أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - أبواللوز عبد الحكيم - الدعاية السياسية بالمغرب















المزيد.....



الدعاية السياسية بالمغرب


أبواللوز عبد الحكيم
الحوار المتمدن-العدد: 1798 - 2007 / 1 / 17 - 08:46
المحور: الصحافة والاعلام
    


الدعاية السياسية في المغرب
دراسة للفعل الدعائي كما مارسته الأحزاب السياسية
في الانتخابات التشريعية ل 27 شتنبر 2002
• ذ.عبد الحكيــم أبو اللـــوز

تقديــــم:
أفرزت المساهمات النظرية في موضوع الدعاية السياسية نظريتين هامتين حاولتا تفسير العناصر التي تساهم بشكل أكثر فعالية في نجاح الفعل الدعائي في تعبئة الجمهور وكسب تأييد الرأي العام.

تستمد النظرية الأولى أسسها من علم النفس الاجتماعي ، ومضمونها أن هناك العديد من المكونات اللاشعورية واللاعقلانية التي توجه رغبات الإنسان، وأن على العمل الدعائي أن ينتبه إلى هذه المكونات والتركيز عليها ومحاولة الاستجابة لها بواسطة ا لوسائل الأكثر نفاذا إلى هذه البنية، بما يعني الضرب على وثر القناعات والاعتقادات التي تستنبطها الجماعة هدف الدعاية .

يؤدي نقل هذه النظرية إلى حقل علم السياسة، إلى العناية بالإيديولوجية باعتبارها الآلية الأكثر قدرة على النفاذ إلى البنية اللاشعورية، وفي الزمن الانتخابي، تهذف التحاليل إلى التركيز على الوسائل التي يقوم من خلالها الفاعلون بعرض منتجاتهم الإيديولوجية،


وهي في الأساس البرامج الانتخابية التي تروج للأفكار والمذاهب، ويرجى من خلالها استمالة عواطف الهيئة الناخبة وكسب أكبر عدد من الأصوات.
في المقابل، تنطلق النظرية الثانية من مقولة العقلانية الفعل la rationalité de l’acteur، فبدون إنكار الإيديولوجيا في كل نشاط يستهدف التعبئة الجماعية، ترى هذه النظرية أن الأفراد ليسو فقط مؤمنين بأهداف وغايات محددة، ولكنهم أصحاب أهداف مادية محددة وعندما ينخرطون في عمل جماعي أو حركة اجتماعية فإنهم يعتبرون ذلك فرصة للحصول على موارد مادية ورمزية .

لذلك يجب على الفعل الدعائي، من منطلق هذه النظرية، أن يأخذ ذلك بعين الاعتبار ويضع في ضوئه ذلك استراتيجيات ملائمة، فعوض التركيز على الإيديولوجيا يجب الإتمام بالطريقة التي تدار بها الحملة الانتخابية، وأساليب الدعاية التي يحاول من خلالها المرشحون إبراز قدراتهم على الاستجابة لمطالب الناخبين.

إن الرغبة في الاستفادة من مساهمة كلا النظريتين في مقاربة موضوع الدعاية السياسية التي صاحبت الانتخابات التشريعية التي جرت في 27 شتنبر 2002 تدفعنا إلى تقديم فرضية محددة وهي كالتالي:
إن نجاح الفعل الدعائي الذي تمارسه الأحزاب السياسية أثناء الزمن الانتخابي يفترض عنايتها بعنصرين أساسيتين:

- بالرسالة موضوع الدعاية، بحيث يجب أن تكون مبنية على معرفة وثيقة بحاجة المستهلكين لها، من حيث ترجمة توجهاتهم الإيديولوجية أو الاستجابة لتطلعاتهم الآنية.
- بحسن استعمال القنوات التي تبث عبرها هذه الرسالة، حتى تستطيع ضمان وصول مضمونها بالشكل يضمن الفعالية المطلوبة لعملية التعبئة.
يتطلب اختيار هذه الفرضية من ناحية أولى ، دراسة البرامج الانتخابية التي تقدمت بها الأحزاب السياسية، فمن خلال المحاور التي تضمنتها هذه البرامج ونسبة الاهتمام بكل محور على حدة، يمكن التعرف على كيفية تعامل الأحزاب مع الهيئة الناخبة، هل كجمهور يتعين إشباع غرائزه اللاواعية في أغلبها بواسطة الإيديولوج؟ أم كفاعل عقلاني لا يمكن تحفيزه إلا بالبرامج العملية.
ومن ناحية ثانية، يتوجب الاهتمام بطرق تمرير هذه البرامج عبر قنوات الدعاية خصوصا منها التلفزة والإعلانات الانتخابية، لتقييم أسلوب استعمالها ودور ذلك في نجاح أو عرقلة أصول الرسالة الدعائية إلى هدفها وهو تعبئة الهيئة الناخبة.

البرامــج الانتخابيـــة
لقد تنبأت الخطابات السياسية والأكاديمية بعد إقرار نمط الاقتراع باللائحة، بأن البرامج السياسية للأحزاب سوف تكون حجر الزاوية في عملية التنافس الانتخابي، بل لقد كان هذا الأمر من التبريرات القوية التي أوجبت تغيير النظام الانتخابي برمته. باعتباره يؤدي إلى عقلنة العملية بالحد من الارتباط الشخصي والعشائري والقبائلي، على التصويت لأفكار وخطط عمل مدرسة حول الإكراهات المختلفة.

لكن التطور الحاصل في أسلوب الاقتراع ما هو إلا استقبالية، بمعنى أنه شرط واحد ضمن شروط أخرى أساسية تعتبر توفرها حاسما في جعل التنافس الانتخابي متمحورا حول البرامج، ومن ذلك وجود تعددية سياسية كفيلة بإبراز برامج عمل مختلفة، وتكون مصاغة حسب المكانة التي يتوقع الحزب أن يكون عليها المشهد السياسي بعد عملية الاقتراع.

ويبين واقع المشهد الحزبي في المغرب غياب مثل هذه العددية السياسية في مقابل وجود تعددية حزبية قوية، إذ من الصعب العثور لدى 26 حزبا المتنافسة على ذات العدد من البرامج السياسية المفروض أن تكون مشروعا اجتماعيا واضحة المبادئ والتوجهات، وتقترح حلولا للمشاكل الملموسة واقعيا .

فمن حيث المبادئ والتوجهات، يلاحظ للبعد الإيديولوجي في العديد من البرامج، إذ ينذر العثور في إحالتها المرجعية على المفاهيم الكبرى مثل الاشتراكية التي لايتأتى استنتاجها إلا عبر الكثير من عمليات التأويل والتفسير لمتن البرامج.
أيضا، امتنعت هذه الأحزاب في برامجها عن نسبت نفسها إلى إحدى التكتلات السياسية التي أفرزتها الانتخابات السابقة، وهي الكتلة والوفاق، في إشارة إلى عدم قدرة هذه الهيئات على مواصلة دورها في التنسيق، وتحسبا لمفاجئات الاقتراع التي تفتح على تحالفات مغايرة.

كما خلت البرامج من الإشارة إلى مواقع الأحزاب ضمن الخريطة السياسية، فغابت مصطلحات اليمين واليسار. وفي المقابل، نجد تهافتا من لدن بعض الأحزاب إلى احتلال موقع الوسط اعتقدا بأن ذلك يضعها سيفيدها مهما كانت نتائج الاقتراع. ومن تلك الأحزاب حزب الإستقلال، فتصريح أمينه العام بأنه" حزب وسط منفتح على الجميع"، ويوحي بأن حسابات هذا الحزب سيكون مغايرة خصوصا إذا حصل على نتائج مهمة، وهو ما حصل فعلا.

نستنج إذن، أن الأحزاب السياسية تفادت الإشارة بوضوح إلى توجهاتها المذهبية في برامجها، الشيء الذي يدفع الباحث إلى القيام بتحليل من درجة ثانية، أي تفسير وتأويل المعاني والدلالات المرتبطة بالمحاور التي وردت تفي البرامج الانتخابية. خصوصا تلك التي تخول أكثر من غيرها استنتاج المواقف الإيديولوجية للأحزاب ونقصد بها المسألة الدستورية.

في هذا الإطار نتميز بين ثلاث مواقف وهي:
أولا : موقف الأحزاب التاريخية بما فيها حزب الإتحاد الاشتراكي والاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية وما تفرع عنها من هيئات. وهو موقف يتحدث بشكل أو بآخر عن ضرورة تقوية الاختصاصات الدستوري، ولكن لتعزيز مطالب الانتقال الديمقراطي.

إن أولى الأوليات بالنسبة للإتحاد الاشتراكي، كما جاء في كلمة أمينه العام أمام مرشحي الحزب للانتخابات في 5 شتنبر الماضي، هو " مساعدة الناخبين والناخبات على استيعاب ما أنجزته حكومة التناوب وما هو في طريق الإنجاز ، وتذكيرهم بالمغرب الجديد الذي أصبحوا يعيشون فيه، وما اكتسبوه من حقوق وحريات وما سيكتسبون بعدما تدخل الإصلاحات الكبرى حيز التنفيذ...".أما حزب الإستقلال، فإنه لم يتحدث عن المسألة الدستورية إلا تلميحا في ديباجية برنامجه الذي قدمه أمينه العام أما الصحافة يوم 9 شتنبر، حيث اعتبر أن الديمقراطية هي أساس التنمية، ومن ضمن النقاط الثمانية لبرنامج الحزب، نجد أن المرتبة الأخيرة أعطيت ل " تدبير الشأن العام " ولجعل العمل الحكومي ناجعا، من خلال تكوين حكومة مبينة على وزارات أقطاب وتعزيز الرقابة البرلمانية وتنظيم علاقة الوزراء بالمدراء.

ثانيا: موقف أحزاب اليمين، الذي لم يتطرق للإصلاح الدستوري ولا حتى السياسي الشيء الذي يتماشى مع موقعها داخل الحقل السياسي، وكمثال على ذلك نورد فقرة من افتتاحية الأمين العام للإتحاد الدستوري ونشرت بجريدة الحزب في 30 يوليوز2002 حيث يقول: " الروابط المقدسة التي تجد مع بين العرش والشعب وروابط قوامها تلك البيعة المطلقة للمغاربة لملوك الدولة العلوية الأشراف، وهي بيعة دينية ودنيوية وروحية وزمنية جسدت أرقى معاني التلاحم التي تجمع الملك والشعب المغربي".

ثالثا: موقف حزب اليسار الاشتراكي الموحد وحزب العدالة والتنمية، الذي أدرجا المسألة الدستورية في صلب برنامجهما مع تفاوت في أسبقيتها بالنسبة إلى النقاط الأخرى.

فقد أعطى اليسار الاشتراكي الموحد، في برنامجه ل " الإصلاح الدستوري بهدف إرساء ركائز نظام ملكية برلمانية عبر التعاقد حول دستور جديد يضمن فصل السلط، وتمكين البرلمان من سلطات التشريع والمراقبة، وتمكين الحكومة من سلطات تدبير الشأن العام ، وتعيين محاسبة الموظفين السامين". وطبعا لا تعني الملكية البرلمانية عند الحزب سوى أن يسود الملك ولا يحكم، وأن يكون رمزا لوحدة البلاد فيما تتركز السلطة في المؤسسات المنبثقة عن الانتخابات، أي أن يصبح هناك فصل بين المؤسسة الملكية والدولة.
أما حزب العدالة والتنمية، فمن ضمن النقاط الخمسة الأساسية والواردة في برنامجه، نجده يخص المسألة الدستورية بالمرتبة الثالثة، حيث دعا إلى إصلاح دستوري متوافق عليه، وأن يكون سياسي لما قائم من مؤسسات ومحدد صلاحيات .

من خلال هذه الموافق، يمكن استنتاج أن مسالة الإصلاح الدستوري كانت غائبة عن برنامج أغلبية الأحزاب، في إشارة واضحة إلى استمرارية التوافق حول دستور 1996، والتزم الأحزاب بنفس المواقف والمواقع داخل اللعبة السياسية، فلم يكن في هذه المواقف ما يعبر توجهاتها المذهبية. وبالكاد لمسنا ترجمة لهذه التوجهات في تصورات اليسار الاشتراكي الموحد، من خلال الجرأة في جعل برنامجه يقوم على إعادة النظر الاختصاصات الدستورية المسندة للملك، وبشكل أقل وضوحا عند حزب العدالة وأن كان التوجه المذهبي لهذا الحزب قد اتضح في أكثر من محور من المحاور برنامجه الانتخابي.

أما إذا انتقلنا إلى الموضوعات الأخرى الواردة في برنامج الانتخابية، فنلاحظ غياب قضية أساسية استقطبت اهتمام الأحزاب. وفي المقابل، لاحظنا نقاشا واسعا حول حصيلة الحكومة، وبالرغم من أن الأحزاب حاولت في هذا الإطار استعمال لغة الأرقام والإحصائيات لتحديد موقفها من هذه الحصيلة، إلا أن استخدامها السجالي لتلميع صورة الحكومة أو إظهار فشلها أضعف كثيرا من قدرتها الإقناعية.

ففي المجلات الاقتصادية والاجتماعية، لجأت الأحزاب المكونة للحكومة، إلى الاستعانة بأرقام التقدم الحاصل في الوزارات التي كانت تشغلها مقارنة بالوضعية السابقة، في حيز كان الإتحاد الاشتراكي الحزب ا لوحيد الذي يدافع عن الحصيلة الاجتماعية ككل، مستعملا في هذا الإطار المعطيات الماكرو اقتصادية كنسبة النمو ، بغرض توضيح ما تحقق بفضل الحكومة ومجهودها.

هذا الاختلاف في التعامل مع الحصيلة من طرف الأحزاب الحاكمة ، سيكون له تأثير على نوعية التبريرات التي قدمها كل حزب لتفسير العجز الحاصل في العمل الحكومي، بالخصوص فيما يتعلق بمحدودية إنجازاتها على المستوى الاجتماعي، فحتى وإن لم يعترف الإتحاد الاشتراكي بهذا العجز بشكل صريح إلا أن برنامجه يتضمن عدة إشارات غير مباشرة إلى العوامل التي كانت معرقلة لعمل الحكومة ، الشيء يعني اعترافا ضمنيا بالعجز الحاصل، حيث تمت الإشارة إلى تعدد مصادر القرار كعامل معرقل لعمل الحكومة، مثل الاتساع المبالغ فيه لدائرة التكنوقراط وتدخلهم في مجالات هي بطبيعتها مجال محفوظ للحكومة. أما حزب الإستقلال فلم يجد أمينه العام حرجا في توجيهه اللوم للحكومة ذاتها ، بالرغم من أنه طرف رئيسي فيها، حيث اكتفى عندما سئل حول تواضع حصيلة الجواب " إن الأغلبية لم تكن متماسكة".

بالنسبة لأحزاب اليمين، فأنها اجتمعت على عدم وجود ما يمكن تسميته بحصيلة الحكومة، بل لقد حملتها المسؤولية عن تردي الأوضاع العامة في البلاد، كما اعتبرت برامجها الانتخابية بمثابة نسخة من برامج الحكومات التي شاركوا فيها ، وإنهم هم الليبراليون الذين تم السطو على توجهاتهم حيث قال محمد لبصير في مناقشة تصريح الوزير الأول في 6 غشت الماضي:" إنكم تواصلون اليوم تنفيذ برامجنا ومشاريعنا". هذه مغالطة واضحة إذ كيف يمكن انتقاد الحكومة وتحميلها المسؤولية عن عمل ليس إلا تطبيقا لبرامج الجهات المنتقدة.

وبحكم حداثة تواجده في الساحة السياسية وعدم مشاركته في الحكومات السابقة، لا نجد ذات التركيز على الحصيلة حاضرا لدى حزب العدالة والتنمية الذي حرص أن يكون برنامجه مطبوعا بموضوع آخر والحفاظ على الهوية الدينية، إذ لا تكاد ا لمحاور التي بالغ عددها 33 التي تضمنها برنامجه تخلو من التأكيد على ضرورة اعتبار الشريعة المصدر التشريع الأسمى، بما يعني العمل على إعادة الاعتبار للمرجعية الإسلامية في توجيه السياسة الإقتصادية ومراجعة القوانين وتشريعات ذات الطابع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والمخالفة للإسلام. كما اقترح البرنامج ضمن أولوياته ، وعبر العديد من الإجراءات ، تقوية المسؤولية الدينية التي توجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر معتبرا ذلك فوق كل مزايدة انتخابية أو سياسية .

ورغم أن الحمولة الدينية في هذا البرنامج الحزب تبقى مفهومة بالنظر إلى التوجهات المذهبية التي يتبناها حزب العدالة والتنمية، إلا أنه أحدث غموضا في علاقات الديني والسياسي في خطاب الحزب ككل، إذ لا نلمس في تصريحات رموز الحزب ذات التشديد على احترام النصوص الدينية فيما يصدر من قوانين وما يخطط من تشريعات، وغالبا ما يبرر هؤلاء هذه المرونة بكون المجتمع لم يصل إلى التأهيل الكافي الذي يجعل تطبيق الشريعة ينتج مقاصده مرددا بذلك نفس مبررات الخطاب الديني الرسمي حول هذه المسألة، هذا بالإضافة إلى أنه لا يوجد اختلاف جوهري بين الإجراءات العملية التي يتبناها الحزب لحل المشاكل المختلفة عن تلك الموجودة في لدى الأحزاب الأخرى، رغم ما تدعيه هذه إجراءات الحزب من استناد إلى الشريعة الإسلامية اللهم فيما يتعلق بالشؤون الدينية حصرا.

نستنتج إذن تفاوتا بين مضمون برنامج حزب العدالة والتنمية وبين خطابه السياسي العملي التي تطغى عليه لغة البيانات والتصريحات الصحيفة والحاملة للردود على تحولات المشهد السياسي المغربي، فبينما حاول البرنامج التطابق مع التوجهات الإسلامية للحزب، مارس الخطاب العملي السياسية بقوانين السياسة وبالرغم من أن اجتهادات يقدمها منظرو الحزب لتجاوز هذا التفاوت، لأنها تبقى غير واضحة بما فيه الكفاية.

على العموم إذن، حاولت البرامج الانتخابية الابتعاد عن الإشارات إلى المرجعيات الإيديولوجية في برامجها مفضلة التركيز على عرض مشاكل الناخبين، مستفيدة من نتائج استطلاعات الرأي حول انشغالات الناخبين وانتظار اتهم بصددها . ليبقى دور البرامج محصورا في التركيز على إحدى هذه الانشغالات، وأضحى معيار التمايز بينها ليس فيما يطرحه كل برنامج من بدائل وسياسات، وإنما في التركيبة أو التوليفة التي يستخدمها من هذه العناصر ومدى التناسب بينها وملائمتها كرسالة للمتلقي.

الدعاية الانتخابية بواسطة التلفزة:
لايكفي أن يقال بأن استعمال التلفزة أهمية كبرى في نشر الخطاب السياسي والتعريف بالمرشحين وقريبهم من الناخبين ، ولكن الأهم مدى استيعاب الفاعلين المستعملين لهذه القناة التواصلية بخصوصياتها كوسيط إلكتروني يتطلب لغة تخاطب خاصة ، ذلك أن الأبحاث في هذا المجال تؤكد انه ليس كافيا في بلد ما توفر تلفزيونات أو أن تنشر فيه بشكل واسع حتى نقول أن الثقافة السمعية البشرية مستوعبة ، فكثيرة هي الفضاءات التي يكون فيها هذا الوسيط مجرد وسيلة لترويج خطاب أبعد ما يكون الخصوصيات المتعددة للغة السمعية البصرية مما يبقي تجدر هذه الوسيلة بطيئا .

يخبرنا المتخصصون في الاتصال التلفزي أن الانفعال هو بوابة الدخول إلى العالم السمعي البصري ، ذلك أن الوسيط الإليكتروني يعتمد أساسا في إبلاغ رسائله على تعبئة الإحساس وإثارة العواقب و الانفعالات وليس على تنمية ملكات الإدراك والفهم كما هو الشأن للعلامات الأبجدية ، وتنعت مجموع التقنيات المساعدة على انجاز هذه المهمة بعملية التفخيم، حيث تتداخل المؤثرات الصوتية والصورة والصدى والخلفية لتعطي للمنتوج التلفزي حمولة درامية تغذي الجوانب التخيلية عند الجمهور ،وتخلق في ذهنه صورا معيارية يمكن توظيفها في الدعاية السياسية لتوجيه الرأي العام وجهات محددة .

من هذا المنطلق وبعد مرور تجربتين من استعمال التلفزة في الدعاية الانتخابية في المغرب، يبدوا من المشروع تماما طرح التساؤل التالي: هل نلمس عبر المداخلات التلفزية للأحزاب وعيا بخصوصية هذا الوسيط الإليكتروني الذي يتطلب استعمال ولغة خاصة في التخاطب يختلف عن لغة الخطاب الأبجدي؟
لمعالجة هذا الإشكال، سنقوم بقراءة في مداخلة الأحزاب السياسية عبر التلفزة على مستوى مضمون المداخلة أولا ، ثم شكلها الخارجي ثانيا.

على المستوى المضمون:
نظريا كان الاعتقاد قائما بأن التنظيم الذي أقرته الأحزاب السياسية للمداخلات التلفزية في إطار الحملة الانتخابية، لم يكن يستهدف فقط تساوي بين الأحزاب، من حيث المدة المخصصة لكل تدخل تلفزي توزيعها بشكل عادل طوال الأجل القانوني للحملة، إنما توفير الظروف المناسبة لإنجاز مداخلات نوعية تستفيد من التجربة التي خاضتها الأحزاب في انتخابات 1997.

لكننا لم نقف، ونحن نتابع هذه المداخلات على أي شيء يمكننا ونحن مطمئنون من القول بحصول تطور، بل قد نتجاوز ذلك إلى التأكيد بأن تجربة الانتخابات السابقة لم تفد الأحزاب بالانتباه إلى خصوصيات هذا الوسيط الإليكتروني التي تستوجب مضمونا دعائيا خاصا تختلف عن المضامين الأخرى التي تعودت الأحزاب تمريرها بواسطة وسائل الدعاية الأخرى.

فمثلا، وعوض الاستفادة من تعدد الحصص المخصصة لكل حزب بخصوص حصة أو أكثر بمحو محدد من الرسائل الدعائية حيث الاهتمامات المفترضة للمشاهدين، أرادت الأحزاب أن تقول كل شيء في كل مرة يتاح لأعضائها فرصة الظهور، مما نتج عنه تكاثف كبير للمواضيع سبب في تداخلها. والنتيجة أن المتلقي لم يكن يحصد تتبعا من الشذرات، فظل يحاذي كل الموضوعات دون أن يدخل عالمها الدلالي، ولا يكاد يستوعب موضوعا حتى يقفز به المتدخل إلى محور آخر.

هذا الأسلوب في عرض الرسائل الدعائية جعلها خالية تماما من الطابع الدرامي الذي يشدد المتخصصون على أهميته في العرض التلفزي، من حيث قدرته على إثارة أحاسيس المتلقين وإيقاظ سريرتهم بالتالي استقطاب انتباههم، والنتيجة أن غياب الأدرمة على خطاب المتدخلين جعله باردا، ولم يسعف المتلقي في الاحتفاظ بمضمونه في الذاكرة، ولم يمكنه من التمسك على الأقل بانطباعات قد يستحضرها أثناء قيامه بالاقتراع.

ويثير إصرار الأحزاب على عرض المضمون الكلي للبرنامج دفعة واحدة، وبدون خطة محكمة، تساؤلا حول الغاية من مثول ممثليها أمام الكاميرا، هل هي فعلا وكما تقول العريف بالذات بالنسبة الأحزاب الصغيرة؟ أو التعريف بالبرامج البديلة بالنسبة للمعارضة؟ أو مساعدة الرأي العام على استيعاب المنجزات بالنسبة للأحزاب الحاكمة؟ أم أن الهدف ليس إلا تسويق صور ورمز الأحزاب وتعريف الناخبين بهم؟

لقد حاول بعض زعماء الأحزاب تفخيم مداخلاتهم أي صياغة خطابهم بشكل يجعلها ذات حمولة عاطفية أكثر إيحاءا من اللغة المكتوبة, حيث جاءت مداخلاتهم عبارة عن مونولوج طويل يتحدث المشاكل التي يعرفها المغرب، وبعض المآسي الناتجة عن ذلك، مثل مخلفات الهجرة والطفولة المشردة... ، ولضمان عدم التشويش على الحمولة العاطفية لهذا الخطاب، تم تفادي الدخول في تفاصيل البرنامج، بدعوى أن ما يحتاجه المغرب ليس البرامج، ولكن مطبقي البرامج.

لكن ذلك لا ينقص من الاستنتاج السابق، ومفاده أن الأحزاب السياسية على العموم باشرت مداخلاتها بأسلوب لايتلاءم مع التلفزة كوسيط إلكتروني، ذلك أن الإسراف في عرض المشاكل والمآسي الناجمة عنها،والمبالغة في ترويج فكرة لا فاعلية السياسة المتبعة، جعل الخطاب بمثابة دعاية مجانية موجهة بالأساس بمواجهة دعاية الخصم والحط منه أمام الرأي العام، أكثر مما هي موجهة للتعبئة ، بمعنى أنه كان وسيلة للاحتجاج وليس للاستقطاب والإدماج.
ودائما على مستوى المضمون ، لا حظنا اهتماما كبيرا من لدن الأحزاب بنمط الاقتراع الجديد، حيث افتتحت أغلب المداخلات بالتذكير لهذا النمط وشرحه وبيان مميزاته ، والحكمة من وراء إقراره، وهذا أمر يثير الاستغراب من الناحية المنطقية ، إذ من المفروض أن تكون الحصص التلفزية، على قصر مدتها وقلة عددها، فرصة ناذرة للأحزاب يجب استغلالها بالكامل في الدعاية لبرامجها ولمرشحيها، علاوة قيام وزارة الداخلية بهدف العملية بكفاءة ، بحث لم تكن محتاجة لأي مساعدة من الأحزاب.

قد نفهم من ذلك أن الأحزاب تريد أن تجعل تغيير نمط الاقتراع أحد منجزاتها، وتريد الاعتماد على ذلك في حملتها الانتخابية، لكن ما يضعف في صحة هذا الافتراض أن أيا من الأحزاب لم يشر في تناوله لهذا الموضوع إلى المضمون السياسي الكامن وراء التخلي عن الاقتراع الفردي وإقرار الاقتراع باللائحة، بل حتى مداخلات الأحزاب التي طالما طعنت في أسلوب الإقتراع الفردي لم تربط في شرحها للنمط الجديد إلى الفكرة التي حكمت الانتخابات من الاستقلال ، وبالتالي لم يكن هناك أي حمولة دلالية يفهم منها أن المسألة وظفت في إطار تنافس على مكسب تغيير أسلوب الإقتراع .

لقد كان الكل ينتظر أن تسعف الندوات التلفزية التي جمعت ممثلي أحزاب السياسية المشاركة في الإنتخابات ، ليس في فهم المراهنة على هذه النقطة فحسب، ولكن أيضا في وضع نوع من التمييز بين الفرقاء واستنتاج خصوصية أفكارهم وبرامجهم عن طريق المواجهة المباشرة، لكن هذه الندوات لم تعكس جديدا في المضمون ، فقد خصصت كل الندوات لموضوع محدد من المواضيع العامة الواردة في البرامج الانتخابية، وطلب من كل ممثلي الأحزاب توضيح تصورهم للمشاكل العالقة والبدائل المقترحة بصددها، فغابت حرارة المواجهة التلفزية لصالح الحضور المبتدل للأشخاص والتواتر الغير المنتج للخطابات.

ليبقى التفسير المتبقي أن الأحزاب شعرت بالتماثل الكبير بين البرامج المناقشة، وأمام عدم انتباهها إلى المكونات الجمالية التي توفرها التلفزة كوسيط إلكتروني، الذي كان يمكن أن يعطي لأفكارها بعض الجاذبية المفتقدة، لجأت إلى شرح أسلوب الإقتراع لملئ الحيز الزمني المخصص لها.

على مستوى الشكل:
على الرغم من أن استعمال التلفزة في الدعاية الانتخابية يتيح الإمكانية للاستفادة من مختلف المؤثرات الخاصة التي يوفرها هذا الوسيط الإلكتروني، فإن واقع استعمالها أبان محدودية استفادة الأحزاب من هذه التقنيات، يتضح ذلك من خلال عدة وجوه. فإذا كانت الأحزاب، تظهر فيها لقطات من تجمعات الجماهيرية أو مؤتمراتها ، فقد جاءت المداخلات في أغلبها هذه المرة خالية من كل هذه المقدمة، علاوة على افتقاد الكثير مما عرض منها إلى الصياغة الجماعية، بحيث لم تكن سوى تجميع لصورة قديمة وبفوضى كبيرة وبعيدة عن كل إبداع وابتكار.

كما لم يلاحظ أدنى اهتمام بخلفية الصورة، إذ تم التصوير في نفس الأماكن بدون تغيير في الديكور المؤطر، وبدون الاستعانة بمقاطع صوتية، فبدت المداخلات شبيهة من حيث الرتابة بنشر الأخبار الرسمية، مما تسبب في افتقاد المداخلات لتلك الهالة الروحية، التي كان من شأنها منح بعض الامتياز للمتدخل حتى يترك بصماته الشخصية على مضمون المداخلة، على عكس السير الخطي التقليدي للمداخلة المكتوبة أو المقروء.

وإذا كان الجسد يعتبر في حد ذاته هالة روحية مهمة، يقلل من الامتياز الممنوح عادة للتجريد وللبناء الصوري الذي تعودنا عليه في الكتابة الأبجدية، فإن حضور المتخلين على شاشة التلفزة لم تكن له هذه النتائج على العموم، إذ غابت على أغلب المتخلين تلك الحيوية المرتبطة بالارتجالية في الإلقاء، فكانت مداخلاتهم باردة وفاقدة للقدرة على إثارت الانتباه المحفز على متابعة المداخلة.
وبالنسبة للغة المستعملة، انتبه الكثير من الأحزاب إلى ما كان ينجم عن القراءة العربية الفصحى من إضفاء الطابع الرسمي المبالغ فيه على المداخلات، الشيء الذي كان ينزع المصداقية عنها، فعمدت إلى استعمال لغة بسيطة والاستعانة بالدراجة المغربية، كما لاحظنا أيضا استعمال اللغات الأمازيغية، من لدن كل الأحزاب تقريبا، في محاولة لاستقطاب الناخبين ذوي الأصل الامازيغي ،فلم يعد الأمر تقتصر على الأحزاب المعروفة بارتباطها بالأمازيغية إيديولوجيا. لكن التبسيط المبالغ فيه أحيانا للمحاور التي كانت موضوع المداخلات بهذه اللغات لربما أنتج عكس النتيجة المتوخاة، حيث بدا وكأن الأمازيغية غير قابلة لتكون حاملا إلا الخطابات الشعوبية، مما ساهم في شعور الكثيرين بالازدراء.

خلاصة الأمر، إنه إذا كانت التلفزة وسيلة أساسية لتسويق البرامج الانتخابية وترويج صور المرشحين لدى الهيئة الناخبة، إلا أن عدم توفر القائمين على هذه العملية بثقافة سمعية بصرية جعل النمطية تتسرب الى مجموع المداخلات، وسرعان ما أصبحت مملة بفعل تكاثرها، ولم تتحول الى نقاط جذب، وإنما كانت نشازا وسط البرامج التي تستقطب المشاهدين .

الإعلانات الانتخابية:
بعد إقرار نظام الإقتراع باللائحة، اكتسى الإعلان الانتخابي أهمية استثنائية، ذلك أنه أصبح الوسيلة للتعريف بالرموز الانتخابية للأحزاب وصور مرشحيها، ولهذا الغرض يتم إلصاقه في الأماكن المخصصة لذلك في الدوائر المعينة من طرف السلطات العمومية ، أو يوزع على المارة أو المنازل .

كما يعتبر الإعلان الانتخابي أفضل وسيلة للممارسة الدعاية الانتخابية على المستوى المحلي، حيث تعمل الأحزاب بواسطته الى تعريف الناخبين بمرشحيها في الدائرة الانتخابية خصوصا أن استطلاعات الرأي المنجزة قبل الإنتخابات لتبين أن 30 بالمائة فقط من المستجوبين هم الذين يعرفون من سيترشح في دوائرهم.
وقد سمح الإطلاع على نماذج عديدة من هذه الإعلانات على التمييز بين أربعة أنواع منها على أساس الأشكال والحجم والمضمون وهي كالتالي:
- إعلانات تتضمن صور المرشحين ورموز الأحزاب التي يترشحون باسمها، ومعلومات عن الحياة العملية والمهنية والشخصي ة وذلك في ما يقارب الصفحتين.
- إعلانات متوسطة الحجم تتضمن نبذة عن برنامج الحزب ورمزه دون إرفاق ذلك بصور المرشحين.
- إعلانات ذات حجم صغير تتضمن شعار الحزب ورمزه فقط.
- وأخيرا هناك نشرات داخلية للأحزاب استعملت كإعلانات انتخابية، رغم أنها موجهة أساسا للمناضلين، وتتضمن هذه الإعلانات مقتطفات من برنامج الحزب، وتوجهاته العامة بصدد القضايا الكبرى للبلاد، وتصميما لهيكلته الداخلية، وبعض ما كتب من شهادات في حقه وفي شخص زعيمه.
وبشكل عام، راهنت الإعلانات على إبراز مرشحي اللوائح في صورة الأشخاص الأكثر استحقاقا للبرلمان، من خلال إبراز من كفاءات مختلفة ومتنوعة أهمها:
- التاريخ النضالي : استعمل أساسا من طرف مرشحي حزبي اليسار الاشتراكي الموحد ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي اللين عرفا أعلى نسبة من حيث ترشح المعتقلين السياسيين سابقا، وقد حرص هؤلاء على الإشارة الى عدد الاعتقالات القيسرية التي طالتها، ودورهم القيادي في عدد الانتفاضات والإضرابات المشهورة، وفضلهم في تأسيس مجموعة من الجمعيات المحظورة، كما لم يغفلوا ذكر تفاصيل الإكراه المادي والمعنوي التي كانوا عرضة لها بعد محاولتي قلب نظام الحكم في المغرب.
ولعل المراهنة على التاريخ النضالي في الحملة الانتخابية من طرف بعض المرشحين ناتج عن الاعتقاد بأنه لازال ينتج آثاره في استمالة تعاطف الناخبين خصوصا، بعد تخلي أغلب مرشحي أحزاب اليسار الأخرى على استغلال هذا العنصر في حملاتهم، الشيء الذي وفر لهم فرصة الاستفراد به، رغم ما يبدو من كونه أصبح متجاوزا بفعل الخطوات المنجزة على مستوى ملف الاعتقال السياسي بالمغرب.
- الرأسمال الثقافي: كما كان الشأن في انتخابات 97، شغلت الإشارة الى تفاصيل الحياة العملية للمرشحين الحيز الأكبر من الإعلانات الانتخابية، إذ وصل عددها الى 30 إشارة في بعض الإعلانات، ليس لأغلبها علاقة بالمهام التي يترشح لها المعنيون بالأمر، حيث نصادف استعراضا لأدق التفاصيل منذ بداية المشوار الدراسي للمترشحين في الكتاتيب القرآنية حتى نيل الدراسات الجامعية العليا، كما لم يفت المرشحين استعراض تنوع إسهاماتهم في العمل الثقافي، سواء عن طر يق مساهمتهم الشخصية، أو الإشراف على تنظيم الملتقيات العلمية، والسهر على عملية النشر في مختلف الموضوعات والاختصاصات لمختلف المؤلفين عربا وأجانب . مما جعل إعلاناتهم يبدو وكأن نبذة عن الحياة العلمية والشخصية (CV) مبعوثة إلى أحد المؤسسات من أجل الحصول على وظيفة. متناسين أن التضخم الذي أصاب الشهادات الجامعية في السنوات الأخيرة اضعف من قيمة الرأسمال الثقافي في المعركة الانتخابية .
- الرأسمال السياسي: لم يغفل المرشحون استعراض المهام والمسؤوليات التي سبق أن تحملوها على المستوى الوطني أو المحلي، وكذا الإشارة الى تواجدهم في البرلمانات السابقة وعضويتهم في العديد من هيئات المجتمع المدني.
- فمن جميع المسؤوليات الرسمية التي ترددت في الإعلانات الانتخابية، نجد تركيزا على المناصب الحكومية من طرف المرشحين الذي سبق لهم تقلدها ، كما استثمر البعض مهامهم كمستشارين لوزراء الحكومة الحالية، في حين فضل البعض الإشارة الى عضويته في إحدى اللجان الوطنية أو مجالس الجماعات المحلية.
يمكن تقديم تفسير لهذه الظاهرة، أولها كون العضو مؤمن بإنجازات في الإطار التي تتدرج فيه المهام الرسمية التي شغلها ، وبإمكانية إدراك الناخبين لأهمية هذه الإنجازات، ويمكن اعتمادها بالتالي في حملته الانتخابية لعلها تسعفه في التمييز عن باقي المرشحين.أما التفسير الثاني، فهو كون المرشح أراد أن يبين للناخبين رصيده من العلاقات الشخصية ومن معرفة الناس الذين لهم وضع اعتباري يضعه في موقع قوة، يجعله قادرا على إسداء الخدمات الصعبة للناخبين إذا حصل على ثقتهم .
من جهة أخرى، حاول البعض الآخر من المرشحين عدم المراهنة على هذه الإنتماءات في مقابل استعراض محطات من نضالهم السياسي مع ربطه بالتطورات التي شهدتها الحياة السياسية في المغرب، بشكل يبدو معه التطورات نتيجة مباشرة للنضال السياسي للمرشح ، ومثل ذلك العبارات التالي:
- فضح المؤسسة النيابية من داخلها ، الأمر الذي أدى الى حلها قبل الأوان بقرار ملكي.
- الدعوة الى تغيير الدستور في اتجاه أكثر ديمقراطية، وكانت الاستجابة المالكية بدستور 1996.
- إصدار كتاب يحتوي على حصيلة التجربة البرلمانية مع توزيعه مجانا الأمر الذي ساعد علي تخليق العمل البرلماني .
وبالإضافة إلى صور المرشح والبيانات المتعلقة بحياته الشخصية والعلمية ، تضمنت الإعلانات شعارات متعددة، فإذا كان حزبي الإتحاد الاشتراكي والاستقلال قد دخلا حملة 1997، بشعار موحد هو: " اليد في اليد من أجل التغيير"، فإنهما بادرا هذه المرة الى اختيار شعارات مستقلة فقد بادر الإتحاد الاشتراكي، إلى تبني شعار تحتفظ بالعبارة الأولى من الشعار السابق، مع إضافة عبارة تجعله ذي حمولة دلالية مرتبطة بالسياق السياسي الحالي، حيث إلى تبني الشعار التالي: " بالأمس معكم من أجل التغيير، واليوم معكم من أجل البناء "، بعكس حزب الإستقلال الذي اختار شعارا مختلفا تماما وهو " الثقة من اجل المستقبل"
ويعكس الشعاران بوضوح المواقف المتناقضة للحزبين من المرحلة السابقة، كما يظهر اختلاف تصوراتهما للمرحلة المقبلة، فقد أراد الإتحاد الاشتراكي عبر شعاره تأكيد تحقيق الحكومة الحالية ما كان منتظرا منها، وهي النسبة إليه زرع الثقة بين الفاعلين الأساسيين في الحقل السياسي، والمساهمة في إنجاح عملية الانتقال الديمقراطي، لتبقي المرحلة المقبلة هي مرحلة التأهيل الاقتصادي والاجتماعي. هذه الإستراتيجية هي التي كانت تروم الالتفاف على مجمل الانتقادات التي تعرضت لها الحكومة التناوب، صادقت دعاية مضادة من طرف حزب الإستقلال الذي كان شعاره يؤدي مباشرة الى انتقاد الحكومة السابقة ليس على أساس ضعف الأداء الحكومي، بل على خلفية أن التحالف الحكومي لم يكن يساعد بتاتا في ترسيخ الانسجام الضروري لمباشرة عليه التأهيل الاقتصادي. مما كان يعكس آمال الحزب الكبيرة في أن تفز صناديق الإقتراع خريطة سياسية تجعله يقود الائتلاف الحكومي القادم.
أما بالنسبة لباقي الشعارات، فالبعض القليل منها كان معبرا عن التوجهات الإيديولوجية للأحزاب، ومن ذلك شعار : " متضامنون من أجل خلق الثروات ووضع آليات لتوزيعها" الذي تبناه حزب القوات المواطنة ذو المرجعية الليبرالية، وشعار " أصالة، عدالة ، تنمية" الذي اختاره حزب العدالة والتنمية ، في حين غابت هذه الحمولة المذهبية عن شعارات أحزاب اليمين لصالح حضور عبارات عامة مثل" من أجل مغرب قوي" الذي تبناه حزب الإتحاد الدستوري.
نلاحظ أيضا، ابتعادا نسبيا بعض التعابير الإيديولوجية المعتادة في شعارات باقي أحزاب اليسار، مثل الإمبريالية- التفاوت الاجتماعي- الهيمنة الأجنبية – الفيودالية – الرجعية.. وغيرها من التعبيرات المفهومة بصورة قدحية في الغالب، في مقابل شعارات رغبة هذه الأحزاب في ركوب موجة التوافق المهيمنة على الخطاب السياسي في المرحلة السابقة مثل شعار " اليد من أجل بناء مغرب الغد" الذي اختاره الحزب الاشتراكي الديمقراطي.
وفيما يتعلق بالرموز، فيظهر بوضوح أن التأخر في وضع القانون الانتخابي الذي أقر استعمالها عوضا عن الألوان لم يسعف الأحزاب في اختيار أيقونات تربط الناخب بالهيئة عبر ماركة معينة، بل أن بعضها اضطر تحت ضعف الوقت إلى وضعها ابتداء، ليبحث بعد ذلك عن دلالة مناسبة لها. هذا بالإضافة الى أن كثرتها سبب خلطا كبيرا في ذهن الناخب، بمعنى أن معاينتها لم يترتب عليه استحضار ذهن الناخب: الحزب المقصود، الشيء الذي جعلها غير منتجة للدلالة في كثير الأحيان.
خلاصة:
حاولنا من خلال هذا التحليل لفعل الدعاية السياسية كما مارسته الأحزاب المغربية وهي في تخوض حملتها الانتخابية إبان في شتنبر 2002، وإذا كنا انطلقا من فرضية تكامل مختلف الآليات المستعملة في هذه الدعاية من برامج سياسية وقنوات لبث هذه الأخيرة الى الجمهور هدف الدعاية، فإن واقع الحملة الانتخابية أبان على عجز في إيجاد هذا التكامل، فالبرغم مما ظهر على مستوى البرامج من رغبة في بث منتوج دعائي براغماتي يتعامل مع الهيئة الناخبة كمورد يتعين تحفيزه بالعناصر العملية ذات المردودية، أي بخلط العمل الملموس وليس بالإيديولوجية ، فإن أسلوب بث هذه الرسالة عبر قناتي التلفزة والإعلانات الانتخابية لم يكن يساعد على إنتاج الأثر الدعائي المطلوب ألا وهو التعبئة الجماهيرية.
ولا يعني ذلك تنزيه البرامج عن المسؤولية في إحداث هذا الأثر السلبي، كل ما هناك أنها نتاج لواقع التنظيمات الحزبية التي تبقى الى حد كبير أسيرة السياق العام الذي تجرى فيه الإنتخابات، وإذا كانت هذه المقولة تصدق على جميع الإنتخابات التي تجرى في العالم، فإنها في السياق ا لمغربي تتعدى الحدود المتعارف حولها، بحيث يعاد في كل مرة صياغة التوجهات الانتخابية والمبادئ السياسية للقوى المتنافسة على أساس متطلبات المرحلة، مما يدفعها إلى تبني برامج التي وإن كانت ذات مسحة عملية، إلا أنها بقيت غاية في العمومية تحسبا لتغيرات غير متوقعة ، وهذا هو مصدر التماثل بين برامج الأحزاب السياسية، بحث أصبح من الصعب إدراك الفرق من خلال ما تضعه من اختبارات كبرى، وإنما فقط من خلال مدى تركيزها على قضايا بعينها، أو عبر ما تستخدمه من توليفات تجمع بين مختلف هذه القضايا .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,863,055,917
- الخطاب الاسلامي والحداثة


المزيد.....




- في هذه الجزيرة اليونانية.. يمكنك العيش مع 55 قطة
- ريبورتاج: أطفال القرى المنكوبة يحاولون تجاوز الصدمة النفسية ...
- إسرائيل تسمح بدخول البضائع إلى غزة وتتوسط مصر لعقد هدنة
- طالبان تهاجم موقعا للجيش الأفغاني وتقتل العشرات
- موجات رفض وإدانة لتصريحات عنصرية ضد المسلمين أطلقها سيناتور ...
- لأول مرة في أوروبا علاج الصرع بالليزر
- ترحيل 46 أفغانيا من ألمانيا إلى بلدهم
- رونالدينهو في -بيراميدز- المصري و-أزمة الخبز- في السودان
- -300 قس تحرشوا جنسيا بآلاف الأطفال- بولاية بنسلفانيا الأمريك ...
- علاج تجريبي لمواجهة الإيبولا في الكونغو الديمقراطية بعد تفشي ...


المزيد.....

- الإعلام والتواصل الجماعيين: أي واقع وأية آفاق؟.....الجزء الأ ... / محمد الحنفي
- الصحافة المستقلة، والافتقار إلى ممارسة الاستقلالية!!!… / محمد الحنفي
- اعلام الحزب الشيوعي العراقي خلال فترة الكفاح المسلح 1979-198 ... / داود امين
- پێ-;-شە-;-کی-;-ە-;-ک بۆ-;- زان ... / حبيب مال الله ابراهيم
- مقدمة في علم الاتصال / أ.م.د.حبيب مال الله ابراهيم
- پێ-;-شە-;-کی-;-ە-;-ک بۆ-;- زان ... / حبيب مال الله ابراهيم
- الإعلام والسياسة / حبيب مال الله ابراهيم
- عولمة الاعلام ... مفهومها وطبيعتها / حبيب مال الله ابراهيم
- الطريق الى الكتابة لماذا نكتب؟ ولمن ؟ وكيف ؟ / علي دنيف
- حرية الرأي والتعبير بموجب التشريعات والقوانين العراقية الناف ... / بطرس نباتي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - أبواللوز عبد الحكيم - الدعاية السياسية بالمغرب