أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف 8 اذار / مارس يوم المراة العالمي2007 -حجاب المرأة بين التقاليد الأجتماعية والبيئية والموروث الديني - جريس بقاعين - المرأة المسلمة و الحجاب















المزيد.....

المرأة المسلمة و الحجاب


جريس بقاعين
الحوار المتمدن-العدد: 1848 - 2007 / 3 / 8 - 12:46
المحور: ملف 8 اذار / مارس يوم المراة العالمي2007 -حجاب المرأة بين التقاليد الأجتماعية والبيئية والموروث الديني
    


في بداية الإسلام لم يمثل الحجاب قضية تستحق العناية، ولم يعرف تشدّدا مثلما الّذي نشهده اليوم، ولم يفرضه المسلمون على المرأة في الرّيف لأنهم لم يعتبروا الجسد عورة، وإنّما الإشكال كان في امرأة المدينة التي بالغت في التزيّن والعراء، والفطرة السليمة تأبى ذلك، وترفضه كل الشرائع والأخلاق وللحدّ من تلك الظاهرة، ولضمان توازن المجتمع اتّخذ اللّباس كآلية من آليات حفظه، صالحة لذلك الزّمن، وما كان الحجاب عندهم فريضة دينية، وإنّما أدبا اجتماعيا، وما كان عندهم حدّا من حدود اللّه، كما يذهب إليه بعض الفقهاء الّذين يلحّون على هذا الموضوع في حين لا نجد نصّا مقدّسا يتوعّد النّساء بعقوبة شرعية في الدّنيا أو الآخرة تسلط على تاركة الحجاب لا في القرآن ولا في السّنّة الصّحيحة ولا حتّى الضعيفة، إلا ما جاء في أقوال الفقهاء الّذين يفتحون أبواب جهنّم على مصراعيها لمن تخرج شعرة من تحت غطاء رأسها، واللّه أعدل وأكرم وأرحم بالنّساء من هؤلاء الفقهاء بدلالة الحديث النّبوي :"إن بغيا دخلت الجنّة في كلب سقته".
ودليلنا على هشاشة دعوى الحجاب في الصّدر الأوّل للإسلام عدم استجابة بعض النّساء للبسه فهذه عائشة بنت طلحة عاتبها زوجها على سفورها وعدم تحجّبها، فأجابته:
" إن اللّه تبارك وتعالى وسمني بميسم جمال أحببت أن يراه النّاس، ويعرفوا فضلي عليهم، فما كنت لأستره، واللّه ما في وصمة يمكن أن يذكّرني بها أحد".
وبالتّالي لم يكن للحجاب الحساسية الدّينية الّتي جعلته فرضا اليوم فما هي أسباب هذه الحساسية المفرطة؟
من أبرز أسباب هذا التشدّد أن حكام بني أميّة فرضوا الحجاب والاحتجاب على نسائهم وقلّدهم رجال دولتهم، وفي مقدّمتهم الفقهاء، وليس للفقيه أن يقول أو يفعل غير ذلك، لأن الفقهاء في كلّ زمن –إلا من رحم ربّك- لا يخلو حال الفرد منهم من أن يكون محكوما لأحد سلطتين، فإمّا محكوما لسلطة القصر عملا بقاعدة "النّاس على دين ملوكهم" وإمّا أن يكون محكوما لسلطة القبر فلا يحيد عن فتاوى الغابرين من أسلافه وهو من وراء هذا كلّه تحكمه سلطة المعرفة الشعبية والمخيال الجمعي لعامة النّاس ، فلا يستطيع أن يقول لهم غير ما تعوّدوا عليه وما ألفوه. وكيف لفقيه أن يقول في الحجاب برأي مستحدث وغير معهود، فللرّأي المستحدث، وللجرأة على الاجتهاد علماء وهبوا أنفسهم للمعرفة وتعالوا عن أطماع الدّنيا، وترفّعوا عن إرضاء العامّة وإن كان ذلك الإرضاء يضرّ بهم من حيث لا يعلمون كما يفعل البعض مع الأسف.
ثم تواصل فقه أحكام النّساء ليزداد تزمّتا مع العصر العبّاسي، ليعدّ الحجاب من الفروض الدّينيّة وحدّا من حدود اللّه، وليفرض أيضا على الإماء والجواري والفتيات الصغيرات. وليتشبّث به المسلمون، وها هم اليوم يتنافسون في حجب المرأة عوض التنافس في العلوم والمعارف، إلى درجة ألحقت الضّرر بالمرأة على حدّ عبارة قاسم أمين التالية عن التحجّب:
" يحرم المرأة من حرّيتها الفطرية، ويعيقها عن كسب معاشها عند الضّرورة ويحرمها لذّة الحياة العقلية والأدبية، ولا يتأتّى معه وجود أمّهات قادرات على تربية أولادهنّ وبه تكون الأمة كإنسان أصيب بشلل في أحد شقيه" وصدق قاسم أمين فأين لامرأة محبوسة بين الجدران، لم تتعلّم أن تربي النشأ وتنهض بالأمة؟ فأين لامرأة لا تعلم ما يجري حولها في الدّاخل ولا في الخارج أن تربّي رجالا ونساء واعين؟

- الحجاب في أشكاله المتعددة وأن أصبح لصيقاً بالدين
الإسلامي، لم يكن في يوم من الأيام ممارسة دينية واجتماعية افتتحها ودشنها الإسلام. بل هو ممارسة تاريخية مغرقة في القدم عرفتها أديان وثقافة أخرى سابقة على الإسلام. فتغطية المرأة شعر رأسها عادة اجتماعية عرفتها القبائل العربية في الجزيرة قبل الاسلام وعرفتها كذلك بلاد ما بين الرافدين والإغريق وبيزنطيا وفارس، حيث كانت المرأة الحرة تجبر على تغطية رأسها تمييزاً لها عن الجارية. كما أن بعض النصوص المقدسة في الديانتين اليهودية والمسيحية تحتوي، كما في القرآن، على فقرات تحتمل هي الأخرى التأويل بشكل يحض على تغطية المرأة لشعرها. فالرسول بولس يرى ان من العار على المرأة ان تصلي عارية الرأس "هل يليق بالمرأة أن تصلي إلى الله وهي غير مغطاة" (الإصحاح الحادي عشر:4_14). إلى اليوم لا تزال الكثير من النساء اليهوديات والمسيحيات يغطين رؤوسهن عند الصلاة في أماكن العبادة. من المفيد أن نؤكد هنا إلى أن القرآن عندما يتكلم عن "الجلباب" و"الخمار" كان يشير إلى ممارسات تخص الألبسة التي كانت سائدة في عصر الجاهلية وبقيت خلال فترة الوحي واستمرت من بعده. فأن تضرب النساء بخمرهن على جيوبهن كما هو صريح الآية القرآنية، معناه أن الخمار كان جزءاً من لباس النساء في ذلك الزمن الذي نزل فيه الوحي، ولم يفرضه القرآن على النساء، وإنما طالبهن بضربه على الجيوب. أما تعبير الضرب على الجيوب فيحتمل تأويلات متعددة لا يزال الكثير من الفقهاء يختلفون في شأنها إلى يومنا هذا.

- الأساس في قضية الحجاب هو أن يكون قرار الفتاة المسلمة بالتحجب من عدمه، نابعاً أولاً من خيارها الشخصي وحريتها الفردية واقتناعاتها الذاتية. طبعاً، هذا لا يعني أن الفتاة المسلمة ستكون قادرة على اتخاذ قرارها الصحيح بمعزل عن تأثيرات عائلتها ووسطها الاجتماعي وثقافتها الدينية وكيفية نظرة المجتمع إلى الفتاة المحجبة، لكنه يفترض أساساً أن يكون القرار النهائي في مسألة التحجب من عدمه هو قرارها الشخصي النابع من حريتها الفردية، والغير مفروض عليها بالقوة والإكراه العائليين أو بسلطة الأمر الواقع الاجتماعي أو بحكم القوانين الوضعية. وإذا كان البعض من علماء الدين وجمهور المؤمنين يعتبرون أن حجاب المرأة هو أمر إلهي صريح وفرض ديني ملزم لجميع النساء المسلمات في كل زمان ومكان، ولا يتردد في فرضه على النساء كلما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فإن على هذا البعض أن يتذكر ما جاء به القرآن الكريم من أن: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" و"قل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر". فإذا كان الإنسان مخيراً في أمور من صلب العقيدة، فكيف يجب أن تكون عليه الحال في بعض الشؤون الطرفية في الدين كالملبس؟ فمن الأجدى أن نترك للنساء المسلمات حرية القرار في شؤون تفاصيل لباسهنَّ، الغير منصوص عليها أصلاً في القرآن والمختلف عليها اجتهاداً بين الفقهاء. فمن شاءت فلتتحجب إذا كانت تعتقد أن هذا يزيدها قرباً من الله، ومن شاءت فلتنزع الحجاب إذا كانت تعتقد أن هذا لن يغير شيئاً في حقيقة إيمانها.

- تأسيساً على هذه القاعدة المرتبطة بمعنى حرية المرأة الفردية وقرارها الشخصي في نزع الحجاب من عدمه، يصبح إجبار المرأة على نزع الحجاب بقوة قوانين الدولة كما هي الحال في تركيا وتونس وفرنسا (وسوريا في مرحلة سابقة)، أو إجبارها على ارتدائه كما هي الحال في ايران والسعودية والسودان، وجهين لعملة واحدة تنتهك من خلالها حقوق المرأة الأساسية وفي مقدمتها حقها في اختيار شكل الملابس التي تتوافق مع إيمانها الديني وقناعاتها وثقافتها ومكانتها في الحياة العامة. طبعاً لا يعني ذلك أن يؤدي الأمر إلى الإخلال بالنظام العام كأن تخرج المرأة إلى الحيز العام عارية أو شبه عارية، أو أن ترفض في المقلب الآخر إظهار وجهها في الامتحانات العامة أو عند النقاط الحدودية أو لدى تحقق الشرطة من هويات الأفراد. يبقى أن القضية الأخطر التي يتعامى عنها الطرفان، مع أنها في صلب تناحرهما، هي حرية المعتقد الشخصي للإنسان، بعيداً عن قوانين الدولة وسطوة علماء الدين. حريته في تقرير ما هو في صلب عقيدته وايمانه، وما هو من الرموز والشعائر الشكلية. فالاصل ان يكون للجميع الحق في إبداء رأيه، ولكن ليترك للانسان في النهاية الحرية في تكوين رأيه الخاص، أو في اختيار ما يناسبه من الآراء.

- أول ما تُجابه به المرأة المسلمة في الثقافة الدينية السائدة اليوم عندما يتعلق الأمر بلباسها، هو إفهامها، بالشدة أو بالين، أن الله قد فرض الحجاب على النساء المسلمات جميعاً، فرضاً واضحاً وصريحاً وقطعياً، في قرآنه الكريم. لكن، إذا ابتعدنا عن المنظومة الفقهية التقليدية التي أورثنا إياها بشر مثلنا، عاشوا في قرون سحيقة، لم تشهد لا التطور العلمي الراهن ولا شرعة حقوق الإنسان ولا تقسيم العمل ولا خروج المرأة إلى الحياة العامة ومشاركتها الرجل في مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فإننا عند التأمل المتأني في النصوص القرآنية المتعلقة بالمرأة، نجد أن لا شيء البتة في هذه النصوص يشير إلى وجوب أن تغطي المرأة المسلمة شعرها بالشكل المتعارف عليه اليوم لمفهوم الحجاب، ولا أن تحتجب بالكامل من رأسها إلى أخمص قدميها كما كان عليه الحال في بعض العصور القديمة أو كما هو عليه الحال اليوم في بعض دول الخليج ولدى نساء بعض الجماعات الإسلامية الراديكالية.
ففي القرآن لم تأت كلمة "حجاب" إلا مرة واحدة في سورة "الأحزاب"، وهي كانت تخص نساء النبي تحديداً دون غيرهن من النساء. وجاءت هذه الكلمة ليس بمعنى غطاء الرأس المتعارف عليه اليوم، ولكن بالمعنى الفراغي، أي الحاجز المادي الذي يفصل بين الرجل والمرأة ويمنع عنهما حقل الرؤية: "واذا سألتموهن متاعاً فإسألوهن من وراء حجاب". وهناك موضعان اثنان فقط في القرآن أتى فيهما ذكر لباس المرأة، مرة في سورة "النور" حيث ذكر الخمار " وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن"، ومرة أخرى أتى فيها ذكر "الجلباب" في سياق تمييز المرأة الحرة عن الأمة: "يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين". ففي ذلك الزمن لم يكن هناك دورات مياه في البيوت وكانت النساء تخرج إلى العراء لقضاء حاجاتهن وكان بعض الرجال يتعرض لهن ظناً أنهن جواري، فآتت هذه الآية لتأكد على ما كان سائداً يومها من ضرورة التفريق بين المسلمة الحرة والجارية من خلال الملبس، حفظاً للحرائر من أن تتعرض لما كانت تناله الجواري من مضايقات. ووصل الأمر بالخليفة عمر بن الخطاب إلى منع الجواري المسلمات من لبس الخمار أو تغطية الشعر حتى لا يتشبهن بالحرائر.

- لنضع جانباً كلمة "حجاب" كما أتت في سياق النص القرآني (الحاجز الفراغي، الساتر)، فهي باعتراف معظم الفقهاء تخص نساء النبي دون غيرهن من النساء عملاً بالآية الكريمة "يا نساء النبيّ لستنّ كأحد من النساء" (الأحزاب). وكما هو معروف فإن لنساء النبي أحكام خاصة في الشرع تتجاوز موضوع الحجاب إلى الزواج والطلاق والبقاء في البيت ..إلخ.
أما كلمتي "خمار" و"جلباب" كما وردتا في سياق النص القرآني، فإن لا شيء البتة يشير في صريح العبارة إلى وجوب أن تغطي المرأة شعر رأسها. والله ليس بعاجز، إن هو أراد، أن يفصّل في هذا الموضوع كما فعل في موضوع الميراث مثلاً. كما أن النص القرآني يبقى مفتوحاً في خصوص ماهية الجلباب والخمار والزينة الظاهرة والمخفية، وهو لا يقرّ حدوداً وعقوبات في حق من لم تضرب الخمار على الجيب أو من لم تخف زينتها.
طبعاً ليس هنا مكان الوقوف على معنى "الخمار" و"الجيب" و"الجلباب" في هذه الآيات خلال زمن نزول الرسالة وكيف تلقاها جمهور المؤمنين في ذلك العصر وكيف انزاح تأويلها على مر العصور، وكيف تم اختزلها على أيدي فقهاء اليوم إلى المفهوم الحالي للحجاب بمعنى تغطية الشعر ولبس المعطف كما هو متعارف عليه اليوم في العالم الإسلامي، مع استمرار بعض التمايزات قائمة بين الثقافات والبلدان. لكننا نكتفي هنا بالإشارة إلى أنه إلى يومنا هذا لا إجماع بين الفقهاء ورجال الدين أو حتى بين عامة الناس حول ماهية الزينة الظاهرة والمخفية ولا شكل الخمار ولا معنى الجيب ولا آلية ضرب الخمار، وهذا إذا دل على شيء فعلى أن النص القرآني مفتوح بروحانيته ومعانيه. وللمؤمنين والمؤمنات حرية فهمه في علاقتهم المباشرة مع الله.
نكتفي في هذا السياق بأن نورد ما كتبته الرائدة النسوية البيروتية نظيرة زين الدين ابنة الشيخ سعيد زين الدين في كتابها "السفور والحجاب" الصادر في العام 1928: "إن الله جل علمه، وتعالت حكمته لم يحصر في آياته الأعضاء التي تظهر من المرأة، ولم يبيّن إلى أي حد من الأعضاء يجب على النساء أن يدنين عليهن من جلابيبهنَّ ليعرفن من الإماء، تاركاً تحديد ذلك للزمان وللعقل السليم. والجبلة والعادة والضرورة".

- في ظل غياب أي تحديد دقيق في النص القرآني لشكل الخمار والجلباب وآلية إرتدائهما، لجأ الفقهاء إلى الحديث النبوي من أجل استنباط الأحكام الخاصة بلباس المرأة المسلمة وفرض غطاء الرأس عليها. واستندوا أساساً إلى الحديث الآتي: روي عن أبي داود عن عائشة أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله فقال لها: "يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا، وأشار إلى وجهه وكفيه". وهذا الحديث، وفقاً للمنظومة الفقهية السائدة، حديث آحاد مرسل ورد في "سنن أبي داود"، وأحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في أمور العقيدة والحدود ويعمل بها على سبيل الاستئناس عند أهل السنة كونها ظنية الورود على لسان النبي محمد. أما المقصود بحديث آحاد مرسل فهو وروده أولاً على لسان خالد بن دريك الذي لم يكن معاصراً للسيدة عائشة ولم يرها قط، لكنه روى عنها. ومن المعروف أن السنن كـ "سنن أبي داود" لا تعنى بصحة الإسناد وسلامة المتن مقارنة مع بالصحاح والمسانيد من مثل صحيح البخاري وصحيح مسلم ومسند أحمد.
يبقى أن جميع كتب الحديث قد تم جمعها بين القرنيين الثاني والثالث الهجري أي بعد أكثر من قرن على وفاة النبي. ومن المفيد أن نشير إلى أن الرسول كان قد أوصى في حياته وفقاً لهذه الأحاديث نفسها بأن لا يكتب عنه الحديث. فقد جاء عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال: "لا تكتبوا عني شيئاً إلا القرآن ومن كتب عني شيئاً غير القرآن فليمحه". مجمل القول أن هذا الحديث النبوي المنسوب إلى عائشة لا يمكن أن يعول عليه من أجل فرض لباس معين على المرأة المسلمة، ويمكن من أحب أن يبقيه للاستئناس بما كانت عليه الأحوال أيام الرسول، والتي لا تطابق، بأي شكل من الأشكال، أحوالنا الراهنة. فإذا كان الرسول يستخدم في زمنه المسواك لتنظيف أسنانه، فليس من المعقول أن يفرض علينا أن نقوم بالشيء ذاته، خصوصاً أن في زمننا فراشي ومعجون أسنان لم تكن موجودة في عصر النبي محمد. وإذا كانت جميع النساء، حرائر وجواري، تضطر في ذلك الزمن إلى الخروج للعراء من أجل قضاء حاجتها، فإن جميع المنازل اليوم أصبحت مزودة بمراحيض ودورات مياه، ولم يعد هناك من جوار.

- بات حجاب المرأة في علاقته بالنص القرآني والمنظومة الفقهية الموروثة والممارسات المجتمعية، يتجاوز موضوع المرأة ليحيل إلى قضايا إشكالية مرتبطة بالتأويلات الدينية السائدة، سواء لجهة دلالات الكلمات داخل بنية النص أو لجهة السياق الزمني والمكاني لنزول هذه الآيات وحالة اللغة في ذلك العصر أو لجهة الدلالات المستجدة للكلمات والنصوص في الاستخدامات الدينية المعاصرة. فإذا كانت كلمات من مثل القوامة وملك اليمين والتسري بالإماء والضرب عند النشوز خرجت في جزء منها من مجال الدلالة الحية المباشرة إلى مجال الشاهد التاريخي، والبعض الآخر لا يزال ينتظر دوره، فمن الأجدر أن نسارع في إعادة النظر في المعاني والدلالات والسياقات لكلمات من مثل الحجاب والخمار والجلباب ضمن زمانها ومكانها المحددين، قبل أن نسقطها عنوة على عصرنا الراهن. لكن من أجل أن يحدث هذا لا بد من إعادة النظر في المنظومة الفقهية السائدة وفي علاقتنا بالنص القرآني، والذي دونه صراعات سياسية واجتماعية هائلة، وان كان لا مناص من خوضها في النهاية.

- إذا كان "القرآن لا ينطق ولكن يتكلم به الرجال" على رأي الإمام علي كرم الله وجهه، فعلينا أن نعي، دائماً وأبداً، أن هذه النصوص والشروح والتأويلات تعيش بيننا وتفعل في مجتمعاتنا لأن هناك نساء ورجال يؤمنون بها ويستعينون بها في حياتهم ويستخدمونها في أحيان كثيرة في صراعاتهم. من هنا يجب أن لا يغيب عنا قدرة مجتمعاتنا الذكورية، برجالها ونسائها، على الاستعانة بتأويلات محددة لبعض النصوص الدينية التي تخص المرأة من أجل إدامة السيطرة الذكورية وتدعيمها بمسوغات تتلطى تحت رداء القداسة وكتاب الله. فكم من الفتيات المسلمات خضعن في النهاية، وبمعزل عن فهمهن للنصوص الدينية، للحالة السياسية السائدة ولقيود البيئة الاجتماعية ولنظرة المجتمع للفتاة السافرة وضغوط الأب والأم والأخ وما يسمونه شرف العائلة، وتحجبن مكرهات. يكفي من أجل ندرك تأثير المجتمع على حجاب المرأة ومكانتها أن نتمعن في تاريخنا المعاصر كيف كان التوجه السائد، منذ بداية القرن العشرين وحتى نهاية الستينات، نحو تحرر المرأة ونزعها للحجاب من دون خروجها على دائرة الدين وتعلمها ومشاركتها في الحياة العامة، وكيف بتنا اليوم مع فشل مشروع النهضة العربية وسلسلة الهزائم المتتالية وسيطرة قيم البترول_دولار وغياب الحريات الديموقراطية والانحدار الاجتماعي والقحط الثقافي، نشاهد بأم أعيننا عودة الحجاب، وحتى النقاب، تارة تحت شعار الإسلام السياسي وطوراً تحت شعار حفظ كرامة المرأة وصون عفتها!

- تبقى أخيراً فكرة مهمة لا بد من تأكيدها، وهي أن المساواة بين المرأة والرجل في الإنسانية، تقتضي أنه يتوجب على المرأة ما يتوجب على الرجل والعكس





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647





- بارزاني: طرف داخلي سمح بانسحاب البيشمركة
- هاشتاغ -أنا أيضا- يغرق مواقع التواصل من هوليوود إلى الخليج
- لوحات تعبيرية على أحد مسارح دبي
- هواجس لبنانية من التمدد الإيراني
- كركوك... معطيات تاريخية وديموغرافية
- قفاز ذكي... ابتكرته شابات إماراتيات وتبنته شرطة دبي
- في الديلي تلغراف: الناجون من تنظيم الدولة سيعيدون تجميع أنفس ...
- إثيوبيا تعلن بدء توليد الطاقة من سد النهضة
- قاض بولاية هاواي يجمد قرار ترمب حظر السفر
- اختتام التمارين الليلية للقوات البرية الأميرية القطرية


المزيد.....

- اثر الثقافة الشرقية على المرأة والرجل / جهاد علاونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف 8 اذار / مارس يوم المراة العالمي2007 -حجاب المرأة بين التقاليد الأجتماعية والبيئية والموروث الديني - جريس بقاعين - المرأة المسلمة و الحجاب