أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الحوار المتمدن - الكتاب الشهري 2007 شباط : مستلزمات بناء مجتمع مدني علماني ديمقراطي في العراق - سعيد لحدو - الأقليات الصغيرة في عراق ما بعد صدام والبعث -الكلدان الآشوريون السريان نموذجاً















المزيد.....

الأقليات الصغيرة في عراق ما بعد صدام والبعث -الكلدان الآشوريون السريان نموذجاً


سعيد لحدو
الحوار المتمدن-العدد: 1831 - 2007 / 2 / 19 - 12:23
المحور: الحوار المتمدن - الكتاب الشهري 2007 شباط : مستلزمات بناء مجتمع مدني علماني ديمقراطي في العراق
    


منذ تأسيس دولة العراق في عام 1921 تحت زعامة الأمير فيصل ابن الشريف حسين والذي توج ملكاً على العراق برزت تحديات حقيقية في وجه الدولة الناشئة في ظل الانتداب البريطاني. حيث كان لمخلفات الجيش العثماني المهزوم من الضباط السنة تحديداً النصيب الأكبر من السلطة والامتيازات. ولأن سكان العراق لم يكونوا سنة وحسب بل مجموعة من الإثنيات التي تعايشت بصورة أو بأخرى مع الإمبراطورية العثمانية مع تمتع كل مجموعة بشيء من استقلالية الإدارة فيما يتعلق بشؤونها الذاتية. هذه المجموعات, والتي تشكلت أساساً من الأكراد والكلدان السريان الآشوريين وكذلك التركمان كقوميات متميزة إلى جانب القومية العربية, إضافة إلى مجموعات دينية أخرى أضغر كاليزيدية والصابئة, ساور هذه المجموعات في ظل الواقع المستجد طموحٌ نحو شيء من الإعتراف بوجودها وشكل من أشكال الإستقلالية في إدارتها لشؤونها أفضل مما كان لها في فترة السيطرة العثمانية. وبخاصة إذا أدركنا أن هذه المجموعات قد ساهمت بشكل أساسي في قيام دولة العراق وضم لواء الموصل الغني بالبترول إليه.
لكن واقع الأمور كان يحكي مسيرة مختلفة لما كان يمليه المنطق. فقد كان للإنكليز كمؤسسين للدولة وكسلطة انتداب منظورهم الخاص لجغرافية المنطقة ومصالحها السياسية والاقتصادية في عالم تتصادم فيه مصالح وإرادات القوى العظمى, كان لهم رؤية أخرى وأولويات أخرى التقت في بعض جوانبها مع البعد الاستراتيجي للعنصر العربي مما غلبه على العناصر الأخرى. وبالتالي ظلت طموحات الآخرين مجرد أمنيات لم يتح لها أن تتحقق. وظل الإحساس بالغبن هو المسيطر.
بعد الاستقلال لم يكن الوضع على العموم أحسن حالاً. فمع انتشار الأفكار القومية في العالم أجمع والنهوض الذي شهدته الفاشية في إيطاليا والنازية في ألمانيا, ما كان للقوميات في العراق الصغيرة منها والكبيرة إلا أن تعتريها نشوة التفاخر والاعتزاز شأنها في ذلك شأن شعوب العالم الأخرى. ولما كانت السلطة والقوة بشكل أساسي متمركزة في أيدي العنصر العربي, كان التصادم أمراً محتوماً بين العرب والفئات الأخرى كلما كانت الظروف مواتية. وهذا ما شاهدناه واستمر حتى آخر يوم من حكم صدام والبعث للعراق.

سياسة التعريب:
كما هو معلوم فقد ارتكزت نظرية حزب البعث العربي الاشتراكي منذ تأسيسه في سورية عام 1947 وكما يدل اسمه, على دعامتين أساسيتين: العروبة والاشتراكية. ومنذ نجاحه في السيطرة عاى الحكم في كل من سورية والعراق في الستينات من القرن الماضي, بدا أن الرافعة الأساسية لحركة ونشاط حزب البعث في الأوساط الشعبية في كلا البلدين هي الصراخ بأعلى ما يمكن لتأكيد نهجه في العروبة والاشتراكية. ولكن سرعان ماخضعت الاشتراكية لسياسة التطبيق البراغماتي لدى جناحي الحزب في كل من سوريا والعراق (رغم الشقاق وروح العداء القوية التي حكمت العلاقة بينهما) إلى درجة أن الاشتراكية في السنوات التالية لم يعد لها ذكر إلا في اسم الحزب وفي دفاتره القديمة التي لم يعد لأحد الرغبة في الاطلاع عليها أو قراءتها.
في الوقت ذاته كان التركيز يقوى ويشتد على مقولة العروبة وذلك لسببين:
الأول هو التأكيد والتجسيد العملي لمبدأ نظري أنشئ على أساسه حزب البعث.
والثاني كان أكثر منه سياسة براغماتية مما هو مبدأ نظري. حيث أن المتاجرة والمزاودة بالشعارات القومية الكبيرة قد بدأ سباقها, وكان ذلك سمة المرحلة لمعظم الحكام العرب منذ أواخر الستينات وما زالت. إذ كان الهدف من ذلك تخدير الجماهير وإفقادها الإحساس فيما يخص حياتها المعيشية اليومية التي لم تكن تحسد عليها, من جانب, وتهييجاً لها من جانب آخر فيما يتعلق بالصراع الأكبر ضد ما اصطلح على تسميته (الإستعمار والصهيونية) ورمي كل سلبيات النظم الديكتاتورية وإخفاقاتها على ذلك العدو المتضخم تحت شعار: (كل شيء للمعركة) بتكريس كل طاقات المجتمع لمعركة التحرير الكبرى التي لم تأتِ قط. في حين أن كل تلك الطاقات كانت في واقع الأمر مكرسة لخدمة هؤلاء الحكام وعائلاتهم.
من هذا المنطلق فقد أصبحت أهداف هذا الحزب (وحدة, حرية, اشتراكية) مادة معروضة للبيع والشراء في سوق المتاجرة السياسية , رغم أن الوحدة فيما لو قدر لها أن تتجسد في يوم ما, لم تكن تعني بالنسبة للبعثيين سوى وحدة الشعب العربي والذي في منظور الحزب, لا شعب آخر سواه يعيش على الأرض العربية الممتدة من المحيط إلى الخليج!! وذلك على حساب الشعوب والاثنيات الأخرى التي وجدت نفسها محكومة بهذا الفكر العروبي المتزمت.
وأما الحرية فهي حرية العنصر العربي أو من اعتبر نفسه عربياً من المجموعات الأخرى, ولكن حرية فقط في التعبير عن تأييده المطلق للنظام الحاكم والقائد الرمز؟؟ في حين أن الاشتراكية باتت من مخلفات الماضي ولم تعد شعاراً يناسب المرحلة التي أصبح فيها الحكام ومريديهم من أصحاب المليارات المدفونة في البنوك الغربية. لذلك جرى تناسيها.
مع وصول هذا النوع من الحكام الجدد إلى السلطة وهم أقل بعثية, وأكثر براغماتية, حلت (الأنا) محل الوطن و (العائلة) محل الشعب. وبالطبع في ظل هكذا نظام لم يتح للقوميات الأخرى من فرص التعبير عن ذاتها إلا بالقدر الذي يخدم تطلعات (القائد) ونهجه السلطوي.
في هذا الجو المشحون بكل ما هو عروبي متزمت, وبسياسة ممنهجة لتعريب كل شيء, مستندة إلى القمع والقهر, كان وضع القوميات الأخرى غير العربية يزداد تأزماً مما جعلها في مقدمة المتشوقين إلى التغيير الذي جاء أخيراً في العراق على يد الأمريكان وحلفائهم, وبانتظار التغييرات في مناطق أخرى يظل المستقبل مفتوحاً على كل الاحتمالات.

الكلدان الآشوريون السريان في راهن العراق
◄ بعد قيام دولة العراق :
لا أحد يمكنه التنكر لأصالة هذا الشعب وتميزه الحضاري في وطنه التاريخي مابين النهرين, منذ أقدم العصور وحتى اليوم. وإذا كانت الظروف التاريخية والسياسية والدينية المختلفة قد عملت على تجزئته إلى فئات وطوائف وتسميات عدة, فإن ارتباط المصير ووحدة التطلعات لكل هذه الطوائف والتسميات توحده إلى درجة أكبر مما تتمتع به بعض شعوب المنطقة الأخرى رغم تمتعها بوحدة ظاهرة بالاسم والانتماء واختلاف وتفاوت بالتطلعات والمصير.
وإذا كان هذا الشعب قد عانى كما عانت فئات الشعب العراقي الأخرى من تبعات سياسات التجاهل والقمع والاضطهاد من الحكومات العراقية المتعاقبة, منذ تأسيس دولة العراق الحالية, لكن ما يميز معاناته عن الآخرين أنها أولاً: معاناة مزدوجة. فهو يمثل أقلية دينية وقومية في آن واحد, رغم أن كلمة أقلية فيها انتقاص من حقوقه كشعب أصيل في المنطقة, ولا تتناسب مع وضعه تماماً. وثانياً: تمتد هذه المعاناة عمقاً في التاريخ حتى العصر البيزنطي والفارسي القديم, مروراً بكل أشكال النظم والحكام التي خضعت لهم المنطقة, مع لفت الانتباه إلى قرابة ألف وخمسمائة سنة من الحكم الإسلامي لمجموعة قومية تدين بالمسيحية وتعيش في منطقة جغرافية كانت منطقة نشاط مسيحي بامتياز. بما يعنيه ذلك من تمايز بالحقوق والواجبات (إن لم نشأ استعمال كلمة تفرقة) بالمقارنة مع المجموعات القومية الأخرى التي اتخذت الإسلام ديناً لها مع ما يترتب على ذلك من امتيازات خاصة للأفراد وللمجموعة ككل.
لقد أراد منشؤوا الدولة العراقية لها أن تقطع صلتها بالإرث الذي كان متمثلاً بالدولة العثمانية. وقد استبشر الكلدان الآشوريون السريان خيراً بالدولة الناشئة, كما كان حال الآخرين. ولقد سعوا إلى نوع من اعتراف الحكومة المركزية بهم وبدورهم في تأسيس دولة العراق ومساعدتهم في ضم لواء الموصل إليها, وذلك من خلال منحهم بعض الحقوق القومية وتضمين ذلك في الدستور العراقي. لكن المفاجأة المحبطة كانت أن الرد جاء بعنف غير متوقع. وكانت المجزرة الرهيبة في بلدة سيميل في آب 1933 البرهان الأكيد على أن لا شيء تغير في أذهان وعقليات حكام العراق الجدد رغم كل المتغيرات التي حصلت من حولهم. واكتملت الصورة لمعاناة هذا الشعب في ظل حكم البعث عام 1969 عندما أردفت سيميل بمجزرة صوريا وتدمير العشرات من قراه بذريعة مقاومة الحركة الكردية المسلحة في الشمال. ولم يغير أي شيء من حقيقة المعاناة صدور قرار منح الحقوق الثقافية للناطقين بالسريانية بعد ذلك حيث ظل هذا القرار حبراً على ورق ولم يطبق إلا في حدود ضيقة جداً حيث أفرغ من مضمونه كما كان حال اتفاق آذار 1970 مع الأكراد. وقد أصبح لاحقاً بحكم الملغى.
وفي الواقع لم تكن تلك معاناة الأقليات وحدها وإنما كانت معاناة قاسية لمجمل الشعب العراقي وبكل شرائحه وقومياته والتي استمرت حتى آخر يوم من حكم صدام.
◄بعد حرب الكويت وسياسة محاصرة صدام:
بعد المغامرة الجنونية الكبيرة التي قام بها صدام باجتياح الكويت في 2 آب 1990, وهزيمته المدوية إثر التدخل العسكري للتحالف الدولي بقيادة أمريكا, أقيمت منطقة في شمال العراق تحت الحماية الدولية. وقد كانت النتيجة قيام إدارة كردية شبه مستقلة. التقط معها الكلدان الآشوريون السريان القاطنين في هذه المنطقة أنفاسهم لأول مرة منذ قرون عديدة. وحصلوا على بعض الحقوق الثقافية والسياسية وشكل من التمثيل البرلماني. وإن لم يكن كل ذلك قد لبى الحد الأدنى من طموحاتهم فقد كانت تلك خطوة متقدمة بما لا يقاس لما كان عليه الحال في السابق. فالتمثيل النيابي وإمكانية افتتاح المدارس وتدريس اللغة السريانية في بعض مدارس الإقليم, وكذلك إمكانية قيام الأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية وتأسيس وسائل إعلام مختلفة باللغة السريانية فقد اعتبرت قفزة نوعية في التاريخ الحديث لهذا الشعب رغم كل السلبيات والشوائب التي رافقت عملية التطبيق. ووفقاً لمنطق تطور الأمور لقد كان المنتظر لتعميق هذه التجربة وتجسيدها دستورياً أن تطور وتستتبع بتشريعات وقوانين واضحة تكرس هذا الحق الطبيعي بشكل نهائي وتحدد بدقة العلاقة بين المجموعات القومية المختلفة وترسم الحدود الفاصلة بين عناصرها المتنوعة. لمنع طغيان القوى المهيمنة على الساحة العراقية عسكرياً أو سياسياً أو حتى فكرياً.
رغم أنها تعتبر من حيث المبدأ تجربة رائدة وخطوة جريئة في الاتجاه الصحيح. لكن كان يجب وما زال من الضرورة بمكان استتباعها بخطوات مكملة تمنحها المصداقية وتكرس الثقة والمحبة والاحترام المتبادل بين كل القوميات التي تشكل النسيج العراقي بمختلف تلاوينه, والتي يجب أن تكون وفقها الحقوق الأساسية مصانة للجميع على قدم المساواة في الدستور كما في الواقع العملي أيضاً.
◄في عراق ما بعد صدام:
لاشك أنه بعد السقوط الدراماتيكي لنظام صدام وانهيار دولة البعث الذي أسسها مع أحمد حسن البكر, حصل زلزال حقيقي بالمعنى السياسي والاجتماعي والفكري في العراق. وإذا كان للأمريكان الدور الأهم في إحداث ذلك الزلزال فإنه بدا من التطورات اللاحقة أن تأثيرهم في توجيه النتائج التي نتجت عنه هي أقل بكثير من دورهم في إحداثه. فالعنف والإرهاب الأعمى الذي جثم على قلوب العراقيين وصدورهم بجميع شرائحهم والتي لم يبق أحد بمنأى عن شظاياه, جعل الأمور تكاد تفلت أحياناً من أيدي صانعي هذا الانقلاب الكبير أنفسهم.
والكلدان الآشوريون السريان الذين انفردوا من بين كل فئات الشعب العراقي وأحزابه الأخرى بعدم تشكيلهم ميليشيا مسلحة خاصة بهم باستثناء بعض الأفراد المسلحين لأغراض الحماية, فإنهم عانوا كغيرهم من إخوتهم العراقيين الآخرين من آثار ونتائج هذا العنف المدمر. وكانوا ضحايا لنيرانه بالقدر الذي كانه الآخرون الذين خططوا وعملوا له وشاركوا فيه. ففجرت كنائسهم وخطف وذبح أبناؤهم وهجرت العائلات من بيوتها واعتدي على محرماتهم, وأجبروا على فعل ما لا يتفق وطبيعتهم المسالمة. وقد حصل كنتيجة لكل ذلك تراجع خطير في مفهوم العيش المشترك. وصار المواطن العراقي ينظر إلى جاره العراقي من غير فئته كعدو خطر قد ينقض عليه في أية لحظه ويسلبه كل ما يعز عليه من ممتلكات وشرف وحتى حياته.
لقد تحول الناس الطيبون المسالمون في لحظة إلى ذئاب كاسرة تبحث عن فريسة بأي ثمن وبأي أسلوب. لا يردعها عن ذلك أية قيم أو معتقدات. حتى بات الترحم على أيام صدام وكل مآسي حكمه الديكتاتوري عبارة تتردد على لسان معظم العراقيين. وكأن هذا هو الهدف الذي ينشده الداعمون للإرهاب ومروجوه والعاملون لنشره على كل مساحة العراق.
وإذا كان لكل مجتهد نصيب كما يقال, فمن الطبيعي والمنطقي أن ينال المشاركون في إشاعة الإرهاب والقتل نصيبهم من غنائمه كما من مآسيه. إلا أن الكلدان السريان الآشوريين كان نصيبهم فقط المآسي دون أن يحصلوا على أي نصيب من الغنائم, ذلك لأنهم لم يشاركوا في العنف الدائر ولم يسفكوا دم أحد. ومن لا يشارك في الغزو لا حق له في الغنيمة. إنها قاعدة ثابتة كما يبدو وعرف قديم يصلح حتى لوضع عراق اليوم.
للأسف الشديد هذا هو واقع عراق ما بعد صدام حسين. وبغض النظر عن القوى والدوافع التي سعت جاهدة إلى خلق هذا الواقع المأساوي, فإن أخطر ما في هذا الأمر هو تهديم وتفخيخ العلاقة التي تربط المواطن بالمواطن الآخر, والفئة بالفئة الأخرى, والطائفة بالطائفة الأخرى, وأخيراً القومية بالقومية الأخرى. مما يحتم قيام قطيعة نهائية بين أبناء الوطن الواحد. وبالتالي استحالة العيش المشترك تحت أي ظرف وفي ظل أي قانون أو نظام حكم.
لست متشائماً بطبيعتي, ولا أريد أن أقدم صورة قاتمة لواقع يمكن أن يكون غير ذلك. لكن الوقائع والتطورات على الأرض تفرض نفسها, ونحن كلنا شهود معايشين لهذا الواقع ومعاينين لإرهاصاته اليومية, حتى صارت المفاجأة التي ينتظرها الناس بشغف هي أن يمر يوم دون أن يحصل فيه إراقة دم بريء على أرض العراق.

◄ وماذا بعد....
إذا كان للقوميات الكبرى في العراق وهم العرب والأكراد (حين يكون النزاع قومياً) وكذلك الطوائف الكبيرة شيعة وسنة (إذا تحول الصراع طائفياً) القدرة والقوة على الدفاع عن أنفسهم بأنفسهم. لا بل أكثر, استعمال القوة ضد الآخرين إذا تهددت مصالحهم وتطلب الأمر ذلك. وهم في كل الأحوال يمكنهم الاتكال على مصادر دعم ومساندة من قوى ودول أخرى إذا تهدد وجودهم بخطر حقيقي, لارتباط مصالح تلك القوى والدول بوجود هذه الفئة أو تلك. فإن السؤال الملح الآن: ما هو مصير القوميات الصغيرة في هذا الصراع الدائر دون أن تلوح في الأفق القريب ملامح تدل على قرب انتهائه؟
وما يمكننا إخراجه خارج دائرة التخوف هذه من القوميات أو المجموعات الصغيرة هم التركمان, ذلك لأنه بإمكانهم الإطمئنان إلى الدعم التركي المباشر إذا ما تعرضوا لخطر مؤكد. وتركيا منذ البدء كانت وما زالت مستعدة للدفاع عن التركمان العراقيين لأسباب قومية وتاريخية وسياسية عديدة لا مجال لتفصيلها هنا. وبالتالي يمكننا إخراج هذه الفئة العراقية أيضاً من خطر المصير المهدد.
يبقى في المحصلة إلى جانب الإيزيديين والصابئة , الكلدان الآشوريون السريان في دائرة الخطر وهم القومية الثالثة اليوم في العراق من حيث العدد والأهمية, دون أن يتوفر لهم أي غطاء من الحماية التي يمكنهم الاحتماء به. وقد استمر عددهم بالتناقص في الشرق عموماً وفي العراق على وجه الخصوص, بسبب المشاكل والحروب وظروف عدم الاستقرار التي تعيشها المنطقة ككل. هذه القومية تواجه صعوبات حقيقية في العراق اليوم تهدد وجودها واستمراريتها كشعب أصيل في وطنه التاريخي. وهذا التهديد ليس فقط ما قد يتبادر إلى الذهن بصورة تهديد مسلح ولكن أيضاً تهديد فكري ثقافي يمس جذور التراث المستمد من آلاف السنين من الحضارة والقيم والمبادئ السامية. فهذه المجموعات المهددة بتكوينها الفكري والثقافي المتميز تفقد هويتها وكيانها إذا فقدت هذا التميز.
وفي ظل أفكار التطرف الإسلامي والعنف والإرهاب المنتشرة في العراق اليوم تصبح هذه المجموعة بالتحديد على شفا خطر حقيقي ويصبح وجودها مسألة وقت ليس إلا. فمن الناحية الجغرافية هي موزعة بين مناطق عراقية مختلفة باستثناء سهل نينوى, مما يخلق صعوبة في التواصل الفعال فيما بينها ويضعف قدرتها على الدفاع الذاتي عن نفسها. ويخضعها لتأثير تجاذبات الأطراف العراقية الأخرى الأقوى والمهيمنة, مما ينعكس عليها بالضرر أكثر بكثير مما يعود عليها بالفائدة ويفقدها حرية اتخاذ قرارها الذي يبقى مسيطراً عليه من هذه الفئة أو تلك. والانتخابات النيابية الأخيرة في العراق وما تلاها خير دليل على هذا القول.
من جهة ثانية هي موزعة على طوائف وكنائس عدة مما يجعل عملية اتخاذ قرار موحد بشأن مستقبلها أحد التحديات الكبرى التي تواجه أبناءها.
هذه القومية وفي ظل الظروف الأصعب التي تعيشها في العراق اليوم, لا يمكنها في واقع الحال الاعتماد على أي دعم من أي نوع كان خارج إطارها الذاتي. ولأن قواها وإمكاناتها الذاتية غير كافية لدفع المخاطر التي تتهددها من كل جانب, لهذا فإن مسألة المحافظة عليها وحمايتها هي مسؤولية المجتمع الدولي برمته. هذا المجتمع الذي له كلمته اليوم ويستطيع أن يجد الوسائل لتجسيدها على أرض الواقع.
أقصد من ذلك أن تتضافر كل قوى الخير الآن لتحديد منطقة التجمع الأكبر لهذا الشعب وهو سهل نينوى كمنطقة آمنة تتمتع بحماية الأمم المتحدة باعتبارها جزءاً من التراث الإنساني المهدد بالاندثار. ولا يهم في هذه الحال تحت أي مسمى جاءت لكن المهم أن تتوفر فيها الظروف والإمكانات لتمكين هذا الشعب من التعبير الحر عن ذاته في إطار نسبي من الإستقلالية ضمن حدود الدولة العراقية. على أن يصار إلى تضمين ذلك في بنود دستورية واضحة ومحددة.
هذه المنطقة الآمنة المنشودة, تحت أي مسمى جاءت ستمثل الملاذ الأخير لشعب حضاري أصيل قاوم الانصهار والانقراض لآلاف السنين وما زال يقاوم. وهو مستعد ليعطي المثال الصادق والصحيح للمواطن الصالح المحب لأرضه ووطنه وللآخرين. عاملاً دائماً للمثل الإنسانية السامية والسلوك الحضاري وإبداعاته الفكرية, إذا أتيحت له الفرصة والظرف المناسب ليعبر عن نفسه وشخصيته بمفردات التحضر والمدنية بشكل يليق بأبناء القرن الحادي والعشرين.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الخيانة خيار وطني
- اغتيال- اعتقال- انتحار:أساليب حوار للنظام في سورية
- الحكام العرب والمحاكم المؤجلة- صدام مثالاً


المزيد.....




- الأمم المتحدة ترحب باجتماع رئيس جمهورية أرمينيا ونظيره الأذر ...
- انتخاب قطر لولاية ثانية بمجلس حقوق الإنسان
- تحديد الدول التي ستدخل مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في 2 ...
- عون بخصوص النازحين السوريين: لبنان غير قادر على تحمل المزيد ...
- الإعدام لرئيس تنظيم القاعدة في شمال أفريقيا...والجزائر تنتظر ...
- المنظمة المصرية تعقد حلقة نقاشية بعنوان ” لماذا نحن في حاجة ...
- محكمة جزائرية تنطق بالإعدام للمرة الثالثة على مختار بلمختار ...
- عون يدعو إلى عودة آمنة للاجئين السوريين من لبنان إلى المناطق ...
- السعودية تفتح النار على الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غ ...
- محكمة جزائرية تنطق بالإعدام للمرة الثالثة على مختار بلمختار ...


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الحوار المتمدن - الكتاب الشهري 2007 شباط : مستلزمات بناء مجتمع مدني علماني ديمقراطي في العراق - سعيد لحدو - الأقليات الصغيرة في عراق ما بعد صدام والبعث -الكلدان الآشوريون السريان نموذجاً