أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - حيدر عوض الله - انهيار التنظير القومي للوحدة















المزيد.....



انهيار التنظير القومي للوحدة


حيدر عوض الله

الحوار المتمدن-العدد: 1946 - 2007 / 6 / 14 - 08:19
المحور: القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
    


لم تحظ قضية، بمثل هذا الكم المتواصل من الأحلام والأوهام، ومن التنظير والتعليل، مثلما حظيت به قضية الوحدة والقومية العربية. فقد انتهى العقد الأخير من الألفية الثانية، ولا زالت هذه القضية، الحلم، تلهب أحلام الملايين من المحيط الى الخليج، غير عابئة، بالتطورات العاصفة التي يشهدها عالمنا المعاصر، ولا بالتغيرات البنيوية الهائلة التي أصابت المفاهيم السياسية والاجتماعية والاقتصادية- والتي مست بصورة جذرية بديهيات العقل السياسي والاجتماعي، كالأمة والدولة القومية والحدود، والسوق الوطنية أخيراً وليس آخراً، مفهوم الدولة ووظائفها الكلاسيكية، ولا أدري إذا كان لفظ " الضاد" في ظل ثقافة عربية تعيد إنتاج نفسها عبر دائرة مغلقة من الطقوس والرموز، وشعائر استحداث "الاصول" كوصفة على للرد على بدع المحدث والحديث، قادرة على الحياة، في عزلتها وركودها، دون مضاعفة الخسائر والانتكاسات المتكررة، ناهيك عن الضمور المتزايد في اللغة العربية ذاتها " لغة الضاد" والتي باتت تتحول تدريجياً الى لغة للمناسبات، متخلية باضطراد عن حضورها في الحياة اليومية والعملية.
ولان اللغة، إضافة لكونها حاملة للوعي، هي الوعي العملي، فان دائرتها تفعل وتنفعل مع الإنتاج نفسه، بغض النظر عن كون هذا الإنتاج مادياً أو معنوياً. ولا يكفي، تعريب التكنولوجيا، بمجرد التعرف عليها، أو بمجرد وضع "خرزة زرقاء" على أجهزة الكمبيوتر، فأمر كهذا لا يساهم إلا في تشويه الوعي العربي وسخط فعاليته بالشعوذة.
هذه المقدمة الوصفية، والتي لا تخلو من مفارقات محزنة، لا تعنى بأي حال، الانتقاص من اطروحات "الوحدة العربية"، وهي بالمناسبة، اطروحات ظلت على الدوام متناقضة ومتضاربة، وغير قابلة للتحقيق لأسباب متنوعة منها الموضوعي والذاتي. ولأنني مؤمن بأن مشروع بمثل هذه الضخامة، لا يمكن تأطيره نظرياً على الاقل، إلا على قاعدة نقد الأوهام،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
.
والديموغوجيا التي رافقته، ونقد الوضع الراهن حتى العظم، وعلى قاعدة مراجعة فكرية وسياسية نقدية لهذا الحلم على المستوى الأيديولوجي، والسياسي.

علينا بداية ان نعيد للأذهان حقيقة أن التنظير الأيديولوجي للمشروع القومي العربي، مشروع الوحدة العربية، اقتصر على الدول الناطقة "بالضاد" مسقطاً من برامجه الدول الإسلامية التي شكلت عبر سنين خلت جزءا من الدولة الإسلامية الواحدة. وبهذا المعنى، تسقط فلسفة المشروع القومي الرابطة الدينية، رغم إعتبارها للدين مكونا جوهرياً من مكونات الوحدة المنشودة. وهذا التناقض الكامن في هذه " الفلسفة"، سيؤثر في تأرجح مشروعها النظري والسياسي بين العلمانية، والتوفيقية الدينية. لتبقى اللغة العامل الجوهري في هذه الوحدة، وهذه المرة اللغة بمعناها الاستعمالي واللفظي، وليس بإعتبارها حاوية للتاريخ والتراث المشترك الذي جمع الدول العربية الراهنة، بالدولة الإسلامية، في إطار الدولة الإسلامية الواحدة. كما تجدر الإشارة هنا، وقبل الولوج في بنية الفكر القومي العربي، الى التأكيد على خطأ إحالة إرهاصات الفكر القومي الى مرحلة الدولة الإسلامية، وخاصة مرحلة الدولة العباسية، التي برز فيها بوضوح تململ "العرب" من تطور وتغلغل نفوذ "العجم" في المؤسسة الحاكمة آنذاك، لأن في هذا خلطا تعسفيا ما بين العصبوية، وبين الفكر القومي المتعارف عليه الآن. مع تثبيت حقيقة أن مفهوم "الدولة العربية" هومفهوم معاصر وحديث، حتى أن المفهوم الدلالي للأمة قد اختلف أيضا. فإذا كان مفهوم الأمة في التفكير الإسلامي- العربي في القرون الوسطى، قد استعمل إما بمعنى الطريقة أو الشريعة، أو في الأغلب بمعنى الجماعة التي تتفق على دين واحد، كما ورد في تعريف معجم "كشاف اصطلاح الفنون": ( الأمة جمع لهم جامع من دين او زمان، أو مكان أو غير ذلك "في حين يركز التعريف المعاصر للأمة على أنها" جماعة ثابتةمن البشر تألفت تاريخياعلى شكل تطور اجتماعي نشأ على قاعدة الحياة الاقتصادية المشتركة، بالارتباط الوثيق مع وحدة الأرض، اللغة المشتركة، وخصوصيات الثقافة والوعي والنفسية القومية).
بواكير الوعي القومي المعاصر
من الصعب تحديد التخوم بين الفكرة القومية "الرابطة القومية" والفكرة الدينية "الرابطة الإسلامية " بحكم التداخل الشديد والمعقد بين القومي والديني لدى العقل العربي في أواخر القرن التاسع عشر. وصعوبة الفرز بينهما بحكم استمرار الطبيعة الدينية لمؤسسات الدولة وخاصة بنيتها الفوقية من جهة، وإستمرار حالة الانغلاق الحضاري الذي فرضته الدولة العثمانية على مستعمراتها، وعلى الدولة العربية من جهة أخرى، بإستثناء محاولة الاختراق الوحيدة التي قادها "محمد علي" في مصر، ودفع ثمنها غالياً على يد "الرجل المريض" والدول الاستعمارية الأوربية. ولكن ورغم التداخل الشديد بين القومي والديني الذي كاد أن يكون سمة ملازمة للتنظير "القومي العروبي" إلا أننا سنعثر بسهولة على "الوعي القومي العروبي" وان تغلف بالدين بإعتباره جزءاً من الهوية "القومية" للعروبة والعرب، لا بل ان أحد رواد "حركة التنوير" والإصلاح الديني أي الشيخ "محمدعبده" اعتبر ان السبب الرئيس في انحطاط الإسلام- في الدين والفكر والسياسة قد بدأ عندما إستعجم، وان ازدهاره كان مرتبطاً بجوهرة العربي، الأمر الذي دفع بمحمد عبده نفسه للانفصال عن استاذه "جمال الدين الأفغاني"، عندما تبنى هذه الأخيرة فكرة "الجامعة الإسلامية" خدمة لنفوذ السلطان "عبد الحميد". كما لا بد، في هذا السياق، من رصد ملمح آخر وان يكن متآخرا من ملامح التنظير القومي، وملمحاً يكاد يعارض مفهوم "الأمة العربية"، هو التنظير للدولة القومية، بإعتبار أن مصطلح الأمة، ليس عليه أن يتجاوز بالضرورة الحدود الجغرافية لوجود "شعب ما كالسوري مثلاً، والذي ارتقى به "انطون سعادة" الى مستوى الأمة، بعد أن رد هذا المفهوم-أي الأمة- الى عنصري الدم والتراب، مسقطاً الدين واللغة والتاريخ المشترك. فهو يقول "العروبة ليست سوى حلم دولة دينية محمدية محدودة، بدلاً من الدولة الدينية المحمدية المطلقة التي حلم بها أصحاب مدرسة الرجعة" (المقصود هنا مدرسة الأفغاني ومحمد عبده).
إن إقتفاء أثر الوعي القومي، وتطوره المتناقض والمتشابك مع الهوية الدينية، إضافة الى تأرجحه الفكري السياسي، الذي يكاد يكون سمة ملازمة "للفكر القومي" بين العلمانية الخجلة والرومانسية الدينية، يتطلب البحث عن "الجوهري" في هذا الوعي القومي، وان بدا مثقلاً بالأخروية، أي البعد الديني.
لقد أثارت المفارقات المفزعة، التي حملها الإستعمار الأروبي الى البلدان المستعمرة وخاصة العربية، أسئلة مركزية لدى المثقفين العرب، وخاصة مثقفي الطبقة الوسطى، فبين العداء الوطني والطبيعي لهذا الاستعمار، والإعجاب بقوته وتقدمه، انفجرت حالة من القلق الوجودي، عن أسباب هذا التدهور المتعاظم لهذه المجتمعات، وسر تطور وازدهار وقوة "الشيطان" المدجج بأحدث الأسلحة فتكا ونظما ومعارف بجميع ألوانها، خاصة وأن البعد الديني، الذي أمد شرعية الاحتلال العثماني لقرون خلت، لم يمنع هذا "الاحتلال المسلم" من مراكمة العجز والتخلف والانحطاط لدى الدول "المسلمة" التي سبحت في فلكه..
هكذا، حملت الطبقة الوسطى، عبر مثقفيها، الأسئلة المصرية عن وجودها ودورها الوطني في تلمس الخلاص والانعتاق من رقبة التخلف الاقتصادي والاجتماعي والحضاري، وبحكم الطبيعة التوفيقية لهذه الطبقة ومثقفيها، وغياب مشروعها السياسي والاجتماعي المتبلور، وقعت مبكرة في اسر تناقضات صارخة في خطابها الفكري بجميع ابعاده، واكتسبت تعاليمها التنويرية التباسات وقعت هي نفسها ضحية لها. فإذا كان عصر الأنوار الذي مهد الإطار الفكري والثقافي والروحي الراديكالي للثورة الفرنسية الكبرى، في ظل التعاظم الكبير لموقع البرجوازية الفرنسية في الحياة المادية والروحية، وإنحسار النظام الإقطاعي وممثليه السياسيين من الملكيين والنبلاء والاكليروس، فان التمهيد الثقافي والروحي للنهضة العربية الذي حاول ممثلو الطبقة الوسطى رغم تنوعها وعدم تجانسها- إنجازه، لم يكتمل، ليس بسبب قوة الاتجاهات السفلية التي وجدت نفسها مجدداً أسيرة لرؤية ماضوية غير قادرة على تقديم أجوبة مقنعة عن أسباب تراكم العجز والجهل والتخلف والقصور المزمن، وغير قادرة على تقديم مشروع يستجيب للتحديات التي طرحها الاستعمار الاروبي، بل انكفأت هذه التيارات، أمام قوة الاتجاهات العقلانية والعلمانية التي اجتاحت العقل العربي أبان تلك الفترة، وانعدام القاعدة المادية- الاجتماعية لهذا التنوير وانقلاب ابرز ممثلي هذه الطبقة الوسطى على أفكارهم، وعلى البذور العقلانية التي حاولوا زرعها في الحياة السياسية والثقافية العربية.
"فطه حسين" انتقل من الشك الديكاريتي والنقد العلمي "في الشعر الجاهلي" عام 1926 الى "هامش السيرة" الذي اعتبر في مقدمته لهذا الكتاب ان "العقل ليس كل شيء" وكذلك روايته "المعذبون في الأرض" ... ويتحول توفيق الحكيم من مسرحياته الفلسفية والوجودية الى تأليف مسرحية "محمد رسول البشر" عام 1936 وانتقل محمد حسين هيكل من الدعوة للعلم الخالص وضرورة تحرره من الدين، ومن تأثره "بأوغست كونت" مؤسس الفلسفة الوضعية والإعلان عن انتصار مرحلة العقلانية على اللاهوتية الميتافيزيقية الى "حياة محمد" وكتابين عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب. وتحول عباس محمود العقاد من نقده الكلاسيكية الإسلامية لدى الشاعر احمد شوقي الى الإسلاميات، وفي الوقت الذي توقفت فيه "العصور" التي اعتبرت منبراً للعقلانية المتشككة، صدرت مجلة "نور الإسلام" عام 1930عن الأزهر الشريف ومجلة "الرسالة" التي أصدرها الزيات عام 1933. إن رصد اتجاه حركة "التنوير" من خلال تتبع الانقلاب لا يجحف بحقيقة وجود فكرين، ذوي طبيعة راديكالية تجاه إعادة تنظيم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، الأول التيار الماركسي الذي سبق انتصار الثورة البلشفية في روسيا وتعاظم بعدها، خاصة بعد تشكيل الأممية الثالثة، والذي بدأت بواكيره في كتاب "سلامه موسى"الاشتراكية" عام 1913، ثم مصطفى المنصوري في كتابه (تاريخ المذاهب الاشتراكية). وتعزيز الاتجاه، بتأسيس الأحزاب الاشتراكية والشيوعية: كالحزب الشيوعي الفلسطيني (1919)، والحزب الاشتراكي المصري (1920)، الحزب الشيوعي المصري (1922). وفي نفس العام الذي تشكل فيه الحزب الاشتراكي المصري، صدرت جريدة "الصحفي التائه" لإسكندر أبو الريش، وهي صحيفة تدافع عن حقوق العمال والكادحين، وفي نفس العام ترجم احمد رفعة كتاب الدولة والثورة "ل-لينين" كما ترجم مصطفى حسني (1925) كتاب فريدريك انجلرا "مبادي الشيوعية" تحت عنوان تعاليم الماركسية عام 1933.

والثاني الاتجاه السفلي الديني ذو الخطاب التقليدي، والذي يقتات على تعثر الحياة الفكرية والاجتماعية، وينتعش في أجواء انعدام الحريات، والفقر المدقع، هذا الاتجاه الذي ضمر تأثيره في أجواء المد الكاسح الذي عاشته العقلية العربية في نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، رغم أفكار الحركة الوهابية والمهدية والسنوسية ومدرسة الأزهر الشريف. ونقصد في هذا الضمور عدم قدرة السلفية على مواجهة (الإتجاه العقلاني) مجابهة فكرية وسياسية متكافئة، باستثناء المحاولات المحدودة والمعزولة التي حاول مؤسس السلفية المعاصرة والأب الروحي لحركة الأخوان المسلمين (رشيد رضا) أن يقوم بها في مواجهة المد الكاسح للتيار التوفيقي والعلماني. هذه الإشارة الخاطفة الى هذين التيارين (الماركسية والسلفية) يأتي في سياق تسليط الضوء على اللوحة الفكرية العامة في تلك الفترة والمصادر التي تغذت عليها لاحقا عملية التأرجح والارتداد الكبير الذي لحق بالحركة التنويرية ابتداءً، والفكر القومي المتمثل بالناصرية وأحزاب البعث انتهاءً.

لماذا انتكست حركة التنوير الحديثة؟
قبل الولوج في محاولة رصد أسباب الانتكاسات المبكرة للعلمانية العقلانية، تجدر الإشارة الى سمة غالبة تكاد تكون ملازمة لتطور الفكر الإسلامي العربي بدءاً بحالة القطع، وتوقف المشروع النهوضي الفكري الذي ابتدأ بالمعتزلة وتوقفه عند الفليسوف الكبير "ابن رشد" مروراً بالمحاولات الفردية والشجاعة التي قدمها الفلاسفة والمفكرون العقلانيون ك (السرخسي، وابن الرواندي،والرازي) انتهاء بتصدع التوفيقية الدينية، التي حاولت إجراء مصالحة تاريخية بين العلم والدين، والحضارة والإسلام ممثلة بالأفغاني ومحمد عبده والكواكبي، وانهيار المشروع التنويري الذي كان من أبرز منظريه، طه حسين، محمد حسين هيكل، لطفي السيد، شميل، فرح انطون يعقوب صروف، جميل صدقي الزهاوي وآخرون. مستثنين من هذا الرصد (الاتجاه الماركسي) الذي حمل تناقضاته واشكالياته الخاصة.
يقول "احمد أمين" الذي اشتغل على الحياة الذهنية والتطور الفكري العربي الإسلامي، (ان نمو حركة النهضة وتطورها لم يخضع لسنة النشوء والارتقاء بل لسنة التدهور والانحطاط)، والسبب برأيه يعود الى تخلف "الوعي العام" واستلابه من قبل الفكر السلفي والغيبي وآثاره على مفكري النهضة، الأمر الذي أدى بهؤلاء المفكرين الى التراجع ومداهنة العامة. وتحول خطابهم الفكري الى خطاب تقليدي لا يختلف إلا بالشكل عن الخطاب الذي سيعود الى تألقه، خطاب التوفيقية الدينية الذي سيظهر هذه المرة ببعد سياسي تمثل في الحركة القومية وأحزابها لتخوض صراعاً مع اتجاه السلفية الذي انشىء بولادة حركة الأخوان المسلمين على يد تلاميذ "رشيد رضا" الأئمة حسن البنا وحسن الهضيبي وسيد قطب. من جهة، ومع الاتجاه الماركسي (العلمانية المادية) من جهة اخرى.
هذا التعليل الوصفي لاحمد أمين، لأسباب إخفاق الحركة النهضوية والتنويرية، في تلك الفترة لم يقدم إجابة عن الأسباب الكامنة في قصور وانهزام الفكر التنويري في الحياة الثقافية والفكرية للعقل العربي الجمعي. فكلما ارتقت الحركة التنويرية وبدا كأنها عصية على الاغتيال والانحطاط تنحدر بصورة تراجيدية، ولا تكتفى بالعودة الى نقطة انطلاقها، بل تتجاوزها الى نقطة أكثر انحدارا، وكأن التاريخ يعيد نفسه هنا اكثر من مرة وبأشد الأشكال سخرية ومرارة. فمن اغتيال تراث المعتزلة، وقتل "عمرو المقصوص"، وغيلان الدمشقي لقدريتهم، وتقطيع أوصال "الحلاج" ونبذ فيلسوف العقلانية الاسلامية "ابو الوليد ابن رشد" وحرق كتبه، والقائمة تطول، الى ملاحقة "طه حسين" وكتابه "في الشعر الجاهلي" وتحريض العامة على مفكري النهضة باعتبارهم زنادقة، الى اغتيال المفكر "د.حسين مروه" و "مهدي عامل" والصحفي المصري والباحث "فرج فودة" ورجم المفكر "نصر حامد ابو زيد" بالكفر ومحاولة تفريقه عن زوجته في العقد الأخير من القرن العشرين. إذن ما هو الخيط الذي ينظم مسار هذا التراث العربي الذي يعود بهذه القوة، رغم التراكمات النوعية الهائلة التي قدمتها البشرية على مدار العقود المنصرمة، وهل تنطبق مقولات الزمان على الفكر ام ان "الساعات قد فقدت ساعتها"، وان هذا الفكر يعيش خارج الزمان، ويسير ضمن آليات خاصة به؟؟؟، واننا مضطرون الى التسليم بنظرية الاشاعرة ومدرسة "ابو حامد الغزالي" بنفي مبدأ السببية، وان الحوادث والحياة لا يربطها سبب أو علة داخلية. فقط هذه "النظرية" يمكن ان تعطي تفسيرا متيافيزيقياً "معقولا" لسبب انغلاق المشروع الوجودي والزماني للفكر الإنساني عند حدود النصف الثاني من الألفية الأولى. يمكن لهذه "الفرضية" ان تفسر خروج العامة المحرضة وراء ابن رشد عام (1184) وخروجهم وراء "نصر حامد ابو زيد" في (1994)، ومنع بعض أفلام يوسف شاهين كفيلم " المهاجر"، وملاحقة الفنان مرسيل خليفة (1999)؟...

هذه الاسئلة على تشرمذها الشكلي يوحدها سؤال مركزي، يمكن تلخيصه على الشكل التالي: ماهي أسباب مناعة الوعي الجمعي العربي- الإسلامي عن الفعل والانفعال بالتراث الفكري الانساني؟؟، هل هي أسباب دينية، سيكولوجية، سياسية، ام هي كل هذه الأسباب. باعتقادي ان "السياسة تمثل ذلك القاسم المشترك إنطلاقاً من حقيقة ان هذه السياسة، هي مجال تكثيف النشاط الإنساني على اختلاف أوجهه.
ارتبطت السياسة بالوعي العام العربي والشرقي عموما بشخصية الخليفة، الامير، السلطان واخيرا بالرئيس في مؤسسته، وهذا الارتباط التاريخي والمتوارث كاللغة لمفهوم السياسة في وعي العامة يشكل الامتداد الطبيعي لتاريخ مليء بالاستبداد والقمع الجسدي والنفسي لدى الحكام على اختلاف تسمياتهم واختلاف مظاهر الماكينه الديماغوجية التي غذت احتكار الحاكم للسياسة، وكلنا نعرف تاريخ الصراع الدموي الذي حدث داخل الدول الإسلامية منذ نشوئها وحتى زوالها، هذا الصراع السياسي الذي تغلف على الدوام بالدين، باعتباره الغلاف الذي يمكن ان يستقطب العامة" والتي كانت على الدوام ضحية بدورها لهذا الصراع سواء كانت في الجهة المنتصرة او الخاسرة. والمفارقة التي تعيد استحضار نفسها على الدوام، عثور تلك الأطراف المتصارعة في الدين على ما يعزز حججها في الصراع السياسي على الحكم، أياً كان شكل النظام السياسي الحاكم. لم تنفصل السياسة إذن، في هذه المنطقة كنشاط اجتماعي، عن الدين، وكل الساسة الذين مروا عن هذه المنطقة، أياً كانت سياساتهم، أكدوا هذه التبعية، باعتبارها مفتاح ديمومة الحكم، وتحييد العامة عن الانخراط والمشاركة في الحياة السياسية.
وقد استفادت السياسة العربية الإسلامية من وحدة النبؤة والقيادة السياسية في شخص "النبي محمدعليه السلام" أي وحدة الإلهي والوضعي، وتحولت هذه المصادفة التاريخية الى حقيقة تعيد إنتاج نفسها على الدوام في شخص الخليفة أو الحاكم. ولم يكن بإمكان أي من المعارضات السياسية لشخص الحاكم أن تؤتي ثمارها، الا بالارتكان الى الجانب الديني، وليس الى ادارته السياسية والاقتصادية للبلاد. لهذا ليس من قبيل الصدفة ان تنأى أحزاب الأصولية الدينية المعاصرة في برامجها عن كل ماله علاقة بالحياة الدنيوية كالفقر والبطالة والتعليم وحقوق النساء وقضايا حقوق الإنسان، والديمقراطية، وتركن الى الأبعاد الدينية بالمعنى الوجودي والأخلاقي. لقد كافحت القوى السياسية السائدة على مدار العقود المنصرمة لتحييد الإنسان، الجماهير من برامجها السياسية واكتفت بمشاركتها السلبية في الصراع السياسي لتحطيم العدو السياسي ليس الا، مؤججة فيها المشاعر الدينية وهذه المرة بعد تشويه هذه المشاعر وتوظيفها بطريقة تمكنها من الوصول الى سدة الحكم. الامر الذي يشير بوضوح الى اتفاق المتصارعين على حقيقة يجب ترسيخها، من وجهة نظرهم، حقيقة ابعاد الجماهير وقضاياها عن النشاط السياسي بالمعنى الإيجابي، وابقائهم اسرى لمعادلة ان الحاكم أياً كان هو استمرار لتكليف الهي، يشكل الخروج عليه، خروجا عن الإرادة الإلهية. ولم يتجاوز الصراع الفكري للتيارات السائدة، دائرة الدين التي كانت ضحية على الدوام لتأويلات واجتهادات متناقضة ومتضاربة في كثير من الأحيان، وكل طرف من الصراع السياسي المؤول دينيا يملك من أصحاب الفتوى والمؤسسات الدينية ما يمكنه من توظيف تراث السلف الديني بالطريقة التي تدعم وتقوي حضوره في مواجهة الطرف الآخر. ولم يكن من قبيل الصدفة أن تعادي بعض الاطراف المتصارعة، وتتفق على كل تراث أو تجربة إنسانية تجعل من الجماهير ومصلحة المجتمع طرفاً في هذا الصراع. لذا كان العداء شديداً للنظريات الاجتماعية والأنظمة السياسية التي تتعارض مع احتكار السياسة وتنزلها من عليائها الميتافيزيقي الى الحياة اليومية.
وفي هذا توحدت الأطراف السياسية المتصارعة ضد الشيوعية والاشتراكية وكل النظريات الاجتماعية التي تنادي بالعدالة الاجتماعية والديمقراطية، وتقرير الشعوب لمصيرها ومستقبلها السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وتجربة الحركة الناصرية وأحزاب البعث ضد الشيوعيين والتقدميين اليساريين لم تغب عن الأذهان بعد، لقد اعتمدت هذه القوى (القومية) في مهاجمتها للشيوعيين على نفس الحجج التي اعتمد عليها الأخوان المسلمون في محاربتهم "للقوميين"، حجج ذات طبيعة دينية جرى تأويلها واستخدامها بأبشع أشكال الافتراء والتضليل.
إن فك أحجية جبرية السياسة العربية، وإعادة اشتباكها المتأخر مع التجربة الإنسانية في الميدان السياسي المعاصر ومؤسساته غير ممكنة،دون ،إنزال السياسة من عليائها الميتافيزيقي الى الحياة العامة للناس، وإعادة رفع الدين من مستوى التوظيف البرغماتي الى مكانته الروحية، باعتباره مجالا للروحانيات وليس مادة للصراع الحياتي والوجودي للناس. وكلنا نعلم بأن "الدين السياسي" الذي لا زال ضحية استعمالات سياسية متسترة للأنظمة والحركات الأصولية لم يمنع من "تحالف حفر الباطن" بكل أبعاده، كما لم يمنع انهار الدم من الجريان في بعض الدول الإسلامية، وأخيراً لم يستطيع ان يشكل، مضافاً إليه اللغة والتاريخ الماضي المشترك رافعة، للوحدة التي يعاد استحضارها في كل مناسبة .
هذا الاستنتاج، والذي يشكل برأيي الإطار العام لمشكلة السياسية والاجتماع في البلدان العربية، هو نتيجة تفاعل وتضافر معيقات موضوعية وارادوية تكاد ترتقي باستمراريتها وثباتها الى مستوى قانون يحكم النشاط السياسي والاجتماعي، بغض النظر عن شكل المؤسسة السياسية الحاكمة في المنطقة ملكية، أميرية، رئاسية، وبغض النظر عن الايدولوجيا السياسية التي تحكم الفعل السياسي لهذه المؤسسة وتلك. ولان خيال "ظل" النشاط السياسي، أي الأيديولوجيا، لا يتعدى هنا وظيفته التبريرية لوحدة المضمون السياسي لنشاط "الدولة الشرقية" هذا التبرير الذي عليه ان يخدم مضمون وأهداف وطبيعة هذه "الدولة البطريركية". التي تختلف في مضمونها وادواتها وان اختلفت تسمياتها. ان الدين في هذه الدولة يتحول الى سياسة، في حين تتحول السياسة الى دين.
ان رصد هذه المعيقات، التي تتفاعل في أحشاء السياسة العربية المعاصرة، ومحاولة فرز الموضوعي والارادوي فيها، مع التذكير بحقيقة التفاعل والتداخل، سيؤمن وبطريقة لا بأس بها، القدرة على تتبع منطق تطور العقل السياسي من جهة، وتفهم التناقض المتأصل الذي يشكل الفكر القومي جزءا مهما وملتبسا فيه، من جهة أخرى.
القومية كفكر
جرت محاولات عديدة لتوصيف الافكار والطروحات القومية العربية ومقاربتها مع النظريات والفلسفات الاجتماعية العالمية في محاولة لتأطير هذه الافكار والطروحات ومعرفة مكانتها وإسهاماتها وسط هذه النظريات، او على الأقل معرفة النظريات التي أثرت فيها. ولأن الأفكار القومية العربية كانت على درجة كبيرة من التناقض والتذبذب، لم يفلح أي من الباحثين في توصيفها ,الامر الذي دفع بالعديد من الباحثين الى نفي صفة "الفكر" عن النشاط النظري لدعاة القومية العربية، واعتبار هذا النشاط الذي راكمتها القضية القومية على مدار العقود المنصرمة ليس سوى أفكار تفتقر للمنهجية والنظرية الشمولية التي تميز أي نظرية اجتماعية او فلسفية، ناهيك عن الخلطة الفكرية التي احتوتها هذه الافكار. فمن ماركس الى الرومانسية الدينية، ومن الصراع الطبقي الى الحب المثالي، ومن قومية "هيردر" الى الرسالة العالمية للاسلام، ومن الجدل الى حياة الأولين، ومن الامة الى الدولة القومية، ومن حكم الشعب الى حكم المستبد العادل ومن العلمانية الى الدينية.
لقد دخلت الأفكار والطروحات القومية في اسر معادلتين متناقضتين.
الأولى: انها ارادت محاكاة تفجر الفكر والوعي القومي الذي اجتاح أوربا بعد الثورة الفرنسية، والنجاحات البارزة التي حققتها الأمم الأوروبية في إنهاء التفتت المزمن الذي أوجده النظام الإقطاعي، والذي كان أخرها على ما اعتقد تجربة "بسمارك" في ألمانيا، دون دفع ضريبة هذا التطور المجبول بالدم والعرق، ودون فحص السياق التاريخي الذي جاءت به هذه الانتصارات.
الثانية: انها وفي محاولتها "لتعريب" هذه الأفكار، نسفت جوهر الفكر القومي، وأحد أهم أعمدته، نسفت مبدأ فصل الدين عن الدولة وأنتجت ما يسمى بالقومية العربية ذات الخصوصية، أي الخصوصية الدينية، ليصبح الدين جزءاً من مكونات هذه القومية. لدرجة جعلت أحد ابرز منظري وقادة التيار القومي، "ميشيل عفلق"، رغم تطوره الفكري المتناقض والمتذبذب ان يقول: "..ولسوف يجيء يوم يجد فيه القوميون أنفسهم المدافعين الوحيدين عن الإسلام ويضطرون لان يبعثوا فيه معنى خالصاً إذا أرادوا أن يبقى للامة العربية سبب وجيه للبقاء".
ومن الأهمية بمكان، وقبل ان ندلف الى فحص بعض الأفكار القومية على المستوى النظري وعلى مستوى الممارسة السياسية، ان نشير الى التباين التاريخي الذي إمتازت به أوروبا عن آسيا والعالم الإسلامي العربي، خصوصاً تجاه قضية السلطة والدين. فالدين في أوربا تمأسس من خلال الكنيسة، وبغض النظر عن حضوره الوضعي ونفوذه التاريخي، الا أنه بقي مؤسسة مستقلة الى جانب المؤسسة السياسية (الملك، الإمبراطور، الأمير) في حين امتزجت المؤسسة الدينية بالسياسية في العالم الإسلامي تحقيقاً لمقولة ان الإسلام دين عقيدة وحياة. كما ان الثورة "الانقسام" التي أقدم عليها الإصلاحي العظيم "مارثن لوثر" اضعفت وبصورة جذرية تأثير الكنيسة على المؤسسة السياسية والناس، في حين لم تستطيع التيارات الفكرية والفقهية التي يعج بها الإسلام، وانقسام المسلمين الى الأبرز بين سنة وشيعة ان يخلقوا شيئا شبيهاً. وكل الخلافات المذهبية بين هذه التيارات والفرق بقيت محكومة بمعادلة مطلقة معادلة "الإسلام دين عقيدة وحياة". كما ان تطور ونفوذ السلطة المركزية "الدولة" لم يكن بنفس المنحى التاريخي، فالدولة المركزية نشأت مبكرة في الدولة الإسلامية وبقيت الى أواخر العهد العباسي، واتجهت بعدها للتفكك والانحلال , في حين أن العملية جرت بشكل معاكس في أوروبا، من التفتت واللامركزية الى الدولة والسلطة المركزية الواحدة.
هذا التناقض الذي حمله "الفكر" القومي العربي، مع الاخذ بعين الإعتبار التباين الموضوعي لسياق تطور الوعي القومي بين أوروبا والبلدان العربية ظل استمراراً للعقلية التوفيقية التي طبعت مسار تطور الدولة الإسلامية، وهي بالمناسبة عقلية غطت مساحة واسعة جدا من التاريخ الإسلامي والعربي، بل أنها تكاد تكون السمة العامة لتطور الدولة الاسلامية والعربية بعد المرحلة الراشدية، بدءا بظهور علم الكلام الذي مثل برأيي أول تنظير للتوفيقية، بعد أن عجزت العقلية الدينية الصحراوية أن تخترق الحياة الذهنية للمجتمعات والدولة الحضرية التي افتتحتها، واضطرت أن تفجر بالتأويل معاني جديدة للرسالة الإسلامية. وليس من قبيل الصدفة أن يكون العراق المتمدن موطن مدرسة أهل الرأي، والحجاز موطن أهل الحديث. وبهذا تصبح التوفيقية الحديثة للتيار القومي هي الثمرة الموضوعية والابن الشرعي لهذه اللازمة التاريخية. وهناك من يستند في توفيقيته او التبرير لها الى ما جاء في القرآن "وكذلك جعلناكم أمة وسطا, وهناك بعض المفكرين المعاصرين كالمفكر "محمد جابر الانصاري" الذي يحيل جذور هذه العقلية الى الدين الإسلامي، الذي شكل برأيه القاسم المشترك الأعظم للديانتين اليهودية والمسيحية. فإذا كانت اليهودية ركزت في تعاليمها على الحياة الدنيوية، والمسيحية على الحياة الروحية فان الإسلام قد شمل الحياتين الدنيا والآخرة. ولهذا فان من يتابع باتساق إنتاج بعض المنظرين القوميين وخاصة ميشيل عفلق وانطون سعادة، وكذلك تجربة الناصرية من 1951 حتى 1971 (وهي تجربة تغنينا عن الحديث عن الأحزاب القومية الحالية) يرى بوضوح التناقض والذرائعية والبرغماتية في خلطة نظرية فريدة. فالمرحوم "ميشيل عفلق" والذي يعتبر الأب الروحي للبعث قد خضعت تنظيراته "في سبيل البعث" الى تقلبات واضطرابات الوضع السياسي للمنطقة العربية، وهذا مؤشر على هشاشة هذه التنظيرات والدعوات التي كان يطلقها، خاصة إذا كانت هذه التقلبات تمس جوهر رؤيته. فاذا كان ميشيل عفلق قد بدأ بقومية الإسلام: "الإسلام بالنسبة الى العرب ليس عقيدة آخروية فحسب، ولا هو أخلاق مجردة، بل هو أجلى مفصح عن شعورهم الكوني الى الحياة.." فقد انتقل في الخمسينات الى التنظير لدستور علماني يفصل الدين عن الدولة في سوريا، واخذ ينحو في اتجاه العلمانية: "..ان الدين قد يفرق بين القوم الواحد، وقد يورث، حتى ولو لم يكن هناك فروق أساسية بين الاديان، نظرة متعصبة وغير واقعية" وكذلك التحالف مع الشيوعيين وخاصة بعد حادثة المنشية التي تعرض فيها جمال عبد الناصر لمحاولة الاغتيال، وتوزيع البطش بعد هذه الحادثة على الإخوان المسلمين، بعد ان كان الشيوعيين هم ضحاياه الاساسيون، ثم يرتد ميشيل عفلق مرة أخرى عن العلمانية بعد الانشقاق في حزب البعث عام 1966 وبعد هزيمة حزيران (1967) فيقول "في بداية تجربتنا كانت هناك دعوات واتجاهات قومية تقول بالعلمانية وتعتبر بان القومي العربي هو الذي يتجرد من معتقداته الدينية... ولكن لم نستسغها ولم ننخدع بها..." اما مؤسس الحزب القومي السوري انطون سعادة فقد بدا علمانيا بالمنحى العام في كتابه" نشؤء الأمم "1937 وانتهى في محاولة للتوفيق بين المسيحية والإسلام في كتابه "الإسلام بين رسالتيه" 1942 هذا على المستوى الفكري لاثنين من ابرز المنظرين القوميين، فماذا عن التجربة السياسية للناصرية.
الناصرية
لم تحظ تجربة سياسية من التناقض، والإعجاب والنفور، والانتصارات والهزائم بمثل ما حظيت به التجربة الناصرية، ولم يحظ زعيم عربي بمثل ما حظي به الرئيس عبد الناصر، الذي كانت شخصية الآسرة وخطاباته تدفع الجماهير من مشرقها لمغربها بالتهليل والتصفيق. ولم يحظ زعيم مهزوم يعلن استقاتلته. على الشعب في هزيمة 67 بهذا الاندفاع الشعبي مطالبا اياه بالعدول عن استقالته. حتى ضحاياه وخاصة من الشيوعيين لم يستطيعوا بعد وفاته الا ان يمتدحوه ويختلفوا بشانه.
فمن هو هذا الساحر؟ وكيف استطاع ان ينال بتجربته المتعثرة والمتناقضة ما لم ينله أي زعيم عربي على الإطلاق؟؟
مهدت الأزمة الشاملة التي أطبقت على مصر من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدستورية لنجاح ثورة "1952". وقد حضيت مصر بكل علامات الازمة الشمولية على المستوى الفوقي والتحتي، فالنظام الليبرالي الدستوري قد تفسخ ووصل الى نهايته التي أعلنت عن نفسها بما يسمى "بمحنة فبراير" 1942، حين طوقت الدبابات الإنجليزية قصر عابدين لفرض "النحاس باشا" رئيسا للوزراء وتفشي الخلافات والفساد والتهتك الخلقي داخل الأسرة المالكة، واشتداد سطوة الإذلال الوطني الذي مارسه المندوب السامي البريطاني، وامتصاص ثروة مصر الاقتصادية، وفتاتها من قبل الاسرة الحاكمة، واستفحال المديونية واحتكار الشركات الأجنبية لقناة السويس ومحاصيل مصر الأساسية كالقطن، واشتداد سطوة وبأس شبه الإقطاع على شعب يشكل فلاحوه الأغلبية الساحقة، وهزيمة 1948 والاسلحة الفاسدة وازدياد الوعي الوطني والقومي والاجتماعي، والاشتداد النشط للصراع بين التيارات الفكرية والسياسية، "الشيوعية، الليبرالية، العلمانية، والقوى الإسلامية" وازدياد الصراع الطبقي بين الرأسمالية الوطنية الراغبة بالتحديث وشبه الاقطاع، الريف والمدينة، وبين العمال واصحاب المصانع، في ظل وضع دولي تميز بنهوض عارم لحركات التحرر العالمية بدعم عظيم من الاتحاد السوفيتي. باختصار كان النظام المصري ثمرة عفنة لهذه الاوضاع حان قطافها، فجاءت ثورة الضباط الأحرار لتقطف هذه الثمرة.
البحث عن بطل
كانت الاوهام أيضا متعلقة "بالمنتظر" جمال عبد الناصر، وكانت الجماهير ومعظم الحركة السياسية المصرية على اختلاف تلاوينها تنتظر "المخلص" وقد كانت مستعدة لدفع فاتورة هذا الخلاص من حريتها وقوتها وأحيانا كثيرة من دمها، وجاء "المستبد العادل" الذي انتظره الشيخ "محمد عبده"، عاد "محمد علي الكبير" ولكن هذه المرة ببزة عسكرية، فأمم الشركات والمصانع والبنوك الأجنبية، وفي الجملة بنك مصر، وأمم قناة السويس، والحياة السياسية الديمقراطية، ووحد الشعب بطبقاته المتصارعة والمتناقضة في مصطلح "قوى الشعب العاملة" وبدأ حركة تصنيع عظيمة، وبنى سلطة الدولة الاحتكارية التي أعطاها تعبير "الاشتراكية"، ووضع على رأس كل جهاز و مؤسسة مهما اختلفت طبيعتها ونشاطها، ضابطاً من الضباط الأحرار على شكل مكافأة ليحقق غرضين ، الاول: مكافأة رجال الثورة، والثاني وهو المهم إبعادهم عن منافسته في القيادة السياسية، وكأني به يقرأ تجربة "جيرون السرقطي" الذي تحدث عنه "ميكافيلي": "فلما استوى على عرش الامارة فرق شمل الجيش القديم وحشد جنداً سواه، وتخلى عن أصحابه القدماء واختار أصدقاء جدداً". وتحولت الرقابة الشعبية التي نص عليها ميثاق 1962 الى "إرهاب يمارس ولكن هذه المرة من تحت" فباسمها كثرت المؤامرات والشكاوي الفردية، واصبح أي انتهازي مهما تدنت مرتبته الوظيفية قادراً على الإطاحة بمديره أو رئيس المؤسسة التي يعمل بها وهذه سمة تميز الأنظمة الشمولية. وقاد أكثر من 18 ألف معارض سياسي الى السجون، والغى دستور 1923 وانشأ محكمة الثورة، وأمم الصحافة وملكها للإتحاد القومي والاتحاد الاشتراكي في مايو 1960 وحل مشكلة البطالة في العمالة الزائدة "البطالة المقنعة" من خلال توظيف المتخرجين الجدد من شتى الاختصاصات دون النظر لقدرة الاقتصاد المصري على امتصاص وتحمل أعباء هذه العمالة.
باختصار حاول المرحوم العظيم أن يؤمم كل المشاكل في توليفة عجيبة غريبة يحرس انتظامها وعرجها المخابرات والأجهزة الامنية التي كانت تعرف عملها جيداً، وتشترط موافقتها على التعينات والترقيات بالعضوية الإلزامية للإتحاد القومي أو الاتحاد الاشتراكي.
وفي القضايا العربية والقومية تميزت مرحلة عبد الناصر بنهوض ثوري وإصلاحات اجتماعية في بعض الدول العربية، فقامت ثورة 1958 في سوريا باصلاحاتها الاقتصادية ثم ثورة العراق التي أطاحت بنظام الملكية وحكومة نور السعيد، ثم انتصار الثورة الجزائرية، والثورة اليمنية، على حكم الإمامة، وإسقاط حلف بغداد والدعم المنقطع النظير الذي قدمته مصر "جمال عبد الناصر" للقضية والثورة الفلسطينية رغم زلته السياسية الكبيرة في موافقته على مشروع توطين اللاجئين الفلسطينين في سيناء.
لقد جاهد الرئيس عبد الناصر في إطار فهمه وفلسفته للوحدة، والقومية العربية تحقيقا لثالوت ميثاق 1962 "حرية، وحدة، اشتراكية" رغم فشل الوحدة مع سوريا. هذا الفشل الذي يعود الى محاولة جمال عبد الناصر نسخ تجربته في تأميم الحياة الاقتصادية والاجتماعية في مصر على سوريا، ولم تكن البرجوازية السورية الحاذقة ولا القوى الاجتماعية والسياسية قادرة على ابتلاع هذا الثمن.
لقد شكلت مصر عبد الناصر، وبحق، قبلة حركات التحرر في العالم وتحولت الى ام للشرق النازع نحو التحرر والتنمية. لكن مصر بطموحاتها العظيمة إبان تلك الفترة، لم تكن الوحدة والقومية العربية هاجسها الوحيد، بل كان هاجسها أيضا ان تتحول الى مركز استقطاب وتوحيد لدول عدم الانحياز، وان تكون لاعبا اقليميا ودوليا. هذا الطموح وهذه الوجبة العظيمة، لم تكن مصر قادرة على ابتلاعها لانه نما فيها منذ البدء كل عناصر التآكل التي جاءت هزيمة جزيران 1967 لتعلن عنها... ويعلن هونفسه أثر الهزيمة بأنه آن أوان بناء دولة المؤسسات بدلا من دولة الأفراد. لقد أجرى عبد الناصر تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة في المجتمع المصري، ولكنها أجهضت بموقفه المعادي للديمقراطية.
ليس لدي أدنى شك بالإنجازات العظيمة التي حققتها الحقبة الناصرية ولكن كما قال الشاعر "محمد مهدي الجواهري": (كان عبد الناصر عظيم المجد والأخطاء). لقد ارتكب عبد الناصر مجموعة من الأخطار الكبيرة الى جانب إنجازاته الاعظيمة ابرزها من وجهة نظري.
* لم يملك نظام جمال عبد الناصر رغم شعاراته الاشتراكية، أي هوية اجتماعية محددة تفضي الى فلسفة اجتماعية واقتصادية محددة يجري تنفيذها، وغياب هذه الهوية والفلسفة ادى الى تحول الثورة الى ماكينة عنف متواصلة ضد خصومها، وكبت مظاهر الصراع الاجتماعي المتولدة موضوعياً من مصالح الفئات والطبقات الاجتماعية المختلفة، وبدلا من أن يتحول بالثورة الى الدولة، بالمعنى الحقيقي للدولة، أي مؤسسات تعقلن الصراع الاجتماعي وتجعله صراعاً مثمراً، تحول بها الى "نظام" يستمد شرعيته من ماكينة العنف التي تولدها الأجهزة الامنية والجيش. وبدور ان ماكينة العنف هذه يكون الرئيس عبد الناصر قد أغفل درس "ميكافيلي" السياسي: (..أما الذين يستخدمون القسوة الطائشة فمن المستحيل عليهم ان يحتفظوا بمراكزهم... إن الفاتح الجديد ينبغي له في اول مرة ان يقترف ما أراد من صنوف القسوة مرة واحدة...إن الإساءات ينبغي أن تتم مرة واحدة ليكون ألمها مفرداً فتنسى سراعا، اما الحسنات فينبغي ان تعطى شيئا فشيئا ليكون قدرها اعظم، والتمتع بها أتم).
*: بدلاً من أن يتحول القطاع العام بالتركة الاقتصادية الضخمة، جراء التأميم، الى رافعة للتنمية الاقتصادية التي بدأت حركة التصنيع النشطة، تحول الى اكبر مصدر لاستهلاك ثروة مصر، من خلال فساد الادارة وعدم نجاعتها، ومن خلال العمالة الزائدة التي كانت تأكل من لحم التنمية المصرية غير مبقية الا على عظمها.
*: لم يكن التأميم والإصلاح الزراعي والقطاع العام الا مقدمات للاشتراكية، ولكنها مقدمات أجهضت بسبب التحول المطلق نحو رأسمالية الدولة لاحتكارية. فالأرباح على شحتها بدلا من ان تتحول للشعب العامل على شكل خدمات رعاية صحية واجتماعية تحولت الى جيوب المتنفذين في هذه القطاعات والى تضخيم الاجهزة الأمنية.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,158,308,661
- العولمة
- انتحار معلن
- فتح- استنفذت قدرتها على هضم تناقضاتها الداخلية على مفترق طرق ...
- الدمقراطية المتوحشة


المزيد.....




- فيديو مذهل لتدريب عسكري بمشاركة المظليين الروس
- شاهد كيف يخدم الجنود في الجيش العراقي
- مغني راب وراء مقتل الطالبة الإسرائيلية آية مصاروة في ملبورن ...
- شاهد: بولندا تودع عمدة غدانسك في حالة من الحزن والذهول
- تحدي العشر سنوات... كيف تغير العالم العربي؟
- غراهام: علاقات أمريكا والسعودية لن تتقدم لحين التعامل مع بن ...
- مغني راب وراء مقتل الطالبة الإسرائيلية آية مصاروة في ملبورن ...
- بايرن يضيق الخناق على المتصدر دورتموند بالدوري الألماني
- لماذا يرفض تجار المغرب نظام الفاتورة الإلكترونية؟
- مؤتمر صحفي لـ “ذبحتونا” حول السنة التحضيرية وقضية رفع الرسوم ...


المزيد.....

- كتاب الجذور التاريخية للتهميش في السودان / تاج السر عثمان
- تأثيل في تنمية الماركسية-اللينينية لمسائل القومية والوطنية و ... / المنصور جعفر
- محن وكوارث المكونات الدينية والمذهبية في ظل النظم الاستبدادي ... / كاظم حبيب
- هـل انتهى حق الشعوب في تقرير مصيرها بمجرد خروج الاستعمار ؟ / محمد الحنفي
- حق تقرير المصير الاطار السياسي و النظري والقانون الدولي / كاوه محمود
- الصهيونية ٬ الاضطهاد القومي والعنصرية / موشه ماحوفر
- مفهوم المركز والهامش : نظرة نقدية.. / تاج السر عثمان
- التعايش في مجتمعات التنوع / شمخي جبر
- كه ركوك نامه / توفيق التونجي
- فرانز فانون-مفاتيح لفهم الإضطهاد العنصري والثقافي عبر التاري ... / رابح لونيسي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - حيدر عوض الله - انهيار التنظير القومي للوحدة