أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسام مطلق - هل الله موجود؟. سؤال في مساحة حرة






















المزيد.....

هل الله موجود؟. سؤال في مساحة حرة



حسام مطلق
الحوار المتمدن-العدد: 1833 - 2007 / 2 / 21 - 11:05
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


حين نقول اننا نريد ان نفسر الوجود, فمالذي نعنيه؟. وماذا نريد من هذا التفسير؟. بالنسبة للفلسفة فإن هذا السؤال هو جوهر وجودها. اي هي قامت من هذا السؤال, ومنه ومن خلال التأمل فيه, ظهرت مشكلاتها الاخرى, كالاخلاق, والميتافيزيقيا, والجمال, ونظرية المعرفة, كعناصر اساسية تتمحور حولها المعالجات الفلسفية. لانها جميعا بطريقة او بأخرى تداعيات للسؤال الاول والاهم والذي انشأ الفلسفة اساسا الا وهو: من اين ياتي الكون؟.
من اين يأتي الكون تقودنا بشكل حتمي الى صياغة اخرى هي : هل الله موجود؟. هل حين نتحدث عنه في خطابنا اليومي بكل تلك الحتمية نحن نعي ما نقول ام أننا فقط نردد مفردات لفظية نعجز عن انكارها لاسباب نفسية؟. حين نجيب عن هذا السؤال تصبح اجابتنا على السؤال الثاني في الترتيب الفلسفي مشروعة الا وهو : ما شكل ذاك الوجود؟. وحين نجيب على هذا السؤال يحق لنا ان نطرح بثقة سؤالنا الثالث : ماهي طبيعة العلاقة بيننا وبينه وبينه وبين الكائنات عموماً. وهكذا تجدون ان ميزان الاخلاق والجمال وباقي اشكالات الفلسفة مرتبطة بالاجابة على هذا التسلسل السؤالي. فبمعرفتنا لطبيعة الخالق وطبيعة العلاقة بيننا وبينه وبينه وبين الكائنات الاخرى نستطيع ان نحدد اطر الاخلاق بتجرد عن الزمان والمكان. فيما هي الان اسيرة العادة والمصلحة وهذان العنصران انكار للاخلاق ولو شكلاها لفظيا. لذا فإن استمرار الفلسفة في طرح هذه الاسئلة هو في حقيقته ليس تحديا للدين بل ممارسة للوجود, فهي قائمة عليها, ولرغبة الحصول على الاجابات الاكثر وضوحا فيها. ولكن الاديان تشعر ببعض الارتباك من التجريد المطلق الذي تمارسه الفلسفة على المفاهيم الشائعة لديها واخضاع المسلمات الدينية الى الاسئلة ضمن اطار قوانين العقل المطلق. هذه الممارسة تتطلب قدرة ذاتية من المفكر, وأقر بانها قد لاتكون ممكنة للجميع, وبرأي المتواضع فإن هذا ما يقلق الاديان ومريديها. اي ان ينتقل السؤال من الخاصة الى العامة, ولابو الحامد الغزالي في هذا الامر كتاب في صولات وجولات. ولكنني متمسك بحق العقل في اعلان أفكاره وعدم كبتها, فالمجاهرة بها ان ظنت الاديان انه انتقاص لها فهو فعل جاهل, ويقيني انه ممارسة صحية مادامت الغاية النهائية معرفة الحقيقة. عليه فأنني اطرح السؤال واحاور سعيا للاجابة عليه.
قد يصح منطقيا ان ننطلق من النتيجة او الاثر للوصل الى تفسير الحدث, ولهذه المعادلة ذات الاتجاه المعكوس شرط لازم لا تقوم الا به, الا وهو المعرفة التامة بمكونات الحدث. ان كانت معرفتنا بمكونات الحدث ناقصة فإن الاستناد اليها يقود الى احتمالات, مهما بدت النتيجة مقنعة, الا انها وفقا للعقل المطلق تبقى احتمال, لان التنامي الجديد في المعرفة عن الحدث يستدعي اعادة انتاج المحاكمة العقلية وفقا للتغير الطارىء. قد نصل الى نفس النتيجة باعادتنا للمحاكمة وقد نصل الى ما يخالف الحكم السابق, وحتى حين نصل الى نفس الحكم السابق فإن ذلك لايعني ان النتيجة قد صارت نهائية بل تبقى احتمالية ولن تكون نهائية, الا في حالة واحدة : ان صارت معرفتنا بالحدث وتفاصيله نهائية. الحدث بالنسبة لنا هو العالم. الله لا يقف امامنا. انا, انت, الجبال والبحار, كلنا موجودات حسية وهي حقيقة مطلقة, بيد اننا لانملك عنها معرفة تامة. وعليه فإن استمرار استدلال الاديان بوجود الله ومعرفته إنطلاقا من الاثر هو طرح معاب منطقيا, ان اسس على الحتمية وليس الاحتمالية, لان معرفتنا للاثر لم تكتمل وبالتالي فإن النتيجة التي تعتبرها الأديان نهائية هي في حقيقتها, ووفقا للاستدلال السابق, نتيجة احتمالية تقبل التثبيت النهائي او الجزئي او الرفض المطلق. عليه فإن دليل الاديان في وجود الله غير صحيح وفقا لقواعد العقل المطلق, وهنا اصل المشكلة بين الفلسفة والاديان. فالاديان تقول بالتسليم عند الاشكال, والفلسفة تقول بالمزيد من التأمل للاستدلال. وهذا فرق عظيم في الآلية, ولكنه في الهدف واحد. فكلا الطرفين يقصد في نهاية المطاف الحقيقة المطلقة.
من الممكن ان نقبل من الاديان رأيها هذا, لولا انها في الاساس اقنعت المؤمنين بها, وبوجودها, مستندة الى مبدأ الجدلية الذي تنكر على الفلاسفة حقهم في الخوض فيه. آلية الإقناع الجدلي غير المستند الى الدليل المادي تمثلها الاية القرآنية التالية : وضرب لنا مثلا ونسي خلقه, قال من يحي العظام وهي رميم, قل يحيها الذي أنشأها اول مرة, وهو بكل خلق عليم, الذي جعل لكم من الشجر الاخضر نارا, فإذا انتم منه توقدون, اوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على ان يخلق مثلهن, بل وهو الخلاق العليم, انما امره اذا ارد شيئا ان يقول له كن فيكون.
هذه الاية تعتمد الاسلوب الجدلي في الوصول الى تفسير النتيجة النهائي استنادا الى المحسوس, وقد سلمنا قبلا بان ادركنا للمحسوس هذا قائم, نعم على حقيقة مطلقة كوجود, ولكن على معرفة ناقصة بطبيعة هذا الوجود. هنا قبل ان امضي اود ان اسجل نتائج منطقية وليست خلافية اولها ان المنطق فعلا يفترض ان من خلق السماء قادر على ان يخلق مثلها, فالمنطق يفترض القدرة على اعادة التجربة مع توافر عناصر البدأ الاول, وان من خلق الارض قادر على ان يخلق مثلها وهكذا, هنا لا خلاف. ولكن المراوغة اللفظية للاديان في مثل هكذا استشهادات تقع في التالي :
اولا - ان الآية استسلمت ودون ايضاح الى ان خلق الانسان تم بالصورة التمثيلية النمطية, اي عظم يتم كسوه بلحم وارض تعلوها سماء, وهذا نقل حرفي لتصورات مباشرة لا تفسر الامر بصورته النهائية وانما تخاطب الجانب العاطفي من المتلقي ولا تشكل بذاتها دليلا عقلياً قاطعا, فمن منا لايعرف ان اللحم يكسو العظم وانه ان نظر الى الأعلى يجد سماءً. الاديان انطلقت من موجودات لاعلاقة لها بها لتقول انها دليل لاكون الحقيقة المطلفة ولم تتكبد عناء تقديم الدليل على الغموض المتلبس في السياق اللفظي, وهذه النقطة سيرد شرحها قريبا. خصوصا وان العلوم الحديثة قد اثبتت علاقة الكائنات بالخلية الاولى وتطورها وكي لا افتح باب الجدل الفرعي فسأقول انها نظرية وإن لم يقم الدليل النهائي والقطعي على صحتها, ولكنه وبالمثل, لم يقم الدليل النهائي والقطعي على صحة التصوير المباشر الذي اتت به الاديان. وبنفس الطريقة التي لايمكن فيها نفي نظرية الخلق بالتصوير المباشر بالدليل القطعي النهائي, انطلاقا من معطياتنا المعرفية الحظة, لايمكن منطقيا ايضا نفي نظرية التطور, اما وفقا لداروين, او وفقا للرأي القائل بقوانين التطور المنضبط " راجع اسفل الصفحة توضح للاختصار ".
ثانيا – انه ليس بالضرورة ان يكون منشأ الشيء قادر على ادراته.
ثالثا – أنه ليس بالضرورة ان يكون منشأ الشيء قادر على افنائه.
رابعا – انه ليس بالضرورة ان تكون سيطرة المنشأ مطلقة بعد انشائه, بل ربما متارجحة واحتمالية متفاوتة وهي امور سترد امثلة عليها في السياق.
خامسا – وهي بند فيه بنود. مقولة انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون. اي ان الخلق الالهي هو امر وليس فعل. ولكننا نعلم من رواية اخرى ان ادم خلق من تراب. اي عجن التراب بالماء وصور على شاكلة رجل, وهذا عمل وليس امر. كما ان حواء خلقت من ضلع لادم استل من أضلاعه وهو نائم وبني عليه من التراب الممزوج بالماء ليصير طينا جسما وهذا بدوره عمل لا امر. والرواية تقول ان الله خلق السماوات و الارض في ستة ايام ثم استوى على العرش, كما في الاسلام, واستراح في السابع كما في المسيحية. وهنا نحن نتحدث عن ستة ايام من الجهد في خلق النجوم والسماء والارض وهذا كله عمل لا امر. قد يقول قائل ان ستة ايام في مجرى مليارات السننين هو الصفر اي مابين الكاف والنون. وهنا نقطة: ان يوم السماء " بالف سنة مما تعدون " هذا كلام القرآن. اي اننا نتحدث عن ستة الاف سنة وهذه بحال لايمكن ان تكون صفرا, وبغض النظر عما يمكن ان تكون عليه هذه المدة من قصر او طول , مقارنة بعمر الكون. فهي تتضمن عملا ومواضبة على الانتاج تجعل الخلق تراكم وليس امرا واستجابة. اي أن الكون هو نتاج عمل وليس نتاج ما بين الكاف والنون. كما أن حواء خلقت بعد ان وجد الله ادم في حال من الحزن, وهذا الحزن دلالة على ان الجنة بذاتها ليست سببا للسعادة وانما صحبة حواء ما جعلها كذلك. وهنا تناقض اخر. فمتى وفي اي الاحوال كانت الجنة تعبيرا عن كمال الله؟. قبل خلق حواء ام بعده؟. ام قبل خلق ادم وحواء؟. ام بعد خلقهما؟. نحن امام تراكم في العمل والنتائج ولسنا امام قوانين قطعية تنم عن دراية الكمال المطلق.
الرأي الديني يقفز فوق كل هذه الحقائق في مداهمة عاطفية لا تستسلم لها الفلسفة ولذا يبقى السؤال فيها عند الفلاسفة قائما بينما تغبش عليه دموع المؤمنين, وهذا ليس انتقاصا بل تذكير.
هنا دعونا نضع التوتر جانبا ونسعى قدر المستطاع الى ضبط المشاعر النفسية, لان الغرض كما سبق وان اوضحت ليس نفي الاديان بل الوصول اليها بالقناعة وليس بالوراثة. وهذا ما يدفعني الى اعادة احياء الاسئلة بما فيها سؤال العنوان : هل الله موجود؟. ولتخفيف توتر القارىء استحضر معه حديثا نبويا عمن يبعثه الله على راس كل قرن ليجدد للامة دينها, ولو لبضعة سطور اقبلوا مني سعي لهذا الدور.
كل موجود له احتمالين لا ثالث لهما. متجانس او متباين. المتجانس ما داخله وخارجه واحد. والمتباين ما كان جوهره مختلف عن ظاهره. ان اكون كبشر متجانسا فمعنى هذا ان لاوجود للروح وانها محض خلافة ابتدعها الانسان فيما ابتدع من اساطير. ان اكون متباينا فمعنى هذا ان لي جسدا يمثل ظاهري ولي باطن تمثله روحي. وبالمثل ان كان الكون متجانسا فغاية العالم فيه, ولا يدار بعقل خارج عنه, كما قال ارسطو, وهذا ينفي مبدأ الاتصال الخاص بين الله والانسان لانه اساسا غير منفصل عنه وعلاقته به علاقة الكل بالجزء, اي علاقة الشمس والشعاع. وان كان الوجود غير متجانس فالله منفصل عن الكون وجودا وهذا لا يعني بعد بالضرورة ان فرضية الاتصال الخاص بين الله والانسان صحيحة ولكنها تصبح ممكنة. لمن التبست عليه قاعدة الاسقاط فيمكنه العودة الى كتاب آراء المدينة الفاضلة للفارابي وسيجد استطراد في شرحها " الحيوان عالم صغير والعالم حيوان كبير " وهذه القاعدة هي ليست محل خلاف لانها مما يستشهد به رجال الدين في ادبياتهم.
هل يمكن حسم هذا النقاش لصالح احد الفرضين؟. لا, ليس بالمعطيات العلمية اللحظية, وليس امامنا سوى الاستدلال العقلي. انا كجسد موجود, اعرف ذلك بالحقيقة المطلقة التي تنقلها حواسي بتصوراتها المباشرة, وهذا النقل الذي تقوم به الحواس هو ما يسمى بالحقيقة المطلقة. اما الروح فهي فرض ممكن ولكنه غير حتمي وقد يكون وجود الروح ليس اكثر من خيال انساني, فما من دليل عليها, وقد تكون الحياة مجرد حالة تفاعل المادة كيميائيا, وهو فرض اقرب الى المنطق تسنده مشاهدات تعفن المواد الكربونية بوجود الماء والهواء وما ينتجه التعفن من حياة مجهرية من العدم. اي تفاعل كيميائي انشأ حياة تنتهي بانتهاء اسباب التفاعل الكيميائي. نعم ان احدنا هو اكثر تعقيدا من كل تلك المجهريات ولكن اصغر تلك المجهريات يحمل وبلا خلاف فكرة الحياة بكاملها, فكل حيوان هو عالم صغير, وتفسير هذا الحيوان يعطي تفسير العالم الكبير. عليه, فإنني لا استطيع ان استسلم لفرضية وجود الروح لمجرد توقف كيمياء الجسد عن التفاعل. ببساطة قد يكون الامر تفسيرا من فترة المراهقة الانسانية افترضه مفكر ذو خيال خصب قبل الاف السنين, ولايمكن انكار الجانب الابداعي في هذا التفكير, وهو من نمط التصورات التي لايمكن نفيها, ليس لصحتها بل ربما لعدم وجودها. كأن اقول ان كوكب الجوزانتيك غني بالمجانكسفنتيس. ويمكن للبشرية ان تسير آلاف السنين وآلاف اخرى بعدها من السنين دون ان تتمكن من نفي نظريتي . لسبب بسيط جدا, انه بالاساس لا وجود لكوكب اسمه الجوزانتيك ليكون تاليا هناك وجود لمادة اسمها المجانكسفنتيس ليصح ثالثا ان ذاك الكوكب التخيلي غني بها. النقطة التي يجب الا تغيب عن وعينا هي الخيال المركب, ليس فقط ثلاثيا كما لاغلبنا, بل ما هو اكثر تعقيدا من التثليث. هذا الخيال يمتلكه عدد قليل من البشر, قد يقل عن الواحد بين المليون, ولكن هذا الواحد من الميليون يولد من فجر الانسانية, ويفكر, وينتج, يفعل ذلك انطلاقا من عنصرين اساسيين :
الاول مداركه الحضارية اللحظية.
الثاني حاجاته النفسية والمادية المباشرة.
لذا يجب الا نمنع عقلنا من افتراض ان الكثير من الافكار التي وصلتنا هي ليست في حقيقتها سوى انتاج ابداعي لاحد عظماء الانسانية في التخيل والتركيب, ولكن بكل بساطة من عصر الكهوف. فكر احدهم باحثا عن تفسير بكل ما تعنيه الفكرة والابداع الخيالي للانسان العبقري ذو الخيال المعقد, قبل مائة الف عام او اكثر او اقل, وانتج واحدة من اخصب الأفكار التي توارثتها الانسانية جمعاء, حتى صارت راسبا غير قابل للنقاش لدى حضارت كاملة باجيالها . هل تعرفون من فكر بالبرغي؟. هل يمكن ان تصدقوا ان تلك الفكرة هي واحدة من اسس الحضارة الانسانية جمعاء؟. انظروا حولكم, هل هناك شيء لايدخل فيه البرغي بطريقة او باخرى؟. ولو عثر احدكم على هذا الشيء, هل يمكن ان يرجع الى التصميم القديم لهذا الجهاز او تلك الالة ويفترض امكانية تصنيعها من دون البرغي؟. هل لولا ذاك النموذج القديم كان من الممكن الوصول الى النموذج الجديد الذي لايحتوي على البرغي؟. من اخترع البرغي؟. حتى لو قام الدليل القاطع على ان اسمه فلان وعاش في بلدة كذا سنة كذا, هل سيغير هذا من حقيقة ان هذا العقل, وبغض النظر عن المكان والزمان, هو واحد من اروع وافضل العقول التي شهدتها البشرية. انها فكرة خلاقة لو سجلت كبراءة اختراع, وجبي عنها ضريبة, لفاز صاحبها بما هو اكثر, وبمرات ومرات, من ثروة بل غيتس. الا يعقل ان عقلا كعظمة عقل مخترع البرغي, ولكن اقدم منه بمئات آلاف السنين, كان ذا نزعة تأملية, بدلا من ان تكون ميكانيكة, واستغرق بعيدا وهو يفكر, محاولا ايجاد حل لقضية الموت, فخلص خياله الخصب والاستثنائي , الى ان هناك موجود منفصل اسمه الروح؟. الكثير من الافكار انتجها العقل الانساني في مراحل الحياة الانسانية جمعاء, ولكن القليل من الاسئلة طرحت على صحتها حين تكون تلك الافكار مرتبطة بالاديان, وهنا مرة اخرى اقول: هذا جوهر الخلاف بين الدين والفلسفة, السؤال. مع ذلك ومسايرة للاحتمالات فسابقي فرضية وجود الروح قائمة رغم غياب الدليل عليها. الروح وفقا للفرض الديني هي موجود مستقل عن الجسد, يحرك الجسد ويعطيه الطاقة, ويديره كما يدير الله العالم, وانه بخروجها منه يفقد الجسد الطاقة فينتهي, فيما هي تتابع البقاء. انه خيال اخصب من كوكب الجوزانتيك, صاحبكم الذي سكن الكهف قبل مئات آلاف السنين, غلبني وانا استخدم الأنترنيت واعيش في القرن الواحد والعشرين. ولو علمت له قبرا, اقولها وبكل صراحة, لصليت عليه تعظيما لما ملك من خيال, فقد تركني بغير حيلة, حتى لم يعد لدي من سبيل سوى ان افترض صحة نظريته سعيا لنفيها. فقط تخيلوا معي ان الانسانية وعبر مئات الاف السنين مشغولة بفكرة رجل كان جالسا خارج كهفه, بكل ما لرجل الكهف من ملامح لا حضارية, يراقب صراعا لارنب صغير مع الموت وهو يستسلم له رويدا رويدا, ربما لمعت من اشعة الشمس زفرات رطبة للارنب المحتضر فظنها صاحبنا الروح تغادر الجسد, وكما صاح نيوتن وجدتها, صاح هو الاخر وجدتها. وبإيجاده هذا, او بزفرات الارنب تلك, اُسِسَتْ حضارات, وقامت فرضيات, وتقاتلت اقوام, وفنيت اخرى. وبرغم كل ذلك اقول انه لامناص لي من ان اناقش الفرض "الروح ", رغم غياب الدليل من العقل القطعي, لعلي بالطريق انفيه. هنا لابد لنا من العودة الى نظرية كانط فهو يقول : اننا نفسر تجمد الماء بانه ناتج عن البرودة ولكننا لانملك اي تفسير لماذا يكون البرد سببا للتجمد, أي ما هي الضرورة التي تجعل الماء يتجمد بالبرودة. فنحن قادرون على تحديد الظاهرة ولكننا غير قادرون على تحديد سبب الظاهرة. فلو وصلنا الى ان الله منفصل عن العالم فإننا لن نستطيع ان نصل لماذا هو منفصل عن العالم ولا طبيعة السبب الذي يجعله منفصل عن العالم. فكل تفسير سوف يحتوي ضمنا سرا جديدا ( س تقود الى ب و ب تقود الى ج ) ولكن لماذا تقود ( س الى ب ) لو فسر انه بسبب وجود س1 بين س وب فاننا بحاجة الى معرفة لماذا تقود س الى س1 ولو فرضنا وجود س2 في الطريق فهذا سيتطلب تفسيرا جديدا وهكذا. نظرية السببية نفاها كانط كأساس لمعرفة العالم وقال انها ممكنة لتفسير الاجزاء ولكنها عاجزة عن تفسير الكل. وهذا لما سبق شرحه صحيح. عليه نحن امام احتمالات في طبيعة وجود الله ولسنا امام يقين قطعي. سوف افترض لسهولة الشرح وجود الله ومنه انتقل تجاوزا الى طبيعة هذا الوجود. هل الله هو ماتقول عنه الاديان؟. مع انه من الصعب ان نجعل اصحاب الدين الواحد متفقون على ماهية واحدة حتى تجعل الاديان على اختلافها متفقة على تلك الماهية, الا انني سافترض للتسهيل وجود اتفاق فرضي بين الاديان جميعا بمذاهبها على تلك الماهية, واعود للسؤال : هل الله هو ما تفترضه الاديان؟. ام انه وجود اخر مغاير لتلك الفرضية؟. انطلاقا من اقرار فكرة الوجود المنفصل تنطلق فكرة الغيبيات بكليتها, من الجنة والنار وعذاب القبر ... الخ. لانه ان لم يكن الله منفصلا عن العالم فإنه لا انبياء ولا اتصالات خاصة مع البشر, وتاليا لا اديان ولا غيبيات, وسر العالم كائن فيه. هذا التذكير فقط لمن ابعد طول السطور ذهنه عن القضية الاصلية. منه فإن وجود الله هو فَرَضٌ وامكان وليس مطلق بالمحسوس. اي ان الاستدلال عليه قام من تفسير الاثر كما قالت الاية التي قدمت فيها هذه السطور. فإنفصال الله عن العالم وفقا لقواعد العقل القطعي هو ممكن وليس مطلق. فما لدينا من حقيقة مطلقة هو وجود العالم لاننا نراه, اما الله فإننا نستدل على احتمالات منها انه منفصل على العالم, فهذا الانفصال هو امكان. والغيبيات بدورها, ان صح الانفصال, هي محض احتمالات, قد تكون وقد لا تكون, لانه ما من دليل اساسا على ان لله هو منفصل بالكينونة التي قالت بها الاديان, حتى حين يقوم لنا الدليل على انفصاله. فهي ممكنة ان صح الممكن الاول . اي انها ممكنة معلولة على ممكن سابق, وهذا الوجود هو ضعف مركب على ضعف لا يقبله العقل القطعي, ومع ذلك سأفترض وجودها وفقا لما صورته الاديان. هنا ومرة اخرى سأتجاوز عن ضعف اخر امام قواعد العقل القطعي تقع فيه الاديان واناقش فرضية وجود الغيبيات انطلاقا من حتمية وجودها, فرضا, وصولا الى نفيها جدلا, مذكرا ان الاديان اعتمدت الجدل وسيلة للتصديق كما في الاية السابقة.
كلنا نعرف ان الحديث القدسي يقع في الشرع الاسلامي من حيث الاثر موقع القرآن, فهو قطعي الدلالة. وكلنا لاشك يعرف الحديث القدسي : لقد تقت ان اعرف فخلقت الخلق كي يعرفون. هنا لاعبرة للحرفية لانني سأناقش المعنى والصورة. اذن الله كان موجود قبل العالم, وهو مايزال موجود مع العالم, وسيظل موجودا بعد العالم. نحن هنا امام ثلاث حالات, ايها اخترنا لنصف الله فيها انه كان بصفة بالكمال المطلق نكون بقولنا قد قلنا ضمنا انه لم يكن بالكمال المطلق في الحاليين الاخريين. وهذا يناقض احد اعتى ركائز الايمان, ان الله مطلق الكمال بلا تغير. سيقول قائل سفسطائي ان الله كامل في الحالات الثلاث. هنا الجواب : ولكنك تقول انها حالات اي انها غير متطابقة, فايها يعلو على ايها؟. وان بسطتها على مستو واحد فايها يمينا وايها يسارا؟. وتاليا ايها اكرم على ايها؟. لنعود الى نفس التفسير السابق ان تغير الحال من نقص الكمال. وهذا مناف لما نفترضه في الله من كمال مطلق. ولا تنسو كلمة خلق السموات والارض في ستة ايام ثم استوى على العرش. هنا لن افتح جدلا في كلمة " استوى " وما تعنيه من حال سابق لم يكن فيه استواء, فما لدينا من التباس كاف بذاته.
سأنتقل الآن الى الجانب النفسي من التوصيف الذي يقدمه الحديث السابق. لقد تقت ان اعرف. السنا امام حال متبدل. هو كان في هدوء نفسي فخالجه لاحقا شعور قال فيه انه توق فاستجاب الى هذا الشعور بالتبرير, الا وهو خلق العالم ليحقق النتيجة بان يعرف ؟. هذا تبدل في الحال! وتبدل الحال نقص في الكمال, لاننا بحاجة لان نعرف اي الحالين كان الكمال المطلق. وعندها نصف الحال الآخر بانه الاقل كمالا.
جانب اخر. ان الله مستغن عن العالمين. كلكم يعرف هذه الجملة. ولكن الحديث السابق بكل مافيه من قطعية واجماع للمصادر على توثيقه يقول عكس ذلك. هو يقول اننا كخلق نحقق لله حاجة, ونشبع فيه التوق. لقد خلقنا ليعرف, فنحن طريقه لاستدلاله لذاته وهو بدون خلقنا لا يعرف. هذا مايقال عنه في علم الاجتماع الانحن والهم. اي بطريقة ما نحن علة ليس لوجوده بل لبعض صفاته. والقول بان الله معلول لاخر قول بنقص الكمال. فالله علة ذاته.
وهناك اشكالية اخرى يطرحها هذا الحديث. ان الله كان قادرا على الايجاد وهو بدون عالم, محركه النفسي للايجاد وهو التوق, وسنتغاضى عن هذا السبب وما يفترضه من ضعف في الذات الالهية, لنصل الى نتيجة اخرى, الا وهي لماذا اذن سوف يفني الله العالم ان كان يحقق له حاجة اشباع التوق؟. لماذا يعيد نفسه الى الحرمان الذي ابتدأ به؟. وهل تلك الحاجة مؤقتة؟. اذن ما هي علة نشوئها غانيك عن علة زمنيتها؟. غانيك عن ان الاساس الديني يقول ان الله هو خارج الزمن, وكلنا يعرف أن الحركة تولد الزمن وما نراه من تسلسل للاحداث في الحديث يجعل الله داخل الزمن لاخارجه. الامر برمته بالنسبة لي هو اسقاط انساني للذات على الله. فالتوق, والتغير, وباقي دلالات الحديث, هي من طبيعة الانسان وليست من طبيعة الكمال المطلق, لذا اجدني مضطرا الى نفيها, ان كنت سوف اقبل ان الذات الاولى البادئة المحركة هي ذات تتصف بالكمال المطلق.
الخروج من هذا التناقض الذي بين ايدينا هو في مقولة ارسطو : ان البادىء الاول للعالم غير متقدم عليه تقدما زمنيا ولكن اسبقيته كاسبقية المقدمة للنتيجة في الاستدلال المنطقي.
هنا ومرة ثالثة سوف اتغاضى عن كل الضعف السابق واعود الى افتراض صحة الدعوة الدينية واناقش وجود الغيبيات انطلاقا من الكمال الالهي المطلق متناسيا كل ما سبق, مسلما بلا ضعف المتون سابقة.
دعوني في هذه المرحلة الجديدة من النقاش انقل الجمل الى صياغات محددة تسهيلا للاستمرار. فنحن نناقش الجنة والنار كرمزين للغيبيات عموما. وما نناقشه هو :
هل الموجود الغيبي هو عصي عن الادراك كما قالت الاديان؟. ام انه قابل للادراك؟. اي هل ما قالته الاديان ان عقلنا غير قادر على ادراك الجنة والنار صحيح, ولذا اكتفت بالتصورات الاولية عنهما ؟. ام أن هذا بدوره قابل للنقض كما النقاط السابقة ؟. اصطلاحا سوف اطلق اسم الفرض الغيبي على الغيبيات .
عدم المعرفة لها سببين لا ثالث لهما.
الاول- نقص الوسائل المتسخدمة في تراكم المعرفة لحظة او استمرارا.
الثاني- هو عجز القعل بذاته عن فهم الموضوع.
أما القول بالسبب الثالث الا وهو ممانعة الشي بذاته فهي اعادة صياغة للسبب الثاني اي عجز العقل وللقارىء ان يختار اي الصياغتين فالاستدلال للنفي واحد.
في الحالة الاولى سوف افترض أن ماسة ما في كوكب ما وهي مجهولة لنا . الا انه علينا ان نقر ان الماسة بذاتها ليست مجهولة, وان مكان الكوكب ايضا ليس موضوع يمتنع عقلنا عن ادراكه, وان موقع الماسة على الكوكب ليس بعائق بذاته. لاننا إن كنا قد بدأنا مشوارنا العملي للحضارة قبل بضعة الآف من السنين فإن زمنا كافيا يمكننا من مراكمة كم من المعارف بما يهيء لنا الوسائل اللازمة لبلوغ الكوكب ومسحه والعثور على الماسة او الجسم الغريب وتحليله. الامر مرتبط ببعد الكوكب وتقنيات الوصول . ولكن الماسة او المعدن, والكوكب ومكانه, جمعها مواضيع ليست خارج نطاق عقلنا. لذا فان افتراض ان تكون الغيبيات هي مجهول في مكان بعيد, وان هذا ما يقف عائقا امام ادرراكنا لها هو ساقط هنا.
الاحتمال الثاني: ان العقل بذاته له ممانعة في ادراك الغيبيات او لمن يشاء ان الغيبيات بذاته تخلق ممانعة لادراكها. في كلا الصياغتين نحن امام حالة معرفة لموجود, ولسنا امام مجهول مطلق. من اين تنشأ المعرفة؟. لكي نعرف الشيء لابد اولاً الا يكون مجهولا, لان المجهول وكوننا لا نعرفه لايثير فينا السؤال لكي نعرفه. فلو قلت الموندرينجينتاو. هي فقط الحروف ولكن لا دلالة اخرى لدينا غير انها الحروف. فإنني لا انفي شكلا من اشكال المعرفة بذلك فالحروف بذاتها بعض المعرفة. لأننا وفي اضعف الايمان قد عرفنا اسم الموندرينجينتاو ووضعنا لو رسم بين الكلمات يختلف عن باقي كلمات الصفحة؟. اذن لكي لا نعرف الشيء بالمطلق يجب الا نعرف عن وجوده اصلا, بغض النظر ان تكون معرفتنا عنه صحيحة او خاطئة, ولكن مادمنا قد عرفنا عنه ولو قليلا فهو معرفة وليس لا معرفة. المعرفة هذه لها ثلاث عناصر : الاول: الحد كسلب وايجاد.
الثاني: التصور كمحرك للعقل في السؤال.
الثالث: الاحتمالات كتراكم تجريبي للنفي أوالاثبات.
اولا- الحد وهو وفقا لتعريف ايسبينوزا: سلب للشيء من المحيط اي حدٌ له وايجاد. اي لو وقفت على قمة جبل ونظرت اسفلا تجاه البحر فانني سوف ارى جبلا, ثم شاطىء, وبعدها بحر, وهذا حدود ما ارى. ما جعلني اميز الجبل عن الشاطىء هو وجود حد فاصل, هذا الحد هو ما سلب الشاطىء من الجبل وأوجده. والا لكان الجبل والبحر واحد. وما جعلني اميز البحر عن الشاطىء هو وجود حد فاصل بينهما والا لكنت اقف وسط البحر. اذن وجود الشيء مرتبط بحده والحد هو السلب والايجاد. هل الغيبيات هي امر واحد ام انها امور؟. اي هل الجنة والنار غرفة واحدة ام مواقع جغرافيا مختلفة؟. لنراجع ما لدينا من تصورات, وأنتم مقرون ان ما نقل إليكم هو اليقين المطلق, فلا نقبل من حيث المبدا ان الوحي ابغلكم خطأ, او عامدا بتضليل. في الغيبيات لدينا, ووفقا لنقل الوحي, سراط تحته واد نسير عليه, فمنا من يسقط ومنا من يصل الى الطرف المقابل, وهناك بعد السراط وقفة لنا للجنة باب عليه يساق اليها غيري, فأنا ولاشك بعد سطوري هذه ساقط في ذاك الوادي لامحال.
ماذا نلاحظ؟. هناك حدود تفصل الجنة عن النار. وفي الجنة هناك حدود تفصل الاشياء داخلها عن بعضها. اي نهر, وشجر, وثمر, وحور, وغلمان, والحدود بما تسلب به الشيء عن محيطه تقيم اول ركائز المعرفة.
ثانيا – التصورات, بغض النظر عن صحتها من عدمها فهي مؤشرات للعقل ليستدل بها. وهنا نحن اتفقنا على ان الوحي ينقل الخبر الصادق اي ان مالدينا من تصورات هو عين اليقين مما يجعل العنصر الثاني للمعرفة ليس فقط قائم ولكنه قائم على يقين.
ثالثا – الاحتمالات, عن ماهية الموجود الغيبي, اي تراكم التجربة والمعرفة. ولان تصوراتنا, وان تكن محدودة, عن الموجود الغيبي الا انها حقيقة مطلقة وفقا للرواية الدينية. فان تراكم الاحتمالات في النفي والاثبات صار اسهل واسرع وبالتالي احد اسس العطالة قد سقط.
لقد حددنا البحر, وشكلنا عنه تصورات, وصرنا نخوض في الاحتمالات. فاقترب منه وألمس الماء لاجد انه ليس بحار ولا بارد, وهذه تجربة توضح المعرفة فتنفي او تثبت احد الاحتمالات, مع انه من الممكن ان الانسان وقف مئات السنين يخاف من الاقتراب من البحر معتقدا انه قد يبتلعه الى داخله ان هو فعل, خصوصا ان كان يعيش قرب منطقة صخرية موج بحرها عالٍ. وفي مرة اخرى ارشف منه رشفة فاجد انه مالح فتعطينا التجربة نفيا او تأكيدا لاحد الاحتمالات. وفي مرة ثالثة اخوض فيه ولو قليلا فاجد اني لا اطفو عليه وادرك انه لايحمل جسمي كما الارض, وهذه تجربة نؤكد او ننفي احد الاحتمالات. وفي مرة اسبح فيه, وفي اخرى اذهب بعيدا, وفي اخرى ثالثة اطفو على خشبة واصل الى ما يجعلني ارى ما في اعماقه ولو لامتار. وهكذا, وفي كل مرة انا اثبت وانفي, ولكن الحقائق تكتمل عندي لان الاساس في نشوء المعرفة قد توافر. الا وهو: 1- السلب بالحد. 2-التصور لتنشيط الفكر. 3- الاحتمالات بمعاجلة المعطيات. وباكتمال عناصر المعرفة الثلاث يكون الموجود الغيبي بذاته غير معجز لادراكنا وان هي الا التجارب وتراكمها لندركه ادراكا كليا اسوة بكل المعلومات الاخرى لدينا. هنا يحق لنا ان نسأل : مادامت الموجودات الغيبية بذاتها غير عصية على الفهم, كما تم اثباته, ففيما اخفت الاديان امرها؟.
نحن هنا امام احتمالات :
الاول : ان الاديان نفسها لا علم لها بمكانها او ماهيتها.
الثاني : أن الاديان تعرف بامرها ولكنها تعرف انها غير عصية على ادراكنا وهي قالت انها عصية كي تعيقنا عن التفكير بها والوصول اليها.
الثالث : ان الأديان تعرف بامرها ولكنها تعتقد صدقا انها عصية على ادراكنا.
الثالث : أنها معلومة كموضوع للاديان ولكن مجهولة المكان, وهذا يجعلها كقطعة الماس, طريقنا للوصول اليها مرتبط بالوسائل لا بالممانعة العقلية.
رابعا : هي كوكب الجوزانتيك, او انفاس الارنب المسكين, وشبه لكم, ولم تصلبوه, ولم تقتلوه.
في كل الاحوال السابقة نحن امام اشكالية في تصديق فرضية الموجود الغيبي. فالشاهد المجرح, اي الناقل غير الامين اوالدقيق للشهادة, هو ساقط الشهادة بالمجمل ولا تقبل منه اجزاء من الشهادة. هذه قاعدة قانونية يؤسس عليها العدالة.
اختم النقاش استنادا الى قواعد العقل القطعي بمقولة هيغل : الجهل الكامل بالشيء يعني عدم معرفتنا الكاملة به وذلك يعني حتى عجزنا عن معرفة جهلنا به, اما غير ذلك فهو من المعارف التي يمكن انمائها.
وهنا اود ان اسجل راي الشخصي بعيدا عن النقاش الفلسفي. بالنسبة لي الله موجود, ولكنه ليس على الصورة التي تقول بها الاديان, بل هو مطلق الكمال, يضع القوانين الدائمة, وكماله لا يتطلب اعادة برمجة او ادخالات جديدة للتشغيل. وجوده الفيزيائي ينافي قواعد العقل القطعي التي استدللنا بها, ولكنني اتحدث هنا عن فرديتي والنقاش السابق قد ختم. ربما كانت هذه القناعة من مخلفات الفكر الديني الذي لايزال في مساحة مني راسبا يلبس علي المنطق, وربما كان هذا الاعتقاد ناجم عن السؤال المحرك للبحث عن الحقيقة المطلقة. لست امتلك الاجابة. لكنني بهذا العرض احدد اللحظة التي انا فيها لا اكثر ولا اقل. اما قواعد العدالة التي يرى البعض عبثية في الا تتحقق فهي بدورها, و بذاتها, كلية. ونابعة من منظور اخر غير المنظور الانساني الذي يجعل من ذاته شيئا منفصلا عن الطبيعة والكائنات. هناك عائلة تتناول طعام العشاء, تسقط قطعة خبز يركلها صغير بقدمة تذهب تحت المقعد بعيدا فلا تراها لاحقا سيدة البيت حين تنظف. ان هي حركت المقعد وجدتها وشفطها خرطوم المكنسة. وان لم تفعل تراكم عليها قطر من رطوبة وعالجه هواء فشكل حياة. ان كانت العائلة قد تناولت الطعام في حديقة البيت فمصير تلك القطعة ان يتلقفها عصفور فلا تنشىء عليها حياة. وقد يقول قائل ان الله يرسل ملاكا ليحمي الخبزة حتى تنتج حياة, ولكنه بذلك يقر ان قرار سيدة البيت في موقع تناول الطعام حدد خيار الله وقراره, وهذا ضعف. الاساس ان الله خلق القوانين حيث عدد لا نهائي من الخبز يسقط وعدد منه بفعل حراك الكائنات يلتقط بين لقمة للعصفور او شفط من خرطوم المكنسة ويبقى هناك فائض في الاحتمالات لخلق حياة جديدة على عدد كافي من كسرات الخبز على ارجاء المعموة. هذه هي قوانين الديمومة. الله لا يتدخل في قطعة الخبز ولكن لا تقوم الحياة الا بقطعة الخبز. انه القوانين الكاملة. وهذا ماقاله ابن سينا : ان الله يدرك الجزئيات على نحو كلي. لا يعني هذا ان الله غير قادر على ان يعرف بقطعة الخبز او انه غير قادر على ان يغير مصيرها . ولكن الجواب يكمن في سؤال ابن رشد لابو حامد الغزالي الذي قال ان الله قادرعلى ان يجعل الطاولة حمار فقال له ابن رشد : ولكن لما سيجعلها الله حمارا؟. ان احساسنا الداخلي بالتفوق ورغبتنا بعدم الفناء هما ما جعلانا ننظر الى انفسنا بشيء من الاختلاف عن الطبيعة ونتفرض ان لنا دونا عن باقي الكائنات قوانين خاصة. الاسود والنمور والغزلان والخراف والدجاج. كلها تعيش هناك. كلها تتصارع وتسلب بعضها البعض اشياءها. لنا عقل يفكر اعمق من عقول معظمها, وليس كلها, فما من دليل قطعي لدينا على ذلك. الحضارة التي نعتقد انها نتيجة لعقلنا فقط هي في الحقيقة نتيجة لسبب اخر معه الا هو تكويننا الجسماني. نحن لدينا ودونا عن مخلوقات كثيرة يدان حرتان. واصابع تتمكن من دقة التشكيل. ولدينا دونا عن باقي المخلوقات القدرة على الانتصاب التامو مما يعني انتاجية اخرى واكثر كفاءة في العمل. ولكن هل يمكن لاحدكم ان يجزم ان النمل لا يفكر ولا يتخذ وفقا لما لديه من تكوين جسماني مع هو اشد من حضارتنا؟. اي هل لو جعنا عقل النملة في جسم الانسان كان سوف ينتج حضارة اقل او افضل من حضارتنا؟. حتى الاديان لها اعجابها بالنمل وفي القرآن حوارية بين النمل عن رجال سليمان. لقد عشنا كجزء من الطبيعة ملايين السنين فقط في بضع آلاف منها فصلنا أنفسنا عنها. وبناء على ذلك الفصل الذي الإفتراضي, والذي لعبت الديان دورا رئيسيا فيه, حاولنا, بكل ما اعطينا من حيلة وخداع, ان نراوغ انفسنا لنعيد تشكيل الله بما يتطلبه هذا القرار التاريخي الذي اتخذناه. هنا لا ادعو الى هجر الحضارة بل الى مزاوجتها مع الطبيعية عبر مراجعة شاملة لكل ما هو قائم على فرضية أنفاس الارنب. ومراجعة الرغبة المريضة التي تحركنا نحو الخلود, ولو بمعطيات كاذبة, من اجل الهروب من حقيقة الفناء. الجنة والنار غير موجودتين, هذا اعلان صريح يفترضه العقل, هما مفاهيم نظرية كما قال ابن سينا. وتاليا, ليستا الالية الوحيدة لتحقيق العدالة, بل انهما الشكل الذي نريد للعدالة. كما ولست, كما ولستم, ملزمين بتقديم الاجابة عن آلية العدالة, لسبب بسيط : لانها ليست من اختصاصنا. انها بالضرورة شأن اخر من شأن القوانيين الحتمية المحركة للكون, غير القابلة للمراجعة او التدقيق, ولكن لا نفي لانها غير قابلة للادراك مع تراكم المعارف . رفعت الاقلام وجفت الصحف. وهنا علينا ان نخلص من كل هذا الى ما يفيد حياتنا, فليس الغرض ان ندفع طرفا ما الى القاء اعتقاده. هناك متدينون في كل الاديان, شأنهم, هناك مؤمنون لا يؤمنون بالاديان, شأنهم, هناك نافين للدين والايمان, شأنهم. نحن ملايين نعيش في بلد واحد. بيننا كل هؤلاء. بيننا المتباينون في الاديان والمتباينون في الدين الواحد والمتباينون في الايمان والمتباينون في رؤيا الكون. التناحر لا يحل القضية, وان كانت الاديان قدر كررت مرارات نظرية النصر الساحق, ان بالفعل العسكري او بالظاهرة الطبيعية. ولكننا جميعا نعرف ان حتى طوفان الله ما كان لينهي الاختلاف. وحين عادت الناس الى حياتها عادت الى اختلافها. عليه, ما يجب ان يجمعنا هو توافق قانوني على ادراة شؤوننا بعيدا عن سلب اي طرف ما هو حق له. فلا يقوم القانون على الاسلام ولا اي من الاديان. ولا يقوم القانون على تجاهل الاسلام وباقي الاديان. ولكن يقوم على مصلحة الفرد في الوطن بما يخدم رفاهه وسعة عيشه. المعابد لمن يريد ان يصل والحانات لمن يشتاق كأبى نؤاس. انها العلمانية الحل الوحيد لاعادة تفعيل كل طاقات المجتمع بدلا من استمرار استهلاكه في الصراعات المستمرة من مئات السنين. فلا طرف انتصر ولا تطور في الحياة حصل. العلمانية هي الحل.
تمت


هامش : تصور لنظرية التطور بمزاوجتها مع الخلق
نص مداخلة سابقة على قضية الجنة والنار
الله خلق الكون بمصدره الاولي البسيط, ولكن ضمن قوانين الديمومة. المركبات الاولية تفاعلت مرارا ومرارا وفي كل مرة يؤدي التفاعل الى انتاج مادة جديدة وهكذا تواليك الى ان قامت الخلية الاولى والقطرة الاولى وحبة التراب الاولى.النتائج الجديدة الثلاث تلك تفاعلت فيما بينها لتعيد انتاج اشكال جديدة, وهكذا, وعبر مليارات السنين, الى ان وصلنا الى ما نحن عليه من تنوع الكائنات
.الا يجعل هذا, الله خالقا, وفي نفس الوقت نظرية التطور صحيحية ولو جزئيا؟.
اي طريق سوف تستخدمها لنفي هذه النظرية سوف اسقط أسسها على نظريتك عن الخلق من تراب وباقي التصورات التمثيلية التي جاءت بها الاديان. انا لادليل عندي سوى احساسي بوجود خالق, هذا الاحساس امزجه مع الظواهر الطبيعية المحسوسة والإكتشافات العلمية المثبتة, لاصل الى نظريتي. وانت لا دليل عندك سوى احساسك الداخلي وعجزك عن التفاعل مع الظواهر الطبيعة والإكتشافات العلمية سوى بالعجز. في المحصلة نظريتي اقرب الى العلمية والربانية من نظريتك الاستسلامية الى الغيبيات.
ومع ذلك ما اقوله مجرد نظرية ولكنها تنزه الله عن السياسة والتقلبات المزاجية وانقاص الكمال الذي تورطه به من حيث لا تدري, فهو وضع القوانين الدائمة والصحيحة والكاملة كمالا مطلقا فلم يعد الامر يتطلب منه العودة بالمعجزات للتصحيح. وماتقوله مجرد نظرية ولكنها تجعل الله في حالة تفاعل مستمر مع مكونات هذه الحياة وامزجتهم, وهذا بحد ذاته انقاص قال فيه ابن سينا : ان الله يدرك الجزئيات ادراكا كليا.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,557,774,300
- قصة الشيطان : سطور في الأيزدية
- الصوفية لماذا وكيف
- رؤيا ليبرالية في الاخلاق وتطور المجتمعات
- البابا إعتذر لكم فمن يعتذر لنا
- الصيرورة الليبرالية - قراءة للوقائع في ذكرى رحيل هيجل
- الاكراد والقيم الاثنية وطريق الشمولية


المزيد.....


- المجتمع بحاجة الى حركة علمانية ملحدة وليس الى دين اخر / توما حميد
- لا تاريخية مفهوم الجهاد المعاصر وإسقاطاته على واقع مغاير1 / رياض الصيداوي
- مطالب الإصلاح ورد الفعل –4 / سامي المصري
- الفروق الذكية بين عبادة السلف والسلفية / سالار الناصري
- الإسلام بين التفخيخ والتفخيذ (2) / عبدالخالق حسين
- المادة الثانية من الدستور-لن يتنازل ملايين الاقباط عن طلب از ... / جاك عطاللة
- الدستور و لعبة شد الحبل بين المسلمين و المسيحيين ..... لمّا ... / أسعد أسعد
- 2علاقة اشتباك - السياسي .. الأيديولوجي .. الديني - بين التوف ... / أمل فؤاد عبيد
- لماذا يعتنق الألمان الدين الإسلامي؟ / محمد نبيل
- الحرب النفسية غسيل مخ 5 / عادل ندا


المزيد.....

- «المؤتمر» يستنكر دعوة الإخوان لقادة حماس لسحب بيان شكرهم لـ« ...
- منظمة الهجرة الدولية: 850 ألف نازح عن العراق بسبب تقدم الدول ...
- محاسن حسن البنا التي ينكرها الإخوان
- باحث مصري: الإخوان تمر بالمرحلة الأصعب منذ نشأتها
- بان يندد بمجازر الدولة الاسلامية بحق المدنين في شمال العراق ...
- مستقبل واعد للمصرفية الإسلامية في السعودية
- مسيحيو العراق بانتظار مصير مجهول بعد تهجيرهم من مناطق الموصل ...
- أحزاب: رفض «التحالف» مع «النور» لاختلاف الأفكار والأيديولوجي ...
- وزير الأوقاف يطالب بتطهير جامعة الأزهر من الإخوان قبل الدراس ...
- موجز أخبارالتوك شو.. قائد الحرس يكشف سر حكم مرسي..ومخيونيتحد ...


المزيد.....

- علاقة الدين بالسياسة في الفكر اليهودي / عزالدين عناية
- القرآن وكَتَبَتُه(1) / ناصر بن رجب
- محمد يتوه بين القرى / كامل النجار
- مقدمة في تاريخ الحركة الجهادية في سورية / سمير الحمادي
- ريجيس دوبري : التفكير في الديني / الحسن علاج
- الدين والثقافة .. جدل العلاقة والمصير / سلمى بلحاج مبروك
- رسائل في التجديد والتنوير - سامح عسكر / سامح عسكر
- مالك بارودي - محمّد بن آمنة، رسول الشّياطين: وحي إلهي أم شيط ... / مالك بارودي
- أصول أساطير الإسلام من الهاجادة والأبوكريفا اليهودية / لؤي عشري وابن المقفع
- أصول أساطير الإسلام من الأبوكريفا المسيحية والهرطقات / لؤي عشري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسام مطلق - هل الله موجود؟. سؤال في مساحة حرة