أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - معتز عمر - فلسفة العقل والدين















المزيد.....



فلسفة العقل والدين


معتز عمر
الحوار المتمدن-العدد: 1862 - 2007 / 3 / 22 - 09:03
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


المقدمة :‏
‎ -‎‏ استيقظ العرب الأولون من سباتهم العميق الجاهلي ونومهم الثقيل الوثني على ‏صوت القرآن ووحي السماء، فأشعر فيهم نور الفكر الثاقب وساقهم إلى الوحدة ‏والتحرر والأخلاق والعلوم والفتح، ثم نام العرب والمسلمون، ونستيقظ اليوم فماذا ‏نرى..؟ أمماً نحلق في السماء وتغوص في أعماق الماء وتتكلم بسلك وبلا سلك ‏ومركبة الفضاء طائفة وسابحة ومتكلمة وسامعة.‏
قاربان للنجاة لا ثالث لهما، ونوران يضيئان للإنسان طريق السعادة والخير ليصل ‏إليهما، دليلان متعاونان متحالفان، ونوران يخرجان من مشكاة واحدة، لا تعاكس ‏بينهما ولا تنافر، ولا اختلاف بينهما ولا تناكر، إذا حظي الإنسان بأحدهما، أخذه ‏بيده ودله على الآخر، فإذا اجتمعا كملت النعمة وتمت المنة.
هما هبة الله للإنسان وهديته إليه، ألا وهما العقل والدين، العقل المفكر الدارس، ‏والدين النقي من أخلاط الجهالة والتعصب والتزمت، الدين الذي يحث العقل على ‏اليقظة والتفكير، والفهم والتدبير، دين الله وشرائعه التي تقول:
‏(يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَومٍ يَعْلَمون) ـ سورة يونس: الآية 5 ـ والتي تقول: (كذلِكَ يُبَيِّنُ ‏اللهُ لكُمْ آياتِهِ لعَلَّكُمْ تَعْقِلونَ) ـ البقرة: الآية 242 ـ ويقول أيضاً: (كذلِكَ يُبَينُ اللهُ ‏لكُمُ الآياتِ لعَلَّكُمْ تَتَفكَّرون في الدُّنيا والآخِرَة) ـ البقرة: الآية 219 ـ
في أي شيء نتفكر؟ وعن أي شيء نبحث ونفحص، يقول القرآن العظيم: (لعلكم ‏تتفكرون في الدنيا والآخرة). أي في حياتكم الجسدية الأرضية وما يستتبعها من ‏علوم ومعارف، وزراعة واقتصاد، وقوة وجهاد، وصحة ومال: وتتفكرون أيضاً ‏في حياتكم الروحية الكاملة، وما يلزمها من فضائل وأخلاق وأداء واجبات ‏العبودية، وصلة الروح الإنسانية بنور الله العظيم الخلاق.
لقد استيقظ العرب الأولون من سباتهم العميق الجاهلي، ونومهم الثقيل الوثني على ‏صوت القرآن ووحي السماء، فسلموا أيديهم إليه، وما هي إلا برهة يسيرة، حتى ‏أحيا فيهم القرآن العقل الناضج، وأشعل فيهم نور الفكر السليم الثاقب، وما زال ‏العرب سائرين بهدي الوحي والعقل ومستنيرين بنورهما الكشاف لحقائق الحياة، ‏حتى ظفروا بالعلم وقطفوا من أشجاره ثمار الحكمة والمعرفة، فهدتهم آيات القرآن، ‏وأنوار العقل والعرفان، إلى الوحدة والتحرر، والأخلاق والفضائل والعلوم ‏والمعارف، والفتوحات الإنسانية الحرة، التي حققوا بها أعظم جامعة إنسانية بشرية ‏موحدة، في قارات آسيا وأفريقيا وأوربا، جامعة إنسانية تنعم بالعدالة والمساواة، ‏وبالقوة وبالعظمة وتجمع الإنسان الأبيض والأسمر والأسود والأصفر، تحت لواء ‏التعاون والمؤاخاة والحرية العقلية والفكرية والدينية والمساواة، فكان المجتمع ‏القرآني، أسعد مجتمع حظيت به الإنسانية بالرخاء والسعادة والحياة، حيث تفتحت ‏لها أبواب العلوم المختلفة، من طب وصيدلة وفلسفة وهندسة، وعلوم الحيوان ‏والنبات والطبيعة وعلوم الضوء والفلك وغيرهما من العلوم.
ثم نام العرب والمسلمون نومتهم، ثم نستيقظ الآن، فماذا نرى وماذا نشهد، نبصر ‏أمماً تحلق في السماء وتغوص في أعماق الماء وتتكلم بسلك وبلا سلك، ويفجرون ‏ينابيع العلوم والمعارف، ويستخرجون كنوز الأرض ومعادنها الدفينة ويتقاسمون ‏الشعوب والأمم بينهم نفوذاً وسيطرة، كل ذلك من رشحات العقل المفكر والفهم ‏المدبر، الذي ساق بعضهم إلى إيجاد السوق الأوربية المشتركة، والبعض الآخر ‏إلى ضم شعوب وأمم، في بوتقة واحدة باسم الاتحاد السوفياتي وبعضاً آخر باسم ‏رابطة الشعوب البريطانية، مع اختلاف هذه الشعوب لوناً وجنسية وقارة وديناً، مع ‏إنفاق هذه الشعوب والأمم آخر درهم وفلس في التصنيع والاقتصاد والعلوم.
كل هذا والعرب والمسلمون دول شتى وجنسيات مختلفة، وحفاظ وحراس على ‏سلامة وقدسية حدود، خططها لهم الاستعمار الماكر، والعدو الظالم الفاجر، ‏وأنانيات تتحكم دون الوحدة والاتحاد، تمكر وتراوغ، وقصور ألف ليلة وليلة، ‏غارقة في البذخ والترف وقناطير المال في سجون الأشر والبطر، والبخل والشح، ‏محبوسة عن التصنيع وعن الشعوب، سادر أصحابها في سبات لهوهم ومجونهم، ‏غارق أربابها في بحار لذاتهم الرخيصة وشهواتهم البهيمية، هذا ومركبة الفضاء ‏الروسية تحيط بكرتنا الأرضية طائفة سابحة متكلمة وسامعة، ومشاهدة وشاهدة، ‏كأن آية القرآن هذه وهي قوله تعالى
‏(قُلْ انظُروا ماذا في السَّموات والأرْضِ) ـ يونس: الآية 101 ـ كأنها نزلت على ‏الروس وكأن قوله تعالى وكلمته هذه
‏(كذَلِكَ يُبيِّنُ الله لكمُ الآياتِ لعلكُمْ تتفَكرونَ في الدُّنيا وَالآخِرَةِ) ـ البقرة: الآية 219 ‏ـ نزلت على الأمريكان والأوربيين، وكأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: {ليس ‏مني إلا عالم أو متعلم} ـ رواه الديلمي عن ابن عمر ـ كأنه خاطب به غير ‏العرب والمسلمين، لقد تقدمت الشعوب والأمم، والعرب والمسلمون أنواع منوعة، ‏منهم من يفهم أن الحياة جمع الأموال وكنزها وحبسها في سبيل مصالحهم ‏الخاصة، وشهواتهم الحيوانية، ومنهم من يفهم الرقي والتقدمية، أنها خمر ومجون ‏وتنكر للأخلاق والفضائل، ومنهم من يفهم أن الإسلام صلاة وصيام وعبادة ‏فحسب، ولا شأن للإسلام بأمور الحياة الدنيا، ضارباً عرض الحائط بقوله تعالى: ‏‏(لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة) ومتجاهلاً أو أعمى عن أمر الله القرآني:
‏(قُلْ انظُروا ماذا في السَّموات والأرْضِ) ـ يونس: الآية 101 ـ متناسياً تاريخ ‏العرب الأغر وسيرة المسلمين الأولين، وكيف فهموا الإسلام أنه دين ودولة وثروة ‏وقوة وتضحية وجهاد وإنسانية ورحمة، هذا الفريق من المسلمين لعلهم لا يعلمون ‏أن كبار الأوربيين المنصفين، أعلنوا على رؤوس الأشهاد، أنهم تلامذة آبائنا ‏الأولين، وأن الحضارة والعلوم الأوربية إنما هي بنت الحضارة والعلوم الإسلامية.
إن كنت لا تدري فتلك مصيبة أو كنت تدري فالمصيبة أعظم
إن الحوادث والكوارث قد أيقظت العرب وأفاقتهم من رقدتهم الطويلة، وهاهي ‏معظم الشعوب العربية والإسلامية قد استقلت وتمتعت بحريتها السياسية وهاهو ‏الاستعمار يلفظ أنفاسه الأخيرة في الجزائر وتونس وعمان، وهاهو التحرر العربي ‏الاقتصادي يطرد الاستعمار، كما نرى حملة العلوم والتصنيع قائمة على قدم وساق ‏بفتح الجامعات والكليات المختلفة المتنوعة، وهاهم أبناؤنا الطلاب في معسكرات ‏الفتوة والبطولة يتدربون على صناعة الموت للأعداء والمستعمرين وها نحن نقاتل ‏الاستعمار في عمان والجزائر وتونس
وها نحن نشهد إخوتنا شباب جبل العرب والعلويين وإخوتنا شباب السلمية، في ‏حدائق الجامع الأزهر يتنـزهون في رياضه، ويتنعمون برحيقه وأزهاره فما علينا ‏إلا أن نكون روحاً واحدة في أجساد متعددة، ونقدم مصلحتنا العامة على المصالح ‏الخاصة، ونؤثر على أنفسنا ولو كان بنا خصاصة وأن نسأله تعالى أن يتمم علينا ‏إيماننا وإسلامنا الذي يجمع لنا قوة العقل والعلم وإلى جانب قوة الإيمان والإسلام. ‏والسلام.‏
عقل وفلسفة:‏
كانت الفلسفة الكلاسيكية تطرح، تقليديا، ثلاثة أسئلة أساسية. في المتافيزيقا أو ‏‏(الفلسفة الأولى) كانت تتساءل السؤال الآتي: ما هو الواقع الأصلي : المادة، الحياة ‏أو الروح؟ في الإتيقا ( مبحث الأخلاق)، كانت تتساءل عن ماهية القيم. إلا أن ‏هذين السؤالين كانا يتوقفان، كلية، على السؤال الثالث الذي ينصب على التساؤل ‏عن مصداقية المعرفة. فهل بمقدور الفكر الإنساني معرفة الحقيقة بمعنى امتلاك ‏الواقع وفهمه؟

عكس اللاهوت الذي كان يعتقد في حقائق منزلة، فإن الفلسفة، بمعناها الصرف أو ‏على الأقل تلك التي ظهرت إلى الوجود مع الإغريق وطبعها الغرب بدمغة النقد، ‏توكل للفكر البشري مهمة البحث عن الحقيقة. إذا نحن أقررنا بـهذه المسلمة ‏نكون قد سلمنا معها بأن أداة الفلسفة ، في بحثها هذا،هو العقل الذي يأخذ الحدس ‏بيده.(1)
نقصد بالعقل، بشكل خاص، قدرة الفكر على ملاحظة ومعرفة الأحداث البشرية أو ‏الطبيعة كما هي وقعت، بالفعل ، في الماضي أو كما هي تقع، فعلا، في الحاضر ‏وقوعا يسمح لنا ببلورة الثوابت المتحكمة فيها والناظمة لها، ويجعلها، من ثمة، ‏قابلة للتنبؤ. يلاحظ العقل، على سبيل المثال، كيف ظهر الإنسان على وجه ‏الأرض عبر سيرورة تطورية بطيئة أو مفاجآت مباغتة. ينطلق العقل، إذن ‏وبالضرورة، من الجهل لكونه يفترض أن الأجوبة المعطاة، سلفا، هي أجوبة ‏خاطئة. ولأن هذه الأخيرة هي أساس كل الأساطير التي وجدت منذ غابر الأزمان، ‏فإن العقل، يبدأ أول ما يبدأ، بالتشكك في الوقائع التي ترويها هذه الأساطير. ‏يترتب عن هذا الذي قلناه أن العقل نهج، ومنذ قرون وبشكل لا محيد عنه، طريقا ‏لادينية في الغرب. كان يتم تصينفه، أيضا، على أنه بروميثوسي أوفوستي(2)، ‏كما فعل ذلك (شبينغلر)‏


تسلح العقل، بمعناه الغربي في بادئ الأمر، بمقولات نظرية كالعلة والمبدأ التي ‏كان أول من صاغها هم الفيثاغوريون وعمل (أرسطو)، من بعدهم، على اختزالها ‏إلى العدد أربعة(3). إلا أنه كان ينظر إلى هذه الأسباب والمبادئ كمقولات جوانية ‏ومن ثـمة، فهي مفصولة عن المعرفة الاختبارية والحسية. يقول (أرسطو) بـهذا ‏الصدد : (ليس امتلاك المهارات هو الذي يجعل الزعماء ( أو القادة) أكثر معرفة ‏من غيرهم بل وامتلاكهم للنظرية وإحاطتهم علما بالعلل)، ويتابع قائلا :(إن أهل ‏التجربة يعرفون ، فقط، أن شيئا كائن لكنهم لا يعرفون لِمَ هو كائن؟ )(4).
إن التبخيس من شأن الحواس التي (لا تقول لِمَ شيء ما هو كذا وليس كذا، مثلا: ‏لم النار حارة، بل تكتفي بمعاينة كونها حارة) ، أقول إن هذا التبخيس يجعل من ‏المعرفة النظرية التي تحصل من خلال البحث في العلل والمبادئ علما خاصا ‏بالفهم الخالص. فوق ذلك، بما أن المعرفة بعلة شيء ومبدئه يسمح لصاحبها ‏بممارسة التعميم وإنتاج معرفة ذات طابع كوني (معرفة كونية)، فإن المعرفة ‏الفلسفية القائمة على هاتين المقولتين (علة - مبدأ) تتبدى، بفعل قوتـها، كمعرفة ‏شبه إلـهية. كان (أرسطو) يعلن، بـهذا الصدد، بأن الفلسفة هي (أكثر من معرفة ‏بشرية)، ويضيف : (إن الله أو لنقل، على الأقل، الإله هو الذي بمقدوره، بالدرجة ‏الأولى، امتلاكها)، وفي لهجة أكثر تواضعا يردف: ( إن ذاك الذي كان السباق إلى ‏العثور على معرفة خالية من الحواس المشتركة لهو قادر على إثارة إعجاب الناس ‏به)(5).

تعني كلمة نظرية، في الأصل الإغريقي: تأمل(6). ولأنها كانت تعتبر علما شبه ‏مقدس، فإن الفلسفة تطلق على كلمتي : علية وكونية علم الغايات. لهـذا العلم ‏الذي (يعرف لأية غاية يجب على كل شيء أن يكون)(7) ومن يكون (الخير ‏الأسمى). بهذا المعنى ، تكون الفلسفة الإغريقية ، بكاملها ، عبارة عن لاهوت.‏
II‏ - العقل والتفكير:‏
تتحدد مهمة نقد المعرفة إذن في تقييم إنجازات العقل. إذا استثنينا ثلة من ‏الوضعيين، وبالأخص، (أوغست كونت) الذي كان ينفي قدرة العقل، مهما كان، ‏على مبارحة شرنقته الخاصة، حتى يتمكن من معاينة ذاته من خارج، فإن ‏الفلاسفة - ومنذ (أفلاطون) - يقولون بأن سلوكات العقل قابلة للملاحظة. نسمي ‏تفكيرا وفهما قدرة الفكر الإنساني على المزاوجة ( يقصد الجمع بين ملاحظة ‏الذات للموضوع وملاحظة الذات لنفسها والذات هنا هي العقل) [مترجم]، هذه ‏المزاوجة التي تمكنه من الحكم على عادات وأعراف العقل
فحتى نتمكن من معرفة القوانين والأمم والمؤسسات والفنون والنباتات وما إلى ‏ذلك، كنا نقر، منذ عصر النهضة ، بأنه لا مناص من معرفتنا، أولا، بنشأتها، ‏طفولتها وشبابها ونضجها ثم أفولها وموتها. ومنذ (داروين) و(نيتشه) لازلنا نقر ‏بذات الإقرار : بإجهادنا أنفسا لمعرفة أصل وتطور وسيرورة العقل ذاته يكون ‏العقل، إذاك في مستوى قياس وزنه والحكم على نفسه. وهذا ما أطلق عليه، ‏بالذات، علم النسابة (جينيالوجيا) : هذا الجنس من المعرفة الذي لا تنفتح مغاليقه ‏إلا بمفتاح اسمه التاريخ
إلا أن التاريخ، بحد ذاته، جامد لا حراك فيه وهو ما يدفع دفعا إلى تأويله (أي ‏استنطاقه (م) ) لكي تنبعث فيه الحياة ويكتسي معنى. يقول (ديكارت) في هذا ‏المنحى : (لن نكون أبدا فلاسفة إذا نحن قرأنا كل استدلالات أفلاطون وأرسطو ‏وعجزنا، بعدها
‏ عن إصدار حكم جازم في معضلة معينة. سوف نبدو، حينها، كما لو كنا تعلمنا ‏التاريخ لا العلوم)(8)‏
ويكتب كانط، من جهته ، قائلا : (هناك من لا يعرف من الفلسفة إلا تاريخها ‏ويعتقد بأنه فيلسوف (…) على مثل هؤلاء ، دائما، أن ينتظروا حتى يفرغ أولئك ‏الذين يجتهدون للاغتراف من منهل العقل ذاته، ويأتي ، بعد ذلك، دورهم لإخبار ‏العالمين بما حصل)(9)‏
لكي نصل إلى ذلك (الحكم الجازم) بالمعنى الديكارتي أو نلج إلى (مصادر العقل) ‏يتعين على التفكير، بمعناه الصرف، أن يتمخض، أولا ، من تلقاء نفسه، عندئد ‏فقط، سوف يكون في مستوى تاريخ الفعل وحاملا لدلالة وطالما يتطهر العقل ‏فسوف يستمر في الاستعانة بمعايير التحقق مما هو حقيقي ( صحيح) المتحدرة من ‏الحكم ( أو الأحكام) اللانقدي. سوف يتأسس إذن على موازين وثوقياته المنفلتة من ‏الإدراك والمغمورة في اللاشعور. يكون بمقدور العقل الذي لم يتطهر بعد من ‏وثوقياته ولا شعوره، مثلا، أن يزن نوع المعرفة التي تقيمها الحجة المدعاة ( ‏تجريبية)، حق وزنـها تماما كما أن معرفة لاهوتية لن تحكم على نفسها إلا ‏اعتمادا على مفاهيم من قبيل : الإله، اللطف، الخلاص ومقولات أخرى ضامنة ‏لتماسك داخلي لتلك المعرفة، ولن يحدث أن تضع أبدا موضع سؤال المسلمات ‏الأساسية التي هي قوام معتقداتها. ذات الشيء يصدق على الفلسفة التي لم تستأنس ‏بعد (إيمانها العقلاني) بل قد ترى في عمل كهذا فعلا جنونيا شبيها بلاعب شطرنج ‏ينازعقواعد لعبة الشطرنج!
عندما يحصل للعقل أن يتساءل عن مصدره فإنه يتصور تارة نفسه منزلا من ‏السماء - وهو ما يعني أنه غير قابل للتغيير و (فطري) - وتارة أخرى يتصور ‏ذاته مستخلصا من دروس التجربة وأن الأشياء ( تنطق عقلا) بطريقة تلقائية دون ‏أن يتساءل ماذا فعل الإنسان ليجعل من المادة كائنات ناطقة. يتأرجح نقد المعرفة ‏العقلانية إذن بين مستويين رفيعين ل (الحقيقة) : الواقع والأسطورة النظرية. ‏كانت المعرفة العقلانية دائما إذن موزعة - طيلة قرون وقرون - بين سلطتين ‏متعارضتين، وتمزقها أو توزعها هذا أشبه ما يكون بمتقاضيين قاضَى أحدُهما ‏الآخر أمام أنظار محكمة لاوجود فيها لقاض يحكم! تكمن المهمة الأساسية للتفكير ‏في عمله من أجل امتلاك نظرة عن المعنى الذي يكتسيه المصدر المزدوج الذي ‏ينسبه العقل لنفسه في غياب إمكانية التعالي تجاه العمليات الخاصة التي يقوم بها. ‏هو ذا بالذات ما يجعل من الفلسفة علما إعداديا، فهو يعد صاحبه للنقد بحسبانه ‏تطهيرا مستمرا للفهم. نسمي كاتارسيسية(10)، (وهو ما يعني ما من شأنه أن ‏يطهر (م) ) - الممارسة النقدية الفلسفية الخالصة. والفلسفة، من حيث هي نقد، ‏بالدرجة الأولى - هي علم المنهج أو تخصص معرفي اسمه التفكير . يجب ألا ‏ننسى ، بـهذا الخصوص، أن مصطلح (توليدي)(11)، كان يطلق منذ أفلاطون ‏على فعل توليد لفهم خاص بممارسة فعل التفلسف.

إن نظرة متعالية إلى التأرجح الذي يمارسه العقل بين حدي النظرية والتجربة ‏سوف تسعى جاهدة إلى الغطس في هاوية الذاتية التي تعتمد الفكرة كوسيلة تعبير، ‏وهو ما سيفضي بها إلى معرفة نقدية بالأوثان المثالية والمثل(12).

إن معرفة أعمق بذاتية الأفكار ونمط الذهنية الإسقاطية التي تؤسس العقلاني ‏كمعتقد مرتبط بمنطق الفكرة (الأدلوجة)، تشترط فصلا أكثر عمقا من ذلك الذي ‏دشّنه الإغريق، ومن بعدهم كانط بين العلم من جهة أولى والمعتقد من جهة ثانية ‏والتي تقدم لنا عنه محاورة جورجياس صورة واضحة ‏

سقراط هل يوجد شيء تسميه معرفة
‏- جورجياس : نعم، يا سقراط
‏- سقراط : وشيء تسميه معتقدا
‏- جورجياس : نعم، لا محالة
‏- سقراط : معرفة واعتقاد، هل هما، بنظرك، شيء واحد أم هما متمايزان
‏- جورجياس : أتصورهما متمايزين، ياسقراط
‏- سقراط : أنت على حق، وهاك البرهان : لو سألتك هل يوجد اعتقاد خاطئ ‏وآخر صائب فسوف تجيب بالإيجاب، أليس كذلك
‏ جورجياس : أجل
سقراط : هل يوجد علم خاطئ وعلم صائب
جورجياس : أبدا
سقراط العلم والاعتقاد ليسا إذن شيئا واحدا
جورجياس : صحيح ما تقوله
‏ سقراط : ومع ذلك فالاقتناع واحد سواء عند أصحاب الاعتقاد أو عند ‏أصحاب العلم
‏ جورجياس : ما تقوله صحيح جدا
‏ سقراط : أقترح عليك إذن التمييز بين نوعين من الاقتناع: اقتناع ناتج عن ‏اعتقاد دون علم واقتناع يتولد عن العلم(13)‏
لكن ما عساه يكون ذلك العلم المتطهر من الاعتقاد إذا كانت معقولية المعرفة ‏ذاتها تنتمي إلى نظام الاعتقاد ؟(14)‏
فعل: (فهم)‏
لمدة طويلة، حققت شجاعة العقل وفضوله في مجال العلوم إنجازات باهرة. لكن ‏من حقنا أن نتساءل : لما اكتشف الإنسان القوانين الدقيقة الخرساء المنظمة لعالم ‏الطبيعة، ألم يحصل أن وقع الفكر البشري ضحية إغراء ذهب به إلى أن يجعل من ‏الدقة البالغة هذه التي حققتها المعرفة تفسيرا يبدو أن ما أصبح قابلا للتنبؤ صار ‏ناطقا . فقد كان إخضاع الإنسان للطبيعة مكلفا جدا إلى الحد الذي جعل الفهم ‏ينصاع ويرى في النجاح الذي حققه دليلا على قابلية كل شيء للفهم. توهم الإنسان ‏بأن التواتر الذي تتحقق به الأشياء الجامدة، ذلك التواتر الذي عبر عنه بصيغ ‏رياضية مناسبة كفيل بأن يحل محل التفاسير الأسطورية الدينية. أصبحنا إذن أمام ‏خطاب قوامه المعنى وقوام هذا المعنى ليس شيئا آخر سوى العقل والمنطق. إلا ‏أن الوقائع لا تنطق بنفسها بالدال الذي تعبر عنه وتحمله. فبعد أن انتزعت ‏الظواهر الطبيعية من قبضة الأحاجي، اكتشف التفكير الفلسفي مهمة جديدة وصعبة ‏هي التفكير في المعنى ذاته الذي تكتسيه مقولة الحقيقة التي كان العقل الكلاسيكي ‏قد شيدها على مقولة منطق الطبيعة التي تلتقي، بأعجوبة، مع مقولة أخرى تليدة ‏هي : المنطق الفطري الكامن في الفكر الإنساني . لهذا السبب ذاته أدخل ( ‏هايزنبرغ) إلى الفيزياء الذرية مفهوم ( علاقات الارتياب) أملا في فهم شيء ما ‏في عالم الذرات ( وهو ما رأى الفيزيائي الذري الدانماركي الشهير (نيلز بور) ‏بأنه عندما يحصل ذلك) حينها، فقط، سنفهم ماذا يعني فعل : ( فهم)!
يقر عدد من علماء الفيزياء، اليوم، بأنه ليس في مقدورنا أن ندعي، في نفس ‏الوقت، بأننا نفهم شيئا ماديا ونفسره، ذلك أننا لا نفهم، حقا، إلا ما يتحرك بحافز ‏وهو ما يعني ما يستجيب، في حركته، لغاية ما. والحال، أن المادة ليست لها غاية ‏قابلة للمعرفة وهو ما يترتب عنه أنها ليست حاملة لدلالة محددة، ليست خاضعة، ‏من ثمة، لتفسير، بل وهنالك خطورة في جعلها تخضع - لاشعوريا - لغايات ‏داخل لغة إحيائية غير مراقبة بما فيه الكفاية والتي ورثها العلم عن اللاهوت وعلم ‏النفس
في حوار مع (فولف كانغ بولي ) حول المعنى الذي قد يكون لقابلية شيء ما للفهم ‏من الناحية النظرية، يقول (هايزنبرغ) : ( عندما نشاهد طائرة تحلق في السماء، ‏يمكننا، لحظة المشاهدة، القيام - وبدرجة معينة من اليقين - بعملية حسابية تسمح ‏لنا بالتكهن بالنقطة التي ستصل إليها بعد ثانية من الزمن. لكن لا يعني هذا أننا ‏فهمنا شيئا في المسافة التي قطعتها الطائرة. لا يتحقق لنا هذا الفهم إلا عندما ندخل ‏في نقاش مسبق مع ربانها فيدلي لنا بتفسير عن الهدف من تحليق طائرته، عندها ‏فقط سنفهم، بشكل واقعي، مسافتها). تلعب النظرية ، بشكل تعسفي ولا شعوري، ‏دور ربان في عباب الكون. إنها لا تقود ذلك الترابط المغلط بين رتابات المادة ‏والفهم المدعى (طبيعيا
إن معاينة هايزنبرغ هذه، على بساطتها -وهو الذي كان يحلم بإدخال الغائية إلى ‏الفيزياء الحديثة - تندرج، في واقع الأمر، ضمن تقليد في التفكير الفلسفي في ‏الموضوعات الفيزيائية دام طيلة أربعة وعشرين قرنا. فالعلم الحديث، وعلى الرغم ‏من غنى وتعقد ودقة معطياته، يشهد أزمة عميقة بخصوص الوضع الإعتباري ‏‏(المنزلة) الذي يتبوأه (أو يجب أن يتبوأه) التفكير النظري بداخله، وهو في هذا لا ‏يعدو أن يصطدم، مجددا، بالمشكلة الأساسية المرتبطة بمعقولية العالم التي سبق أن ‏طرحتها الفيزياء الغائية الساذجة لكل من فيتاغور، وأرسطو و أفلاطون. يمكن أن ‏نستدل على ما نقول بمثال: "لو وضعنا جاهلا أمام آلة أو أمام أي منتوج معقد من ‏منتوجات الذكاء الإنساني فسوف يستمر بالتحديق في تلك الآلة من مختلف ‏واجهاتها بل وقد يلاحظ استعمالاتها المفيدة. لكن طالما لم يحصل على تفسيرات ‏عن تسلسل مختلف القطع المكونة لها والتعاقب المنظم للعمليات التي نطالبه ‏بالكشف عنها بغية الوقوف عند النقطة النهائية (الغاية) (م) ) التي تلتقي عندها، ‏فسوف لن يفهم ،شيئا يذكر في الفعل (العاقل) للآلة التي تتواجد أمام ناظريه. ‏وذات الشيء يصدق على ذلك الذي لا يعرف الناس أو يجهل أهواء وميولات ‏المحيطين به، فلن يرى أمامه سوى مشاهد مأساوية؛ ساخرة أو مبتذلة في سلوكات ‏الناس لأنه جاهل بالدوافع المحركة لهم. أفعالهم لن تكون إذن، بالنسبة إليه، حاملة ‏لمعنى وما يحدث أمام ناظريه فسيكون، بنظره، لغزا في لغز (مانسيون).
لا يحصل لنا إذن فهم بالأشياء إلا إذا حصل لنا علم مسبق بـعلم الغايات. برواية ‏‏(الغثيان) لـ سارتر هناك شخص يستشعر، إلى حد الاضطراب العقلي، الطابع ‏العرضي للأشياء الجامدة. ووجودية سارتر، كما نعلم، ليست من ألفها إلى يائها إلا ‏اكتشافا لـ: (الوجود سابق على الماهية)، وهو ما يعني ألا وجود للوغوس (عقل) ‏مستتر داخل الواقع.‏
فلسفة الفكر السلفي:‏

السلف والعقل
السلف هم الصحابة والتابعون ومن سار على نهجهم الأصيل. لكن هذه الأصالة ما ‏لبثت ان تعرضت للتشويه والتحريف بعد دخول أفكار اليونان إلى حقل المعرفة ‏الإسلامي. أدى ذلك إلى تطور علم الكلام الذي يبحث في عقائد الإسلام من زاوية ‏خاصة، وتغيرت وجهته ليعتمد منطق اليونان وعلومهم الطبيعية. ثم ثارت ‏تساؤلات حول ما إذا كان السلف يدركون هذه الأفكار الجديدة المرتكزة على أثارة ‏من العقل، وعلى أساس من تقديس علوم اليونان ومنطقهم.
لا شك ان هذا تساؤل يعكس اهتزاز الثقة بالنفس وشعورها بالعجز أمام الفكر ‏الدخيل. وما كان تساؤل كهذا ليُثار لو ترسخت فكرة استقلال العقائد الاسلامية عن ‏مثل هذه العلوم، وعدم حاجتها إليها. وهذه فكرة عظيمة مثيرة للانتباه، لأن العقائد، ‏وهي تتسم باليقين والثبات، لا حاجة لها في ان ترتبط بعلوم تجريبية وعقلية سمتها ‏الأساسية التحول والتغير والنسبية. ولو جرى إدراك ذلك لتبين للمفكرين في علم ‏الكلام وجود المطلق والنسبي، وان البحث العقلي الخالص والتجريبي لا ثبات لهما ‏على أرضية موضوعية. وربما كان وجه التاريخ ليتغير، ذلك ان العلم كان سيكون ‏بأيدٍ امينة ترعاه وتستغله في صالح البشرية جمعاء
كبائر علم الكلام :‏
علم الكلام، الذي نصب نفسه مقرراً لعقائد الدين ومدافعاً عنها، اعتمد نظريات ‏اليونان من الجوهر الفرد وحدوث الأجسام ومنطق ارسطو من بعد، ليقيم البراهين ‏على إثبات الخالق، ومن ثم ليدلل على عقائد الإسلام الأخرى وما يتعلق بالذات ‏الإلهية بشكل خاص. وفي خضم هذا البحث الشائك اضطر إلى ان يتسلح بسلاح ‏متطور مبتكر هو التأويل والمجاز، لينسف أي نص يتعارض مع أفكاره، مفرغاً ‏اياه من مضمونه ومحتواه الحقيقي، ليصير إلى معنى يوافق ما تقرر في علم ‏الكلام هذا. وبذلك فقد يكون علم الكلام سبق الفلاسفة المعاصرين في الحرب على ‏النص، وان الحقيقة لا تكون كامنة في الألفاظ على حد زعمهم. لكن الزعم بأن ‏النصوص الدينية مفرغة من الحقيقة دونه خرط القتاد، وهو ابعد ما يكون عن ‏عيونهم
علم الكلام اذن ارتكب كبيرتين فكريتين: أولاهما ربطه العقائد بالعلوم المتحولة ‏المتغيرة، وثانيهما تفريغ النصوص من محتواها بالمجاز والتأويل لصالح هذه ‏العلوم المتقلبة. والأخذ بالتأويل والمجاز يعني تقرير معنى غير ما يفيده ظاهر ‏النص، وهذا المعنى يتوافق مع معطيات علمية أو عقلية معينة، والنتيجة هي ‏صرف النص عما أريد له. وفي غياب الثقة بالنصوص الدينية فلا مفر من التأويل ‏أو التفويض، والتفويض يكافئ القول بأن الله أعلم بمراده. وهذا لازم حتى لمن ‏يتقيد بالقطعي الثبوت والدلالة في العقيدة، كما عند الكلاميين، وكما عند بعض ‏المعاصرين كالعلامة النبهاني إمام التحريريين، وإن كان هذا الأخير غير ملزم ‏بالنظريات العلمية والمنطقية، لأن العقل العقائدي عنده بمثابة تأشيرة الدخول في ‏الإيمان وحسب
الإعجاز العلمي يقدس العلم التجريبي
ولكن هل التاريخ يعيد نفسه؟ لو أمكن ذلك لوفر هذا على علماء النظرية النسبية ‏البحث في السفر عبر الماضي، ليركزوا جهودهم على السفر عبر المستقبل. لكن ‏هذا لا يمنع من تكرار بعض الوجوه في أنساق متشابهة. فقد حصل ما يشبه ذلك ‏في الإعجاز العلمي الذي يضفي القداسة على اكتشافات العلماء التجريبيين بربطها ‏بالنصوص القرآنية والنبوية. وهذا تقديس ضمني من قبل أهل الإعجاز العلمي ‏للعلم التجريبي، بل هو إضفاء صفة المطلق على هذا العلم. ولكنهم مع ذلك يقولون ‏انهم يرومون إثبات ان القرآن من عند الله، ومن ثم إثبات عقائد الإسلام بشكل ‏علمي. وربما عليهم ان يحتاطوا بالقول ان ما توصلوا إليه اجتهادي، لكن في هذه ‏الحالة يكونون قد ربطوا متحولاً بمتحول
وقد سبقهم الفيلسوف كانط عندما جعل من فيزياء نيوتن علماً مطلقاً، متخذاً اياها ‏الأساس في فلسفته العقلانية. ثم ما لبث ان تقزم هذا العلم المطلق أمام نسبية ‏اينشتاين ليصير حالة خاصة منها. ثم ظهرت المفاجأة الأخرى بظهور ميكانيكا ‏الكم لتقرر ان ما يجري على مستوى النظريات السابقة هو حالة خاصة مما يجري ‏في عالم الذر، ولا تجري ملاحظته بسبب العدد الكبير من الجسيمات المجهرية في ‏هذا العالم العياني. ولا ندري ماذا تخبئ لنا نظرية الأوتار الفائقة التي تقول بأن ‏كل شيء هو نتاج نغمات راقصة لأوتار ذات مقاس متناه في الصغر، وأنها ‏تتحرك في أبعاد مخفية
فلسفة نقصان عقل المرأة :‏
ولم يقف الأمر عند ربط العقائد بعلوم اليونان وعلوم العصر المتحولة، بل استمر ‏سلاح التأويل في العمل، وبصور مختلفة. فكلما اصطدم نص مع فكرة سائدة من ‏الحضارة الغربية صار اللجوء إلى التأويل متسارعاً، لأنه لا بد ان تكون السيادة ‏للآخر، ولفكر الآخر. وهذا يعني ان النص الديني لا يحمل معناه في ظاهره، أو ‏ان المعنى هو غير ما يفهمه المفسرون والمشايخ والمفكرون الدينيون.
وهذا ما حصل مثلاً في تأويل حديث ناقصات عقل ودين، الذي تصدى العقليون ‏والوعاظ للدفاع عنه بأنه مجرد مداعبة أو ممازحة أو هزار، لأن الرسول لا يمكن ‏ان يقصد اهانة النساء يوم العيد. والرسول على أية حال اعظم شأناً من ان يهين ‏النساء أو الرجال في يوم العيد أو غيره!. ولو تأمل هؤلاء قليلاً وكانت لديهم الثقة ‏في النصوص لما اضطروا إلى سلاح التأويل القديم الجديد، ولأدركوا ان نقصان ‏عقل المرأة المشار إليه في الحديث ليس نقصاً في المرأة، وان وراءه فلسفة ‏عظيمة، تُظهر تفرد هذا الدين فيما قرره من معايير متناسبة مع فطرة البشر
فلسفة قدم النوع
قرر شيخ الاسلام ابن تيمية، بناء على النصوص القرآنية والنبوية، ان هذا الكون ‏خُلق من مادة سابقة عليه، وفي مدة سابقة عليه أيضاً، وانه لا يمكن ان يكون أول ‏مخلوق. وهذه فكرة عظيمة المعنى، إذ لا سبيل إلى تقدير فترة في الزمان على ‏أنها تمثل أول مخلوق، لأن هذا يتضمن القول بتحديد أزلية الخالق وتقييد أفعاله. ‏وهذا ما يعبر عنه بقدم النوع، ومعناه ان الله لم يزل فاعلاً إذا شاء. وفي هذا ‏النص معان فلسفية عظيمة منها ان ما ينطبق على الخلق لا ينطبق على الخالق، ‏وانه لا بد من جعل النصوص هي المرجعية لتفكيرنا وليس العكس كما حصل في ‏علم الكلام، وانه ليس في النصوص ما يخالف العقل، فالواجب عرضها بدون ‏حرج ولا خجل، بل بكل ثقة، وترك الأمر للعقول تفكر فيها بعيداً عن الأفكار ‏الدخيلة وعن الثقة المهزوزة أمام هذه الأفكار.
وكان علم الكلام قد قرر ان المادة لا تفنى وانه يعاد تشكيلها، وتبعه في ذلك ‏الإعجاز العلمي بناء على قانون حفظ المادة والطاقة. وارادوا بذلك ان يؤكدوا على ‏ان الله خلق هذا الكون من عدم، ولذلك تبنى الإعجاز العلمي نظرية الانفجار ‏العظيم، وان الكون قد نشأ عن انفجار ضخم لكون متناه في الصغر، عندها ابتدأ ‏الزمان والمكان. هذا مع العلم ان هناك نظريات أخرى حول الكون تخالف ذلك. ‏كما ان العلم يتساءل وحالة الانفجار العظيم هذا: وماذا قبل؟ على شاكلة السؤال ‏المألوف وماذا بعد؟ يتساءلون عن الزمان والمكان، وأين حصل الانفجار هذا، ‏وغير ذلك من التساؤلات المثيرة



خاتمة

لقد رأينا كيف ان أهل الإسلام حرفوا نصوصه وأولوها لصالح الفكر الآخر في ‏جانب، ولصالح تقديس العلم التجريبي وجعله مطلقاً من جانب آخر، مع ان العلماء ‏التجريبيين انفسهم لا يقرون بثباته ولا بمطلقيته. وقد أدى التأويل إلى تفريغ الكثير ‏من النصوص من محتواها الحقيقي، مثل النصوص التي تخبر عن ان الرب يقوم ‏بأفعال معينة، مثل الاستواء على العرش والنزول واجابة الدعاء وغيرها. بل ان ‏اعتماد النظريات العلمية والآراء العقلية قد ادى إلى الخجل من ذكر مثل هذه ‏النصوص احياناً، أو تفويض معانيها أو تحويرها لتناسب تلك الأفكار.
وظاهر التأويل أنه اعتذار عن صاحب القول بأنه لم يقصد ما قاله وان ما قصده ‏هو هذا الرأي المُؤوَّل، لأن قوله يعارض أفكاراً أخرى موجودة يضع المؤولون ‏ثقتهم فيها اكثر من نصوص الدين. ولكن احترام النصوص يقتضي تقديمها بدون ‏خجل أو حرج، ثم نرى أي شيء في العلوم يناقض أفكار هذا الدين، ثم نناقشها.‏





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,007,854,009
- ابعاد المنطق
- الديمقراطية بين الحقيقة والخيال
- أساليب التواصل اللفظي
- تطور علم النفس
- ذاكرة الكمبيوتر
- مقدمة في صيانة الكمبيوتر
- مكافحة الإرهاب في العالم الإسلامي اين الارهاب من القيم الاسل ...
- كيف يكون الطفل خالى من العقد النفسية
- الشباب العربى فى محك طرق


المزيد.....




- النائب العام السعودي: التحقيقات الأولية في موضوع خاشقجي أظهر ...
- النائب العام السعودي: التحقيقات الأولية في موضوع جمال خاشقجي ...
- أمر ملكي سعودي: إعفاء أحمد بن حسن عسيري نائب الاستخبارات الع ...
- السعودية: إعفاء سعود القحطاني المستشار بالديوان الملكي من من ...
- الملك سلمان يوجه بتشكيل لجنة برئاسة ولي العهد السعودي لإعادة ...
- ترامب: الكونغرس سيشارك في إعداد رد أمريكا بشأن قضية خاشقجي
- السعودية تعترف بوفاة خاشقجي إثر شجار داخل قنصيلتها باسطنبول ...
- الملف الكامل لاختفاء خاشقجي.. منذ اليوم الأول حتى إعتراف الس ...
- السعودية: التحقيقات تؤكد وفاة جمال خاشقجي في شجار بالأيدي في ...
- ترامب: الكونغرس سيشارك في إعداد رد أمريكا بشأن قضية خاشقجي


المزيد.....

- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر
- في محبة الحكمة / عبدالله العتيقي
- البُعدُ النفسي في الشعر الفصيح والعامي : قراءة في الظواهر وا ... / وعد عباس
- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي
- مفاهيم خاطئة وأشياء نرددها لا نفطن لها / سامى لبيب
- في علم اجتماع الجماعة- خمسون حديثا عن الانسان والانتماء والا ... / وديع العبيدي
- تأملات فى أسئلة لفهم الإنسان والحياة والوجود / سامى لبيب


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - معتز عمر - فلسفة العقل والدين