا يمنع نقل أي أسقف من أسقفيته لأسقفية أخرى حسب النص التالي:

CANON 15
ON account of the great disturbance and discords that occur, it is decreed that the custom prevailing in certain places contrary to the Canon, must wholly be done away; so that neither bishop, presbyter, nor deacon shall pass from city to city. And if any one, after this decree of the holy and great Synod, shall attempt any such thing, or continue in any such course, his proceedings shall be utterly void, and he shall be restored to the Church for which he was ordained bishop or presbyter. (N. & PN.F., 2nd Series, Volume 14, pp. 108)

فالأسقف يظل قائما على أسقفيته حتى نياحته دون تنقل. ويوضح نص القانون أن هناك ارتباكا قد حدث ويحدث بسبب محاولة بعض الأساقفة أن ينتقل لأسقفية أكبر بدافع الطمع، سواء كان طمعا ماديا أو معنويا.

إن تاريخ الكنيسة القبطية يشهد بأمانة البطاركة والشعب في تنفيذ هذا القانون بكل دقة وقد احتفظ لنا ذلك التاريخ برأي الأنبا ميخائيل الأول (المعروف بالأنبا خائيل) البطريرك 46 من بطاركة القرن الثامن الميلادي للكنيسة القبطية. أصدرت كنيسة مار جرجس باسبورتنج كتابا عن حياة هذا البطريرك تحت عنوان "البركان يفور" وهو الكتاب الأول من سلسلة كتب تاريخية. وهو مأخوذ عن كتاب قصة الكنيسة القبطية "الكتاب الثاني" للأستاذة إيرس حبيب المصري. وقد أصدر هذا الكتاب المتنيح أبونا "بيشوي كامل" بمناسبة ترشيح بعض الأساقفة أنفسهم للكرسي البابوي في عام 1971. وإليكم تلخيص لبعض مما حاء بكتاب "البركان يفور"

[اشتهى اسحق أسقف حاران أن يحظى بشرف اعتلاء الكرسي الأنطاكي بعد أن ظل شاغرا مدة من الزمان بسببب الأحداث السياسة .. وكان اسحق هذا على صلة وثيقة بالملك عبد الله بن جعفر لأن الله جل اسمه كان قد رزق هذا الملك ابنا بصلاته. فاستعان اسحق بالملك ليحقق أمنيته. فلم يكتفي هذا الملك بتعضيد اسحق فيما يرجوه بل قتل أسقفين عارضاه في رغبته قائلين، "إنك أسقف؛ وما دمت قد نلت هذه الكرامة وجب عليك الخضوع للقوانين الرسولية القاضية بألا يترك أسقف أبروشيته لغيرها . كذلك نهى الرسل عن أخذ كرامة الكهنوت من يد السلطان. ألا تعلم أن من يقدم على هذا العمل يستحق الحرم؟!"

ولما اغتصب الأسقف اسحق الكرسي الأنطاكي أراد أن يعزز مركزه، فبعث برسالة الشركة مع أسقفي دمشق وحمص إلى الأنبا ميخائيل الأول البابا السادس والأربعون من بطاركة الإسكندرية. وأرسل هدايا ثمينة مع الرسالة، وأمر رسله بتسليمها للبابا مع تهديده بأنه إن رفض الشركة فعليه المثول بين يدي الملك عبد الله أبو جعفر المنصور في حاران لتأدية الحساب على رفضه الشركة.

دعا الأنبا ميخائيل أساقفته كما دعا الأسقفين الإنطاكيين فحضروا جميعا. وظل المجمع يوالي جلساته شهرا كاملاً. أما الوالي عون الذي كان يحب البابا فلم يتعجله ولم يذَّكِره بأنه لم يطلب غير ثلاثة أيام للرد عليه. وفي مطلع الشهر الثاني اجتمع الأساقفة في كنيسة العذراء (الشهيرة بالمعلقة) ببابلون. حيث أبلغهم البابا المرقسي بقراره النهائي في هذا الموضوع الخطير: موضوع انتقال أسقف من إيبارشيته إلى أخرى. وسجل قراره في الخطاب الذي كان ينوي إرساله إلى الأسقف اسحق مع مندوبيه والذي يعتبر وثيقة تاريخية مجيدة وهامة، وهذا نصه:

"لا السيف ولا النار ولا الرمي للأسد ولا النفي ولا هذه كلها مجتمعة تخيفني. لن أرضى بعمل غير قانوني (قوانين مجمع نيقيا). ولن أدخل نفسي تحت حرمي الذي كتبته بخط يدي والذي أعلنت فيه أنه لا يجوز لأسقف أن يصير بطريركا. ولقد حرم آباؤنا المكرمين كل من يأخذ الكهنوت من يد السلطان. فإن الأساقفة كانوا قد كتبوا إليَّ من إنطاكية في أيام يوحنا البطريرك أن كل من جلس بعده من المطارنة على السدة البطريركية يكون محروماً. وقد وقعت بإمضائي على قرارهم هذا. فكيف أحرم نفسي الآن؟ وكيف أبرر اليوم ما حرمته بالأمس ؟ بل كيف اعترف الآن بما أنكرته من قبل؟ وأن الآباء المكرمين أنفسهم قد حرموا كل من يسلك هذا المسلك".]

كما أصدر المتنيح أبونا بيشوي كامل بيانا بعنوان "بيانا إلي شعب الإسكندرية اليتيم" مرددا فيه كلام الأنبا خائيل بمناسبة ترشيح ثلاثة أساقفة أنفسهم للكرسي البطريركي في عام 1971 .

سؤال رقم (3): هل ممكن لأسقف واحد أن يجمع بين أسقفيتين؟
وسؤال رقم (4): هل يجوز رسامة (شرطنة) الأسقف مرتين؟

إذا كان الأسقف لا يمكن أن ينقل من أسقفيته فهل يمكن له أن يجمع ما بين أسقفيتين في نفس الوقت؟!!! وهل يمكن أن تعاد رسامته حتى يأخذ حق التسلط على أسقفية أخرى؟!! السؤال رقم 4 ، 5 تجيب عليهما القوانين الكنسية معا بـ لا. فالأسقف يعتبر كزوج لأسقفيته ولا يجوز له بأي حال أن يجمع ما بين أسقفيتين وإلا يعتبر كمن تزوج امرأتين معا.
إن قوانين الكنيسة تمنع إعادة وضع اليد مرة ثانية على المشرطن. وقد نص على ذلك قانون 68 من كتاب المراسيم الرسولية (الذي كتب في أواخر القرن الأول الميلادي وهو المصدر للدسقولية) فينص على، "إن أي أسقف أو قس أو شماس ينال الشرطونية ثانية من أحد يقطع هو والذي شرطنه." والقانون رقم 35؛ والقانون 57 من قوانين مجمع قرطاجنة لا يسمحان بإعادة الشرطونية أو نقل الأساقفة أو أن يتولى أسقف واحد أسقفيتين.

سؤال رقم (5): كيف يُختار البطريرك؟ ومن له حقا انتخابه؟
كل الأسئلة السابقة تدور حول شخص المرشح للكرسي البطريركي مما يؤكد استحالة ترشيح الأسقف لهذا المنصب. أما هذا السؤال فيتعلق بآليات انتخاب البطريرك وقانونيتها من جهة الناخبين الأمر الذي أهدر تماما بالتدريج في القرن العشرين. يلزم أيضا أن نرجع للقانون الكنسي والتاريخ القريب والبعيد لنعرف مدي انحراف الكنيسة اليوم عن الخط الأرثوذكسي السليم .

القانون رقم 36 من تعاليم الرسل ينص على، "فليقم الأسقف بتخيير الشعب كله إياه كمشيئة الروح القدس". وبعد أن يذكر الشروط الواجبة في المرشح للأسقفية يعيد النص تأكيدا على ضرورة معرفة رأي الشعب كله في المرشح فيقول "ويقام في يوم الأحد وكل الناس متفقون على إقامته. وكل الشعب والكهنة يشهدون له". وهذا النص يقوم على أساس الكتاب المقدس نفسه. فالكتاب المقدس هو أول من أرسى الفكر الديموقراطي ونظام الانتخابات في التاريخ. فعندما أراد الرسل اختيار أول مجموعة من الشمامسة، طلبوا من الشعب أن ينتخب سبعة أفراد من الشعب دون أي تدخل من الرسل، "انتخبوا أيها الاخوة سبعة رجال منكم مشهودا لهم ومملوئين من الروح القدس وحكمة فنقيمهم على هذه الحاجة" (اع 3:6). فالانتخابات الحرة هو نظام أول من أرساه هو الكنيسة الأولى.

يلاحظ أيضا دور الروح القدس في الاختيار، فرأي الشعب المجتمع يعرض مشيئة الروح القدس، بحسب قول الكتاب، "وأقول لكم أيضا إن اتفق اثنان منكم على الأرض في أي شيء يطلبانه فانه يكون لهما من قبل أبي الذي في السماوات. لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم." (مت 18: 19-20) فاجتماع الشعب واتفاقه في الرأي يعني حضور الله في الوسط ولذلك فإن الرأي الواحد للمجتمعين هو مشورة الروح القدس. وتطبيقا لذلك فقد رأي المجتمعين في مجمع أورشليم أن قرارهم هو رأي الروح القدس، "لأنه قد رأى الروح القدس ونحن أن لا نضع عليكم ثقلا أكثر غير هذه الأشياء الواجبة" (أع 28:15). وبذلك فإن احتقار رأي الشعب وإهماله هو غبية للروح القدس، فاختيار الشعب للبابا هو أمر ضروري لا مناص منه، فإذا لم يختار الشعب البابا، فإن البطريرك المعين لا يكون هو المختار من الله، بل هو مختار من الحاكم أو من قوى التسلط الشريرة. هذا البطريرك يقيم نفسه على الكنيسة بدلا من الله. لذلك فهو يستبدل محبة المسيح بالإرهاب والتخويف والقمع ليفرض سلطانه الشخصي بدلا من ملكوت الله ومشيئته.

ما هو المقصود بكل الشعب؟ من هم الشعب؟ الشعب هم شعب الإبراشية التي يقام عليها الأسقف. وفي حالة البطريرك فهو أسقف المدينة العظمى الإسكندرية. وبما أن أسقفية القاهرة قد أضيفت للبابا بعد نقل المقر البابوي إليها فإن كل من الشعب القبطي في الإسكندرية والقاهرة مسئول عن اختيار أسقف الإسكندرية. وقد يشارك شخصيات رمزية من باقي إبراشيات الكرازة المرقسية في الانتخاب باعتبار أن الأسقف المنتخب هو متقدم لأساقفة الكرازة. ويلاحظ أن الدسقولية لم تفرق بين رجل وامرأة ولم تقيم أي فروق اجتماعية بين الناخبين ولم تميز بين غني وفقير (كما فعلت لائحة عام 1927) بل كل الشعب. وفي هذا أرفع صورة للديموقراطية التي طبقتها الكنيسة منذ فجر المسيحية. وبينما قد تأخر العالم جدا في إدراك أهمية الديموقراطية كمنهج سياسي واجتماعي إلا في عصر التنوير، فالمسيحية كانت سابقة في تنوير العالم. وحتى اليوم لا زالت التطبيقات الديموقراطية متعثرة جدا في الكثير من الدول. وبينما يتحرك العالم الحر نحو الديموقراطية تتعثر الكنيسة القبطية لتقلد السياسة الفاسدة، فلا يمكن التخلي عن مبدأ الديموقراطية الذي بدأته المسيحية على الأرض إلا إذا كان هناك فساد سياسي.

اللوائح الوضعية لانتخاب بطريرك الإسكندرية في القرن العشرين خالفت القوانين الكنسية بصورة مريعة. فبالإضافة إلى أنها سمحت للأسقف أن يرشح نفسه للكرسي البطريركي، فقد عبثت أيضا بحق الشعب في اختيار راعيه. إن السماح لكل الشعب أن يختار الراعي التزاما بالقانون الكنسي لن يوافق أصحاب المصالح المقامرين بحق الشعب ولطامعين في فوائد المنصب. وكل هذا يؤازره الحكام ذوي الأهداف في السيطرة على الكنيسة من خلال بث رجال مخلصين لمصالحهم أكثر من إخلاصهم للكنيسة. لذلك بدأت اللوائح في وضع العوائق لتحجيم عدد الناخبين بما يتوافق مع النتيجة المطلوبة. ولم توجد مهزلة أسوأ مما حدث في انتخابات البطريرك عام 1971. ففي هذه الانتخابات مُنِع المثقفين وخدام مدارس الأحد من الانتخاب بصورة قاطعة، ثم قام المرشحون بانتقاء من ينتخبوهم. ولما تبين أن عدد الناخبين صغير جدا تقرر أن يضاف لقوائم الناخبين كل العاملين والموظفين بالكنيسة القبطية ممن يسهل التأثير عليهم. وبذلك كان القربني وفراش الكنيسة والقيم لهم حق الانتخاب، بينما الشعب القبطي كله خاصة المثقفون ورجال الأعمال كانوا ممنوعين من الانتخاب. وبذلك بلغ عدد الناخبين حوالي 900 شخص (الأعداد تقريبية لكنها قريبة جدا من الحقيقة حسب القدرة على التذكر، وعلى من يعترض أن يذكر لنا الأرقام بدقة) وقد بلغ عدد من انتخب الأنبا صموئيل حوالي 450 شخص ومن انتخب الأنبا شنودة حوالي 300 شخص. وبعد كل ذلك العبث قدم الثلاثة الأول للقرعة الهيكلية فنجح الأنبا شنودة، كاسرا لكل القوانين الكنسية الرسولية. لو طبق القانون الكنسي لكان عدد الناخبون ما بين ثلاثة لأربعة ملاين ناخب فهل الـ 300 شخص الذين انتخبوا الأنبا شنودة كافيين للتعبير عن رأي جموع الشعب؟!!! وهل الشعب الواعي في القرن الواحد والعشرين سيسمح للعابثين أن يحرموه من حقوقه المشروعة طبقا للقانون الكنسي المعتدى عليه؟!!!! هل شباب هذا الجيل ومثقفيه مستعد لأن يتخلى عن حقوقه في انتخاب بطريرك الكنيسة كما حدث في أيام الرئيس السادات؟!!!! أو أن الموضة الجديدة في المنطقة العربية التعيسة اليوم هي شريعة التوريث؟!!!!

سؤال رقم (6): هل من يقبل كسر كل هذه القوانين الكنسية جميعها من أجل مطامع شخصية، بدون خوف الله، ممكن أن يؤتمن علي كنيسة الله المقدسة ؟
أولا رأي الكتاب المقدس:
"الحق، الحق أقول لكم إن الذي لا يدخل من الباب إلى حظيرة الخراف بل يطلع من موضع آخر فذاك سارق ولص" (يو 1:10).
"السارق لا يأتي إلا ليسرق ويذبح و يهلك وأما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم افضل". (يو 10:10).
"وأما الذي هو أجير وليس راعيا الذي ليست الخراف له فيرى الذئب مقبلا ويترك الخراف ويهرب فيخطف الذئب الخراف ويبددها. والأجير يهرب لأنه أجير ولا يبالي بالخراف" (يو 10: 12-13) .

الأسقف الذي يعرف أن القوانين الكنسية تعتبره محروما من الكنيسة هو ومن شرطنه، ثم يقدِم على هذا العمل بجسارة، قد فقد الحس الروحي ومخافة الله . كيف يمكن أن يؤتمن مثل هذا الأسقف المزوِّر على إيمان الكنيسة؟ كيف يمكن أن نأتمنه على رعايتنا بخوف الله بعد أن أثبت بشكل عملي أنه لا يعطي أي قيمة لله ولا لقوانين الكنيسة؟!!!

سؤال رقم (7): من كل ما سبق هل الأنبا شنودة هو البطريرك الشرعي للكنيسة القبطية؟
الإجابة طبقا للقوانين الكنسية لا.... أما طبقا لمراحم الله فنقول أنظر إلينا كغنم رعيتك وارحمنا ....
إن موقف الأنبا شنودة مع ثلاثة بطاركة آخرين في تاريخ الكنيسة القبطية يعتبر موقفا شاذا. وهم بالترتيب الأنبا يؤنس التاسع عشر والأنبا مكاريوس الثالث والأنبا يوساب الثاني ثم الأنبا شنودة. هؤلاء الأربعة كانت لهم درجة الأسقفية قبل إسناد لهم أسقفية الإسكندرية (البطريركية). وبحسب القانون الخامس لمجمع نيقيا فإن رئيس الأساقفة هو أسقف الإسكندرية وليس أسقف أسيوط أو جرجا أو أسقف التعليم (الكلية الإكليريكية ومدارس الأحد). وبسبب هذه المخالفة حرم مليتس أسقف ليكابوليس واعتبر هرطوقيا.

وبحسب القانون الخامس عشر لمجمع نيقيا لا يجوز نقل أسقف التعليم ليصير أسقفا للإسكندرية. ولا يجوز لأي أسقف أن يجمع بين أسقفيتين في نفس الوقت وإلا اعتبر كمن تزوج امرأتين في نفس الوقت. ولا يمكن رسامة الأسقف مرتين، فالأنبا شنودة دعي باسمه عند رسامته أسقفا للتعليم وليس لمدينة الإسكندرية، بل رسم على الكلية اإكليريكية ومدارس الأحد. ولا يمكن شرطونيته مرة أخري وإلا اعتبر محروما هو ومن شرطنه طبقا للقوانين الكنسية. وبذلك فإن الأنبا شنودة ما زال أسقفا للتعليم وهو لم يرسم ولم توضع عليه اليد كأسقف الإسكندرية حتى اليوم. ولأنه ليس أسقف الإسكندرية فهو ليس بطريرك الكرازة المرقسية ولا يمكن بأي حال تلقيبه بهذا اللقب. إن ممارسته لأعمال البطريرك هو وضع غير طبيعي استمر لمدة خمسة وثلاثين عاما وهو وضع ترفضه كل القوانين الكنسية ويعتبر اغتصابا للكرسي البطريركي.
بالإضافة لكل المخالفات السابقة التي اشترك فيها مع ثلاثة بطاركة آخرون فالأنبا شنودة أضاف مخالفة أخري جسيمة لم يفعلها غيره بحرم الشعب من الانتخاب. فبلغ إلى تسلطه على كرسي البطريرك بأساليب سياسية تشجبها الشريعة المسيحية.
وبذلك فإن كرسي الإسكندرية منذ نياحة الأنبا كيرلس السادس -آخر بطريرك تمت رسامته كأسقف للإسكندرية بطريقة شرعية- يعتبر شاغرا !!!َ!!

سؤال رقم (8): ما معنى حفل الرسامة الذي تم فيه تنصيب الأنبا شنودة بطريركا؟
لو سألت الأساقفة الذين قاموا بالاحتفال لسمعت إجابات متناقضة، أهمها أن هذا مجرد حفل تجليس لأسقف التعليم ليصير بطريركا للكرازة المرقسية، فهو ليس حفل رسامة والدليل على ذلك أن اسمه لم يتغير ورسامة الأسقف لا يمكن إعادتها. وهنا تبلغ حيرتنا أوجها فهل وضعتم عليه الأيادي أم لا؟ أم أن ذلك كله كان بمثابة تمثيلية هزلية بنلعب فيها لعبة البطرك علشان نضحك على الشعب المسكين المغرر به؟!!!

ولعل المتنيح الأنبا أثناسيوس أسقف بني سويف ورئيس لجنة الانتخابات كان أصدق من عبر عن الموقف عندما تصدر الحديث مقدما البطريرك الجديد. فقام بتكرار هذه الآية عشرات المرات أمام الحاضرين، "الذي لا يدخل من الباب إلى حظيرة الخراف بل يطلع من موضع آخر فذاك سارق ولص".

سؤال رقم (9): هل سيسمح الشعب القبطي العريق بتكرار هذه المهزلة في اختيار البطريرك القادم؟
تطالعنا الجرائد والمجلات العامة في كل يوم بأخبار الصراعات على الكرسي البطريركي الدائرة خلف الكواليس وفي تهاليز الكنيسة المكلومة بالجراح. فالأساقفة الغير مدركين لرسالتهم الرعوية الخطيرة منشغلين عن خدمتهم بصراع خلى تماما من روح المسئولية، وتخلص كليتا من الالتزام بالقانون الكنسي. فهل يظل الشعب يقف في موقع المتفرج وهل يظل المثقف القبطي يقف عاجزا عن التحرك لإنقاذ الكنيسة؟!!!

لقد كان صراع الأمس بين أربعة شخصيات فقط -أبونا متى المسكين، الأنبا غريغوريس، الأنبا صموئيل، والأنبا شنودة- والمفروض انهم كانوا أكثر اتزانا وتحضرا من مصارعي اليوم. الاثنان الأولان منهم حاولا أن يخرجا خارج حلبة الصراع من اليوم الأول، ورغم ذلك استمر وطيس الحرب دائرا لمدة بلغت خمسون عاما، وحتى اليوم لم تهمد إوارها بعد. فماذا سيكون الموقف بين مصارعي اليوم الذي يزيد عددهم عن الثلاثين؟!!!!!

إن صراع اليوم الذي ينازل فيه أكثر من ثلاثين أسقفا مدربين على كل فنون العبث السياسي سيتجاوز كل الحدود المعقولة ليمزق الكنيسة بصورة يصعب تصور حدودها، ويستحيل حصر استعار نيرانها التي يعجز كل أحد عن الحد من امتداد لهيبها إلي أن تأكل كل أخضر ويابس في الكنيسة. وليشمت الشامتون!!!!

إن تطبيق القانون الكنسي اليوم لضرورة حتمية لانقاد الكنسية من عبث الأساقفة المتصارعون على الكرسي البطريركي. فكل أسقف تسول له نفسه التقدم للكرسي البطريركي يحرمه القانون الكنسي هو ومن يسانده. فتطبيق القانون سيزلزل الأرض تحت أقدام هؤلاء المغامرون بمصالح الشعب من اجل مصالح شخصية تافهة.

هذا البحث هو استجابة مني لدعوتي للقاء العلماني الأول الذي سيعقد بمقر الجمعية المصرية للتنوير يومي الثلاثاء والأربعاء 14 و 15 نوفمبر عام 2006، وإذ أشارك بهذه الدراسة، أطرح الواقع الأليم لكنيستنا القبطية اليوم، وأضعه أمام المجتمعين وأمام الرأي العام القبطي. وبهذا أنبه لخطورة الوضع المتردي والذي ترتب على الفساد الذي استشرى في الكنيسة القبطية نتيجة لإهمال وتجاهل القانون الكنسي. وإذا كانت الإدارة الكنسية التي أعمتها المطامع قد فقدت القدرة على الإمساك بزمام الأمور للخلاص من محنة مخيفة، فعلى المثقف القبطي العلماني القيام بدور ريادي لوضع الأمور في نصابها.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,047,920,113
- ما بين التحضر والتحجر... (2) البابا بندكتوس... والبابا شنودة
- ما بين التحضر والتحجر... (1) البابا بندكتوس... والتطرف الإسل ...
- لجنة تثبيت أم إفساد العقيدة .. والأب متي المسكين
- مقالات مرفوضة بالحوار المتمدن
- المجتمع القبطي ...كيف كنا وماذا أصبحنا وكيف؟
- لبنان ... وا لوعتاه
- جيل غيَّبَه التدين المريض
- من الرجال من لا يموتون ... -أبونا متَّى المسكين-
- الأنبا شنودة وأحداث الإسكندرية الأخيرة-2
- الأنبا شنودة وأحداث الإسكندرية الأخيرة
- نشاط الجماعة المحظورة في مصر علامة حكم يتهاوى
- لا تدينوا لكي لا تدانوا
- (1) -التعصب الديني في مصر
- ماذا حصد الأقباط من موقف البابا شنودة من انتخابات الرئاسة
- الشعب القبطي يتمزق بين شقي حجر الرحى -الدولة والكنيسة- 2
- الديمقراطية والإصلاح السياسي في العالم العربي
- أكتوبر؛ ختاما لحرب الست سنوات -الفصل الأول
- الإرهاب والقهر والتكفير والفساد في الكنيسة القبطية
- الشعب القبطي يتمزق بين شقي حجر الرحى الدولة و الكنيسة
- البابا شنودة وانتخابات الرئاسة


المزيد.....




- دار الإفتاء المصرية تلجأ للرسوم المتحركة لمكافحة أفكار المتط ...
- الغارديان: الألغام، إرث -الدولة الإسلامية- الذي يهدد سكان ال ...
- مصالحة تاريخية بين خصمين مسيحيين في الحرب الأهلية اللبنانية ...
- مصالحة تاريخية بين خصمين مسيحيين في الحرب الأهلية اللبنانية ...
- اكتشاف جدارية تعود للقرن السادس يعتقد أنها تصور وجه المسيح
- اكتشاف جدارية تعود للقرن السادس يعتقد أنها تصور وجه المسيح
- مرصد الإفتاء يرصد تراجعا إعلاميا للإرهابيين في سيناء: 8 أشهر ...
- وفاة عميد شرطة مصري في لندن متأثرا باعتداء -الإخوان-
- صحف عربية: هل يكمن حل أزمة ليبيا في عودة سيف الإسلام القذافي ...
- عالم أزهري يحذر من مخطط يهودي لهدم مصر


المزيد.....

- لماذا الدولة العلمانية؟ / شاهر أحمد نصر
- الإصلاح في الفكر الإسلامي وعوامل الفشل / الحجاري عادل
- سورة الفيل والتّفسير المستحيل! / ناصر بن رجب
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(2) / ناصر بن رجب
- في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم / هاشم نعمة
- البروتستانتية في الغرب والإسلام في الشرق.. كيف يؤثران على ق ... / مولود مدي
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1) / ناصر بن رجب
- فلسفة عاشوراء..دراسة نقدية / سامح عسكر
- عودة الديني أم توظيف الدين؟ المستفيدون والمتضررون / خميس بن محمد عرفاوي
- لكل نفس بشرية جسدان : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامي المصري - القوانين الكنسية لانتخاب بابا الإسكندرية... والأنبا شنودة