أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وفاء عبد الرزاق - حوار مع الشاعر حكمت الحاج















المزيد.....

حوار مع الشاعر حكمت الحاج


وفاء عبد الرزاق

الحوار المتمدن-العدد: 1787 - 2007 / 1 / 6 - 09:20
المحور: الادب والفن
    


ما معنى أن أكون موجودا، ولماذا علي أن أموت؟

حكمت الحاج، الشاعر والإنسان.. رحلة عطاء في الشعر والتشكيل والمسرح والعمل الصحافي، والترجمة. نتوقف عند مصب نهره المتدفق، ولكننا ـ بالتأكيد ـ لن نصل إلى النهاية، فالمبدع ما زال يتدفق الى مساحات مجهولة، ومضيئة أيضا.. ولأجل الاقتراب من عالمه كان معه هذا الحوار:



أجرتْ اللقاء: وفاء عبد الرزاق
__________________________________


وفاء عبد الرزاق = الثقافة هي المعين الذي ينهل منه المبدع، لكني أجد بعض المبدعين والشعراء خصوصاً يقعون في إشكالية جَلْدِ القصيدة بِسَوْطِ الثقافة. أنا شخصياً أجد إن هذا النوع من الشعر يخلق فجوة بيني وبينه، هذا الحال وأنا شاعرة فكيف بالقارئ العادي الذي يبحث عن البراءة الأولي للقصيدة، ولا اعني هنا السذاجة وإنما البراءة الدامية كحالة شعرية فيها من الرهافة ما يُدمي، وللأسف الشديد أجد في بعض القصائد استعراض عضلات ثقافية يقود القصيدة إلي عالم معلوماتي فقط، فما هو رأيك؟

حكمت الحاج =إنها إشكالية حقا، فنياً وحضارياً وقيمياً. ولقد دأبت جماعات مختلفة من الشعراء والنقاد والباحثين والإعلاميين والمتلقين بطرحها منذ الإرهاصات الأولي للقصيدة العربية الحديثة في أربعينيات القرن العشرين، وحتى اللحظة الراهنة. فهل القصيدة في وادٍ، والثقافة والمعرفة في وادٍ آخر؟ لابد انه ثمة دراسات ستخبرنا عن بوادر هذا الفصل التعسفي وعن مجرياته وعن مآلاته، إن كان ثمة مآل لهذا النوع من التصور. وفي رأيي إن مجرد طرح هكذا تساؤل إنما يضعنا علي الفور في صلب مشكلة الشعر العربي الجديد، فمن العبث البحث عن تصادي هذا الإجراء التساؤلي في شعر مرحلة صدر الإسلام أو شعر الحقبة العباسية مثلا، أو الفترة المظلمة، ذلك لأن كلا مفهومي الشعر والثقافة يقعان ضمن منطقتين لا لقاء بينهما لو أتممنا المقارنة بين الزمنين، زمن حاضرنا المعاش الآن، وزمن تراثنا كلحظة في التاريخ. ولا غني عن القول في هذه السياق إن كلمة (ثقافة) إنما هي كلمة مولدة ولا وجود لها في تراثنا العربسلامي. إذن، القضية هذه بشكلها المُثار هكذا تبدو جديدة بحسب جِدَّة ثورتنا الشعرية التي اتضحت معالمها علي أيدي الشعراء الرواد وبخاصة بدر شاكر السياب ونازك الملائكة، غير أن ذلك لا يعني ولن يعني علي الإطلاق إن الأمور كانت تسير علي ما يرام منذ العصر الجاهلي وان الأمور بدأت تتخلخل بمجرد انطلاق حركة الشعر الحر في النصف الأول من القرن العشرين. ونظرة سريعة إلي بعض منعطفات تاريخ الشعر العربي القديم تُرينا كَمْ كان شعر أمية بن أبي الصلت المسمي عند العرب بالشاعر الحكيم، إشكالياً وملغزا وعصيا علي الأفهام، وكم كان كذلك شأن عبيد بن الأبرص وسُحيم عبد بني الحسحاس، وديك الجن الحمصي، ومروان بن أبي حفصة، والكميت بن زيد الأسدي، وصولا إلي صاحب ديوان الحماسة أبي تمام الطائي وتلك الحكاية الشهيرة عن شعره الذي لا يفهمه أحد، مرورا طبعا بأبي نؤاس الحسن بن هانئ، وأبي العلاء المعري والبحتري، حتى نشارف عهد أمير الشعراء أحمد شوقي وشاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري، وبدوي الجبل وعبد المحسن الكاظمي ومعروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي. فهل كان كل هؤلاء ميسورون علي الفهم العام؟ وهل كانت الهوة مردومة حقا بين قصائدهم وبين الناس؟ وان كانوا كذلك فهل يصح لنا أن نضعهم في خانة اللامثقفين؟ وان لم يكن هؤلاء حقا هم الذين بالغوا في (استعراض عضلات ثقافية)، علي حدّ تعبيركِ، فمن يا تري سيكون؟ علي أنني رغم ما تقدم من قولي أعلاه لأجد نفسي مرغما علي موافقتك في مسألة جد مهمة ربما أنت ألمحت إليها في ثنايا سؤالك ويطرحها واقع شعرنا العربي الحديث، وهي العزوف عن قراءته والتواصل معه من قبل الجمهور العريض، والسبب ربما يكون راجعا إلي وجود الشاعرية وعدمها عند من يتوخون قرض الشعر وقول القريض في زماننا هذا. وليس بخافٍ علي أحد أن يلاحظ انه كلما ضعفت الشاعرية وهزل الخيال كلما جنح الشاعر إلي ملء الفراغ بالمعرفة الزائدة. والعكس صحيح أيضا للأسف حيث نري شاعريات فذة يتآكلها أصحابها ويغدر بهم الزمان لأنهم يأبون الدخول في الحداثة، التي هي قدر محتوم وليست أبداً خياراً متاحاً لأحد.


وفاء عبد الرزاق =تقول في احدي قصائدك:
( تلبسين قميصك تحت الجسد
تلبسين جسدك فوق القميص..)
لو ذهبتَ في رحلة مع الأسئلة، أية أسئلة ستختار؟ وكم عددها لتكفي حكمت الحاج ليكتب عن امرأة تضع جسدها فوق القميص وعن وطنٍ عار؟

حكمت الحاج = ما أوردته أنت أعلاه هو مقتبس من قصيدة لي بعنوان (قميص) ضمن مجموعتي الشعرية الرابعة (الكلام المستعاد) التي صدرت ببغداد منتصف التسعينات من القرن الماضي. وإني لأجد من المناسب هنا، أن أجدد اقتباسك ولو بشكل أكمل، إذ تقول القصيدة:

قميص /
تلبسين قميصك تحت الجسد
وكل امرئ يلبس قميصه فوق الجسد
إلا أنتِ
تظلين تلبسين جسدك فوق القميص …
فَيَا لَلّبْسِ

ولو كان لي أن أختار، كما تفترضين، في رحلة مع الأسئلة، لاخترت بشكل أكيد أن أبادر إلي طرح مجموعة صغيرة جدا من الأسئلة ربما لا تتعدي تلك الأسئلة الخالدة إنما الساذجة أيضا من قبيل (من أنا؟) و(ماذا افعل هنا؟)و(إلي أين أنا ذاهب؟)و(لماذا جئت إلي هذه الحياة أصلا؟)ثم (ما معني أن أكون موجودا؟)وأخيرا وربما ليس آخرا (لماذا علي أن أموت؟) وإن سَلَّمْتُ بهذا الأمر الواقع (فهل أنني سأمرق من الموت بيسر أم أنني سأتألم؟).. الخ من هذه الهذيانات. وأنا أسميها هذيانات لأنها أسئلة لا طائل من ورائها ولكن هل نحن نملك القدرة أن لا نسألها؟ أشك كثيرا في ذلك فإن وجودنا برمته قائم علي فن التساؤل هذا. كتابي ذاك المسمي (الكلام المستعاد) كان من أجل توضيب معرضٍ استعاديّ لفنون الأسئلة الملحة دائماً وأبداً وذلك بتَوَسُّلِهِ اللغةَ كَطَريقٍ وَكَمقْصدٍ في آنٍ واحد. أنا أحب حقا هذه القصيدة، وأنا أشكرك جدا لتذكيرك إياي بها بعد كل تلك السنين. لقد كانت الحياة مريعة وقتها لكن الحب كان قويا إلي درجة انه كان بمستطاعه أن يهب الحياة لمن يستحقه ويستحقها. كانت المرأة صنواً وخلاصاً وشبيها نتمرأي فيه. وربما هو شأن خاص كي لا أؤشر جسدا بعينه أو قميصا بعينه لامرأة بعينها في زمان ومكان محددين، فذلك لن يقدم ولن يؤخر في مصير هذه القصيدة، لكنه شأن عام أن يكون الوطن، الذي هو البيت والمأوي والسكن والوجد والذاكرة، عاريا إلي هذا الحد المفرط في العري إلي درجة أن أبناءه باتوا لا يستحون. واسمحي لي هنا أن أكون مدينا لك لصياغتك السؤال أعلاه، ولاعتقادي بأنك إنما أضفت قصيدة أخري إلي قصائد كتابي الشعري(الكلام المستعاد) وأنت تطلبين إليّ أن أتساءل عن امرأة تتمرأي ووطن يتعرى.. أنا أشكرك حقا.


وفاء عبد الرزاق =الناقد والشاعر فيك، من يغلب (منكما) الآخر ؟ وهل تستطيع الفصل (بينكما) ساعة مخاض القصيدة؟

حكمت الحاج = مرة أخري أجد صياغتك للسؤال كم هي جميلة. إنها تذكرني بلغة المتصوفة. ولأجل ذلك أطمح أن تكون إجابتي علي قدر جمال تلك اللغة، فلن أبدي تذمرا من سؤال طالما سُؤلتُهُ وطالما تم توجيهه إليَّ في أكثر من مناسبة، إنْ بمعني التقريظ وإنْ بمعني الانتقاد المتشكك لزمن طويل من الكتابة شعرا والإسهامة نقدا. وبين هذه وتلك ضاعت حقيقة الموقف المتوخاة معرفته وإدراكه عبر التساؤل عن كيفية مواءمتي بين الوزارتين المتناقضتين في بلاط خلافة الكلام. هل أنا أتهرب من الإجابة علي سؤالك؟ أزعم أن لا أبدا، كل ما هنالك أنني لا أمتلك الجواب الأكيد. يجب أن لا ننسي إننا نعيش القرن الحادي والعشرين وانه لمن الصعوبة بمكان أن يصمد المرء شاعرا وحسب من دون أن يكون شاعرا وشيئا آخر. ثمة في عصرنا شاعر وسياسي، وشاعر ودبلوماسي، وشاعر وجامعي، وشاعر وصحافي، وشاعر وإسكافي، وشاعر وتاجر، وشاعر وساحر، وشاعر وناشر، وشاعر وفنان، وشاعر وقاض، وشاعر و... الخ من تلك المهن الحرة والمقيدة، رجالا ونساءاً، حتى انه تحصل في زماننا الحاضر شاعرٌ ورئيس، وشاعرٌ وحاكمُ شعبٍ وأمة، فما الضير في أن يجد الشاعر نفسه بغتة، شاعرا وناقدا وأي شئ آخر؟ علي أنه من الأمنيات لي ولغيري أكاد أقول من الشعراء المعاصرين، أن أكون شاعرا وحسب ليس إلا، ولكن، هيهات والعصر بدايات ألفية ثالثة.


وفاء عبد الرزاق =أعرفُ أنك تؤمن بالمبدع الشمولي، وأنت ناقد وشاعر وكاتب مسرحي وصحافي ومترجم ورسام، هل اللغة لديك شفرة، أم إشارات وصور تجتاحك حينا ً وتجتاحها حين تستعير الإنسان من المبدع؟

حكمت الحاج = لا أدري إن كنت حقا أؤمن بشيء من هذا القبيل أم لا... إن ذلك يذكرني بما يشاع في صحافتنا الفنية العربية عن أسطورة الفنان الشامل ذاك الذي يمثل ويغني وينشد ويعبر بالصوت والجسد والصورة والخيال. دعيني أقتبس هنا من الشاعر الأمريكي الذي أحب. ففي رسالة له يقول (والاس ستيفنز) إن بعض الناس يعرفون دائما فيم يفكرون وأخشى أنني لست واحدا من أولئك. إن الشيء نفسه يظل نشيطا في خيالي وقلما يستقر ويصبح ثابتا، وشاعرنا هنا لا يؤكد مبدأ في السياسة بقدر ما يؤكد واحدة من أهم سمات القصيدة المعاصرة ألا وهي (التجريبية). وبالنسبة لي لطالما اعتقدت أنني شاعر تجريبي، بالمفهوم الذي يجرنا إليه (ستيفنز) فإلي جوار تلك الصرامة والجدية الفكرية، تلك الجدية التي هي كهنوتية بالمعني الدقيق للكلمة، والانكفاء نحو التاريخ كنص مرجعي أساس، أجدني أجمع في عملي الشعري بين عدة عناصر متنافرة من التجريب الشكلي إلي التهريج اللفظي والسخرية اللاذعة والمفارقة والتشويش واقتباس شكل المقامة العربية القديمة واعتماد تكنيك الحوار المسرحي وتقنية القناع والتحولات. ربما تعلمت ذلك مبكرا من قراءاتي المتكررة ولكن المشوشة والفوضوية للثلاثة الكبار الذين أثروا في بحق ألا وهم (فرانك أوهارا) و(إ.أ. كمنجز) وطبعا (والاس ستيفنز). نعم تأثرت كثيرا بما كان يفعله هؤلاء في القصيدة. خذي علي سبيل المثال ما كان يجريه هذا الأخير من بعض الألعاب إن صح التعبير مثلما فعل ذات مرة عندما أخذ واحدة من قصائد زميله المعاصر له، الشاعر الكبير "وليم كارلوس وليمز" وضمنها بكاملها داخل قصيدة له ومن بعد ذلك وضع اسمه عليها، بشكلها الجديد، فلقد كان "ستيفنز" يعتبر أن أية قطعة أدبية تأخذها وتضع اسمك عليها هي في الأخير قصيدتك الجديدة كذلك كان كثيرا ما يتداخل نصوصيا (= أي يتناص) مع أنماط كتابية تكاد أن تكون بعيدة أو لا علاقة لها بالشعر إطلاقا، وقد لاحظ (ستيفنز) بذكاء لا يليق إلاّ بِهِ، أن واحدا من أصعب الأمور في كتابة الشعر هو أن يعرف المرء موضوعه الذي يجب أن يكتب فيه. إن كل الناس، ودائما مع (ستيفنز) يعرفون موضوعهم ولكنهم لا يكتبون الشعر لأنهم مدركون جدا لذلك الشيء. وأنا أعتقد إن موضوع أي إنسان كان وسيبقي دائما هو الشعر أو ينبغي أن يكون شعرا. وهكذا، فإن الإنسان بالمطلق هو انهمام قصيدتي بالكامل، كما إن جميع اشتغالاتي الأدبية والفنية والمهنية التي تفضلت بذكرها أعلاه إنما هي نُشدانٌ وتَوقٌ لذلك الجوهرُ الفردُ الذي ربما يسمونه (الشعر) أحياناً.


وفاء عبد الرزاق =هل مهمة المبدع العربي والعراقي علي وجه الخصوص كمهمته قبل عشر سنوات؟

حكمت الحاج = أعتقد أنني غير مؤهل للإجابة علي مثل هذا السؤال الذي يتطلب تخصصا في سوسيولوجيا الثقافة وسايكولوجيا الإبداع وربما أيضا تخصصا في الدراسات الحضارية المقارنة. لكن دعيني أجيب كشاعر وبأسلوب مبسط وواضح: علينا جميعا كمبدعين أن نصير إلي قراءة جديدة متجددة لتراثنا العربسلامي، وذلك من أجل تدعيم بعض جوانب هذا التراث المضيئة والخلابة، وإبراز ملامحه وإعادة تقديمها إلي القارئ في تعبيرات وأشكال وأساليب ورؤى وطرائق جديدة تليق بعصرنا وتحولاته الرهيبة المرعبة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخري، فإنه يجب في الوقت نفسه معارضة هذا التراث ومخالفة هذه الملامح وهدمها وطمس معالمها بشكل تام، وإلا أصبحنا انتقائيين، بينما القصيدة الجديدة الحقة الصادقة لا تكتب من موقف التلفيق والتوفيق، بل من موقف الخلق والثورة والتغيير. هذه هي مهمتنا الجديدة.

وفاء عبد الرزاق =كيف يمكنك القبض علي الضوء؟ هل ستبحر باتجاهه؟ هل لك ريح ضوئية؟ وما علاقة الريح بالضوء؟

حكمت الحاج = ثمة قصيدة لي بعنوان " تذكارٌ لبحرٍ غيرِ أبيضٍ " تقول:
أقف قدام البحر
أناجي الريح البحرية
أرقب الحشود تمضي
أصرخُ فيَّ مرارا
لم هذا الضوء يأتي
علي جناح الريح
ماذا يقول الضوء
ماذا تريد الريح
آه لو كان في الدار أحد
لكفاه نداء واحد
يا غريب الدار لا أحد...

وفاء عبد الرزاق =كلما اتسعت مساحة الإبداع ضاقت مساحة النقد واتصفت بالضمور، بماذا تفسر ذلك؟

حكمت الحاج =التفسير واضح وبسيط وضوح الشمس علي ساحل البحر الأبيض المتوسط الجنوبي في نهار صيف تموزي مشتعل، ذلك أن الشاعر غالبا ما يكون ناقدا ممتازا، هذه بينما الناقد دائما كان شاعرا منتحرا مع وقف التنفيذ.. كلا، إنني أمزح ولا شك.. لا غني عن الناقد. انه المصباح في ليل الشعر البهيم.

وفاء عبد الرزاق =القصيدة الحديثة تستوعب كل الفنون وأنا مع النص المفتوح سواء كان شعراً أو رواية أو قصة قصيرة، هل استعنت بالرسام الذي بداخلك وعملت وفاقا ً وتصالحا ً مع الريشة والقلم؟ هلا حدثتنا عن هذه النصوص ؟ وما هو مسرح القصيدة ؟ هل تفضل مسرحة الشعر أم الشعر المسرحي؟

حكمت الحاج =في الحقيقة، وعلي عكس ما يقال في فضائنا العربي، فإن الموضوعات التي يتطرق إليها الشعر وتتناولها القصيدة هي من الكثرة بحيث يصعب حصرها وهي في نوعها وتعددها وتداخلها يصعب أيضا تصنيفها. وكما يقول أحد الشعراء الكبار ويصرّ علي أن العالم كله هو المادة التي يُصاغ منها الشعر، وان علي الشاعر أن يكتب الشعر حول أي شيء، وكل شيء مما يجول في خاطره الواسع.. فإنني أقول أيضا إن فنون الخط العربي تحديدا وفن الرسم والاسكيتشات والقلم الرصاص والتلوين بالفحم إن صح التعبير، هي كلها من الأمور التي تجعلني أعيد ترتيب علاقتي مع قصيدتي في كل مرة أنجز فيها لوحة أو رَسْمَة أو خُطاطة، تماما مثلما يحصل في الموسيقي عندما يدمنها الشاعر عزفا أو استماعا، إذ سرعان ما يعيد الشاعر إنتاج تصوراته اليقينية عن إيقاع القصيدة وينزرع الشك في داخله إزاء خفوت النبرة. وربما كان من هنا تفسيرنا لحيرة ومن ثم لارتداد كبار الشعراء الذين كتبوا قصيدة الشعر الحر أو قصيدة النثر إلي دفء أحضان البحر والإيقاع والنغم، أو لهجرة الشعر نهائيا عند البعض الآخر والارتماء كلية في شسوع النثر الخلاق.

وفاء عبد الرزاق =أيكما صاحب القرار أنت أم المكان ؟ وكيف تغريه لنصِكَ وقد تعددت الأمكنة لديك؟

حكمت الحاج =أعشق الأماكن وتعددها وتعدادها لكنني أبدا لم أكن سائحا. أكره الشخصية السياحية لما تتميز به من بلادة وقلة ذوق وأنانية، وأحب شخصية الرحالة وجوابي الآفاق ومرتادي المجهول. وهكذا يكون لكل مكان نداءه وإغواءه ومن ثم بطبيعة الحال قصيدته وموسيقاه. وهنا مكمن الشعر في كثير من الأحيان.

وفاء عبد الرزاق =بما إن محاورتك شاعرة، لذا أرغب بطرح سؤالي الأخير علي طريقة صورة شعرية:
أ _ مسطبة تركها الجميع إلا أنت تولع سيجارة وتشعر بازدحام شديد.
ب _ أشباح تصبح أشجارا ً، وأشجاراً تراها مجرد أشباح.
ج _ هوية وطنها أنت.

حكمت الحاج = وعلى نفس الطريقة، إليك الجواب، مثلما أقول في قصيدة لي قديمة جدا جداً ليتني أتذكرها جميعاً:

السَّفائِنُ بِدونِ رُبَّاْنٍ /
مُتوقفةٌ وَنَتِنَةٌ فِي البحْرِ
وَسَارِيَاتُها مُمَزَّقَةٌ إِرَبَاً إِرَبَاْ /
وَالْمَدُّ وَالْجَزْرُ في قبريهِما
الرياحُ ذَوَتْ في الفضاءِ العَفِنِ /
والسُّحبُ اضْمَحَلَّتْ
وَالظَّلامُ لا يَحْتَاجُ إِلي مَنْ يَقولُ/
هَذَاْ هُوَ الْعِرَاْقْ.



(انتهى الحوار)
لندن/نوفمبر 2006





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,327,274,547





- رغم الجدل.. جائزة -البوكر- تعلن هوية الرواية الفائزة هذا الع ...
- بنعبد القادر يدعو إلى الانتقال إلى تدبير مهني مبني على الكفا ...
- فنانات يكشفن عن أعمارهن وأخريات يتكتمن عليه
- جائزة البوكر العربية.. تسريبات واعتذارات
- هؤلاء هم رؤساء اللجان البرلمانية الجدد
- لأول مرة..ذكاء اصطناعي يبتكر موسيقى من نوع الميتال...من دون ...
- حادث خطير يدفع إلى إخلاء دار الأوبرا في سيدني!
- رواية «النبيذة».. سرد سينمائي عن العراق
- ترامب يتعرّف إلى -توأمه- الصيني الغائب في الأوبرا الصينية
- مرشح للرئاسيات الموريتانية يتعهد بحل النزاع في الصحراء المغر ...


المزيد.....

- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وفاء عبد الرزاق - حوار مع الشاعر حكمت الحاج