أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جورج بوليتزر - أصول الفلسفة الماركسية






















المزيد.....

أصول الفلسفة الماركسية



جورج بوليتزر
الحوار المتمدن-العدد: 1765 - 2006 / 12 / 15 - 11:18
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


مدخل
1 – ما هي الفلسفة؟
2 – ما الداعي إلى دراسة الفلسفة؟
3 – ما هي الفلسفة التي ندرسها؟
أ) الفلسفة العلمية: المادية الجدلية
ب) الفلسفة الثورية: فلسفة العمال
4 – الخلاصة: وحدة النظرية والتطبيق

لا توحي كلمة "الفلسفة" الثقة والاطمئنان، لأول وهلة، في نفوس الكثير من العمال. فهم يعتقدون أن الفيلسوف شخص يعيش في العالم من الخيال. فإذا ما دعونا الناس إلى "التفلسف" رأوا في ذلك دعوة إلى حفلة من حفلات السحر التي نخرج منها وقد أخذت رؤوسنا بالدوران...
هكذا تبدو الفلسفة غالبا: عبارة عن لعب بالأفكار لا صلة له بالواقع، وهو لعب غامض يتقنه بعض المفضلين، وربما كان خطرا على صاحبه، كما أنه لن يفيد منه الذين يعيشون من عرق جبينهم.
ولقد حارب قبلنا الفيلسوف الفرنسي الكبير ديكارت هذا اللعب الغامض الخطر الذي انتهت إليه الفلسفة على يد البعض فوصف أشباه الفلاسفة بقوله:
"... يسمح لهم غموض المبادىء التي يستخدمونها بالحديث عن كل شيء بجرأة نادرة كما لو كانوا على علم تام بها، فإذا بهم يدافعون عن كل ما يقولونه بصددها ضد أمهر أعدائهم وأدقهم دون أن يجدوا السبيل إلى إقناعهم، فهم بذلك يشبهون ذلك الأعمى الذي جاء ينازع رجلا يرى في داخل قبر مظلم".
ولسنا نريد هنا أن ندخل بالقارىء إلى "قبر مظلم" لأننا نعلم أن الظلمة مواتية للحوادث السيئة. إذ أن هناك فلسفة غامضة مضرة، كما أن هناك أيضاً، كما يريد ديكارت، فلسفة واضحة مفيدة، تلك التي تحدث عنها جوركي بقوله:
"من الخطأ الاعتقاد باني أسخر من الفلسفة. بل أنا حزب لفلسفة تنبعث من الأرض ومن أطوار العمل، فتقوم بدراسة الطبيعة وتسخر قواها في سبيل خدمة الإنسان. وأنا اعتقد بأن الفكر مرتبط أشد الارتباط بالعمل، ولست نصير الفكر بينما نحن لا نحرك ساكنا نجلس أو نرقد بدون عمل."
ويهدف هذا المدخل لأصول الفلسفة الماركسية إلى تحديد الفلسفة عامة، وما الداعي إلى دراستها، وما هي الفلسفة التي يجب أن ندرسها.

1 – ما هي الفلسفة؟

فهم قدماء الاغريق ـ وكان بينهم أعظم من عرف التاريخ من مفكرين ـ من الفلسفة حب المعرفة. ذاك هو المعنى الدقيق لكلمة "فيلوسوفيا" (philosophia) التي اشتقت منها كلمة "فلسفة" (philosophie)
وتعني كلمة معرفة "معرفة العالم والإنسان". تتيح لنا هذه المعرفة إقامة بعض قواعد الفعل، كما تتنيح لنا تحديد موقفنا من الحياة. وكان الحكيم هو من يسير في سلوكه حسب هذه القواعد التي تقوم على معرفة العالم والإنسان.
ولقد استمرت كلمة "فلسفة" منذ ذلك العصر لأن الحاجة كانت ماسة إليها. وكثيرا ما تدل على معان مختلفة نظرا لاختلاف وجهات النظر إلى العالم. بيد أن معناها الدائم هو أنها:
"نظرة عامة إلى العالم، تمدنا بقاعدة للسلوك".
وسوف نستشهد بمثال من تاريخ بلادنا، على هذا التعريف.
كان الفلاسفة البورجوازيون في فرنسا يعتقدون في القرن الثامن عشر، كما كانوا يعلمون الناس، اعتمادا على العلوم، أن العالم يمكن معرفته، وكانوا يستنتجون من ذلك أنه يمكن تحويله من أجل خير الإنسان.
وكان الكثيرون يعتقدون، ومن بينهم كوندوسيه مؤلف كتاب:
عرض تاريخي لتقدم الفكر الإنساني (1794).
أن الإنسان يمكن إصلاحه وأن المجتمع يمكن أن يصبح أفضل مما هو عليه الآن.
فما كاد القرن ينقضي حتى أخذ الفلاسفة البورجوازيون يعلمون، على العكس من ذلك، انه لا يمكن معرفة العالم وأنه لا يمكن إدراك "حقيقة الأشياء" ولن ندركها قط. ومن هنا كان من العبث محاولة تحويل العالم. وإذا كنا نستطيع التأثير في الطبيعة، فأن هذا التأثير سطحي، لأننا لن ندرك "حقيقة الأشياء". وأما الإنسان... فهو كما كان في الماضي وسيظل كذلك. إذ أن هناك "طبيعة إنسانية" يستحيل علينا سبر غورها. "فما الفائدة إذن من الجهد لتحسين المجتمع؟
***
نرى من ذلك أن نظرتنا إلى العالم (أي الفلسفة) مسألة ذات أهمية. لأن تعارض نظرتين يؤدي إلى نتائج عملية متعارضة.
وهكذا أراد فلاسفة القرن الثامن عشر تغيير المجتمع لأنهم يعبرون عن مصالح البرجوازية ومطامحها. كانت البرجوازية آنذاك طبقة ثورية تناضل ضد الاقطاع. أما فلاسفة القرن التاسع عشر فهم يعبرون (سواء علموا ذلك أم لم يعلموه) عن مصالح هذه الطبقة بعد أن تخلت عن ثورتها وأصبحت محافظة، فآلت إليها السلطة وأصبحت تخشى صعود طبقة العمال الثورية.
فهي ترى أن لا شيء يجب تغييره في مجتمع يحتفظ لها بنصيب الأسد. ولقد قام الفلاسفة بتبرير مثل هذه المصالح حينما شغلوا الناس عن كل محاولة تهدف لتغيير المجتمع. مثال ذلك الوضعيون (les positivistes) وزعيمهم أوجوست كومت الذي يرى فيه الكثيرون "مصلحا اجتماعيا". بينما كان يعتقد بأن حكم البرجوازية أبدي، كما أن فلسفته الاجتماعية تتجاهل قوى الإنتاج وعلائق هذا الإنتاج. وهذا مما أدى بها إلى العجز. وأما التلفيقيون (les electiques) وزعيمهم فيكتور كوزين فقد كانوا فلاسفة البرجوازية الرسميين، وبرروا اضطهاد طبقة العمال، ولا سيما مجازر حزيران 1848، باسم "الحق" و "الجمال" و "الخير" و "العدالة" الخ. وأما فلسفة برجسون، الذي رفعته البرجوازية في سنوات 1900، أي في عصر الأمبراطورية، فقد أجهد نفسه ليشغل الإنسان عن واقعه العياني، وعن التأثير في العالم، وعن النضال لتغيير المجتمع، فإذا به ينادي أن على الإنسان أن يكرس نفسه "لذاته الداخلية" و "حياته الداخلية". وما سوى ذلك لا أهمية له. وهكذا يستطيع مستغلو عمل غيرهم أن يناموا مطمئنين.
شهدت البرجوازية الفرنسية فلسفتين مختلفتين في عصرين متتاليين. لأن هذه الطبقة بعد أن كانت ثورية في القرن الثامن عشر أصبحت مناهضة للثورة في القرن التاسع عشر. وليس هناك أروع من مقارنة النصين التاليين. يرجع النص الأول لعام 1789، وهي سنة ثورة البرجوازية. كتبه برجوازي ثائر هو كميل دي مولين الذي حيا العهد الجديد بقوله:
"طوبى لهذه الثورة المحظوظة. ليست هناك قوة على الأرض تستطيع أن تحول دون هذا البعث الجديد. هو ثمرة الفلسفة والحرية والوطنية. فإذا بنا لا نعرف التقهقر والاستسلام.
وهاك النص الآخر، فهو يرجع لعام 1848، وقد كتبه السيد تيير السياسي البرجوازي يدافع فيه عن مصالح طبقته التي كانت تتولى الحكم ضد طبقة العمال:
"آه لو أن الحالة تعود إلى سابق عهدها. لن أقف في وجه تطور مدارس أطفال الشعب لو قام عليها خوري الضيعة أو مساعده وأني أطالب بتغيير هؤلاء المعلمين العلمانيين الذين يبعث العدد الكبير منهم على الكراهية، أطالب بأن يشرف على المدارس اخواننا الرهبان (les fretes) بالرغم من أنني أسأت الظن بهم سابقاً فأنا أريد أن أزيد من قوة تأثير الكهنوت، كما أطالب بأن يزداد تأثير الخوري أكثر مما هو الآن لأنني اعتمد كثيرا عليه لنشر تعاليم هذه الفلسفة الصالحة التي تعلم الإنسان أنه خلق ليتألم، وليس لنشر تعاليم الفلسفة الأخرى التي تعلم الإنسان عكس ذلك وتقول له: "تمتع بالحياة لأنك خلقت لتنعم بنصبيك من السعادة حتى إذا لم تنله فأضرب الغني الذي تأبى عليك أنانيته نصيبك من السعادة لأنك بأخذك من الغني ما يفيض عنه تؤمن سعادتك وسعادة جميع الذين يقاسون نفس حالتك"
يهتم تيير كما نرى بالفلسفة فما الدافع إلى هذا الاهتمام؟ لأن للفلسفة طابعا طبقيا. ولا يجهل الفلاسفة ذلك. غير أن كل نظرة للعالم تحتوي على معنى تطبيقي فهي تفيد بعض الطبقات كما أنها تسيء إلى طبقات أخرى. وسنرى بأن الماركسية فلسفة طبقية أيضاً.
بينما كان يرى كميل دي مولين البرجوازي الثائر في الفلسفة سلاحا لخدمة الثورة، إذا بتيير المحافظ يرى فيها سلاحا لمقاومة الإصلاح الاجتماعي، لأن الفلسفة الصالحة "هي التي تدعو العمال إلى الخضوع والاستسلام". ذلك هو تفكير من سيصوب رصاص البنادق إلى صدور رجال الكومون (les communards)

***
2 – ما الداعي إلى دراسة الفلسفة؟

يتهم اليوم خلفاء السيد تيير، في فرنسا وفي الولايات المتحدة، الماركسيين أمام الرأي العام. وهم لا يسعون فقط للقضاء على الماركسيين بل على الفلسفة الماركسية أيضا، كما حاول السيد تيير أن يقضي، في قتله لرجال الكومون، على أفكارهم التي تدعو إلى التقدم الاجتماعي. ولهذا كان واجب العمال واضحا. وهو معارضة الفلسفة التي تخدم المستغلين بفلسفة تساعد على النضال ضدهم. وستبدو لنا أهمية مثل هذه الفلسفة إذا دخلنا ميدان الوقائع.
تدل هذه الوقائع على الوضع الصعب الذي تفرضه سياسة البرجوازية، وهي الطبقة المسيطرة اليوم، على مجموع العمال في بلادنا من بطالة وحياة صعبة وسد أبواب العمل في وجه الشبان والاستهانة بالقوانين الاجتماعية وحق الإضراب والحريات الديمقراطية والاضطهاد والاعتداء المسلح (لاسيما اعتداء 14 تموز سنة 1953 في باريس)، واستعمار البلاد على أيدي الأميركان، وإعلان حرب الفيتنام الدامية الباهظة، وإعادة تأسيس الطيران الألماني الحربي الخ... ولهذا كان السؤال الذي يتردد على السنة العمال هو التالي: ما السبيل إلى التخلص من كل هذا؟ كما أصبحت الحاجة لمعرفة سبب ذلك ملحة عامة حادة. ما سبب خطر الحرب؟ ما سبب الفاشية؟ ما سبب الفقر؟ ذلك لأن عمال بلادنا يريدون فهم سبب كل ما يجري حولهم ليعملوا على تغييره.

يتضح إذن أنه إذا كانت الفلسفة نظرة للعالم لها نتائجها العملية فأنه يهم العمال الذين يريدون تغيير العالم أن تكون لهم نظرة صادقة للعالم. كما أنه يجب التصويب بدقة لكي نصيب الهدف.
فلنفرض أن جميع العمال يعتقدون أنه يمكن معرفة الواقع فإذا بهم عزل أمام الحرب، والبطالة، والجوع، عاجزون عن فهم كل ما يحدث لهم فيرضون به على أنه مصيبة قدرت عليهم. وهذا ما كانت تسعى إليه البرجوازية. ولهذا فهي لا تألو جهدا في استخدام كل وسيلة لاشاعة هذه النظرة للعالم التي تخدم مصالحها. وهذا ما يفسر لنا كثرة انتشار مثل هذه الأفكار: "سيكون هناك دائماً أغنياء وفقراء" أو "المجتمع فاسد وسيظل كذلك. فعلى كل منا أن يهتم بنفسه! أقض على غيرك أن كنت لا تريد أن يقضي الغير عليك. واسع أيها العامل إلى كسب مودة صاحب العمل على حساب رفاقك في العمل، وهذا أفضل من أن تتحد معهم للدفاع المشترك عن أجوركم. فعليك أيها العامل أن تصبح عشيق صاحب العمل فتضحك لك الحياة. مهما حل بالآخرين"
نجد هذه الأفكار بكثرة في المختار (من ريددز دايجست) وفي صحافة العشق والغرام. وهي بمثابة السم الذي تحاول البرجوازية أن تفسد به ضمير العمال والذي يجب عليهم أن يحذروه.
نلقى هذا السم في صور متعددة. وهكذا يشتري العمال الذين لا يزالون يقرأون جريدة (Franc–Tireur) سما بخمسة عشر فرنكا كل يوم على غير علم منهم، لأن هذه الجريدة تضج من سوء الحال ولكنها لا تقول السبب الذي جعل الأحوال تسوء، وهي تسعى إلى الحيلولة دون اتحاد العمال أو القضاء على هذا الاتحاد الذي هو الوسيلة الوحيدة للخروج من هذه "الحال".
تتعلق جميع هذه الأفكار بالنظرة إلى العالم أي بالفلسفة فنحن أما أن نأخذ المجتمع على علاته فنخضع للاستغلال وأما أن نبني لأنفسنا مكانا تحت الشمس.
وهاك ما كتبته جريدة (super–boy) وهي إحدى الجرائد الكثيرة التي تخصصها البرجوازية لأطفال العمال.
"هل كتب علينا ان نبحث دائما عن سبب حدوث ما يحدث لنا وكيفية حدوثه؟ فنحن نقاسي الظلم كل يوم ونرى القوة تعلو على الحق"
يعلم الأطفال هذا النص البطش واحتقار الإنسان، وهذا ما يخدم حاجات البرجوازية المعتدية التي تعتبر حرب الغزو والاعتداء النشاط الطبيعي للإنسان.
ونذكر هنا ما قاله لينين عام 1920 في المؤتمر الثالث لاتحاد الشباب الشيوعي في روسيا فلقد وصف المجتمع الرأسمالي بقوله:
قام المجتمع القديم على المبدأ التالي: أما أن تسلب جارك وأما أن يسلبك جارك، أما أن تعمل لمصلحة الغير وأما أن يعمل الغير لمصلحتك، إما أن تكون مالكا للعبيد وإما أن تكون عبدا. ولهذا ندرك أن الأناسي الذين ينشأون في مثل هذا المجتمع يرضعون مع لبن أمهاتهم نفسية النخاس أو العبد، وعاداته وأفكاره أو المالك الصغير، أو المستخدم البسيط، أو الموظف الحقير، أو المثقف أي نفسية الإنسان الذي لا يفكر ألا بامتلاك ما يحتاج إليه دون أن يعبأ بالآخرين.
فإذا كنت استغل قطعة الأرض الصغيرة التي أملكها فليس علي أن أهتم بمصير الآخرين، حتى إذا ما حلت المجاعة بهم بعتهم قمحي بثمن باهظ.
وإذا كنت أمارس الطب أو الهندسة أو كنت معلما في مدرسة أو مستخدما. فمالي وللآخرين؟ إذ ربما احتفظت بمركزي ونجحت في الانضمام إلى زمرة البرجوازية عن طريق مداهنة ذوي السلطان والفوز برضاهم.
يجب علينا أن نحارب هذه الفلسفة القديمة، العزيزة على قلب البرجوازية الحاكمة، في نفوسنا وخارج هذه النفوس لأنها لا تعتمد فقط على التقاليد والأوهام القديمة، بل على الصحافة والمذياع والخيالة فنلبي نداء باربوس الذي قال بصدد هذا النضال ضد الأفكار القديمة السامة:
Recommence-toi, sil le faut
ec une magnifique honnetete ?
يجب علينا أن نعمل على تكوين أفكار جديدة تحمل في طياتها الثقة وتخلو من اليأس، تدعو إلى النضال ولا تشير بالاستسلام. وليست تلك مسألة ثانوية بالنسبة للعمال، بل هي مسألة حياة أو موت لأنهم لن يتحرروا من الاضطهاد الطبقي إلا إذا كانت لديهم فكرة عن العالم تمكنهم من تغييره فعلا.
وهكذا يروي لنا جوركي في "الأم" كيف أن امرأة عجوزا، أيام القيصرية في روسيا، كانت تعيش مستسلمة يائسة فإذا بها تنقلب ثائرة لأنها فهمت بفضل أبنها، وهو بطل مناضل من أبطال الاشتراكية، مصدر آلام الشعب وأدركت إنه يمكن القضاء على هذه الآلام.
ولهذا لن تكون دراسة الفلسفة جهدا لا طائل تحته للذين يأبون الاستسلام، لأن النظرة الموضوعية للعالم هي التي تمدهم بأسباب هذا النضال.
وليس هناك من نضال مظفر بدون فلسفة صادقة. ويعتقد البعض أنه يكفي للنجاح توفر شروط النجاح. وهذا خطأ لأنه يجب أيضاً معرفة أن هذه الشروط متوفرة. وكلما تعقدت الأشياء كلما زادت أهمية معرفة معالجتها.
تصح هذه الملاحظات بصدد النضال الثوري من أجل الاشتراكية والشيوعية ولهذا قال لينين: "ليس من حركة ثورية بدون فلسفة ثورية".
كما تصح أيضا في النضال من أجل أهداف أخرى كالنضال من أجل الحريات الديمقراطية، من أجل الخبز أو من أجل السلام.
يجب علينا اذن أن ندرس الفلسفة لضرورة عملية. فلنر الآن عن قرب ما هي هذه الفلسفة التي تتيح لنا فهم العالم والنضال من أجل تغييره.
3 – ما هي الفلسفة التي ندرسها؟

أ) – الفلسفة العلمية: المادية الجدلية
إذا أردنا تغيير الواقع سواء كان الطبيعة أو المجتمع فإنه يجب علينا أن نعرف هذا الواقع. يعرف الإنسان العالم بواسطة العلوم المختلفة، ولا توافق العمال في نضالهم أجل حياة أفضل إلا نظرة علمية للعالم. هذه النظرة العلمية هي الفلسفة الماركسية أو المادية الجدلية.
ويتبادر هنا إلى ذهننا سؤال وهو: ما الفرق بين "العلم" و "الفلسفة" أو ليست الفلسفة مماثلة للعلم؟ لا تنفصل الفلسفة الماركسية عن العلوم ولكنها تتميز عنها. إذ أن غرض كل من علوم الفيزياء والبيولوجيا والنفس هو دراسة القوانين المتعلقة بجزء معين من الواقع. أما المادية الجدلية فهي تهدف لغرضين:
ـ تدرس المادية الجدلية أعم قوانين الكون، وهي القوانين التي تشترك فيها جميع جوانب الواقع من طبيعة فيزيائية وفكر مارة بالطبيعة الحية وبالمجتمع، وسوف ندرس في الدروس المقبلة هذه القوانين. غير أن ماركس وانجلز، وهما مؤسسا المادية الجدلية، لم يبدعا الجدلية من خيالهما. بل إن تقدم العلم هو الذي أتاح لهما اكتشاف أعم القوانين التي تشترك فيها جميع العلوم وصياغتها وهي القوانين التي تعرضها الفلسفة.
ـ كما أن الفلسفة الماركسية نظرة علمية للعالم، وهي النظرة الوحيدة العلمية أي التي تتفق وتعاليم العلوم. فما هي هذه التعاليم؟ تعلمنا العلوم أن الكون حقيقة مادية، وأن الإنسان ليس غريبا على هذه الحقيقة، وأنه يمكنه معرفتها، ومن ثم تغييرها كما تدل على ذلك النتائج العملية التي توصلت إليها مختلف العلوم. وسنبدأ دراسة المادية الفلسفية في الدرس الثامن حتى الدرس الحادي عشر. وليست المادية الماركسية مماثلة للعلوم لأنها لا تهدف جانبا معينا من جوانب الواقع كما تفعل العلوم بل هي تسعى لفهم العالم بجعله في نظرة تقبلها العلوم جمعاء ولو لم يكن العلماء ماركسيين.
يقول انجلز: "تعني النظرة المادية للعالم النظرة إلى الطبيعة كما هي، بدون أي إضافة خارجية".
يدرس كل علم جانبا من "الطبيعة كما هي". أما الفلسفة الماركسية فهي "النظرة العامة للطبيعة كما هي" فهي بهذا فلسفة علمية بالرغم من أنها لا تماثل العلوم.
قلنا أن المادية الجدلية لا تماثل العلوم. ولكننا وجدنا أيضاً أن العلوم جدلية بالضرورة، لأنها لا يمكن أن تتكون إذا ما تجاهلت أعم القوانين في الكون. كما أنها مادية لأن موضوعها الكون المادي.
وبهذا تنفصل المادية الجدلية عن العلوم. ولا تتقدم ألا باعتمادها على هذه العلوم، كما أنها تعين العلوم كما سنرى ذلك. وتقوم مهمتها على نقد النظريات غير العلمية عن العالم، والفلسفات المعارضة للجدلية وللمادية.
كما توسع المادية التاريخية ميدان مبادىء المادية الجدلية فتشمل المجتمع، وسندرس ذلك ابتداء من الدرس الواحد والعشرين.
وتكون المادية الجدلية التاريخية الأساس النظري للاشتراكية العلمية، أو الشيوعية.
ولقد اختصر ستالين كل ذلك فكتب يقول:
"الماركسية هي العلم الذي يقوم بدراسة قوانين تطور الطبيعة والمجتمع، وهي العلم الذي يدرس ثورة الطبقات المضطهدة المستغلة، كما أنها العلم الذي يصف لنا انتصار الاشتراكية في جميع البلدان، وأخيرا هي العلم الذي يعلمنا بناء المجتمع الشيوعي".

ب)- الفلسفة الثورية: فلسفة العمال
لما كانت الفلسفة الماركسية فلسفة علمية فأنها بذلك فلسفة العمال فهي فلسفة حزب العمال وفلسفة الطبقة الثورية التي يقوم دورها التاريخي على قهر البرجوازية والقضاء على رأس المال وبناء المجتمع الاشتراكي.
وسوف نعود في الدرس الرابع عشر للحديث عن أهمية الرابطة التي تربط العمال بالماركسية. ولكن يجب أن نوضح ذلك منذ الآن. إذا كان العمال قد انضموا إلى الفلسفة الماركسية، وإذا كانوا قد تمثلوا هذه الفلسفة وغذوها فما ذلك إلا لأن نضالهم من أجل تغيير المجتمع الذي هم ضحيته قد أوجب عليهم فهم هذا المجتمع ودرسه دراسة علمية. وتحاول البرجوازية، للدفاع عن مصالحها في كونها طبقة محظوظة، أن تنسي الناس أن سيطرتها ترتكز على استغلال قوى العمل. فهي تنكر واقع الاستغلال الرأسمالي، لأن الاعتراف بهذا الواقع لا يتفق ومصالحها كطبقة مستغلة. ولهذا نرى البرجوازية تضرب صفحا عن هذه الحقيقة.
يختلف عن ذلك مركز العمال. إذ أن مصلحتهم، كطبقة مستغَلة تريد تحطيم قيد الاستغلال، في أن ينظروا للعالم وجها لوجه. وتحتاج الطبقة المستغِلة إلى الكذب لدوام الاستغلال، بينما تحتاج الطبقة الثائرة إلى الحقيقة للقضاء على الاستغلال. فهي بحاجة لنظرة صادقة عن العالم تساعدها على اتمام مهمتها الثورية على أكمل وجه. هذه النظرة إلى العالم وجها لوجه هي المادية. كما أن النظرة إلى العالم في تطوره الواقعي هي المادية (لأن الجدلية تقوم بدراسة القوانين التي تفسر تطور المجتمع).
نستطيع القول إذن أنه لما كانت المادية الجدلية فلسفة علمية فقد أصبحت بذلك فلسفة الطبقة الثائرة، فلسفة الطبقة التي تقوم مصلحتها على فهم المجتمع للتخلص من الاستغلال وبهذا تكون الماركسية فلسفة العمال العلمية.
كتب أ. جدانوف يقول:
"أدى ظهور الماركسية كفلسفة علمية لطبقة العمال إلى انتهاء عصر الفلسفة القديمة حين كانت الفلسفة شغل المتوحدين داخل مدارس تتألف من عدد صغير من الفلاسفة والصحابة الذين كانوا يعيشون بعيدين عن العالم الخارجي وقد انفصلوا عن حياة الشعب وأصبحوا كالأغراب بالنسبة إليه.
"إذ ليست الماركسية مدرسة فلسفية من هذا النوع. بل هي تبدو، على العكس، تجاوزا للفلسفة القديمة بعد أن كانت هذه مقتصرة على بعض المختارين ضمن ارستقراطية فكرية، كما أنها بداية مرحلة جديدة تصبح فيها الفلسفة سلاحا علميا في أيدي الطبقات الكادحة التي تناضل من أجل تحريرها"
تلك هي الفلسفة التي سندرسها لأنها، لما كانت فلسفة علمية، فأنها تحمل إلى العمال الضياء الذي ينير أمامهم سبل النضال. تحمل إلى العمال كافة وليس فقط إلى "البروليتاريا" لأن من يعملون بايديهم وتفكيرهم حلفاء "للبروليتاريا" يتفقون معها في المصلحة ضد البرجوازية الرأسمالية. ولهذا كانت دراسة الماركسية، وهي فلسفة العمال العلمية، واجبا على كل من يريدون القضاء على الأكاذيب التي تنتشر في ظلال البرجوازية. والفلسفة الماركسية، كأي علم، في تناول كل إنسان مهما كانت الطبقة التي ينتمي إليها: وهكذا يمكن للبرجوازي أن يكون ماركسيا إذا أنضم إلى جانب العمال وأخذ بوجهة نظرهم.
غير أن الرابطة التي تربط الماركسية بالعمال تساعدنا على فهم كون الفلسفة الماركسية فلسفة حزب. لأنه لا يمكن للعمال أن يقهروا البرجوازية بدون حزب ثوري مطلع على قوانين المجتمعات. ولقد عبر عن تلك الفكرة كل من ماركس وانجلز في بيان الحزب الشيوعي، كما قال لينين:
"كان ماركس وأنجلز في الفلسفة حزبيين"
وكذلك كان شأن أفضل رفاقهما ولا سيما لينين وستالين.

4 – الخلاصة: وحدة النظرية والتطبيق

ليست دراسة الفلسفة الماركسية بالنسبة للعمال وخاصة البروليتاريا ضربا من الترف بل هي واجب طبقي. فإذا ما تقاعسنا عن تادية هذا الواجب تركنا المجال واسعا لنظريات غير العلمية الرجعية التي تخدم الاضطهاد البرجوازي وحرمنا الحركة العمالية من رائدها الذي يدلها على الطريق السوي.
تخشى البرجوازية من فلسفة العمال وتحاربها بجميع الوسائل. ولهذا فقد طمست خلال عشرات السنين النظرية الماركسية فأبعدتها عن الجامعات. حتى إذا ما عظم تأثير المادية الجدلية، كلما ازدادت سلطة الطبقة العاملة، كان لا بد من اصطناع الحيلة، فإذا بالدعاة البرجوازيين يغيرون من لهجتهم فيقولون: "لقد كانت الماركسية صالحة في العهود الغابرة أما الآن فقد أصبحت بالية" ومن هنا نشأت مختلف المحاولات لتجاوز الماركسية. غير أن هذه المحاولات العديدة تمر بمرحلة تمهيدية تقوم على تشويه أسس الماركسية الفلسفية والمادية الجدلية.
ولقد وجدت البرجوازية نصيرا لها في هذا العمل عند زعماء الديمقراطية الاجتماعية العالمية. ولا سيما مساعدة ليون بلوم في بلادنا فهو ينكر في كتابه "على مستوى الإنسان" (A l Echelle humaine) (1946) ضرورة اعتماد الاشتراكية على فلسفة مادية بالرغم من تعاليم ماركس الدائمة بهذا الصدد. كما أن زعماء الاشتراكية العالمية يلجأون إلى كنف الدين في قولهم:
"ليست الماركسية والمادية الجدلية والتاريخية ضروريتين للاشتراكية فأن الدين له نفس الشأن"
وسنرى أن مثل هذه المحاولات تؤدي إلى الحيلولة دون النضال الطبقي وتقف في وجه الثورة.
غير أن كل هذا لا يمكن أن يغير من حقيقة المادية الجدلية والمادية التاريخية. فالوقائع هي الوقائع. وإذا بنا نشهد اليوم تناحر مختلف الدول الرأسمالية بالرغم من تحالفها ضد بلاد الاشتراكية. ويعترف الرأسماليون أنفسهم بهذا الوضع. ولقد تنبأ به ستالين ووصفه في آخر كتاب له "مشاكل الاشتراكية الاقتصادية في الاتحاد السوفياتي" ذلك الكتاب الذي يعرض للفلسفة الماركسية وينميها.
أن انتصار الاشتراكية وقيام الشيوعية في روسيا وازدهار الديمقراطيات الشعبية، وتقدم الأحزاب العمالية الماركسية اللينينية لأسطع دليل على قوة الفلسفة الماركسية. أما الفلسفات البرجوازية فهي لا تستطيع سوى تسجيل ازدياد أزمة الرأسمالية العامة فتحاول تبريرها دون أن تستطيع تفسيرها.
وهناك مع ذلك مسألة لا يجب على من يدرس الفلسفة الماركسية إغفالها وهي أنه لما كانت الماركسية فلسفة علمية لطبقة البروليتاريا الثائرة فانها لا تفصل قط الناحية النظرية عن الناحية العملية. فقد كان ماركس وأنجلز ورفاقهما رجال فكر وعمل في نفس الوقت. ولقد أغنت الماركسية هذه العلاقة العضوية بين الفلسفة والتطبيق فإذا بكل مرحلة من مراحل الحركة الثورية تمهد السبيل لتطور جديد في الفلسفة الماركسية. ولا نستطيع تمثل مبادىء الماركسية إذا لم نشارك في العمل الثوري الذي يظهر خصبها.
ليست الفلسفة الماركسية اللينينية عقيدة بل هي رائد للفعل.




القسم الأول
دراسة المنهج الجدلي الماركسي
الدرس الأول
المنهج الجدلي


1 – ما هو المنهج؟
2 – المنهج الميتافيزيقي
أ) صفاته
ب) معناه التاريخي
3 – المنهج الجدلي
أ) صفاته
ب) تكوينه التاريخي
4 – المنطق الشكلي والمنهج الجدلي

سميت المادية بالجدلية لأن طريقتها في اعتبار الظواهر الطبيعة ومنهجها في البحث والمعرفة جدليان، كما أن تفسيرها لظواهر الطبيعة ونظرتها إلى هذه الظواهر ماديان.

1 ـ ما هو المنهج؟
نعني "بالمنهج" الطريق الذي يؤدي بنا إلى الهدف. ولقد درس كبار الفلاسفة أمثال ديكارت وسبينوزا وهجل قضايا المنهج لأهتمامهم بأكتشاف أكثر الوسائل عقلانية لبلوغ الحقيقة. ويريد الماركسيون أن ينظروا إلى الواقع وجها لوجه فيتخطوا المظاهر المباشرة. ولهذا كان للمنهج أهمية كبرى عندهم. ذلك لأن المنهج العلمي هو المنهج الوحيد الذي يتيح لهم تكوين هذه النظرة العلمية إلى العالم والتي هي ضرورية لأتمام عملية التغيير الثورية.
والجدلية هي ذلك المنهج وهي المنهج الوحيد الذي يوافق النظرة العلمية إلى العالم.
وسنخصص الدرس الستة التالية من هذا البحث لدراسة المنهج الجدلي. ولكن يجب أن نعد أنفسنا لذلك بالقاء نظرة عابرة على ذلك. وسوف يسهل هذه النظرة المقارنة بين المنهج الجدلي (وهو منهج علمي) وبين المنهج الميتافيزيقي (وهو منهج مناقض للعلم).


2 ـ المنهج المتافيزيقي
أ) ـ صفاته
ااشترينا زوجا من الأحذية الصفراء. وبعد مدة من الزمن تبلى فنصلحها ومع ذلك نقول بأننا نلبس أحذية صفراء دون أن ندرك أنها لم تعد نفس الأحذية التي اشتريناها سابقا، ولكننا نهمل الإشارة إلى ما أصابها من تغيير فنعتبرها وكأنها لا تزال على حالها.
سيساعدنا هذا المثال على فهم ماهية المنهج الميتافيزيقي.
يعتبر مثل هذا المنهج، حسب قول انجلز، الأشياء "وكأنها تامة الصنع" لا تتغير، لا تتأثر بأسباب التغير.
ولنشر إلى أن كلمة "ميتافيزيقية" مشتقة من "ميتا" اليونانية وهي تعني "ما وراء" و "فيزيقيا" وهي تعني علم الطبيعة. وموضوع الميتافيزيقيا (ولا سيما عند ارسطو) هو دراسة الكائن الذي يوجد وراء الطبيعة. وبينما الطبيعة متغيرة، فأن الكائن الذي يوجد وراء الطبيعة ابدي لا يتغير. يسميه البعض الله، ويسميه الآخرون المطلق.. الخ.
ويعتقد الماديون، الذين لا يعتمدون على العلم فقط، أن هذا الكائن خيالي (راجع الدرس التاسع). ولما كان قدماء الأغريق لم يصلوا إلى تفسير الحركة فقد اضطر بعض فلاسفتهم أن يقيموا، وراء الطبيعة المتغيرة، مبدأ أبديا.
فإذا ما تحدثنا عن منهج ميتافيزيقي أردنا بذلك منهجا يجهل حقيقة الحركة والتغير. ولهذا كان عدم رؤيتي لتغير حذائي موقفا ميتافيزيقيا. تجهل الميتافيزيقيا الحركة وتقول بالسكون والتماثل وشعارها "لا جديد تحت الشمس". كما أن القول بأن الرأسمالية أبدية وأن مصائب الرأسمالية وعيوبها (من أفساد وأنانية وقسوة) التي تولدها في الناس مخلدة ضرب من التفكير الميتافيزيقي. لأن الميتافيزيقي يتمثل في خاطره إنسانا أبديا لا يتغير.
لماذا ؟ لأنه يفصل الإنسان عن بيئته وعن مجتمعه. فهو يقول: "يوجد من جهة الإنسان، ومن جهة ثانية المجتمع. فإذا ما قضينا على المجتمع الرأسمالي ليحل محله مجتمع اشتراكي ظل الإنسان مع ذلك إنسانا". نقع هنا على صفة ثانية من صفات الميتافيزيقيا: فهي تفصل بصورة اعتباطية بين ما هو في الواقع لا انفصال بينه. فالإنسان ثمرة لتاريخ المجتمعات. وهو ليس كذلك خارج المجتمع بل بتأثيره. وهكذا يفصل المنهج الميتافيزيقي ما هو متصل في الواقع. ويقوم بتصنيف جميع الأشياء تصنيفا نهائيا. فهو يقول مثلاً: "السياسة من جهة والنقابة من جهة". ولا شك أن السياسة والنقابة شيئان، غير أن التجربة والحياة تبرهن لنا على أنه لا يمكن فصل السياسة عن النقابة، لأن ما يحدث في النقابة يؤثر في السياسة، كما أن النشاط السياسي (كالدولة، والأحزاب، والانتخابات) يؤثر في النقابة.
تؤدي هذه التجزئة بالميتافيزيقي إلى أن يفكر في كل مناسبة بهذا الشكل: يكون الشيء هذا أو ذاك، فهو لا يمكنه أن يكون في نفس الوقت هذا أو ذاك" مثال: ليست الديمقراطية هي الدكتاتورية، وليست الدكتاتورية هي الديمقراطية فالدولة إذن إما أن تكون ديمقراطية وأما أن تكون دكتاتورية. ولكن ما الذي تعلمنا أياه الحياة ؟ تعلمنا الحياة أن الدولة يمكن أن تكون، في نفس الوقت، دكتاتورية وديمقراطية. فالدولة البرجوازية، في الولايات المتحدة مثلا، ديمقراطية بالنسبة لأقلية من كبار الممولين الذين يتمتعون بجميع الحقوق وكل السلطات. وهي دكتاتورية بالنسبة للأغلبية الساحقة من أوساط الناس الذين لا يتمتعون إلا بحقوق وهمية. أما الدولة الشعبية، في الصين مثلا، فهي دكتاتورية بالنسبة لأعداء الشعب وبالنسبة للأقلية المستغلة التي طردتها الثورة من الحكم، وهي ديمقراطية بالنسبة للأغلبية المطلقة من العمال الذين تحرروا من الاضطهاد.
ولما كان الميتافيزيقي يحدد الأشياء تحديداً نهائياً ويحرص على أن يعزلها بعضها عن بعض، فأنه مضطر إلى أن يناقض بعضها بالبعض على أنها متنافرة لا يمكن التوحيد بينها. فهو يعتقد أنه لا يمكن أن يوجد متناقضان في نفس الوقت، فهو يقول إن الكائن إما أن يكون حيا وإما أن يكون ميتا، ولا يمكن أن يتصور أن كائنا ما يمكن أن يكون حيا وميتا في نفس الوقت. ومع ذلك تحل في الجسد الإنساني. في كل لحظة. خلايا جديدة محل الخلايا الميتة. وتقوم حياة الجسم على هذا النضال المستمر بين الأضداد.
يمتاز المنهج الميتافيزيقي إذن برفضه للتغير وفصله بين ما لا يمكن فصله وإهماله للأضداد. وسوف ندرس كل ذلك بتفصيل في الدروس المقبلة. فنقارن بين هذه الصفات والصفات التي يمتاز بها المنهج الجدلي. ولكن يمكننا منذ الآن أن نحس بالأخطار التي يمكن أن يؤدي إليها المنهج الميتافيزيقي في البحث عن الحقيقة والتأثير في العالم. لأن الميتافيزيقيا يفوتها جوهر الواقع الذي هو تغير مستمر وتحول دائم: فهي لا تريد أن ترى إلا جانبا واحدا من هذا الواقع الغني وأن ترد الكل إلى أحد أجزائه فترد الغابة بأكملها إلى إحدى شجراتها. فهي لا تتخذ صورة الواقع كما تفعل الجدلية بل تريد أن تحمل الواقع الحي على أن يتخذ صورة قوالبها الميتة. وهي مهمة مصيرها إلى الفشل.
تروي خرافة يونانية قديمة مساوىء قاطع الطريق بروكست الذي كان يرقد ضحاياه على سرير ضيق. فإذا كانت الضحية أضخم من السرير قطع رجليها، وإذا كانت ضئيلة مدد أعضاءها... وهكذا تفعل الميتافيزيقا بالوقائع غير أن الوقائع عنيدة لا تستسلم.

***
ب) – معناه التاريخي
قبل أن نتعلم رسم الأشياء المتحركة يجب علينا أن نتعلم رسم الأشياء الثابتة. وهذا هو شأن تاريخ الإنسانية. فلقد أدى لها المنهج الميتافيزيقي خدمات جلى حين لم يكن باستطاعتها تكوين منهج جدلي.
كان للمنهج القديم في البحث والتفكير، والذي يسميه هجل المنهج "الميتافيزيقي"، والذي كان يفضل دراسة الأشياء على أنها ثابتة والذي لا تزال بقاياه تراود العقول، كان لهذا المنهج ضرورته التاريخية. إذ كان يجب دراسة الأشياء به أولا، قبل دراسة ما يعتريه من تغيرات وتحولات كان يجب معرفة ماهية هذا الشيء أو ذاك قبل ملاحظة ما يعتريه من تحول. وكذلك كان شأن العلوم الطبيعية ولقد كانت الميتافيزيقا القديمة، التي كانت تعتبر الأشياء أبدية لا تتغير، ثمرة علم الطبيعة الذي كان يدرس الأشياء الميتة والحية على أنها لا تتغير.
ولم يكن باستطاعة علم الطبيعة آنذاك أن يفعل غير ما فعل. إذ كان يجب معرفة الأنواع الحية، أولا، والتمييز بينها بعناية، وتصنيفها لمعرفة أن النبات ليس حيوانا وأن الحيوان ليس نباتا. كما كان يجب في علم الفيزياء فصل الحرارة عن النور والكثافة.. الخ، خوفا من الخلط بينها والتكرس لدراسة أبسط الظواهر. وهكذا لم يستطع العلم، مدة طويلة من الزمن، تحليل الحركة، أيام جاليلي وديكارت بل أكتفى بأبسط صور الحركة وهي تغيير المكان.
غير أن تقدم العلوم حمل العلماء على الخروج عن نطاق الميتافيزيقا الضيق.
حتى إذا ما تقدمت دراسة الطبيعة وأمكن الانتقال لدراسة التغييرات التي تخضع لها الأشياء ضمن الطبيعة بصورة منظمة أزفت ساعة أفول الميتافيزيقا القديمة.
3 – المنهج الجدلي
أ) – صفاته
تنظر الجدلية إلى الأشياء والمعاني في ترابطها بعضها بالبعض وما يقوم بينها من علاقة متبادلة، وتأثير كل منها في الآخر. وما ينتج عن ذلك من تغيير كما تنظر إليها عند ولادتها ونموها وانحطاطها.
وهكذا تتعارض الجدلية في كل ناحية مع الميتافيزيقا. وليس ذلك لأن الجدلية لا تقبل أي سكون أو فصل بين مختلف جوانب الواقع بل هي ترى في السكون جانبا نسبيا من الواقع. بينما الحركة مطلقة. وهي تعتبر أيضاً أن كل فصل أو تمييز هو نسبي لأن كل شيء يحدث في الواقع بطريقة أو أخرى. وأن كل شيء يؤثر في الآخر. وسندرس قوانين الجدلية في الدروس الستة المقبلة.
وهكذا لما كانت الجدلية تهتم بالحركة في كل أشكالها وليس فقط بالتغيير المكاني بل بتغييرات الحالات كتحول الماء السائل إلى بخار فإنها تفسر الحركة عن طريق نضال الأضداد. ذلك أهم قانون في الجدلية، وسوف نخصص له الدرس الخامس والسادس والسابع.
يقوم الميتافيزيقي بعزل الأضداد بعضها عن بعض، وينظر إليها على أنها متنافرة بصورة منظمة. أما الجدلي فهو يكتشف بأنه لا يمكن أن يوجد بعضها دون البعض، وأن كل حركة وكل تحول إنما يفسره ما ينشأ بينها من نضال. ولقد أشرنا، في المسألة الثانية من هذا الدرس، إلى أن حياة الجسد هي نتيجة نضال مستمر بين قوى الحياة وقوى الموت، وأنها انتصار تنتزعه الحياة من براثن الموت.
إذ أن كل كائن عضوي هو في كل لحظة، ذاته وليس بذاته، فهو، في كل لحظة. يتمثل مواد غريبة ويفرز مواد أخرى، تموت في كل لحظة، خلايا من جسده بينما تتكون أخرى. فإذا بماهية هذا الجسد تتجدد في مدة قصيرة، وقد حل محلها ذرات مادية أخرى، بمعنى أن كل كائن عضوي هو دائما ذاته وليس بذاته.
حتى إذا ما تأملنا الأشياء جيدا وجدنا أن قطبي التناقض لا يمكن الفصل بينهما بالرغم من تناقضهما، وأن كلا منهما يتداخل في الآخر، وهكذا فأن السبب والنتيجة هما تصوران لا قيمة لهما ألا إذا طبقناهما على حالة معينة، حتى إذا ما اعتبرنا هذه الحالة المعينة في علاقتها بمجموع العالم انحلا في نظرتنا إلى التفاعل الشامل المتبادل حيث تتبدل الأسباب والنتائج باستمرار فيصبح ما كان نتيجة هنا سببا هناك وهكذا دواليك.
وهكذا شأن المجتمع أيضا. وسنرى بأن نضال الأضداد يظهر في المجتمع في صورة نضال الطبقات. كما أن نضال الأضداد يثير الفكر. (راجع الدرس السادس، المسألة 3)

ب) – تكوينه التاريخي
يعود الفضل إلى الفلاسفة اليونان في البدء بتكوين الجدلية. فقد تصوروا الطبيعة ككل. وكان هر قليط يعلم الناس أن هذا الكل يتحول، فكان يقول لا ندخل قط في نفس النهر مرتين. كما يحتل نضال الأضداد عندهم مكانة كبيرة ولا سيما عند أفلاطون الذي يشير إلى خصب هذا النضال، إذ أن الأضداد يولد كل منها الآخر. وكلمة "الجدلية" مشتقة من الكلمة اليونانية "dia legein" وتعني "جادل" فهي تعبر عن صراع الأفكار المتناقضة.
ونجد عند أكبر مفكري العصر الحديث ولا سيما عند ديكارت وسبينورزا أمثلة رائعة على التفكير الجدلي. أعجب هيجل بالثورة البرجوازية التي أتنصرت في فرنسا وقضت على المجتمع الإقطاعي الذي خيل إليه أنه أبدي لا يزول، فإذا بهيجل يقوم بثورة مماثلة في الأفكار. فينزل الميتافيزيقا وحقائقها الخالدة عن عرشها السامي، وإذا بالحقيقة، عنده، ليست مجموعة من المبادىء الجاهزة، بل هي عملية تاريخية، تبدأ بالمعرفة البدائية لتنتهي بالمعرفة السامية. وهي تتبع في ذلك حركة العلم نفسه الذي لا يتطور إلا إذا عمد إلى نقد نتائجه باستمرار، وتجاوز هذه النتائج. وهكذا نرى أن الدافع لكل تحول هو نضال الأضداد.
ومع ذلك كان هيجل مثاليا، أي أن طبيعة التاريخ الإنساني، بالنسبة إليه لم تكن سوى تجلي الفكرة الأزلية وهكذا تظل جدلية هيجل جدلية روحية صرفة.
ولقد رأى ماركس، وكان زميلاً لهيجل في أول الأمر، في الجدلية المنهج العلمي الوحيد. غير أنه عرف أيضاً، كمادي، أن يعيد الجدلية إلى مكانها الحقيقي. فرفض القول بالنظرة المثالية للعالم التي ترى في الكون المادي ثمرة للفكرة، وأدرك أن قوانين الجدلية هي قوانين العالم المادي، وأنه إذا كان الفكر جدليا فلأن الناس ليسوا غرباء في هذا العالم بل هم جزء منه.
كتب انجلز، وهو صديق ماركس ومساعده، يقول: "ليست الجدلية، عند هيجل ـ التي تتجلى في الطبيعة والتاريخ في صورة ترابط التقدم السببي الذي نجده منذ البداية حتى النهاية خلال جميع الحركات المتعرجة الالتواءات الموقتة ـ ليست هذه الجدلية سوى صورة لحركة الفكرة الذاتية التي تستمر منذ الأزل حيث لا ندري مستقلة عن كل ذهن إنساني مفكر. فكان لا بد من تجنب هذا الانقلاب الفكري فنظرنا إلى أفكار الذهن نظرة مادية على أنها انعكاس للأشياء بدلا من أن ننظر إلى الأشياء على أنها انعكاس لدرجة معينة من درجات الفكرة المطلقة وهكذا أصبحت الجدلية معرفة قوانين الحركة العامة في العالم الخارجي أم في التفكير الإنساني. وهما طائفتان من القوانين المتماثلة في الأصل المختلفة في الشكل بمعنى أن الذهن الإنساني يمكن أن يطبقها عن وعي وإدراك بينما هي لا تطبق في الطبيعة أو التاريخ الإنساني الا بصورة غير واعية في شكل الضرورة الخارجية وسط العديد من الصدف الظاهرة. فإذا بجدلية الفكر ليست سوى انعكاس بسيط واع لحركة العالم الحقيقي الجدلية. وإذا بجدلية هيجل ترفع رأسها فتقف على رجليها بعد أن كانت تقف على رأسها
رفض ماركس أذن القشور المثالية في فلسفة هيجل واحتفظ "باللباب العقلي" أي احتفظ بالجدلية. وهو يقول ذلك بنفسه بوضوح في المقدمة الثانية "لرأس المال" (كانون الثاني 1873).
لا يختلف منهجي الجدلي في الأساس عن منهج هيجل فقط، بل هو نقيضه تماما. إذ يعتقد هيجل أن حركة الفكر التي يجسدها باسم الفكرة هي مبدعة الواقع الذي ليس هو سوى الصورة الظاهرية للفكرة. أما أنا فاعتقد. على العكس، أن حركة الفكر ليست سوى انعكاس حركة الواقع وقد انتقلت إلى ذهن الإنسان".
كيف وصل ماركس وانجلز إلى هذا الانقلاب الخطير؟ نجد الجواب على ذلك في مؤلفاتهما. إذ أن ازدهار علوم الطبيعة في القرن الثامن عشر. وفي السنوات الأولى من القرن التاسع عشر، هو الذي أدى بهما إلى القول بأن للجدلية أساسا موضوعياً.
وكان للاكتشافات الثلاثة التالية أثر كبير في ذلك.
1) اكتشاف الخلية الحية التي تتطور عنها الأجسام المعقدة.
2) اكتشاف تحول الطاقة من حرارة وكهرباء ومغناطيس وطاقة كيمائية، الخ. في صور مختلفة نوعيا لحقيقة مادية واحدة.
3) نظرية التحول عند داروين. فلقد أظهرت هذا النظرية اعتمادا على علم الحفريات (paleontologie) وعلم تربية الحيوان، أن جميع الكائنات الحية (ومنها الإنسان) هي ثمرات التطور الطبيعي ( داروين أصل الأنواع، 1859)
ولقد أوضحت هذه الاكتشافات، كما أوضحت جميع العلوم في ذلك العصر (كفرضية كانت ولا بلاس التي تفسر النظام الشمسي بأنه قد تولد من (nebuleuse) أو نشوء علم طبقات الأرض (الجيولوجيا) الذي يعيد بناء تاريخ الكرة الأرضية، الطابع الجدلي في الطبيعة على أنها وحدة لكل شاسع. في صيرورة دائمة. يتطور حسب قوانين ضرورية ولا يكف عن توليد المظاهر الجديدة وما النوع الإنساني والمجتمع سوى لحظة من هذه الصيرورة الشاملة.
انتهى ماركس وانجلز إلى القول بأنه يجب الاستغناء عن المنهج الميتافيزيقي لفهم هذه الحقيقة الجدلية، ذلك المنهج الذي يقضي على وحدة العالم ويجمد حركته. فكان لا بد من منهج جدلي، وقد أعاد هيجل الاعتبار إلى هذا المنهج ولكن لم يستطيع اكتشاف الأسس الموضوعية له.
لم يأت، إذن، ماركس وانجلز بالمنهج الجدلي من الخارج بصورة اعتباطية، بل استقياه من العلوم نفسها التي تتخذ الطبيعة موضوعا لها والطبيعة جدلية في ذاتها.
ولهذا ظل كل من ماركس وانجلز، طيلة حياتهما: على اتصال دائم بتقدم العلوم وقد ازداد المنهج الجدلي في دقته كلما ازدادت معرفة العالم اتساعا وعمقا: كرس انجلز، بالاتفاق مع ماركس (الذي ألف رأس المال) سنوات طويلة لدراسة الفلسفة وعلوم الطبيعة دراسة دقيقة كما كتب عامي 1877 ـ 1878 كتابه "ضد دورنج" (Anti Duhring). وبدأ بكتابه مؤلف ضخم عن "جدلية الطبيعة" الذي خلف لنا منه عددا من الفصول، وهو كتاب يفصل القول في حالة العلوم في عصره على ضوء المنهج الجدلي.
كان لا بد من أن يفوز المنهج الجدلي برضا عدد من العلماء الذين اعتنقوا الماركسية. وأشهر هؤلاء في فرنسا الفيزيائي العظيم بول لانجفين الذي كان أيضا مواطنا كبيرا ووطنيا رائعا.
برهن المنهج الجدلي على خصبه عند ماركس وانجلز نفسيهما. فلقد حل كل من ماركس وانجلز، وكانا ثائرين ومفكرين في نفس الوقت، لأنهما كانا جدليين، المشكلة التي لم ينجح سابقوهما في وضعها. فلقد طبقا الجدلية المادية على التاريخ الإنساني فأسسا علم المجتمعات (الذي يقوم على فلسفة المادية التاريخية). وسنرى كيف حدث هذا الاكتشاف الأساسي (الدرس الرابع عشر). وبهذا وضعا الأساس العلمي للاشتراكية.
ولهذا أعلنت البرجوازية، خدمة لمصلحتها الطبقية، الحرب على الجدلية لأن الجدلية فضيحة بالنسبة للطبقات المسيطرة ومفكريها، ولأن النظرة الموضوعية للأشياء الموجودة تتضمن أيضا ادراك زوال هذه الطبقات وفناءها الضروري. لأن هذه الجدلية تدرك الحركة ولا يمكن لأي شيء أن يفرض عليها هذه الحركة إذ هي جدلية نقدية ثورية.
ولهذا لجأت البرجوازية إلى الميتافيزيقا، وسوف نبرهن على ذلك.

4 – المنطق الشكلي والمنهج الجدلي
ليس هناك من فائدة في أن نتبع هذا الدرس الأول بعض الملاحظات عن المنطق. فلقد رأينا (مسألة 2، ب) أن العلوم في، أول الأمر، لم تكن تستطيع إلا أن تستخدم المنهج الميتافيزيقي. ولقد وضع الفلاسفة اليونان (ولا سيما ارسطو) بعد أن عمموا هذا المنهج، عددا من القواعد الشاملة، التي يجب على الفكر اتباعها في كل آن لتجنب الخطأ. واتخذت هذه القواعد اسم المنطق. ويقوم موضوع المنطق على دراسة المبادىء والقواعد التي يجب على الفكر إتباعها في بحثه عن الحقيقة. وليست هذه المبادىء والقواعد من وضع الخيال بل استنبطها الإنسان في اتصاله المستمر بالطبيعة: لأن الطبيعة هي التي جعلت الإنسان "منطقيا" وعلمته أنه لا يمكننا أن نفعل أي شيء!
وهاك القواعد الثلاث الرئيسية في المنطق التقليدي الذي يسمى بالمنطق الشكلي:
1) مبدأ التماثل (Le principe didentite)؛ كل شيء مماثل لنفسه. فالنبات نبات دائما والحيوان حيوان . والحياة هي الحياة والموت هو الموت. ولقد صاغ المنطقيون هذا لمبدأ في قولهم أ = أ.
2) مبدأ عدم التناقض (Le principe de non-contradiction)؛ لا يمكن أن يكون الشيء نفسه ومناقضا لنفسه في نفس الوقت. وهكذا ليس النبات حيوانا، وليس الحيوان نباتا، كما أن الحياة ليست الموت، والموت ليس الحياة. فيقول المنطقيون: "ليس "أ" مناقضا لـ "أ".
3) مبدأ الثالث المستحيل: (Le principe du tiers exclu)؛ بين إمكانيتين متناقضتين، لا مجال لإمكانية ثالثة. فالكائن إما أن يكون حيوانا أو نباتا ولا مجال لإمكانية ثالثة. ولهذا يجب أن نختار بين الموت والحياة، ولا مجال لإمكانية ثالثة. فإذا كان "أ" و "غير أ" متناقضين فالشيء أما أن يكون "أ" أو مناقضا لـ"أ"
فهل لهذا المنطق من قيمة؟ أجل. لأنه يصور لنا تجربة تراكمت خلال عدد من القرون. ولكنها غير كافية إذا ما أردنا أن نتعمق في البحث، لأنه يبدو لنا عندئذ أن هناك كائنات حية لا يمكن تصنيفها ضمن طوائف الحيوان والنبات لأنها كلا الاثنين معا. كما أنه ليس هناك من حياة مطلقة أو موت مطلق، إذ يتجدد كل كائن حي في نضال مستمر ضد الموت، كما أن الموت يحمل في أحشائه عناصر حياة جديدة ( ليس الموت زوال الحياة بل هو تحلل جسم). وإذا كان المنطق القديم له قيمة إلى حد ما، فهو يعجز عن سبرغور الواقع. حتى إذا ما حاولنا أن نحمله على أن يعطينا أكثر مما يمكنه إعطاؤه وجدنا أنفسنا في ميدان الميتافيزيقا. وليس المنطق التقليدي خاطئا في ذاته. بل هو يؤدي إلى الخطأ إذا ما حاولنا أن نطبقه خارج حدوده.
صحيح أن الحيوان ليس نباتا، وكذلك صحيح أنه يجب، حسب مبدأ عدم التناقض، تجنب الخلط بين الأشياء لأن الجدل ليس هو الخلط بين الأشياء. بل يقول الجدل أنه صحيح أيضاً أن الحيوان والنبات مظهران للواقع لا يمكن الفصل بينهما حتى أن بعض الكائنات تجمع بينهما (وحدة الأضداد).
ويكفي المنطق الشكلي الذي نشأ في فجر العلوم للاستخدام اليومي فهو يعيننا على التصنيف والتميز. حتى إذا ما حاولنا التعمق في التحليل ظهر نقصه. فلماذا ؟ لأن الواقع متحرك، ولهذا لا يسمح منطق التماثل (أ = أ) للأفكار أن تصور الواقع في حركته. ولأن هذه الحركة، من ناحية ثانية هي ثمرة تناقضات، كما سنرى، غير أن منطق التماثل لا يسمح بتصور وحدة المتناقضات والانتقال من النقض إلى النقيض.
لا يدرك المنطق الشكلي سوى المظهر المباشر للواقع. أما المنهج الجدلي فهو يسعى لأدراك جميع مظاهر الواقع.
ويسمى تطبيق المنهج الجدلي على قوانين الفكر المنطق الجدلي.
الدرس الثاني
ميزة الجدلية الأولى
الترابط
قانون التفاعل والترابط الشامل


1 – مثال
2 – ميزة الجدلية الأولى
3 ـ في الطبيعة
4 – في المجتمع
5 – خلاصة

1 – مثال
يشارك صاحبنا فلان في النضال من أجل السلام، ويجمع التواقيع على نداء ستوكهولم، ويقوم بتعليق الإعلانات من أجل مؤتمر الشعوب، ويأخذ بالنقاش مع صديقه في العمل أو مع شخص غريب حول حل المشكلة الألمانية حلا سلميا أو حول ضرورة إيقاف الحرب في الفيتنام، كما أنه يدعو ساكني الحي إلى اجتماع في بيته لتأليف اتحاد وطني من أجل السلام.
وسوف يقول البعض: "وماذا يعتقد هذا المسكين أنه يفعل؟" أنه لا شك يضيع وقته وجهده". يبدو عمل هذا الرجل، لأول وهلة، عبثا لا طائل تحته. فهو ليس وزيرا، ولا نائبا ولا قائدا في الجيش ولا صاحب مصرف أو سياسيا. إذن؟
وهو مع ذلك محق في عمله. لماذا؟ لأنه ليس وحيدا.ومهما كان شخصه متواضعا فأن لمحاولاته هذه قيمتها وتأثيرها لأنها ليست محاولات فريدة. بل عمله جزء من عمل كبير هو نضال الشعوب العالمي من أجل السلام. إذ هناك ملايين الرجال الذين يعملون مثله، في نفس الاتجاه ضد نفس القوى. فهناك ارتباط شامل بين جميع هذه المحاولات التي تكون حلقات صغيرة في نفس السلسلة. كما أن هناك تفاعلا متبادلا بين جميع هذه المحاولات، لأن كلا منها تساعد الأخرى بما تضربه من مثل وما تكسبه من خبرة أثناء فشلها وانتصارها. حتى إذا قام جميع هؤلاء الرجال بالمقارنة بين محاولاتهم اكتشفوا أنهم لم يكونوا فيها فريدين بالرغم من اعتقادهم ذلك. كل شيء أذن مرتبط بالأخر.
(Tout se tient) هذا مثال بسيط استقيناه من الواقع. وهكذا نرى أن قانون الجدلية الأول هو الذي يسمح، لوحده، بتأويل هذا المثال بصورة صحيحة. وبهذا تتعارض الجدلية مع الميتافيزيقا تعارضا أساسيا. ولن يفكر إلا ميتافيزيقي مثل هذا التفكير فيقول: "ما الفائدة من كل هذا الجهد، من صعود الطوابق ومناقشة الناس؟ لأن مصير السلم ليس بأيدي الناس العاديين" لأن الميتافيزيقي يفصل ما هو في الواقع غير منفصل. تكلم في تشرين الأول سنة 1952، في مؤتمر آسيا والباسفيك من أجل السلام، عالم، هو جون هنتون، وكان قد شارك، في لوس آلموس، في صنع القنبلة الذرية الأولى فقال:
"لمست بيدي أول قنبلة ذرية ألقيت على ناجازاكي. وأني لأشعر الآن بالجرم الذي ارتكبته، كما أشعر بالخزي لأنني قمت بدور مهم في إعداد هذا الجرم ضد الإنسانية. ولكن كيف حدث أني رضيت القيام بهذه المهمة؟ ذلك لأنني كنت أومن بفلسفة "العلم من أجل العلم" الخاطئة. هذه الفلسفة هي السم الذي يقضي على العلم الحديث. ولقد كان من نتيجة الخطأ الذي يقوم على فصل العلم عن الحياة الاجتماعية والكائنات البشرية أني انتهيت إلى العمل في صنع القنبلة الذرية خلال الحرب. إذ كنا نعتقد أننا، كعلماء، يجب علينا أن نكرس جهودنا من أجل "العلم الصرف" وأن على المهندسين ورجال السياسة إتمام الباقي. وأني لأخجل من القول بأنني انتظرت فظائع ضرب هيروشيما وناجازاكي بالقنابل الذرية لكي اخرج من برجي العاجي وأدرك أنه ليس هناك من "علم صرف" وأن لا معنى للعلم إلا بقدر خدمته لمصالح الإنسانية جمعاء. وأني لا توجه اليوم إلى العلماء الذين يعملون الآن، في الولايات المتحدة وفي اليابان في صنع الأسلحة الذرية والميكروبية قائلا: "فكروا فيما تفعلون!"
ولا يعتقد الميتافيزيقي أن ما يفعله مرتبط بما يفعله الآخرون. ذلك شأن العالم الذري الذي خيل إليه أنه يتصرف حسب "روح العلم" وكان موقفه، في الواقع، موقفا مناقضا للعلم لأنه لم يتساءل عن الظروف الموضوعية لنشاطه المهني وعن طريقة استخدام عمله.
وهذا موقف شائع جدا. وهو موقف الرياضي الذي يردد في كل مناسبة "الرياضة هي الرياضة، والسياسة هي السياسة. أنا لا أتدخل في السياسة" ولا شك أن الرياضة والسياسة شيئان منفصلان. ولكن من الخطأ القول بأن ليس بينهما أية علاقة إذ كيف يمكن للرياضي أن يشتري أدواته الرياضية إذا انخفضت قدرته الشرائية. أو توقف عن العمل؟ وكيف يمكن بناء الملاعب وأحواض السباحة إذا التهمت ميزانية الحرب الاعتمادات الضرورية للرياضة؟ وهكذا ترى أن الرياضة ترتبط ببعض الشروط التي يجهلها الميتافيزيقي ويكتشفها الجدلي، لأنه لا رياضة بدون اعتمادات، ولا اعتمادات بدون سياسة سلمية، فلا تنفصل الرياضة إذن عن السياسة. ولا يخدم الرياضي، الذي يجهل هذا الارتباط، قضية الرياضة بل هو يحرم نفسه من الوسائل للدفاع عنها. لماذا؟ لأنه إذا ما جهل أن كل شيء مرتبط بالآخر فانه لن يناضل ضد سياسة الحرب. حتى يحين الوقت الذي يفقد فيه الرياضة وذلك إما لأن خراب البلاد قد قضى على معدات الرياضة وإما لأن الحرب قد وقعت.

2 – ميزة الجدلية الأولى
لا تنظر الجدلية، على عكس الميتافيزيقا، إلى الطبيعة على أنها عبارة عن مجموعة من الأشياء والظواهر المنفصل بعضها عن البعض بل على أنها كل موحد منسجم حيث تتصل الأشياء والظواهر اتصالاً عضويا ويرتبط كل منها بالآخر.
لهذا يرى المنهج الجدلي أنه لا يمكن تفسير أية ظاهرة طبيعية إذا نظرنا إليها على حدة خارج الظواهر المحيطة بها، لأنه يمكن تحويل أية ظاهرة في أي مجال من الطبيعة إلى شيء لا معنى له إذا ما نظرنا إليها في منأى عن الظروف المحيطة بها وفصلناها عن هذه الظروف ، كما أنه، على العكس، يمكن فهم أية ظاهرة وتفسيرها إذا نظرنا إليها من خلال علاقتها بالظواهر المحيطة التي ترتبط بها.
تدل الميزة الأولى للجدلية على طابعها العام، وتتحقق هذه الميزة بصورة شاملة في الطبيعة وفي المجتمع.

3 – في الطبيعة
تفصل الميتافيزيقا المادة الخام عن المادة الحية وعن الفكر. لأن الميتافيزيقا تعتبر أن هذه مبادىء ثلاثة منعزل كل منها عن الآخر.
ولكن هل يوجد الفكر في الذهن؟ وهل يوجد بدون الجسد؟ كما أن علم النفس (وهو علم يدرس النشاط الفكري) يستحيل إذا ما جهلنا علم وظائف الأعضاء (وهو علم وظائف الكائن الحي) كما أن هذا العلم وثيق الاتصال بالبيولوجيا (علم الحياة عامة). وكذلك تستعصي الحياة على الفهم إذا جهلنا العمليات الكيمائية كما أن الكيمياء تكتشف تركيب الجسيمات (molecules) الذري، ودراسة الذرة خاصة بالفيزياء. فإذا ما أردنا اكتشاف أصل هذه العناصر التي تدرسها الفيزياء، أفلا يؤدي بنا الأمر إلى علوم الأرض التي تظهر لنا طريقة تكوينها؟ ومن ثم ننتقل إلى النظام الشمسي (علم الفلك) الذي تكون الأرض جزءا منه؟
وهكذا نرى أنه بينما تقف الميتافيزيقا في وجه التقدم إذا بالجدلية تعتمد على العلم في وجودها. ولا شك أن هناك فروقا بين العلوم، إذ تدرس علوم الكيمياء والحياة ووظائف الأعضاء والنفس ميادين مختلفة سوف نعود إليها فيما بعد. ولكن هذه العلوم تكون، مع ذلك وحدة أساسية تعكس لنا وحدة الكون. لأن الواقع كل. هذا ما تعبر عنه الميزة الأولى للجدلية.
ولا شك أنه من المفيد توضيح التفاعل والترابط بين الأشياء بواسطة الأمثلة.
أمامنا رقاص معدني. فهل يمكننا أن ننظر إليه في منأي عن الكون المحيط به. كلا لأن هناك رجالا قاموا بصنعه (المجتمع) من معدن استخرجوه من الأرض (الطبيعة). ولنتأمل هذا الرقص جيدا. فهو في سكونه ليس مستقلاً عن الظروف المحيطة: كالثقل والحرارة والصدأ إذ يمكن لهذه الظروف أن تؤثر فيه ليس فقط في وضعه بل في طبيعته (الصدأ). ولندل قطعة من القصدير فإذا بقوة تؤثر على الرقاص وإذا به يتمدد وإذا بشكله يتغير إلى حدا ما، فيؤثر الوزن في الرقاص ويؤثر الرقاص في الوزن لأن بينهما تفاعلاً متبادلا، وأكثر من هذا أن الرقاص مكون من جسيمات ترتبط فيما بينها بتأثير قوة جاذبة فإذا ما بلغ الرقاص وزنا معينا عجز عن التمدد وانكسر فتنقطع العلاقة بين بعض الجسيمات. حتى إذا ما سخنا الرقاص تغيرت العلاقات بين الجسيمات بطريقة أخرى (التمدد). نقول إذن ان الرقاص مكون بطبيعته وتغيراته من تفاعل ملايين الجسيمات التي يتكون منها. كما أن هذا التفاعل مشروط هو نفسه بعلائق الرقاص (في مجموعه) بالوسط المحيط به. لأن الرقاص والوسط هما كل واحد، يقوم بينهما فعل متبادل. فإذا ما جهلنا هذا الفعل أصبح صدأ الرقاص وانقطاعه واقعتين لا معنى لهما. ولقد علق ستالين على ميزة الجدلية الأولى بقوله: "لهذا يرى المنهج الجدلي انه لا يمكن فهم أية ظاهرة طبيعية إذا ما نظرنا إليها على حدة. خارج الظواهر المحيطة بها".
ومن ابلغ الأمثلة على التفاعل الرباط الذي يربط بين الكائنات الحية وبين ظروف حياتها و "بيئتها". فنرى النبتة، مثلا، تمتص الأكسجين من الهواء وتدفع بغاز الكربون وبخار الماء. وهذا التفاعل يغير كلا من النبتة والبيئة. وتستخدم النبتة الطاقة التي يمدها بها نور الشمس فتقوم، بواسطة عناصر كيمائية تمتصها من الأرض، بتركيب للمواد العضوية يسمح لها بالنمو. فهي في نموها تغير الأرض أيضا كما تغير ظروف نمو نوعها في المستقبل. وهذا يعني أن النبتة لا توجد إلا متحدة مع وسطها الذي تنمو فيه. وهذا التفاعل بينهما هو أساس كل نظرية علمية عن الكائنات الحية لأنها الشرط العام لوجودهما. إذ يعكس نمو الكائنات الحية تغير الوسط الذي تعيش فيه وهذا هو مبدأ العلم عند ميتشورين وسبب نجاحه. فلقد عرف ميتشورين، بعد أن فهم أن الحي والوسط كل لا يتجزأ، كيف يغير الأنواع بتغيير بيئتها.
كما أنه لم يكن باستطاعة عالم وظائف الأعضاء الكبير بافلوف أن يؤسس علم نشاط الأعصاب لو أنه جهل الاتحاد الوثيق بين الجسم والبيئة. ويجري هذا التفاعل بينهما في القشرة الدماغية (Cortex) ولهذا كان مجموع الجسد تحت تأثير القشرة الدماغية، كما أن هذه القشرة الدماغية تتأثر بدورها بالإثارات الماضية والحاضرة التي تصدر عن الوسط الخارجي (وعن الجسم). وهكذا تتعلق جميع الظواهر التي تحدث في الجسد (كالمرض مثلا) بنشاط الأعصاب الذي يشرف على مختلف الوظائف، والذي يتأثر بالظروف المسيطرة في البيئة الطبيعة وفي المجتمع.
ولقد كان هذا المبدأ في وحدة تفاعل الظواهر ضروريا لتقدم جميع العلوم. ويمكننا أن نعدد الأمثلة عليه ولنكتف هنا باكتشاف الضبط الجوي على يد توريشلي (1644).
فنحن إذا قلبنا أنبوبا مملوءا بالزئبق على وعاء مملوء بالزئبق أيضا، رأينا أن الزئبق لا يهبط في الأنبوب إلى ما تحت ارتفاع معين ويظل على ارتفاع أعلى من مستوى الزئبق في الوعاء.
ونحن طالما عزلنا هذه الظاهرة عن ظروفها لم نفهمها ولكن إذا لاحظنا، على العكس، أن سطح الزئبق (في الوعاء) الذي غمسنا فيه الأنبوب ليس منعزلا بل هو على اتصال بالجو، وأن هناك تفاعلا بين ما يجري في الأنبوب والظروف المحيطة تبين لنا تفسير ذلك: يظل الزئبق معلقا في الأنبوب لأن الهواء يضغط (الضغط الجوي) على صفحة الزئبق الذي يحتويه الوعاء ولذا قال توريشلي يجب أن ننظر إلى الوعاء كما لو كان في قعر محيط من الهواء
ولن نستطيع القيام باكتشافات علمية إذا ما اعتدينا على القانون الأول في الجدلية، فعزلنا الظاهرة التي ندرسها عن ظروفها المحيطة بها.

4 – في المجتمع
تقوم الميتافيزيقيا بعزل الظواهر الاجتماعية كلا منها عن الاخرى فتعزل الواقع الاقتصادي عن الحياة الاجتماعية وتعزل الحياة السياسية عنهما. كما أنها تدخل الحواجز داخل كل من هذه الميادين. وهذا يؤدي إلى القول بأن "إعدام آل روزنبرج الأبرياء على يد الحكومة الأميركية غباوة لا معنى لها". ويرد الجدلي على ذلك بقوله: "لهذا الإعدام مغزى فهو يعكس سياسة الزعماء الأميركيين بأجمعها، وهي سياسة حرب تحتاج إلى الأكاذيب وإلى الذعر".
ولا يفهم الميتافيزيقي تاريخ المجتمعات بل هو عبارة عن خليط من العوارض (أي الظواهر التي لاسبب لها) ومن الصدف العابثة حتى أن هناك فلاسفة يؤكدون (ومنهم البير كامو) أن جوهر العالم هو العبث (L absurde) هذه الفلسفة مفيدة لصانعي الكوارث. أما الجدلي فهو يعلم أن كل شيء في الطبيعة مرتبط بعضه ببعض. فإذا ما انهارت المدارس فليس ذلك لعجز الحاكمين بل لأن سياسة الحرب تتطلب تضحية أبنية المدارس. ولقد لاحظ (أراجون) أن الاستعداد للموت يقصر الحياة "كل شيء يتعلق بظروف المكان والزمان". وتستطيع الجدلية أن تفهم الظواهر الاجتماعية وتفسرها لأنها تصلها بالظروف التاريخية التي تولدت عنها والتي تتفاعل معها. أما الميتافيزيقي فهو يعيش في التجريد، ولا يعبأ بظروف المكان والزمان.
وهكذا يعتقد البعض، بنية حسنة، أنه كان بإمكان العمال الفرنسيين في سنة 1944، بقيادة الحزب الشيوعي، الاستيلاء على الحكم، وأن تقاعسه عن ذلك "فوت عليه الفرصة". وهذا تقدير مغر لأول وهلة ولكنه تقدير خاطىء. لماذا؟ لأنه يفصل جانبا لا معنى له الا في علاقته بالمجموع.
الخطأ أنما هو في معرفة طابع حركة المقاومة وهدفها. ولا شك أن القوة الأساسية كانت الطبقة العاملة التي يقودها الحزب الثوري الا وهو الحزب الشيوعي. غير أنه لم يكن هدف حركة المقاومة القيام بثورة عمالية، بل كان هدفها تحرير البلاد والقضاء على الفاشية. ولقد وحد هذا الهدف الفرنسيين في جميع الطبقات (حتى أنه قسم البرجوازية على نفسها وانفضت طائفة منها عن حكومة فيشي). وهكذا اتخذت حركة المقاومة صورا شتى من نضال مسلح، واضرابات العمال، ومظاهرات النساء في الشوارع، ورفض الفلاحين تسليم المحصول، ونسف لجهاز حكومة فيشي الاضطهادي على يد الموظفين، ونضال الشبان ضد الخدمة الإجبارية في ألمانيا والمعلمين والعلماء ضد الهتلرية المضللة. فكانت حركة المقاومة عملا قوميا عظيما. ذلك هو طابعها الأساسي. ويرجع الفضل للشيوعيين الفرنسيين في أنهم فهموا الوضع بمجمله، فعملوا على تكوين جبهة وطنية واسعة للنضال ضد هتلر ومعاونيه، ولم يسمحوا بأن تصبح حركة المقاومة حزبا منفصلا عن جماهير الشعب الفرنسي. وهكذا أمكنت الثورة الوطنية عام 1944 ضد العدو الذي أصبح وحيداً آنذاك.
ماذا كان يحدث لو أن طبقة العمال حاولت، في تلك الأيام، "القيام بثورة" وتأسيس الاشتراكية؟، لو أن الشيوعيين في سنة 1944، بينما كانت الحرب ضد هتلر لا تزال مستمرة، قالوا: "لم يعد هدفنا تحرير فرنسا و العالم من النازيين بل القيام بالثورة العمالية"، لو فعلوا ذلك لرأوا ملايين الفرنسيين من مختلف الطبقات، المستعدين للنضال من أجل تحرير البلاد، ينفضون عن طبقة العمال لأنهم غير مستعدين لمساعدة حركة ثورية، فيا له من عيد للهتلريين وأعوانهم من البرجوازية الفيشية الرجعية! وهكذا تصبح طبقة العمال وحيدة في الميدان فتفقد قيادة حركة المقاومة، تلك القيادة التي بذلت من أجلها أغلى التضحيات. ويخلو طريق الدكتاتورية أمام ديغول بمساعدة الجيش الأميركي. وذلك لأن الجيش الأميركي، وهذه هي المسألة الثانية التي يجب توضيحها، لم يهبط أرض فرنسا إلا لأن الانتصارات الروسية قد جعلت الجبهة الثانية أمرا لا مفر منه في أوروبا. كان غرض الزعماء الأميركان حرمان الشيوعية من الاستفادة من انهزام هتلر في البلاد المحتلة. فإذا ما اندفعت الطبقة العاملة، متجاهلة هذه الأوضاع الموضعية، للاستيلاء على الحكم لكان مصير شعبنا القتل، ولاتخذ الجيش الأميركي صفة الجيش المحتل كما يفعل اليوم، ولقضى على الثورة بمساعدة النازيين العائدين كما عادوا إلى أورادور.
ألم يكن أمل ألمانيا الهتلرية والبرجوازية الألمانية (كآل كروب الذين أطلق الأميركان سراحهم) زوال التفاهم بين الكبار الثلاثة؟ وهكذا عاد تحالف ميونيخ بين البرجوازية والرجعيين ضد بلد الاشتراكية، ضد الاتحاد السوفياتي الذي قام بدور كبير في تحرير الشعوب. فإذا بجميع الفوائد والجهود والآلام التي عانيناها خلال أربعة أعوام يمحوها دم الشعب الفرنسي.
بينما كانت المطالبة بالقضاء على الفاشية وإقامة جمهورية ديمقراطية برجوازية تتفق ومجموع "الظروف المحيطة" وهذا ما فعله الشيوعيون. وكان ذلك مطلبا في مستوى جماهير الشعب الفرنسي، يمكن تحقيقه بصورة تدريجية لأنه كان يمثل خطوة كبرى إلى الأمام. وذلك لأن طبقة العمال تجد في الجمهورية الديمقراطية البرجوازية أفضل الظروف لنضالها الطبقي. ويفسر لنا هذا ازدهار حركة العمال الفرنسية في الأشهر التي تلت التحرير، وقد حمل هذا الازدهار الشيوعيين إلى الحكم وعاد على شعبنا ببعث اقتصاده وارتفاع مستوى المعيشة والضمان الاجتماعي وتأميم الصناعات وإيجاد مجالس الإدارات وبدستور ديمقراطي، وورقة الانتخاب، وإعطاء المرآة حق التمثيل في المجلس، وقانون الموظفين. الخ.. وهكذا وجدت الطبقة العمالية نفسها في عام 1947 في أفضل الظروف النضالية لمجابهة قوى الرجعية في هجومها المعاكس.
كما أتاح استمرار تفاهم الكبار الثلاثة، على المستوى العالمي، ضد ألمانيا الهتلرية، والقضاء على الطيران الألماني(Wehrmacht)، كما أنه أمكن من تكوين الأمم المتحدة وعقد اتفاق بوتسدام، فأصبح ذلك فيما بعد حجر عثرة في وجه النزعة الإمبراطورية الأميركية. كما سهل مهمة الديمقراطيين الشعبيين الشبان في أوروبا، وهذه مسألة مهمة جدا. ولو أن الشيوعيين الفرنسيين اتبعوا سياسة خرقاء عام 1944 لكان من الصعب الحصول على هذه الانتصارات. ولقد اضعفت هذه الانتصارات الرأسمالية العالمية. ولهذا يجب النظر إلى الحركة العمالية في بلد ما في نفسها بل في علاقتها بالمجموع.
لا نستطيع تحليل العديد من الأمثلة الأخرى التي تدل على ضرورة النظر إلى الحوادث في ترابطها وكليتها وأن لا نفصل الواقعة عن "ظروفها" المحيطة، ولنكتف بالمثل التالي:
أن المطالبة بجمهورية ديمقراطية برجوازية ضد البرجوازية الفاشية هي مطلب يتفق تماما ووضع الحركة العمالية الفرنسية اليوم. وهي مطالبة بامكانها أن تضمن أكبر تجمع للشعب حول طبقة العمال ضد العدو الرئيسي وهو البرجوازية الرجعية التي لا أمل لها، كي تعيش، الا في القضاء على شرعيتها الخاصة. غير أن المطالبة بنفس الشيء في الاتحاد السوفياتي لا معنى لها. لماذا؟ لأنه إذا كانت الديمقراطية البرجوازية تعتبر تقدما على الفاشية، فأن الجمهورية الاشتراكية السوفياتية (التي تضمن للعمال ملكية وسائل الإنتاج) تعد أيضا تقدما باهرا على الجمهورية البرجوازية. وهكذا يصبح ما كان خطوة إلى الأمام، بالنسبة لشعبنا، خطوة إلى الوراء بالنسبة للاتحاد السوفياتي.
يجهل الميتافيزيقي أوضاع الزمن والمكان، ولهذا يفصل الديمقراطية عن ظروفها، كما لا يميز بين ديمقراطية برجوازية وديمقراطية سوفياتية. وبما أنه لا يعرف سوى الديمقراطية البرجوازية فهو يماثل بينها وبين الديمقراطية، فيأخذ على الاتحاد السوفياتي بأنه ليس "ديمقراطية".
وهذا حق، فليس الاتحاد السوفياتي ديمقراطية برجوازية لأنه قضى على الاستغلال الرأسمالي وأوجد ديمقراطية جديدة تجعل السلطة كلها بيد العمال.
ومجمل القول أن الميتافيزيقي يفصل ويجرد الصورة السياسة عن مجموع الظروف التاريخية التي أوجدتها والتي تفسرها بينما الجدلي يعود إلى الأخذ بهذه الظروف.

5 – الخلاصة
ليست الطبيعة وليس المجتمع خليطاً يستعصي على الفهم بل ان جميع جوانب الواقع تترابط فيما بينها بروابط ضرورية متبادلة.
ولهذا القانون أهمية عملية. يجب إذن أن ننظر إلى وضع أو حادثة أو مهمة نظرة تحيط بالظروف التي تولد هذه الأشياء وتفسرها، كما يجب الاهتمام دائما بما هو ممكن وما هو غير ممكن.
إذ لا يجب أن نجعل من رغباتنا حقيقة واقعة، ويجب على الثوري أن يدرك الوقائع في حقيقتها. وهكذا أعتقد أننا نتخذ قرارا معينا في ظرف معين حتى إذا ما تغير الظرف اتخذنا قرارا مختلفا عن الاخر الذي اتخذناه أولا. فنحن نتراجع إذا لم تعد ظروف النجاح كافية، كما نسير رأسا إلى القتال إذا أملنا بالنصر بهذا الهجوم. وعلى كل لا يمكن أن نرتبط بصيغة أو قرار لأننا لا يمكننا أن نعرض حركتنا للخطر
وما تجاهل ظروف العمل الا نزعة عقيدية متطرفة (dogmatique) إذ بينما مصلحة العمال في احترام هذا القانون الأولي للجدلية فأن البرجوازية تود أن تنسيهم اياه لأن مصلحتها تتعارض وهذا القانون. فهي تجيب على الذين ينددون بالظلم الاجتماعي "هذا نقص موقت!" كما أنها تصور الأزمات الاقتصادية على أنها "ظواهر سطحية عابرة". ويجيب العلم الجدلي على ذلك بأن الظلم الاجتماعي والأزمات الاقتصادية هي نتائج حتمية للرأسمالية.
يقدس الفلاسفة البرجوازيون الميتافيزيقا لأنها تتيح تجزأة الواقع وتشويهه لمصلحة الطبقة المستغلة. حتى إذا بلغ التفكير الواقع في كليته اعترض هؤلاء الفلاسفة قائلين بأن ذلك لم يعد "تفلسفا". لأن الفلسفة عندهم ملف تحتفظ فيه كل فكرة بمكانها: فهنا الفكر وهناك المادة، هنا "الإنسان" وهناك المجتمع، الخ...
أما الجدلية فهي تعلمنا أن كل شيء مترابط مع الآخر وأن ليس هناك من جهد ضائع لتحقيق هدف معين. وهكذا يعلم المناضل من أجل السلام أن الحرب ليست ضربة لازب لأن كل عمل يقوم به لمنعها هو عمل له قيمته، يمهد السبيل لانتصار السلام.
ولهذا يدرك المناضل الثوري، وقد تسلح بالجدلية، مسؤولياته. فهو لا يترك شيئا للصدف بل يقدر كل جهد قدره.
ويتيح لنا هذا الفهم للواقع أن ننظر بعيدا. كما يمدنا بالشجاعة التي لا تقهر حتى أن الفيلسوف الجدلي ف. فلدمان استطاع أن يصرخ في وجه الجنود الألمان الذين رموه بالرصاص قبل أن يخر صريعا: "يا لكم من أغبياء. أني أناضل من أجلكم!".
وقوله حق، لأنه كان يناضل من أجل الشعب الألماني كما ناضل من أجل الشعب الفرنسي، لأن مصير كل منهما مرتبط بالآخر.
الدرس الثالث
ميزة الجدلية الثانية
كل شيء يتحول
قانون التحول الشامل أو النمو المستمر


1 – مثال
2 – ميزة الجدلية الثانية
3 – في الطبيعة
4 – في المجتمع
5 – الخلاصة

1 - مثال
يروي الفيلسوف فونتونيل قصة وردة كانت تعتقد بأن البستاني مخلد. لماذا؟ لأن الوردة لا تذكر أنها رأت غيره في البستان. وهكذا يفكر الميتافيزيقي فهو ينكر التغير. ومع ذلك تعلمنا التجربة أن كل بستاني هالك كما تهلك الورود. ولا شك أن هناك أشياء تتغير بصورة أبطأ من الوردة، فيستنتج الميتافيزيقي من ذلك أنها خالدة لا تتغير، فيجعل من ثباتها الظاهري شيئا مطلقا، فهو لا يرى من الأشياء الا جانبها الذي تبدو فيه أنها لا تتغير. فتظل الوردة وردة ويظل البستاني بستانيا. أما الجدلية فهي لا تكتفي بالظاهر بل تدرك الأشياء في حركتها، فلقد كانت الوردة برعما قبل أن تصبح وردة فإذا ما نمت تغيرت من ساعة لأخرى بالرغم من أن العين لا ترى شيئا من هذا التغيير، كما أنها ستفقد أوراقها حتما وستتولد وردات أخرى محلها تتفتح بدورها هي أيضاً.
نستطيع أن نجد في حياتنا اليومية ألف مثال على أن كل شيء يتحرك ويتحول.
تبدو هذه التفاحة ثابتة لا تتحرك فوق الطاولة. ومع ذلك سيقول الجدلي: "مع أن هذه التفاحة تبدو ثابتة فهي متحركة وهي لن تكون في عشرة أيام ما هي عليه الآن. كانت زهرة قبل أن تصبح تفاحة خضراء، كما أنها ستتحلل مع الزمن وتتساقط بذورها التي إذا ما زرعها البستاني نشأت منها شجرة تحمل عدة تفاحات. كان لدينا في البدء تفاحة واحدة ولدينا الآن العديد من التفاحات. وهكذا يصبح القول بأن الكون لا يعيد نفسه بالرغم من جميع المظاهر.
ومع ذلك يتكلم الكثير من الناس كما تكلمت وردة فونتونيل فيقولون "ليس من جديد تحت الشمس"، ولسوف يكون هناك دائما أغنياء وفقراء" "كما سيكون هناك دائما مستغِلون ومستَغلون" "وأن الحرب أبدية" الخ... ولا شيء أمر إلى الاضلال من هذه الحكمة الواهية، ولا شيء أشد خطر منها، فهي تدعو إلى السلبية والعجز والاستسلام. أما الجدلية فهي تعلم، على العكس، أن التغير صفة لازمة للأشياء تلك هي الميزة الثانية للجدلية التي تقول بأن التغير يشمل الكون وأن النمو مستمر.

2 – ميزة الجدلية الثانية
لا تنظر الجدلية، على عكس الميتافيزيقا، إلى الطبيعة على أنها حالة من الهدوء والثبات، والركود وعدم التغير، بل تنظر إليها على أنها حالة من الحركة والتغير الدائمين، والتجدد والنمو المستمرين، حيث يولد كل شيء بينما ينحل شيء آخر ويزول.
ولهذا تريد الجدلية أن لا ينظر إلى الظواهر فقط بالنسبة لعلاقاتها وترابطها بعضها بالبعض بل ينظر إليها أيضاً بالنسبة لحركتها وتغيرها ونموها في ظهورها واختفائها.
ولقد رأينا أن كل شيء مترابط: وتلك هي ميزة الجدلية الأولى. ولكن هذا الواقع المتوحد هو حركة أيضا. فليست الحركة مظهرا ثانويا من الواقع وليس هناك الطبيعة يضاف إليها الحركة، أو المجتمع يضاف إليه الحركة بل أن الواقع هو الحركة. تلك هي حال الطبيعة والمجتمع.

3 – في الطبيعة
تشمل الحركة بالمعنى العام، كشكل من أشكال وجود المادة وصفة من صفاتها، جميع التغيرات وما يحدث في الكون من مجرد تغيير المكان حتى التفكير نفسه.
والحركة عند ديكارت هي فقط تغيير المكان كالمركب الذي يتحرك أو التفاحة التي تتدحرج على الطاولة. تلك هي الحركة الميكانيكية الآلية. ولكن حقيقة الحركة لا تقتصر على ذلك. فالسيارة تسير بسرعة ستين كيلو مترا في الساعة وهذه حركة آلية (ميكانيكية) ولكن السيارة التي تتحرك تتحول ببطء؛ إذ يبلى محركها آلاتها ودواليبها كما أنها من ناحية ثانية تتأثر بالمطر والشمس. الخ.. وكل هذه أنواع من الحركة. وهكذا ليست السيارة التي قطعت ألف كيلو متر كأول أمرها، بالرغم من أننا نقول بأنها "نفس السيارة" إذ سوف يأتي وقت تجدد فيه قطعها ويعاد إصلاح هيكلها، الخ... حتى تصبح هذه السيارة لا تصلح للاستعمال.
وكذلك شأن الطبيعة إذ نجد للحركة فيها أوجها متعددة، كتغيير المكان وتحول الطبيعة وكذلك تحول صفات الأشياء (ككهربة جسم من الأجسام أو نمو النباتات وتحول الماء إلى بخار، والكهولة).
كانت الحركة عند نيوتن (1642-1727) العالم الإنجليزي الكبير عبارة عن حركة آلية (ميكانيكية) هي تغير المكان. وهكذا كان الكون أشبه بساعة حائط كبيرة تعيد باستمرار نفس الحركة؛ ولهذا كان يعتبر مدارات الكواكب خالدة. ولقد أدى تقدم العلوم منذ القرن الثامن عشر إلى غنى فكرة الحركة، وقد بدأ ذلك أولا بتحويل الطاقة في مطلع القرن التاسع عشر.
ولنعد إلى مثال السيارة التي تسير فهي إذا ما انطلقت مسرعة في سيرها ارتطمت بشجرة واشتعلت فيها النار. فهل زالت المادة، كلا. إذ أن السيارة المشتعلة هي حقيقة واقعة مادية كالسيارة التي كانت تسرع في سيرها، فهي مظهر جديد للمادة وصفة جديدة لها. لأن المادة لا تزول بل هي تتغير وتتحول، وما تحولاتها هذه سوى تحولات الحركة التي تكون مع المادة شيئا واحدا. فالمادة حركة والحركة مادة، وتعلمنا الفيزياء الحديثة أن الطاقة تتحول لأن الطاقة، وهي كمية من الحركة، تبقى بالرغم من تحولها واتخاذها أشكالا متنوعة.
أما في مثال السيارة التي التهب زيتها بتأثير الضغط فقد تحولت الآن الطاقة الكيميائية، التي كانت تتحول في المحرك إلى طاقة حركية، إلى حرارة (طاقة حرارية). ويمكن للطاقة الحرارية، بدورها، أن تتحول إلى طاقة حركية فتتحول بذلك حرارة القاطرة إلى حركة تدفع القاطرة
ويمكن للطاقة الآلية أن تتحول إلى طاقة كهربائية فيدير السيل المحرك الكهربائي الذي ينتج الطاقة الكهربائية، كما تتحول الطاقة الكهربائية (التيار) إلى طاقة ميكانيكية تدير المحركات أو أن الطاقة الكهربائية تتحول إلى طاقة حرارية فتمدنا بالتدفئة الكهربائية. كما أن الطاقة الكهربائية تمدنا بالطاقة الكيمائية فيقوم التيار الكهربائي، في بعض الحالات، بتحليل الماء إلى أوكسجين وهيدروجين. وكذلك يمكن للطاقة الكيمائية، بدورها، أن تتحول إلى طاقة كهربائية (البطارية الكهربائية) أو إلى طاقة حرارية (حرق الفحم في الموقد).
وما هذه التحولات الا صور للمادة المتحركة: وهي كما نرى أشد غنى من الانتقال البسيط أو تغيير المحل وأن كانت تحتوي عليهما.
وهناك عدا اكتشاف فكرة تحول الطاقة اكتشاف فكرة التطور التي أغنت فكرة الحركة كثيراً.
وقد بدأ ذلك بتطور الكون الفيزيائي أولا؛ فقد اكتشف كل من كانت ولابلاس منذ نهاية القرن الثامن عشر أن الكون له تاريخ. وهو بدلا من أن يعيد نفسه، كما كان يعتقد نيوتن، يتغير ويتحول وما النجوم (ومنها الشمس) والكواكب، (ومنها الأرض) سوى ثمرة تطور هائل لا يزال مستمرا. ولا يكفي القول إذن، مع نيوتن، أن أجزاء الكون تنتقل بل يجب القول بأنها تتحول.
وهكذا يكون للأرض، وهي جزء صغير من الكون، تاريخ طويل (ما يقارب الخمسة مليارات من السنين) يدرسه علم طبقات الأرض (geologie)
وكذلك فأن النجوم تتكون وتنمو وتموت. فقد اكتشف العالم الفلكي الفيزيائي أمبر تسموميان أن هناك نجوما تولد باستمرار.
ولما كان الكون يتوالد باستمرار فهو ليس بحاجة "لمحرك أول" كما كان يعتقد نيوتن. بل يحمل في أحشائه إمكانياته الخاصة في الحركة والتحول، فهو حركة ذاته.
أما المادة الحية فهي تخضع أيضا لعملية تطور مستمرة. فلقد تكونت، ابتداء من أول مراحل الحياة الفقيرة، أنواع النبات والحيوان. ولذا لم يعد بالإمكان الاعتقاد بالخرافة التي نشرها الدين منذ مئات السنين بأن الله خلق الأنواع مرة واحدة فهي لا تتغير. وبرهن العلم بفضل داروين (في القرن التاسع عشر) أن هذا العديد من الأنواع الحية قد تولد عن عدد صغير من الكائنات البسيطة والعلقات ذات الخلية الواحدة (الخلية هي الوحدة التي ينتج عنها بالتعدد والاختلاف النبات والحيوان) ولقد تكونت هذه العلقات من مضغة البومينية لا شكل لها تغيرت الأنواع ولا تزال تتغير بتأثير التفاعل بينها وبين البيئة. ويخضع الجنس البشري لقانون التطور العظيم.
فلقد نشأ عن الحيوانات الأولى مختلف أنواع الحيوانات وفصائلها حتى انتهى بها الأمر إلى الحيوانات التي يبلغ فيها النظام العصبي أكمل نموه وهي الحيوانات الفقرية؛ ومن ثم أدركت الطبيعة ذاتها في الإنسان.
وهكذا تكون الطبيعة – سواء كانت فيزيائية أم حيَّة- عبارة عن حركة. وذلك لأن الحركة هي الصورة التي توجد عليها المادة. ولهذا لم توجد قط مادة بدون حركة ولا يمكن أن توجد قبل هذه المادة. فالحركة موجودة في فضاء الكون وفي الحركة الميكانيكية، واهتزازات الجسيمات في صورة حرارة أو تيار كهربائي أو مغناطيسي، وكذلك نجد الحركة في التحليلات والتركيبات الكيمائية، وفي الحياة العضوية؛ إذ تشارك كل ذرة من المادة في الكون، في كل لحظة، بصورة من صور الحركة هذه أو بعدة صور في نفس الوقت.. ولهذا لا يمكن تصور المادة بدون الحركة كما لا يمكن تصور الحركة بدون مادة.
وهكذا فان موضوع العلم يظل واحدا وهو الحركة سواء كان علم فلك أو فيزياء، أو كيمياء، أو علم حياة (بيولوجيا).
ولكن ربما قال قائل: "فلماذا، إذن، لا يؤمن جميع العلماء بالمادية الجدلية؟".
كل باحث جدلي في تجربته العيانية؛ فهو لا يستطيع فهم الواقع الا إذا أدركه في حركته. ولكن هذا الباحث الجدلي في التطبيق، يصبح غير جدلي إذا ما فكر في العالم أو إذا ما فكر في تأثيره على العالم لماذا؟ لأنه يعود فيخضع عندئذ لتأثير نظرة ميتافيزيقية عن العالم كالدين أو الفلسفة التي تعلمها في المدرسة. وتعتمد هذه النظرة على السنة القديمة وهي خليط من المعتقدات الذائعة التي تؤثر في العالم دون أن يشعر ولو خيل إليه بأنه "حر في تفكيره". وهكذا نجد أن أحد الفيزيائيين لا يحتاج إلى فكرة الله في دراسته التجريبية للذرات ثم إذا به يعود إلى هذه الفكرة عند مخرج مختبره، لأن هذه العقيدة، بالنسبة إليه، لا مجال للشك فيها: كما نجد بيولوجيا آخر خبيرا بدراسة الأجسام الصغيرة.(micro-orgamismes) تتملكه الحيرة كالطفل أمام أقل مشكلة سياسية. هذا البيولوجي وذاك الفيزيائي كلاهما فريسة لتناقض بين الناحية العملية التطبيقية عند العالم وبين نظرتهما إلى العالم. فالناحية العملية جدلية (لأنها لا يمكن أن تكون فعالة إلا إذا كانت جدلية) بينما لا تزال نظرتهما للعالم ميتافيزيقية، ولا تستطيع إلا المادية الجدلية التغلب على هذا التناقض. فهي تمد العالم بنظرة موضوعية عن الكون (الطبيعة والمجتمع) على أنه كل دائم الصيرورة؛ وبهذا يتيح للعالم أن يجعل الناحية العملية عنده في كل مترابط الأجزاء.

4 – في المجتمع
إذا كان حقا أن العالم يتحرك وينمو باستمرار، وإذا كان حقا أن زوال القديم وظهور الجديد قانون عام للتطور والنمو، فأنه من الواضح إذن أنه ليس هناك من نظام اجتماعي "أبدي" أو "مبادىء خالدة" للملكية الخاصة والاستغلال؛ كما أنه ليس هناك من "أفكار خالدة" عن خضوع الفلاحين للملاكين والعمال للرأسماليين.
ولهذا يمكن استبدال النظام الرأسمالي بنظام اشتراكي كما أن النظام الرأسمالي حل محل النظام الإقطاعي في زمانه.
وهذه نتيجة جوهرية للصفة الثانية في الجدلية، تقول بأنه ليس هناك من مجتمع أبدي لا يتغير، على عكس ما تقوله الميتافيزيقا، إذ يعتقد الميتافيزيقي أن المجتمع لا يتغير ولا يمكنه أن يتغير لأنه يمثل على الأرض مشروعا إلهيا خالدا "فلقد أراد الله هذا النظام الاجتماعي" ولهذا كانت ملكية وسائل الإنتاج الخاصة مقدسة؛ كما كان الذين يثورون على هذه الحقيقة المقدسة مخطئون باسم "الأخلاق" وما عليهم إلا التكفير عن خطيئتهم! فالله هو "حامي" الملاكين وهو المهيمن على "الأعمال الحرة". فإذا ما حدث بعض التغير فما ذلك سوى حادث سيء لا خطر له بل هو حادث عابر، يمكن بعده ـ بل يجب ـ العودة إلى الحالة السابقة "السوية" وبهذا يصبح للحملة ضد الاتحاد السوفياتي ما يبررها: إذ يجب إعادة "الضالين" إلى الحظيرة الرأسمالية "الخالدة".
وقد لجأت الميتافيزيقا، بعد طردها من ميدان علوم الطبيعة، إلى ميدان علوم الإنسان والمجتمع.
لأنه لو قلنا بأنه يمكن تغيير الطبيعة؛ فأن الإنسان خالد لا يتغير هناك "طبيعة إنسانية" خالدة بعيوبها التي لا تزول. فما الفائدة إذن من القول بإصلاح المجتمع؟ يا له من وهم خلب...
تلك هي عقيدة الخطيئة الأصلية التي يعظ بها الناس فرنسوا مورياك على صفحات الفيجارو. وهي نظرة خاصة بالمفكر المسيحي. كما تنتشر في بعض الأوساط البرجوازية المتوسطة التي لا تؤمن بالله أو الشيطان فيخيل إليها أنها فوق كل معتقد بال، وهم إذا كانوا لا يذهبون إلى الكنيسة فأنهم يؤمنون بالنظرة الميتافيزيقية التي تجمد الإنسان والتي خلفها لهم الدين منذ آلاف السنين. فإذا بمحرر في جريدة تصدر للمعلمين من الشبان يكتب عن نقص الجنس البشري الأصلي فيتحدث عن "كيس الجلد" الذي نلزمه طيلة حياتنا. فيا لها من "طبيعة إنسانية" شقية ترتكب جميع المخازي!
وهذا القول في صالح المستغلين "للجنس البشري". وإذا كان هناك من يشكو من هؤلاء المستغلين، فليعلم إذن "أن الإنسان خلق هكذا" وأنه لا سبيل لتغييره.
وهكذا أصبح اضطهاد الناس وشقاء الفقراء وإعلان الحرب له ما يبرره على مر القرون. إذ يعيد المجتمع ذاته لما لا نهاية لأن الإنسان يظل كما كان. (نلاحظ هنا أن مثل هذه النظرة ترى في الإنسان كائنا بذاته بينما الإنسان في جوهره كائن اجتماعي) ولما كان هذا الإنسان فاسدا كان لا بد من أن يكون المجتمع مرذولا؛ ولا شك أن الدين يقول بأنه يمكننا، لا بل يجب علينا، أن ننقذ أرواح الأفراد. اما فيما يتعلق بالمجتمع فان هذه مسألة أخرى لأنه يجب الامتناع عن أي تحسين لحاله لأنه لا خلاص للإنسان على وجه الأرض.
ولنلاحظ هنا أن هذه الميتافيزيقا المثقلة بعبء السنين هي التي تبرر كل ما يقوم به زعماء الديمقراطية الاشتراكية ضد الإتحاد السوفياتي. ولقد قال ستالين في 26 كانون الثاني سنة 1924.
"تقوم عظمة لينين، قبل كل شيء، على أنه اثبت في الواقع، بتأسيسه لجمهورية السوفيات، إلى الجماهير المضطهدة في العالم أجمع، أن الأمل في الخلاص لم ينقض، وأن سيطرة كبار الملاكين والرأسماليين ليست خالدة، وأنه يمكن أقامة حكومة العمال بواسطة جهود العمال أنفسهم، وأنه يجب إقامة هذه الحكومة على الأرض وليس في السماء. وهكذا أشعل لينين في قلوب العمال والفلاحين في العالم أجمع جذوة الأمل في التحرر. وهذا ما يفسر أن اسم لينين قد أصبح أعز اسم على قلوب الجماهير الكادحة المستغَلة".
وهذا ما لا يرضاه بلوم صنيع البرجوازية داخل الحركة العمالية.
وتعتمد النزعة المناهضة للسوفيات، عند الزعماء الاشتراكين، على فلسفة يائسة. فإذا بلينين وستالين والشعب الروسي مجرمون لأنهم أرادوا، لا بل نجحوا في القضاء على استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وإذا بليون بلوم وجي موليه يكثران من الخطب حول "النزعة الاشتراكية المحررة" بيد أنهم لا يعتقدون ما يقولون. فلقد روضتهم البرجوازية الرجعية المعتدية فرسخت فيهم عقلية الفاشلين المغلوبين. ولهذا نرى بلوم في كتابه "على مستوى الإنسان" يعلن تضامنه مع الفاتيكان، كما يعلن الحرب على الشيوعيين، محاولا إقصاءهم عن الأمة القومية. لماذا؟ لأن الشيوعيين يشهدون بأفعالهم عن أيمانهم بتغيير المجتمع كما يرون في الاتحاد السوفياتي المثل الذي يجب أن يحتذيه جميع العمال.
وهذا ما لا يرضى به صنائع البرجوازية، فيعملون جاهدين لأبعاد العمال عن الاتحاد السوفياتي الذي يدلهم على طريق الإصلاح. ولهذا لا يتراجع هؤلاء أمام أية نميمة للتدليل على أنه لم يتغير شيء في الاتحاد السوفياتي، ويصحب ذلك بالضرورة مراقبة كل أدب، يصدر عن الاتحاد السوفياتي، يظهر حقيقة ما غيرته الثورة ومنعه.
وهكذا تبدو فلسفة الاشتراكية الديمقراطية فلسفة ميتافيزيقية صرفة، تقوم على محاربة الحماسة والتضليل وتثبيط همم المناضلين، ولا ادل على ذلك من الجريدة اليومية (Franc-Tireur) أو المجلة الهزلية (Le canard enchaine) إذ نرى أن الفكرة السائدة فيهما في الجد أو السخرية في الخداع أو السباب هي أن لا جدوى من النضال ضد الرأسمالية، والحال سيظل كما كان. لأن "أكلة الخوارنة" هؤلاء يفكرون بعقلية دينية ولأنهم مقتنعون بعجز الإنسان الأساسي، ولما كانوا هم مفلسين فقد جعلوا التاريخ يفلس أيضاً معهم. ولهذا ظهر الرياء في سخريتهم التي تنم على اليأس والقنوط.
وذلك لأن التغير ليس من صميم حقيقة المجتمع والطبيعة فقط بل أن المجتمع يتطور بصورة أسرع من تطور الكون الطبيعي؛ فلقد توالت على الإنسانية منذ انحلال المجتمع البدائي أربعة أشكال من المجتمعات وهي: مجتمع الرقيق، المجتمع الإقطاعي، المجتمع الرأسمالي والمجتمع الاشتراكي وكان المجتمع الإقطاعي يعتقد بأنه أبدي كما كان رجال الدين يرون فيه عملا من أعمال الله، كما يجعل اليوم الكردينال سبيلمان من شركات الاحتكار الأميركية إرادة الله. ومع ذلك حل محل المجتمع الإقطاعي المجتمع الرأسمالي، كما حل محل المجتمع الرأسمالي المجتمع الاشتراكي، كما يستعد الاتحاد السوفياتي إلى الانتقال لمرحلة أسمى هي مرحلة الشيوعية.
لما كان الإنسان كائنا اجتماعيا فليس هناك من إنسان خالد. أو لم يمت الإنسان الإقطاعي عند مطلع العصور الحديثة في شخص دون كيخوت؟ أما ما يدعي بالأنانية الأصيلة فقد ظهرت مع تقسيم المجتمعات إلى طبقات، فكانت "عبادة الذات" المشهورة التي تقول بأن "الأنا فوق كل شيء" ثمرة البرجوازية السائدة التي تجعل من المجتمع مأسدة يتصارع الناس فيها لتحقيق أغراضهم بواسطة الخداع والقوة وأن اضطروا لبناء صرح سعادتهم على شقاء الضعفاء! ومع ذلك ينشأ في المجتمع الرأسمالي نفسه انموذج إنسان جديد لا يرى سعادته الا ضمن سعادة المجتمع، ويجد أسمى نعيمه في النضال من أجل الإنسانية جمعاء ويتحمل في سبيل ذلك أعظم التضحيات. وهكذا تشارك هذه الأم العاملة في شركة رينو بالإضراب من أجل زيادة الأجور مع علمها بأن الجوع سيحل بأطفالها طيلة أيام الإضراب. كما يرفض عمال مرفأ روان، تضامنا مع عمال العالم، سبعة عشر مرة تفريغ الاسلحة المخصصة لمحاربة السوفيات مؤثرين ألم الجوع والحرمان.
ليس هناك إذن، إنسان خالد، كما أنه لم يكن هناك خطيئة أصيلة. ولهذا فأن جميع الذين يناضلون، اليوم ضد الرأسمالية يعملون في نفس الوقت على تغيير أنفسهم. وتزداد إنسانيتهم بقدر محاربتهم لنظام غير إنساني، لأن الحقيقة الإنسانية، ككل حقيقة، جدلية. فقد ارتفع الإنسان، عن مستوى الحيوان، بنضال استمر آلاف السنين ضد الطبيعة، وليس هذا النضال في آخر مراحله بل هو لا يزال في أول مراحله كما يقول بولس لانجفين، وليس تاريخ هذا النضال منفصلا عن تاريخ المجتمعات؛ فإذا بنا نعثر هنا، من خلال القانون الثاني للجدلية القائل بأن كل شيء يتغير، على القانون الأول القائل بأن كل شيء مترابط مع غيره إذ لا يمكن فهم الوعي الفردي خارج المجتمع. ولهذا يمكن للإنسان، في بعض الظروف، التقهقر إلى الوراء. إذ تحاول البرجوازية الرجعية، محافظة منها على مصالحها، أن تعود القهقرى بعجلة التاريخ فتظهر الفاشية: فاشية ايزنهور وماك كارتي أو فاشية هتلر. ولكن هذه الفاشية تنحط بالإنسان لأن رجال شرطة هتلر (s.s) الذين اضطهدوا المشردين قد اضطهدوا في نفس الوقت الإنسانية التي لا تزال ترقد في أنفسهم، فهم إذ ما داسوا إنسانية الغير بأرجلهم أنما يدوسونها في أنفسهم أيضا. وليس جانب الصلاح في الإنسان عطية من الله بل هو كسب ناله على مر الأيام. وهذا الكسب هو ما تعرضه البرجوازية، كل يوم للخطر. فإذا بالقنبلة الذرية تسيطر على تفكيرها وإذا بالدولار يحتل ضميرها. ولهذا حق للمحامي عمانوئيل بلوش أن يهتف مساء تنفيذ حكم الإعدام بآل روزنبرج: "أن الذين يحكموننا هم حيوانات!".
فكيف لا نعارض قسوة طبقة فاسدة بالرحمة التي تخيم على الإنسانية في المجتمع الاشتراكي؟ تبدو لنا هنا قوة المادة الجدلية التي تضيء طريق الشيوعية وحقيقتها. فلقد دلت أعمال رجال السوفيات الذين تحرروا من الاستغلال على حقيقة التأوهات عن خلود الشقاء. ولهذا ليس هدف قانون الجزاء السوفياتي تأديب المجرم بل تغيير حاله عن طريق العمل الاشتراكي. تحيق بالمجرم في النظام الرأسمالي لطخة عار لا تمحي حتى بعد انقضاء مدة سجنه أما في الاتحاد السوفياتي فلقد وجد الشواذ من الشبان الذين قام على إصلاحهم ماكارانكاو "طريق الحياة" كما أصبح المجرمون واللصوص مواطنين شرفاء قد تخلصوا من أوزار الماضي، وليس من الصدفة أن زال شذوذ الشبان في الاتحاد السوفياتي بينما هو يزداد في المجتمع الرأسمالي يوما بعد يوم.
فلقد ماتت في المجتمع الاشتراكي فكرة القضاء المحتوم.
ونجد اليوم دليلا رائعا على ذلك عند الأطباء السوفيات زملاء بافلوف. فلقد كان قول التوراة عن المرأة "سوف تلدين في الألم" يحيق بالأجيال المتتابعة. فإذا بالولادة لم تعد ألما مضنيا في روسيا بفضل دراسة عمل المراكز العصبية دراسة جدلية وتوضيح مشكلة الألم. هكذا تزعزعت الفكرة القديمة القائلة بأن الألم قانون الولادة وأنه "ضريبة" "الخطيئة الأصلية" و "متعة الجسد". وسوف تنمو الفكرة الجديدة وتنتقل من جيل لجيل بينما تنحل الفكرة القديمة عن الولادة في الألم لتزول إلى الأبد. أما أن يرجع الفضل في مثل هذا الاكتشاف الرائع للأطباء السوفيات فليس هذا من قبيل الصدفة. لأنه عمل علماء جدليين يعتقدون أن ليس في الكائن الإنساني أي عيب أبدي.

5 – الخلاصة
أن الاقتصار على جانب واحد من الواقع والاكتفاء بلحظة واحدة من مراحل التطور وكذلك الاعتقاد بأن الماضي لا حاجة به للمستقبل كل ذلك دليل على جهل جدلية الواقع. كما أن من يحكم على أميركا اعتمادا على شخصية الشيخ ماك كارتي فيعتقد بأن مستقبل أميركا سوف يكون صورة مطابقة لما جرى في التاسع عشر من حزيران سنة 1953 (حين نفذ حكم الإعدام بآل روزنبرج) يخطىء خطأ فاحشا. ذلك لأن مستقبل الولايات المتحدة هو بالأحرى من صنع القوى الجديدة التي يحاول المدافعون عن القديم القضاء عليها. ولقد كتب ستالين يقول: "أن أهم شيء هو ما يتطور". إذ مهما كانت ضئيلة جرثومة هذا التطور فإنها تحتوي مع ذلك على الحياة، وهذه الحياة هي ما يجب الحفاظ عليه بجميع الوسائل، لأنها تستحق كل عناية. وهكذا فأن نضال أيتيل وجولويوس روزنبرج ضد الجريمة سوف ينتصر بالرغم من أن الجريمة قد اضرت بهما. وكما أن تباشير الصباح تشير بمولد النهار فأن أمثولة آل روزنبرج تبشر بميلاد أميركا عادلة مسالمة. كما قالت ايتيل روزنبرج لأولادها:
"لسوف يكون العالم يا بني سعيدا مخصبا فوق قبرينا.
أما أولئك الذين قضوا عليهما أملا في إيقاف عجلة التاريخ فلقد حاق بهم الموت أكثر من الأموات.
ينقص الميتافيزيقي الاحساس بالتغير والإحساس بالجديد. وهذه هي ميزة الجدلي في كل حين والتي تهب الماركسي قوته المبدعة الخلاقة. إذ ليست الماركسية عبارة عن مجموعة من "الوصفات" التي تصلح لكل مكان وزمان بل هي علم التغير والتحول الذي يزداد مع التجربة. ولا يأبه الميتافيزيقي بما يتغير فهو يعتقد بأنه قد حدثت حربان عالميتان، ولهذا فلسوف تتبعهما حرب ثالثة" وإذا كان كل شيء يتغير حوله فأنه لا يرى هذا التغير. ولما كانت البرجوازية تحلم بالبقاء فهي تخشى الجدلية التي تدل على أن سيطرة البرجوازية آخذة بالأفول وأن بدت وطيدة الأركان لمن لا يتعمق الأشياء فيحسب ضربات المطارق دليلا على القوة. ولهذا كتب ستالين معلقا على الميزة الثانية للجدلية:
"يجب أن لا نعتمد في عملنا على الطبقات الاجتماعية التي لا تتطور وأن كانت تمثل في الوقت الحاضر القوة السائدة، بل على الطبقات الاجتماعية التي تنمو وتتطور لأن المستقبل لها وأن كانت لا تمثل في الوقت الحاضر القوى السائدة.
لأن الموقف العلمي لا يقوم على الاكتفاء بما نشاهده أمام أنظارنا بل في فهم ما يموت وما يولد وأن نهتم أكثر ما نهتم بما يولد. وأما المساواة في الاهتمام بهما فأن في ذلك مساً بالواقع وتشويها له لأن الواقع حركة دائمة. ولهذا كان الماركسيون ذوي نظر للمستقبل لأنهم ينظرون لكل واقع حسب صيرورته ولهذا "كشف" الماركسيون بجدليتهم الصحيحة، منذ البداية، كل ما يتضمنه مشروع مارشال بينما كان الزعماء الاشتراكيون يرحبون بالمشروع على أنه رخاء وازدهار.
ينقد ستالين في كتابه "مشاكل الاشتراكية الاقتصادية في الاتحاد السوفياتي" الذين " لا يرون الا الظواهر الخارجية ولا يغوصون إلى الأعماق" والذين " لا يرون القوى الدخيلة، التي وأن كانت تعمل بصورة موقتة وبصورة خفية فأنها تؤثر مع ذلك في تحديد اتجاه الحوادث".
وهذه ملاحظة قيمة لنا جميعا ولا سيما لأوساط العمال، لأن ما يولد وينمو هي وحدة العمال التي توطدت أولا بين العمال الشيوعيين والعمال الاشتراكيين ثم اتسعت فإذا بالثقة في الانتصار القريب تفعم قلوب الجماهير. تلك هي القوة "التي لا تقهر" والتي، إذا ما انقلب النسيم ريحا عاصفة، ستزيل جميع العقبات. ذلك لأن النضال لتوحيد العمال الذين تختلف آراؤهم وتتحد مصالحهم يتفق وقانون الجدلية الثانية ولقد دل اتساع حركة الإضرابات عام 1953 على اشتراك جميع طوائف العمال في النضال الايجابي.
ونرى المنشق، على عكس ذلك، ميتافيزيقيا. فهو يرفض دعوة زميله للعمل المشترك بحجة أنه اشتراكي أو مسيحي. فهو يجهل بذلك قانون التغير والتحول كما أنه لا يريد أن يرى أن وعي هذا العامل سوف يتغير بتأثير العمل المشترك من أجل تحقيق هدف واحد: ذلك لأن العمل جنبا إلى جنب يقضي على الشكوك والأوهام. أما المنشق فهو يفكر كما لو كان قد علم شيئا دفعة واحدة وهو ينسى أن الإنسان لا يولد ثوريا بل يصبح ثوريا. كما ينسى أن عليه أن يتعلم الشيء الكثير. والثوري الحقيقي هو الجدلي الذي يعمل على تهيئة الظروف الملائمة لتقدم الشيء الجديد. وكلما ازداد عزم الزعماء الاشتراكيين على الحيلولة دون توحيد جبهة العمال، كلما ازداد عزمه على تحقيق هذه الوحدة في موقفه من العمال الاشتراكيين.
الدرس الرابع
ميزة الجدلية الثالثة
التحول النوعي


1 – مثال
2 – ميزة الجدلية الثالثة
3 – في الطبيعة
4 – في المجتمع
5 – الخلاصة

1 - مثال
إذا غليت الماء أخذت حرارته بالارتفاع درجة بعد درجة حتى إذا ما بلغت درجة معينة جعل الماء يتبخر ويتحول إلى بخار ماء.
نحن هنا أمام نوعين من التغير إذ أن تغير الحرارة التدريجي هو تغير كمي أي أن كمية الحرارة التي يحتوي عليها الماء تزداد، غير أن الماء في وقت ما يفقد صفته كسائل ويصبح غازاً دون أن يغير من طبيعته الكيمائية.
وهكذا نسمي تحولا كميا مجرد ازدياد الكمية أو نقصانها، كما نسمي تحولا نوعيا الانتقال من صفة إلى صفة أخرى أو من حال إلى حال كالانتقال من حالة السيولة إلى حالة الغازية.
دللت دراسة الميزة الثانية للجدلية على أن الواقع تحول مستمر. وسوف تدلل دراسة الميزة الثالثة للجدلية على أن هناك صلة بين التحولات الكمية والتحولات النوعية. ذلك لأن التحول النوعي (كتحول الماء إلى بخار ماء) ليس من قبيل الصدفة بل هو نتيجة حتمية للتحول الكمي أي لازدياد الحرارة التدريجي. حتى إذا ما بلغت الحرارة درجة معينة (100 درجة) أخذ الماء بالغليان في ظروف الضغط الجوي الطبيعي. فإذا ما تغير الضغط الجوي تغيرت درجة حرارة الغليان حسب ما تقول الميزة الأولى للجدلية بأن كل شيء مرتبط بالآخر. ولكن درجة الغليان تظل واحدة بالنسبة لجسم معين، تحت ضغط جوي معين. ويعني هذا أن التحول الكمي ليس وهماً بل هو حادث موضوعي مادي يتفق والقانون الطبيعي. ولهذا كان حادثا يمكن التنبؤ بوقوعه فيقوم العلم بالبحث عن التحولات الكمية الضرورية لحدوث تحول كمي معين.
ونرى الصلة بين نوعي التحول واضحة في حالة غليان الماء. وتعتبر الجدلية أن هذه الصلة بين التحول الكمي والتحول الكيفي قانون شامل في الطبيعة والمجتمع.
ولقد رأينا في الدرس السابق أن الميتافيزيقا تنكر التحول وأنها إذا ما قالت به فأنها تجعل منه عبارة عن تكرار. وضربنا لذلك مثل ساعة الحائط. فإذا بالكون أشبه بساعة حائط لا يكف فيها الرقاص عن تكرار حركته. فإذا ما طبقنا مثل هذه النظرية على المجتمع أصبح التاريخ الإنساني عبارة عن دورة متكررة لا تتغير. ويعني هذا أن الميتافيزيقا تعجز عن تفسير كل جديد. فإذا فرض هذا الجديد نفسه عليها رأت فيه مظهرا من مظاهر العبث في الطبيعة أو نتيجة لمعجزة إلهية. أما الجدلية، فهي، على العكس، لا تدهش ولا تتولاها الحيرة من ظهور الجديد، لأن هذا الجديد ثمرة ضرورية للكثير من التغيرات الكمية الصغيرة التدريجية التي لا مغزى لها في الظاهر. وهكذا تخلق المادة بحركتها الخاصة الشيء الجديد.
2 – ميزة الجدلية الثالثة
لا تعتبر الجدلية، على عكس الميتافيزيقا، عملية النمو على أنها مجرد عملية نماء لا تؤدي بها التحولات الكمية إلى تحولات كيفية بل على أنها عملية نمو ينتقل من التحولات الكمية الضئيلة الكامنة إلى تحولات ظاهرة أساسية هي التحولات الكيفية. وليست هذه التحولات الكيفية تدريجية بل هي تحولات سريعة مباغتة، تحدث بواسطة قفزات من حالة لأخرى. وليست هذه التحولات عارضة بل هي ضرورية لأنها ثمرة تحولات كمية تدريجية لا نشعر بها.
ولنوضح جيدا بعض جوانب هذا التعريف. قلنا في الفقرة السابقة أن التحول الكيفي هو تحول حالة إذ يصبح الماء السائل بخار ماء، أو أن الماء السائل يصبح ماء جامدا (ثلجا). كما تصبح البيضة صوصا والبرعم زهرة، وكذلك يموت الحي ويصبح جثة هامدة.
أما النمو فهو يعني أن ما يبدو جديدا قد نما بالتدريج، إذ ليس هناك من معجزة بل اعداد بطيء لا يكشف عنه سوى الجدلية وحدها. ولهذا يقول موريس توريز في كتابه "ابن الشعب" (ص 248).
"خرجت الاشتراكية من الرأسمالية كما تخرج الفراشة من الشرنقة".
وأما القفزات فهي تعني أنه إذا كان يلزم المرشح 60223 صوتا لينتخب نائبا فأن الصوت الأخير هو الذي يحقق الانتقال الكيفي الذي يصبح به المرشح نائبا. ومع ذلك فأن هذا التحول السريع المباغت قد أعد بواسطة تجمع الأصوات: صوتا فوق صوت. ذلك هو مثال بسيط للتحول الكيفي.
وكذلك تتفتح الزهرة بعد نضج بطيء، كما أن الثورة التي تندلع في وضح النهار ما هي الا تحول قد اعد بواسطة التطور البطيء.
ولا يعني هذا أن جميع التحولات الكيفية تتخذ طابع الأزمات والانفجارات. إذ أن هناك حالات يتم فيها الانتقال إلى الصفة الجديدة بواسطة تحولات كيفية تدريجية. فلقد دلل ستالين في بحثه "حول الماركسية في علم اللغة" على أن التغيرات التي تطرأ على اللغة تتم بواسطة تحولات كيفية تدريجية.
وكذلك بينما يتم الانتقال الكيفي من المجتمع المنقسم إلى طبقات متنازعة إلى مجتمع اشتراكي عن طريق الانفجار. فأن نمو المجتمع الاشتراكي يتم بواسطة تحولات كيفية تدريجية بعيدة عن الأزمات.
قال ستالين: "حققنا خلال ثمان إلى عشر سنوات الانتقال بزراعة بلادنا من النظام البرجوازي القائم على استغلال الفلاح إلى نظام الكولخوز الاشتراكي، ولقد قضى هذا التطور على النظام القديم الاقتصادي البرجوازي في القرى وأوجد نظاما جديدا اشتراكيا. ولم تتم هذه التغييرات الأساسية بواسطة الانفجار، أي بالقضاء على السلطة القائمة وإيجاد سلطة جديدة، بل بالانتقال التدريجي من النظام القديم البرجوازي في القرى إلى نظام جديد. ولقد أمكن ذلك لأنها كانت ثورة من عل، ولأن التحول الرئيسي قد تحقق على يد السلطة القائمة بمساعدة جماهير الفلاحين.
وكذلك فأن الانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية هو تحول كيفي يتم بدون أزمات، لأن الناس في النظام الاشتراكي، وقد تسلحوا بسلاح الماركسية، هم أسياد مصيرهم، ولأن المجتمع الاشتراكي لا يتكون من طبقات اجتماعية متنازعة.
وهكذا نرى أنه يجب دراسة الطابع النوعي الذي يتخذه التحول في كل حالة. فلا يجب أن نجعل من كل تحول كيفي نوعا من الانفجار. ولكن مهما كانت الصورة التي يرتديها التحول الكيفي فليس هناك من تحول كيفي لم يسبقه إعداد له وتحضير.
والشيء الشامل هي الصلة الضرورية بين التحول الكمي والتحول الكيفي.

3 – في الطبيعة
أمامنا ليتر من الماء. فلنقسمه إلى قسمين متساويين، نجد أن هذه القسمة لم تغير قط من طبيعة الجسم لأن نصف ليتر من الماء ماء أيضا. ونستطيع أن نستمر في التجزئة حتى تصل إلى حجم رأس الإبرة من الماء ومع ذلك يظل هذا الحجم ماء ولا يحدث عن ذلك أي تحول كيفي. ويظل الحال كذلك حتى نصل إلى جزيء الماء فهو يتكون من ذرتين من الهدروجين وذرة من الأكسجين. فهل يمكننا مواصلة التجزئة وتحليل الجزيء؟ أجل. بواسطة طريقة خاصة... ولكن لن يكون لدينا حينئذ ماء بل هيدروجين وأوكسجين. اذ أن الهيدروجين والأوكسيجين اللذين نحصل عليهما بتجزئة جزيء الماء لن يكون لهما صفات الماء. ويعلم كل منا أن الأوكسيجين يشعل اللهيب وأن الماء يطفيء الحرائق.
هذا المثال شاهد على القانون الثالث للجدلية وهو أن التحول الكمي (تجزئة حجم الماء تجزئة تدريجية) يؤدي بالضرورة إلى تحول كيفي (ظهور جسمين مختلفين كيفيا عن الماء).
والطبيعة مفعمة بمثل هذه التحولات.
ولا يمكن أن تحدث التحولات الكيفية في الطبيعة، بصورة واضحة في كل حالة معينة، الا بإضافة كمية من المادة أو الحركة أو ازالتها (أو من الطاقة كما يقولون).
ويستشهد انجلز نفسه على ذلك بعدد من الأمثلة. فالأوكسيجين مثلا إذ اتحدت ثلاث ذرات منه بدلا من ذرتين لتكوين جزيء لحصلنا على الأوزون، وهو جسم يختلف عن الأوكسيجين العادي برائحته وتأثيره. وكذلك القول في النسب المختلفة التي يمتزج بها الأوكسيجين مع الأزوت والكبريت فتكون كل نسبة جسماً يختلف عن الأجسام الأخرى! إذ الفرق كبير بين هذين الجسمين N20 وN205 فالأول غاز بينما الثاني جسم صلب متبلور. ومع ذلك يرجع كل الاختلاف بينهما في أن الجسم الثاني يحتوي على خمسة أضعاف ما يحتويه الأول من الأوكسيجين. ويقوم بينهما ثلاثة أجسام هي:NO2, N2O3, NO, تختلف عن الجسمين الأوليين كما تختلف فيما بينها.
ولقد أتاحت هذه الصلة الضرورية بين الكمية والكيفية لمندلييف أن يقوم بتصنيف العناصر.
فلقد صنف العناصر حسب أوزانها الذرية المتصاعدة. ويظهر هذا التصنيف الكمي للعناصر الذي يبدأ بأخفها (وهو الهيدروجين) وينتهي باثقلها (وهو الأورانيوم)، ما بينها من اختلاف كيفي في الصفات. ولقد وجد في هذا التصنيف أماكن فارغة مما جعل مندلييف يستنتج أن هناك عناصر جديدة كيفيا يجب اكتشافها في الطبيعة، فوصف مسبقا صفات أحد هذه العناصر الكيمائية، ثم أكتشف هذا العنصر فيما بعد. وهكذا استطعنا بفضل تصنيف مندلييف المنهجي التنبؤ بوجود أكثر من عشرة عناصر كيمائية لم يكن توجد من قبل في الطبيعة تم الحصول عليها صناعيا.
ولقد أتاحت لنا الكيمياء، التي تدرس لب الذرة، أن نزداد فهما لأهمية الصلة الضرورية بين الكمية والكيفية، كما أنها وسعت من ميدان معارفنا. وهكذا حقق روذرفورد بتدمير ذرات الأزوت بواسطة ذرات الهليون (وهي جزيئات ذرية تنشأ نتيجة لتحلل ذرة الراديوم) تحويل ذرات الأزوت إلى ذرات الأوكسيجين. وهذا مثال رائع للتحول الكيفي. بيد أن دراسة هذا التحول قد دللت على أنه مشروط بتحول كمي، ذلك لأنه لب الأزوت ـ الذي يحتوي على سبعة بروتونات ـ يفقد بتأثير الهيليون بروتونا واحدا بينما يأخذ من جهة ثانية بروتونين من لب الهيليون فينتج عن ذلك لب ذو ثمانية بروتونات أي لب الأوكسيجين.
ويمكن لعلوم الحياة أن تمدنا بطائفة من الأمثلة. وذلك لأن نمو الطبيعة الحية لا يشبه مجرد ترداد نفس العمليات. لأن مثل هذه النظرية تحول دون فهم التطور. وتلك هي نظرية علم الولادة (genetique) القديم (ولا سيما عند ويزمان) الذي يقول بأن مستقبل الكائن الحي كان في مادة وراثية (les genes) لا تتغير ولا تتأثر بالبيئة. فيصبح مستحيلا عندئذ فهم ظهور الشيء الجديد. غير أن نمو الطبيعة الحية، في الواقع، يفسره تراكم التحولات الكمية التي تنقلب إلى تحولات كيفية. ولهذا كتب انجلز يقول:
"أنه لمن الجنون تفسير ولادة خلية واحدة من المادة الجامدة رأسا بدلا من المضغة (albumine) الحية، أو الاعتقاد بأنه يمكننا، بواسطة قليل من الماء الآسن، حمل الطبيعة على أن تضع في خلال أربع وعشرين ساعة ما قضت ملايين السنين في اعداده.
نفهم الآن كيف أن هذا النمو الكمي والكيفي للطبيعة الحية يستطيع أن يجعلنا نفهم ما نعنيه، في الجدلية، بالانتقال من البسيط إلى المعقد، مما هو سفلي إلى ما هو علوي. ذلك لأن الأنواع التي تنشأ عن التطور تتعقد شيئا فشيئا ولهذا تنوع تكوين الكائنات الحية أكثر فأكثر.
وكذلك تكون من البيضة عدد كبير من الأعضاء المتمايزة كيفيا لكل منهما وظيفته الخاصة. وهكذا ليس نمو الكائن الحي مجرد تكاثر الخلايا، بل هو عملية تمر بالعديد من التحولات الكيفية.
فإذا أخذنا بدراسة الجهاز العصبي وعلم النفس الفينا من جديد قانون العلاقة بين الكمية والكيفية في صور متعددة. فالاحساس (sensation) مثلا (كرؤية النور، والإحساس بالحرارة، والسمع واللمس الخ). وهو ظاهرة خاصة بالنظام العصبي، لا يظهر الا إذا بلغت الإثارة ـ أي تأثير المثير على الجهاز العصبي ـ مستوى كميا معينا يسمى بالعتبة. وهكذا لا يمكن أن تتحول الأثارة الضوئية إلى إحساس الا إذا استمرت مدة من الزمن بقوة دنيا. وعتبة الإحساس هو الوقت الذي يحدث فيه الانتقال من كمية المثير إلى كيفية الرد عليها: أما قبل هذه العتبة فلا يحدث الإحساس لأن المثير ضعيف جدا.
وكذلك يتكون "المفهوم" (Concept) بواسطة تكرار الاستعمال له اعتمادا على الإحساسات.
فاستمرار الاستعمال الاجتماعي يؤدي في استعمال الناس إلى تكرار الأشياء التي يدركونها بحواسهم والتي تؤثر فيهم، فيحدث بالنتيجة في ذهن الإنسان قفزة في عملية المعرفة ويخرج المفهوم إلى الوجود.
والإحساس هو انعكاس جزئي للواقع، فهو لا يكشف لنا الا عن الجوانب الخارجية. غير أن الناس باستعمالهم الاجتماعي المتكرر وبعملهم، يتعمقون هذا الواقع فيدركون مغزى العمليات الداخلية التي جهلوها آنفا، كما يدركون القوانين التي تفسر الواقع وتتخطى الظاهر. وهذا هو "المفهوم" وهو شيء جديد كيفيا بالنسبة للإحساسات بالرغم من أن هذه الإحساسات ضرورية لتكوينه. وهكذا لن يقدّر "لمفهوم" الحرارة أن يتكون إذا لم يحس الناس في ظروف عديدة متنوعة بالحرارة. غير أنه وجب استمرار الاستعمال الاجتماعي آلاف السنين قبل الانتقال من الاحساسات إلى المفهوم الحالي للحرارة كصورة من صور الطاقة، فأمكن حينئذ تمثيل الصفات الرئيسية للحرارة: فقد تعلم الناس "إشعال النار" واستخدام آثارها الحرارية في مئات الصور لإرضاء حاجاتهم، ثم تعلموا بعد ذلك قياس كمية الحرارة، وتحويل الحرارة إلى عمل والعمل إلى حرارة. الخ...
وكذلك الانتقال من مسح الأراضي، الذي نشأ عن حاجات اجتماعية (قياس الأراضي)، إلى الهندسة (وهي علم الأشكال التجريدية) هو تحول الإحساسات إلى مفاهيم.
وهذا هو الحال فيما يتعلق بمبادىء المنطق التي يعتبرها الميتافيزيقيون أفكار أزلية. مثال ذلك المبدأ الشائع القائل بأن "الكل أكبر من الجزء" وأن الجزء أصغر من الكل" هو، كصورة من صور المنطق، ثمرة جديدة كيفيا لاستعمال وجد في المجتمعات القديمة في أشكال مختلفة كأن تلاحظ، مثلا، أنه يجب كمية من الغذاء لإطعام رجل، أقل مما يجب لاطعام عشرين رجلا.
ولقد كتب لينين يقول في "كراسات فلسفية":
"حمل نشاط الإنسان العملي وعيه على تكرار مختلف الصور المنطقية حتى أصبح لهذه الصور قيمة المباديء".
كما يقول:
"يستقر النشاط العملي للانسان، بعد تكراره مليارات المرات، في وعي الإنسان في صور منطقية".
تلك هي الميزة الثالثة للجدلية التي تدلنا على تفسير عقلي للاختراع، إذ أن الميتافيزيفي يعتبر ظهور الأفكار الجديدة، كما يعتبر الاختراع، وحيا إلهيا أو مجرد صدفة. أو ليس الاختراع (في الوسائل الصناعية، وفي العلوم والفنون وغيرها) تحولا كيفيا يحدث في انعكاس الواقع العقلي بعد إعداد طويل بواسطة تراكم التحولات الطفيفة في نشاط الإنسان العملي؟ ولهذا لا تتم الاكتشافات الكبرى الا بعد تحقق الشروط الموضوعية لإمكانية تمامها.
وتدلنا الأمثلة الأخيرة التي اخترناها (كالانتقال من الإحساس إلى المفهوم، والاختراع الذي يؤدي إليه الاستعمال العملي الطويل) على جانب مهم من عملية الانتقال من التحول الكمي إلى التحول الكيفي . ذلك لأن الانتقال من الحالة الكيفية القديمة إلى الحالة الكيفية الجديدة هو في الغالب تقدم. فهو إذن انتقال من السفلي إلى العلوي. وهذا هو حال الإنسان حين ينتقل من الأحساس (وهو صورة سفلية للمعرفة) إلى المفهوم (وهو صورة عليا للمعرفة). وكذلك الشأن في انتقال الجامد إلى الحي، لأن مثل هذا الانتقال انما هو تقدم خطير. ولهذا كانت الحركة التي تؤدي إلى مثل هذه التحولات الكيفية، كما يقول ستالين: "حركة تقدمية صاعدة56".
وسنرى أن ذلك هو الحال أيضا في تطور المجتمعات.

4 – في المجتمع
رأينا في الدرس السابق أن المجتمع متحرك كالطبيعة. وتقوم هذه الحركة على الانتقال من التحولات الكمية إلى التحولات الكيفية.
ولقد فهم لينين ذلك حينما كان لا يزال طالبا سنة 1887 في جامعة كازان ـ وكان يقوم بمقاومة القيصرية ـ فأجاب على مفوض الشرطة الذي قال له: "أنكم تنطحون برؤوسكم حائطا لا يتزحزح" ـ حائطا؟ أجل، ولكنه حائط نخره السوس، وتكفيه دفعة بسيطة حتى ينهار". إذ كانت القيصرية، في الواقع، كالحائط الذي أفسدته الأمطار سنة بعد أخرى، ولقد أدرك لينين أن التحول الكيفي (وهو انهيار القيصرية) قريب.
وهكذا يسبق التحولات الكيفية في المجتمع تحولات كمية بطيئة.
فالثورة (تحول كيفي)، إذن، هي نتيجة تاريخية ضرورية لتطور بطيء (تحول كمي). ولقد حدد ستالين بوضوح الجانب الكمي والجانب الكيفي للحركة الاجتماعية حيث يقول :
"يعلمنا المنهج الجدلي أن الحركة تتخذ صورتين: صورة تطورية وصورة ثورية، وتكون الحركة تطورية حين تستمر العناصر التقدمية في عملها اليومي بصورة تلقائية فتحدث في النظام القديم بعض التحولات الكمية الطفيفة. كما تكون الحركة ثورية حين تتحد هذه العناصر تحت لواء فكرة واحدة فتنطلق ضد العدو لتقتلع النظام القديم من جذوره وتحدث في الحياة تحولات كيفية كما تقيم نظاما جديدا محل النظام القديم.
وهكذا يمهد التطور للثورة بينما تقوم الثورة باتمام هذا التطور كما تساعده في عمله المقبل.
ويستشهد ستالين على هذا التحليل بحوادث 1905. فلقد "قامت طبقة العمال (البروليتاريا) في كانون الأول سنة 1905 بمهاجمة مستودعات الأسلحة ثم سارت للقضاء على الرجعية". ولقد سبق هذه الحركة الثورية تطور طويل تم خلال السنوات السابقة "حين كانت البروليتاريا في تطورها العلمي، تقنع بالاضرابات المتفرقة وايجاد نقابات للعمال صغيرة".
وكذلك سبق الثورة الفرنسية عام 1789 نضال طبقي طويل، فإذا بالتحولات الكيفية الهائلة تحدث في فرنسا خلال بضع سنوات (1789–1790) ولم تكن هذه التحولات ممكنة لولا التحولات الكمية التي تراكمت عبر السنين، أي لولا الهجمات العديدة الجزئية التي شنتها البرجوازية ضد الإقطاعية حتى الهجوم النهائي واستيلاء الرأسماليين على الحكم.
أما فيما يتعلق بالثورة الاشتراكية في تشرين الأول سنة 1917 فأن "تاريخ الحزب الشيوعي (البولشفيكي) في الاتحاد السوفياتي" يطلعنا على الطريقة التي تم بها هذا التحول الكيفي الهائل، وهو أكبر تحول في التاريخ، بواسطة سلسلة من التحولات الكمية، فإذا ما أردنا الاقتصار على الفترة بين 1914 ـ1917 فأن الفصلين 6 و 7 يدلاننا على تضخم الحركة الشعبية في هذه السنوات الخطيرة حتى استيلاء السوفيات على الحكم.
ويجب أن نلاحظ هنا (كما فعلنا في نهاية المسألة الثالثة من هذا الدرس) أن الانتقال من الحالة الكيفية القديمة إلى الحالة الجديدة يكون تقدما. فالحالة الرأسمالية هي أفضل من الحالة الإقطاعية، والحالة الاشتراكية أفضل من الحالة الرأسمالية، إذ أن الثورة تقوم بالانتقال من السفلي إلى العلوي. لماذا؟ لأنها تقوم بالتوفيق بين النظام الاقتصادي للمجتمع وبين متطلبات نمو قوى الانتاج.
من المهم أن لا نفصل بين الجانب الكيفي والجانب الكمي في الحركة الاجتماعية بل يجب النظر إليهما في ترابطهما الضروري. اما النظر إلى جانب دون الآخر فأن ذلك يؤدي إلى ارتكاب خطأ كبير.
وهكذا يؤدي الاقتصار على رؤية جانب التطور في النزعة الإصلاحية (reformisme) التي تعتقد بأنه يمكن تحقيق الإصلاحات الاجتماعية بدون الثورة. ونزعة الاصلاح هذه هي نظرية برجوازية لتجريد طبقة العمال من سلاحها، فيخيل إليها أن الرأسمالية يمكن أن تزول بدون نضال. وهكذا تكون النزعة الاصلاحية ضد الثورة لأنها؛ تدعو إلى ترقيع النظام المنهار للتفريق بين طبقة العمال وإضعافها والإبقاء على سلطة البرجوازية ضد إزالة هذه السلطة بواسطة الثورة.
ويقوم على نشر النزعة الإصلاحية الزعماء الاشتراكيون أمثال جول موش وبلوم الذي صرح بأنه "حامي الرأسمالية الأمين"، وكذلك موقف كوتسكي الذي يعتقد بأن على الرأسمالية الامبرطورية أن تتحول من نفسها إلى اشتراكية. ويعتمد هؤلاء المشوهون للماركسية على ما يدعونه "بالقانون العام للتطور المنسجم" الذي يضرب بالجدلية عرض الحائط. وبهذا يبررون خيانتهم لمصالح طبقة العمال. ويقوم برنامجهم؛ على محاربة فكرة الثورة أو "الأمل" فيها، لأن هذا الأمل لا يبدو واضحا في نظر الإصلاحي، لأنه لا يدرك مدى التناقضات الاقتصادية والسياسية الحالية، وكذلك على محاربة كل نشاط يقوم على تنظيم القوى وتهيئة الأفكار من أجل الثورة.
وهناك نظرية أخرى مناقضة للجدلية وللثورة في نفس الوقت وهي النزعة المغامرة (aventurisme) التي يتصف بها الاستبداديون والبلنكيون. وتقوم هذه النزعة على إنكار ضرورة إعداد التحول الكيفي (الثورة) بواسطة التطور الكمي. وهي نظرية ميتافيزيقية كالسابقة لأنها لا ترى سوى جانب واحد من جوانب الحركة الاجتماعية.
وذلك لأن إرادة الثورة دون إرادة ظروفها يجعل هذه الثورة مستحيلة. وهكذا تتشابه كل من النزعة المغامرة والنزعة الإصلاحية في أصولهما.
غير أن أنصار النزعة المغامرة يوهمون الناس بحديثهم الدائم في كل مناسبة عن العمل ليحولوا بذلك دون العمل الحقيقي. فهم يحتقرون، في الحقيقة، الأعمال المتواضعة والتحولات الكمية البسيطة الضرورية للتحولات الخطيرة.
ينتقد موريس توريز، في الجزء الرابع من مؤلفاته (ص 128)، عددا من السعاة الشيوعيين الذين ناهضوا عام 1923 مذكرة للمطالبة بحقوقهم وجهها زملاؤهم في البرق والبريد إلى النواب. فكانوا يقولون لزملائهم: "انضموا أولا إلى النقابة الموحدة (C. G .T. U) والا ذهبت مذكرتكم سدى". ويفسر موريس توريز ذلك بقوله:
"لا يجب التقليل من شأن المذكرة ولو عارضناها بحملة عن "العمل الشعبي" ذلك لأن المذكرة صورة، لا شك بدائية، من صور العمل الشعبي. فهي وسيلة للضغط على الموجهة إليه كما أنها عامل تجمع وتنظيم لموقعيها.
وهي، في الحالة التي نحن بصددها، صورة منظمة لاحتجاج المستخدمين ضد دولتهم المستخدمة وضد النواب الذين يملكون قدرا من سلطة الدولة.
كما يمكن للعريضة أن يكون لها تأثير حقيقي على السلطات العامة لو أن العناصر الثورية، بدلا من أن تحاربها، شاركت فيها، فشرحت لرفاقها في العمل أن العريضة ليست سوى وسيلة من وسائل النضال العديدة، وأن هناك وسائل تكملها وتعضدها كالقيام بمظاهرة في الوقت المناسب في الناحية أو المنطقة أو البلاد جميعا فأنها تجعل للتوقيعات وزنا كبيرا.
ويلاحظ موريس توريز أن العريضة،
تساعد على تحقيق الجبهة الموحدة. وذلك عن طريق ما ينشأ من نقاش بين رفاق العمل عند كل توقيع. فيشرح كل واحد رأيه ويعبر عن ميوله. ومع ذلك يعتبر كل واحد أن التعبير الواعي عن أكثرية سعاة البريد الساحقة، لا بل عن السعاة جميعا، سوف يكون له تأثير قوي. ولا شك أن النقابي الموحد قد عبر عن رأيه حول ما يجب عمله عند توقيعه أو حمله الآخرين على التوقيع. فلربما اقترح، مثلا، انتخاب لجان لتقديم العرائض. فلقد وقع على تطبيق القواعد في المستقبل، كما تحدث عن إمكانية القيام بإضراب! فاستمع إليه زميله، أو أعترض عليه، أو طلب إليه المزيد من الايضاح. يكون كل هذا خطوة أولى للتقريب والعمل في سبيل عمل مشترك يؤتي ثماره. فلا يجب إذن الثرثرة بصدد "العمل الشعبي" بل تعلم إثارة أدنى صور الاجتماع الشعبي وتنظيمها ومساعدتها، كي نصل بمساعدة البروليتاريا إلى أسمى صور النضال الطبقي.
لأن العمال يتثقفون خلال هذه الألوان من النضال الجزئي ويكتسبون تجربة لا تقدر. إذ أن العمل اليومي، في سبيل المطالب البسيطة المشتركة، يمهد الطريق لعمل أشد اتساعا وأعظم أهمية، والشرط الأول لإقامة الجبهة الموحدة هو تكوين لجان يتناقش فيها العمال ويقررون متآخين الأهداف والوسائل لتحقيقها. أولا كيف يمكن الوصول لتحولات أساسية إذا لم يتم هذا العمل بصبر وأناة؟ وهكذا استطاع العمال بواسطة جمع ملايين التواقيع حمل رئيس الجمهورية على التوقيع للإفراج عن هنري مارتين.
وهكذا يدلل القانون الثالث للجدلية على أهميته العملية وخصبه، كما يوضح لنا الأحوال الحاضرة فيجعلنا نثق وثوقا علميا بأن تحقيق الجبهة المتحدة واجتماع الأمة الفرنسية حول طبقة العمال سيكونان نتيجة ضرورية للتحولات الكمية التي تتم خلال صنوف النضال اليومي، بفضل الجهود الصامتة التي يبذلها العمال الواعون في المصانع والمكاتب. وكان اتساع اضرابات آب سنة 1953 نتيجة للجهود المحلية المتعددة التي بذلت في كل مكان خلال الشهور السابقة. ولقد عرض مسؤول نقابي، عند اشتداد أضرابات آب، كيف أن بعض العمال، الذين كانوا لعشرة أيام خلت بعيدين عن حركة الإضراب، قد أصبحوا الآن في مقدمة المضربين ثم يردف قائلا: "لا يضيع أي شيء". وهذا حق. إذ لا يضيع أي جهد يبذل في اتجاه التاريخ سواء في الشرح أو التوقيع. ذلك لأن تراكم التحولات الكمية يمهد السبيل للتحولات الكيفية.
ولهذا كان من الخطأ الاعتقاد بأن سياسة السياسيين البرجوازيين الرجعية ستستمر طويلا لأن أغلبية المجلس "إلى جانبهم"، كما أنه من الخطأ القول بأن فرنسا "بلاد قد ولت" وكتب عليها أن تعيش تحت الحماية الأميركية. فلقد أخذت القوى، التي ستقضي على سياسة الخزي والعار، تتجمع من كل جانب. ولسوف تعكس هذه القوى أيضاً مجرى الحوادث وتعيد فرنسا إلى عظمتها الحقيقية. ولسوف تكون للشعب الكلمة الاخيرة. ولذلك لم يكن القول بإمكان سياسة أخرى في فرنسا غير السياسة البرجوازية الرجعية المناهضة للمصالح الوطنية ضربا من الاسترسال وراء الأوهام بل هو حقيقة علمية.

5 – الخلاصة
يقول ستالين في تعليقه على الميزة الثالثة للجدلية: "يجب أن نكون، كي لا نخطيء في سياستنا، ثوريين لا إصلاحيين" لأن الموقف الثوري هو الموقف الجدلي الوحيد، فهو يعترف بضرورة التحولات الكيفية بصورة موضوعية وهي نتيجة لتطور كمي: أما الميتافيزيقي فهو أما أن ينكر التحولات الكيفية أو يرضى بها دون أن يلم بها بل ينسبها للصدفة أو المعجزة. ويهم البرجوازية مثل هذه الأخطاء، وهي لذلك تعمل على نشرها بكثرة. مثال ذلك أن الصحافة الاخبارية تقدم للجمهور الحوادث السياسية والاجتماعية بدون ذكر علاقاتها الداخلية التي تمهد لها وتفسرها. ومن هنا نشأت الفكرة القائلة "باستعصاء فهمها".
أما الجدلي فهو، على العكس، يدرك حركة الواقع على أنها تجمع بالضرورة بين التحولات الكمية والتحولات الكيفية فيوحد بينهما في نشاطه العملي.
ولا يقوم اليساري، الذي لا يكف عن ترديد الكلمات الثورية، بأي عمل بانتظار اللحظة المناسبة للقيام بالثورة. كما لا يناضل الإصلاحي في سبيل الإصلاحات التي يتمناها لأنه يعتقد أن التطور "الطبيعي" يحول المجتمع. وأما الجدلي فهو الوحيد الذي يدرك أنه يجب النضال للحصول على الإصلاحات، وأنه يجب القيام بهذا النضال لأنه يعلم أن الثورة متصلة بالتطور. والثوريون هم الوحيدون الذين يستطيعون، بمشاركتهم في العمل، أن يجعلوا للإصلاحات مضمونا تقدميا حقا. لأنهم يستطيعون بجدليتهم، أن يجمعوا حولهم، في الأعمال الصغيرة ثم في الأعمال الكبيرة، العمال الذين خدعتهم النزعة الإصلاحية وأغرتهم الكلمات اليسارية. والجدلي هو الوحيد الذي يدرك قيمة التحولات الكمية التدريجية، كما يدرك تعدد طرق النضال من أجل الاشتراكية حسب الظروف، وأن الثورة عبارة عن عملية تتم في مراحل. ولقد كان زعماء الجدلية الوحيدين الذين يستطيعون قيادة الجماهير الكادحة لتحقيق الجبهة الشعبية وتحرير البلاد من الاحتلال. يقبل الجدلي على أقل عمل إقبال الثوري وليس إقبال الإصلاحي وقد أدرك مغزي كلمات "العالمية" الحقيقي:
"فلنتحد وغدا تصبح الإنسانية عالمية"

ملاحظات
أ‌) قلنا أن التحولات الكمية الطفيفة تؤدي إلى تحولات كيفية أساسية.
يعني هذا أنه لا يمكن فصل الكمية عن الكيفية، والكيفية عن الكمية، وأن الفصل بينهما يصبح أمرا اعتباطيا (كما يفعل مثلا الميتافيزيقي برجسون الذي يرى أن المادة هي كمية صرفة وأن الروح كيفية صرفة). لأن الحقيقة هي كمية وكيفية في نفس الوقت. ويجب أن ندرك جيدا أن التحول الكيفي هو انتقال من صفة إلى صفة أخرى. فتصبح الصفة "سائل" صفة "غاز" حين يبلغ السائل درجة معينة من الحرارة.
وكذلك لا يمكن الفصل بين الكمية والكيفية في الرياضيات (التي يريد) الميتافيزيقيون أن يجعلوا منها علما للكمية فقط). فجمع إعداد كاملة (5+7+3..) عملية كمية: ولكن لها جانب كيفي، لأن الأعداد الكاملة هي أعداد من نوع معين. لها صفة تختلف عن صفة الأعداد الكسرية، والأعداد الجبرية، الخ... وتعدد الأعداد الكيفي كبير إذ لكل نوع صفاته. ولرب قائل يقول أن جمع أعداد كاملة أو كسرية أو جبرية هو جمع على كل حال. أجل. ولكن الجمع يكون في كل حالة جمع صفات مختلفة. وكذلك فأن خمس قبعات أو خمس قاطرات هو جمع أيضا ولكن الأشياء تختلف نوعيا. ذلك لأن الكمية هي دائما كمية شيء ما، فهي كمية لنوع معين.
ب) تتحول الكمية إلى كيفية. ولكن الكيفية تتغير أيضا كمية، لأنه لا يمكن الفصل بينهما.
مثال: تعيق علاقات الإنتاج الرأسمالية، في وقت ما، نمو قوى الإنتاج الكمي أو تؤدي إلى تقهقرها. ويتم تحول علاقات الإنتاج كيفيا بجعل قوى الإنتاج اشتراكية فتزدهر بذلك من جديد. ونتيجة ذلك أن قوى الإنتاج ستنمو نموا كيفيا كبيرا.
***
الدرس الخامس
ميزة الجدلية الرابعة
نضال الأضداد (1)


1 – نضال الأضداد هو الدافع لكل تغيير. مثال
2 – ميزة الجدلية الرابعة
3- ميزة التناقض
أ) التناقض داخلي
ب) التناقض مجدد
ج) وحدة الأضداد

1 – نضال الأضداد هو الدافع لكل تغيير
رأينا أن الواقع متحرك، وأن هذه الحركة الشاملة ترتدي صورتين: كمية وكيفية، مرتبطة كل منهما بالأخرى ارتباطا ضروريا. ولكن لماذا توجد الحركة؟ وما الدافع للتغيير وتحول الكمية إلى كيفية والانتقال من صفة إلى صفة جديدة؟ يحمل الجواب على هذا السؤال الميزة الرابعة للجدلية. وهي قانون الجدلية الأساسي الذي يفسر لنا سبب الحركة. وسوف يظهر مثال ملموس هذا القانون.
ادرس الفلسفة الماركسية، المادية الجدلية. ولا يمكن هذا الا إذا كنت مدركا لجهلي، وأريد أن أتغلب على هذا الجهل وأن اكسب المعرفة. فالدافع لدرسي والشرط الأساسي لتقدمي في الدرس هو النضال بين جهلي وبين رغبتي في التغلب على هذا الجهل، وهو التناقض بين ادراكي لجهلي ورغبتي في التخلص من هذا الجهل. وليس هذا النضال بين الأضداد، وهذا التناقض، بخارجين عن الدرس. فإذا كنت أتقدم في درسي فبقدر استمرار هذا التناقض. ولا شك أن كل كسب جديد يتخلل درسي هو حل لهذا التناقض (أعلم اليوم ما كنت أجهله بالأمس): ولكن يطرأ بعد هذا الكسب تناقض جديد بين ما أعرفه وما أدرك أني أجهله: ينشأ عنه جهد جديد في الدرس وحل جديد يتبعه تقدم جديد. ومن يعتقد أنه يعرف كل شيء لن يتقدم قط لأنه لن يحاول التغلب على جهله. ومبدأ هذه الحركة التي هي الدرس، كما أن الدافع للإنتقال التدريجي من معرفة ضيقة إلى معرفة أوسع، هو النضال بين الأضداد، النضال بين جهلي (من جهة) وبين ادراكي لوجوب التغلب على جهلي (من جهة ثانية).

2 – ميزة الجدلية الرابعة
تعتمد الجدلية، على عكس الميتافيزيقا، على القول بأن أشياء الطبيعة وظواهرها تحتوي على تناقضات داخلية، لأنها تحتوي جميعها على جانب سلبي وجانب إيجابي فلها ماض ولها مستقبل؛ وفيها جميعا عناصر تزول أو تنمو، وأن النضال بين هذه الأضداد، بين القديم والحديث، بين ما يموت وما يولد، بين ما يزول وما ينمو ويتطور هو المحتوي الداخلي لعملية التطور وتحول التغيرات الكمية إلى تغيرات كيفية.
وسوف تتيح لنا دراسة التناقض، كمبدأ للنمو والتطور، تبين ميزاته الأساسية وهي أن التناقض داخلي، وأنه مجدد، وأن هناك وحدة بين الأضداد.
3 – ميزات التناقض
أ) التناقض داخلي
رأينا أن الواقع هو حركة، غير أن الحركة هي نتيجة لتناقض ونضال بين الاضداد. هذا التناقض وهذا النضال هما داخليان. أي أنهما ليسا خارجين على الحركة بل هما جوهر هذه الحركة.
فهل هذا القول تأكيد اعتباطي؟ كلا. لأن القليل من التفكير يطلعنا على أنه لولا التناقض في العالم لما تغير العالم فلو أن الذرة لم تكن الا بذرة لظلت بذرة دائما. غير أن البذرة تملك القوة على التحول لأنها تصير فيما بعد شجرة. وهكذا تخرج الشجرة من البذرة بعد أن تختفي هذه البذرة. كذلك شأن كل واقع، وإذا كان الواقع يتغير فلانه في جوهره ذاته وشيئا اخر غير هذه الذات. فلماذا تسير الحياة، بعد أن أعطت ورودها وثمارها، نحو الموت؟ تتحول الحياة إلى موت لأن الحياة تحمل في أحشائها تناقضا داخليا، ولأن الحياة نضال يومي ضد الموت (تموت في كل لحظة خلايا بينما تحل محلها خلايا أخرى حتى يتغلب الموت عليها). يعارض الميتافيزيقي الحياة بالموت على أنهما مطلقان دون أن يرى الوحدة التي تجمع بينهما وهي وحدة القوى المتناقضة. ذلك لأن العالم الخالي من كل تناقض انما هو عالم مصيره إلى أن يعيد نفسه دون أن يعرف التجديد. وهكذا يكون التناقض داخل كل تغير.
سبب كل نمو أساسي للأشياء انما لا يكون خارج هذه الأشياء بل داخلها، في طبيعة الأشياء المتناقضة، فلكل شيء ولكل ظاهرة تناقضاتها الداخلية الكائنة فيها. وهذه التناقضات هي التي تولد حركة الأشياء ونموها، وهكذا تكون التناقضات الكامنة في الأشياء والظواهر هي الأسباب الرئيسية لنموها.
ولقد قال لينين "النمو هو نضال الاضداد"
أو ليس هذا الرجل الذي يدرس هو جاهل ومحتاج للمعرفة في نفس الوقت؟ فهو يمثل في درسه النضال بين هاتين القوتين المتناقضتين. ذلك هو جوهر الإنسان الذي يدرس.
واذ ما عدنا إلى العملية التي عرضناها في الدرس السابق وهي تحول الماء إلى ثلج أو إلى بخار ماء لرأينا أنه يمكن تفسير مثل هذا التحول بوجود تناقض داخلي: تناقض بين قوى الانسجام بين جزيئات الماء من جهة، وبين حركة كل جزيء الخاصة به من جهة ثانية (وهي طاقة تدفع الجزيئات إلى التفرق)؛ أي التناقض بين قوى الانسجام والتفريق. ولا شك أن هذا النضال لا يبدو إذا نظرنا إلى الماء السائل بين درجتي صفر ومئة بل يبدو كل شيء ساكنا. وكل ما يبدو هو سكون حالة السائل. غير أن المظهر الخارجي يخفي الحقيقة والجوهر أي النضال بين قوى الانسجام وقوى التفريق. وهذا التناقض الداخلي هو المحتوي الحقيقي لحالة السائل. كما أن التناقض يفسر لنا تحول الماء المفاجيء إلى ماء جامد أو إلى بخار ماء. ولا يمكن الانتقال الكيفي إلى حالة جديدة الا بانتصار احدى هاتين القوتين على الاخرى. فتنتصر قوة التفريق في حالة تحول السائل إلى بخار، ولا يقضي هذا الانتصار على القوى المعارضة بل يغير من صفتها. فتصبح، في حالة التجمد، حركة الجزيئات الجانب السلبي (أو الثانوي)؛ وفي حالة الغاز، تصبح النزعة إلى الأنسجام الجانب السلبي (أو الثانوي).
فالماء، مهما كانت حالته الحالية، هو نضال بين قوى متناقضة وهي قوى داخلية، وبهذا تفسر تحولات الماء.
هل يعني هذا إن الظروف الخارجية المحيطة لا تقوم بأي دور؟ كلا. فلقد دلتنا دراسة القانون الأول للجدلية (كل شيء مرتبط بالأخر) على أنه لا يجب أن نعزل الواقع عن ظروفه المحيطة به. ففي حالة الماء، هناك شرط خارجي ضروري لتحويل الحالة وهو هبوط الحرارة أو ارتفاعها إذ أن ارتفاع الحرارة يجعل من الممكن ازدياد طاقة الجزيئات من الحركة أي ازدياد سرعتها. بينما يؤثر انخفاض الحرارة تأثيرا عكسيا. ولكن يجب أن لا ننسى أنه لو لم يكن هناك تناقضات داخلية في داخل الشيء (في الماء مثلا)، كما رأينا ذلك سابقا، فأن الظروف الخارجية تفقد تأثيرها. ولهذا تعتبر الجدلية اكتشاف التناقضات الداخلية الكامنة في العملية التي درسناها، التي تفسر لنا نوعية هذه العملية، شيئا أساسيا. فالتناقضات الكامنة في الأشياء والظواهر هي السبب الرئيسي لنموها، بينما صلة الشيء أو الظاهرة المتبادلة مع الأشياء أو الظواهر الأخرى وتأثيرها عليها انما هي اسباب ثانوية.
وهذا ما لا يرضاه الذهن الميتافيزيقي، فهو مجبر على تفسير جميع التغييرات بواسطة تدخلات خارجية، لأنه يجهل التناقضات الداخلية التي تكون الواقع وتدفع إلى التغير الكيفي. وذلك أما بواسطة "أسباب" آلهية (الله "خلق" الحياة والفكر والممالك) أو بواسطة أسباب اصطناعية: فهناك رجال مفضلون يملكون قدرة عجيبة تمكنهم من تغيير الأشياء؛ وهؤلاء هم "الدعاة" الذين "يصنعون" الثورة، و "يغرسون بذورها". الخ.. وهكذا يرجع بعض المفكرين الرجعيين ثورة 1789 إلى التأثير السيء لبعض الرعاة الأشرار. وكذلك شأن الثورة الاشتراكية التي حدثت في تشرين الأول سنة 1917؛ بينما تدلل الجدلية ، على العكس، بصورة علمية، أن الثورة، كحل للمشاكل التي تعترض سبيل النمو الاجتماعي لا بد منها إذا كان هناك تناقض داخلي يكون هذا المجتمع؛ وهو التناقض بين الطبقات المتنازعة. وما الثورة الا نتيجة هذا التناقض الذي يمر بعدة مراحل؛ ولهذا ليست الثورة من صنع الله أو الشيطان.
ويجب علينا أن لا ننسى مهمة كل من التناقضات الداخلية كأسباب أساسية ومهمة الظروف الخارجية كأسباب ثانوية. لأنها تفسر لنا أن "الثورة لا تورَّد" إذ لا يمكن أن يكون التحول الكيفي نتيجة مباشرة لتدخل خارجي. ولهذا غيَّر وجود الاتحاد السوفياتي وتقدمه الظروف العامة لنضال البروليتاريا في البلاد الرأسمالية، ولكن لا يمكن، لوجود الاتحاد السوفياتي أو تقدمه، أن يولد الاشتراكية في البلاد الأخرى. لأن ازدياد نضال الطبقات الخاص بكل بلد رأسمالي وازدياد التناقضات الداخلية التي يمتاز بها كل بلد رأسمالي يمكن أن يؤديا إلى انقلابات ثورية في هذه البلاد. ولهذا كان ستالين يردد غالبا، قوله "سوف يقوم كل بلد، لو أراد، بثورته، ولن تقوم الثورة إذا لم يردها". وكذلك الأمر في لعب الطفل إذ لن تجدي جميع الوسائل لحمله على المشي إذا لم يسمح له نموه الداخلي العضوي بالمشي.
وهكذا نرى أن ميزة التناقض الداخلية التي يلح عليها ستالين في سرده للميزة الرابعة للجدلية لها مغزى عملي كبير.

ب) – التناقض مجدد
لو عدنا إلى نص ستالين للقانون لرأينا أنه يعتبر نضال الاضداد "كنضال بين القديم والحديث، بين ما يموت وما يولد، بين ما يزول وما ينمو".
ويزداد نضال الأضداد مع الزمن. ولقد رأينا (في الدرس الثالث) أن للعالم الفيزيائي تاريخه كما للمجتمعات وللطبيعة الحية. وهكذا تكشف التحولات الكيفية، في مرحلة معينة من مراحل تاريخها، عن جوانب جديدة هي ثمرة الانتصار على القديم. ولا يمكن هذا إلا لأن قوى التجديد قد ازدادت كما ازدادت علاقات الإنتاج المتعلقة بها داخل المجتمع القديم الإقطاعي وبالرغم عنه، فنشأ عن ذلك المجتمع الرأسمالي، وكذلك ينشأ اليافع عن الطفل وبالرغم عنه، كما ينشأ البالغ من اليافع وبالرغم عنه. لا يكفي اذن الاكتفاء بادراك الطابع الداخلي للتناقض بل يجب أن ندرك أيضا أن هذا التناقض هو نضال بين القديم والحديث وأن الحديث يولد من أحشاء القديم، وأنه ينمو بالرغم عنه. وينحل هذا التناقض حين يتغلب الحديث نهائياً على القديم. فيبدو عندئذ طابع التناقضات الداخلية المجدد وخصبها. ويصنع المستقبل خلال النضال ضد الماضي، وليس هناك من نصر بدون نضال. يجهل الميتافيزيقي قدرة التناقض المجددة، فهو يعتقد أن التناقض لا يأتي بشيء مفيد. وهو يرى في التناقض ضربا من العبث لأنه ينظر إلى الكون نظرة ثابتة وهو يريد أن يظل الكائن (سواء كان طبيعة أم مجتمعا) على ما هو عليه. ولذلك يسعى لإزالة هذا التناقض. كما يرى الميتافيزيقي في الأزمات الاقتصادية، التي يعتبرها الجدليون دلائل ظاهرة على التناقضات الداخلية الاساسية في الرأسمالية، أمراضا عابرة، كما أنه يرى في نضال الطبقات عارضا مؤسفا سببه اهمال "الدعاة". يعلم الجدلي أنه حيث يوجد التناقض يوجد الخصب والتجديد والأمل في انتصاره. فنضال الطبقات يبشر بميلاد مجتمع جديد. ولهذا يعمل الجدلي على إيجاد الظروف المناسبة لازدياد هذا النضال الخصب؛ فلا تخيفه مقاومة قوى الماضي لأنه يعلم أن قوى المستقبل تظهر في النضال كما يدل عليه تاريخ الحركة العمالية. ولهذا كانت مهمة الاشتراكية الديمقراطية الأساسية الأبتعاد بالقوى الثورية عن النضال عاملة على افساد هذه القوى وتعقيمها. ويحفل تاريخ العلوم والفنون بالأمثلة التي تدل على خصب التناقض. اذ أن الاكتشافات العظيمة انما هي ثمرة لحل التناقض بين النظريات القديمة والوقائع التجريبية الجديدة. مثال: أثارت تجربة توريشلي تناقضا خصبا بين الواقعة المشاهدة (وهي أن الزئبق الموجود في الأنبوب المقلوب على الوعاء يهبط لعلو معين يختلف حسب الارتفاع عن سطح البحر، وفوقه الفراغ) وبين الفكرة القديمة (وهي أن الطبيعة لا تعرف الفراغ). وتعجز الفكرة القديمة عن تفسير كيف أن مستوى الزئبق في الأنبوب يختلف باختلاف الارتفاع عن سطح البحر. ويحل هذا التناقض اكتشاف الضغط الجوي.وكل تغير كيفي هو حل مثمر لتناقض. ويبدو خصب التناقض في كتب جوركي. فلقد انقلبت "الأم" إلى ثورية في نضالها ضد أفكارها البالية كامرأة مستسلمة للاضطهاد. (وهذا تناقض داخلي يزداد بفضل الظروف الخارجية فتقتدي بابنها المناضل الثوري). كما أن بطرس زالوموف، المحرض على المظاهرة العمالية في أول أيار سنة 1902 في سورموفو، وهو بطل الكتاب، يصرح معتزا إلى المحكمة القيصرية: لقد آلم العمال الاختلاف بين الحياة التي يطمحون إليها وبين الحياة التي يعيشونها في المجتمع، فأخذوا يبحثون عن الوسائل التي تمكنهم من الخروج من الوضع المقيت الذي قدره لهم ما في النظام الحالي من نقص".
ويفسر لنا زالوموف كيف استطاع، بواسطة نضاله المستميت للتغلب على هذا التناقض، أن يتحول من عامل يائس إلى رجل جديد ثوري. قلنا في مطلع هذا الدرس أن الرجل الذي يدرس العلم يتقدم في دراسته بحل التناقضات التي يثيرها الدرس باستمرار. وكذلك شأن المناضل الثوري الذي يعرف خصب قوة التناقض فانه يسير على هدى قول موريس توريز: "النقد والنقد الذاتي هما خبزنا اليومي": نقد ما يقوم به الرفاق من عمل، ونقد كل منا لما يقوم هو به من عمل (النقد الذاتي). ويعتقد العامل، وقد تأثر بأفكار الاشتراكية الديمقراطية، أن النقد الذاتي هو خزي واستسلام. والصحيح أن النقد الذاتي يعتمد على نظرة علمية للعمل الثوري. إذ يهيء المناضل، بواسطة النقد الذاتي، الظروف المواتية للنضال من أجل انتصار الجديد على القديم في وعيه هو وفي نشاطه اليومي. ولهذا كان رفض الانتقاد الذاتي، ليس حفاظا على الكرامة، بل إفسادا لإمكانياتنا في التقدم، وحكما علينا بالتقهقر، وانحطاطا بماهيتنا. لأن ممارسة النقد والنقد الذاتي هي التي كونت الحزب الشيوعي (البولشفيكي) بزعامة لينين وستالين، كما أنقذ موريس توريز، بواسطة هذه الممارسة، الحزب الشيوعي الفرنسي، خلال سنوات 1930، من الهوة التي كاد يتردى فيها على يد جماعة باربيه - سيلور.

ج) – وحدة الأضداد
لا يوجد تناقض الا بوجود النضال بين قوتين على الأقل. ولهذا يحتوي التناقض على طرفين يتعارضان: فهو الوحدة بين الأضداد وهذه ميزة ثالثة للتناقض. فلندرسها بعناية.
لا معنى، في نظر الميتافيزيقي، للحديث عن وحدة الأضداد. فهو يعتبر، مثلا، العلم، من جهة، والجهل، من جهة ثانية. بينما لاحظنا أن كل علم انما هو نضال ضد الجهل. ولقد لاحظ لينين "أنه لا يمكن استنفاد موضوع "المعرفة": فليس هناك، إذن، علم مطلق، بل يبقى هناك دائما شيء تجب معرفته. وهكذا يحتوي كل علم على جانب من الجهل. وكذلك ليس هناك جهل مطلق: ذلك لأن أجهل الناس له احساسات كما له عادة في الحياة وتجربة أولية (والا لما تمكن من الحياة). كل ذلك يكون بذرة للمعرفة.
وإذا كانت الأضداد تتحارب فانها لا ينفصل كل منها عن الأخر. ولهذا لا توجد البرجوازية في ذاتها. بل وجد أولا، وسط المجتمع الإقطاعي، البرجوازية المناضلة ضد الطبقة الإقطاعية. كما وجد، وسط المجتمع الرأسمالي، البرجوازية ضد البروليتاريا. إذ لا يمكن وضع الاضداد كل منها على حدة. لأنه متى زالت البروليتاريا كطبقة مستغَلَّة زالت معها البرجوازية كطبقة مستغِلة.
وعدم انفصال الاضداد أمر موضوعي تأباه الميتافيزيقا. ولهذا تشجع البرجوازية النظريات الميتافيزيقية التي تدعي، مثلا، "القضاء على ظروف حياة البروليتاريا" (لا سيما باشتراك العمل مع رأس المال)، مع الاحتفاظ بالبرجوازية! فهل يمكن أن توجد برجوازية رأسمالية بدون وجود بروليتاريا تكدح من أجلها!
لا تفصل الجدلية بين الأضداد ابدا؛ بل هي تنظر إليها في وحدتها التي لا تنفصم. "لا موت بدون الحياة؛ ولا حياة بدون الموت. لا انخفاض بدون العلو؛ ولا علو بدون الانخفاض. لا سعادة بدون شقاء؛ ولا شقاء بدون السعادة، لا صعوبة بدون سهولة، ولا سهولة بدون الصعوبة. لا زارع بدون ملاك زراعي، ولا بروليتاريا بدون برجوازية. ولا برجوازية بدون بروليتاريا. لا مستعمرات ونصف مستعمرات بدون النير الوطني الاستعماري، ولا نير وطني استعماري بدون المستعمرات، وكذلك الحال مع جميع الأضداد التي تتعارض في ظروف معينة من جهة، وهي من جهة ثانية، مرتبطة بعضها ببعض، فيتداخل بعضها ببعض ويتعلق بعضها بالبعض الآخر".
تعني هذه الصلة المتبادلة أن الضد أ يؤثر في ضده ب بقدر ما يؤثر الضد ب في ضده أ، وأن الضد ب يؤثر في ضده أ بقدر تأثير أ في ب. وهكذا لا تتراكم الأضداد بعضها فوق بعض بصورة تجعل الواحد منها يغير الآخر الذي يظل بدون تأثير. ولهذا كانت تقوية البرجوازية اضعافا لضدها، وهي البروليتاريا. وكذلك فأن أضعاف الفكرة الاشتراكية هو تقدم للفكرة البرجوازية. والعكس بالعكس. من الوهم إذن الاعتقاد بأن البرجوازية، تضعف إذا لم تناضل البروليتاريا ضدها باستمرار، لأنها إذا لم تفعل قويت البرجوازية وضعفت البروليتاريا. ويوضح لنا ماركس أنه إذا لم تنتهز الطبقة العاملة جميع الفرص لتحسين حالها "فأنها تنحط إلى مستوى جماعة من الكائنات المضطهدة الجائعة التي لا خلاص لها من شقائها".
ويصبح لهذا الوحدة بين الاضداد معنى هام حين تتحول الاضداد بعضها إلى البعض الآخر، لأن كلا من الأضداد يتحول، في ظروف معينة، إلى ضده: فتصبح البرجوازية، وهي الطبقة السائدة، طبقة مسودة كما تصبح البروليتاريا، وهي الطبقة المسودة، طبقة سائدة. وكذلك يتحول الإنسان الجاهل، الذي يدرس العلم، إلى ضده، أي إلى إنسان عالم، بينما يتحول الإنسان العالم، بدوره، وقد اكتشف أنه لا يعلم كل شيء إلى ضده، إلى إنسان جاهل يرغب في التعلم من جديد."لا تموت الوحدة بين الجوانب المتعارضة في ظاهرة موجودة موضوعيا ولا تتحجر بل هي دائما حية، مشروطة متحركة مؤقتة، نسبية. وتتحول جميع الاضداد، في ظروف معينة، كل منها الى الآخر فيكوِّن انعكاس هذا الوضع في تفكير الإنسان النظرة الجدلية المادية الماركسية للعالم، ولا تعتبر الطبقات السائدة الرجعية التي توجد الآن كما وجدت في الماضي، كما لا تعتبر الميتافيزيقا التي تخدم هذه الطبقات، الاضداد حية، مشروطة، متحركة، يتحول كل منها إلى الآخر بل تعتبرها ميتة، متحجرة، وهي تشيع هذه النظرية الخاطئة في كل مكان فتضلل الجماهير الشعبية لتطيل عهد سيطرتها".
ولهذا تعلم البرجوازية الرأسمالية، اليوم، كما علمت الطبقة الإقطاعية في الماضي، أن سيطرتها أبدية، فتلاحق الماركسيين اللينيين الذين، يعملون، حسب ما يقول به العلم الجدلي، تحول الاضداد المتبادل، أي انتصار البروليتاريا المضطهدة الذي لا مفر منه، على الذين يستغلونها.
ومن المهم، مع ذلك، أن لا نجعل لهذا التحول طابعا آليا. فنحن حين نقول بأن الاضداد يتحول كل منها إلى الآخر لا نعني بذلك مجرد تبدل، متى تم الانتقال فيه من ضد إلى ضد، لم يتغير شيء، فتصبح البرجوازية، وهي الطبقة السائدة، طبقة مسودة، وتتحول البروليتاريا، وهي الطبقة المسودة، إلى طبقة سائدة. إذ أن البروليتاريا طبقة تختلف كل الاختلاف عن البرجوازية، لأن هذه البرجوازية مستغلة بينما البروليتاريا، في ممارستها لدكتاتوريتها الطبقية، لا تستغل أي إنسان بل تعمل على توفير ظروف البناء الاشتراكي. أي أن تحول الاضداد المتبادل يوجد حالة كيفية جديدة، لأنه انتقال من السفلي إلى العلوي فهو بذلك تقدم كبير. ويؤدي تحول الاضداد إلى القضاء عليهما معا، لأن الاشتراكية تقضي على البرجوازية كطبقة مستغِلة. كما تقضي على البروليتاريا كطبقة مستغَلة. ثم تظهر تناقضات جديدة يمتاز بها المجتمع الاشتراكي بعد أن يكون التناقض بين البرجوازية والبروليتاريا قد ولى.
ولا معنى لوحدة الاضداد، من جهة ثانية، (وتحولها المتبادل) الا بالنسبة لنضال الاضداد الذي هو جوهر هذه الوحدة، فلا يجب إذن محاولة تحقيق هذا التحول المتبادل للاضداد بصورة اعتباطية إذا لم تتحقق ظروف هذا التحول.
ولقد صدق ماوتسي تونج في قوله، في النص السابق، أن الاضداد يتحول كل منها إلى الآخر "في ظروف معينة". فما الذي يحدد هذه الظروف؟ يحددها النضال وميزاته الملموسة. وهكذا تتعلق وحدة الاضداد وتحولها بالنضال، فإذا ما انفصمت وحدة ظهرت وحدة جديدة أخرى، ولكن تفسر جميع مراحل هذه العملية بواسطة النضال.
وحدة.. الاضداد مشروطة، وقتية، عابرة، نسبية بينما نضال، الأضداد، في قضاء كل منها على الآخر، مطلق كما هو شأن النمو والحركة.
وأن من يجهل أن وحدة الاضداد تقوم وتستمر وتنحل في النضال يتردى في الميتافيزيقا.
الدرس السادس
ميزة الجَدليّة الرّابعَة
نضال الأضدَاد (2)


1 – شمول التناقض
أ) في الطبيعة
ب) في المجتمع
2 – بين التعارض والتناقض
3 – نضال الاضداد محرك للفكر

1- شمول التَنَاقض
يشمل التناقض، وهو الدافع لكل حركة، كل شيء. ويفهم الفلاسفة المثاليون حين نتحدث عن "التناقض" مجرد "نضال بين الأفكار" فهم لا يمكنهم أن يتصوروا التناقض الا بين أفكار متناقضة. وهم بذلك يفهمون من الكلمة معناها العادي ("قول العكس") غير أن تناقض الافكار ليس سوى صورة من صور التناقض، وذلك لأن التناقض حقيقة موضوعية موجودة في العالم فأننا نجده أيضا في "الذات" أي في الإنسان "الذي هو جزء من العالم).
يمكن تفسير كل تطور (طبيعي أو اجتماعي) عن طريق التناقض. ويستمر هذا التناقض استمرار عملية التطور: وان كان لا يظهر للعيان. ولقد رأينا مثال ذلك في الدرس السابق حين تحدثنا عن الماء. ويعلق ماوتسي تونج، فيما يتعلق بالمجتمعات، على خطأ بعض أصحاب النظريات الذين ينتقدهم الفلاسفة السوفيات إذ يرى هؤلاء "في بحثهم عن الثورة الفرنسية، أنه لم يوجد تناقض في الطبقة الثالثة التي كانت تتكون من العمال والفلاحين ومن البرجوازية، بل كان هنالك اختلافات. وهذه النظرة ضد الماركسية.
فهم ينسون أن "كل اختلاف يرتكز على تناقض، وأن الاختلاف نفسه تناقض. إذ ما كادت البرجوازية والبروليتاريا يظهران حتى ظهر معهما التناقض بين العمل ورأس المال؛ ولم يكن هذا التناقض قد بلغ درجة خطيرة آنذاك.
ولو أن التناقض لم يكن موجودا منذ بداية التطور لوجب تفسير هذا التطور بتدخل قوة خارجية عجيبة. غير أننا رأينا في الفصل السابق (3، أ) أن الظروف الخارجية، وأن كانت ضرورية للتطور، لا يمكنها أن تحل محل التناقضات الداخلية. فالتناقض الداخلي مستمر دائم وأن نما وتطور. ولهذا لا يمكن دراسة تطور طبيعي أو اجتماعي الا بعد نمو تناقضاته الداخلية نموا كافيا. وهكذا استحالت دراسة الرأسمالية عام 1820 بصورة علمية لأنها لم تكن بعد قد نمت جوهرها: فلم يكن بالإمكان أدراك سوى جوانبها الجزئية، وهذا ما فعله السابقون على ماركس. وكذلك لا يمكن دراسة النبتة الا بعد أن تكون قد تقدمت في النمو.
حتى إذا ما اسرعنا إلى تعميم ما عرفناه عن بداية تطور معين كان ذلك منا موقفا ميتافيزيقيا لأن في ذلك اهمالا لجوانب مهمة في التطور.
لنعرض، بعد أن انتهينا الآن من توضيح طابع الشمول في نضال الأضداد، بعض الأمثلة الملموسة.

أ) ـ في الطَبيعَة
عرضنا في الدرس السابق مثال الماء ورأينا أن نضال الاضداد يفسر تحوله الكيفي من سائل إلى غاز ومن سائل إلى جليد. وتحتوي جميع التطورات الطبيعية على نضال الاضداد. إذ يمكن تفسير الانتقال، وتغيير المحل بواسطة التناقض. فلننظر الآن إلى عربة تسير (أو إلى رجل يمشي). لا يمكن للعربة الانتقال من أ إلى ب ومن ثم من ب إلى ج. الخ. الا شريطة أن تناضل باستمرار ضد الوضع الذي كانت تحتله سابقا. حتى إذا ما كف هذا النضال كف معه السير. يقول المنطقيون أنه كي تؤكد ب يجب ازالة أ، ولكي تؤكد ج يجب إزالة ب وهكذا تخرج ب من النضال ضد أ؛ كما تخرج ج من النضال ضد ب. وهكذا دواليك.
"ولذلك لا يتم مجرد تغيير المحل الآلي الا لأن جسما وجد، في نفس اللحظة، في محل وفي محل اخر في نفس الوقت، في محل واحد وليس فيه. وتقوم الحركة على طريقة حدوث هذا التناقض باستمرار وانحلاله في نفس الوقت.
ونضال الاضداد شامل في العالم الفيزيائي. وهكذا فأن ظاهرة بسيطة كالصدأ الذي يعلو الشوكة هو ثمرة نضال بين الحديد والأوكسجين. وصورة الحركة الأساسية في الطبيعة هي النضال بين الجذب والدفع، حدوث التطور والاستقرار والتحول والفناء في جميع التجمعات المادية سواء كانت التجمعات الكونية البعيدة في النجوم أو النظام الشمسي ـ وكذلك تجمعات المواد الصلبة وقطرات الماء أو الغازات ـ وكذلك تجمعات الجزيئات والذرات أو تجمع قلب هذه الذرات
ولنمثل على ذلك بالنظام الشمسي: لا يمكن أن نفهم حركة الكواكب حول الشمس بدون نضال هذين الصندين وهما: حركة الدوران التي تنزع إلى السقوط بالكوكب على الشمس، وجمود الكوكب الذي ينزع إلى ابعاده عنها.
كذلك شأن الجسم الذي يتمدد أو يتقلص كجسم صلب يذوب أو سائل يتجمد أوسائل يتبخر أو غاز يصبح سائلا: لا يمكن أن توجد جميع هذه التحولات بدون النضال بين الصندين وهما قوى التجميع بين الجزيئات. وهي قوى جاذبة والطاقة الحرارية التي هي دافعة.
وكذلك حال الظواهر الكيماوية التي تمتزج فيها أجسام بسيطة فيما بينها كما تنحل أجسام مركبة إلى عناصر بسيطة. تقوم جميع هذه العمليات على وحدة عمليات متناقضة وهي اتصال الذرات وانحلالها؛ ومن هنا كانت التناقضات الخاصة بالكيمياء. بين الحامض والأس Base، وبين المؤكسد Oxydant والمرجع reducteur بين electrification و Hydrolyse
وكذلك إذا تأملنا الذرة نجد أن التوازن النسبي الذي يحفظ الالكترونات حول النواة ينتج عن النضال بين هذين الضدين وهما: الطاقة الكهربائية الثابتة وهي هنا جاذبة وبين الطاقة الحركية وهي دافعة. وكذلك يعتقد العلم الحديث بوجود ضروب نوعية من الجذب والدفع بين البروتون والنوترون في نواة الذرة.
يعرف كل منا نوعين متضادين من الكهرباء: الايجابية والسلبية، كما يعرف قطبين ـ شماليا وجنوبياـ للمغناطيس؛ وكذلك ظواهر الجذب أو الدفع بين الأجسام المختلفة في كهربتها أو المتماثلة، وبين القطبين المختلفين أو المتماثلين في المغناطيس.
كما كشفت الفيزياء الحديثة، مؤخرا، أن الجزيئات التي تكون جميع الأشياء المادية، كالاليكترونات في الذرة مثلا، ليست مماثلة ميتافيزيقيا لنفسها. بل هي متناقضة تناقضاً شديدا، ذات طبيعة ثنائية لأنها جسم وموجة في نفس الوقت، إذ يمكن تشبيهها بالبذور والأمواج وهكذا يبدو طابع الأمواج المادي كأمواج الراديو، كما يتضح سر طبيعة النور القديم.
أما الطبيعة الحية فهي تنمو حسب قانون الأضداد. ولقد رأينا في الدرس السابق أن الحياة نضال مستمر ضد الموت. ولنمثل على ذلك بنوع من الحيوان أو النبات نجد أن كل فرد من الأفراد التي يتكون منها هذا النوع يموت بدوره لا محالة. مع ذلك يستمر النوع ويتكاثر! وهكذا ينتصر الموت على الحياة في الأفراد بينما تنتصر الحياة على الموت في النوع. لما كانت الحياة غزوا لما هو ليس بحي، يمكننا القول بأن الموت وتحلل الفرد هو تقهقر أو عودة العلوي إلى السفلي، والجديد إلى القديم. بينما نمو النوع العام، هو، على العكس، انتصار للجديد على القديم وتقدم للسفلي على العلوي. وهكذا تكون الحياة والموت جانبي تناقض ينشأ وينحل. تتحول الطبيعة فإذا بها نفسها دائما وإذا بها متجددة باستمرار.
ولا تستعصي الرياضيات على قانون الاضداد، حتى في ابسط صورها. فعملية الطرح (أ – ب) في مباديء الجبر هي عملية جمع (ب + أ) ولهذا تبدو وحدة الاضداد غريبة للذهن العادي الذي يقول بأن الجمع هو جمع والطرح طرح؟ وهومحق جزئياً لأن العملية الجبرية هي نفسها ضدها. ولا يستعصي التفكير الرياضي على قوانين الكون، وهو لا يتقدم الا إذا كان، كالكون، جدليا. ولقد خصص انجلز صفحات رائعة للرياضيات حسب النظرة الجدلية.

ب) – في المجتمع
يمكن تفسير جميع جوانب الواقع الاجتماعي أيضا بواسطة التناقض. وكذلك تكون المجتمع نفسه. وذلك لأن المجتمع الانساني، كجانب جديد من جوانب الواقع، هو ثمرة نضال بين الطبيعة وأجدادنا القدماء الذين كانوا أقرب إلى القرود العليا منهم إلى أناسي اليوم.
ولقد كان محتوي هذا النضال، ولا يزال، هو العمل الذي يحول الطبيعة والإنسان في نفس الوقت. فكان العمل مصدر المجتمعات لأنه وحد بين أجدادنا في نضالهم من أجل الحياة. كما أن العمل هو الذي حقق الانتقال الكيفي من الحيوان إلى الإنسان. ولقد قام ماركس، في كشفه عن الدور الذي يقوم به العمل، كنضال بين الاضداد ينشأ عنه المجتمع، باكتشاف خطير؛ فأسس علم المجتمعات الذي يقوم على نظرية عامة، هي المادية التاريخية. ومن المفيد قراءة الفصل الرائع الذي كتبه انجلز في كتابه "جدلية الطبيعة" وعنوانه "أثر العمل في تحويل القرد إلى إنسان" للتدليل على هذا التناقض الأساسي في المجتمعات إلا وهو العمل (الذي يوحد بين الطبيعة والإنسان وهما ضدان).
غير أن التناقض لا يقف عند هذا الحد. بل هو المحرك للتاريخ منذ القبيلة البدائية حتى المجتمع الاشتراكي والشيوعي، ولسوف تقوم الدروس المخصصة للمادية التاريخية بتحليل هذه الحركة بصورة أوضح. فتظهر التناقض الأساسي بين قوى الانتاج الجديدة وعلاقات الإنتاج القديمة. وكذلك التناقض بين الطبقات، أي النضال الطبقي، كالنضال بين الطبقات المستغِلة والطبقات المستغَلة فهو جانب أساسي من قانون الاضداد الكبير. ولقد رفض بلوم، وهو مزور الماركسية، القول بالمادية الجدلية كي يستطيع انكار أثر النضال الطبقي ووجوده (ولا سيما نضال الأضداد).
ولو استشهدنا بنظام اجتماعي معين لرأينا أنه يمكن تفسيره أيضا بواسطة تناقض أساسي وتناقض ثانوي. وهكذا لا وجود للرأسمالية بدون تناقض بين البرجوازية الرأسمالية التي تملك وسائل الإنتاج، وبين البروليتاريا. وليست هذه الرأسمالية جامدة لا تتحرك بل هي تتحول: فتتحول رأسمالية الفترة الأولى، وهي رأسمالية المضاربة، إلى رأسمالية الاحتكار في الفترة التالية: وذلك لأن المضاربة تضمن انتصار أقوى الرأسماليين فينتج عن ذلك رأسمالية الاحتكار، ثم تتحول المضاربة إلى ضدها.
وسنجد تحليلا عميقا للتناقضات التي تتكون منها الرأسمالية في "رأس المال" الماركس.

2- التعارض والتناقض
هناك سؤال يخطر ببالنا غالبا وهو "أنه لا وجود للرأسمالية بدون تناقض داخلي، لأن الرأسمالية نظام استغلال تتعارض فيه مصالح البرجوازية مع مصالح البروليتاريا بصورة دائمة. ولكن الا تقضي الاشتراكية على كل تناقض؟ " ويجب الإجابة على ذلك: "بأن الاشتراكية لا تخرج على قانون التناقض، وذلك لأنه طالما وجد المجتمع طالما وجدت التناقضات التي تكون هذا المجتمع".
ويقوم الوهم القائل بأن القضاء على الرأسمالية قضاء على التناقض أيضا على خطأ بين التناقض والتعارض. إذ أن التناقض ليس سوى حالة خاصة من حالات التعارض: فكل تناقض متعارض وليس كل تعارض متناقضا.
فهناك بعض التعارض بين كمية صغيرة جدا من الأرسنيك وبين الجسد، ولكن اذا ظلت كمية الأرسنيك ضعيفة لم يتطور التعارض إلى تناقض. فإذا ما زدنا هذه الكمية صار التعارض تناقضا مميتا للجسم. وكذلك يوجد نضال دائم بين الاضداد في المجتمع الرأسمالي وهما البرجوازية والبروليتاريا.
"حتى إذا ما بلغ ازدياد التعارض (بين هذه الطبقات) درجة معينة "اتخذ صورة تناقض ظاهر يتحول إلى ثورة".
وليس التناقض سوى مرحلة من مراحل التعارض! وهو أخطر هذه المراحل. فالحرب بين الدول الاستعمارية هي أخطر مرحلة من مراحل النضال الدائم بينها. ولهذا يجب النظر إلى التعارض خلال جميع أطواره. فلقد نتج التعارض بين الطبقات، مثلا، عن تقسيم العمل في المجتمع الاول البدائي؛ اذ كان في هذا المجتمع، في تلك المرحلة، اختلاف بين ألوان النشاط الاجتماعية (كالصيد البري، والصيد البحري، وتربية الحيوانات) ولقد تطور هذا الاختلاف إلى نضال حين نشأت عنه الطبقات الاجتماعية فأصبح تناقضا في فترة الثورة.
ماذا يحدث اذن عند حلول الاشتراكية؟ يزول التناقض بين الطبقات بفضل القضاء على البرجوازية المستغِلة. ومع ذلك تظل الخلافات قائمة، لفترة ما، بين طبقة العمال وطبقة الفلاحين، بين القرية والمدينة، وكذلك بين العمل اليدوي والعمل الفكري. وليست هذه الاختلافات تناقضات بل هي تعارضات يجب التغلب عليها لأن الإنسان، في المجتمع الشيوعي، يمكنه القيام بمختلف ألوان النشاط التي يتقاسمها اليوم أفراد مختلفون، ولان التعارض بين العمل اليدوي والعمل الفكري ينحل في وحدة أسمى. كما توفر الثقافة العلمية المتعددة الظروف لتحقيق هذه الوحدة التي تجعل من الفرد ممارسا وعالما في نفس الوقت.
وهكذا نرى نهاية التناقض بين البرجوازية والبروليتاريا لا يعني نهاية التعارض ولهذا كتب لينين يقول منتقدا بوخارين:
"ليس التناقض والتعارض شيئا واحدا. إذ يزول الأول بينما يستمر الثاني في النظام الاشتراكي".
إذ كيف يمكن أن يحدث التقدم بدون التناقض الذي يدفع للتقدم؟ وهكذا يفسر لنا ستالين في كتابه "مشاكل الاشتراكية الاقتصادية في الاتحاد السوفياتي" أن انتقال الاشتراكية التدريجي إلى الشيوعية لا يمكن الا بعد حل التناقض الكائن (في المجتمع الاشتراكي) بين صورتين للملكية الاشتراكية: الملكية الكولخوزية، وهي ملكية اشتراكية، الملكية القومية (كالمصانع مثلا) وهي ملكية يمتلكها المجتمع بأكمله.
ومع ذلك لا تتطور التعارضات، في المجتمع الاشتراكي، إلى ضروب من النزاع والتناقض لأن مصالح أعضاء هذا المجتمع مترابط بعضها ببعض، ولأن هذا المجتمع يدير أموره حزب مسلح بعلم الماركسي وهو علم التعارض. وهكذا يتم حل التعارضات بدون نزاع أو ازمة. كما أن هذه التعارضات مفيدة لانها تعين المجتمع على التقدم.
وكذلك يكون استخدام النقد والنقد الذاتي في حياة السوفياتيين أروع مثال على تطور التعارضات بدون تناقض. ولقد صرح جورج مالنكوف في المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي بقوله: يجب النضال ضد الوقائع السلبية من أجل تقدم قضيتنا، وأن نوجه اهتمام الحزب وجميع السوفياتيين نحو إزالة الاخطاء بواسطة العمل. ويقوم بهذا النقد ملايين العمال وهم اسياد بلادهم وكلما اتسع النقد في الأساس كلما تم ظهور القوى المبدعة كما تم ظهور طاقة شعبنا المبدعة، وكذلك ازداد تغلغل الشعور في الجماهير الشعبية بأنها سيدة في أوطانها.
ويسرد مالنكوف أمثلة على الاخطاء التي يجب اصلاحها بواسطة هذا النقد كتبذير المواد الاولية في بعض المصالح؛ واضاعة الوقت في بعض الكولخوزات، أو التقليل من شأن الحصار الرأسمالي، أو عدم الأشراف كافيا على المهمات الملقاة على عاتق بعض المنظمات أو بعض المناضلين.
ويقول مالنكوف أن مهمة الحزب الشيوعي هي إيجاد الظروف التي تساعد كل مواطن سوفياتي شريف على أن ينقد بجرأة وبدون خوف مظاهر النقص في عمل المنظمات والإدارات فيجب أن تصبح المجالس واجتماعات المناضلين والمحاضرات في جميع المنظمات منابر ضخمة لنقد وجود النقص نقدا جزئيا قويا.
هذا النقد مظهر من مظاهر النضال بين الاضداد لانه يتيح القضاء على الاخطاء والبقايا التي تعيق تقدم المجتمع الاشتراكي: وهو نقد أخوي يقوم به أناس لهم نفس المصالح.
وكذلك فان النضال بين الأفكار، داخل الحزب نفسه، هو التعبير عن النضال بين الأضداد. ويساعد هذا النقد الحزبي الماركسي اللينيني الستاليني على تحسين عمله بدون انقطاع، ولا يفضي هذا النضال إلى تناقض. فإذا ما افضى إلى التناقض فمعنى ذلك أن الحزب يناضل ضد أعدائه الذين يعملون لمصلحة البرجوازية كنضال الحزب الشيوعي (البولشفيكي) ضد تروتسكي وبوخارين وبيريا.
3 – نضَال الأضْداد مُحَرك لِلفكْر
اذا كان قانون تعارض الاضداد يقوم بدور مهم في الطبيعة والمجتمع فانه من السهل التنبؤ بانه لما كان الانسان كائنا طبيعيا واجتماعيا فان فكره يخضع أيضا لقانون الاضداد. ولقد رأينا طابع الفكر الجدلي في الدرس الرابع. وليس هذا بمستغرب. فنحن ننظر إلى الفكر، كماديين، على أنه مرحلة من مراحل التطور العام؛ وهكذا تسيطر قوانين الجدلية على الفكر كما تسيطر على مجموع الواقع. كما أن جدلية الفكر، في جوهرها، من نفس طبيعة جدلية العالم؛ وقانونها الاساسي هو التناقض: ولهذا كتب لينين يقول: "المعرفة هي الوسيلة التي يقترب بها الفكر دائما من الموضوع. ويجب أن نفهم انعكاس الطبيعة في الفكر الإنساني ليس بصورة "ميتة" ولابصورة "مجردة" أو بدون حركة أو تناقض بل عن طريق عملية الحركة الدائمة وظهور التناقضات وحلها.
وهكذا يكون الانتقال الكيفي من الاحساس إلى المفهوم Concept (الذي تحدثنا عنه في الدرس الرابع) حركة تتم بواسطة التناقض فيعكس الاحساس جانبا محدودا من الواقع؛ وينكر المفهوم هذا الجانب الخاص ليؤكد شموله. فيتجاوز حدود الاحساس ليعبر عن الموضوع بأكمله. وهكذا المفهوم نفيا للإحساس (مثال: المفهوم العلمي عن النور كوحدة من الموجة والجسيم ينفي الإحساس بالنور، ذلك الاحساس الذي يكشف لنا عن وجود النور ولا يطلعنا على كنهه. ويؤثر المفهوم بدوره في الاحساس بعد أن تكوَّن بواسطة نفيه للاحساس (عن طريق النضال ضد هذا المستوى السفلي من المعرفة) فيمد الاحساس، بعد نفيه له، بالوسائل ليثبت وجوده بقوة جديدة لأننا ندرك جيدا ما فهمناه.
وتدلنا التجربة على أننا لا نستطيع فهم الاشياء المدركة مباشرة بواسطة حواسنا وأن الأشياء يمكن أن تدرك بالاحساس بعد فهمها بصورة أعمق.
وهكذا يكون كل من الاحساس والمفهوم والاحساس وحدة من ضدين متفاعلين، يؤكد كل منهما نفسه ضد الاخر بالرغم من أن كلا منهما يقوي الأخر (لأن الاحساس بحاجة للمفهوم لتوضيحه، كما أن المفهوم بحاجة للاحساس الذي يعتمد عليه).
فإذا ما نظرنا إلى مختلف الأطوار التي تكون المفهوم، الفينا فيها قانون الاضداد. وهكذا فأن التحليل والتركيب هما عمليتان ضروريتان في كل فكر، يعتبرهما الميتافيزيقي كل منهما معارض للأخرى. وهما متعارضتان حقا ولكن تعارضهما هو تعارض عمليتين لا يمكن الفصل بينهما لأن كلا من التحليل والتركيب يقوم أحدهما على الأخر. لأن التحليل هو البحث عن أجزاء الكل؛ ولكن الاجزاء انما هي أجزاء من كل، فليس هناك "أجزاء في ذاتها" فالكل إذن كائن في الأجزاء؛ وهكذا يحدد كل من التركيب والتحليل الاخر وأن كان كل منهما عكس الاخر.
وكذلك الامر في النظرية والتطبيق فهما قوتان متضادتان متفاعلتان تفاعلا جدليا: تتداخل كل منهما في الاخرى وتبعث كل منهما الخصب في الثانية.
ولما كان الفكر جدليا، أمكنه فهم جدلية العالم (الطبيعة والمجتمع). فتنعكس ألوان التناقض في العالم الموضوعي، وإذا بحركة الفكر جدلية هي أيضا، شأنها كشأن جميع مظاهر الواقع.
وهكذا يغيب جوهر الواقع عن الفكر الذي يجهل التناقض، وان مجرد تعريف شيء ضئيل هو تعبير عن تناقض. فاذا قلت: "الوردة زهرة" جعلت من الوردة شيئا اخر غير نفسها فصنفتها في طائفة الازهار. وهذه بداية تفكير جدلي، لانني سوف أصل، عن طريق هذه الوردة، إلى الكون أجمع (وذلك لأننا نفهم أن كل شيء مرتبط بالاخر) ولسوف يكتفي الفكر غير الجدلي بالقول: "الوردة هي الوردة" وهذا لا يطلعنا على شيء من طبيعة صفات الوردة.
ومن المفيد، مع ذلك، التذكير، في بعض الاحيان، بأن الوردة هي وردة وليست عربة ذات مقاعد. وليس المنطق الاولي، غير الجدلي، الذي يعتمد على مبدأ التماثل ( أ هي أ وليست أ غير أ ) خاطئا. بل هو منطق جزئي يعبر عن المظهر المباشر السطحي للاشياء. فهو يقول: "الماء هو الماء"؛ و "البرجوازية هي البرجوازية" أما المنطق الجدلي فهو يدرك، وراء الظاهر الثابت، الحركة الداخلية والتناقض. فهو يكتشف أن الماء يحمل في احشائه ألوان التناقض التي تفسر لنا الانتقال من الماء إلى الهيدروجين والاوكسجين. وكذلك يحدد المنطق الجدلي البرجوازية بمعارضتها للبروليتاريا كما يحددها في تعدد العناصر التي تكونها (فهو يقول: "البرجوازية هي البرجوازية كطبقة مماثلة لنفسها ولكن هناك برجوازية ضد القومية وبرجوازية قومية لهما مصالح متناقضة نوعا ما).
وبعد فأن منطق التماثل المسمى بالمنطق الشكلي أو منطق عدم التناقض ضروري وان كان غير كاف. والتنكر لهذا المنطق انما هو تنكر للواقع. مثال: كتب جول موش في موازناته: "يوجد في النظام الحالي طبقتان: هما الرأسمالية والبروليتاريا".
هذا قول لا معنى له. فإذا كانت البروليتاريا طبقة اجتماعية؛ فان الطبقة المناقضة للبروليتاريا هي طبقة البرجوازية وليست الرأسمالية، التي هي نظام اجتماعي. اذا أن المؤلف يضع في نفس الطائفة حقائق ليست من نفس النوع. فالطبقة الاجتماعية هي طبقة اجتماعية والنظام الاجتماعي هو نظام اجتماعي. والخلط بينهما امتهان للمنطق الأولي الذي يقوم على تحديد الالفاظ التي نستعملها وبالتالي يكون هذا القول امتهانا للمنطق الجدلي الذي لا يسمح بمثل هذا الخلط، بل يعتبر التماثل مظهرا من مظاهر الواقع لا يمكن تجاهله بدون تزوير للواقع ولا يعارض التناقض الجدلي أي شيء آخر فهو يرى أن القط هو قط أولا وأن كان هذا لا يكفي لتحديد ماهية القط.
غير أن قول جول موش هذا مفيد لنا. فهو يدل على أن رفض الجدلية ونضال الاضداد يؤدي إلى رفض المنطق العادي. ولهذا يخاصم المزورون الرأي السليم بمعاداتهم للعلم لاسباب سياسية.
الدرس السابع
ميزة الجدلية الرابعة
نضال الأضداد (3)


1 – ميزة التناقض الخاصة
2 – العام والخاص متلازمان
3 – التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي
4 – المظهر الرئيسي والمظهر الثانوي للتناقض
5 – خلاصة عامة عن التناقض

1 ـ ميزة التناقض الخاصة
لا يجب أن ينسينا شمول التناقضات المطلق ما تمتاز به التناقضات من ثراء لا حد له. ذلك لأن قانون الاضداد تعبير عام عن واقع يرتدي اشكالا متعددة في الواقع. ولا يكتفى الجدلي بتأكيد شمول نضال الاضداد كمبدأ لكل حركة، بل هو يدلل على تخصص هذا القانون حسب مظاهر الواقع المتعددة.
"يجب علينا، حين نعرض لكل شكل خاص من أشكال الحركة، أن نتبين علاقته بمختلف أشكال الحركة الأخرى. الأهم من ذلك، وهو أساس معرفتنا للأشياء، أن نرى ما لكل شكل من أشكال الحركة من ميزة خاصة، أي ما يميزه كيفيا عن سائر أشكال الحركة. وهكذا يمكننا أن نميز ظاهرة عن أخرى. ويحتوي كل شكل من أشكال الحركة على تناقضاته الخاصة به التي تكون طبيعة الظاهرة التي تميزها عن الظواهر الأخرى. وهذا هو سبب تنوع الأشياء المتعددة وأساسه، كما هو سبب تنوع الظواهر الموجودة في العالم.
ويعني هذا أن تأكيد شمول نضال الاضداد لا يكفي. لأن العلم هو وحدة النظرية والتطبيق. ولهذا يظهر قانون الاضداد الشامل بصورة ملموسة مع خواص الحياة نفسها. وهكذا إذا وضعنا البيضة في حرارة معينة مكنا التناقض الداخلي الذي تمتاز به البيضة من النمو حتى تتفتح عن "النقف"
((Poussin)). وإذا غلينا ليترا من الماء، بنفس الكمية من الحرارة، اختلفت النتائج عن سابقتها. لكل مظهر من الواقع حركته الخاصة به وتناقضاته المميزة له.
لا يتغير أي شيء إلى أي شيء آخر. ولهذا تتحول حرب معينة إلى سلم معين. كما أن نظاما رأسماليا معينا له خواصه في النمو يحل محله نظام اشتراكي له هو أيضا خواصه المميزة. وهكذا يستمر القديم في الجديد. ولهذا كان من الخطأ القول بأن نظاما اجتماعيا جديدا يقضي قضاء مبرما على القديم؛ ولكن أليس هناك من مجال للتوفيق بين القديم والجديد، لأن الجديد لا يمكن أن يستقر الا بمعارضته للقديم. ولا يعني "تخطي" الاضداد الجمع بينها، بل انتصار أحدها على الآخر، انتصار الجديد على القديم.
وتفسر لنا طبيعة كل مرحلة من مراحل الحركة المادية تعدد العلوم من الفيزياء إلى علم الحياة (البيولوجيا) ومن علم الحياة إلى العلوم الانسانية. ويجب على كل علم أن يكشف عن التناقضات الخاصة بموضوعه ويفهمها. وهكذا فان القوانين الخاصة بالكهرباء؛ والقوانين الخاصة بالطاقة (والكهرباء صورة من صور الطاقة) لا تكفي لتحديد الكهرباء: بل يجب القيام بتحليل ظاهرة "الكهرباء" تحليلا جدليا. ويحدث أن تثير كمية من الكهرباء بعض التفاعلات الكيمائية؛ فإذا بنا أمام موضوع جديد له قوانينه الخاصة به؛ وكذلك إذا ما انتقلنا من الكيمياء إلى علم الحياة (البيولوجيا). ومن علم الحياة إلى الاقتصاد السياسي الخ... ولا شك أن جميع مراحل الواقع تكون وحدة ولكن هذه المراحل تختلف كل منها عن الأخرى.
ولا يصدق هذا على مجموع العلوم، بل نلقى، في داخل كل علم، الضرورة لدراسة التناقضات الخاصة به. مثال: هناك حركات خاصة بالذرة إذ حين ينتقل الفيزيائي من حركة الأجسام المرئية (كالكلة التي تسقط) إلى الحركات الذرية تبدو له قوانين جديدة هي موضوع علم الميكانيكا المتموجة. تتخذ الجدلية صورة موضوعها كي تفهم حركة هذا الموضوع. وهكذا فان الفن صورة من النشاط لا يمكن رده إلى صور النشاط الأخرى، ولا سيما إلى العلم (بالرغم من أن الفن وسيلة من وسائل المعرفة لأنه يعكس العالم). يوجد إذن تناقضات نوعية في هذا الميدان كما في الميادين الأخرى؛ فإذا بالفنان جدلي بقدر حله لهذه التناقضات؛ حتى إذا ما عجز عن حلها لم يكن فنانا. كتب الناقد الكبير بيالنسكي يقول:
"مهما كان الشعر مفعما بالأفكار الجميلة، ومهما صور لنا كل العصر فأنه ليس شعرا إذا ما خلا من مضمون الشعر ولا يمكن أن يحتوي على أفكار جميلة أو أية مسألة أخرى؛ وكل ما نجده فيه قصد جميل لم يتحقق".
فبينما يعبر العلم عن الواقع بواسطة الافكار إذا بالشعر يعبر عنه بواسطة الصور الخاصة التي تملك قوة كبرى على الإثارة ولا يمكن للفن، أن يبلغ هدفه حقا: إلا إذا كان الفنان (الشاعر، الرسام، الموسيقي) قادرا على السيطرة على احاسيسه الأولى وعلى تعميم تأثراته؛ حتى إذا ما اخطأ الأثر الفني في ايجاد الصور الخاصة بفكرة الفنان كان فاشلا.
يرجع الفضل للينين في اكتشاف التناقضات الخاصة بالرأسمالية في المرحلة الاستعمارية (ولا سيما اختلاف نمو البلاد الرأسمالية الذي ينشأ عنه نزاع قوي للوصول إلى اقتسام جديد للعالم بين المحظوظين وغيرهم) وذلك باعتماده على التحليل الماركسي للرأسمالية. فلقد دلل على أن هذه التناقضات تجعل الحرب لا بد منها وأنه يمكن لحركة البروليتاريا الثورية العالمية، تساندها حركة الشعوب المستعبدة القومية، أن تكسر، في مثل هذه الظروف، قيود الرأسمالية في أضعف موضع فيها.
وهكذا استطاع لينين أن يتنبأ بان الثورة الاشتراكية ستنتصر أولا في بلد أو عدة بلدان.
ويلح ستالين على القول، في كتاب "مشاكل الاشتراكية الاقتصادية في الاتحاد السوفياتي" ـ إذ يبرهن على الطابع الموضوعي لقوانين الاقتصاد ـ على احدى ميزات هذه القوانين وهي أنها ليست دائمة:
"يختص الاقتصاد السياسي بميزة وهي أن قوانينه، على عكس قوانين الطبيعة، ليست دائمة؛ وأن اغلب هذه القوانين يؤثر خلال فترة معينة من التاريخ، ثم تحل محلها قوانين أخرى. ولا تزول هذه القوانين بل تفقد قوتها لظهور ظروف اقتصادية جديدة فتغيب ليحل محلها قوانين جديدة لا تبدعها ارادة الناس بل تنبعث من الظروف الاقتصادية الجديدة".
وهكذا ظهر قانون القيمة مع ظهور الإنتاج التجاري لأن القيمة هي القانون الخاص بالانتاج التجاري ولسوف تزول بزواله. والقانون الخاص بالرأسمالية هو قانون فائض القيمة لأنه يحدد الميزات الأساسية للانتاج الرأسمالي. ولكن هذا القانون لا يمكن أن يكفي لتحديد المرحلة الحالية في الرأسمالية التي نمت فيها رأسمالية الاحتكار جميع امكاناتها فإذا بهذا القانون عام، فكان أن نص ستالين على القانون الخاص بالرأسمالية الحالية وهو قانون الربح الأقصى.
ولا يمكن الا للدراسة الدقيقة للميزات الخاصة بجانب معين من الواقع أن تبتعد بنا على التعصب الأعمى الذي يدفعنا إلى تطبيق اطار واحد على أوضاع مختلفة تطبيقا آليا. ولهذا كان لينين ينصح الثوار بأن يكدوا اذهانهم في كل حين. إذ ليس الماركسي الصحيح هو من يعرف عن ظهر قلب مصادر الماركسية الكلاسيكية فيعتقد أنه يحل جميع المشاكل بواسطة بعض حلول نموذجية؛ بل الماركسي الصحيح هو محلل يستطيع استعراض كل مشكلة بصورة ملموسة دون أن يهمل أي عنصر ضروري لحلها. يجب علينا، كي نعرف حقا أي شيء، أن نلم بجميع جوانبه وأن ندرس جميع علاقاته و "وسائطه". ولن نبلغ ذلك تماما قط، ولكننا إذا أوجبنا على أنفسنا استعراض الأشياء من جميع جوانبها فأننا نحفظ أنفسنا من الأخطاء ومن التحجر.
يكتفي المتعصب بالعموميات. فإذا ما صدر قرار عن نقابة من النقابات، مثلا، لم يعبأ بتطبيقه تطبيقا خاصا على مؤسسته وعلى كل مصنع في هذه المؤسسة كما أنه لا يحسب حسابا للمطالب الخاصة بكل طائفة من العمال.
لهذا التجريد نتائجه الخطيرة لأنه يفصل المناضلين عن جمهرة العمال. وهكذا فأن اقتصار حركة المقاومة الفرنسية على نضال المناضلين الأحرار والانصار المسلح تشويه لها وتنكر لطابع المقاومة الخاص وهو أنها كانت نضال الشعب الفرنسي الوطني بقيادة الطبقة العاملة وحزبها الا وهو الحزب الشيوعي. ومن جهل هذا الطابع الخاص للمقاومة عجز عن تقدير مختلف نواحيها تقديرا صحيحا ومنها هذه الناحية المهمة وهي نضال (P.F.T.).
وكذلك، كما يلاحظ ستالين في كتابه "مشاكل الاشتراكية الاقتصادية في الاتحاد السوفياتي" بانه ليس غرض حركة السلم العالمية اقامة الشيوعية. بل أن جوهر هذه الحركة وقانونها الخاص هو توحيد ملايين الناس العاديين من أعداء الشيوعية وأنصارها للمحافظة على السلم؛ وهي لا تهدف في فرنسا إلى القيام بالثورة البروليتاريا بل إلى الانتقال من سياسة الحرب إلى سياسة المفاوضة. التناقض بين "سياسة الحرب وسياسة السلم" يختلف عن التناقض بين الرأسمالية والاشتراكية" (بالرغم من أن الرأسمالية الاستعمارية مسؤولة عن سياسة الحرب).
يلح ماوتسي تونج في دراسته "حول التناقض" على ضرورة حل "التناقضات المختلفة كيفيا" بواسطة "طرق مختلفة كيفيا" فيقول: "فالتناقض، مثلا، بين البروليتاريا والبرجوازية لا يحل بواسطة الثورة الاشتراكية. لأن التناقض بين الجماهير الشعبية وبين النظام الاقطاعي يحل بواسطة الثورة الديمقراطية. كما يحل التناقض بين المستعمرات وبين الاستعمار بواسطة الحرب القومية الثورية. وكذلك يحل التناقض بين طبقة العمال وطبقة الفلاحين بجعل الزراعة اشتراكية آلية. وتحل التناقضات في داخل الحزب الشيوعي بواسطة النقد والنقد الذاتي. كما تحل التناقضات بين المجتمع والطبقة بواسطة نمو قوى الإنتاج. وهكذا تتغير العمليات فتزول العمليات القديمة والتناقضات القديمة ليحل محلها عمليات جديدة وتناقضات جديدة، كما تتغير الوسائل لحل هذه التناقضات ايضا. ولهذا اختلفت التناقضات الني حلتها ثورة شباط وثورة تشرين الأول في روسيا، كما اختلفت الوسائل المستخدمة في هاتين الثورتين لحل التناقضات.
لأن حل مختلف التناقضات بطرق مختلفة مبدأ يجب على الماركسيين الليننيين أن يحافظوا عليه محافظة شديدة.
تنتهي هذه الملاحظات، فيما تنتهي إليه من نتائج، عملية، إلى النتائج التالية التي تتعلق بنشاط الحزب الثوري:
أ) لا يمكن للحزب الثوري، حزب ماركس ولينين و ستالين، أن يقوم بوظيفته العلمية في قيادة الحركة الا إذا اجتهد كل مناضل، فيما يخصه، باستعراض المهمات الملقاة على عاتقه وحلها، كما حاولت كل منظمة في الحزب وكل خلية استعراض المهمات الملقاة على عاتقها وحلها (سواء كان في المؤسسة أوالمنطقة أو الحي) فكل مناضل ذهن مفكر، وكل خلية مجموعة تفكر قبل أن تعمل.
ب) لا يمكن للحزب أن يقوم بوظيفته العلمية في الادارة الا إذا أمده كل مناضل بنصيبه وكل خلية بنصيبها من التجربة الخاصة بها فيقوم مجموع الحزب بالتوفيق بين جميع التجارب في منظماته النظامية. ولهذا توجب نظم الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي على كل شيوعي أن يقول الحقيقة دائما لحزبه لأن تجربة كل مناضل، وكل خلية انما هي شيء لا يستعاض عنه. من ذا الذي يقول للحزب، مثلا، مطالب شباب قرية من القرى إذا جهل الشاب الشيوعي هذه المطالب؟
ج) لا يمكن للحزب أن يقوم بوظيفته العلمية في الادارة إلا اذا أحتفظ اعضاؤه بعلاقة وثيقة مع جماهير العمال فكانوا، حقا، أهلا لتقدير جميع الناس. والا فكيف يمكنهم، بدون هذه العلاقة الدائمة، معرفة مشاكل كل طبقة من السكان، وحل التناقضات الخاصة بفترة معينة من الزمن؟
والحزب الذي يهمل هذه الواجبات أنما يعرض مستقبله للخطر ويفقد قيادة الحركة العمالية.

2 – العَام والخَاص مُتَلازمَان
الححنا على القول بضرورة دراسة الطابع الخاص بالتناقضات الملموسة. ومن البديهي أن هذه الدراسة تفقد كل صفة جدلية لها إذا جعلتنا ننسى أن الخاص ليس مطلقا بل هو نسبي وأنه لا معنى له إذا ما فصلناه عن ما هو عام.
مثال: قلنا في الجزء الأول من هذا الدرس أن هناك قانوناً خاصاً بالرأسمالية (قانون فائض القيمة) وقانوناً خاصاً بالرأسمالية الحالية (قانون الفائدة القصوى). ولكن هذا الا يقضي على مفعول قانون أعم وهو القانون الذي ظهر مفعوله منذ وجود المجتمعات الإنسانية ولا يزال يبدو من خلال مختلف النظم الاجتماعية كما يذكر ذلك ستالين في كتابه "مشاكل الاشتراكية الاقتصادية في الاتحاد السوفياتي": وهو قانون الاتصال بين علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج ( وستكون دراسة هذا القانون موضوع الدرس السادس عشر). يتعرض التحليل الجدلي الصالح، إذن، لتحليل الطابع الخاص بعملية معينة ولا يمكن هذا الا إذا لم يعزل هذه العملية عن حركة المجموع الذي يتوقف عليه وجودها (راجع الميزة الاولى للجدلية). لأن ما هو خاص لا تصبح له قيمة ما إلا بالنسبة لما هو عام. وهكذا يكون ما هو خاص وما هو عام متلازمين.
لما كان الخاص مرتبطا بالعام، ولما كان ماهو خاص في التناقض وما هو عام متلازمين في كل ظاهرة فأن العام كائن في الخاص. ولهذا فنحن حين ندرس ظاهرة معينة يجب علينا اكتشاف هذين المظهرين وعلاقتهما المتبادلة، اكتشاف ما هو خاص وما هو عام، ما هو ملازم لظاهرة معينة والعلاقة المتبادلة بينهما، اكتشاف العلاقة المتبادلة بين ظاهرة معينة والعلاقة المتبادلة بينهما، اكتشاف العلاقة المتبادلة بين ظاهرة معينة والظواهر المتعددة الأخرى الخارجية. يحلل ستالين في كتابه الرائع عن "مبادىء مذهب لينين" تناقضات الرأسمالية التي بلغت أقصى حد لها في ظل الاستعمار، كما يشرح الأصول التاريخية لمذهب لينين. وهو يدلل كيف جعلت هذه التناقضات الثورة البروليتارية مسألة تطبيق عملي مباشر وكيف أوجدت الظروف الملائمة للوثوب المباشر على الرأسمالية. وهو يحلل، فوق ذلك، الأسباب التي من أجلها أصبحت روسيا مركز مذهب لينين، وكيف أن روسيا القيصرية كانت آنذاك عقدة جميع تناقضات الرأسمالية، ولماذا أمكن للبروليتاريا الروسية أن تصبح طليعة البروليتاريا الثورية العالمية.
وهكذا برهن ستالين، بعد أن حلل ما هو عام في التناقضات الخاصة بالرأسمالية، على أن مذهب لينين هو مذهب ماركس في عصر الاستعمار والثورة البروليتارية، كما شرح، بعد أن حلل ما هو خاص بالتناقضات العامة وما هو خاص برأسمالية روسيا القيصرية، الأسباب التي جعلت روسيا تصبح موطن نظرية الثورة البروليتارية ومحل تطبيقها، وأن هذا الخاص كان يحتوي على ما كان عاما في التناقضات المذكورة.
هذا التحليل الستاليني هو، بالنسبة إلينا، نموذج لمعرفة ما هو خاص وما هو عام في التناقضات والعلاقة المتبادلة بين كل منهما.
لا يعرف الميتافيزيقي كيف يبقي على هذه العلاقة بين ما هو خاص وما هو عام بل هو يضحي الخاص في سبيل العام (وهذا ما تفعله نزعة أفلاطون العقلية التجريدية، مثلا، التي تحتقر التجربة العيانية) أو يضحي العام من أجل الخاص. (كالنزعة التجريبية التي ترفض كل فكرة عامة وتقتصر على التجربة المحدودة).
تعتبر نظرية المعرفة الماركسية مثل هذا الموقف موقفا منافيا للجدلية وهو موقف من جانب واحد. وذلك لأن المعرفة تعتمد على الحسي المحدود الذي يعكس وضعا خاصا، ولكنها تصل إلى ما هو عام بواسطة التطبيق العملي لتعود من ثم إلى الحسي وقد اكتسبت قوة جديدة.
لا يملك الفيزيائي مثلا، في أول الأمر، سوى عدد محدود من الوقائع المجربة؛ فيرتفع منها إلى القانون الذي يسمح له اكتشافه بتغيير الواقع تغييرا عميقا بواسطة تجارب جديدة. ومرحلتا المعرفة متلازمتان: فهي تبدأ من الخاص إلى العام ومن العام إلى الخاص وهكذا دواليك. وقد شبه لينين هذه الحركة بالحركة اللولبية (en spirale): نبدأ من التجربة المباشرة الحسية (كشراء بضاعة ما مثلا)، فنحلل عملية الشراء هذه لنكتشف قانون القيمة، فنعود من ثم إلى التجربة العيانية (الحركة اللولبية). ولكننا نفهم الآن وقد تسلحنا بقانون القيمة، هذه التجربة التي فاتنا مغزاها العميق في المرحلة الأولى: نستطيع الآن التنبؤ بتطور العملية؛ وأن نهيء الظروف التي تعمل على الحد منها أو اتساعها. الخ.. ونحن لن ندرك العام إذا لم نبدأ بالخاص ولكن ادراك العام يتيح لنا، من جهة ثانية، تعمق الخاص. وهكذا ليست الحركة اللولبية حركة عود على بدء عقيمة بل هي تعمق للواقع. ولهذا فقد اكتشف ماركس، في دراسته للتناقضات الخاصة بالرأسمالية في عصره، قانون الصلة بين علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج العام. وهكذا أتاح لنا فهم التناقضات الخاصة بالنظم الاجتماعية السابقة على الرأسمالية، لأن هذه التناقضات تتعلق بقانون الترابط العام؛ كما أنه جعل من الممكن دراسة الرأسمالية نفسها دراسة أعمق في حركتها التالية (رأسمالية الاحتكار، والاستعمار).
ويكون الفنان عظيما بقدر معرفته التعبير عن العام من خلال الخاص في سعيه لبلوغ ما هو نموذجي. (راجع المسألة من هذا الدرس).
فلقد عبر اليوار عن حزن باريس المحتلة على يد النازيين في هذين البيتين من الشعر من خلال حادثة بسيطة تقع كل يوم:
باريس ترتعد من البرد، باريس تتلوى من الجوع
باريس لم تعد تأكل الكستناء في الشوارع
ونرى في حياة أفضل ما رسمه بلزاك وتولستوي من شخصيات انعكاس الميزات الاساسية لمجتمع عصر كل منهما. وتربط رواية ج. نيقويفا: "الحصاد"، بصورة رائعة، تاريخ أشخاصها الشخصي والعائلي بتاريخ كولخوز وتاريخ المجتمع السوفياتي. وتنحل التناقضات الشخصية التي كان يعانيها أبطال الرواية خلال انحلال التناقضات التي كانت تعيق تقدم الكولخوز. وهكذا يضمن كل من فاسيلي وافدويتا انتصار المستقبل على الماضي بنضالهما لضمان انتصار المستقبل على الماضي في الكولخوز.
أوليست هذه الوحدة بين العام والخاص هي ما يمتاز به الأبطال الذين يحبهم الشعب؟ كتب جنود كتيبة، في حزيران عام 1917 إلى لينين يقولون:
"أيها الرفيق الصديق لينين" تذكر أننا نحن جنود هذه الكتيبة مستعدون للسير وراءك كرجل واحد في كل مكان لأن آراءك هي التعبير الصحيح عن ارادة الفلاحين والعمال".
وتتجسد في ستالين اخص خلائق الإنسان السوفياتي.
ولقد أثار جوليوس واتيل روزنبرج عطف الناس في العالم أجمع لأن ضخامة التضحيات التي رضيا بها (التضحية بشبابهما واولادهما وسعادتهما) دلت على حب الناس الذي لا يقهر للسلام.

3 – التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي
سوف نرى بوضوح، بعد أن أدركنا قوة الصلة بين الخاص والعام، العلاقات بين التناقض الرئيسي وبين التناقضات الثانوية. وذلك لأن أية عملية ما ليست بسيطة قط لأنها تدين بوجودها الخاص إلى عدد كبير من الشروط الموضوعية التي تصلها بالمجموع. ينتج عن ذلك أن كل عملية هي محل سلسلة من التناقضات. ومن بين هذه التناقضات، تناقض رئيسي يوجد منذ بداية العملية حتى نهايتها ويحدد وجوده وتطوره طبيعة سير العملية. أما الاخريات فهي تناقضات ثانوية تتعلق بالتناقض الرئيسي.
فما هو، مثلا، التناقض الرئيسي في المجتمع الرأسمالي؟ لا شك أنه التناقض بين البروليتاريا وبين البرجوازية. طالما وجدت الرأسمالية طالما وجد معها هذا التناقض؛ وهو الذي يقرر، في نهاية الأمر، مصير الرأسمالية لأن إنتصار البروليتاريا يؤذن بزوال الرأسمالية. ولكن إذا نظرنا للمجتمع الرأسمالي في تطوره التاريخي وجدنا فيه تناقضات أخرى ثانوية بالنسبة للتناقض الرئيسي. مثلا: التناقض بين البرجوازية السائدة وبين بقايا الاقطاعية الزائلة؛ والتناقض بين طبقة الفلاحين الكادحة (من صغار الملاكين، والخدم، والمأجورين) وبين البرجوازية، وكذلك التناقض بين البرجوازية والبرجوازية الصغرى والتناقض بين البرجوازية المحتكرة والبرجوازية غير المحتكرة، الخ... وسائر التناقضات التي تنشأ وتنمو في تاريخ الرأسمالية نفسها. ولما كان هذا النمو يتم في الميدان العالمي، وجب اعتبار التناقضات بين مختلف البلاد الرأسمالية كالتناقض بين البرجوازية الاستعمارية والشعوب المستعمرة.
ولا تتراكم هذه التناقضات كل منها فوق الأخر، بل هي تتداخل وتتفاعل حسب قانون الجدلية الأولى. فما تأثير هذا التفاعل؟ تزداد أهمية تناقض ثانوي؛ في بعض الأحوال، فيصبح لفترة معينة، تناقضا رئيسيا بينما يصبح التناقض الرئيسي الأول ثانويا (ولا يعني هذا زوال تأثيره) فليست التناقضات، إذن متحجرة بل هي تتغير.
وهكذا يصبح التناقض بين البرجوازية والبروليتاريا، في البلاد المستعمرة، ثانويا لفترة معينة، بالرغم من خطورته إذ ينحل بانتصار الاشتراكية في هذه البلاد. فيصبح التناقض بين الاستعمار المستعمِر وبين الأمة المستعمَرة (كطبقة العمال، والفلاحين والبرجوازية القومية التي تتحدد في جبهة قومية للنضال من أجل التحرر) رئيسيا.
ولا يقضي هذا على الوان النضال بين الطبقات داخل البلاد المستعمِرة. (لا سيما وأن فريقا من البرجوازية في البلاد المستعمِرة حليف للاستعمار المستعمر). غير أن التناقض الذي يجب حله أولا هو التناقض الذي يثيره الاستعمار ويحله النضال القومي من أجل الاستقلال.
يوضح لنا ستالين في كتابه: "مشاكل الاشتراكية الاقتصادية في الاتحاد السوفياتي" بصورة رائعة مشكلة انتقال التناقضات بصدد المسألة الألمانية التي تهم شعبنا كثيراً.
فهو يذكرنا أولا بأن الرأسمالية تحتوي على تناقضات داخلية خاصة وهي تناقضات موضوعية تظل ما ظلت الرأسمالية. وتدفع هذه التناقضات البرجوازية إلى البحث، في الحرب الأستعمارية، عن حل لمصاعبها.
فينتج عن ذلك، بصورة حتمية، أن مختلف البلاد الرأسمالية بعضها لبعض عدو مبين.
ولهذا كان الاعتقاد، بأن سيطرة الرأسمالية الأميركية على سائر البلاد الرأسمالية يضع حدا للتناقضات الكامنة في الرأسمالية كرأسمالية، وهماً من الأوهام. وليس لأي ميثاق كميثاق الاطلنطيك أو أي تحالف عدائي ضد روسيا أن يقضيا على هذه التناقضات. ويظهر ستالين لنا كيف أن البرجوازية الانجليزية والبرجوازية الفرنسية لا تستطيعان احتمال سيطرة الرأسمالية الاميركية على الاقتصاد في كل من بلديهما إلى ما لا نهاية. وكذلك الحال في البلاد المغلوبة كالمانيا واليابان.
ويمكن لكل واحد منا أن يتحقق، اليوم، إلى أي حد كان ستالين صادقا في قوله.
فلقد ازدادت خطورة التناقضات بين البلاد الرأسمالية (ولا سيما بين الولايات المتحدة وبين بريطانيا العظمى) بصورة هائلة منذ الوقت الذي أصدر فيه ستالين حكمه. (شباط سنة 1952 ـ حتى أن فريقا من البرجوازية الانجليزية والفرنسية تفضل الأتفاق مع الاتحاد السوفياتي على القضاء عليه في حرب ضد الاتحاد السوفياتي تحت قيادة أميركة. وهكذا يمكننا فهم أهمية حكم ستالين.
"يقولون أن التناقضات بين الرأسمالية والاشتراكية أقوى من التناقضات الكائنة بين البلاد الراسمالية. وهذا صحيح من الناحية النظرية، ولا يصح هذا اليوم فقط بل كان هذا صحيحا قبل الحرب العالمية الثانية. وهذا ما أدركه زعماء البلاد الرأسمالية ومع ذلك لم تبدأ الحرب العالمية الثانية بمحاربة الاتحاد السوفياتي. فلماذا؟ لأن الحرب ضد الاتحاد السوفياتي في بلاد الاشتراكية، هي أولا، أخطر بالنسبة للرأسمالية من الحرب بين البلاد الرأسمالية، لأنه إذا كانت الحرب بين البلاد الرأسمالية تثير فقط مشكلة سيطرة بعض البلاد الرأسمالية على الأخرى، فأن الحرب ضد الاتحاد السوفياتي تثير بالضرورة مسألة وجود الرأسمالية نفسها. ولأنه، بالرغم من أن الرأسماليين يثيرون الضجيج حول نزعة الاتحاد السوفياتي العدائية، على سبيل "الدعاية"، فهم لا يؤمنون بهذا هم أنفسهم لأنهم يحسبون حساب سياسة الاتحاد السوفياتي السلمية، ويعرفون أن الاتحاد السوفياتي لن يهاجم البلاد الرأسمالية.
ويستعرض ستالين الحوادث السابقة على الحرب العالمية الأولى، إذ مهما كان عداء البلاد الرأسمالية نحو البلاد الاشتراكية، فأن ألمانيا الاستعمارية (التي جددتها البرجوازية الانجليزية والفرنسية أملا في أطلاق الجحافل الهتلرية ضد الاتحاد السوفياتي) قد وجهت أولى ضرباتها إلى المجموعة الرأسمالية المؤلفة من انجلترا وفرنسا وأميركا. حتى إذا ما أعلنت ألمانيا الهتلرية الحرب على الاتحاد السوفياتي، اضطرت هذه المجموعة، بدلا من أن تنضم إلى ألمانيا الهتلرية، إلى التحالف مع الاتحاد السوفياتي ضد ألمانيا الهتلرية.
نستخلص من ذلك أن نضال البلاد الرأسمالية من أجل امتلاك الأسواق، ورغبتها في القضاء على منافسيها كانا أقوى من التناقضات بين المعسكر الرأسمالي والمعسكر الاشتراكي.
يجب علينا أن ننتظر مثل هذا الانتقال بين التناقضات، فيصبح تناقض ثانوي، لفترة ما، التناقض الرئيسي وما يتبع من نتائج عملية وهما نتيجتان:
أ) تهدف اعادة تسليح الجيش الالماني (Wehrmacht) على يد القواد من مجرمي الحرب، بالاشتراك مع البرجوازية الفرنسية، إلى الاعتداء على الاتحاد السوفياتي. ولكن كما أن هتلر احتل باريس عام 1940 قبل أن يسير إلى موسكو، وكذلك يستعد مجرمو اورادور إلى احتلال بلادنا (فرنسا) وتخريبها، مرة أخرى، لحل مشاكلهم الاقتصادية.
وليس هناك من مجال للشك في سياسة اديناور، حامي النازيين وشريكهم، بهذا الصدد. وكذلك يجب فهم ايزنهاور حين يصرح بقوله: "من مصلحتنا، كما أن مهمتنا، اعداد الجيش الألماني ليهجم في الاتجاه الذي نراه، نحن الأميركيين، ضروريا". وأن فرنسا التي انهكتها الحرب في الهند الصينية وعبث بها الاستعمار الأميركي لفريسة أهون على البرجوازية الالمانية أن تلتهمها (بعد أن استعادت مكانتها بفضل البرجوازية الفرنسية ؟) من التهام الاتحاد السوفياتي القوي.
ب‌) تزداد أهمية التناقضات بين البلاد الرأسمالية بحيث يصبح من الصعب على الاستعمار الأميركي أن يفرض سلطته في هذه المأسدة. وما التأخر في الموافقة على اتفاقات بون ومعاهدة باريس الا مثال على ذلك.
ولما كانت الدبلوماسية السوفياتية تسيطر تماما على جدلية الأضداد فانها تستفيد إلى أقصى حد من التناقضات بين الرأسماليين (فيعمل الاتحاد السوفياتي على نمو تجارته مع انجلترا الرأسمالية). وهكذا يكون التعايش السلمي بين النظم المختلفة ثمرة نضال تقوم فيه التناقضات الداخلية للرأسمالية، وأن كانت ثانوية بالنسبة للتناقض الرئيسي بين الرأسمالية والاشتراكية، بدور مهم.
وإذا ما طبقنا هذه الطريقة في التحليل على فرنسا اليوم لظهرت لنا مجموعة معقدة جدا من التناقضات: كالتناقض بين البروليتاريا والبرجوازية؛ والتناقض بين البرجوازية الصغيرة (في المدن والقرى) والبرجوازية الكبيرة، والتناقض بين طوائف البرجوازية المتعادية؛ الخ.. كما أن هناك التناقض، في الميدان الخارجي، بين الاستعمار الفرنسي والشعوب المستعمرة التي يستغلها؛ والتناقض بين الاستعمار الفرنسي وسائر ضروب الاستعمار (كالاستعمار الأميركي والاستعمار الألماني الجديد).
كذلك التناقض بين الرأسمالية الفرنسية والاشتراكية.
فهل يمكننا أن نجعل جميع هذه التناقضات على مستوى واحد؟ كلا. لأننا إذا نظرنا إلى المجتمع الفرنسي المعاصر في مجموعه وجدنا أن التناقض الرئيسي هو النضال بين البروليتاريا والبرجوازية، ذلك النضال الذي يخترق تاريخ فرنسا ضد انتصار الثورة البرجوازية كخيط أحمر، وسوف تقرر خاتمة هذا النضال مستقبل البلاد بانتصار الاشتراكية. ولقد استعانت البرجوازية الرأسمالية بالاستعمار الأميركي لحمايتها. فتنكرت بذلك لمصالح الأمة. لأن سياستها الطبقية تجعلها تقف في وجه البروليتاريا الثورية ووجه سائر الطبقات، ومنها تلك الطائفة من البرجوازية التي لا تستفيد من سيطرة اميركا. ينتج عن ذلك أن ينمو التناقض الثانوي الذي نشأ عن التناقض الرئيسي (وهو وقوف الاستعمار الأميركي والبرجوازية ضد الأمة الفرنسية بقيادة الطبقة العاملة) ولقد ازدادت أهمية التناقض الثانوي حتى أصبح، لفترة ما، التناقض الرئيسي. ولهذا فأن المهمة الملقاة على عاتق الشيوعيين، حاليا، وهم طليعة الطبقة العاملة في الأمة، هي حل هذا التناقض برفع لواء الاستقلال القومي، الذي تدوسه البرجوازية المنحطة بارجلها، في جبهة قومية.
يتضح أن الحزب الثوري الذي لم يتسلح كفاية نظريا لا يمكنه أن يفهم الحركة المتبادلة بين التناقضات ويتنبأ بها. فيصبح عالة على الحوادث.

4 – المظهر الرئيسي والمظهر الثانوي للتناقض
لا تقوم دراسة الميزة الخاصة بالتناقضات في حركتها على التمييز بين التناقض الرئيسي والتناقضات الثانوية بل هي تؤدي أيضا إلى اظهار أهمية كل من المظهرين النسبية في كل تناقض.
ويحتوي كل تناقض بالضرورة على مظهرين يحدد تناقضهما التطور الذي ندرسه. ولا يجب أن نضع هذين المظهرين ـ أو هذين القطبين ـ في مستوى واحد. ولنمثل على ذلك بالتناقض أ ضد ب و ب ضد أ. إذا كانت أ و ب قوتين متساويتين دائما لم يحدث أي شيء إذ تتعادل القوتان إلى ما لا نهاية وتتوقف كل حركة. هناك دائما، إذن، قوة تتغلب على الأخرى ولو قليلا فينمو بذلك التناقض. نطلق اسم المظهر الرئيسي للتناقض على المظهر الذي يقوم بدور رئيسي، في وقت ما، أي أنه يحدد حركة الاضداد المتنازعة. والمظهر الثاني هو المظهر الثانوي.
ولما كان كل من التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي يمكنهما أن يغيرا مكانهما ـ فينتقل التناقض الثانوي ويحتل المكان الرئيسي ـ كذلك فان وضع المظهر الثانوي والمظهر المتبادل في تناقض ما متحرك فيتحول المظهر الرئيسي، في بعض الظروف، إلى مظهر ثانوي كما يتحول المظهر الثانوي إلى مظهر رئيسي.
فالماء الذي تحدثنا عنه في الدرس الرابع محل لتناقض بين قوة الجمع التي تنزع لجمع الجزيئات وقوة التفريق التي تنزع لابعادها. فالمظهر الرئيسي للتناقض، في حالة تجمد الماء، هو قوة الجمع، بينما المظهر الرئيسي في حالة تحول الماء إلى بخار هو قوة التفريق. أما حالة السيولة فهي حالة توازن غير مستقر بين القوتين.
ولقد كان مظهر التناقض الرئيسي، في فرنسا، في العهد القديم، بين الاقطاعية والرأسمالية هو مظهر "الإقطاعية". ولقد نمت البرجوازية الرأسمالية في نضالها ضد العلاقات القديمة للإنتاج بصورة جعلتها تفرض سيطرة علاقات جديدة رأسمالية. وهكذا أصبحت هذه العلاقات، بعد أن كانت مظهرا ثانويا؛ المظهر الرئيسي.
ملاحظة مهمة
رأينا أن التحول الكيفي يحدث (راجع الدرس الرابع) حين يتغير وضع كل من مظهري التناقض بصورة جذرية فيصبح المظهر الرئيسي ثانويا، ويصبح المظهر الثانوي رئيسيا، وكذلك تتفرق الوحدة القديمة ليحل محلها وحدة جديدة من الاضداد.
ولهذا فأن تحديد المظهر الرئيسي أساسي لأن هذا المظهر هو الذي يحدد حركة التناقض. والمظهر الرئيسي للتناقض الرئيسي. تلك هي النقطة الحساسة في التحليل الجدلي. ولا يعني هذا أن المظهر الثانوي لا فائدة منه. لأنه إذا نظرنا إلى النضال بين القديم والحديث لوجدنا الحديث، عند ظهوره، شديد الضعف، فهو ليس سوى المظهر الثانوي للتناقض. ولكن المستقبل له لأنه حديث؛ فسوف يصبح المظهر الرئيسي وسوف يؤدي انتصار إلى تغيير كيفي.
وإذا مادرسنا المادة التاريخية رأينا كيف أن الإنتاج يتطور على أساس تناقض رئيسي بين علاقات الإنتاج وميزة قوى الإنتاج، وكيف أن المظهر الرئيسي لهذا التناقض يكون تارة قوى الانتاج وتارة علاقات الإنتاج (راجع الدرس السادس عشر).
وهناك مثلا اخر:
يكون التطبيق الاجتماعي والنظرية الثورية وحدة من الأضداد يؤثر كل منها في الاخر. والمظهر الفعال، إذا نظرنا إلى العملية خلال فترة طويلة من الزمن، هو التطبيق: ولهذا لم تتكون الماركسية ولم تتقدم الا بفضل نضال البروليتاريا الموضوعي، ولكن يصبح، في فترة معينة، المظهر الثانوي رئيسيا ويصبح للنظرية قيمة خطيرة، وهكذا لو أن الحزب البولشفيكي عام 1917 لم يكن محقا في تقديره النظري للحالة الموضوعية لما استطاع أن يصدر الاوامر الخاصة بهذه الحالة؛ ولما استطاع تجنيد الجماهير وتنظيمها للقيام بهجومها المظهر، ولاصبح مستقبل الحركة الشيوعية في روسيا مزعزعا لمدة طويلة. ولهذا ليس المظهر النظري مهماً فقط بل هو يصبح المظهر الرئيسي في بعض الأحوال.
فنحن حين نقول مع لينين: "بأنه لا وجود للحركة الثورية بدون النظرية الثورية" يقوم كل من ابداع النظرية الثورية واشاعتها بالدور الرئيسي. وهكذا يصبح اعداد التوجيه والمنهج ووضع الخطط واصدار التعليمات لتنفيده شيئا أساسيا عند تنفيذ كل أمر، وتمس الضرورة إلى التوجيه والمنهج والخطط والتعليمات.
وهكذا يتفاعل العامل الموضوعي مع العامل الذاتي ولهذا وجب تقدير أهمية كل منهما النسبية في كل وقت.
فهل تقلل هذه النظريات من قيمة المادية؟ كلا. لأننا نجد عبر مجرى التطور التاريخي، أن المبدأ المادي يحدد المبدأ الروحي، والكائن الاجتماعي يحدد الوعي الاجتماعي، كما نجد تأثير المبدأ الروحي على المبدأ المادي، وتأثير الوعي الاجتماعي على الكائن الاجتماعي.
ويلاحظ ماوتسي تونج أن ذلك يعني أفضلية المادية الجدلية على المادية الآلية (الميكانيكية) (الميتافيزيقية لأن العنصر الرئيسي فيها يظل رئيسيا كما يظل العنصر الثانوي ثانويا مهما تبدلت الظروف والاحوال).

5 – خلاصَة عَامّة عَن التَنَاقض
الجدلية هي دراسة التناقض في جوهر الأشياء نفسها.
ويلح لينين على أهمية هذا القانون الرابع العظيمة التي يعتبرها أسس الجدلية. ولهذا يصيب العجز عن فهم هذا القانون الاشتراكية في الصميم. وأشهر مثال على ذلك هو برودون. فلقد صنف ماركس، في "بيان الحزب الشيوعي" برودون ضمن الاشتراكية المحافظة أو البرجوازية.
إذ يسعى الاشتراكيون البرجوازيون لتأمين ظروف المجتمع الحديث بدون النضال من أجل ذلك وما يتبع ذلك النضال من أخطار لا مفر منها. فهم يريدون المجتمع الحالي من العناصر التي تبعث فيه الثورة وتؤدي إلى انحلاله، أي أنهم يريدون البرجوازية بدون البروليتاريا.
ويعتبر برودون وحدة الاضداد كوحدة بين الصالح والطالح. لهذا يريد أن يزيل الطالح ويحتفظ بالصالح، وهذا نكران للطابع الداخلي للتناقض: لأن التناقض بين البرجوازية والبروليتاريا هو الذي يكون المجتمع الرأسمالي، ولا يمكن للاستغلال الرأسمالي أن يزول الا بزوال هذا التناقض. ولهذا كان التوفيق بين مصالح طبقات متناقضة في الاساس ضربا من الوهم. ويعرف ماركس برودون بقوله: كان يريد التحليق، كرجل علم، فوق البرجوازيين والبروليتاريين؛ وهو بهذا ليس سوى ذاك البرجوازي الصغير الذي يتنازعه كل من رأس المال والعمل.
يؤدي هذا الجهل للجدلية ببرودون إلى النزعة الاصلاحية، وإلى إنكار العمل الثوري أي النضال الطبقي. ولهذا لا نعجب من كتابه للإمبراطور نابوليون الثالث (في رسالة 18 أيار 1850):
"دعوت إلى التوفيق بين الطبقات رمز التوفيق بين العقائد" أو أن يكتب في كراسة ملاحظاته عام1847:
"يجب أن أحاول التفاهم مع جريدة (Le Moniteur lndustriel) وهي صحيفة الأسياد، بينما تصبح جريدة "الشعب" صحيفة العمال: كما يصرح بعد انقلاب بادنجيه.
"لويس نابوليون هو، كعمّه، دكتاتور ثوري، مع هذا الفارق وهو أن القنصل الأول ختم الطور الأول للثورة، بينما يفتتح الرئيس الطور الثاني".
ويحاول الزعماء الاشتراكيون كبلوم (مؤلف على "المستوى الإنساني" وجول موش في "موازناته" التي تحدثنا عنها في درس سابق) أن يرقعوا مذهب برودون بحجة احترام "القوانين العامة للتوازن والاستقرار".
وبهذا يفسرون لنا استسلامهم أمام البرجوازية وتصرفهم على أنهم "المشرفون الأمناء على الرأسمالية" ويعني "نضالهم" المزعوم على "جبهتين" وتكوينهم "القوة الثالثة" في زعمهم، الاستسلام ووضع البروليتاريا تحت رحمة البرجوازية. ولهذا كانت الاشتراكية الديمقراطية تعني الانتهازية على طول الخط، فوجب على البروليتاريا محاربتها بدون هوادة إذا أرادت قهر عدوها الطبقي.
واشتراكية ماركس وانجلز ولينين وستالين العلمية هي وحدها الاشتراكية الثورية لأنها تقدم نضال الاضداد على كل شيء، وذلك لأنه قانون أساسي للواقع. ولهذا تحارب بدون شفقة "نقيض" البروليتاريا الثورية الا وهي البرجوازية الرجعية كما تحارب زعماء الاشتراكية الديمقراطية الذين يحاولون اخفاء التناقضات ليقضوا على البروليتاريا وهي في خضم المعركة.
ومثال المناضل الجدلي الذي يعرف أفضيلة نضال الأضداد المجددة هو، في فرنسا، موريس توريز. فلقد كتب في "ابن الشعب" يذكر فترة تعليمه كزعيم ثوري، يقول: "استقر في ذهني فكرة رئيسية لماركس وهي أن الحركة الجدلية تدفع بالثورة ونقيضها في نضال مستمر، فتجعل الثورة نقيضها يستميت في محاربتها، كما أن نقيض الثورة يدفع بالثورة إلى التقدم ويضطرها إلى تأليف حزب ثوري لها".
ولا تعيننا الجدلية فقط على فهم التناقض الرئيسي الذي يكونه النضال الطبقي (نضال البروليتاريا ضد البرجوازية)، ذلك النضال الذي سيولد الاشتراكية، بل هي تمد البروليتاريا بالوسيلة التي تمكنها من التعرف على القوى الهائلة التي يمكنها الاستعانة بها في محاربة البرجوازية. ذلك لأن ازدياد سياسة البرجوازية الرجعية يثير معارضة طبقة الفلاحين الكادحة والطبقات الوسطى والمثقفين الخ..
كل هذه التناقضات تكشف عنها الجدلية على يد موريس توريز الماهرة وهو صاحب نظرية الجبهة الشعبية لمقاومة البرجوازية الرجعية والجبهة القديمة لاستغلال البلاد.
ولا تبدو جميع التناقضات لأول وهلة. ولهذا يتخطى الجدلي الظاهر إلى الحقيقة ولا يستسلم لللجوج الذي يعيق الحركة وهو يريد زيادة سرعتها. كذاك المستخدم الصغير الذي يعطي صوته لحزب ديغول (.F.R.P) ويقرأ جريدة "الفجر"، ويقتات من الشيوعية". هل هو رجعي؟ يعني مثل هذا القول أننا لا نسبر غور الحقيقة، لأنه إذا كان هذا المستخدم يصوت مع حزب ديغول ويقرأ "الفجر" فذلك لأنه غير راض ويعتقد أنه يجد في حزب ديغول و "الفجر" حلفاء له. يعكس مسلكه اذن بصورة ذاتية التناقضات الموضوعية التي ذهب ضحيتها. ويهتم المناضل الذي يسيطر على النظرية بأن يساعد هذا البرجوازي الصغير المستاء على النظر الصحيح في نفسه، وعلى إدراك التناقضات الموضوعية الكافية في الرأسمالية والتي ذهب ضحيتها فيدرك، حينئذ، أن حل هذه التناقضات لا يمكن أن يأتي الا بواسطة النضال الذي تقوم به البروليتاريا بالتحالف مع جميع العمال، وليس بواسطة حزب ديغول وجريدة "الفجر" اللذين يستميتان في الدفاع عن حرية كبار الرأسماليين بأسم "حرية الصغار".

ملاحظة
لا صلة للبحث عن التناقضات باختلاط الأفكار. إذ لا يجب أن نخلط بين كل شيء بحجة البحث عن وحدة الاضداد. ولهذا فالفكر الذي يناقض نفسه ليس فكرا جدليا. لماذا؟ لأن الفكر الجدلي يدرك التناقض، أما الفكر الذي يناقض نفسه فانه يذهب ضحية هذا التناقض لأنه فكر مشوش.
مثال: ردد بعض الرؤساء البرجوازيين والاشتراكيين الديمقراطيين خلال سنوات القول: "نرغب في المقاومة في الفيتنام وإقرار السلام، ولكننا لا نرغب في مفاوضة "هو شي منه" وهذا تفكير مناقض للجدلية لأنه يدير ظهره للواقع. وذلك لأن إقرار السلم يعني المفاوضة مع العدو، وعدو البرجوازية الاستعمارية في الفيتنام هو "هو شي منه" وليس غيره.
هذا التفكير إذن خاطيء. وإذا بحثنا عن سبب ذلك لوجدنا أن هذا التفكير خاطىء لأنه يكشف عن تناقض موضوعي يذهب ضحيته من يتحدثون على هذه الوتيرة: وهو التناقض بين مصالح المستعمرين، الذين يرغبون في استمرار الحرب، وبين مصالح الشعب الذي يريد السلم (وهذا ما يدفع الاستعماريين إلى الحديث عن السلم)
يمكن لتفكير خاطىء مشوش أن يعبر، إذن، عن واقع موضوعي جدلي. وهكذا ينتقل التحليل الجدلي من التفكير الخاطىء إلى الواقع الذي يخفيه أو يجهله.



القسم الثاني
دراسة المادية
الفلسفية الماركسية
الدّرس الثامِن

مَا هي النظرة الماديَّة للعَالم؟


1 – معنيا كلمة "المادية"
2 – المادة والروح
3 – مشكلة الفلسفة الأساسية
4 – معنيا كلمة "المثالية"
5 – تتعارض "المادية" مع "المثالية" في التطبيق وفي النظرية
6 – تمتاز المادية الفلسفية الماركسية بثلاث ميزات أساسية


ليس للجدلية التي درسناها آنفا من معنى إذا ما فصلناها عن عالم الواقع ـ الطبيعة والمجتمع ـ كما دل على ذلك جميع الأمثلة التي استشهدنا بها.
ولقد قلنا، منذ الدرس الأول لنا عن الجدلية، أن الجدلية كامنة في الواقع نفسه، وأن ليس الفكر هو الذي يأتي بها. فإذا كان التفكير الإنساني جدليا فذلك لأن الواقع جدلي قبل هذا التفكير.
فالجدلية إذن هي جدلية العالم الواقعي، فإذا ما كان المنهج جدليا، في النظرية الماركسية ـ اللينينية فأن النظرة إلى العالم مادية. وسنحاول أن نعرض هذه "النظرة إلى العالم" فيما يلي:
1 – مَعنَيا كَلمة "الماديَة"
يجب علينا، قبل كل شيء، أن نتجنب الوقوع في خلط كبير، وهو القول بأن الفلسفة الماركسية هي فلسفة مادية. وقد عاد ذلك عليها، منذ ظهورها، بهجوم اعدائها واعداء الماركسية عليها. ولقد لقيت المادية نفس الهجوم منذ القدم عامة. ويقوم هذا الهجوم على تشويه معنى كلمة "المادية" فيختفي معناها الفلسفي الصحيح ليضفي عليها معنى " اخلاقيا" للطعن فيها.
وهكذا تصبح "المادية" هي "اللا أخلاقية" والرغبة الجامحة في المتع واقتصار الإنسان على حاجاته المادية فقط. وليس هذا الطعن جديدا. فلقد استخدمته سابقا، الكنيسة ضد مدرسة ابيقور الفلسفية التي كانت تقول بحق الإنسان في السعادة، وضرورة اشباع الحاجات الأساسية في الطبيعة الإنسانية لتتحقق هذه السعادة.
ولقد شوه رجال الاكليروس والجامعيون، عن عمد، الفلسفة الابيقورية خلال قرون عديدة، وقالوا بأن الماديين هم "أصحاب اللذة" عند ابيقور.
ولو أردنا، في الحقيقة، أن نقتصر على هذا المعنى للمادية لاستطعنا تطبيقه على البرجوازية نفسها وعلى الطبقة المستغِلة، التي تقيم رفاهيتها ومتعتها على شقاء المستغَلين، وليس على طبقة البروليتاريا الثورية.
ولقد رد انجلز على ذلك ردا مفحما في قوله:
"الواقع أننا نتساهل هنا تساهلا لا يغفر نحو الرأي المعادي لكلمة "المادية" الذي صدر في الأصل عن الكهنة. وتعنى كلمة "المادية" عند أصحاب هذا الرأي الانغماس في الملذات الحسية، والتمتع بحياة البذخ والشراهية والبخل، والبحث عن الفائدة، والمضاربة في البورصة، أي جميع العيوب التي ينغمسون هم فيها في الخفاء.
أما المعنى الصحيح لكلمة "المادية" فهو المعنى الفلسفي. وتعنى "المادية" بهذا المعنى نظرة للعالم، أي طريقة في فهم ظواهر الطبيعة وتأويلها اعتمادا على مبادىء محددة، وكذلك فيما يتعلق بالحياة الاجتماعية. تصح "هذه النظرة للعالم" في جميع الظروف فهي أساس عدد من العلوم. وهي بهذا تكون تفسيرا عاما للعالم يجعل للأعمال العالمية أساسا متينا ولهذا فهي تكون نظرية. وموضوع هذا الدرس هو تحديد أساس النظرية المادية.

2 – المادة والروح
يجب علينا، قبل كل شيء، أن نحدد معنى كلمة "المادة" التي اشتقت منها كلمة "المادية".
يحوي العالم، أي الطبيعة والمجتمع، على عدد هائل متنوع من الظواهر ذات الجوانب المتعددة، ومن بين جميع التمييزات التي يمكن أن نقيمها بين مختلف جوانب الظواهر، تميز أهم منها جميعا، يمكن ادراكه بدون دراسات علمية سابقة.
يعلم كل منا أنه يوجد في الواقع أشياء يمكننا رؤيتها أو لمسها أو قياسها وتسمى بالأشياء المادية. وهناك، من جهة ثانية، أشياء لا يمكننا رؤيتها أو لمسها أو قياسها، ولكنها موجودة مع ذلك كأفكارنا، وعواطفنا، ورغباتنا، وذكرياتنا والخ.. ولكي نعبر عن كونها ليست مادية نقول بأنها فكرية. وهكذا نقسم الموجودات إلى نوعين: المادية والفكرية. ونستطيع القول، أيضا، بصورة أكثر جدلية، أن للواقع جانبا ماديا وجانبا فكريا.
ويدرك كل منا الفرق بين فكرة النحات عن التمثال الذي سينحته والتمثال بعد الانتهاء من نحته. ويدرك كل منا أيضا، أن شخصا آخر لا يمكن أن يكون فكرة عن التمثال الا بعد أن يراها بعينيه. ويمكن، مع ذلك، نقل الأفكار، بواسطة اللغة. فيستطيع هذا الشخص أن يكوِّن فكرة عن التمثال إذا شرح له النحات التمثال الذي سينحته كأن يكون تمثالا لهنري مارتين، وهكذا يقوم إلى جانب العالم المادي عالم فكري يمثل لنا ذلك العالم المادي ولهذا نسميه "تمثيلا له".
كذلك لا يجب أن نخلط، في ميدان الحياة الاجتماعية، بين الجانب المادي والجانب الفكري. ولهذا فأن طريقة الإنتاج الاشتراكية التي تقوم على امتلاك وسائل الإنتاج حقيقة واقعة في الاتحاد السوفياتي، ومع ذلك فليست فكرة العامل، الذي خدعه زعماء الاشتراكية الفرنسية، عنها كفكرة المناضل الشيوعي الذي يعرف المبدأ الذي تعتمد عليه.
نجد هنا، أيضا، الواقع من ناحية وتصوراتنا لهذا الواقع من ناحية ثانية.
ولم يخف هذا التمييز الأساسي على أي واحد من الناس الذين حاولوا، في مرحلة من مراحل تطور المجتمعات، أن يرسموا لوحة منسجمة عن الكون، وذلك قبل ميلاد العلوم الحقة وبقواهم الخاصة.
ولهذا أفضى بهم الأمر إلى وضع مبدأ "الروح" إلى جانب مبدأ "المادة". وكانت هذه الكلمة تعني، عامة، جميع الأشياء غير المادية، أي ما عدا ظواهر تفكيرنا وما يبدعه خيالنا من كائنات كتلك التي تحفل بها الأحلام. وهكذا نشأ الاعتقاد بوجود الأرواح، ووجود عالم تعيش فيه هذه الأرواح، وأخيرا فكرة وجود روح أعلى تسميه الأديان بالاله.
ندرك إذن أن التمييز بين المادة والروح له أهمية كبرى. ويجب علينا أن نفهم تحديد هذا التمييز في جميع صوره وأشكاله. نجد ذلك مثلا في التمييز بين النفس والجسد في الأديان. ونجد في بعض الأحيان بدلا من الحديث عن "المادة" و "الروح" الحديث عن "الكينونة" l,etre و "الفكر" le peusee أو نجد معارضه "الطبيعة" "بالوعي". وهذا هو نفس التمييز.


3 – مُشكلَة الفَلسَفَة الأسَاسِيَّة
لا يزال للتحليل السابق قيمته بالرغم من تقدم العلوم الحديثة. بل أن التمييز بين الطابع المادي والطابع الفكري للواقع ضروري لتكوين ثقافة العالم الفلسفية. إذ يجب عليه أن يعرف كيف يميز بين المادة والفكرة التي كونها عن هذه المادة، كما أنه يجب على المناضل أن يميز بين رغباته وما هو ممكن حقا.
ولم يدرك الفلاسفة أنفسهم، في أول الأمر، أن هذين المبدأين الأساسيين هما الفكرتان العامتان في الفلسفة. ثم أدركوا ذلك شيئا فشيئا خلال تطور المعارف الإنسانية، ويرجع الفضل في ذلك للفيلسوف الفرنسي الكبير ديكارت (1596 – 1650). ومع ذلك، لا يزال هناك في أيامنا هذه، أكثر من فيلسوف من فلاسفة الجامعة البرجوازية، لا يمكنه إدراك هذا التمييز الأساسي في عظمته وبساطته وما يؤدي إليه من نتائج. فهو بهذا أقل من العامل المناضل الذي تثقف في مدرسة الماركسية.
حتى إذا ما رأينا بوضوح أن العالم في مجموعة يفسَّر بمبدأين فقط الفينا أنفسنا لا محالة أمام مشكلة الفلسفة الأساسية. يمكن القول إذن أن معظم فلاسفة الجامعة البرجوازية لم يطرقوا بوضوح مشكلة الفلسفة الأساسية. وهم يأبون التصدي لهذه المشكلة ويحرمون سؤالهم عنها. ويجب علينا، مع ذلك، أن نلاحظ أن تاريخ الفلسفة بأجمعه ليس سوى نقاش طويل حول هذه المشكلة الأساسية التي تعود، بالرغم من تعدد صورها وأشكالها، إلى ما يلي: وهو أنه إذا كان هناك حقا مبدآن فقط لتفسير العالم فأي هذين المبدأين يفسر الآخر؟ وأيهما أساسي أكثر من الآخر؟ أيهما الأصل وأيهما الفرع؟ أيهما خالد لا حد له يتفرع عنه الآخر؟
تلك هي مشكلة الفلسفة الأساسية؟
لا تتطلب مثل تلك المشكلة سوى جوابين ممكنين:
أما أن تكون المادة (الكون والطبيعة) خالدة، لا حد لها، أولية يتفرع عنها الروح (الفكر، الوعي). وأما أن تكون الروح (الفكر والوعي)، خالدة لا حد، لها أولية تتفرع عنها المادة (الكون والطبيعة).
ويكون الجواب الأول أساس المادة الفلسفية، وأما الجواب الثاني فأنا نلقاه في جميع المذاهب التي تتفرع عن المثالية الفلسفية.
هذان الموقفان الفلسفيان يعارض كل منهما الآخر على طول الخط.

4 – مَعنَيا كلِمَة "المثَاليَّة"
يجب علينا، قبل أن نستطرد في البحث، أن نحذر الوقوع في الشرك الذي ينصبه لنا أعداء المادية الذين يستبدلون بمعنى كلمة "المثالية" الفلسفي معنى "أخلاقيا".
فالمثل الأعلى، بالمعنى الأخلاقي، هو هدف أسمى نبيل كريم، على عكس الأهداف الأنانية الضيقة المنحطة، الخ.. وتستعمل كلمة "المثالي" خطأ في بعض الأحيان للدلالة على الرجل الذي يكرس نفسه لخدمة قضية ويضحي في سبيل فكرة ممكنة التحقيق أو غير ممكنة. ويريد أعداء المادية أن يقنعوا الناس بأنهم يستطيعون، لوحدهم، التكرس لفكرة والدفاع عن مثل أعلى لأنهم يفسرون العالم بوجود مبدأ سابق على المادة. فيا لها من سفسطائية رائعة!
والحقيقة غير هذا. وذلك لأن المثالية الفلسفية أبعد من أن تستطيع بعث الشهداء، بل هي تستخدم لتغطية أشد الأفعال أجراما. ولهذا شاعت على لسان الخائن بيتان، كما شاعت على ألسنة مجرمي اورادور الذين كانوا يدعون محاربة "البربرية البلشفية"، النميمة القائلة بأن انتصار طبقة العمال الثورية هو انتصار "لروح المتعة" على "روح التضحية".
أما الماديون، فهم لا ينكرون، كما قلنا، وجود الأفكار. وسوف نرى الدور الكبير الذي تقوم به هذه الأفكار في رأيهم. ومن الواضح أنه يوجد مثل أعلى للعمال. ومثل العمال الثوريين الأعلى ـ وهو أجمل مثل سعى لتحقيقه البشر ـ هو الشيوعية وتحرير الناس وتفتحهم. هذا المثل الأعلى، وهو أسمى مثل وأصعبه، هو أشد المثل العليا نزاهة وتحررا لأن الأمل في "الخلاص" الشخصي عن طريق الآخرة لا وجود له فيه.
لا يعني ذلك أن هؤلاء الثوريين "مثاليون" أو أنهم "مسيحيون على غير علم منهم" كما يقول الذين يرون المثالية في كل من سما بنظره وراء أفق الواقع الرأسمالي الكريه. كما لا يعني ذلك أننا أمام حلم نتحدث عنه دائماً دون العمل على تحقيقه. وأخيراً لا يعني ذلك أننا أمام تعَّله (alibi) كما يفعل ترومان وايزنهور حين يتعللان بالله والمدنية المسيحية لتبرير المزاجر الرأسمالية في كوريا. إذ أن للعمال الثوريين مثلا أعلى يريدون العمل لتحقيقه. ويعتمد هذا التحقيق على نظرة مادية للعالم تبتعد به عن النظريات الخالية وعن النفاق.
ولقد ندد انجلز نهائيا بالبرجوازية "المثالية"، التي تعتبر الحديث عن المثل الأعلى تغطية لاستغلالها لطبقة العمال، في قوله: "يعني البرجوازية بالمثالية الايمان بالفضيلة وبالإنسانية وبوجود "عالم أفضل" عامة يلوح به أمام الآخرين، ولا يؤمن هو به الا ليعينه على اجتياز فترة الأزمة التي تتبع حتما مغالاته المادية المعتادة فإذا به يردد نغمته المفضلة "ما الإنسان؟ أن هو الا نصف حيوان ونصف ملاك!".

5 – تتعَارض "المَادية" مَع "المثاليَة" في التَطبيق وَفي النَظريَّة
نستطيع الآن العودة إلى الجوابين اللذين يُذكران عادة للرد على السؤال الرئيسي في الفلسفة. ويتضح أن هذين الجوابين ينفي كل منهما الآخر بصورة مطلقة وأنه لا يمكن الا أن يكون واحد منهما صحيحا. فلماذا لم يعرف الناس، لأول وهلة الجواب الصحيح؟ سوف نرى سبب ذلك فيما بعد، عند حديثنا عن أصول النزعة المثالية.
يكفينا أن نلاحظ الآن أنه، لما كانت النزعة المثالية والنزعة المادية تنفي كل منهما الأخرى، فلا يمكن أن يكون هناك سوى جواب واحد صحيح، فأننا أمام تناقض. وهكذا فأن النزعة المثالية والنزعة المادية تكوِّنان وحدة لا يمكن فصل احداهما عن الأخرى، كما لا يمكن فصل الضد عن ضده. فكل تقدم تحرزه أحداهما هو تأخر بالنسبة للاخري. وهكذا فان تقدم النزعة المادية أنما هو ضربة تنزل بالنزعة المثالية. كما أن كل تأخر يصيب النزعة المادية انما هو تقدم للنزعة المثالية. تعني وحدة الضدين هذه أن النضال بين النزعة المثالية والنزعة المادية لا مفر منه وأنه لا يمكن التوفيق بينهما: (راجع الدرس الخامس، 3، والدرس السابع، الخلاصة العامة).
وهذا مهم لأن بعض الفلاسفة المثاليين يحاولون تشويه الماركسية فيدعون أن المادية الجدلية عبارة عن مركّب (synthese) يتخطى التناقض بين المادية والمثالية. ولا يمكن لمثل هذا "المركب" في الحقيقة الا أن يكون ستارا تختفي وراءه المثالية.
صحيح أن ماركس كتب يقول بأن المادية الجدلية ستقضي على التعارض القديم بين المادية والمثالية. وهو يعني بذلك أن المادية الجدلية تسمح بفض النقاش الذي استمر آلاف السنين؛ وذلك بانتصار المادية التي اكتمل نموها وجعلت المثالية تنهزم أمامها انهزاما لا مرد له. يمكن حل التناقض إذن بالنضال ضد المثالية . وليس بمحاولة التوفيق بينها وبين المادية كما رأينا ذلك في دراستنا للجدلية. ولهذا النضال النظري أهمية عملية كبرى. وذلك لأن هاتين النظرتين المتعارضتين للعالم تسيطران على مواقف عملية متعارضة.
يمكن تجنب الصاعقة بواسطة طريقتين: اما باستخدام القضيب المضاد لها أو بإشعال شمعة والتوسل إلى السماء. وتعتمد الطريقة الأولى على الفكرة القائلة بأن الصاعقة ظاهرة مادية لها أسبابها المادية المعينة ويمكن تفادي نتائجها بواسطة الوسائل التي تمدنا بها المعرفة العلمية وآلاتها وأما الطريقة الثانية فهي تعتمد على الفكرة القائلة بأن الصاعقة هي قبل كل شيء، مظهر من مظاهر غضب الله وقوته، لها أسبابها الخارقة ولهذا يمكن تفاديها بوسائل سحرية خارقة كالشمعة أو الصلاة، عن طريق تأثير الروح الإنساني في الروح الإلهي، وهكذا، تؤدي طريقة تصور أسباب الظواهر إلى طريقة تصور الوسائل العملية المختلفة وهي وسائل مادية في الحالة الأولى، روحية في الحالة الثانية، وكذلك تصور النتائج العملية المختلفة.
ولهذا التعارض النظري نتائج أخرى عملية إذ ليس من الصعب أن ندرك أنه كلما انتشر استعمال القضيب المضاد للصاعقة كلما قل إشعال الشموع وترتيل الصلوات. ولهذا كانت الكنيسة، التي رأت زوال نفوذها، غير راضية عن تقدم العلوم وزوال سرعة التصديق الساذج.
ولا يقل التعارض أيضا فيما يتعلق بظواهر الحياة الاجتماعية. فلقد خلَّف لنا رابليه وصفاً رائعاً لهذين الموقفين، في الفصل الذي عقده حول الحرب البكرو كولية (La guerre Picrocholine) إذ كان معظم الرهبان يغلقون على أنفسهم باب الكنيسة إذ ما هاجم بكرو كول picrocole الدير لنهبه متضرعين إلى الله أن يغفر له. ولم يشذ عن ذلك سوى الراهب حناJean Des Entommeunes الذي كان يتسلح بعصا غليظة صلبة يضرب بها ضربات قوية يفر على صوتها أصحاب بكرو كول بعد اجتياحهم لبساتين الدير. وهذا دليل على أن الهجوم أفضل من الصلاة للتخلص من المعتدي.
ولهذا شارك عدد من الكاثوليك، أثناء المقاومة الوطنية للمعتدي النازي في مختلف صور النضال ضد المحتل. ويلاحظ عادة أن أصحاب الفلسفات المثالية يتصرفون في الحياة تصرف الماديين.ويوضح لنا هذا أخطار النزعة المثالية العلمية، ذلك لأن نزعة الرهبان، كما صورهم رابلية، تؤدي في الحياة العملية إلى ترك الحقل بين يدي المعتدي. وكذلك كانت نزعة السلميين المثالية، الذين كانوا يأبون العمل ضد الحرب ويتظاهرون بإيمانهم في "حسن نية" الاستعماريين عامة، أمثال هتلر خاصة، أقوال كانت نزعة هؤلاء تساعد النازيين وتؤكد القول المشين: "العبودية أفضل من الموت".
وكذلك تبعد اليوم النظرية المثالية، القائلة بأن الحرب مقدرة وأنه يجب الرضوخ لها كعقاب الهي عن خطايا الأنانية، عددا كبيراً من الكاثوليك عن ساحة النضال من أجل السلام.
ولما كانت النزعة المثالية تؤدي، كما رأينا، لمواقف عملية تساعد أنصار الحرب والطبقات المستغِلة عامة (حسب الفكرة المثالية القديمة القائلة بعدم مقاومة الشرير) فأننا ندرك بسهولة كيف أن الطبقات المستغِلة قد اتخذت، عبر التاريخ، جميع الوسائل لتشجيع النزعة المثالية بين الجماهير، والعمل على تنميتها والدفاع عنها. ولا نزال نذكر كيف هرع حفار القبور بول رينو إلى كنيسة نوتردام يجأر بالدعاء لحماية فرنسا.
ولهذا يهم الطبقات المستغِلة، للمحافظة على الأوضاع الراهنة التي تستفيد منها، تعليم الناس بأن هذه الأوضاع تجسد "ارادة سامية" أنها تمثل "العقل الكلي" الخ.. ولهذا كان من مصلحتهم نشر النزعة المثالية التي تلقن الجماهير الخضوع والاستسلام.
نرى إذن الأهمية الكبرى العملية لإدراك النظريات المثالية ودراسة النزعة المادية الفلسفية.

6 – تمتَاز المَادَية الفَلسَفِيَّة الماركسِيَّة بثَلاث ميزات أسَاسِيَّة
وجدت النزعة المادية، كنظرة للعالم، قبل وجود النزعة الماركسية. وسوف نرى أن النزعة المادية أنما تقوم على اعتبار العالم "كما هو" دون أن تضيف إليه أي عنصر غريب عنه. ولقد اضطر الإنسان إلى الأخذ بهذه الطريقة في النظر للعالم منذ أمد بعيد وفي كل مرة كان يضطره فيها أشباع حاجاته للسيطرة على الطبيعة بالوسائل التقنية الفعالة. ولهذا شجعت الطبقات الصاعدة، عبر التاريخ، التفكير المادي، وذلك لأن مستقبلها كان يعتمد على تقدم الوسائل العملية وازدهار العلم؛ كما أن هذه الطبقات كانت تحارب الفكرة القائلة بأن النظام القديم للأشياء، الذي كانت تسعى لإزالته، انما هو تجسيد لإرادة العناية الألهية. وكانت هذه الطبقات تعتقد أنه لما كان باستطاعة الإنسان أن يحول المادة والطبيعة بعمله فهو يستطيع أيضا أن يحسن مصيره بعمله أيضا.
ولا نستطيع هنا دراسة تاريخ النزعة المادية؛ فلقد كانت أهم عصور الفلسفة المادية هي العصور القديمة اليونانية، حين سيطرت طبقات التجار، التي كانت آنذاك أكثر الطبقات تقدما؛ وكذلك القرن الثامن عشر في فرنسا، حيث وجدت طبقة البرجوازية الثورية؛ وأخيرا العصر الحاضر الذي يمتد من أواسط القرن التاسع عشر. فظهرت طبقة البروليتاريا الثورية ولا سيما في البلاد التي استولت فيها هذه البروليتاريا على الحكم اعني في الاتحاد السوفياتي.
ولسوف ندرس بالتفصيل النزعة المادية الفلسفية الماركسية التي تمثل النزعة المادية في العصر الأخير، وقد بلغت الذروة. كما سنرى في دروس أخرى كيف أن الفلسفة المادية اتخذت طابعها النهائي في مؤلفات ماركس وانجلز العبقرية اللذين وضعا أسسها حوالي أواسط القرن التاسع عشر.
وسنرى أيضا أن النزعة المادية السابقة على الماركسية لم تكن جدلية بصورة مذهبية منطقية، ولهذا لم يكن باستطاعتها أن تصور الواقع بكل خواصه، كما لم يكن باستطاعتها أن تكوِّن نظرة نهائية للعالم.
لهذا يجب التمييز بين النزعة المادية الفلسفية الماركسية وبين جميع المذاهب المادية السابقة عليها. وسوف ندرك في الدروس التالية صفات هذه الفلسفة الأساسية. وهي ثلاث صفات تتعارض مع صور النزعة المثالية الفلسفية الرئيسية.
1 – العالم مادي بطبيعته.
2 – المادة هي المعطى الأول والوعي هو معطى ثانوي مشتق منها.
3 – يمكن معرفة العالم وقوانينه معرفة تامة.
حتى إذا ما أخذنا بدراسة كل من هذه الصفات وصلنا بين دراسة النزعة المادية وبين النضال ضد النزعة المثالية، ثم وضحنا القول في نتائج النزعة المادية في ميدان الحياة الاجتماعية.
***
الدّرسُ التاسع

ميزة النّزعة المادّية الماركسيَّة الأولى
مَادّية العَالم



1 – الموقف المثالي
2 – النظرة الماركسية
3 – المادة والحركة
4 – الضرورة الطبيعية
5 – الماركسية والدين
6 – الخلاصة

1 – المَوقِفُ المِثالي
تقوم أقدم صورة للنزعة المثالية على شرح الظواهر الطبيعية بواسطة فعل قوى غير مادية، واعتبار الطبيعة مزودة "بأرواح" تسيرها.
ويبدو أنه ليس من الصعب محاربة هذه الصورة من النزعة المثالية. فلقد أدى تقدم الإنتاج والوسائل التقنية وتقدم العلم إلى القضاء على هذه الشروح بالتدريج. فإذا بالشعوب المتقدمة تقضي، منذ أمد بعيد، على جنيات النار والماء والهواء، وعلى القوى الغريبة التي يسيطر عليها السحر فتمسي قصص الجنيات حكايات تردد على مسامع الأطفال.
وهكذا وّلى عهد الاعتقاد بوجود "الأرواح" أو "النفوس" ولم نعد نقول بأن "الطبيعة تكره الفراغ" كلما صعد الزئبق في ميزان الطقس (البارومتر) كما لم نعد نقول بأن الأفيون ينوم لأن يملك "فضيلة التنويم" لأن الأطفال وحدهم هم الذين يثورون على الأشياء التي آذتهم كما لو كانت هذه الأشياء تملك ارادة شريرة تدفعها للأذى فإذا بهم أشبه بأولئك الذين يتملكهم الغيظ ضد "الحظ السيء" أو يستخدمون جوالب الحظوظ.
لقد أزال نيوتن من أرجاء الفضاء الملاك الحارس الذي كانت العناية الألهية قد أقامته على كل كوكب ليسيره في فلكه. كما قضى الفلاسفة الديكاريتون، من جانبهم، على الزعم القائل بأن للحيوانات "نفسا" فتساءل ديدرو ساخرا عما إذا كان العضو المبتور من الحيوان لا يزال مركز الحركات العضلية، لأنه يجب أن نتصور وجود "قطعة من النفس" في ذلك العضو لتفسير حركته.
ومع ذلك فانه إذا كانت الفكرة، القائلة بأن كل ظاهرة في الطبيعة تتطلب فعل روح خاص، غريبة عنا اليوم، فأن الفكرة القائلة بأن العالم في مجمله بحاجة، كي يوجد، لروح أسمى شامل لا تزال حتى اليوم حية في الأديان الموحدة.
يعترف التوحيد المسيحي مثلا بوجود الواقع المادي في العالم، ولكن هذا الواقع المادي حقيقة ثانوية مخلوقة. أما الكون الحقيقي والواقع النهائي العميق فهو الروح، والله روح صرف شامل. وهاك مثالا لما يسمى بالمثالية الموضوعية.
اتخذت هذه النظرة الفلسفية عدة صور وأشكال. إذ ليس الواقع المادي، في نظر أفلاطون، سوى انعكاس للعالم المثالي، عالم الأفكار، حيث يحلق الفكر الصرف الذي لا يحتاج للعالم المادي في وجوده. ولم يكن العالم في نظر السوفسطائيين سوى كائن حي هائل، تحييه نار الهية داخلية، أما هيجل فهو يعتقد أن الطبيعة وتطور المجتمعات الإنسانية ليس سوى الغلاف الخارجي والمظهر المرئي وتجسد الفكر المطلق الشامل الذي يوجد نفسه.
وهكذا نرى أن العالم في نظر جميع هذه الفلسفات مادي في ظاهره، أما سبب وجوده الحقيقي فهو في وجود الروح. وهذا الروح مستقل عن وعينا الإنساني الفردي ولهذا ضُمت هذه الفلسفات إلى النزعة المثالية الموضوعية.
ويمكن أن نشير أيضا إلى أن النزعة المثالية الموضوعية تؤدي غالبا، فيما يتعلق بالإنسان، إلى التمييز بين النفس والجسد فتصل النفس بالعالم الروحي وتصل الجسد بالعالم المادي. تلك هي حال النزعة المثالية المسيحية. وكذلك تسمى النظرية التي تجعل الإنسان مرتبطا بمبدأين النزعة الثنائية (dualisme). وتقوم النزعة الثنائية، في العلوم الإنسانية، على النزعة المثالية.
أ) لأنها تفسر الكائن الطبيعي بوجود "نفس" في داخل هذا للكائن.
ب) لأنها تعلق وجود هذه "النفس" على وجود روح أعلى، لأنها لو علقت وجود هذه النفس على وجود مبدأ مادي لما كانت ثنائية بل موحدة.
وهكذا نرى أن النزعة الملحدة الساذجة تنتمي للنزعة الثنائية. فهي تنكر وجود الله ولكنها لا تعتمد على نظرية مادية علمية. بل تتحدث عن "الروح الإنساني" و "الوعي الإنساني" كما لو كان هذا الروح مبدأ مستقلا بذاته، فهي بذلك مدينة للنزعة المثالية، وتلك هي حال فلاسفتنا الجامعيين علمانيين كانوا أم روحيين. ولهذا لا تجزع الكنيسة كثيرا من هؤلاء الملحدين المثاليين: أمثال مين دوبيران(Main de Biran) في عهد نابوليون وبرجسون (Bergson) وفرويد (Freud) أو كامو (Camus) في عهد الاستعمار. لأنها تعرف وتقول بحق أن هؤلاء الفلاسفة ليسوا سوى نعاج ضالة، وكثيرا ما نرى هذه النعاج، تعود إلى الحظيرة، في نهاية المطاف.
إذا كانت النزعة الموضوعية، في بعض العصور، قد أدت إلى وجود فلسفات كبرى ذات نواة عقلانية (Rationnel) كالفلسفة الاستعمارية في عصرنا حين تشعر البرجوازية في رمقها الأخير أنها بحاجة لتضليل الجماهير وإبعادها عن التفسير المادي للعالم بجميع الطرق والوسائل فان النزعة المثالية تمسي نزعة غير عقلية.
يفسر فرويد، مثلا، الإنسان وظواهر الحياة الاجتماعية بوجود قوة غير مادية في الإنسان تظهر في نوازعه الخفية يسميها "اللاوعي". وهكذا يتيح فرويد فرصة نادرة للمشعوذين لاستغلال السذج من الناس. ذلك الآن "اللاوعي" هو آخر صورة للاعتقاد بوجود القوى اللامادية في العالم.
ويقضي برجسون من جهته على مادية العالم. ذلك لأن مادية العالم بالنسبة إليه أنما هي ثمرة فعل خلاق. وهي في جوهر حياة. فكل مادة هي ثمرة "دفعة حيوية" هائلة تدفع بالعالم. والحياة نفسها ما هي في نظر برجسون؟ هي "الوعي" والفكر والروح. فهو يقول: "الوعي عامة ملازم لوجود الروح الشامل".
الوعي هو مبدأ الحياة. وبدلا من أن تكون المادة هي الأساس الضروري لنمو الوعي، فأن الوعي، على العكس، هو الذي يفسر لنا نمو المادة حين يتجسد منها.
ذلك هو برجسون الفيلسوف "العبقري" المعاصر الذي جعلته البرجوازية المعاصرة من أعظم الفلاسفة، وتلك هي الفلسفة التي يدحض بها النزعة العلمية المغالية (Scientisme) محاولا التقليل من شأن العلم.
وتتابع النزعة المثالية هجومها في الميدان العلمي فإذا بنا نرى بعض العلماء المثاليين الأميركان يحاولون التدليل "علمياً" على خلق الكون، وعلى عمر الكون وعلى الزمن الذي استغرقه هذا الخلق، وأعادة بناء النظرية القديمة حول "موت العالم" الخ!
وإذا ما تنبهنا أخيرا إلى عودة "العلوم الغيبية" للظهور من جديد وتلك النزعة الروحانية (Spiritisme) التي شجعها برجسون وأنصار فرويد للحيلولة دون الجهلة والأغبياء والتفسير المادي للأمراض الاجتماعية التي يقاسونها، أدركنا بوضوح أهمية النظرية الماركسية حول مادية العالم.

2 – النَظْرَة الماركسِيَّة
تقوم النزعة المادية الفلسفية عند ماركس، على عكس النزعة المثالية التي تعتبر العالم "تجسيدا" "للفكرة المطلقة" و "الروح الشامل" و "الوعي"، على المبدأ القائل بأن العالم، بطبيعته، مادي، وأن مختلف ظواهر الكون أنما هي جوانب مختلفة للمادة في حركتها، وأن العلاقات والشروط بين الظواهر التي يكشف عنها المنهج الجدلي هي القوانيين الضرورية لنمو المادة المتحركة، وأن العالم ينمو حسب قوانين حركة المادة وهو ليس بحاجة لأي "روح شامل".
يشير ستالين هنا، في حديثه عن النزعة المثالية، إلى فلسفة هيجل الذي تحدثنا عنه آنفا. ذلك لأن فلسفة هيجل تمثل آخر فلسفة مثالية في تاريخ الفلسفة، وهي تمثل مختصرا منسجما لجميع الميزات التاريخية للنزعة المثالية الموضوعية، في ميدان الطبيعة والمجتمع.
ويلاحظ ستالين أن مختلف ظواهر الكون لا تحدث بفضل تدخل أرواح وقوى "لا مادية" بل هي جوانب مختلفة من المادة المتحركة.
ويشير ستالين كذلك إلى ضرورة طبيعية كامنة في المادة، وهي أساس قوانين الكون التي يقيمها المنهج الجدلي.
وأخيرا يشير ستالين إلى خلود العالم وخلود المادة المتحركة التي تتحول باستمرار.
3 – المَاديَّة وَالحَرَكَة
أن مسألة علاقات المادية بالحركة مسألة خطيرة في تحديد كل من النزعة المثالية والنزعة المادية.
ذلك لأن النزعة المثالية تعتقد أن الحركة والنشاط والقدرة الخلاقة أنما هي من ميزات الروح فقط. وهي ترى أن المادة عبارة عن كتلة جامدة سلبية لا صورة لها. وهي بحاجة لميسم الروح الذي يحييها كي تتخذ صورة معينة. وهكذا ترى النزعة المثالية أن المادة لا يمكن أن تنتج أي شيء بنفسها فإذا ما أخذت تتحرك فأن ذلك بفضل الله أو الروح.
ولهذا فأن فصل المادة عن الحركة طابع مميز للفكر الميتافيزيقي. كما أنه منهج ضروري في بداية العلوم كلما كانت المادة الثابتة أسهل في الدراسة من المادة المتحركة.
حتى إذا ما ازدهرت العلوم الحديثة ظلت الفكرة القائلة بأن الحركة قد وهبها الله للمادة عند الخليقة.
وهكذا تخيل نيوتن، وهو الذي طور علم حركة الأجسام السماوية، الكون على أنه ساعة ضخمة محكمة الصنع، ولكنها كانت بحاجة لهزة أولية سيرت آلاتها.
ذلك لأن أول علم أصاب حظاً من الكمال هو علم الميكانيكا أي علم تحركات الأجسام الصلبة في الفضاء، سواء كانت سماوية أم أرضية. ويمكن لأول وهلة أن نفترض في علم الميكانيكا أن كمية المادة في جسم من الأجسام تتحرك مستقلة عن السرعة التي يتحرك بها. ويبدو هذا تأكيدا للفكرة الميتافيزيقية القائلة بأن المادة والحركة حقيقتان متميزتان.
أما النزعة المادية فهي تقول، على العكس، بأن الحركة صفة أساسية للمادة و أن المادة هي حركة، وتخيل ديمقريط الذرات التي تكون العالم تدفعها حركة خالدة.
ولقد أثرت هذه الأفكار في عصر النهضة، وقام غاليلي، في مطلع القرن السابع، بدراسة سقوط الأجسام دراسة علمية، كما أدى تطور الرياضيات إلى التدليل، لأول مرة، على حركة الجسم الذي يهوي إلى الأرض بصورة مرضية. وهكذا أدى تقدم العلوم إلى تقدم النزعة المادية، وظهور الفلاسفة، ومنهم ديكارت، الذين قالوا بأن كل شيء في الطبيعة تفسره قوانين حركة الأجسام. فحل محل تأثير الفعل الإلهي حتمية صارمة.
يفسر لنا هذا النزعة المادية الفرنسية في القرن السابع عشر، وهي تمثل تقدما عظيما بالنسبة لمختلف صور النزعة المثالية الدينية. ومع ذلك فقد كانت هذه النزعة المادية ناقصة، ذلك لأن علم الميكانيكا، كما رأينا، كان يساعد آنذاك على افتراض أن الحركة قد جاءت إلى المادة "منذ بدء الخليقة" مما يترك المجال لعودة النزعة المثالية الدينية. ومع ذلك فقد دافع أقوى المفكرين، أمثال ديدرو، بنجاح عن الفكرة القائلة بأن الحركة صفة كامنة في المادة.
غير أنه يجب هنا أن نشير إلى واقع تاريخي وهو أن الناس لم يكونوا يعرفون سوى قوانين الحركة في المكان بصورة علمية. ولم تكن صور حركة المادة الأخرى قد كشفت عن قوانينها، ولم تكن علوم الكيمياء، والحرارة، والحياة قد ظهرت للوجود. ولهذا فسرت جميع الظواهر التي تدرسها هذه العلوم بواسطة أسباب ميكانيكية. فضل العلماء في جهلهم ميزة كل شكل من أشكال الحركة في المادة، ومن هنا نشأ اسم النزعة المادية الميكانيكية المغالية (Materialisme mecaniste) الذي أطلق على النزعة المادية في ذلك العصر. ويلاحظ انجلز أن ذلك يدل على ضيق أفق النزعة المادية السابقة على ماركس.
ولهذا لم تنجح هذه النزعة المادية في تفسير الأشكال العليا لحركة المادة، كالحياة والفكر.
فقد كان الديكارتيون، مثلا، يعتقدون أن الحيوانات لا روح لها، فهي أشبه بالآلات. فكان أن أخذ العلماء يحاولون صنع الإنسان الآلة (Robot) لتقليدها. غير أنه من الواضح أن الجسم الحي لا يشبه الآلة مهما كان نصيبها من الدقة والأحكام، وبالرغم من أن "بطة فوكانسون" الشهيرة (Canar de vaucanson) كانت تقوم بجميع وظائف الحياة فأنها كانت تهمل وظيفة التناسل.
وهكذا تشوه النزعة المادية الواقع. كما أنها تجعل من الإنسان ثمرة سلبية للطبيعة لا تأثير له في المادة ولا حول له ولا حرية.
وتعتمد النزعة المثالية في هجماتها في الواقع على النزعة المادية الآلية التي تتيح لها فرصة نادرة لمثل هذه الهجمات فتلح في القول على جوانب الواقع التي تشوهها النزعة المادية الآلية.
ومن هنا كان القول "عن النزعة المادية التي تجعل من الإنسان آلة وإنسانا آليا" حتى إذا ما أخذنا بدراسة صور الحركة المادية الأخرى كالحرارة والكهرباء والمغناطيس والعمليات الكيمائية والحياة لم تعترف النزعة المثالية بهزيمتها. فهي تعلن، معتمدة على القول بأن المادة جامدة، أن الله قد وهب المادة "قوى" كالقوة الكهربائية والقوة المغناطيسية والقوة الكيمائية والحياة والروح وأن المادة لا تستطيع خلق جميع هذه القوى. ذلك هو رأي الفيزيائي الإنجليزي جول (1818 ـ 1889).
ولقد استطاعت النزعة المادية الجدلية أن تفسير هذه الظواهر تفسيراً مرضياً فدلت على أن هذه الظواهر أنما هي صور لحركة المادة، وأن المادة لا تستطيع فقط إحداث الحركة بل تستطيع أيضا إحداث تغييرات نوعية، وأنها تملك ديناميكية داخلية نشيطة وقدرة على الخلق تعتمد على وجود التناقض داخل الأشياء ذاتها.
وصفنا هذه النظرة الجدلية لحركة المادة عند دراستنا للجدلية، ولقد أثبتت العلوم صحة هذه النظرة. ولهذا يؤكد ستالين في النص الذي ذكرناه آنفا أن مادية مختلف ظواهر الكون لا يمكن فهمها علمياً إلا إذا قامت قوانينها على نهجٍ جدلي، والا أتاح العلم الفرصة لكل تفسير مثالي.
والاكتشافات العلمية الكبرى التي أظهرت بوضوح جدلية الطبيعة وأتاحت تجاوز النزعة المادية الآلية وأقامة النزعة المادية الجدلية هي ثلاثة اكتشافات:
أ) اكتشاف تحول الطاقة الذي أوجد فكرة التغير النوعي وأظهر مختلف القوى الفيزيائية على أنها مظاهر لحركة المادة.
ب) اكتشاف الخلية الحية الذي كشف سر تكون الأجسام الحية وأتاح تصور الانتقال من الجسم الكيمائي إلى الجسم الحيوي، وإدراك نمو الكائنات الحية.
ج) اكتشاف تطور الأنواع الحية الذي قضى على الحاجز الميتافيزيقي بين مختلف الأنواع، بين الإنسان وسائر أنواع الطبيعة، وكذلك اكتشاف نظرية التطور عامة التي أظهرت الكون جميعاً، والمجتمع الإنساني، على أنه تطور تاريخي طبيعي، فإذا بالمادة تبدو وكأنها تصاعد في نمو تاريخي.
ومع ذلك كان لا بد من إنتهاج المنهج الجدلي بقوةٍ لإدراك أهمية هذا الاكتشاف وهذا ما فعله ماركس وانجلز.
وهكذا يبدو أن النزعة الجدلية هي الوحدة التي استطاعت أن تفسر الظواهر العليا كالحياة والفكر تفسيراً طبيعياً دون أن تنزع من هذه الظواهر أية ميزة خاصة أو تعتمد على مساعدة "مبدأ حيوي" أو "روحي" فما هي تفاصيل هذا التفسير؟ يجيب العلم على هذا السؤال، ذلك العلم الذي تنير طريقه النزعة المادية الجدلية، العلم الذي نادى به ميتشورين وليسكنوا وأولجا لبيشنسكايا وستشنوف وبافلوف وأمثالهم.
تؤمن النزعة المادية الجدلية بالعلم، بينما تسرع النزعة المثالية إلى إعلان عجزها كما لو أنها كانت تنتظر جوابا جاهزا. ولا يطلب جواباً مباشراً على المشاكل التي تقف في وجه العلم إلا الأغبياء. وليس لدى العلم جواب جاهز، وأما النزعة المثالية فلديها مثل هذا الجواب وهو القول بوجود "الروح". ولكن هذا القول ليس سوى كلمة تخفي الجهل وراءها. ولما كانت "الروح" لا تمتاز بأية صفة من الصفات المادية المعروفة فأنها تسمح "بتفسير" كل ما يتعلق بصفات المادة المجهولة. ولهذا يقول المثالي:
"أنسب كل ما اجهله إلى الروح".
يتصور المثالي، الذي يأخذ على النزعة المادية أنها لم تتطور منذ ألفي سنة(!) وأنها تردد دائما نفس الشيء، المادة بصورة جامدة لا تتغير. حتى إذا ما اكتشف العلم وجها جديدا لحركة المادة الشاملة وضاق مجال "التفسير" المثالي أسرع المثالي إلى القول بأن "المادة" قد زالت وتبخرت الخ. أما الذي تبخر حقيقة فهي الفكرة الضيقة الآلية الميتافيزيقية التي تصورها عن المادة ولا غير. إذ لا يجب أن نخلط بين الأفكار العلمية المثالية عن المادة التي تعبر عن حالة معلوماتنا في فترة معينة من الزمن وبين الفكرة الفلسفية عن المادة التي تقوم عليها الأبحاث العلمية.
قال انجلز: "يجب على النزعة المادية أن تتخذ طابعاً جديداً مع كل اكتشاف كبير جديد".
نخلص من ذلك إلى القول مع انجلز بأن "الحركة هي صورة الوجود للمادة" وأن منبع الحركة والديناميكية قائم في المادة نفسها.
ولهذا لا تعني النظرة المادية للطبيعة سوى فهم الطبيعة كما هي بدون أي عامل أجنبي.
4 – الضَرُورَةُ الطَبيعيَّة
يجب أن نوضح القول من جديد إذ أردنا أن ندرك تماما فكرة "الحركة الذاتية" للمادة. إذ أن هذه الحركة الذاتية تؤدي لظهور كائنات طبيعية لها صور معينة مما يتيح الفرصة لهجوم جديد تشنه النزعة المثالية.
كيف نفسر مثلا أن قطع الثلج تتبلور دائما بصورة هندسية معينة؟ وكيف أن بيضة الدجاجة تفقس صوصاً وبيضة الطير تفقس طيراً صغيراً بينما هذان الحيوانان لا يوجدان في البيضتين؟ لأن هاتين البيضتين لا تختلفان في المادة وإنما في الصورة فقط. نرى أن هذا السؤال عام يمكن إثارته في جميع أجزاء العلوم "الوصفية" لأنها تدرس الصورة والأشكال، الأشكال الجغرافية والأشكال المتبلورة والصور النباتية والحيوانية والنحوية ولا تهمل ضروب الحركة والسلوك التي تسمى "بالغرائز" في الحيوانات.
ترد النزعة المثالية على ذلك بقولها أن صورة الشيء الطبيعي تتحقق بواسطة المادة، ولكنها موجودة قبل هذا "التحقق"، وأن الصورة هي التي تقرر نمو الكائن الطبيعي، فهي تكون "مصيره" وإذا بالطبيعة تخضع "لمخطط" سابق عليها.
وكذلك "يُوجه" التطور مسبقاً، فهو لا يتقرر بواسطة ظروف حياة الأجسام الحالية بل بواسطة "هدف" تسعى للوصول إليه، فإذا "بالغريزة" عبارة عن مظهر "لقصد" ((lntention الحيوانات الأعمى. وهكذا تكشف الطبيعة عن وجود "عقل" في داخلها. ولكن أين يمكن أن توجد "الصورة" و "المخطط" و "الهدف" و "العقل" إذا كانت سابقة على نمو المادة الناقص؟ لا يمكن أن توجد الا داخل "عقل" سام يتصورها. هذه العقيدة هي عقيدة الغائية (Finalite). ونحن نرى بذلك أن "الغائية" هي نتيجة للنزعة المثالية التي تعتبر العالم تجسيداً لفكرة.
أما جواب النزعة المادية الجدلية فهو يختلف عن ذلك (أما النزعة المادية الآلية فهي تعجز عن الإجابة).
بل تترك المجال واسعاً أمام القول بوجود الغائية. ترى النزعة المادية الجدلية أن الصورة (La forme) تتعين بواسطة المحتوي (Le Contenu) الحالي أي بواسطة "العلاقات والظروف المتبادلة بين الظواهر"، بواسطة الحالة الراهنة للمادة وحال التناقضات التي تنمو داخلها والتي ترتبط بظروف البيئة المحيطة بها. وأفضل دليل على ذلك أنه يمكننا أن نتدخل في نمو صورة معينة.
ولقد برهن علماء الحياة (البيولوجيون)، بواسطة التجربة، على العلاقة بين الصورة والمحتوى. فلو أننا نقلنا جزءاً صغيراً من مادة بيضة تنمو الى مكان آخر من البيضة لشاهدنا نمو قدم في غير مكانها. وهكذا نخلق بصورة صناعية كائناً غريباً ولا تتميز مختلف أجزاء مادة البيضة عن بعضها، خلال العملية، الا بصفاتها الكيمائية وبطبيعة المواد التي تتجمع فيها. ويتنوع هذا المحتوى الكيمائي بتأثير الظروف الخارجية (كالحرارة مثلا)، وعلى أساس تناقضاته الداخلية. فالذي يعين صورة جسم الحيوان هي الطبيعة الحيوية الكيمائية لمادة مختلف بيوض الأنواع المتعددة. وهكذا نرى أن نمو المحتَوى يسبق نمو "الصورة" وليس هناك أي تصوير سابق (Preformation) مثالي. وليس هناك أية صورة بذاتها (Forme- en-soi) معينة سابقاً. ولو كان الأمر كذلك لوجب أن يكون جميع أفراد نوع ما متشابهين تماماً.
أما النزعة المادية الجدلية فهي ترى أن الصورة لا يمكن أن توجد بدون محتوى معين، كما أن المحتوى لا يمكن أن يوجد بدون صورة معينة.
ولا يعني القول بأن المحتوى لا يمكن أن يوجد بدون الصورة أن الصورة هي التي تعينه وتحدده؛ بل هو الذي يعينها ويحددها. يعني ذلك أن الصورة ليست سابقة في الوجود، ولا هي أزلية بل تتغير حسب التغيرات التي تطرأ على المحتوى. يتغير المحتوى أولا بتغير ظروف البيئة المحيطة به. ثم تتغير الصورة حسب تغير المحتوى، ونمو التناقضات الداخلية في المحتوى. نتج عن ذلك أن الصورة بدلا من أن تسبق النمو في الوجود، تعكسه لنا فتتأخر بذلك عن المحتوى.
يسبق المحتوى الصورة خلال النمو وتتأخر الصورة عن المحتوى: ولا يمكن وجود المحتوى بدون الصورة ومع ذلك فأن الصورة لا تتفق تماماً مع المحتوى لتأخرها عنه ولهذا "يضطر" المحتوى الجديد لاتخاذ الصورة القديمة مؤقتا فينشأ عن ذلك النزاع بينهما.
فكيف يحدث في كل حالة وفي كل ميدان من ميادين الطبيعة والمجتمع ظهور صورة جديدة تحت ضغط المحتوى التالي الذي يبحث عن صورة جديدة ويسعى نحوها؟ (ستالين).
على العلوم أن تجيب على ذلك، تلك العلوم التي تضيء النزعة المادية الجدلية الطريق أمامها، والشيء الثابت أن تأخر الصورة عن المحتوى يحدث عدم الانسجام في الطبيعة. وهكذا بدلا من أن تشيع الانسجام في الطبيعة، فأنها مفعمة "بالتناقضات" والعيوب.
نرى أن النزعة المادية الجدلية تقضي على النظرية المثالية في الغائية قضاءً مبرماً. كما أنها ترفض الحتمية الآلية التي تتصور فعل مختلف الظواهر بعضها في البعض بصورة آلية لا تتبدل.
تحمل النزعة المادية الماركسية إلى العلم عقيدة مثمرة تقوم على القول بأن القوانين التي تكتشفها والعلاقات التي تقيمها بواسطة المنهج الجدلي ليست علاقات اعتباطية بل هي قوانين ضرورية للمادية في حركتها.
يجهل العلم المادي قلق "التجريبيين" الذين يكتفون بمراقبة تتابع الظواهر فيتساءلون دائما إذا كانت الشمس ستشرق غداً!
ويعتمد العلم المادي على الفكرة القائلة بأن القانون العلمي يعبر عن ميزة موضوعية للمادة، كما يعبر عن حتمية ظهور ظاهرة معينة خلال تطور في ظروف معينة.
ولقد أشار انجلز إلى حتمية ظهور الحياة فوق كوكب معين حين تجتمع الشروط الضرورية، وحتمية ظهور الإنسان خلال تطور الأنواع، ومن ذلك ظهور الإنسان فوق كوكب آخر وفي وقت آخر إذا ما توفرت الظروف الضرورية لظهوره.
هذا ما يجب فهمه من الضرورة الطبيعية، ومن وحدة الكون وشمول قوانين المادة.
ينتج عن ذلك أنه لا يمكننا خلق قوانين الطبيعة أو المجتمع أو القضاء عليها بل كل ما يمكننا هو اكتشافها.
يمكن اكتشاف هذه القوانين ومعرفتها ودراستها والأخذ بها في أفعالنا واستغلالها لخير المجتمع، ولكن لا يمكننا تغييرها أو القضاء عليها. فلا يمكننا إذن خلق قوانين جديدة للعلم.
فالنزعة المادية الجدلية إذن هي وحدها التي تمدنا بأساس نظري متين للتنبؤ العلمي بظواهر الطبيعة والمجتمع، وتقضي على الشك بنتائج عمل نقوم به على أساس معرفة علمية للواقع. فهي تضمن للإنسان، إذن، أقصى اليقين وأقصى الحرية إذ تمكنه من العمل باطمئنان ويقين.
5 – المَارْكسِيَّة وَالدّين
يتيح لنا كل ما رأيناه حتى الآن أن نقدر ضعف الصورة الذائعة للنزعة المثالية الموضوعية ألا وهو الدين.
نعرف مثلا أن الدين المسيحي يتطلب تدخل أله خلاق لتفسير العالم. ونرى الآن علام يقوم هذا الطلب:
أ) تعتقد النزعة المثالية أن المادة سلبية جامدة: لهذا وجب أن تتلقى حركتها عن الروح.
ب) تعتقد النزعة المثالية أن المادة لا تملك بنفسها أية ضرورة طبيعية أو أية وحدة. ولهذا وجب أن يقوم روح آخر بالمحافظة على قوانين المادة.
ت) تعتقد النزعة المثالية أن المادة لا تمر بتطور تاريخي في نموها: للعالم إذن بداية كما ستكون له نهاية، ولهذا وجب أن يكون قد خلق على يد كائن أبدي.
أما النزعة المادية فأن نظرتها إلى المادة ونموها الداخلي الضروري يؤدي بها إلى النظرية القائلة بخلود الكون ولا نهائيته في تحوله المستمر، والقول بأن المادة لا تفنى وليست مخلوقة.
ولهذا طالب ديدرو بأن لا يُفسر العالم حتى لا يصعب فهم خلود المادة عن طريق خلود آخر أصعب من الأول.
ولقد زعزعت الاكتشافات العلمية، منذ عهد ديدرو، مكانة القائلين بالخلق. كما وضع الفيلسوف الألماني "كانت"، منذ القرن السابع عشر، فرضيته المشهورة حول تطور النظام الشمسي، ثم دلل عليها فيما بعد لابلاس الفرنسي بصورة علمية ورد على نابوليون، الذي كان يشكو من أنه لا يرى الله. بهدوء قائلا:
"سيدي! لست بحاجة إلى هذه الفرضية". كما أن اكتشاف ليل (Lyele) الإنجليزي في ميدان تطور الأرض، ولامارك الفرنسي، ولا سيما دارون في ميدان تطور الأنواع الحية، قد أدت إلى قيام نظرية التطور العامة، وخلقت وراءها النزعة المادية القديمة التي كانت تفتقر إلى هذه النظرية التاريخية عن الكون. وكان ذلك هو النقص الثاني فيها الدال على ضيقها المحتم.
وأخيراً امتدت هذه النظرية التاريخية بفضل اكتشافات ماركس وانجلز في ميدان العلوم الاجتماعية الى جميع ظواهر الحياة الاجتماعية وقضت على النقص الثالث في النزعة المادية القديمة التي لم تكن تعتبر المجتمع الإنساني كتطور تاريخي طبيعي.
ولقد كتب لينين يقول: "أن نظرية الفيلسوف القديم هيرقليط المادية ـ الذي كان يرى أن العالم واحد لم يخلقه آله أو إنسان، كان وسوف يظل شعلة خالدة حية تتوهج وتنطفىء حسب قوانين معينة ـ أنما هي عرض رائع لمبادىء النزعة المادية الجدلية.
ولقد غير ظهور النزعة المادية الجدلية النقد الديني والفقهي، اذ كان الفلاسفة العقليون فيما مضى ينتقدون الإله المسيحي فيوضحون التناقضات العديدة التي تؤدي إليها تلك الفكرة.
إذا كيف يمكن لروح صرف أن يولِّد المادة؟ وكيف يمكن لكائن لا يخضع للزمن وللصيرورة والتغير، بل يظل سرمدياً في خلوده الأبدي، أن يخلق العالم في لحظة معينة من الزمن؟ وكيف أمكن لكائن "خير" أن يخلق الحيوانات المضرة والهزات الأرضية والأمراض التي يرمز إليها الفرسان الثلاثة السود في النبوءة.
هل كان بامكان الله القوي الجبار أن يجعل مجموع اثنين مع اثنين خمسة، وأن يمسي الصحيح خطأ؟ وإذا لم يستطع ذلك فهل هو قوي جبار؟ وإذا كان كاملاً فهل يستطع معاقبة الظلم؟ وإذا كان خيراً فهل يمكنه أن لا يكون رؤوفاً ومن ثم ظالماً؟ الخ...
أظهر النقد العقلي بحق جميع المستحيلات التي تحتوي عليها فكرة "الله" وجميع التناقضات التي تكشف عنها، تلك التي يعترف بها علم الكلام ويستعين من أجلها بفكرة "السر" الإلهي الذي لا يمكن للخليقة أن تسبر غوره، كما يستعين بفكرة الشيطان لوضع فكرة الخطيئة الأصلية المزعومة.
أخذ الفلاسفة المثاليون العقليون إذن على أنفسهم أن يعيدوا النظر في فكرة الإله المسيحي فجاءوا بأفكار يستحيل كل منها أكثر من الأخرى وإذا بها تثير صعوبات جديدة كلما خيل إلينا أن الصعوبات السابقة الذكر قد زالت.
أما الماديون السابقون على الماركسيين فقد اصطدموا أيضا بجميع الصعوبات التي اشرنا إليها سابقا: كتفسير الحياة والفكر وتفسير ضرورة العالم وما في الطبيعة والظواهر الاجتماعية، من تناقض، وما عادت به من آلام على الإنسانية كالمرض والموت والجوع والحرب.
ولقد أثارت النزعة المادية الجدلية هذه الصعوبات وفقدت فكرة "الله" كل محتواها: ولم يعد النقاش حول وجود الله أو عدم وجوده، ذلك النقاش الذي أثارته النزعة الإلحادية الساذجة غير الماركسية، يثار كما أشير سابقاً. لقد أصبح الله، كما قال لابلاس، فرضية لا نفع فيها. وحل محل مشكلة وجود الله مشكلة وجود فكرة الله في رؤوس الناس. هاتان مشكلتان لا تميز النزعة المثالية الموضوعية بينهما.
ولا شك في أن فكرة الله والعواطف الدينية والديانة موجودة، وهي تتطلب تفسيراً: وبدلا من القول بأن الإنسان كائن "الهي" يجمع في ذاته العنصر الطبيعي والعنصر الإلهي، كما يجمع عنصر الموت والخلود في هذه الحياة وفي الحياة الأخرى، يجب القول بأن "الله" و"الديانة" هما ظاهرتان إنسانيتان لأن العنصر الإلهي هو من إبداع الإنسان وليس الإنسان هو من إبداع الله.
ولقد قال فولتير في حديثه عن الأديان بأنه "إذا كان الله قد خلق الإنسان فأن الإنسان قد رد له هذا الجميل". ولقد بدأ المادي الألماني فورباخ بنقد الظاهرة الدينية من زاوية جديدة، ثم جاءت النزعة الماركسية بالعناصر النهائية لتفسير الدين وهاك مبادىء هذا التفسير:
1) أن الصور البدائية للديانة، وكذلك المراسيم السحرية والتفسيرالمثالي البدائي للظواهر الطبيعية والاجتماعية، وكذلك أسمى صور الديانة التي تقوم على نظريات فلسفية وأخلاقية ومراسيم سحرية "روحانية" كالصلاة والاضحيات التصوفية تعبر جميعاً عن معطى معين حقيقي عن الفعل الإنساني الا وهو عجزه النسبي الكبير في مطلع الإنسانية، وهو عجز أمام الطبيعة، ذلك العجز الذي يتعلق بنمو الإنتاج الضعيف. وهو أيضاً عجز أمام الظواهر الاجتماعية الذي يتعلق بالاضطهاد الطبقي وفقدان الأمل وضعف الوعي الاجتماعي.
يعرف كل واحد منا أن على المراسيم الدينية أن تضمن النجاح والفوز "في الأعمال" والانتصار على العدو، وأن تعود بالسعادة الأبدية، الخ.. وهكذا تبدو الديانة كأنها وسيلة يستخدمها الإنسان لبلوغ أهدافه، وهي مراسيم تتعلق بجهل أسباب شفائه وسعيه نحو السعادة.
ولكن إذا كانت الديانة تعكس لنا معطيات الحياة العملية فأنها تصور هذه المعطيات معكوسة. وهي لا تعكسها حسب المعطيات الموضوعية بل حسب المعطيات الذاتية. فهي تعكس لنا رؤى الأحلام ورغبات الإنسان الذي وقع فريسة للجهل. فيصبح "الله" المنقذ الأسمى، وأكمل الكمالات. ولا تعبر التناقضات التي وجدناها في فكرة "الله" الا عن التناقضات الداخلية في أفكار "الكمال المطلق" و "المعرفة المطلقة" و "السعادة المطلقة" التي يصنعها الإنسان لنفسه. وهي أفكار خيالية ميتافيزيقية يعكس فيها تناقضات العالم الواقعي والرغبات الخيالية التي تصورها في جهله.
وتختصر فكرة الله جميع التناقضات التي تصبح ميتافيزيقية مطلقة لا يمكن حلها.
فالديانة إذن هي نقيض العلم المادي الجدلي الذي يعكس لنا تناقضات الواقع باخلاص وبدون أية زيادات غريبة خيالية كما قال انجلز:
"تكمن أصول الديانة في النظريات المحدودة الجاهلة التي تنشأ في حالة الهمجية".
2) يجب مع ذلك أن نقدر أهمية عامل آخر في دراستنا للدين، ذلك لأن الديانة لما كانت تتولد من الجهل فأنها تحل محل التفسيرات العلمية تفسيرات خيالية فتعمل بذلك على ستر الواقع وإسدال الستار على التفسير الموضوعي للظواهر، ولهذا كان الرجل المتدين مناوئاً لمبادىء العلم التي هي عمل الشيطان لأنه حريص على أوهامه. وتستخدم الطبقات المستغلة هذه الخاصية لاهتمامها بإخفاء استغلالها عن أعين الطبقات الكادحة كما أشرنا إلى ذلك في الدرس السابق. فهي بحاجة إلى سلبية هذه الطبقات وجمودها كي يستمر اضطهادها، كما أنها بحاجة لخضوعها وايمانها بالقضاء المحتوم. هذا من ناحية ومن ناحية ثانية يجب توجيه أمل الجماهير بالسعادة نحو العالم الآخر. وهكذا يعرض الأمل والعزاء بدخول الجنة على أنهما تعويض عما بذلته الطبقات الشعبية من تضحيات على الأرض. فيتحول الاعتقاد بخلود النفس، الذي كان ينظر إليه في القدم على أنه مصيبة مرهقة، إلى أمل بالخلاص في الآخرة.
استخدمت الديانة، إذن، منذ أقدم العصور كقوة فكرية "للمحافظة على النظام" وكأفيون للشعب حسب قول ماركس بالرغم من أن الطبقات الحاكمة المستنيرة لم تعد تعتقد بأية كلمة من النظريات التي كانت تعمل على استمرار تاثيرها في الطبقات الشعبية.
فكان الكهان في مصر القديمة "يختلقون" المعجزات بتحريك تماثيل الآلهة، كما كان الرومان يؤكدون أن هناك "فألين لا يمكن النظر إليهما بدون الضحك" كما كان شيشرون يقول بأن الديانة مفيدة للنساء والعبيد. وكذلك استخدام الرجعيون الديانة في النظام القديم للتخفيف من تقدم العلم فسعوا إلى منع الأبحاث الطبية كالتشريح والتلقيح كما عملوا على الحكم على غاليله لأنه أدعى بأن الأرض ليست مركز العالم، كما أتهم متشورين في القرن العشرين في روسيا القيصرية بأنه خارج على الدين أمام شرطة القياصرة لأنه كان يقوم "بتطعيم" الأنواع النباتية!
ولقد وجهت النزعة المادية الفرنسية في القرن الثامن عشر ضربات قاسية إلى الديانة. ثم عادت الديانة إلى سابق عهدها في بلادنا بفضل سلسلة من القرارات السياسية الرجعية بعد الثورة وفي خلال القرن التاسع عشر، ولا سيما بعد سقوط الإمبراطورية الأولى بعد حزيران عام 1848 أثر كومون باريس. وعلى عهد فيشي وكان إخراج المعجزات المختلفة من وسائل الاستعمار.
ويمثل "كنت" معاصر ثورة 1789 الاستخدام السياسي للديانة، على المستوى النظري، بالرغم من فشل مضمون الديانة الفلسفي. فهو يعتقد أن وجود الله لا يمكن البرهنة عليه. ومع ذلك يجب "قبول" هذا الوجود لأنه بدون هذه الفكرة يصبح كل شيء مباحا، فيزول القاضي العادل الأكبر، وتزول الشرطة السماوية، كما يزول الثواب والعقاب، فيتخاذل الشرير ويتجرأ. وهكذا يتزعزع النظام البرجوازي. الله إذن سلاح الثورة، وليس من الضروري التأكد نظريا من وجوده، بل يكفي قبول هذا الوجود عملياً ونفعياً. أليست تلك عادة البرجوازية الدائمة في المسائل الدينية؟ وهل هناك دليل أروع على فشل النزعة المثالية الدينية النظرية؟
لقد وضع انتصار النزعة الاشتراكية التاريخي حداً لسيطرة الطبقات الرجعية. وهكذا فقدت الديانة قاعدتها الاجتماعية كقوة فكرية في خدمة هذه الطبقات. ولكنها ظلت بعض الوقت في ضمائر الناس.
ولهذا يستمر في النظام الاشتراكي نضال نظري بين العلم والدين، بين الجهل والمعرفة. وهذا النضال جانب من جوانب عملية المعرفة، لأن المعرفة تتقدم بواسطة النضال. ذلك هو مضمون مبدأ حرية الوعي في الاتحاد السوفياتي.

6 – الخلاصة
نخرج من هذا الدرس بفكرة عن مادية العالم. فالنزعة المادية الجدلية في أيامنا هي النزعة الثورية الوحيدة. فإذا كانت "فكرة الله" أو فكرة "الروح" الخ... ليست سوى فكرة فارغة ورمز للدلالة على جميع ألوان الجهل الماضية للإنسان "فليس هناك أي منقذ أعلى" كمال تقول العالمية.
ليس للإنسان ما يرتجيه ألا ما يكسبه بنفسه في هذه الحياة الدنيا، والنزعة المادية تعلمه أن يرى "العالم كما هو"، العالم في وضعه الصحيح وليس بالمقلوب.
وبدلا من أن يقضي النزعة المادية على الإنسان فأنها على العكس تظهر له أن ليس هناك "مصير" أو "قدر" وأنه يستطيع، بواسطة المعرفة العلمية للواقع، أن يتمتع بحياة جديدة، وأن يتعرف على السعادة في الحياة.
وكما كان يقول الفيلسوف المادي اليوناني أبيقور فأن النزعة المادية تحرر المعرفة الإنسانية المضطهدة منذ آلاف السنين لخوفها من الغضب الإلهي والخوف من الدولة و "النظام القائم" اللذين يتمثل فيهما ما يسمى بقوى "العناية الآلهية".
كما أن النزعة المادية تؤدي، كما قال ماركس، إلى الاشتراكية.
وليس هناك من تكفير عن خطيئة، كما أدعى بيتان، كما أنه ليس هناك من قضاء مقدر "مكتوب" وليس هناك أبد خالد سوى المادة المتحركة. وكما أن علم الأمراض يساعد على محاربة هذه الأمراض بمحاربة أسبابها فكذلك معرفة أسباب الحرب تساعد على محاربة الحرب. وكلما كانت معرفتنا أفضل بالأسباب التي تؤدي إلى الحروب حتما كلما ازداد تسلحنا لمحاربتها بصورة فعالة.
الحرب إذن ليست قضاءً لا يمكن الهروب منه. وبدلا من أن تولد النزعة المادية السلبية والاستسلام فأنها دعوة للعمل فهي تتيح لنا معرفة ما هو ممكن، كما تتيح لنا تحديد مقدرة الإنسانية الفعلية. هذه هي الحرية فهي ليست أعلانا أجوف بل هي قدرة فعَّالة.

الدّرسُ العَاشِر

ميزَة النزعَة المادّية الماركسيَّة الثانية
المادة سَابقة عَلى الوَعي


1 – حيلة جديدة مثالية
2 – النظرة الماركسية
أ) موضوعية الكينونة
ب) الوعي انعكاس للكينونة
3 – الفكر والدماغ
4 - درجتا المعرفة
5 – خلاصة


1 ـ حيلَة جَديدَة مثاليَّة
رأينا في الدرس السابق أن نزعة الدين المثالية قد حاربها تطور العلوم منذ عصر النهضة، وأنها تداعت في القرن الثامن عشر تحت ضربات النزعة المادية. فظهرت عندئذ صيغة جديدة للنزعة المثالية لتحل محل النظرة التي أخذت بالأفول.
ونجد هذه الصيغة إلى أيامنا عند عدد من الفلاسفة. وهي من صنع الراهب الإنجليزي باركلي (1685 ـ 1753).
وتهدف هذه النزعة إلى تقويض الأهمية النظرية للاكتشافات العلمية وذلك بمحاولة البرهنة على أن المبدأ المادي في العالم لا وجود له. ولما لم يعد بالامكان، في ذلك العصر، القضاء على الماديين بالقائهم في النار كما كان الحال أيام "الاضطهاد الديني" فسوف يقضي على المادة نفسها بالسخرية من أنصارها وإظهارهم بمظهر السذج العاجزين عن "التفلسف"؛ ولهذا فسوف يقرر أن المادة وهم، وهكذا يُقضى على هذه الفلسفة التي تدعي الاعتماد على الواقع.
لن يُتفلسف منذ الآن فصاعدا الا حول موضوع "الوعي" وكل ما تجاوز حدود "الوعي" فهو ليس موضوعا فلسفيا.
ولم يكن باركلي يخفي الأسباب التي تعلو على الفلسفة والتي تعمل، حسب رأيه، من أجل هذه النظرة. فقد صرح قائلا:
"إذا ما ازيلت المادة من الطبيعة حملت معها الكثير من النظريات الشاكة (أي الملحدة) الكافرة، والكثير من المناقشات والمسائل المتشابكة.. لأن المادة قد شغلت الناس بدون طائل حتى أنه لو بدت الحجج التي نثيرها ضدها غير مقنعة تماما..، فلن يقلل هذا من اقتناعي بأن أصدقاء الحقيقة (أي النظرية الفكرية الإقطاعية). والسلام (أي النظام الإقطاعي) والدين لهم الحق في أن يتمنوا أن يُعترف بهذه الحجج على أنها كافية".
كما صرح في موضوع آخر: "إذا قبلت هذه المبادىء ونُظر إليها على أنها صحيحة، قضي بذلك على نزعة الإلحاد ونزعة الشك تماما، وتوضحت المسائل الغامضة، وانحلت الصعوبات المعقدة، وعاد الناس الذين كانوا يلهون بالمتناقضات إلى الرأي العام".
ولقد هاجم بار كلي، بتأثير جنونه المثالي، جميع الاكتشافات العلمية لا سيما "الحساب المتناهي في الصغر" في الرياضيات قائلا عنها أنها عبث وغير منطقية ومتناقضة.
ودراسة نظرية بار كلي مهمة لأنها تعبر جيدا عن جوهر النزعة المثالية الحديثة. فهي مصدر الرأي الشائع، في الجامعات البرجوازية، القائل بأن الرجل المادي مفكر فج كما أنها مصدر احتقار "الفلاسفة المثاليين للعلوم" و "لرجال العلم".
ولم يخطيء ديدرو، حول أهمية مذهب بار كلي الرجعية، حين قال عنه "بأنه أصعب الفلاسفة على من يريد محاربته وأن كان أكثرهم عبثا. وهذه لطخة عار للفكر الإنساني والفلسفة".
فكيف يعمل بار كلي للوصول إلى هدفه؟ عرف ديدرو النزعة المثالية التي أسسها بار كلي كما يلي:
"المثاليون هم أولئك الفلاسفة الذين لا يعون الا وجودهم والأحاسيس التي تتوالى في داخلهم فلا يعترفون بوجود شيء آخر".
يجب إذن البرهنة على أنه لا يوجد شيء عدا وعينا وتصوراتنا وأفكارنا. فليس هناك من واقع "خارجي" وكل شيء عبارة عن تصورات عقلية خاصة بنا. حتى إذا ما قضينا على "الوعي" أو "الأنا" واختفى معه كل واقع.
وهكذا لا يمكن أن توجد الكينونة والطبيعة والمادة خارج الوعي، وعيي أنا، ومستقلة عنه. لهذا سُمي هذا الضرب من النزعة المادية بالنزعة المادية الذاتية.
ولنصغ الآن إلى بار كلي لنسمعه يقول: "ليست المادة ما نعتقده حين نفكر بأنها موجودة خارج تفكيرنا. نعتقد أن الأشياء موجودة لأننا نراها ونلمسها. ونحن نعتقد بأنها موجودة لأنها تمدنا بالأحاسيس."
ولكن أحاسيسنا ليست سوى أفكار كامنة في أذهاننا. ليست الأشياء التي ندركها بحواسنا إذن، سوى أفكار، ولا يمكن للأفكار أن توجد خارج ذهننا.
ويقول بار كلي: "ضع يديك في الماء الفاتر، ولتكن احدى يديك حارة والأخرى باردة. ألا يبدو الماء باردا بالنسبة لليد الحارة وحارا بالنسبة لليد الباردة؟ هل يجب إذن القول بأن الماء حار وبارد في نفس الوقت؟ أليس ذلك هو العبث ذاته؟ قل معي إذن الماء بذاته لا يوجد ماديا مستقلا عنا. فهو ليس سوى اسم نطلقه على أحاسيسنا. فالماء لا يوجد الا فينا، في ذهننا. المادة باختصار هي الفكرة التي نكونها عنها، فالمادة هي الفكرة!
وهكذا نرى السفسطة التي يصل بواسطتها بار كلي إلى تحقيق هدفه؛ فهو يستخلص من تعارض أحاسيسي ونسبيتها أن المادة غير موجودة، فهو ينسى أن يشير إلى أنه بسبب تعارض احاسيسي استخلص أن الماء فاتر. فإذا كان القمر يبدو تارة هلالا وتارة بدرا كاملا، هل ينتج عن ذلك أن القمر غير موجود في الخارج عنا، بل ينتج عن ذلك أن القمر موجود بأحوال تجعلني أراه بصورة مختلفة حسب كل حالة.
إذا قال لي أحد الناس أنه يرى قطعة من القماش الاحمر صفراء، لا استخلص من ذلك أن تلك القطعة لا توجد الا في ذهن كل منا، بل استخلص من ذلك أن هذا الشخص مصاب بمرض. وإذا بدا لي قضيب مكسورا إذا ما أدخل في الماء لا استخلص من ذلك أن هذه الظاهرة لا توجد ألا في وعيي، بل على العكس استخلص من ذلك أن انكسار الأشعة الضوئية في الماء ظاهرة موضوعية مستقلة عني.
وهكذا نرى أيضا علام يعتمد بار كلي في سفسطته: على الطريقة الميتافيزيقية في التفكير التي تزيل التعارض في الظواهر وتأثير الظواهر كل منها على الأخرى . فهو يرى أن التناقض لا يمكن أن يوجد الا في الذهن وليس في الواقع الموضوعي. ولهذا يبدو له أنه إذا كانت أحاسيسي متناقضة فما ذلك الا لأن الشيء الذي تمثله لا يوجد الا في ذهني وهو ليس سوى وهم وخيال كآلهة البحر التي تتكون من جسد أمرأة وذنب سمكة.
وهناك مسألة أخرى: فإذا كانت المادة غير موجودة فمن أين يمكن أن تأتي هذه الأحاسيس التي تنبعث "فينا" في كل لحظة؟ الجواب حاضر: الله هو الذي يرسلها ألينا. وهكذا يعود الراهب راهبا بعد رحلته في عالم "علم نفس الأحاسيس" فتأخذ نزعة باركلي الذاتية بيد النزعة المثالية الموضوعية القديمة التي كانت على وشك الزوال. فقد كان بار كلي يأمل بانقاذه "الإله" "الداخلي" أن ينقذ أيضا "الإله" التقليدي الخالق كما ينقذ اللاهوت بأجمعه.
وهكذا تتضح لنا أقوال بار كلي المشهورة:
"الكينونة أنما هي كينونة مدركة أو مدرَكة" ولكن لما كنت لا أعرف وجود الآخرين الا بواسطة الأحاسيس التي يمثلها لي "ذهني" ينتج عن ذلك بصورة منطقية أن الناس ليسوا سوى أفكار في ذهني. والخلاصة من ذلك أن الموجود الوحيد في العالم هو وعي.
ينكر باركلي أن يكون قد قال بهذه الخلاصة التي تسمى (solipsisme) (وهي الفرضية القائلة بوجود الذات لوحدها). ولكن ليس هناك من وسيلة لابعادها عنه إذا كان يريد أن يكون منطقيا مع نفسه؟ ويجب علينا أن لا نغفل الإشارة إلى أن النزعة المثالية، على عكس النزعة المادية الجدلية، لا يمكنها قط أن تكون منطقية مع نفسها لأنها تتراجع دائما أمام هذه الخلاصة غير المنطقية
ولقد حاولت النزعة المثالية الذاتية، بعد بار كلي، أن تتم بحث بعض التفاصيل وأن توجد ألفاظا جديدة تمعن في الغموض لبعث الحيوية فيها والارتفاع برصيد الفيلسوف المثالي! ولكن الطاحونة كانت تطحن نفس الحب.
يقول لينين: "لم يأت الفلاسفة المثاليون المحدثون بأية حجة ضد الماديين لا نجدها عند الراهب بار كلي.
يدل انتشار "فلسفات الذهن" و "الوعي" التي لا تؤمن بوجود المادة بل تعتبرها نتاجا ذهنيا عل استمرار النزعة المثالية الذاتية على طريقة بار كلي.
وهذه هي فلسفة البرجوازية الرجعية المحببة التي انتشرت في المدارس بعد قيام الكومون في باريس والتي تعبر عن خوف البرجوازية أمام ازدهار النزعة المادية وسط البروليتاريا. فإذا بالفلاسفة البرجوازيين يلبون نداء تيير الذي أرسله منذ عام 1848، ويحاولون بكل الوسائل إعادة الاعتبار للدين.
وهكذا يبدو الكون للاشوليه على أنه "فكرة لا تفكر بنفسها معلقة بفكرة تفكر بذاتها" وأما بوترو فهو يعتقد أن: "الله هو هذا الكائن الذي نشعر بفعله الخلاق في أعمق أعماقنا خلال جهودنا للاقتراب منه" ويقول هاملين "الواقع هو نتيجة "تركيب" يقوم به ذهننا".
وأما دوهيم فهو يرى أن النظريات العلمية ليست سوى "رموز" يبدعها الذهن الإنساني. ويقول برنشفيك "الذهن لا يجيب الا على الذهن" وأن تقدم العلوم يرجع لتقدم "الوعي " في الغرب. ولن نتحدث عن الأسياد الأقل شأنا من هؤلاء الفلاسفة.
وفي نفس الوقت تحيط "الفلسفة" نفسها بضرب من الأسرار. فلم تعد كلمة "فلسفة" تستعمل إلا كمرادف للنزعة المثالية الرسمية. حتى أن هناك من يدعي أن الاستعمال الحق لهذه الكلمة ليس في إمكان كل إنسان، إذ يجب إتقان معرفة تلاوة القداس المثالي. وتتعدد الكتب التي تحمل اسم "المدخل إلى الفلسفة" للرد على أولئك الذين لم تنفعهم حجج المثاليين والقول بأنهم ليسوا بالفلاسفة
ويمثل انتصار هذه "النكسة" الفلسفية فلسفة برجسون زعيم المثاليين البرجوازيين منذ 1900 ـ 1914 وقد تحدثنا عنه في الدرس السابق. وقد اعتمد برجسون على نظرية بار كلي دون أن يعترف بذلك فهو يؤكد في مطلع كتابه "المادة والذاكرة" أن العالم يتكون من صور، وأن هذه الصور لا توجد الا في وعينا، وأن الدماغ ليس سوى واحدة من هذه الصور.
نخرج من ذلك أنه بدلا من أن لا يوجد الوعي بدون "الدماغ" فأن الدماغ هو الذي لا يوجد بدون "الوعي" إذ أن الوعي "واقع مستقل" والدماغ هو في خدمة الفكر السابق عليه. فإذا ما أصيب الدماغ ظلت الذاكرة... في "اللاوعي". كما كانت تقول الديانات القديمة هناك روح صاف لا سند عضوي له.
ولقد دلل بوليتزر في الفصل الأخير من كتابه "نهاية استعراض فلسفي: البرجسونيه"، على المغزي التاريخي المادي لهذه الفلسفة الروحية.
فلقد قام برجسون عام 1914 وفلسفته الروحية بخدمة المستعمرين الفرنسيين فإذا به يعرض لنا الشعب الألماني كمادة خالية من الروح بعد أن لجأ الروح إلى ثنايا أعلام الاستعمار الفرنسي! كما نرى هذا "الفيلسوف" وقد تولاه الذعر أمام جروح الرأسمالية المحتضرة يجعل المسؤول عن ذلك النزعة الآلية وكتب يقول: "يمكن أن يؤدي تطور المدنية المادي، إذا ما اكتفى بنفسه ووضع نفسه في خدمة عواطف منحطة ومطامح شريرة، الى أرذل همجية".
وهذه نغمة من النغمات ضد النزعة المادية. وهكذا يقوم برجسون بدوره الفكري إلى جانب الرجعية ليصد الناس عن المشاكل الحقيقية ويقلل من شأن العلم.
وكان هوسرل المثالي يؤكد في نفس العصر في ألمانيا أن الوعي يوجد قبل وجود محتواه ويدعو من أجل ذلك باتباع "منهج فلسفي" يقوم على وضع العالم ومتناقضاته الموضوعية بين هلالين فبدلا من البحث عن أصل الوعي في الواقع يبحث عن أصل الواقع في الوعي. وتلك محاولة يائسة تعكس لنا قلق البرجوازية أمام عجزها عن السيطرة على تطور العلوم التي تضع باستمرار أمام النزعة المثالية مشاكل جدلية جديدة تستعصي على الحل. يعتقد هوسرل أن الجواب على المشاكل الفلسفية التي تثيرها العلوم يجب أن يكون استقلال وجود المادة أو عدم وجودها.
وآخر بدعة للنزعة المثالية هي وجودية هيديجر الألماني وزملائه الفرنسيين (ومن بينهم جان بول سارتر). "والوجود" الذي تتحدث عنه هذه الفلسفة ليس سوى "الوعي الوجودي". وهذا الوعي هو الواقع الوحيد. أما الكينونة والمعرفة العلمية والمعطيات الموضوعية والأفكار التي تعكسها فهي لا قيمة لها. إذ يجب على الأفكار العقلانية أن تختفي أمام "الوجود".
ولا شك أن هذا "الوجود" يحدده "وضع معين" لأن الإنسان يعيش "في وضع معين" غير أن هذا الوضع لا يحدد وعي الإنسان، بل وعي الإنسان هو الذي يحدد وضعه. لأن كل وضع يرجع في النهاية إلى وعي هذا الوضع: ويمكن في كل لحظة أن يكون لنا الوعي الذي نريده، إذ يمكن "أن يختار المرء نفسه". نستخلص من ذلك أن السجين في خليته أكثر حرية من السنونوة في الربيع لأنها لا "تشعر" شعورا وجوديا بحرمانها من الحرية! وهكذا يسخر الوجود من الكينونة، ومن المعطيات الموضوعية لأنه مستقل عنها. ولا توجد المادة إذا ما استطعت عدم الشعور بوجودها. فإذا لم يختر العالم نفسه عاملا فهو ليس بعامل!
وسواء كانت هذه "الفلسفات" ملحدة أم لم تكن فأنها تساعد على انتشار النزعة العينية لأنها تنكر أن يكون العلم ضروريا لحل المشاكل الاجتماعية، وليست المشكلة إذن هي مشكلة الرأسمالية أو الاشتراكية بل هي معرفة ما إذا كان العامل سيختار نفسه ثورياً أم لا. ولهذا لا تشتد الكنيسة في محاربة هذه الفلسفات أو هي لا تحاربها البتة فتسمح ببقاء فلسفة برجسونية مسيحية وفلسفة وجودية مسيحية. كما أنها تستخدمها لتتخذ طابعا تقدميا ولتحول المفكرين المسيحيين عن التفكير الفلسفي حول التناقضات الشخصية في العقيدة الدينية أو التفكير بالعلوم والنزعة المادية. أما الاشتراكية الديمقراطية فهي تستغل النزعة المثالية الذاتية لتشويه الماركسية.
2 – النظرية الماركسية
تعتمد النزعة المادية الفلسفية الماركسية على المبدأ القائل بأن المادة والطبيعة والكينونة هي وقائع مادية موجودة خارج الوعي ومستقلة عنه. وهي بذلك تعارض النزعة المثالية التي تؤكد بأن الوعي وحده موجود حقاً وأن العالم المادي والكينونة والطبيعة لا توجد إلا في وعينا وفي أحاسيسنا وتصورتنا.
كما تقول النزعة المادية أن المادة معطى أولى لأنها مصدر الأحاسيس والتصورات والوعي، بينما الوعي هو معطى ثان، لأنه انعكاس المادة والكينونة، وأن الفكر نتاج المادة متى بلغت هذه المادة في تطورها درجة عالية من الكمال. وأن الفكر بصورة أدق هو ثمرة الدماغ. يقول ستالين: "والدماغ هو عضو الفكر، ولهذا لا يمكن فصل الفكر عن المادة وألا ارتكبنا خطأ جسيمًا.
وهكذا يضع ستالين فرضيتين أساسيتين عن النظرية الماركسية للمعرفة: الكينونة واقع موضوعي، والوعي هو انعكاس ذاتي لهذا الواقع. وهو يشير من ثم إلى أن النزعة المادية تثير مشكلة مصدر الفكر خلال تطور الكائنات الحية، ومشكلة العلاقات بين الفكر وبين الدماغ. ولا شك أن الدراسة العلمية لهذه المشكلة لا يمكن أن تؤدي إلا إلى تدقيقات جديدة في نظرية المعرفة. فلنبحث هذه المسائل المختلفة.
أ) – مَوْضُوعيَّة الكَينُونَة
رأينا "في الدروس السابقة أنه لا يجب الخلط بين النظريات العلمية عن المادة ـ تلك النظريات التي تتطور وتتعمق ويزداد غناها كلما ازدادت جدليتها، لأن ميزات المادة لا تنضبـ وبين الفكرة الفلسفية عن المادة التي هي أساس كل عمل فلسفي وكل معرفة والتي لا يمكن أن تعتريها الشيخوخة.
ولقد حان الآن الوقت لتحديد المفهوم الفلسفي للمادة: المادة هي مقولة فلسفية تستخدم للدلالة على الواقع الموضوعي الذي يجده الإنسان في أحاسيسه التي تنسخه وتصوره وتعكسه دون أن يكون وجوده متعلقا بوجودها.
ويقول لينين في موضوع آخر: "يوجد الواقع الموضوعي مستقلا عن الوعي الإنساني الذي يعكسه".
وهكذا لا يُرجع لينين الواقع إلى ما ندركه عنه كما كان يفعل باركلي بل هو يفسر ما ندركه من الواقع بالواقع نفسه.
تبدو النزعة المثالية كأنها موقف رجل يعتقد أنه وحيد في العالم وأن لا شيء يوجد مستقلا عنه فهو يفسر كل شيء بسذاجة اعتماداً على حالاته النفسية. فإذا بالعالم يصبح عالمه.
وهي سذاجة مزدوجة تكتفي بنفسها بصورة عجيبة كما لو أنه لم تكن هناك حاجة للخروج عن الذات للمعرفة!. وهو موقف من لديه الجواب على كل سؤال، كما لو كان "حكمة" الشريعة والأنبياء، ذاك يتخذ من وعيه معياراً لكل واقع والذي يحدد للنوع البشري حداً لايتخطاه، هو الحد الذي يقف عنده وعيه. ولقد أدى تطور العلوم منذ عدة قرون إلى الكشف عن جوانب للواقع لا مجال للشك فيها، وان القول بأن العالم لا يحتاج إلى وعينا والى رخصة المثاليين في وجوده، يعبر عن نظرة العلوم الدائمة التي تنادي، بهذا الصدد، بنزعة مادية تلقائية بوجود واقع موضوعي خارج عن الوعي. فإذا كان العلم يكتشف باستمرار ميزات جديدة للمادة فما ذلك إلا لأن المادة لا توجد في داخلنا بل في الخارج.
وليس هناك من يشك في أن الجراثيم كانت موجودة قبل اكتشافنا لوجود الأمراض التي أتاح اكتشاف جراثيمها وشفاءها.
ولا شك أنه قد مضى زمن لم تتوفر فيه على سطح الأرض جميع الأسباب التي يتطلبها وجود الكائن الحي، ويعترض المثاليون على ذلك بقولهم: "ما معنى الوجود بدون الوعي" إذا كان الوعي هو الذي يتمثل وجود العالم بدون الإنسان وقبل الإنسان؟ ما معنى وجود أميركا قبل أن تراها عين كريستوف كولومبس إذا كان الوعي هو الذي يتخيل هذا الوجود السابق؟ فلا توجد الصحراء القاحلة بدون الوعي لأن الوعي هو الذي يتصورها لنا".
ولقد أجاب لينين، منذ زمن طويل، بأن نظرية المعرفة تقوم على معرفة التمييز بين وجود الإنسان الواقعي الحاضر في العالم في ظروف زمانية ومكانية وبين وجود الفكر الخيالي ووجود الوعي الملحق عقلياً بتمثل العالم الموجود حقا قبل الإنسان وبدون الإنسان. أن عدم التمييز هذا يدل على انعدام الفلسفة.
وليس هناك من يشك بأن حياة المجتمع المادية توجد مستقلة عن وعي الناس لأنه لا الرأسمالي ولا العامل سيتمنيان الأزمة الاقتصادية التي لا بد من حدوثها.
ويعمل قانون القيمة الذي يقول بأن كمية العمل التي تحتوي عليها بضاعة معينة تبدو بواسطة القيمة، منذ بداية الإنتاج التجاري، بالرغم من أن ريكاردو الاقتصادي لم يكتشفه الا في القرن التاسع عشر.
كما أن النضال بين البرجوازية وطبقة النبلاء هو واقع منذ بداية عهد البرجوازية؛ ومع ذلك لم يكتشف هذه الحقيقة ويعبر عنها المؤرخون البرجوازيون أمثال جيزو ومينيه وتيير الا في القرن الثامن عشر.
ماذا نقول إذن عن مثل هذا التأكيد المثالي: "كل ما لا تفكر به هو عدم صرف... ليست الطبيعة هي التي تفرض علينا تصور المكان والزمان بل نحن الذين نفرضهما على الطبيعة. سوى أن جهل المفكرين البرجوازيين الأساسي بصدد النزعة المادية الجدلية يسمح لهم بأدعاء مثل هذه الفرضيات.
ولا شك أنه ربما بدا لمن لا يملك المنهج الفلسفي أن الطبيعة، والكينونة والمادة تعكس فكر الإنسان الذي يفرض عليها ضرورياته، مثال ذلك أنه بعد بناء سد من السدود تعكس الطبيعة التخطيط الذي تصوره المهندسون. وهكذا يخضع السيل لإرادة الإنسان. فهل يعني هذا أن قوانين الطبيعة قد انتهكت أو تبدلت أو أزيلت أو أنها لا توجد مستقلة عن الوعي الإنساني وأنها بدون الوعي تزول؟
لقد اتخذت جميع هذه الإجراءات، على العكس من ذلك، على أساس قوانين الطبيعة والقوانين العلمية لأن كل خروج على قوانين الطبيعة والقوانين العلمية يؤدي إلى فشل هذه الإجراءات.
وهكذا حين نتكلم عن السيطرة على قوى الطبيعة والقوى الاقتصادية لا يعني ذلك أنه يمكن "إزالة" القوانين العلمية أو تكوينها. بل يعني ذلك، على العكس أنه يمكن اكتشاف القوانين ومعرفتها وتمثلها وتعلم تطبيقها على ضوء معرفة الأسباب، واستخدامها لمصلحة المجتمع والحصول عليها بهذه الوسيلة وإخضاعها لسيطرتنا.
يسمح لنا كل ذلك بتقدير أهمية الفرضية الماركسية الأساسية التي عرضها ستالين في آخر مؤلف له حول قوانين العلم حيث يقول: "تنظر الماركسية لقوانين العلم ـ سواء كانت قوانين الطبيعة أم قوانين الاقتصاد السياسي ـ على أنها انعكاس لعمليات موضوعية تجري مستقلة عن الإرادة الإنسانية".

ب) – الوَعي انعِكاس للكَيْنُونة
ماذا تعني الفكرة القائلة بأن الوعي انعكاس للكينونة وللواقع الطبيعي والاجتماعي؟
يعني ذلك أن الثنائية قد زالت وأن الفكر لا يمكن فصله عن المادة المتحركة: فلا يوجد الوعي خارج المادة مستقلا عنها.
العالم المادي الذي ندركه بحواسنا والذي ننتمي إليه هو الواقع الوحيد.
غير أن ذلك لا يعني قط أن الفكر مادي كالمواد التي تفرزها أعضاؤنا. والاعتقاد بذلك أنما هو خطوة خاطئة نحو الخلط بين النزعة المادية والنزعة المثالية، وإقامة تماثل بين المادة والفكر وبين المادة والوعي. ويؤدي ذلك إلى الوقوع في النزعة المادية الساذجة.
لا تعني الفكرة القائلة بأن الوعي صورة من صور الكينونة قط أن الوعي، بطبيعته، هو من المادة أيضا... وتقول النزعة المادية عند ماركس أن الوعي والكينونة والفكرة والمادة أنما هما صورتان مختلفتان لظاهرة واحدة تحمل اسما عاما هو أسم الطبيعة أو المجتمع. فالواحد منهما إذن ليس نفيا للآخر، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فهما لا يكونان نفس الظاهرة.
وكذلك لا تعني الفرضية الماركسية القائلة أن الوعي سلبي ولا عمل له أن الماركسيين "ينكرون عمل الوعي" الخ... لأن القول بذلك يؤدي إلى الخلط بين الماركسية وبين النظريات الخاطئة التي تقول بها فلسفة "الظاهرية المصاحبية" كما يؤدي إلى إتباع مزيفي الماركسية. فإذا كان الوعي لا عمل له فلماذا كتب ماركس هذا العدد الضخم من المؤلفات وأسس العالمية الأولى، واستخدم جميع الوسائل لنشر أفكاره؟
تعني الفرضية الماركسية أن لا مصدر لمضمون وعينا الا الخواص الموضوعية التي تبدو في الظروف الخارجية التي نعيش فيها والتي نشعر بها في أحاسيسنا.
فلا توجد تصوراتنا ولا توجد "انيتنا" الا بمقدار وجود الظروف الخارجية التي تولد انفعالات "انيتنا"... لأن الشيء القائم في الخارج سابق على الصورة التي نتصوره بها، وتتأخر هنا أيضا الصورة عن الشيء ومضمونه. فإذا ما نظرت ورأيت شجرة فهذا يعني ببساطة أن الشجرة موجودة قبل أن تنبعث صورة الشجرة في ذهني، وان هذه الشجرة هي التي ولدت فيَّ صورة الشجرة.
فالوعي هو انعكاس لحركة المادة في دماغ الإنسان.
وتعني الفرضية الماركسية أخيرا ان الوعي سواء من وجهة نظر تاريخ الطبيعة أو المجتمع أم من وجهة نظر تاريخ الفرد وشخصية كل منا أنما هو نتاج تطور تاريخي.
يسبق الوعيَ، وهو عبارة عما يجري في دماغنا، خلال تطور الطبيعة، تغيير مادي مماثل، وهو عبارة مما يجري خارجنا، وسوف يتبع هذا التغيير المادي تغيير فكري مماثل.
يسبق التطور الفكري من ناحية الوعي تطور للظروف الخارجية من الناحية المادية فتتغير أولا الظروف الخارجية التي تمثل الناحية المادية ثم يتغير الوعي الذي يمثل الناحية الفكرية.
يكوِّن هذا الأمر، الذي يمكن لكل إنسان أن يتأكد منه، البرهان التجريبي للنزعة المادية وتعلق الوعي بالنسبة للكينونة كما أنه يبرهن على أن الوعي لا يمكن أن يكون رأساً انعكاساً دقيقاً للواقع كالانعكاس الذي يحدث في المرآة بل هو انعكاس حي متحرك في تطور دائم.
ولا شك أن ذلك لا يبدو لنا لأول وهلة حينما نفكر: إذ يبدو أن الفكر يقوم بذاته بصورة رائعة. ويمكن أن نتخيل، كما كان يقول ديكارت، أنه يكفينا أن نفكر كي نوجد، وأن هذا التفكير لا يحتاج إلى الجسم كي يتم. ولهذا كان الفلاسفة المثاليون سعداء بتفكيرهم حتى أنهم مستعدون للاعتقاد بأن كل موجود أنما هو موجود بفضل تفكيرهم الحر. فهم يجهلون الجذور الطبيعية الاجتماعية للفكر ولذلك يعتقدون أن كل شيء يصدر عن هذا الفكر ولهذا يطأطئون رؤوسهم ساجدين أمام الفكر ويرددون مع بول فاليري:
"كل الكون يتهادى ويرتجف فوق جذعي".
وهذه محاولة خطرة عابثة ألا وهي الاعتقاد بأن الأفكار تقوم بذاتها وتتطور من نفسها، وأن الوعي عبارة عن إله داخلي جبار. وقد حارب هذا الوهم الفيلسوف المادي الكبير ديدرو، فهو يشبه عملية تكوين النزعة المثالية بأوهام البيان الذي يخيل إليه، وقد وهب الاحساس، أنه وحيد في عصره ويعتقد بأن كل "أنغام الكون" تجري في داخله.

3 – الفِكْر وَالدّمَاغ
حاربت النزعة المادية باستمرار هذا الوهم. ولقد قال ديدرو بفرضية تدعي أن المادة يمكن أن تفكر. كما كتب ماركس يقول: "لا يمكن فصل الفكر عن المادة المفكرة. لأن هذه المادة هي أساس جميع التغييرات التي تحدث".
كما يقول انجلز من ناحية أخرى:
"مهما بدا لنا وعينا وتفكيرنا أنهما متعاليان فهما ليسا سوى ثمرة عضو مادي ألا وهو الدماغ".
وكذلك يقول لينين: يدلنا منظر العالم على كيفية تحرك المادة و "كيفية تفكيرها".
كما يلاحظ أن القول بأن الفكر ليس حركة بل هو "الفكر" هو قول علمي كالقول بأن "الحرارة ليست حركة، بل هي الحرارة".
تدل العلوم الطبيعية على أن عدم اكتمال نمو الدماغ عند شخص من الأشخاص يكون عائقا مهما أمام نمو الوعي والفكر: ذلك هو شأن الأغبياء. لأن الفكر نتاج تاريخي لتطور الطبيعة وبلوغها درجة سامية من الكمال" يتمثل في الأنواع الحية في الأعضاء والحواس والجهاز العصبي ولا سيما في جزئه الأعلى المركزي الذي يسيطر على الجسم بأكمله ألا وهو الدماغ. فالدماغ يعكس في نفس الوقت الظروف التي تحيط بالجسم كما يعكس الظروف الخارجية.
فمن أين يبدأ الوعي والفكر؟ يبدأ من الإحساس بتأثير حاجاته الطبيعية. فالعمل والتجربة والإنتاج هي التي تثير أولى حركات الفكر في بدء الجنس البشري. ومصدر الأحاسيس هو في المادة التي يشتغل بها الإنسان وليس العمل ثمرة اللعنة كما تقول التوراة: "ستكسب خبزك بعرق جبينك" لأن العمل هو اتحاد جوهري بين الإنسان والطبيعة، وهو نضال الإنسان ضد الطبيعة في سبيل العيش كما أنه مصدر كل تفكير.
"أن خطأ كل نزعة مادية الأساسي في الماضي هو أن الشيء والواقع والعالم الحسي لم يكن يُنظر إليها كنشاط إنساني ملموس في ميدان العمل".
ولقد دلل انجلز في نص مشهور كيف أن العمل، باكثاره من أحاسيس الإنسان في أول خروجه من الحيوانية، قد نمى يده وبذلك نمى دماغه مما أتاح له القيام بتقدم عملي جديد. وهكذا اليد، عضو العمل، هي ثمرة العمل.
وتعلمنا العلوم، من ناحية ثانية، أنه إذا ابتعد فرد من الأفراد عن الحياة الاجتماعية تعطل تفكيره وتداعت ذاكرته وتخاذلت ارادته فتصبح لا شيء. فإذا لم يعرف قط الحياة الاجتماعية زال خلقه الإنساني. فلقد رأينا اطفالاً تركوا في الغابات فحضنتهم الذئاب فإذا بهم يتخلقون بأخلاق الذئاب.
ويلاحظ انجلز أن كل عمل إنساني كان ولا يزال منذ البداية عملا ضمن المجتمع والا لما استطاع الإنسان أن ينجو من الأخطار الطبيعية. وهذه الملاحظة مهمة جدا لفهم أصول الفكر والتأمل، لأن العمل يوضح جوانب جديدة للواقع، كما أنه يثير مشاكل جديدة. فهو يكشف عن علاقات موضوعية جديدة لا تكفي الأحاسيس للتعبير عنها، بيد أن العمل يتطلب جهداً مشتركاً وعملا مشتركاً لكي تتوحد جميع الطاقات لجماعة من الناس فتعمل في موضع معين ووقت معين، كتحريك صخرة مثلا. ولكي ندفع الناس إلى العمل حقاً نحتاج إلى اشارة وإلى أمر: ولكن كلما ازداد تعقد العمل لم يعد الصراخ أو الحركة كافيين ووجب القدرة على شرح العمل الذي يجب القيام به، أي أننا بحاجة إلى إشارات جديدة في نوعها تعبر عن العلاقات بين الأحاسيس ألا وهي الكلمات. وهكذا يتخذ العمل طابع تبادل الناس الانفعالات التي يثيرها فيهم. العمل إذن هو الذي أثار الحاجة للاتصال فتولد عن ذلك اللغة التي هي عبارة عن اتصال بالآخرين قبل أن تكون تعبيراً.
ويزداد، في نفس الوقت، غنى دماغ الإنسان بعلاقات جديدة. لأن الدماغ نتاج اجتماعي، وأخيراً يعني ظهور الفلسفة ظهور الفكر الصرف والتأمل. وهذه خطوة مهمة. فلا لغة ولا فكر بدون العمل الذي هو نشاط اجتماعي.
يقولون أن الأفكار تأتي إلى ذهن الإنسان قبل أن يعبر عنها في حديثه وأنها تولد بدون واسطة اللغة عارية من غطاء اللغة. ولكن مهما كانت الأفكار التي ترد على ذهن الإنسان فهي لا يمكن أن تولد وتوحد الا معتمدة على اللغة والفاظها وجملها. فليس هناك أفكار خالية من وسائل اللغة ومن "مادتها الطبيعة".
"لأن اللغة هي واقع الفكر المباشر" (ماركس) ويظهر واقع الفكر في اللغة. والمثاليون وحدهم يمكنهم التحدث عن فكر منفصل عن "المادة الطبيعية" وهي اللغة، أو عن فكرة بدون لغة.
ولقد اثبتت العلوم الطبيعية صحة هذه النظريات التي قالت بها النزعة المادية الجدلية، كما تنبأ لينين، وذلك في أعمال العالم الفيزيولوجي الكبير بافلوف.
فلقد اكتشف بافلوف أن عمليات النشاط الذهني الأساسية أنما هي انعكاسات مشروطة تثيرها الأحاسيس الداخلية أو الخارجية وهي تحدث في ظروف معينة، كما أنه دلل على أن هذه الأحاسيس تستخدم كاشارات لكل نشاط الجسم الحي.
كما اكتشف أن الكلمات ومضمونها ومعانيها يمكن أن تحل محل الأحاسيس التي تبعثها الأشياء التي تدل عليها فتثير بدورها انعكاسات مشروطة وردود فعل عضوية أو لفظية. فتكون بذلك إشارات للإشارات أي نظاماً ثانياً للإشارات يقوم على أساس النظام الأول وهو خاص بالإنسان. اللغة إذن هي الشرط لنشاط الإنسان الأسمى، وعمله الاجتماعي، وهي تحمل الفكر المجرد الذي يتجاوز الإحساس الحالي. اللغة هي التي تتيح للإنسان أن يعكس الواقع بأكبر قدر من الدقة.
ولقد برهن بافلوف في الوقت ذاته على أن ما يحدد وعي الإنسان في الأساس ليس هو جسده ولا الظروف الحيوية كما يعتقد الماديون السذج والمحللون النفسيون بل المجتمع الذي يعيش فيه ومعرفته لهذا المجتمع، وهكذا تتعلق الناحية البيولوجية في الإنسان بالناحية الاجتماعية لأن الظروف الاجتماعية للحياة هي التي تحدد الحياة العضوية والحياة الذهنية فالفكر بطبيعته ظاهرة اجتماعية.
يحق إذن القول بأن الدماغ هو عضو الفكر فقط وهذا لا يخالف أبدا قول الماركسية الأساسي.
"ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم".

4 – درَجَتَا المَعرفَة
تتيح أبحاث الفيزيولوجي بافلوف واكتشافاته أن نحدد بدقة الطريقة التي يتكون بها في الوعي انعكاس الواقع والكينونة أي تكون المعرفة.
لنضرب على ذلك مثلا بسيطا: كيف نعلم الطفل معنى الكلمات المستعملة؟ يجب اطلاعه عدة مرات متتالية على الشيء الذي تعنيه الكلمة، وفي نفس الوقت يذكر له الاسم ويُحمل على لفظه كلما كان ذلك ضروريا حتى يجمع من تلقاء نفسه بين الكلمة والشيء، يعرف كيف يستعمل الكلمة عند غياب الشيء أي بصورة تجريدية.
وهكذا أصبح معنى الكلمة بعد تمثله يمثل فكرة الشيء، وتتكون هذه الفكرة وهذا المفهوم على أساس الأحاسيس المتكررة وعلى أساس اللغة التي تشير إلى هذه الأحاسيس. هناك إذن درجتان للمعرفة: الإحساس المباشر، والفكرة المجردة (أو المفهوم) والاحساس بمفرده معرفة أقل كمالاً من الفكرة، فطالما لم ير الطفل الا البجعات البيضاء فسوف يعتقد أن البجعة طائر أبيض وهذا خطأ نوعا ما. اما عالم الحيوانات الذي يعرف البجعة بتعريفها العلمي فسوف يكوّن عنها فكرة أدق وأصدق وأكثر مطابقة لها.
وهكذا نرى أن الفكرة المجردة هي التي تعكس بدقة الواقع. ولكن هذه الفكرة العلمية عن البجعة لم تتكون الا على أساس حصر أنواع البجع التي توجد في الطبيعة أي على أساس الأحاسيس.
أما فيما يتعلق بالأشياء "المجردة" بذاتها كفكرة القرابة مثلا فأن الطفل لا يمكنه تلقيها الا بواسطة الاستعمال الاجتماعي الذي يتكرر غالبا.
ولنضرب على ذلك مثلاً أشد تعقيدأ. يرزح التاجر الصغير تحت عبء الضرائب الثقيل. كما تهدد البطالة عامل النسيج وكذلك يربح الموظف الصغير 20000 فرنك في الشهر.
لنفرض أن الأول يقرأ جريدة "الأورور". والثاني جريدة "فرانك تيرور". والثالث جريدة "الفيجارو". يجد كل منهم صدى لشقائه في جريدته، فمحرر الجريدة البرجوازي يتألم لمصير الفقراء المحزن.
تعكس هذه الجرائد الوضع إذن في مظاهره الحية ولا تتعدى ذلك. فهي تحذر جيداً من أن تشرحه وتفسره فتتهم إسراف الإدارة أو عدد المؤسسات الصغيرة أو عدد الفلاحين.
أما قارىء جريدة "الأومانيتي" أو قارىء تقرير وضعه موريس توريز، فلسوف يجد التفسير الذي يضع بيدنا مفتاح جميع أوجه الوضع، كتحليل أزمة الرأسمالية وتناقضاتها، وفكرة قانون الرأسمالية الأساسي الحالي الذي يعكس الواقع بعمق، والجري وراء الربح الأقصى.
وهكذا تنتقل المعرفة من الحسي إلى العقلاني في جميع الميادين. ويرى باركلي أن رؤيتنا للشمس مسطحة حمراء "دليل" على أنها لا توجد إلا في وعينا، أما الماركسية فهي ترى أن ذلك ليس سوى دليل على أن المعرفة الحسية غير كافية لأنها إذا كانت تصلنا بالواقع فانها لا تجعلنا نفهم ما هو الواقع.
ولقد علمتنا الجدلية أنه يجب علينا، كي نفهم ظاهرة ما، أن نربطها بظواهر أخرى هي أصلها، وأن ندرك تناقضاتها الداخلية. لأن العلم والمعرفة بواسطة الأفكار لا يجعلاننا نعرف فقط كيف تكون الشمس حقيقة بل لماذا نراها مسطحة حمراء. فالعلم يطلعنا على جوهر الظواهر.
تختلف المعرفة المنطقية عن المعرفة الحسية... وذلك لأن المعرفة الحسية تحيط بجوانب الظاهرة الخاصة وعلاقة الأشياء الخارجية، بينما المعرفة المنطقية تحيط بالأمور المشتركة بين الأشياء، فهي تحيط بمجمل الأشياء وجوهرها وعلاقتها الداخلية فتؤدي إلى اكتشاف التناقضات الداخلية في العالم الذي يحيط بنا، وتتمثل بذلك تطوره والعديد من علاقاته الداخلية.
والانتقال من الدرجة الأولى للمعرفة، وهي درجة الاحساسات والتأثرات والانفعالات، إلى الدرجة الثانية، وهي درجة المفاهيم، أنما هو مثال رائع على الجدلية لأن تجمع الاحساسات الكمي هو الذي يحدث الظاهرة النوعية الجديدة الا وهو "المفهوم".
الدرجة الأولى للمعرفة هي ما يسمى بالدرجة الانفعالية للمعرفة أي درجة الاحساسات والتأثرات.
ويؤدي استمرار الاستعمال الاجتماعي في تجربة الناس إلى تكرار الأشياء التي يدركونها بحواسهم والتي تؤثر فيهم. فيحدث في دماغ الإنسان قفزة في عملية المعرفة: إذ يظهر المفهوم. ويمثل المفهوم بطبيعته تمثل طبيعة الأشياء وما بينها من عناصر مشتركة وعلاقتها الداخلية.
وهناك اختلاف بين المفهوم والإحساس وهو ليس اختلافاً كمياً بل هو اختلاف نوعي أيضاً.
ويقول لينين: "المفاهيم هي أسمى ما ينتجه الدماغ، والدماغ نفسه أسمى ما تنتجه المادة.
فإذا كان هناك تناقض في أفكار الناس فذلك لأن هناك تناقضاً في الواقع الذي يعكسه تفكيرنا. وجدلية الأشياء تحدث جدلية الأفكار والعكس ليس صحيحا.
ولقد قال ماركس: ليست حركة الفكر سوى انعكاس لحركة الواقع بعد أن انتقلت إلى دماغ الإنسان.

5 – الخلاصة
ندرك الآن أهمية النظرية الماركسية من الناحية العلمية فيما يتعلق بأسبقية المادة على الوعي.
أولاً: إذا كانت الظروف هي التي تتغير أولا ثم يتغير وعي الناس فلا يجب البحث عن سبب أية عقيدة نظرية أو مثالية في أدمغة الناس أو في مخيلاتهم أو عبقريتهم المبدعة بل في تطور الظروف المادية لأن الفكرة التي تقوم على دراسة هذه الظروف هي الفكرة الصائبة المقبولة.
ثانياً: إذا كان وعي الناس وعواطفهم وأخلاقهم وعاداتهم تحددها الظروف الخارجية، فأنه يصبح من البديهي أن تغيير هذه الظروف وحده يمكن أن يغير وعي الناس. فليس هناك إنسان خالداً أو "طبيعة إنسانية خالدة". ومن الطبيعي إذن أن يكون الإنسان، في نظام يقوم على الملكية الفردية ويحتدم فيه النضال الفردي من أجل الحياة، ذئباً يفترس أخاه الإنسان. كما أنه من المحتم أن تنتصر أفكار الأخاء بين الناس في نظام تحتدم فيه المنافسة الاشتراكية ويقوم على الملكية الاشتراكية.
الإنسان ليس صالحاً ولا طالحاً بل هو ما تصنع منه الظروف. وتحمل الماركسية جواباً حاسماً على السؤال الذي يردده المفكرون البرجوازيون الا وهو:
هل يجب القول بأن "المؤسسات السيئة" هي التي تجعل الإنسان شريراً أم أن الشر الكامن في الإنسان هو الذي يفسد "المؤسسات"؟ لسنا بصدد "المؤسسات" وأنما نحن بصدد الرأسمالية التي تفسد الإنسان. ولهذا كانت فكرة الثورة عن طريق "الإصلاح الأخلاقي" فكرة كاذبة.
ويمكن أن يتكون إنسان جديد، له وعي جديد اشتراكي في ظروف معاشية جديدة اشتراكية.
فماذا يجب من أجل ذلك؟ الإسراع في إيجاد هذه الظروف الجديدة بتحويل الواقع الاجتماعي والنظام الرأسمالي الظالم. أو كما يقول ماركس: "اذ كانت الظروف تكوِّن الإنسان فيجب تكوين هذه الظروف بصورة إنسانية".
وهكذا تبدو بوضوح العلاقة بين النزعة المادية وبين الاشتراكية. ولقد بدت لنا هذه العلاقة سابقا عند عدد من الفلاسفة الفرنسيين في القرن الثامن عشر، وهكذا اضطر الزعماء الاجتماعيون الديمقراطيون اليمينيون ـ الذين لا يؤمنون بالاشتراكية ـ إلى بذل جهودهم لتشويه الماركسية برفض النزعة المادية، والتجأوا وراء النزعة المثالية الرجعية كما سنرى في دروس أخرى.
أما النزعة المادية فهي تفتح، على العكس، أمام البروليتاريا والإنسانية طريق تحررها المادي والثقافي الا وهو الطريق الثوري.
الدّرسُ الحَادي عشر
ميزة النّزعَة الماديّة الماركسيَّة الثالِثة
مَعرفة العَالَم ممكنة


1 – الملجأ الأخير للنزعة المثالية
2 – النظرية الماركسية
أ) أثر الناحية العلمية
ب) تشويه الفكرة الماركسية عن الناحية العلمية
3 – الحقيقة النسبية والحقيقة المطلقة
4 – اتحاد النظرية بالناحية العملية

1 – المَلجَأ الأخِير للنّزعَةِ المثاليَّة
رأينا في الدرس السابق أن ظهور النزعة المثالية الذاتية عند باركلي في القرن الثامن عشر يُفسَّر بضرورة إنقاذ النزعة المثالية الموضوعية للدين بطريق غير مباشر. غير أن فلسفة باركلي كانت عاجزة عن أن تفسر تقدم العلوم الذي حدث في عصرها. مثال ذلك الرياضيات. فقد تجاهلتها فلسفة باركلي وأعلنت أنها عبث لا طائل وراءه. ولقد رأينا أن الفلاسفة المثاليين أمثال باركلي يتحاشون الخوض في المسائل العلمية. غير أن هذا لا يكفي. فلقد بلغ من تطور العلوم، منذ القرن الثامن عشر، ولا سيما بعد أن وضع نيوتن النظرية الميكانيكية العامة عن الكون، أن أصبح وضع باركلي لا يمكن الدفاع عنه، فاضطرت النزعة المثالية إلى أن تبحث لها عن وضع للتراجع فكان لابد من إتاحة الفرصة للدين أن يستمر وأن يستفيد من الشك، وذلك حسب ادعاء الفلسفة الجديدة في قولها: "تدعي النزعة المادية أن المادة هي الأولى ولا علم لنا بذلك".
وهكذا تحاول هذه الفلسفة أن تبدو " كطريق ثالثة" بين النزعة المثالية الذاتية وبين النزعة المادية، فهي ترفض أن تتخذ موقفا معينا بصدد مشكلة الفلسفة الأساسية بقولها أنه لا يمكن اتخاذ موقف معين، فتدعي أنها تتخذ موقفاً "نقدياً" لا موقفاً "عقيدياً".
كانت النزعة المثالية الموضوعية تعلق المادة بفكر عام شامل، بينما كانت النزعة المثالية الذاتية تذيب المادة في وعينا. غير أن النزعة المثالية الموضوعية قد قضت عليها علوم الطبيعة بينما قضت الفيزيولوجيا والعلوم الاجتماعية على النزعة المثالية الذاتية، ثم تأتي فلسفتنا الجديدة التي تقول: "من أين لكم أن تعرفوا أن العلم يجعلنا نعرف الواقع كما هو؟"
لا شك أن العلوم موجودة. ولكن كي نعرف ما إذا كان الواقع الموضوعي هو في مبدئه مادة أو فكر، يجب أن نعرف أولاً ما إذا كان ذهننا يمكنه معرفة الواقع الموضوعي في ذاته. وهكذا لا تعلق هذه "الفلسفة الثالثة" المادة بالفكر وهي لا تذيب المادة في الوعي بل هي تفكر كما لو كان كل منهما غريباً عن الآخر، كما لو كانت المادة لا يمكن للفكر أو المعرفة تمثلها، كما لو كانت معرفتنا عاجزة أيضاً عن أن تسبر غور الطبيعة وإمكانيات فكرنا.
وتسمى هذه النزعة، التي تدعي أنه لا يمكن الإجابة على السؤال الأساسي للفلسفة لأننا عاجزون ـ وسنظل كذلك دائما ـ عن معرفة مبادىء الأشياء الأولية، تسمى هذه النزعة "باللاأدرية" (agnosticisme) (وتتألف هذه الكلمة من كلمتين يونانيتين تعنيان " العجز عن المعرفة").
رائد هذه الفلسفة في القرن الثامن عشر هو دافيدهيوم الأيقوسي. وممثلها الرئيسي هو عمانويل كنت الألماني (1724 ـ 1804) وقد عاش في أيام الثورة الفرنسية وتحدثنا عنه سابقا.
ولقد اتخذ، في فرنسا، في القرن التاسع عشر، أوجوست كومت (1798 ـ 1857 ) موقفاً مشابهاً، وكذلك عدد من المؤلفين الذين تمتزج عندهم اللاأدرية بصورة النزعة المثالية الأخرى.
(لا نجد في الحقيقة عند هؤلاء المؤلفين النزعات الفلسفية في حالتها الصرفة كما نجدها عند مؤسسي المذاهب بل نجد عندهم مزيجاً غير مستقر).
هذا وقد قامت فلسفة كنت بدورها في الحركة العمالية لأن أعداء الماركسية قد اعتمدوا عليها لمحاولة القيام "بإعادة النظر" في الماركسية.
فلنر إذن "حجج" اللاأدرية. كتب هميوم يقول:
"يمكن أن نعتبر أن من البديهي أن الناس يميلون بغريزتهم "الطبيعية... إلى الاعتماد على حواسهم، وأننا نفترض، في أي نقاش، وجود عالم خارجي لا يتعلق وجوده بإرادتنا بل هو موجود حتى ولو فنينا مع جميع الكائنات ذات الحساسية".
وهكذا نرى أنه حتى هيوم يعترف بأن النزعة المادية مما يقول به الرأي العام. ولكن تزعزع هذا الرأي الأساسي الشامل أشد الفلسفات سطحية، تلك التي تعلمنا أن لا شيء يتمثله الذهن سوى الصورة أو الأدراك. فتبدو الطاولة التي نراها أصغر إذا ابتعدنا عنها، بيد أن الطاولة الحقيقية التي توجد مستقلة عنا لا تتغير. وهكذا لم يدرك ذهننا سوى صورة الطاولة.
ها نحن أولاء إذن أمام صيحة على طريقة باركلي: فلنذكر مثال الشمس "المسطحة الحمراء" (الدرس السابق) مع فارق واحد وهو أن باركلي كان ينكر وجود المادة المستقل. فهيوم لا ينكر ذلك بل هو يقول بوجود "طاولة حقيقية" توجد مستقلة عنا لا تتغير بينما تتغير احساساتنا، غير أننا لن نعرف قط ما هي هذه الطاولة لأننا لا نعرف منها سوى الصور النسبية التي تنقلها إلينا حواسنا. أما الطاولة نفسها فهي لا يمكن معرفتها.
وهكذا يميز هيوم في الواقع بين مستويين: من ناحية الطاولة كما نراها، الطاولة بالنسبة إلينا التي تبدو في وعينا على شكل صورة وهي طاولة ذاتية، ومن الناحية الثانية، الطاولة الحقيقية، الطاولة في ذاتها، التي هي خارج وعينا، وهي طاولة موضوعية تكون الواقع ولكنها لا يمكن معرفتها. الخلاصة اننا لن نعرف قط سوى مظاهر الأشياء وسوف نجهل كينونتها، ولهذا لا نستطيع تحديد موقفنا من النزعة المثالية والنزعة والمادية. ذلك لأن المثالي والمادي اللذين يتناقشان باستمرار حول ماهية الأشياء في ذاتها، أهي مادة أم فكر، يشبهان رجلين يمشيان على الثلج وقد وضع أحدهما على أنفه نظارات زرقاء بين وضع الاخر نظارات وردية وقد أخذا في النقاش لمعرفة لون الثلج، فالمادي يرى الأهمية في الناحية المادية للأشياء بينما يرى المثالي الأهمية في الناحية الفكرية. أما تحديد ماهية الأشياء في ذاتها فهي خدعة باطلة، لأن كلا منهما "سجين نظرته" وهكذا تقدر أهمية هذه الفلسفة بالنسبة للذين يدعون "البقاء على الحياد" والمحافظة على "التحفظ العلمي".
وسوف يتدخل "كنت" بصدد العلم معتمداً على أفكار هيوم. ولقد اشتهر عن "كنت" أنه فيلسوف صعب جداً. ونحن نلقى في الواقع، أفكار "كنت" في كل مكان. ولا سيما الفكرة القائلة بوجود "سر" للأشياء، وأنه يستحيل علينا اكتناء هذا السر. هذا الحياد الخاطىء الذي فرض على المدرسة البرجوازية كما لو كان من الممكن الأخذ بالقسطاس المبين بين الحقيقة والخطأ، بين العلم والجهل، وهذه هي الفكرة القائلة بأنه لا يجب أن يشتد الإنسان في تأكيده، وأن الحق في كل مكان، وأن "لكل إنسان وجهة نظره" الخ...
كل ذلك نموذج صرف للأفكار التي يمكن أن تضلل الجماهير.
يعتمد "كنت" إذن على التمييز بين الشيء في ذاته الذي لا تمكن معرفته، وبين الشيء بالنسبة إلينا في ظاهره الذي يتولد عن الأثر الذي يحدثه الشيء في ذاته على أعضاء حواسنا، فنحن لسنا في الأشياء ولن نكون فيها قط. هذا من ناحية ومن ناحية ثانية تتعدد الظواهر وتختلط وتتناقض. ولهذا فلسوف تكون مهمة العلم هي تنظيم هذه الظواهر وتكوين لوحة منسجمة ترضي حاجتنا إلى المنطق. فكيف سيحدث ذلك؟ يقول "كنت" أن الذهن الإنساني هو الذي يفسر معطيات الحواس حسب متطلباته الخاصة، وليس العلم سوى ثمرة هذا التفسير. وهكذا تكون قوانين العلم ـ التي هي عبارة عن العلاقات بين الظواهر ـ ثمرة الذهن الإنساني فقط. فهي بدلا من أن تعكس قوانين المادة الحقيقية فأنها تعكس "قوانين" الذهن الإنساني ومتطلباته، وهي بدلاً من أن تمثل الحقيقة الموضوعية فأنها لا تمثل سوى حقيقة ذاتية. وهي لا تتعلق، حقاً، بزيد أو عمر من الناس ولكنها تظل مع ذلك، عند "كنت" متعلقة بالذهن الإنساني (كما لو كان يمكن أن يكون هناك ذهن الهي يرى العالم بطريقة أخرى).
ما هي نتيجة هذه النظرية؟ يطفو العلم على سطح الأشياء ويجري تطور العلوم الوهمي على ستار يكمن وراءه سر مطلق خالد لا يُسبر غوره. ولهذا لا يجب أن ننسب للعلم أية حقيقة مطلقة. فهو ليس سوى تفسير. وهكذا تفضي فلسفة "كنت" الى الشك والجمود حتى في ميدان البحث العلمي النظري.
يفضي الأمر باللاأدريين إلى عدم التمييز بين أخطاء العلم في الماضي وحقائق العلم اليوم. فهم يقولون: "أن ما هو حقيقة اليوم سيصبح خطأ غداً" ثم يخلصون إلى القول بأن العلم اذا أخطأ مرة لا يمكننا معرفة متى لن يخطىء. فهم يخلطون بين ذهن العالم النقدي المنهجي في مختبره وبين ذهن الشك الشامل. فهم يرون أن المعرفة تقيم حاجزاً بيننا وبين العالم. ومن هنا كانت الأقوال التي لا تنتهي والتي نشرتها الجامعة البرجوازية حول قيمة العلم وإفلاس العلم الخ... فإذا كان العلم لا يبحث الا في المظاهر فأنه في النهاية ليس سوى مظهر علم ومظهر معرفة.
قلنا أن اللاأدرية اتخذت أشكالاً متشابهة يجب علينا معرفتها. فهذه نزعة أوجوست كومت تؤكد أنه يجب على العلم أن يكتفي بادراك العلاقات بين الوقائع دون البحث عن سبب هذه العلاقات، يجب عليه أن يحرم على نفسه البحث عن "سبب" الأشياء وأن لا يسعى للوصول إلى المطلق، لأن كل بحث من هذا النوع وكل نظرية تفسيرية للظواهر توضح جوهرها يرفضها أوجوست كومت لأنها "ميتافيزيقية" مستخدماً هذه الكلمة استخداماً غير شرعي. تلك هي عقيدة الجامعة البرجوازية الرسمية فيما يتعلق بالعلم.
أما النزعة "الأسمانية" (Nominalisme) التي قال بها، مثلا، هنري بونكاريه فهي ترى أن العلم ليس سوى "لغة" وطريقة لصوغ ما ندركه من الظواهر، وهي ليست قط تفسيرا نهائيا للواقع. حتى أن هنري بونكاريه يشك من جديد بالاكتشاف الكبير القائل بدوران الأرض حول الشمس، ولا يرى في نظرية كوبرنيك سوى "لغة". لا تعطي هذه الفلسفات فكرة خاطئة عن العلم فقط بل تدفع به في طرق يصبح فيها مجدباً، فهي تحرمه من جرأة العلم في عصر النهضة، وتعمل على جعل العلم مسالما. ولقد كان لجميع هذه النزعات، منذ مئة عام خلف كثير في فرنسا وفي ألمانيا وفي انجلترا وفي أميركا، ونجحت نجاحا باهرا في ميدان العلوم الاجتماعية.
ولنوجز القول الآن في اللا أدرية:
1ـ لا تجابه اللا أدرية العلم وجها لوجه، لأن ذلك لم يعد ممكناً أيام "كنت" و "كومت". كما أنها لا تنكر وجود الواقع الموضوعي، فهي أمام العلم، إذن، مادية، ولكنها تسرع إلى القول بأن العلم ليس كل المعرفة. يسعى اللاأدري إذن إلى التقليل من رصيد العلم. وإلى إخفاء محتواه المادي وقيمته كمعرفة، وإلى الهروب من المادة مع القول بها بصورة لا تجلب المضايقات. يعني ذلك أنها تسعى إلى مصادرته لخدمة النزعة المثالية. ولسوف يُستخدم العلم للتغني بفضائل "الذهن الإنساني". وهذه النزعة المادية، باختصار هي نزعة مخجلة.
وإذا حاول أنصار "كنت" المحدثون في المانيا أحياء أفكار "كنت" من جديد، أو حاول اللاأدريون في انجلترا أحياء أفكار "هيوم" من جديد، فأن ذلك، من الناحية العلمية، تقهقر بالنسبة لدحض هذه الأفكار نظرياً وعلمياً منذ أمد طويل. كما أن ذلك، من الناحية العلمية، طريقة مخجلة لقبول النزعة المادية خفية ونكرانها جهاراً.
2ـ يتفق هذا الموقف "المتوسط" مع حاجات البرجوازية التي لم يكن يمكنها، في عصر ازدهار الرأسمالية، الاستغناء عن تطور العلوم في خدمة الإنتاج والتي كانت تبحث، في نفس الوقت، عن حل وسط مع الأفكار الإقطاعية ومع الدين لأنها بحاجة إلى توطيد سلطانها، كما كان الحال في فرنسا أيام "كومت"، أو لأنها لم تكن قد تحررت من النظام الإقطاعي، كما كان الحال في ألمانيا أيام "كنت".
3ـ ليست اللاأدرية موقفا وسطا الا في الظاهر. فماذا يعني رفض المطلق، مثلاً، في السياسة عند "كومت" من الناحية العملية؟ نجد الجواب على ذلك في قوله المأثور: "لا بعث ولا ثورة"
وهذا قول برجوازي رائع. وإذا كانت اللاأدرية تكتفي بنزعة مادية مخجلة، لا تجرأ على النضال جهاراً مدعية أنه لا يمكن تحديد موقف معين، فأنها بذلك لا تترك المجال على السواء بين الخصمين بل تتركه للأقوى.
فمن هو الأقوى من الناحية العملية؟ لا شك أنها النزعة المثالية كما دلل على ذلك، لينين في "ما العمل؟" لأن النزعة المثالية أقدم، كفلسفة رسمية، ولأنها تغري العقول، نظرياً، بالسهولة.
أما النزعة المادية، فهي، على العكس، ليست رسمية، وهي صعبة لأنها عملية كما أنها غير معتادة. يشبه "تجرد" اللاأدرية إذن "عدم التدخل" عند "ليون بلوم" بين الجمهورية الأسبانية والتدخل الفاشيستي. ويعلم "كنت" جيداً أنه إذا تركنا الناس بدون جواب نظري له قيمته فأنهم سوف يسعون نحو الذين يدعون تقديم الجواب، وهم من المثاليين واللاهوتيين، لأن الناس بحاجة لليقين الفلسفي، "فالحياد" اللاأدري ليس إذن سوى رياء.
وسوف نرى، فوق كل ذلك، أن اللاأدرية لها أصول مثالية على المستوى النظري.
4ـ تؤدي اللاأدرية، أخيرا رأسا إلى التصوف ونزعة "الإيمانية" (fideisme) وهي عقيدة رجعية تقول بوجود نوع آخر من "المعرفة" يسمو على العقل، ألا وهو الأيمان.
ترفض اللاأدرية جميع محاولات العقائد الدينية للتدليل العقلاني، تلك المحاولات التي قامت بها النزعة المثالية الموضوعية لأنها تعتقد أن معرفة مباديء العالم، سواء كان الله أو المادة، غير ممكنة بواسطة العقل والفلسفة.
والخلاصة أننا لما كنا نجهل الأشياء ولما كان الإنسان محاطا بسر لا يُسبر غوره فلا مانع من أن نصل للحقيقة المثلى بواسطة طرق غير عقلانية أو صوفية. كما أنه لا مانع من أن نتيح للايمان الفرصة وأن نعتقد بأن التصوف هو المعرفة الحقة.
لا تقول اللاأدرية، كما تقول النزعة المثالية الدينية، "الدين هو الحقيقة بصورة فلسفية". بل هي تقول: "ربما لم يكن الدين خطأ، ربما كانت الحقيقة في الدين" وهكذا نرى الفرق، وهو فرق يكفي ليثير عليها صواعق الكنيسة من الناحية النظرية ومساعدتها من الناحية العملية.
نزعة الايمانية المعاصر لا ترفض العلم البتة. وهي لا ترفض سوى "مزاعمه المبالغة" وهو ادعاؤه اكتشاف الحقيقة الموضوعية. وإذا كانت هناك حقيقة موضوعية (كما يعتقد الماديون)، وإذا كانت العلوم الطبيعية، وهي تعكس العالم الخارجي في "التجربة" الإنسانية، الوحيدة التي تستطيع أن تمدنا بالحقيقة الموضوعية لوجب علينا رفض كل نزعة إلى الايمان بصورة مطلقة.
فإذا كانت اللاأدرية تجعل من العلم حقيقة ذاتية فأنها بذلك تترك للايمان الحقيقة الموضوعية. ولقد قال لينين: "إذا كشفتم الغطاء عن اللاأدري الفيتم المثالي". ولما كانت اللاأدرية تبدأ بالنزعة المثالية الذاتية فأنها تفضي إلى النزعة المثالية الموضوعية. لهذا فأن كل ما يتطلبه اللاهوت هو أن نتيح له الفرصة ليجرب حظه. وإذا كانت اللاأدرية والنزعة الموضوعية تحدان من أفق العلماء وتحرمان عليهم كل تعميم نظري واسع النطاق فأنهما تسلمانهم للأختلاقات الخيالية التي يعدها اللاهوت من أجلهم، ويخاطبهم البابا بقوله:
"أنكم ترون أن العلم عاجز. والايمان وحده يتيح لنا كشف سر الكون". غير أن النظرية الماركسية عن المعرفة ومنهج النزعة المادية الجدلية، يمكنهما أن ينقذا العلم من هذا "العجز" الذي وضعته فيه النزعة الموضوعية.

2 ـ النظرية الماركسية
تعتمد النزعة المادية الفلسفية الماركسية على المبدأ القائل بأنه يمكن معرفة العالم ومعرفة قوانينه تماما، وأن معرفتنا لقوانين الطبيعة التي تبرهن على صحتها التجربة والتطبيق العملي هي معرفة صحيحة لها معنى الحقيقة الموضوعية، وأنه ليس في العالم أشياء لا يمكن معرفتها بل هناك أشياء لم تعرف بعد، وأن هذه الأشياء سوف تُكتشف وتُعرف بوسائل العلم والتطبيق العملي. وهذا عكس ما تقول به النزعة المثالية التي لا تؤمن بإمكانية معرفة العالم وقوانينه، كما لا تؤمن بقيمة معارفنا ولا بالحقيقة الموضوعية بل تعتبر العالم مليئا "بأشياء في ذواتها" لا يمكن أن يعرفها العلم.
نرى أن ستالين يلح هنا على الدور الرئيسي الذي يقوم به التطبيق العملي كوسيلة لاكتشاف الحقيقة، وللتدليل على معارفنا، وكأساس للعلم.

أ) - أثر النَاحِيَة العمَليَّة
انتقد انجلز في نص مشهور نظرية "كنت" عن "الشيء في ذاته":
وأكبر دحض لهذه الفلسفة ولغيرها من الفلسفات الأخرى هو التطبيق العملي ولا سيما التجربة الصناعية. فإذا استطعنا التدليل على صحة نظرتنا لظاهرة طبيعية بواسطة خلق هذه الظاهرة بأنفسنا وتوليدها بواسطة ظروفها واستخدامها في خدمتنا فأن ذلك يقضي على "الشيء في ذاته" الذي لا يمكن إدراكه كما يقول "كنت".
ولقد ظلت المواد الكيمائية التي تتولد في الأجسام النباتية والحيوانية "أشياء في ذاتها" حتى أخذت الكيمياء العضوية بتحضيرها الواحدة تلو الأخرى، فأصبح "الشيء في ذاته" شيئا من أجلنا كمادة الأليزرن، التي لم نعد نزرعها في الحقول بل نستخرجها بسهولة ورخص من قطران الفحم الحجري.
لقد ظل نظام كوبرنيك الشمسي، خلال ثلاثمئة سنة، فرضية تدور حولها المراهنات ولكنها ظلت فرضية حتى إذا ما حسب لوفيرييه بواسطة الأرقام التي حصل عليها بفضل هذا النظام، ضرورة وجود كوكب مجهول ومكان هذا الكوكب في السماء، ثم اكتشفه جال فيما بعد، دل ذلك على صحة نظام كوبرنيك.
فلماذا يدحض التحليل العملي الفلسفة اللاأدرية؟ كيف يدحض التطبيق العملي نظرية ما؟ إلا يخرج بنا هذا من ميدان الفلسفة كما يدعي المثاليون؟
فليلاحظ أولا أن وجهة نظرهم هزيلة فهم يدعون أن للعلم قيمة صناعية وأنه يمكن استخدامه، وفي نفس الوقت لا يعترفون للعلم بأية قيمة نظرية. فكيف يوفقون بين هاتين النظرتين للعلم، وماذا يريدون بالقيمة "العملية" للعلم؟
أنهم لا يحرون جوابا على كل ذلك، وإذا كان للتمييز بين الناحية النظرية والناحية العملية من معنى فهو ما يلي:
يعني ذلك التمييز التناقض في النظام الرأسمالي بين العمل الفكري والعمل اليدوي ولا شيء آخر.
فما هي النظرية الماركسية عن الناحية العملية؟ يطلق هذا التعبير:
1 – على العمل، والإنتاج والصناعة.
2 – على البحث العلمي والتجربة والتدليل التجريبي.
3 – على التطبيق العملي الاجتماعي وهو أسمى هذه الأنواع. مثال: التطبيق العملي للنضال الطبقي. فالتطبيق العملي إذن هو نشاط الإنسان الذي يحول الواقع، وهو يبدأ بالعمل المادي والإحساس. ويعتبر "كنت" الإحساس مجرد صورة والحساسية سلبية. أما الجدلية فهي ترى أن الإحساس حركة. ولقد رأينا في الدرس السابق أن الإحساس مرتبط بالنشاط العملي.
فالحساسية والنشاط ليسا منفصلين كما يقول "كنت" كميتافيزيقي.
إذن كان التطبيق العملي هو مصدر الأحاسيس والانفعالات، كما أنه مصدر أول درجة للمعرفة، فهو أيضا إنتاج للأشياء. يقول "كنت": "نحن لسنا في الأشياء"، فهو يفصل بصورة ميتافيزيقية بين الموضوع والذات فيحدث بذلك انقطاعا بين الفكر والواقع. ولا شيء أكثر خطأ من ذلك. فنحن في الأشياء بقدر ما ننتج هذه الأشياء، لأننا بأنتاجنا لهذه الأشياء نضمنها نشاطنا وتفكيرنا. فإذا كنا نستطيع إنتاج "الاليزارين" فما ذلك ألا لأننا سيطرنا على طبيعته وعرفناها في ذاتها. وتعتقد النزعة المادية أن الوهم القائل بأن "المنتوج الصناعي" لا يساوي "المنتوج الطبيعي" لا أساس له. فإذا كانت نظرتنا لشيء من الأشياء صحيحة صادقة فان نتائج التطبيق العملي ستكون كما ننتظر منها أن تكون فيكون ذلك تدليلا موضوعيا لمعارفنا. لأن كل شيء مرتبط بعملية إنتاجه. والإنسان حين يتدخل في عملية إنتاجه يرتبط بالشيء ذاته ويدخل فيه ويبرهن على صحة نظرته.
لما كنا نستعمل هذه الأشياء لخدمتنا معتمدين على الصفات التي نعرفها لها فأننا بذلك نخضعها للتدليل الذي لا يخطىء للبرهنة على صحة مدركاتنا الحسية أو عدم صحتها. فإذا كانت هذه المدركات خاطئة فأن استعمال الشيء الذي أوحت لنا به خاطىء ولهذا وجب أن تفشل محاولتنا.
أما إذا نجحنا في تحقيق هدفنا أي إذا تحققنا أن الشيء ينطبق على تصورنا له وأنه يعطينا ما ننتظره من استعماله فأن ذلك دليل على ادراكنا للشيء وحدوده يتفق مع الواقع الخارجي، أما إذا فشلنا فلن يطول بنا الحال حتى نكتشف سبب فشلنا، وسنجد أن الإدراك الذي كان أساس محاولتنا اما أن يكون هو ناقصاً أو سطحياً وأما أنه الحق بصورة لا يبررها الواقع بمعطيات مدركات أخرى. وهذا ما نسميه تفكيراً متداعياً. فنحن طالما أخذنا أنفسنا بتثقيف حواسنا واستخدامها بصورة صحيحة وطالما حضرنا عملنا في النطاق الذي تحدده مدركاتنا طالما وجدنا أن نتيجة عملنا تبرهن على مطابقة مدركاتنا لطبيعة الأشياء المدركة الموضوعية.
وإذا ما استشهدنا بقول ذكره انجلز وهو: "أن الدليل على صحة البودنج هو أننا نأكله" وكذلك الدليل على أن العلم الحقيقي هو أنه يتيح لنا تحويل العالم الطبيعي والاجتماعي. ولهذا كتب ماركس يقول:
"أن معرفة ما إذا كان الفكر الإنساني يمكنه أن يؤدي إلى حقيقة موضوعية ليست مسألة نظرية، بل هي مسألة عملية. لأن على الإنسان أن يبرهن عمليا على الحقيقة، أي على حقيقة فكره وقوته.
وهكذا يمدنا التطبيق العملي بمعيار الحقيقة. ولربما تساءل البعض لماذا كان الأمر كذلك؟ ولماذا كان العلم ممكنا، وما هو أساس إمكانية العلم، وما هو أساس الحقيقة؟ عرفنا الجواب على هذا السؤال في الدرس السابق. فلقد حدثنا "كنت" عن (الذهن الإنساني) وأنه يشك فيما إذا كان هذا الذهن يستطيع معرفة الواقع، فهو يتخيله غريبا على المادة سابقا للتجربة، كما يعتقد أنه لا يتغير وأنه عاجز عن التحول.
وهذا هو موقفه الميتافيزيقي المعارض للجدلية، كما أن هذا يجعلنا ندرك أساس كل نزعة مثالية تعتقد بوجود الذهن وما يتمتع به من حواس لا تتبدل. ولقد رأينا أن النزعة المادية، على العكس من ذلك، تثير مشكلة أصل الذهن الإنساني وتحلها وتدلل على أنه ثمرة التطور والتجربة الإنسانية منذ آلاف السنين، كما أنه ثمرة التطبيق العملي. وهكذا يكون الوعي نتاجا اجتماعيا. فإذا كان الوعي يتولد من الطبيعة والمجتمع فهو إذن ليس غريبا عليهما، وهو يستطيع أن يعكس بدقة قوانين الطبيعة والمجتمع. كما قال لينين:
"أن جدلية الأشياء هي التي تولد جدلية الأفكار وليس العكس".
وهكذا تدلل النزعة المادية على أن الحقيقة هي الأولى وأن لم تكن للوهلة الأولى كاملة لأنها ليست سوى انعكاس الواقع في دماغ الإنسان وهذا الانعكاس عملية طبيعية، وهكذا تكون كينونة العالم ماثلة أمامنا دائما. وهذا عكس ما تقوله النزعة المثالية التي تظهر الخطأ شيئا طبيعيا في الإنسان واكتشاف الحقيقة معجزة.
فكيف تفسر النزعة المادية الخطأ في مثل هذه الأحوال؟ ولماذا كانت الحقيقة ممكنة؟ ومن أين جاءت النظريات الخاطئة عن العالم كالنظريات المثالية ولا سيما الأديان؟ يجب علينا، كي نجيب على هذه الأسئلة، أن نذكر أن للأشياء أوجها متعددة تكتشفها حواسنا بالتدريج بفضل تطور نشاطنا العملي، فإذا ما اقتصرنا على وجه من هذه الأوجه عجزنا عن أن نعرف الأشياء معرفة حقة. مثال ذلك أنه لا يمكننا معرفة صورة عصا في الماء بدقة إذا اعتمدنا فقط على ما تشاهده أعيننا. وتلك هي الحال في جميع الأشياء. فالخطأ ليس مطلقا بل هو ينشأ إذا ما عزلنا لحظة من التطبيق العملي عن جميع اللحظات الأخرى. ولهذا يمكن تصحيحه وإزالته بواسطة هذا التطبيق العملي نفسه.
ولكننا رأينا في الدرس السابق أن للمعرفة درجتين: وهي: الإحسان والإدراك. ويكون الانتقال من الدرجة الأولى إلى الدرجة الثانية تعميما وهذا مصدر ثان ممكن للخطأ، لأننا نعمم اعتمادا على أسس غير كافية. تلك هي حال من يراقب مسلك بعض السياسيين البرجوازيين حين يقول: "جميع السياسيين فاسدون". وهذه هي طريقة التفكير الميتافيزيقي التي تجعل للواقع مظهرا مطلقا، كما أن هذا نقص التحليل الذي هو مصدر الخطأ. ويجب أن نلاحظ أننا متى عممنا أمكننا التخلي عن الواقع وتشويه صورة هذا الواقع، والخطأ ليس مطلقا بل هو حقيقة مشوهة. وتكمن في عملية المعرفة ذاتها، كما يقول لينين، إمكانية الابتعاد عن الواقع على أجنحة الخيال. ذلك لأن للأفكار قوة خاصة، تدفعنا في تيارها. حتى إذا ما وجدت الأفكار وجدت بذاتها. ويعني هذا أن النشاط الذهني يمكن أن يجري بصورة مستقلة نسبيا فنفصل عن التطبيق العملي الذي يمكنه لوحده أن يتحقق من قيمة التركيبات الفكرية التي تتكون خارج نطاقه. فالتطبيق العملي هنا أيضا هو الوسيلة الوحيدة لجعل الخطأ على قدر الحقيقة والعودة بالفكر إلى "الأرض".
ويجب أن نلاحظ أن بعض ظروف الإنتاج والوجود الاجتماعي لا تساعد على إزالة الخطأ باستمرار. مثال ذلك أن ضعف تطور قوى الإنتاج في بداية المجتمعات لم يكن ليساعد الإنسان على اكتشاف الأسباب الحقيقية للظواهر الطبيعية فكانت تفسر بواسطة أسباب خيالية: ومن هنا نشأت الخرافات والأساطير والمعتقدات الدينية فقد كتب انجلز يقول:
"أن غريزة تشخيص (قوى الطبيعة) التي "أوجدت الآلهة في كل مكان (وهي تعتبر) مرحلة انتقال "ضرورية تفسر شمول الدين".
ويشجع انقسام المجتمع إلى طبقات متناحرة تعمل إحداها بينما الأخرى تملك وتدير الإنتاج وتصنع المشاريع ويمكنها أن تقوم ببعض الأعمال الفكرية، يشجع هذا الانقسام انتشار النظريات الفكرية الصرفة. فيبدو أن منتوجات نشاط الإنسان الذهني والأفكار التي يدير بواسطتها الإنتاج والحياة الاجتماعية، يبدو أنها أصل الواقع الحقيقي وأنها مستقلة بذاتها. يكوِّن هذا القلب للعلاقة بين الواقع الموضوعي والأفكار ـ وهو لا يمكن حدوثه إلا بواسطة الابتعاد عن الواقع بواسطة الخيال ـ النظرية المثالية للعالم التي تعطي عن الأشياء صورة معكوسة "خيالية" فتمثل بذلك أسمى صورة للخطأ.
وهكذا لا تدحض النزعة المادية النزعة المثالية فقط بل هي تفسر أصل هذه النزعة. كتب لينين يقول أن النزعة المثالية هي تضخم في النمو وهي احدى ميزات المعرفة التي تغرق في المطلق البعيد عن المادة. لا شك أن النزعة المثالية تعكس الواقع ولكنها تعكسه بالمقلوب وتجعله يسير على رأسه. ويقول لينين أن المثاليين هم ثمار فجة وطفيليون ينبتون على الشجرة الحية المثمرة للمعرفة الحقة الإنسانية الموضوعية المطلقة. كما كتب ماوتسي تونج يقول: "لا يمكن تصور المعرفة منفصلة عن التطبيق العملي".

ب) – تَشويه الفِكرة الماركسيَّة عَن النَاحِيَة العَمَليَّة
لقد بلغ من أهمية فكرة الناحية العملية، بعد انتشار الشيوعية، أنه يستحيل أهمالها. ولهذا حاولت البرجوازية الرجعية تبنيها وتشويهها. لأنها أرادت أن تكون لها، هي أيضا، فلسفة تقوم على العمل. وهذه هي العقيدة التي تسمى بالبرجماتزم.
ظهرت فلسفة البرجماتزم في الولايات المتحدة الأميركية أيام الغزو الاستعماري وانتشرة في أوربا أنتشاراً كبيراً ولا سيما منذ الحرب العالمية الثانية. وليس من الصعب أن نرى أن البرجماتزم نوع فج من اللاأدرية، فهي تعتقد أن أساس الحقيقة ليس مطابقة الواقع وانعكاس الواقع الصحيح ومراقبته بل هي الفائدة. ولكن فائدة من؟ فائدة زيد أو عمر، فائدة البرجوازية أم البروليتاريا؟ إذ أن كل ما هو حقيقي مفيد ما عدا أولئك الذين هم بحاجة للكذب. ولقد أصبح الكذب أفيد للبرجوازية الرجعية والحقيقة وحدها يمكن أن تكون مفيدة للبروليتاريا. أما البرجماتزم فهي تعتقد أن الحقيقة ذاتية وليست موضوعية، فهي لا تعبأ بالحقيقة في ذاتها بل هي فلسفة أشد ضروب الجهل رجعية في الفلسفات المثالية.
تقول فلسفة البرجماتزم: "الدين موجود، وهو مفيد لبعض الناس، إذن هو حقيقي" فهي تعلق الحقيقة بفوائد الطبقة المسيطرة، لأن البرجماتزم فلسفة البرجوازية المتداعية التي تنكر العلم. فهي بهذا تتغنى بأمجاد المكيافيلية.
وهكذا تبرر مصلحة الدولة (كما يقول مكارتي) اغتيال آل روزنبرج. كما تصبح صحيحة أكثر الأشياء تعارضاً إذا كانت تلك مصلحة رأس المال. وهذا يؤدي بنا الى عبادة الفائدة القصوى.
تقول فلسفة البرجماتزم، بما أنها فلسفة تقوم على العمل، بالعمل الناجح مهما كانت المباديء، فهي تعتقد أن الغاية تبرر الوسيلة، فهي بذلك فلسفة المقامرين الفاشيست حسب القول الذائع: "الحقيقة هي ما يفكر به موسوليني هذه اللحظة".
أما فيما يتعلق بالعلم فأن فلسفة البرجماتزم توحي بالتخلي عن النظرية وعن الفكر والتنبؤ. فهي تدعو إلى القيام "بالتجارب" مهما كانت، فإذا نجحت كان به وإلا فلا. وهكذا تسمح فلسفة البرجماتزم "بالتجارب" المجرمة. ولقد كانت هذه "النظرية" المجرمة زاد الأطباء النازيين الفكري وزملائهم اليابانيين الذين كانوا يجرون التجارب على السجناء، كما أنها اليوم زاد زملائهم الأميركان فيما يتعلق بحرب الجراثيم.
وينسب المفكرون البرجوازيون هذه الفلسفة إلى الماركسيين بينما يحاولون في نفس الوقت "تبرير" ما تقوم به طبقة البرجوازية. حتى يخيل لمن يسمعهم أن الماركسيين يهتمون "بالفعالية" قبل كل شيء فليس حقيقياً عندهم إلا ما يفيد أغراض طبقتهم. ويدعي بعض المفكرين نسبة نظرية "الكذب الحيوي"، التي قال بها هتلر، إلى الماركسيين.
وأما النظرية الماركسية فهي شيء آخر. فليست الفكرة صحيحة لأنها نافعة، بل هي، على عكس، مفيدة لأنها صحيحة، وهي بذلك فقط يمكن تطبيقها لأن التطبيق العملي، كما لاحظ ديكارت العقلاني، "يقضي" على الفكرة الخاطئة والمنهج الخاطئ.
ويمر الاستعمار الأميركي، كما مر هتلر، بنفس التجربة كل يوم. فليست الفكرة خاطئة لأنها فشلت، بل هي فشلت، على العكس، لأنها خاطئة موضوعياً.
أما أن تجعل من الكذب "المفيد" مساوياً للحقيقة فأن هذه خطة الانتهازي. ولا يمكن أن يدعو إلى مثل هذا المسلك إلا الوصوليون الذين لا مبدأ لهم والمقامرون الذين وَّلدهم عصر الانحطاط الاستعماري. لأن الماركسية لا تضحي قط بالحقيقة. إذ يعرف الماركسيون تحمل "الفشل" الظاهر العابر والأعلان عن الحقيقة العلمية في سبيل التطبيق العملي.
ولقد مر زمن هاجم فيه الشيوعيون لوحدهم في فرنسا مشروع مارشال على أنه ضد المصلحة الوطنية. أما فلسفة البرجماتزم فهي دائما من حيث تهب الريح لأنها لا تبحث إلا عن النجاح المباشر.
غير أن التطبيق العملي قد اتاح التحقق من المعطيات النظرية التي كانت تعتمد عليها مهاجمة مشروع مارشال، وإظهار الحقيقة أمام أعين الشعب، وتوضيح التقديرات المطابقة للواقع والتقديرات المعارضة لهذا الواقع. ولهذا كان التطبيق العملي معيار الحقيقة.

3 – الحَقيقَة النِسْبيَّة وَالحَقيقَة المطلَقَة
يتيح لنا التطبيق العملي إذن التحقق من صحة الفكرة التي لدينا عن صفات شيء من الأشياء. فماذا يبقى إذن من الشيء في ذاته كما قال "كنت" ؟ لا شيء! تعلم الجدلية، كما يعلم الجدلي هجل، أن التمييز بين صفات شيء من الأشياء وبين الشيء في ذاته عبث لا طائل وراءه، فإذا كنت تعرف جميع صفات الشيء فانك تعرف الشيء ذاته، فهل هذه الصفات مستقلة عنا؟ هذا ما يجب أن نفهمه من مادية العالم. ولكن هذا الواقع الموضوعي لا يستعصي على المعرفة لأننا لا نعرف صفاته، ولهذا كان من العبث القول "خلقك شيء وصفاتك ومساوئك شيء آخر، وأنا أعرف صفاتك ومساوئك ولكني لا اعرف خلقك" لأن "الخلق" هو مجموعة الصفات والمساوىء. كما أن الرسم هو عبارة عن مجموع الرسوم. وأنه لمن العبث القول، بأن هناك فن اللوحات والرسامين والألوان، والأساليب والمدارس ثم هناك فن الرسم في ذاته الذي يخيم عليها ولا تمكن معرفته. إذ ليس هناك جانبان في الشيء. بل هو كل تكتشف بالتدريج أوجهه المتعددة عملياً.
ولقد علمتنا الجدلية، فيما يتعلق بصفات الأشياء "المخفية"، بأنها تظهر بواسطة النضال الداخلي للأضداد الذي يتولد عنه التغير. وحالة الشيء " في ذاته" هي حالة التوازن النسبي الذي يكشف عن تناقض الشيء الداخلي وقت التجمد أو الغليان.
ولهذا لا يمكن أن يوجد أي فرق مبدأي بين الظاهرة والشيء في ذاته. والفرق هو بين ما هو معروف وما لم يعرف بعد.
ويصبح الشيء "في ذاته"، بواسطة ازدياد معرفة الواقع، شيئا "من أجلنا" بالتدريج.
وهكذا نرى أنه يوجد، بالنسبة للنظرية المادية الجدلية للمعرفة، حقيقة مطلقة، أي مطابقة للواقع بذاته.
وأما الماركسية فهي تحدد الحقيقة، على عكس رأي "كنت" الذي يعتقد بأن الحقيقة هي بالنسبة للذهن الإنساني، بأنها عملية طبيعية. هي انعكاس الواقع الموضوعي في وعي الإنسان.
ولهذا فأن القول بأن الماديين ينكرون وجود الحقيقة، كذب وافتراء.
وإذا ما عدنا إلى مثال "السائل" رأينا أن التغير هو الذي يظهر مضمون الظاهرة الداخلي. ولهذا كان من الضروري في بعض الأحيان انتظار بلوغ الظاهرة درجة معينة من النمو والنضج لتظهر حقيقتها بوضوح. لأنه لا يمكن تمييز التناقضات عند بدايتها. وهذا ما يجعل دراسة بداية الكائن الحي، مثلا، صعبة. وكذلك حال الرأسمالية التي تبدو تناقضاتها المعقدة بشكل أوضح في نظر الجماهير وهي في النزع الأخير. ولهذا يقول هيجل الجدلي:
"لا تأخذ بومة منيرفا (وهي مثال العلم والحقيقة) بالطيران إلا عند الأصيل".
يتيح إذن نمو الظواهر نفسها تقدم المعرفة ولهذا يجب أن نعرف كيف نلاحظ بصبر، وأن يُحسب حساب الزمن الضروري لتكوين انعكاس الواقع في الدماغ.
يجب أن نفكر دائما بصورة جدلية سواء حول نظرية المعرفة أم في جميع ميادين العلم الأخرى، أي أن لا نفترض قط أن وعينا لا يتغير بل يظل كما هو، بل يجب تحليل العملية التي بفضلها تتولد المعرفة من الجهل أو تصبح المعرفة الغامضة الناقصة أكمل وأدق.
هل هناك إذن أشياء لا يمكن معرفتها؟ كلا، بل هناك أشياء لا تزال مجهولة وسوف "تكتشف وتُعرف بواسطة العلم والتطبيق العملي" ذلك لأن تاريخ العلم يؤكد عدم وجود المجهول كما يؤكد تحول المجهول إلى معلوم باستمرار.
كان "كنت" يعتقد أن هناك بعض المشاكل المستعصية على الحل. فكان افقه العلمي محدوداً بحدود العلم في زمانه. مثال ذلك أن الكيمياء العضوية والبيولوجيا لم تكونا موجودتين بعد. ومن ثم اتسع الأفق. أما الذين يلوكون أقوال "كنت" فهم لا يريدون رؤية ذلك.
وهكذا نجد أنه بينما اللاأدرية متشائمة تشكو من عجز "الذهن الإنساني" فإن النزعة المادية متفائلة لا ترى أي مشكلة، كمشكلة السرطان مثلا، مستعصيه على الحل.
فليس هناك سوى مجهول مؤقت، ولهذا فأن حيلولة الرأسمالية دون ازدهار العلم يزيد من أجل هذا المجهول المؤقت.
زد على ذلك أن النزعة المادية تتيح لنا وضع الخطط لنمو العلم بالتنبؤ في الميادين التي تنضج فيها الاكتشافات، واتخاذ الوسائل التي تعجل بذلك. ألم يحدث غالبا في الماضي أن قام بالاكتشافات، في نفس الوقت، علماء يجهل بعضهم بعضا. وهذا دليل رائع على أن المعرفة عملية طبيعية تحدثها الأشياء نفسها فنيا.
غير أن نمو ظاهرة معينة غير مستقل عن سائر الظواهر. والطبيعة لا تحد في المكان والزمان، فهي تبدع باستمرار ولا تكف عن الإبداع. ولهذا كان نمو المعرفة ذاته لا يحد. وسوف تظل الأشياء في العالم أكثر مما نجد في معرفتنا، وكل ما نجهله مرتبط بما نعرفه.
ولهذا لا يمكن للعلم أن يقف عند حد معين. وكل حقيقة من حقائقه في ذاتها نسبية لأنها تتعلق بالحقائق الأخرى. وهكذا اكتشف الذرة بعد الجسيم كما اكتشف الإلكترون بعد الذرة ثم اكتشف اللب وسوف تكتشف جسيمات أخرى. وليس هناك مجال للاعتقاد بأنه يمكن استنفاد الواقع، ولهذا قال لينين "الإلكترون نفسه لا يمكن استنفاده".
كل هذا لا يقلل من قيمة معارفنا الموضوعية لأن "في النسبي يكمن المطلق" (لينين).
ترى النزعة المادية المحدثة، أي الماركسية، أن حدود مقدار قرب معارفنا من الحقيقة الموضوعية المطلقة نسبية تاريخياً، غير أن وجود هذه الحقيقة ذاتها لا اعتراض عليه، كما أنه لا اعتراض على أننا نقترب منها. وهكذا إذا كانت أطراف اللوحة نسبية تاريخياً ولكن لا شك أن هذه اللوحة تمثل مثالا موجودا بصورة موضوعية.
وإذا كنا في فترة معينة، وفي ظروف معينة، قد تقدمنا في معرفتنا لطبيعة الأشياء حتى اكتشفنا الأليزارين في قطران الفحم الحجري أو الالكترونات في الذرة فأن هذا الاكتشاف نسبي تاريخياً. غير أن كل اكتشاف من هذا النوع تقدم في "المعرفة الموضوعية المطلقة" وليس هذا أمراً نسبياً قط.
ولهذا فليس هناك نظرية علمية صحيحة تصبح خاطئة أو عديمة الجدوى مع الزمن. بل تحتفظ كل نظرية بقيمتها فإذا ما ظهر نقص النظرية أمكننا التغلب على هذا النقص بواسطة التجربة.
وليس تقدم العلم سباقاً إلى الأصالة والمهارة بل هو تقدم داخل الحقيقة وفي أعماقها.

4 – إتحَاد النَظريَّة بالنَاحِيَة العَمليَّة
ليست المعرفة، في نظر النزعة المادية عملية "يفسر" بواسطتها الذهن معطيات الحواس، بل هي عملية معقدة يتكون بواسطتها انعكاس الواقع في دماغ الإنسان.
ونعلم أن هذه العملية تتضمن درجتين مختلفتين نوعيا: الدرجة الحسية والدرجة العقلانية أو التطبيق العملي والنظرية.
ولقد رأينا أيضاً أن التطبيق العملي هو بداية النظرية ومصدر المعرفة ومعيار حقيقتها. وهكذا يجب على كل نظرية أن ترجع بالضرورة إلى التطبيق العملي لسببين. السبب الأول هو أن النظرية انما وضعت من أجل التطبيق العملي ولم توضع من أجل فضول لا طائل وراءه بتأمل العالم، بل لكي تعمل على تحويل هذا العالم، والسبب الثاني هو أنه لما كان الواقع عبارة عن حركة وتغير مستمر فان النظرية التي تسعى إلى الاكتفاء بذاتها يصيبها العقم، وتمسي عقيدة ميتة، وتتوقف عملية المعرفة إذا لم ترجع باستمرار إلى التطبيق العملي، ويستحيل الحصول على انعكاس صادق للواقع وإصلاح نقص النظرية وتعمق معرفة العالم.
والفلاسفة التجريبيون هم أولئك الذين يعتقدون أن المعرفة هي معرفة الدرجة الأولى، معرفة الأحساسات، وأما الفلاسفة العقلانيون المثاليون فهم أولئك الذين يعترفون بعمل الأفكار والمعرفة النظرية ولكنهم يعتقدون مع ذلك أن هذه الأفكار قد هبطت من السماء ولا يمكنها الخروج عن نطاق التطبيق العلمي. وكل من الفريقين يفصل باعتباط بين الدرجتين للمعرفة ولا يدرك وحدتهما.
ندرك أهمية هذه الفرضية في ميدان العمل الثوري لأن كل شخص هنا ـ كما هو الحال في العلوم ـ لا يستطيع أن يختبر كل شيء بنفسه، بل هناك تجربة اجتماعية تجمعت على مدى العصور، تقوم النظرية بتنظيمها، ويجب على كل واحد منا تمثلها. إذا كان لا يريد النزول إلى مستوى النظريات التي ظهر خطأها وقامت الحركة العمالية بإصلاحها.
أن كل من يهمل النظرية يغرق في النزعة العملية المثالية ويسير في الظلمات، كما أن كل من يهمل التطبيق العملي يجمد في عقيدته فإذا به صاحب عقيدة، أجوف التفكير.
ولا شك أن النظرية تصبح لا موضوع لها إذا لم تتصل بالعمل الثوري، كما أن التطبيق العملي يضل طريقه إذا لم يضيء هذا الطريق النظرية الثورية.
تتيح لنا النظرية الماركسية عن المعرفة أن ندحض الفكرة الخاطئة القائلة بأنه يجب علينا الابتعاد عن التطبيق العملي لنظل "محايدين" "موضوعيين"، وهذا ما يسمى بالنزعة الموضوعية البرجوازية التي تشن الحرب ضد الماركسية. وهو أشبه بقولنا أن الفيزيائي الذي قام بالتجارب لا يمكن أن يكون موضوعياً لأنه "ثائر" بتجاربه؟
إذا أردت الحصول على المعارف فيجب عليك المشاركة في التطبيق العملي الذي يحول الواقع، فإذا، ما أردت معرفة طعم اجاصة فيجب عليك أن تضعها في فمك وتقضمها وإذا أردت معرفة تكوين الذرة وطبيعتها وجب عليك القيام بالتجارب الفيزيائية والكيمائية وتغيير بيئة الذرة. وإذا أردت معرفة نظرية الثورة ومناهجها وجب عليك الاشتراك في الثورة. لأن جميع المعارف الحقة انما تتولد عن التجربة المباشرة.
لهذا يستحيل تمثل الماركسية تماما إذا ظللنا مكتوفي الأيدي نتأمل العمل بدلا من أن نشارك فيه، بالرغم من أدعاء المفكرين البرجوازيين الصغار أنه لا يمكننا الحكم على قيمة الماركسية الا إذا ابتعدنا عن الحركة التي تتكون بواسطتها النظرية وتتحقق صحتها ويزداد غناها. والعمل الثوري وحده هو الذي يتيح لنا اكتشاف حقيقة المجتمع الرأسمالي لأنه وحده هو الذي يسعى لتحويل المجتمع وتغيير ظروف هذا المجتمع. والعمل الثوري وحده بحاجة إلى الحقيقة لأننا نسير إلى الفشل بدون النظرية. ولهذا تقوم النزعة المادية على الروح الحزبي. فهي تضطرنا إلى الأخذ بوجهة نظر فئة اجتماعية معينة للحكم على كل حركة.
هذه الفئة الاجتماعية في أيامنا هي البروليتاريا الثورية.
تُكتشف الحقائق من خلال التطبيق العملي وتتأكد الحقائق وتنمو. لأنه يجب علينا الانتقال من الاحساسات والتصورات الحسية إلى المعرفة العقلانية، ومن المعرفة العقلانية إلى الإرادة الفعالة للتطبيق العملي الثوري، وتحويل العالم الذاتي والموضوعي.
يؤدي التطبيق العملي إلى المعرفة ثم نعود إلى التطبيق ومن ثم إلى المعرفة. وتستمر هذه الحركة بصورة دورية. فيرتفع مضمون كل دورة للعمل والمعرفة، بالنسبة للدورة السابقة، إلى مستوى أرفع وأسمى.
من الخطأ إذن اعتبار الماركسية نظرية لا تمثل سوى المغزى "الذاتي" للتاريخ في نظر البروليتاريا (أي تأويلها الذاتي للحوادث) وليست علما من العلوم. والا لما كانت البروليتاريا بحاجة لتعليم الماركسية لأنها تمثل وجهة نظرها التلقائية، ولما وجب على من هم ليسوا من طبقة البروليتاريا أن يتعلموها لأنها لا تمثل وجهة نظرهم! ولكن الماركسية، على العكس، علم يحتاجه الجميع ويجب عليهم تعلمه.
وإذا كان المرء موضوعيا فلا يعني ذلك أن يرفض جميع النظريات، بل يعني ذلك الأخذ بنظرية تتفق وعمليات التطور الاجتماعي الموضوعية. ولا يمكن التحقق من صحة هذا الاتفاق الا بواسطة التطبيق العملي، وهذا التطبيق لا يخلق عملية التطور بل يساعد عليه، كما يمكن للعالم في مختبره أن يسعى للإسراع في سير عملية من العمليات وأن كان لا يمكنه أن يقضي على قانون العملية أو يبدعه.
ولهذا لا يجب علينا فقط أن نحارب اللاأدرية نظريا بل يجب القضاء عليها عمليا فنقيم الدليل، بواسطة العمل، على أنه يمكننا التأثير على العالم وأن الماركسية هي الحقيقة التاريخية.
مثال ذلك: بينما تقول اللاأدرية عن الحرب: على من تقع خطيئتها؟ لا يمكن معرفة ذلك. فأن عمل الشرفاء من الناس يؤدي بهم إلى اكتشاف مسببي الحرب. وهكذا تحققت البروليتاريا، بواسطة التجربة، من قيمة النزعة المادية الماركسية، ومن قيمتها في التنبؤ.
فرأت البروليتاريا أن الشيوعيين لا ذنب لهم إلا أنهم على حق. غير أن من يقول بالتنبؤ الصحيح يقول بالعلم الصحيح.
نرى إذن أن اللاأدرية تخدم مصالح البرجوازية الطبقية. وإذا لم يكن هناك علم اجتماعي لعجزنا عن التنبؤ والعمل ولنعمت البرجوازية بنوم هانىء! لأن اللاأدرية تؤدي بالمستغلين إلى العجز. أما إذا كانت المعرفة العلمية ممكنة فأن المضطهدين والمستغلين يمكنهم الأخذ بها للتوحيد بين التطبيق العلمي والنظرية وجعله منارا يهتدون به في نضالهم.
تولد النزعة المادية الجدلية أمام اللاأدرية، التي تثير الشك والتشاؤم ـ (وهي من صنع رجال تجاوزتهم الأحداث التي لا يفهمونها فكفروا بكل شيء وأصبحوا مستعدين للإيمان بأي شيء) ـ تفاؤلاً مقبولا وتسمح بأن ندرك أن الإنسان يمكنه أن يقود مجرى الحوادث. لأن النزعة توحي بثقة لا تحد في قوة الفكر والعمل.
وهكذا تتوضح حقيقة فرضية ماركس القائلة بأن الفلاسفة لم يقوموا إلا بتفسير العالم بطرق مختلفة بينما الواجب هو تحويل العالم.

* * *


القسم الثالث
النزعة المادية الجدلية
حياة المجتمع الروحية
النزعة المادية الجدلية هي وحدها التي تحمل جواباً علمياً على مشكلة الوعي، كما رأينا في الجزء الثاني. كما أنها تتيح لنا فهم أصل الأفكار وعملها، وفهم النظريات الاجتماعية والآراء السياسية والمؤسسات السياسية التي هي جزء من المجتمع.
ولقد خصص ستالين لهذه المسألة صفحات مهمة من كتابه "النزعة المادية الجدلية والنزعة المادية التاريخية".
وتتضمن هذه المسألة جانبين يجب التمييز بينهما بدقة:
1 – ظهور مختلف صور الوعي في الحياة الاجتماعية.
2 – أهميتها والدور الذي تقوم به.
ويبحث الدرس الثاني عشر الجانب الأول، بينما يبحث الدرس الثالث عشر الجانب الثاني. وأما الدرس الرابع عشر فهو يدرس أصل الاشتراكية العلمية وأهميتها.
الدّرس الثاني عشر
حيَاة المجْتمَع الرّوحيَّة
هي انعكاس لحياته المادية


1– مثال
2– "التفسيرات" المثالية
3– النظرية المادية الجدلية
أ) حياة المجتمع المادية واقع موضوعي موجود مستقلاً عن الوعي وعن إرادة الأفراد والإنسان عامة
ب) حياة المجتمع الروحية انعكاس لواقع المجتمع الموضوعي
ج) كيف تتولد الأفكار الجديدة والنظريات الاجتماعية
د) مسألة الآثار الباقية
4– الخلاصة

1 – مثَال
نقرأ في بعض نشرات الأونسكو أن السلم لا يمكن تحقيقه إلا بواسطة "تهدئة العقول"، وأنه يجب، إذا ما أردنا القضاء على الحرب، القضاء عليها في عقول الناس. لأن سبب الحروب ذاتي. أو كما يقول المحللون النفسيون هناك "غريزة للاعتداء" تكمن في وعي كل إنسان أو ما يسمى "بالكراهية الموروثة".
مثل هذه النظرية، عن أسباب الحرب، هي نظرية مثالية يختلف عنها موقف النزعة المادية الماركسية، فهي تقول أن سبب الحروب يكمن في واقع المجتمعات الموضوعي. أصل الحروب في عصر الاستعمار الأزمات الاقتصادية التي تؤدي إلى البحث عن أسواق جديدة بواسطة القوة. وهذا قانون موضوعي وهو قانون الفائدة القصوى الذي يفسر لنا الحروب. أما فيما يتعلق بالأمور الذاتية (كفكرة الحرب) (والكراهية وغريزة الاعتداء) فهي تتولد عن التناقضات المادية التي توجد وضعاً موضوعياً للحرب. والواقع الموضوعي هو الذي يفسر لنا ظهور الأمور الذاتية وليس العكس.
يمكننا أن نستشهد بغير ذلك من الأمثلة. ويلاحظ بصورة عامة أن العصور الحالية تظهر تعارضا قويا بين النظرية الفكرية للرأسمالية في النزع الأخير، وهي نظرية فكرية تقوم على العداوات القومية والعنصرية وعلى السلب والحرب، وبين النظرية الفكرية للاشتراكية المنتصرة، وهي تقوم على التعاون والإخاء بين الأمم والأفراد كما تقوم على السلم. ولقد عبر بول اليوار عن هذا النضال بين النظريات الفكرية المتناقضة في شعر رائع.
يجعلنا الواقع الموضوعي للمجتمعات ندرك، في كلتا الحالتين، ـ حالة الرأسمالية والبرجوازية الكبرى من جهة وحالة الاشتراكية والحركة العمالية من جهة ثانية ـ نضال الأفكار لأن حياة المجتمع الروحية هي انعكاس لحالته المادية.
وتتعدد وجوه حياة المجتمع الروحية من فن وقانون ودين، الخ. ولا يمكننا أن ندرس هذه الوجوه جميعاً بالتفصيل. وإذا رجع القاريء إلى كتاب "النزعة المادية الجدلية والنزعة المادية التاريخية" لوجد ستالين يلح في القول على الأفكار الاجتماعية والنظريات الاجتماعية والآراء السياسية والمؤسسات السياسية وذلك نظراً لأهميتها العملية الكبرى.
الأفكار الاجتماعية: وهي الأفكار التي يكونها الفرد في مجتمع معين حول مكانه في الوجود، وكذلك الأفكار عن الملكية والأفكار الأخلاقية عن العائلة والحب والزواج وتربية الأطفال (أو ما يسميه فلوبير بالأفكار "الموروثة") وكذلك الأفكار التشريعية. مثال ذلك الفكرة البرجوازية القائلة بأن حق الملكية "حق طبيعي" قائم بذاته. وتعبر هذه الفكرة عن الواقع المادي، وهو أن الملكية الخاصة هي أساس المجتمع البرجوازي، ولما كانت ملكية وسائل الإنتاج لا تُمس في نظر البرجوازية المتملكة، كانت فكرة الملكية الخاصة، في رأي الأخلاق البرجوازية، معطى أساسياً.
النظريات الاجتماعية: وهي النظريات التي تجعل من الأفكار الاجتماعية التي أشرنا إليها سابقا مذهبا وعقيدة تجريدية. مثال ذلك نظرية "المدينة" عند أفلاطون، ونظرية الدولة عند هوبس وجان جاك روسو وهيجل ونظريات الخياليين الاجتماعية أمثال بابوف وسان سيمون الخ...
الآراء السياسية: وهي الآراء الملكية أو الجمهورية المحافظة أو المتحررة الفاشية أو الديمقراطية الخ...
والأفكار حول حرية الرأي والاجتماع والتظاهر الخ..
المؤسسات السياسية: أي الدولة ومختلف أجزاء نظام الدولة. وهناك فرضية ماركسية مهمة جدا تعتبر الدولة عنصراً من حياة المجتمع الروحية فهي تعكس حياته المادية.
2 – التفسِيرَاتُ المثَاليَّة
فلنعد إلى الموقف المثالي الذي بدأنا منه فهو أكثر المواقف انتشاراً ويتخذ وجوهاً
عدة منها:
أ) أقدم النظريات وأشدها غموضا هي النظرية الدينية اللاهوتية. فهي ترى في حياة المجتمعات المادية انعكاساً للفكرة الإلهية وتحقيقاً لمخطط وضعته العناية الالهية. فالنظام الاجتماعي صادر عن الإرادة الآلهية. ولما كانت الطبيعة والعقل البشري لا يتغيران فكل تغيير في المجتمع كفر والحاد وهو من عمل الشيطان لأنه مس لارادة الله، ولهذا كانت كل فكرة تدعو للتغيير آثمة. وقد تولد عن هذه النظرة النزعة الأكليركية التي تقول بأن الأكليروس، وهو المؤتمن على اسرار الله، يمكنه أن يضمن النظام "الاجتماعي" وقامت البرجوازية الثورية بمحاربة هذه النظرية التي كانت تلائم تماماً المجتمع الإقطاعي.
ب) ثم تأتي نظرية مثالية جوهرها برجوازي وقد توسع بها فلاسفة القرن الثامن عشر الفرنسي. فقد قاموا بمحاربة "الحق الإلهي" باسم "الحق الطبيعي" و "الديانة الطبيعية" وباسم "العقل". فكانوا يقولون بأن النظام الاقطاعي فوضى لأنه لا يتفق ومتطلبات العقل الذي يجد كل إنسان صورته في نفسه. يجب إذن تغيير المجتمع باسم العقل الشامل الخالد، فيصبح النظام الاجتماعي أخيراً انعكاساً للنظام العقلاني.
وهذه النظرية كالسابقة مثالية بالرغم من أنها تمثل خطوة للإمام بالنسبة للنظرية السابقة لأنها تعبر عن أفكار البرجوازية الثورية أمام أفكار الإقطاعية الرجعية. فهي لا تتساءل عن أصل الأفكار بل هي تعتبرها معطى اولياً يتولد منه واقع المجتمعات المادي.
يجب أن نلاحظ، مع ذلك، أن فلاسفة القرن الثامن عشر الماديين – ولا سيما هلفتيوس أدركوا أن أفكار الإنسان هي ثمرة تربيته. كما إنهم ألحوا على القول حول تعدد النظريات الفكرية في المجتمعات عبر الزمان والمكان ـ ولكنهم كانوا يجهلون علم المجتمعات الذي سيؤسسه ماركس، ولذلك عجزوا عن الاندفاع في التحليل أكثر مما فعلوا.
ج) يجب أن نعترف لهيجل بمكانة مهمة. فلقد قام في كتابه "فلسفة التاريخ" بدراسة العلاقات بين التطور المادي والتطور الروحي في المجتمع. ولما كان مثالياً فلقد أقام "الفكرة" السيدة، في البدء، التي تولد المجتمع ولا تقل في ذلك عن الطبيعة. وما التاريخ إلا عبارة عن تطور الفكرة. وهكذا يصبح تاريخ اليونان القديم عبارة عن تجلي فكرة الجمال. وكذلك يكون سقراط وعيسى المسيح ونابوليون لحظات من لحظات الفكرة.
ولما كان هيجل جدلياً فهو يقوم في بعض الأحيان بتحاليل رائعة. غير أن نزعته المثالية تقضي به إلى أن يجعل للرجال العظام دوراً كبيراً مبالغا فيه فيمسون العوامل الوحيدة للتقدم التاريخي. كان لا بد لهذا الجانب من فلسفة هيجل أن تستغله بوقاحة الفلسفة الفاشية التي تعتقد أن الشعب لا شيء، وأن "السوبرمن" المعصوم هو كل شيء. ولهذا قال أحد المعجبين بالدوتسي "الفاشية هي ما يفكر به موسوليني في هذه اللحظة" كما كان هتلر يقول أمام فرق الصاعقة: "سأفكر من أجلكم".
د) الصورة الأخرى للنزعة المثالية علم الاجتماع الذي وضعه دور كهايم وزملاؤه.
لربما تولت الكثيرين الدهشة إذا قلت لهم بأن علم الاجتماع الذي وضعه دور كهايم مثالي. ألم يهاجم علماء الاجتماع اللاهوت والميتافيزيقا؟ ألم يحاولوا دراسة الوقائع الاجتماعية (كالمؤسسات، والقانون، والعادات) دراسة موضوعية حسب تطورها وهم خالو الذهن من أي رأي سابق بصددها. لا شك أنهم أرادوا ذلك ولكن الفرق الكبير بين الارادة والفعل. إذ أن علماء الاجتماع البرجوازيين، عادة، يفسرون التغيرات المادية بواسطة نمو "الوعي الجماعي" الذي يظل سراً غامضا في ذاته. فيبدو تاريخ المجتمعات عندئذ كتحقيق مستمر للمطامح الأخلاقية التي تكمن في الوعي الإنساني منذ العصور الأولى. فلماذا يتطور "الوعي الاجتماعي" باتجاه معين ولا يتخذ أتجاها أخر؟ لا أحد يدري. ذلك لأن علماء الاجتماع يجهلون (أو يتجاهلون) الإنتاج، ونضال الطبقات وهما من عوامل التاريخ. بل يفضلون العوم على السطح. فإذا وجد الضمان الجماعي فما ذلك الا لأن "الأفكار تطورت" لأن كل شيء يرجع كما ترى فلسفة ليون برنشفيك إلى "تقدم الوعي".
هـ) يجب أن نشير إلى أن من بين أبطال النزعة المثالية المندفعين في هذا الميدان برودون الذي تحدثنا عنه سابقا يرى برودون أن تاريخ المجتمعات هو تجسيد مستمر لفكرة العدالة "الكامنة" في "الوعي" منذ بداية الإنسانية. ولهذا كانت علاقات الإنتاج تحقيقاً "للمقولات الاقتصادية" التي ترقد في "عقل الإنسانية". وهذا الوعي غير المحدث ـ أو "العبقرية الاجتماعية" كما يقول برودون ـ ماثل في التاريخ بأكلمه. فهو يفسر كل شيء ولا شيء يفسره. ولما كان الوعي هو ما هو عليه انتهى الأمر ببرودون إلى إنكار واقع التاريخ نفسه.
ليس من الصحيح القول بأن شيئا من الأشياء يحدث أو أنه ينتج لأن كل شيء موجود في المدنية وفي الكون يفعل منذ القدم. وكذلك شأن الاقتصاد الاجتماعي" ولا شيء جديد تحت الشمس. وهكذا يزول التاريخ بجرة قلم.
نلاحظ أن برودون الذي يثور دائماً ضد الجزويت ورجال اللاهوت باسم الوعي ـ برودون الذي يتبجح بمعارضة "نظام الثورة" (أي نظامة) "بنظام الوحي"، برودون الذي يخيفه تنظيم البروليتاريا الثوري فيتولاه الذعر أمام العمل فيجعل من حزب العمال "كنيسة" كما يفعل اليوم زملاؤه الاشتراكيون الديمقراطيون ـ هو نفسه ضحية الأفكار الأكلييركية التي يخيل إليه أنه يحاربها. لأن "الوعي" بالنسبة للبرجوازي الذي يخيل إليه أنه معيار العالم والتاريخ ليس سوى الآله القديم بعد أن أصبح علمانياً بصورة غامضة. وهكذا تكون فلسفة برودون مثالية في أصلها.
وقف ماركس في وجه هذه الفلسفة في أحد كتبه الرائعة: "بؤس الفلسفة" (1847) فكتب يقول: "لنقل كما يقول السيد برودون أن التاريخ الحقيقي الذي يسير حسب الزمن هو التتابع التاريخي الذي ظهرت فيه الأفكار والمقولات والمبادىء".
فلقد كان لكل مبدأ عصره الذي ظهر فيه، فظهر مبدأ السلطة، مثلاً، في القرن الحادي عشر، كما ظهر مبدأ النزعة الفردية في القرن الثامن عشر. وهكذا كان العصر ينتمي للمبدأ وليس المبدأ هو الذي ينتمي للعصر، أي أن المبدأ هو الذي يضع التاريخ وليس التاريخ هو الذي يضع المبدأ. حتى إذا ما تساءلنا، كي ننقذ المباديء والتاريخ معاً، لماذا ظهر مبدأ ما في القرن الحادي عشر أو في القرن الثامن عشر بدلا من أن يظهر في عصر أخر، اضطرنا ذلك للبحث عن حالة الناس في القرن الحادي عشر وحالتهم في القرن الثامن عشر، وما هي حاجاتهم وقواهم الإنتاجية وطريقتهم في الإنتاج والمواد الأولية لهذا الإنتاج وأخيراً كيف كانت العلاقات بين الناس، تلك العلاقات التي هي ثمرة لهذه الظروف الحياتية.
أليس تعمق جميع هذه المسائل هو صنع للتاريخ الحقيقي للناس في كل عصر وتمثيل هؤلاء الناس على أنهم أبطال مأساتهم وممثلوها في نفس الوقت؟ ولكن حينما ننظر للناس على أنهم ممثلو تاريخهم وأبطال هذا التاريخ نصل من وراء ذلك إلى نقطة البداية الحقة لأننا تخلينا عن المبادىء الخالدة التي تحدثنا عنها آنفا.
ويصح نقد ماركس لبرودون على جميع صور النزعة المثالية التي اشرنا اليها في المقاطع (أ) (ب) (ج) (د) لاننا نجد في جميع هذه الحالات أن الواقع ينظر إليه بالمقلوب حتى يصبح تفسير الأفكار الحسي غير مفهوم. وتدلل النزعة المادية الجدلية، التي تعيد الأشياء إلى أوضاعها الصحيحة، على أن الأفكار الاجتماعية هي انعكاس لتطور التاريخ المادي الموضوعي. لأن النزعة المادية الجدلية وحدها هي التي تقيم دعائم علم النظريات الفكرية.
فالنزعة المثالية تعلن عن الأفكار وتقوم بعرض لها آخذة على "النزعة المادية" "الملعونة" أنها تنكر الأفكار (وسنرى أن هذا غير صحيح) والحقيقة أن النزعة المثالية تتحدث عن الأفكار بقدر جهلها لها، فهي تطلب منها أن تفسر كل شيء وأن ظلت هذه الأفكار غير مفهومة لها.

3 ـ النظريَّة المَاديّة الجَدليَّة
إذا صح أن الطبيعة والكينونة والعالم المادي هي المعطى الأول بينما الوعي والفكر هما المعطى الثاني المشتق من المعطى الأول، إذا صح أن العالم المادي هو واقع موضوعي يستقل في وجوده عن وعي الناس، بينما الوعي هو انعكاس لهذا الواقع الموضوعي فأن نتيجة ذلك أن حياة المجتمع المجتمع المادية وكينونته هما أيضا المعطى الأول بينما حياة المجتمع الروحية هي المعطى الثاني المشتق من المعطى الأول، وأن حياة المادية هي واقع موضوعي يستقل في وجوده عن إرادة الإنسان، بينما حياة المجتمع الروحية هي انعكاس لهذا الواقع الموضوعي ولهذه الكينونة.
وهكذا تكون النظرية القائلة بأن حياة المجتمع الروحية تعكس حياته المادية نتيجة مباشرة للنزعة المادية الفلسفية التي عرضناها في الجزء الثاني من هذا الكتاب (ولا سيما في الدرس العاشر).

أ) - حَياة المجْتَمع المَادَية وَاقع مَوضُوعي مَوجُود مُستَقلاً عَن الوَعي وَعنْ إرادة الأفراد والإنسَان عَامَّة
سمى بعض المفكرين المثاليين هذا الواقع الموضوعي المستقل عن الوعي بالقضاء المحتوم ولقد جدد الوجوديون الألفاظ مع احتفاظهم بنفس الشيء، فهم يتحدثون عن "الإنسان ـ الملقى به ـ في العالم" وعن "وضع" الإنسان. وسوف نرى في الجزء الرابع من هذا الكتاب المخصص للنزعة المادية التاريخية أن هذا الوضع ليس سراً وأنه يمكننا أن ندرسه بصورة علمية.
وسوف ندرك، بدراسة بعض الأمثلة، ما هو هذا الواقع الموضوعي المستقل عن الوعي.
حين أخذت البرجوازية الفتية الأوروبية، في عصر الإقطاع، ببناء المصانع الكبيرة، كانت تجهل نتائج هذا "التجديد" الاجتماعية الذي سيؤدي إلى ثورة ضد السلطان الملكي الذي كانت تنعم بعطفه (بعد أن شجعت الملكية المصانع الجديدة) كما أدت إلى ثورة ضد طبقة النبلاء التي كانت تحلم بدخولها!
حتى إذا ما أدخل الرأسماليون الروس الصناعة الحديثة الضخمة إلى روسيا في عهد القياصرة لم يدركوا أنهم يمهدون بذلك لانتصار الثورة الاجتماعية في المستقبل.
وحينما دخل صانع الأحذية، الذي يتحدث عنه ستالين في كتابه "فوضوية أم اشتراكية ؟"، في خدمة ادلخنوف فأنه كان يجهل أن النتيجة البعيدة لهذا القرار، الذي كان يظنه مؤقتا، ستكون انضمامه إلى الأفكار الاشتراكية.
حينما أقام الاستعماريون الأمريكان، ثم الرأسماليون الغربيون، الحصار الاقتصادي حول الاتحاد السوفياتي والديمقراطيات الشعبية عام 1947 على أساس مشروع مارشال، لم يخطر ببالهم أنهم يعملون بذلك على تكون سوق عالمي جديد، سوق اشتراكي يقضي على السوق الرأسمالي الوحيد القديم.
ذلك هو القضاء المحتوم الذي يدور حوله الكثير من القصص. يؤدي النضال من أجل ارضاء المصالح المباشرة الى نتائج اجتماعية بعيدة عن إرادة أولئك الذين قاموا بهذا النضال. وليست هذه المصالح المباشرة اعتباطية لأنها صدى للوضع الموضوعي في فترة معينة وفي مجتمع معين وفي طبقة اجتماعية معينة.
وهذا جزء مهم من النزعة المادية التاريخية عبر عنه ماركس بقوله:
يدخل الناس، خلال الإنتاج الاجتماعي لوجودهم، في علاقات معينة ضرورية مستقلة عن ارادتهم، وهي علاقات إنتاجية تمثل درجة معينة من نمو قواتهم المادية.
مثال ذلك أن العلاقات الرأسمالية للإنتاج لم يخترها الناس بأنفسهم لأن نمو قوى الإنتاج، وسط المجتمع الإقطاعي، يؤدي بالضرورة إلى تكوين علاقات رأسمالية للإنتاج، وليس غيرها سواء أراد الناس ذلك أم لم يريدوا. وهكذا يُجبر كل جيل جديد على الخضوع لظروف موضوعية. فهل هذا هو القضاء المحتوم؟ كلا. لأننا ـ سنرى ـ أن الدراسة العلمية للعلاقات الموضوعية للإنتاج تسمح لنا بفهم طبيعتها والتنبؤ بتطورها والإسراع بها.
أما القول "باستقلال" الذهن، في كل مناسبة، كما يفعل المثاليون، فأن ذلك جهل للظروف الموضوعية التي تفرض نفسها على الذهن وهو لا يدري منها شيئا. لأن هذا هو حظ المفكر المثالي التعس. فهو يعتمد على وعيه دون أن يتساءل عن الظروف الموضوعية التي تعمل على وجود هذا الوعي وفعله فيخيل إليه أن الوعي يكتفي بذاته. وهذا وهم تحاربه النزعة المادية. نخلص من الملاحظات التي قدمناها إلى نتيجة مهمة عملية. فلقد برهنا على أن تغييرات مهمة مادية قد تمت عبر التاريخ دون أن يعي الذين شاركوا فيها أو أثاروها نتائجها أو يريدوا هذه النتائج. من الخطأ القول، إذن، بأن الثورة الاشتراكية لن تحدث في بلد إلا إذا آمن جميع العمال سابقا بالنظرية الثورية. لأن ملايين الناس الذين صنعوا بأيديهم، في تشرين الأول سنة 1917، الثورة لم يكونوا بعيدي النظر كما كان لينين أو البلشفيك وهم طليعة الثورة العلمية. ولكنهم حين قاموا بهذه المهمة التاريخية الكبرى كانوا يعملون على تغيير وعيهم الخاص وانتصار الإنسان الجديد، وهو انتصار تنبأ به ماركس علمياً.

ب) – حَياة المجتمع الرّوحيَّة انعكَاس لواقِع المجْتمع المَوضُوعي
ليست إرادة الناس هي التي تحدد، بصورة اعتباطية، العلاقات الاجتماعية، كما قلنا. بل أن وعي الناس يحدده واقع المجتمع المادي الذي هم أعضاء فيه.
غير أن هذا المجتمع ـ وسنعود لتفصيل ذلك في الجزء الرابع من هذا الكتاب ـ لم تولده معجزة. بل هو مجموعة العلاقات التي تكونت لتؤمن للناس نضالا ينتصر على الطبيعة، وهي علاقات يحددها، بالضرورة، مستوى قوى الإنتاج التي يملكها الناس والتي يجب عليهم التلاؤم معها. (لا يمكن أن تكون العلاقات بين الناس منذ عشرة آلاف سنة هي نفس العلاقات التي أوجدتها الصناعة الحديثة الكبرى).
حتى إذا ما أردنا أن ندرك كيف تكون الأفكار الاجتماعية انعكاسا للمجتمع وجب علينا النظر إلى هذا المجموع المعقد.
يدلل التاريخ على أنه كان للناس، في عصور مختلفة، أفكار ورغبات مختلفة فما ذلك إلا لأن الناس كانوا في هذه العصور المختلفة يناضلون ضد الطبيعة بصور مختلفة من أجل معيشتهم، ولهذا ارتدت علاقاتهم الاقتصادية طابعا مختلفا. فلقد جاء زمن كان الناس فيه يناضلون ضد الطبيعة مشتركين على أساس الشيوعية البدائية، فكانت ملكيتهم نفسها، في ذلك الوقت، شيوعية، ولهذا لم يكونوا يميزون بين "ما يخصني" و "ما يخصك" فكان وعيهم شيوعيا. ثم جاء زمن تسرب فيه التمييز بين "ما يخصني" و "ما يخصك" إلى الإنتاج، فاتخذت الملكية من ثمَّ طابعاً خاصاً فردياً. ولهذا تسرب الشعور بالملكية الفردية إلى وعي الناس. وأخيرا أقبل الزمن ـ وهو زماننا ـ الذي اتخذ فيه الإنتاج طابعاً اجتماعياً جديداً. ولهذا لم تعتم الملكية بدورها، أن اتخذت طابعاً اجتماعياً وأخذت الاشتراكية تتسرب شيئاً فشيئا إلى وعي الناس.
ندرك الآن خطأ النزعة المادية الساذجة، فهي تلاحظ أن ليس هناك فكر بدون دماغ فتستنتج من ذلك أن الأفكار الاجتماعية تقوم على أساس عضوي صرف. فإذا ما غيرنا جسم الإنسان غيرنا بذلك أفكاره السياسية!
تلاحظ النزعة المادية الفلسفية، بحق، أن الدماغ هو عضو التفكير. وأن هذا الدماغ نفسه مرتبط بالظروف الموضوعية التي تعمل على وجود الناس: فهو دماغ كائن اجتماعي. أو كما كتب ماركس يقول: "الإنسان في واقعه هو مجموع العلاقات الاجتماعية". ينعكس إذن في دماغ المفكر "مجموع العلاقات الاجتماعية" (أما أن الإنسان يجهل ذلك أو أن أحد فلاسفة الجامعات لم يفكر به فهذا لا يغير من الأمر شيئا).
والدين أصدق مثال على أن الأفكار انعكاس للواقع.
يقول المثاليون، على غرار اللاهوتيين، أن كل إنسان يجد من تلقاء نفسه في داخله فكرة الله، وأن هذه الفكرة موجودة منذ بداية الإنسانية، وأنها سوف تستمر باستمرارها.
والواقع أن فكرة الله هي ثمرة وضع الناس الموضوعي في المجتمع القديم.
ويقول انجلز أن الدين يولد من نظريات الإنسان المحدودة، وهذه النظريات محدودة بعجز الناس البدائيين المطلق تقريبا أمام الطبيعة المعادية التي كانوا لا يفهمونها. وهي محدودة من ناحية ثانية بتعلقهم الأعمى بالمجتمع الذي لا يفهمونه والذي كان يبدو لهم أنه تعبير عن إرادة سامية. وهكذا كانت الآلهة، وهي الكائنات المهمة الجبارة المسيطرة على الطبيعة والمجتمع، انعكاساً ذاتياً لعجز الناس الموضوعي أمام الطبيعة والمجتمع.
وكان على تقدم العلوم الطبيعية والاجتماعية أن يظهر طابع المعتقدات الدينية الوهمي (الاعتقاد بوجود آلهة متعددة ثم الاعتقاد بوجود آله واحد). ومع ذلك فطالما استمر استغلال الإنسان للانسان استمرت الظروف الموضوعية التي تحمل على الاعتقاد بوجود كائن فوق البشر يوزع السعادة والشقاء على الناس. أو كما يقولون: "الإنسان يرجو ويأمل والله يحكم ويقرر".
ولهذا كان الفلاح في روسيا القديمة، وقد أرهقه الفقر وفقد كل أمل بالمستقبل، يستسلم للإرادة الآلهية. ولقد جاءت الثورة الاشتراكية فوضعت في يد المجتمع السيطرة على قوى الإنتاج ومكنته، في نفس الوقت، من إدارة المجتمع بصورة علمية، كما زادت في سيطرته على الطبيعة. فوجدت عندئذ الظروف الموضوعية لتنمحى من وعي الناس الأفكار الدينية التي ولدتها ظروف موضوعية أخرى.
وكذلك فأن الأفكار الأخلاقية هي انعكاس للعلاقات الاجتماعية الموضوعية وللتطبيق العملي الاجتماعي. يرى المثاليون في الأخلاق مجموعة من المبادىء الخالدة المستقلة عن الظروف الخارجية فهي تأتينا من عند الله أو يفرضها علينا "الضمير" المعصوم عن الخطأ. ولكن يكفي أن نعلم أن الوصية القائلة "لن تقتل قط" لم توجد وتصبح ذات مغزى ألا بعد أن ظهرت الملكية الخاصة.
وسوف تفقد فكرة السرقة، في المجتمع الشيوعي، كل أساس واقعي لأن أزدياد الخيرات سيبلغ حداً تزول معه الحاجة إلى السرقة. فكيف نتحدث إذن عن أخلاق خالدة؟ تتغير الأخلاق مع المجتمع وبواسطته. ولما كان المجتمع يتطور بواسطة نضال الطبقات فأن هناك نضالاً آخر بين أخلاق الطبقة المسيطرة وأخلاق الطبقة المستغلة (بالفتح)، يسيطر على الأخلاق الأولى روح محافظ أو رجعي، ويسيطر على الأخرى روح ثوري. ولما كانت الطبقة المسيطرة تملك، خلال سنوات طويلة، الوسائل القوية لفرض أفكارها فأن ملايين الناس تقبل أخلاق الطبقة المسيطرة على أنها الأخلاق الوحيدة. ويذهب ضحية هذا الوهم أعضاء الطبقة المسيطرة أنفسهم.
ولنضرب لذلك مثلا: قامت البرجوازية الفرنسية الثائرة في القرن الثامن عشر بهجومها ضد الإقطاع باسم الحرية والعقل والعدالة الخالدة. فكانت تجعل من مصالح، كطبقة ثورية، مصالح الإنسانية عامة. وكانت مخلصة في ذلك.
غير أن انتصار الثورة البرجوازية جعل للكلمات معناها الحقيقي والتاريخي. فدللت على أن هذه الأفكار الأخلاقية الشاملة هي التعبير عن المصالح الخاصة بطبقة معينة: الحرية؟ أجل حرية البرجوازية بأن تنتج وتتاجر من أجل أرباحها الطبقية، وأن تحتفظ لنفسها بالسلطة السياسية الخ..
وكانت تأبى هذه البرجوازية، التي قامت بالثورة تحت شعار الحرية، على البروليتاريا حرية تأليف النقابات والنضال عن طريق الاضراب. الخ. فشنقت "بابوف" باسم الأخلاق الخالدة لأنه أراد إلغاء الملكية البرجوازية. ولهذا قال انجلز:
"نعلم اليوم أن حكم العقل هذا لم يكن سوى حكم البرجوازية فكرياً، وأن العدالة الخالدة كما أعلن عنها آنئذ قد تحققت تماماً في العدالة البرجوازية.
فهل يعني هذا أنه لن يكون هناك قط أخلاق شاملة؟ كلا. فلسوف تصبح الأخلاق عامة بين الناس حين تتحقق، بصورة موضوعية، الظروف الاجتماعية التي تجعل هذه الأخلاق فعالة ـ أي حين يلغي انتشار الشيوعية العالمي كل تعارض للمصالح بين الناس، كما يلغي جميع الطبقات.
يفتح نضال البروليتاريا الثوري ضد البرجوازية (وضد أخلاقها الشاملة المزعومة) الطريق أمام انتصار أخلاق شاملة إنسانية وليس انتصار فلسفة المثاليين المشوشة. أفلا يمكننا، اليوم، أن نتوصل لهذه الأخلاق الشاملة؟ كلا. فلقد تحققت مبادئها التي تدعو للتعاون الأخوي، لأول مرة منذ المجتمع الرأسمالي، في أخلاق الطبقة الثورية الا وهي البروليتاريا. ولا سيما في البلاد التي انتصرت فيها الثورة الاشتراكية. فبينما أقامت البرجوازية، في قضائها على الإقطاع، استغلالا مكان آخر فلقد قضت البروليتاريا، بقضائها على الرأسمالية، على كل استغلال للإنسان بواسطة الإنسان.
لأن القضاء على التناقضات الطبقية يمهد السبيل لازدهار الأخلاق الشيوعية الشاملة التي تكون أخلاق طبقة البروليتاريا الثورية أول صورة لها.
نرى أن تعارض الأفكار الأخلاقية عبر التاريخ، وبصورة عامة، تعارض الأفكار، يعكس تعارض المصالح في الطبقات الاجتماعية المتناحرة. ولهذا يمكننا أن نفهم سبب تطور الأفكار الاجتماعية. فإذا انتقلت البرجوازية، مثلا، في فرنسا، خلال مئة وستين عاما، من النزعة الشمولية الأخلاقية القائلة بأن الناس جميعا أخوة إلى النزعة العنصرية الفاشية القائمة على كراهية اليهود واضطهاد العمال الأفريقيين الشماليين، فأن ذلك يفسره تطور هذه الطبقة المادي. فهي كانت تعتقد، حين كانت ثورية كانت ثورية، أنها تستطيع التكلم باسم جميع الناس. حتى إذا ما هددها الخطر بررت سيطرتها وادعت صفاء دمها، وهكذا كان يفعل الإقطاعيون!

ج) – كيفَ تتولَّد الأفكَار الجَديدَة وَالنظريَّات الاجتماعيَّة الجَدِيَدة
تعتقد النزعة المثالية أن الأفكار تتولد في ذهن الناس دون أن يعرفوا سببها مستقلة عن ظروف حياتهم. غير أن النزعة المثالية تعجز عن الرد على السؤال التالي: لماذا ظهرت فكرة ما في أيامنا هذه ولم تظهر في القدم؟
لا تعتقد النزعة المادية الجدلية، وهي التي لا تفصل قط الأفكار عن أساسها الموضوعي، ولا تؤمن بأن الأفكار الجديدة تتولد بصورة سحرية. تتولد ألأفكار الجديدة كحل لتناقض موضوعي نشأ في المجتمع. فنحن نعلم بأن الدافع على كل تغيير هو التناقض ( انظر الدرس الخامس). لأن نمو التناقضات داخل مجتمع معين يثير مهمة حلها عند اشتدادها. فتظهر حينئذ الأفكار الجديدة كمحاولة لحل هذه التناقضات.
وهكذا فأن نمو التناقضات الخاصة بالمجتمع الإقطاعي ـ أي الانفصال بين علاقات الإنتاج القديمة وقوى الإنتاج الجديدة ـ هو الذي ولد الأفكار الثورية في الطبقة الصاعدة: فإذا بنا نشهد ظهور مشاريع الإصلاح الاجتماعي والسياسي بالمئات. ولقد حدث ما يشبه ذلك في المجتمع الرأسمالي، فقد تولدت الأفكار الاشتراكية لحل التناقضات التي كان يشقى بها ملايين الرجال والنساء والأطفال. ومما يميز كبار المجددين قدرتهم على حل المشاكل التي هي انعكاس لتناقضات المجتمع الموضوعية، والتي تعترض وعي معاصري هذه المشاكل.
لأن الإنسانية لا تثير سوى المشاكل التي يمكنها أن تحلها، ولأن المشكلة لا تبدو الا حيث توجد الظروف المادية لحلها أو أن هذه الظروف قد أخذت في الظهور.
وتبدو هذه الجملة غير مفهومة لمن لم يتعرف على النزعة المادية الجدلية وهي تفسر كما يلي: أن من يقول بوجود "مشكلة" يقول بوجود "تناقض" يجب حله. وما التناقض سوى نضال بين القديم والجديد! فإذا ما ظهر تناقض ما فمعنى ذلك أن الجديد قد وجد بصورة جزئية ولو أنه لم يولد بعد. مثال ذلك أن الخطر لا يمكن أن يهدد المجتمع الإقطاعي إلا حين تأخذ القوى المتناقضة في داخله، بالعمل، تلك القوى التي ستقضي عليه فيما بعد (وهي الصناعة والبرجوازية).
وكان حل هذه المشكلة هو انتصار هذا الجديد الذي كان يبحث عن طريقة للظهور.

د) – مَسْألة الآثَار البَاقية
تتيح لنا النظرية التي عرضناها في هذا الدرس أن نوضح ميزة مهمة لتاريخ الأفكار إلا وهي مسألة الآثار الباقية
فهناك أثر باق حين تستمر فكرة في الأذهان بينما زالت الظروف الموضوعية التي يقوم عليها وجودها.
وهناك نظرية أساسية في النزعة المادية الفلسفية تقول بأن الوعي لاحق للواقع المادي (الطبيعة والمجتمع). فالوعي يتأخر عن الوضع الموضوعي. وهكذا يعيش الحذّاء الذي تحدث عنه ستالين حياة عامل بصورة موضوعية بينما هو يحتفظ بعض الوقت بوعي برجوازي صغير.
وكذلك يتأخر الناس، الذين يعيشون في مجتمع يتغير، في إدراكهم لهذه التغيرات. حتى إذا ما ظهرت هذه التغيرات حاولوا البحث عن الحلول بين الأفكار القديمة التي احتفظوا بها من الماضي. وتقف هذه الأفكار الباقية من الماضي (وهي الأفكار التي ولدت في ظروف موضوعية قديمة) في وجه الأفكار الجديدة التي تتعلق بالظروف الموضوعية الجديدة. مثال ذلك: كان العمال الذين كانت تستغلهم البرجوازية الصناعية، في مطلع الرأسمالية، يبحثون عن حل لشقائهم في عودة خيالية إلى الصناعة اليدوية فأخذوا في تحطيم الآلات.
ولكن على الأفكار الباقية أن تتراجع كلما نمت التناقضات الموضوعية، فتبدو العودة إلى الماضي مستحيلة، بينما يقوى ساعد الأفكار الجديدة، التي تتفق مع القوى الموضوعية الصاعدة.
يمتد وجود الماضي في الوعي حتى يصبح الحاضر غير محتمل فتمس الضرورة للبحث عن الجديد فينتصر المستقبل عندئذ.

4 – الخلاصَة
كان لعنوان هذا الدرس ما يبرره. إذ يجب علينا الاعتماد على حياة المجتمعات المادية لفهم حياتها الروحية، ونستخلص من ذلك بعض التعاليم ذات الأهمية العملية الكبيرة.
1 ـ المشاكل الوحيدة التي يمكن حلها في زمن معين هي تلك التي تثيرها حاجات المجتمع الواقعية. ولهذا يقيم الماركسيون عملهم على دراسة عميقة للظروف الموضوعية، في زمن معين، ولهذا كان عملهم مثمراً. فهم يعارضون في ذلك نزعة "بلوم" المثالية التي تنكر طابع الوقائع الاجتماعية المادي، ولا سيما الوقائع الاقتصادية، فتجعل من الاشتراكية نزعة صوفية، فيكون بذلك مصير كل عمل الفشل.
2 ـ لا يجب على المناضل الثوري، في علاقاته مع العمال، أن يكتفي بما يفكر به هؤلاء العمال. فالأفكار شيء والظروف المادية شيء آخر. إذ يمكن للعامل أن يخضع، على غير وعي منه، لتأثير الأفكار البرجوازية فتكون أفكاره محافظة.
فهل هذا مما يدهش؟ كلا. لأن الطبقة المسيطرة، في نفس الوقت الذي تستغل فيه العمال، تبذل كل جهدها لإقناعهم بأن هذا هو الكمال. (ذلك لأن الأخلاق الرسمية التي تلقن في المدارس لا تعلم النضال الطبقي بل الرضى بالواقع).
فلا يجب إذن مؤاخذة هذا العامل لأن أفكاره الخاطئة تعبر عن الواقع الموضوعي لمجتمع تسيطر فيه البرجوازية. وفوق هذا يعمد الثوري، بالإضافة إلى تعدد الآراء التي تفرق بين العمال، إلى التحليل المادي للظروف الموضوعية فيوضح وحدة المصالح.
وهكذا تقوم وحدة العمل. وتصبح وحدة العمل هذه ممكنة لأن ما يحدد ظروف النضال الطبقي ليست الأفكار بل ظروف النضال الطبقي هي التي تحدد الأفكار. ولهذا توجه موريس توريز إلى العمال الكاثوليك عام 1936 بقوله: أنهم عمال مثلنا نحن الشيوعيين. فلنتحد في النضال المشترك من أجل مصلحة شعبنا ووطننا".
3 ـ دللنا في هذا الدرس على أن تغير الأفكار له أساس مادي. ولهذا نتائج مهمة في تربية العمال الثورية، إذ لا يمكن تمثل الأفكار الثورية إلا في النضال وبواسطته في المصنع وفي المكتب. ويجعل النضال الاجتماعي (وهو ظرف موضوعي) التغيرات المهمة في وعي العمال ممكنة. (وهذا هو الانعكاس الذاتي). وهكذا يقوم العمال، الذين لم يصبحوا ثوريين، بتجربتهم خلال نضالهم لحل تناقضات المجتمع الرأسمالي الموضوعية. فيكتشفون بمساعدة الطليعة الماركسية اللينينية حلول مصائبهم فيصبحون بدورهم ثوريين.
الدّرس الثالث عشر
تأثير الأفكار في الحَيَاة الاجتماعِيَّة وأهمّيتها



1 – مثال
2 – خطأ النزعة المادية الساذجة
3 – النظرة المادية الجدلية
أ) اصل الأفكار المادي هو الذي يضفي عليها القوة
ب) الافكار القديمة والافكار الجديدة
ج) عمل الأفكار الجديدة هو التنظيم والتعبئة والتحويل
4 – الخلاصة


1 – مثَالٌ
هناك قول باطل شائع يقوم على الاعتقاد بأن النزعة المادية الماركسية لا تقيم أي وزن للأفكار ولا تعترف لها بأية أهمية أو أي عمل.
وسوف يدلل هذا الدرس على أن هذا خطأ وأن الماركسيين يهتمون بالأفكار والنظريات على السواء، ولقد برهن على ذلك ماركس نفسه. فلو أنه لم يعترف للأفكار بأي سلطان لما كرس حياته لتكوين نظريته الثورية ونشرها. كما برهن على ذلك زملاؤه من المناضلين الشيوعيين الذين هم أول من يضرب المثل في أحلك ساعات النضال، ويضحون، عند الضرورة، ببطولة، بحياتهم في سبيل انتصار مثل الاشتراكية السامية.
فلنعد إلى المثال الذي قدمنا به للدرس السابق، إلا وهو الفكرة التي اذاعتها الأونسكو والقائلة بأن الحروب تولد "في وعي الناس" وأنه تكفي تهدئة العقول للقضاء على الحرب. رأينا أن هذه الفكرة لا تصمد أمام امتحان مادي، لأن الحرب ـ وفكرة الحرب ـ تصدران عن واقع المجتمعات المادي.
وبالرغم من خطأ نظرية الأونسكو هذه فأن لها أهمية كبيرة مع ذلك. فهي، عمليا، تقوم بدور محدد جدا: فهي تعمل، من وراء ستار محاربة الحرب، على الحيلولة دون البحث عن أسباب الحرب الحقيقية! لأن هذه النزعة المثالية، بادعائها أن "وعي الناس" هو مصدر الحرب، تخفي مسؤوليات المجرمين الحقيقيين الواقعية ألا وهم المستعمرون. تحسن هذه النزعة المثالية القول ولكنها تسيء إلى قوى السلم وتحبذ قوى الحرب. إذ ليس "دعاة تهدئه العقول" الحقيقيون هم أولئك الذين يخفون عن العقول، تحت ستار من النزعة المثالية، أسباب الحرب الموضوعية، بل هم أولئك الماديون، الذين يحللون هذه الأسباب ويفضحون المستعمرين المعتدين.
ليس صحيحا إذن أن الماركسية تهمل قوة الأفكار. ويقول ستالين: "لقد قلنا بأن حياة المجتمع الروحية هي انعكاس لظروف حياته المادية. أما فيما يتعلق بأهمية الأفكار والنظريات الاجتماعية، والآراء والمؤسسات السياسية ودورها في التاريخ فأن النزعة المادية التاريخية، بدلا من أن تنكرها، تشير، على العكس، إلى دورها وأهميتها الكبرى في الحياة الاجتماعية وفي تاريخ المجتمع.
ولما كانت الفلسفة الماركسية مادية فهي تبحث عن أصل الأفكار الاجتماعية في حياة المجتمات المادية. ولما كانت جدلية فهي تدلل على أهميتها الموضوعية وتحدد دورها الحقيقي: وهذا موضوع درسنا الثالث عشر.
2 – خَطَأ النزعة الماديَّة السَّاذجَة
أن من يأخذون على النزعة الماركسية إهمالها للأفكار يرفعون عليها دعوى باطلة عن قصد أو غير قصد. فهم ينسبون إليها خطأ النزعة المادية الساذجة. لأن نكران أهمية الأفكار موقف ضد العلم حاربته النزعة المادية الجدلية دائماً.
"يختلف تفكيرنا في القصر عنه في الكوخ" هذا القول لفورباخ وهو يدل على السذاجة والغموض. فهو ينسى أن من بين الظروف التي تحدد نظريات الإنسان الأفكار البالية. حتى أن ساكن الكوخ يمكنه أن تكون له مطامح أمير! كما يمكن للعامل أن تكون له مطامح البرجوازي الصغير! هل كان الحذّاء الجورجي الذي تحدث عنه ستالين يعتنق الأفكار الاشتراكية لو أن هذه الأفكار لم توجد ولم تقم بدورها في المجتمع؟
يضرب جاستون مونموسو في كتابه La Musette de Jean Brécot مثلاً حياً ـ أقرأ فصل " بقرة نبيل" ص 84 ـ على هذه الحقيقة، وهي أن بعض الأفراد يمكنهم أن يحتفظو وقتا طويلاً بأفكار تتعارض مع ظروف معيشتهم المادية.
أن النظريات الآلية في النزعة المادية المعارضة للجدلية ـ ونسميها بالنزعة المادية الساذجة، معارضة للنزعة المادية العلمية ـ خطيرة جداً. لماذا؟ لأنها تخدم النزعة المثالية. لأن النزعة المادية الساذجة بإنكارها عمل الأفكار تترك المجال أمام الفلاسفة المثالين لاحتلال الميدان الذي تركوه لهم. فنجد أمامنا من جهة نزعة مادية تفقر الواقع؛ ومن ناحية أخرى "فيض النفس" الذي تحمله النزعة المثالية "للتعويض عن هذا النقص" فما هو موقف النزعة المادية الجدلية؟
بينما ترى المادية الآلية أن الوعي ليس سوى انعكاس سلبي للوجود المادي، فأن النزعة المادية الجدلية تعتقد أن الوعي الاجتماعي هو انعكاس حقا ولكنه انعكاس فعال.
ونحن نعلم أن الواقع هو حركة (القانون الثاني للجدلية، راجع الدرس الثالث)، وأن كل مظهر من مظاهر الواقع حركة أيضاً. والأفكار والنظريات، وأن كانت لاحقة على المادة، فهي مظاهر من الواقع بأكمله. فلماذا لا نعترف لها بالصفة الأساسية لكل ما هو كائن؟ لماذا لا نعترف لها بالحركة والنشاط؟ الجدلية شاملة عامة: فهي تظهر إذن الأفكار كما تظهر في الأشياء، في الوعي الاجتماعي كما تظهر في الإنتاج.
والنظرية التي لا تعترف للأفكار بأي قوة أو سلطان هي نظرية معارضة للجدلية بمعنى آخر: ونحن نعلم (القانون الأول للجدلية، راجع الدرس الثاني) أن الواقع هو ترابط جميع مظاهر الواقع، وتأثير كل منها في الآخر. ينتج عن ذلك أن حياة المجتمع الروحية، لما كانت مشتقة من الحياة المادية، فأنها لا تنفصل عن هذه الحياة المادية؛ فهي تؤثر بدورها على حياة المجتمعات المادية.
ولهذا فأن تطبيق قوانين الجدلية لا يظهر فقط أهمية الأفكار والنظريات الاجتماعية بل ينتج لنا فهم عملها.
ولقد عبر عن هذه العلاقة المتبادلة وتفاعل المجتمع الأفكار كما يلي:
الوضع الاقتصادي هو الأساس ولكن صور النضال الطبقي السياسية ونتائجها ـ والدساتير القائمة بعد فوز الطبقة المنتصرة، والصور التشريعية وانعكاسات جميع صور هذا النضال الحقيقي في أدمغة المشتركين بها في النظريات السياسية والتشريعية والفلسفية والنظريات الدينية ثم تطورها فيما بعد إلى نظم عقيدية ـ كل ذلك يؤثر في مجرى ألوان النضال التاريخي ويحدد صورته. فهناك فعل ورد فعل تقوم بهما جميع العناصر.
كما كتب انجلز يقول: "يا لها من فكرة بلهاء تلك الفكرة التي ينادي بها المفكرون تقول بأنه لما كنا لا نعترف لمختلف الأفكار التي تقوم بدور في التاريخ بأي نمو تاريخي مستقل فأننا لا نعترف لها أيضا بأية فعالية تاريخية. ويقول انجلز أن هذه فكرة غير جدلية عن السبب والنتيجة كأنهما قطبان معارض كل منهما للآخر بصورة شديدة.
كما يقول يبدو له بديهياً القول بأن وجهة النظر الفكرية تؤثر بدورها على الأساس الاقتصادي ويمكن أن تغيره نوعاً ما، وحينما يدعي "بارت" أننا أنكرنا كل رد فعل للانعكاسات السياسية الخ، وانعكاس الحركة الاقتصادية على نفس هذه الحركة فأنه في ذلك يقف في وجه طواحين الهواء.
أن ما ينقص هؤلاء السادة جميعاً هي الجدلية. لا يرون هنا سوى السبب ولا يرون هناك سوى النتيجة أما أن مجرى الأشياء يحدث بصورة فعل ورد فعل لقوى غير متساوية وأهمها وأشدها وقعاً الحركة الاقتصادية فأنهم لا يرون كل هذا.
ويعتمد بعض العاملين على تبسيط النزعة المادية على أن القوانين الاقتصادية هي أساس التطور التاريخي فيخلصون إلى نتيجة خاطئة وهي أنهم يعتقدون أنه يكفي أن ندع هذه القوانين تعمل بنفسها دون أن نقوم بأي عمل. وهكذا يدعون الإنسان إلى العجز والتقاعس. بيد أن التجربة تدلل على أنه كلما ازدادت معرفة الناس لقوانين المجتمع الموضوعية كلما ازدادت فعالية نضالهم ضد القوى الاجتماعية الرجعية التي تعترض سبيل تطبيق هذه القوانين لأنها تضر بمصالحهم الطبقية.
فكيف ننكر من ثم عمل الوعي الذي يعرف هذه القوانين؟ كيف ننكر قوته وهو يتمتع بهذه النتائج؟
فإذا كان الناس يعلمون قوانين التطور الاجتماعي استعانوا بهذه القوانين وإذا كانوا يجهلونها كانوا ضحيتها. وهكذا تساعد معرفة أسباب الحرب الاستعمارية العلمية على النضال بصورة فعالة ضد هذه الحرب. فإذا ما قال الماركسيون، مع ستالين، أن الحروب "لا يمكن تفاديها بين الشعوب الرأسمالية.. تستنتج النزعة المادية الساذجة بأن الحروب قضاء مقدر. فيشبهون في ذلك نزعة اللاهوتي المثالية الذي يعتبر الحرب عقابا إلهيا. والقول بأن الرأسمالية تجعل من الصعب تفادي الحروب كالقول بأن الرأسمالية بطبيعتها تولد الحرب الاستعمارية. ولكن إذا كانت الرأسمالية السبب الضروري للحروب فلا يكفي وجودها لإشعال نار الحرب، لماذا؟ لأنه يجب أن ترضى الشعوب أيضا بخوض غمار هذه الحرب. يحتاج الرأسماليون إلى جنود. ومن هنا كانت سياستهم الحربية، وفلسفتهم الحربية التي تسعى إلى إقناع الشعوب بأنه يجب خوض غمار الحرب: ولهذا يسعون للعمل بشكل يتحقق معه قانون الرأسمالية لمصلحتهم. ولكن متى ناضلت الشعوب جنباً إلى جنب، دون أن تنتظر سياسة الحرب وفلسفة الحرب فأنها، تمنع الرأسماليين من تحقيق الظروف الممهدة للحرب. نرى من هنا أهمية الأفكار. لقد أصبحت فكرة امكانية التعايش السلمي بين نظامين اجتماعيين مختلفين حجر عثرة في وجه الحملة ضد الاتحاد السوفياتي. لماذا؟ لأن الجماهير قد أخذ يزداد تمسكها بهذه الفكرة. بينما الرأسمالية، التي هي بحاجة للحرب، (ولهذا كانت الحرب ضرورية لها) لا يمكنها ارضاء هذه الحاجة إذا قالت الشعوب، كلا (ولهذا كانت الحرب ليست قضاء محتوما).
3 ـ النْظريَّة المَاديَة الجَدَليَّة
أ) – أصْل الأفكَار المَادّي هُو الذي يُضفي عَليهَا القوَّة
تؤكد النزعة المادية الجدلية إذن، في نفس الوقت الذي تؤكد فيه طابع القوانين الاجتماعية الموضوعي ـ ولا سيما القوانين الاقتصادية ـ عمل الأفكار الموضوعي (مما يتيح للناس التعجيل بعمل القوانين الاجتماعية أو تأخيره، وكذلك تشجيعه أو اعاقته). وسوف يقول بعض سجناء النزعة المادية الساذجة: "هذا غير منطقي فإما هذا الأمر أو ذاك! اما أن نقول بقوة "العامل الموضوعي" أو نقول بقوة "العامل الذاتي". يجب الاختيار بينهما. وهذا موقف ميتافيزيقي.
لا تجعل النزعة المادية الجدلية من المادة والفكر مبدأين منفصلين. بل هما مظهران وكل منهما واقعي كالآخر.
فهما من طبيعة واحدة أو مجتمع واحد، ولا يمكن تمثيل كل منهما على حدة، فهما يعيشان وينموان معا وليس هناك ما يدعو إلى القول بأن كلا منهما ينفي الآخر.
ويقول ستالين أيضا: "الطبيعة واحدة لا تنقسم وهي تبدو في صورتين مختلفتين: صورة مادية وصورة فكرية، وكذلك الحياة الاجتماعية واحدة لا تنقسم وتبدو في صورتين مختلفتين: صورة مادية وصورة فكرية: هكذا يجب علينا إن ننظر لتطور الطبيعة والحياة الاجتماعية.
مع العلم بأن الصورة المادية سابقة على الصورة الروحية. ولهذا لا تقول النزعة المادية الجدلية بسلطان الأفكار على العالم بل هي تجعل هذا السلطان مفهوماً. وأما النزعة المثالية فهي، على العكس، تفصل الأفكار عن مجموع الواقع فتجعل منها كائنات سرية غامضة فنتساءل عندئذ كيف يمكن هذه الأفكار أن تؤثر في عالم (طبيعة أو مجتمع) لا علاقة لها به. لأن عزلة الأفكار الرائعة تصيبها بالشلل.
وميزة النزعة المادية الجدلية هي في أنها، بعد أن اكتشف أصل الأفكار الاجتماعية المادي، أصبح في مقدورها فهم فعالية تأثيرها على العالم الذي خرجت منه. وهكذا نرى أن أصل الأفكار والنظريات المادي لا يضر بأهميتها أو عملها بل يعيد إليها كل فعاليتها.
وليست النزعة المادية الجدلية هي التي تحتقر الأفكار بل هي النزعة المثالية التي تحولها إلى كلمات جوفاء، وتجعل منها أشباحاً لا قوة لها. اما النزعة المادية الجدلية فهي ترى في الأفكار قوة ملموسة لها نتائج مادية كقوى الطبيعة.
ويمكن لهذه القوة ـ بالرغم من أنها تصبح غير مفهومة إذا نظرنا إليها على حدة ـ أن تنمو بحركتها الذاتية. مثال ذلك: لقد ولد الدين على أساس ظروف المجتمع المادية والتاريخية. ولكن هذه المجموعة من الأفكار التي تكون الدين ليست سلبية. بل لها حياتها الخاصة فهي تنمو في أدمغة الناس لا سيما وأن هؤلاء الناس ـ لجهلهم أسباب الدين الموضوعية ـ يعتقدون أن الله هو الذي يسيِّر كل شيء. يمكن إذن للأفكار أن تنتقل من جيل إلى جيل بينما تكون قد تغيرت الظروف التي ولدتها. حتى إذا ما طال الزمن أثَّر مجموع هذا الواقع على هذا الجانب من الواقع الذي هو الفلسفة الدينية. للفكرة تطور مستقل نسبياً، حتى إذا ما اشتد التناقض بين الفكرة والعالم الموضوعي انحل لصالح العالم الموضوعي والافكار التي تعكس هذا العالم الموضوعي، فشقت النظريات الصحيحة طريقها في النهاية وفرضت نفسها على الجماهير ضد الأوهام والأكاذيب.

ب) – الأفكَار القَديمَة وَالأفكَار الجَديدَة
رأينا في دراستنا لأصل الأفكار (الدرس الثاني عشر المسألة الثالثة) أن التناقض بين الأفكار والنظريات يعكس تناقضاً موضوعياً في المجتمع.
فلننظر مثلاً إلى الأزمات الاقتصادية التي تولدها الرأسمالية سببها الموضوعي هو التناقض بين طابع ملكية وسائل الإنتاج الخاص وطابع عملية الإنتاج الاجتماعي. فكيف نحل هذا التناقض؟
تجيب طبقة البروليتاريا الثورية بقولها: بواسطة جعل وسائل الإنتاج اشتراكية، وبواسطة الاشتراكية، فتزول عندئذ الأزمات، وتزدهر قوى الإنتاج في خدمة الجميع. وتجيب البرجوازية بقولها على ذلك، وهي المالكة لوسائل الإنتاج التي تستفيد منها أقصى الأرباح: فلنحدد قوى الانتاج لأنها تجلب الخطر على نظامنا، فننقذ بذلك علاقات الإنتاج الرأسمالية التي تضمن لنا إمتيازاتها. وإذا بنفس الطبقة، التي كانت بالأمس تتغنى بفضائل العلم، تلعن اليوم هذا العلم لأنها تعتقد أن الخطأ في تضخم الإنتاج أنما هو خطأ العلم. وأما البروليتاريا فهي، على العكس، تتغنى بمديح العلم فهي تعتقد أن سبب الأزمات ليس هو تقدم العلم بل هو النظام الاجتماعي والرأسمالية، ولهذا فأن العلم، في النظام الاشتراكي، يجلب الرخاء.
نرى أن هناك نضالا بين الأفكار على أساس تناقض موضوعي إلا وهو تناقض الرأسمالية.
فهناك من جهة الفكرة التي ينشرها المفكرون والصحفيون البرجوازيون القائلة بأن العلم شرير، يجب وضعه تحت المراقبة، وأن ما يحرزه من تقدم مصيبة، فيجب ربطه بالدين.
ولهذا نجد الجرائد والمجلات تطفح بالسحر و "بالعلوم الغيبية" إلى جانب مناهضة الشيوعية وصور فتيات الغلاف. وكذلك نجد وزير التربية الوطنية يدعو في نص رسمي إلى النزعة التجريبية، أي إلى وسائل البحث التي تخطاها العلم منذ أمد طويل.
ولهذا فليست هذه الدعاية الصاخبة الخفية ضد العلم والعودة إلى النظريات الصوفية للقرون الوسطى مجرد صدفة.
وكذلك ليس مجرد صدفة أن نسمع اليوم البرجوازية تردد بصور مختلفة أنه ليس هناك قوانين موضوعية، ولهذا يجب أن لا "نحاول الفهم". وليس مجرد صدفة أن يسعى مشروع "إصلاح" التعليم، الذي قدمه الوزير اندريه ماري، على غرار فرنكو، إلى أفساد الثقافة العامة. كل هذا (وما شابهه من موضوعات ظهرت في عهد فيشي الفاشستي) هو التعبير الفكري عن مصالح طبقة حكم عليها تطور المجتمعات وتود أن يعود التاريخ القهقرى.
فهناك أفكار قديمة ونظريات مضى زمانها تخدم الآن مصالح قوى المجتمع الزائلة. وأهمية هذه الأفكار هي في أنها تعيق تطور المجتمع وتقدمه.
ومن البديهي أن كراهية العلوم واحتقارها يفيدان في الوقت الحاضر البرجوازية لأن ازدهار العلوم السلمي يعرض نظام هذه البرجوازية للخطر.
تقوم البروليتاريا، وهي الطبقة الثورية، مقابل ذلك بنشر الفكرة القائلة بوجوب تشجيع تقدم العلوم.
وتتفق هذه الفكرة تماماً مع نمو قوى الإنتاج، ولا يمكن أن يقوم بهذا التشجيع سوى نضال البروليتاريا الثوري.
فهناك قوى ونظريات جديدة تقف في الطليعة تخدم مصالح قوى الطليعة في المجتمع. وأهمية هذه الأفكار والنظريات أنها تسهل تطور المجتمع وتقدمه، وزيادة على ذلك تزداد أهميتها كلما عكست بصورة صادقة حاجات تطور حياة المجتمع المادية.
ولهذا توجد الطبقة العمالية، عند استلامها الحكم، الظروف المادية التي تساعد على ازدهار العلوم. وهي تشجع الفكرة القائلة بأن العلم ضروري لسعادة الناس. ولهذا فأن تطور علم الحياة (البيولوجيا) المتشوري في الاتحاد السوفياتي أصبح قضية الفلاحين الكولخوزيين الذين يشاركون في تكوين أنواع جديدة، وبهذا تزداد سرعة الوصول إلى الشيوعية. (انظر الشريط: صيف رائع).
الأفكار هي إذن قوى. والأفكار القديمة هي قوى رجعية، ولهذا تأخذ بها الطبقات الرجعية، وأفكار الطليعة هي قوى تساعد على تقدم المجتمعات ولهذا تشجعها الطبقات الصاعدة.
لا يجب أن نستخلص من ذلك أن الطبقات المتضاحنة توجد بصورة تلقائية الأفكار المطابقة لحاجاتها. الأفكار هي ثمرة عملية المعرفة. تتكون الأفكار في مجتمع يسيطر فيه تقسيم العمل (كحال المجتمعات المنقسمة إلى طبقات) كنظريات يقوم بوضعها أشخاص مختصون بهذه المهنة وهم الكهان، والفلاسفة والعلماء والفنيون والمربون والفنانون والكتاب، الخ... ولكن تستخدم هذه الأفكار الطبقية بأجمعها.
هذا من جهة ومن جهة ثانية فأننا، حين نتحدث عن الأفكار الجديدة، فلا يجب أن نفهم ذلك بصورة تخطيطية. إذ يحدث أن تتخلى طبقة ما عن فكرة فتستخدمها فيما بعد طبقة أخرى في صور أخرى. وهكذا فقد قالت البرجوازية الثورية (ديدرو، كوندوسيه) أن العلم خيِّر. فقال بهذه الفكرة العامل الثوري وجددها، ويمكنه أن يستخلص منها جميع النتائج العملية (في بناء الاشتراكية) بينما عجزت البرجوازية عن السير بهذه الفكرة حتى النهاية. وهكذا يمكن أن تستخدم الطبقات أفكاراً استُخدمت من قبل. وليس في هذا ما يبعث على الدهشة. فلقد تعلم الناس من التجربة قدرة الأفكار فلا تهمل طبقة ما، من بين الأفكار الموجودة تلك التي تساعد على امتداد سلطانها. كما أنه يمكن لطبقة ما أن تطرد من أفكارها الفكرة التي لا تناسبها. فإذا بالبرجوازية، اليوم، تطأ بأقدامها "علم الحريات الديمقراطية البرجوازية" التي جعلت الجماهير المضطهدة تتحالف معها ضد الإقطاع.
وتحاول هذه الطبقة، فيما عدا ذلك، أن تجعل من الأفكار القديمة التي تستخدمها أفكاراً "جديدة": مثال ذلك أن هتلر أراد أن يجعل من النظرية القديمة عن العنصر أو الدم فكرة علمية. وكان هناك علماء آمنوا بما قال. كما كان موسوليني يصرح أن الاشتراكية البروليتارية هي "أسطورة قديمة" وأن الفاشية "أسطورة الجديدة"!
ولا يحكم على "الجدة" بالزمن بل بقدرتها على حل المشاكل التي تنشأ في زمن معين. ولهذا فأن كتاب "رأس المال" لماركس هو أكثر جدة من كل ما يُعلم حديثا في الجامعات البرجوازية كاقتصاد سياسي.
وهناك ملاحظة أخرى. إذا كانت الأفكار دائماً في خدمة طبقة ما أو مجتمع معين تاريخياً فلا يجب أن نخلص للقول بأن الأفكار جميعها تتساوى في قيمتها. فالفكرة القائلة بأن العلم مسيء هي فكرة خاطئة ـ أي أنها تعارض الواقع لأن تقدم المجتمعات الإنسانية مستحيل بدون العلوم.
أما الفكرة القائلة بأن العلم خيِّر فهي فكرة صحيحة، تطابق واقع الوقائع. والبروليتاريا، وهي الطبقة الصاعدة، بحاجة للحقيقة كحاجة البرجوازية، الطبقة الزائلة إلى الكذب.
غير أن الأفكار الخاطئة هي قوة فعالة ولا تقل فعاليتها عن فعالية الأفكار الصحيحة. ويجب محاربتها بواسطة أفكار صحيحة تقدمية تعكس بصورة أصدق حاجات التطور الاجتماعي مما يضمن لها النصر الأخير وتزداد قيمتها يوماً بعد يوم حتى تصبح لا غنى عنها، وهذا ما يفسر امتداد انتشار هذه الأفكار.

ج) – تقومُ الأفكار الجَديدَة بالتّنظيم وَالتعبئَة وَالتَحويل
لا تظهر الأفكار والنظريات الجديدة الا حين يثير تطور حياة المجتمع المادية مهام جديدة أمام المجتمع. حتى إذا ما ظهرت هذه الأفكار والنظريات أصبحت قوة لها أهميتها الكبرى تسهل أتمام المهام الجديدة التي أثارها تطور حياة المجتمع المادية، كما أنها تسهل تقدم المجتمع. تظهر عندئذ أهمية عمل هذه الأفكار والنظريات الجديدة في التنظيم والتعبئة والتحويل، وكذلك أهمية عمل الآراء والمؤسسات السياسية الجديدة.
والحقيقة أن ظهور الأفكار الجديدة والنظريات الاجتماعية حق لأنها ضرورية للمجتمع، ولأن حل المشاكل الملحة التي يثيرها تطور حياة المجتمع المادية يصبح مستحيلا بدون عمل هذه الأفكار والنظريات في التنظيم والتعبئة والتحويل.
وبما أن هذه الأفكار والنظريات الجديدة قد أثارتها المهام الجديدة التي يولدها تطور حياة المجتمع المادية فأنها تشق طريقها وتصبح ملك الجماهير الشعبية التي تعبؤها وتنظمها ضد قوى المجتمع الزائلة فتساعد بذلك على قلب هذه القوى التي تعيق تطور حياة المجتمع المادية.
لهذا النص أهمية كبرى لأنه يوضح لنا الصور التي تتخذها الأفكار الجديدة في عملها:
ـ فهي تعبىء الهمم أي أنها تثير وتبعث الحماس وتحرك الجماهير.
ـ وهي تنظم، أي أنها تضفي على هذه الحركة الوحدة والانسجام الدائمين (مثال: فكرة النضال من أجل السلام ولدت جمعيات السلام التي تنظم حركة السلام).
ـ وهي تحول، أي أنها لا تؤثر فقط على الوعي فتسمو به، بل هي تتيح حل المشاكل التي يعانيها المجتمع بصورة فعلية.
"تصبح النظرية قوة مادية متى ما آمنت بها الجماهير".
وفي التاريخ أمثلة كثيرة على هذا الدور الثلاثي للأفكار الجديدة.
فلقد عبأت، في عام 1789، الفكرة التقدمية القائلة بأن الأمة سيدة مصيرها وأن عليها أن تضع لنفسها دستوراً يجعل جميع الفرنسيين متساوين أمام القانون ويقضي على الأمتيازات، عبأت هذه الفكرة الجماهير لأنها كانت جواباً على مشكلة العصر التاريخية، وأثارت اندفاع الشعب المنظم ضد النظام الإقطاعي القديم.
كما أتاحت، في تشرين 1917، الفكرة التقدمية القائلة بأنه يجب القضاء على حكومة كيرنسكي وتسليم السلطة إلى السوفيات لضمان تحرير القوميات المضطهدة، أتاحت هذه الفكرة تنظيم الجماهير وتعبئتها ومن ثم تحويل المجتمع.
ويمكننا أن نعدد الأمثلة على ذلك، ولكن أليس هناك مثال يهم العمال الفرنسيين أكثر من غيره؟
لاحظ موريس توريز في تحليله للوضع الذي القاه في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الفرنسي (حزيران 1953) أن "الأمر الخطير في هذه الساعة هو تقدم فكرة الوحدة بين الجماهير الشعبية" فلماذا هذه الوحدة؟" أنها من أجل العمل على انتصار سياسة سلمية واستقلال قومي في بلادنا، سياسة حرية وتقدم اجتماعي". فكيف توصل العمال، الذين يزداد عددهم يوماً بعد يوم، إلى هذه الفكرة؟ لأن جميع التناقضات السياسية التي نشأت عن مشروع مارشال وعن ميثاق الأطلنطي قد ظهرت".
وهذه سياسة حرب واستعباد مرهقة، كما أنها سياسة فاشستية ورجعية اجتماعية. فلقد أدرك العمال أنه لا سبيل لتغيير ذلك الا بالاتحاد والعمل بفضل الاتحاد".
وهكذا استولت فكرة الاتحاد على الجماهير شيئاً فشيئاً فهي، تعبئهم وتنظمهم سواء كان ذلك في لجان الإضراب أم في لجان السلام أم لجان الدفاع عن الحريات.
وهكذا تتم التحولات المادية التي جعلها الوضع ضرورية. وذلك بفعل الجماهير الواعي.
كما يظهر خطر الأفكار الجديدة، التي تثيرها المهام التي يبعثها التاريخ، حين تتلقفها الجماهير التي تصنع التاريخ. فتعمل عندئذ كما تعمل القوى المادية. حتى أن اعداء التقدم مضطرون إلى خداع هذه الأفكار التي يخشونها في أيدي الرجال الشجعان. وذلك هو شأن البرجوازية وخدامها الزعماء الاشتراكيين. ويلاحظ موريس توريز أنه بلغ من خوف هؤلاء من اتساع حركة الوحدة "أنهم يحاولون التمسك بشعار الوحدة للنضال ضد الوحدة". ولكن الخداع لا يمكن أن يقف في وجه قوة الجماهير الواعية التي تعرف إلى أين تسير، وماذا تريد، وماذا يجب عليها.
4 – الخلاصَة
أن أهمية الأفكار والنظريات الاجتماعية وعملها عظيم نخلص من ذلك إلى بعض النتائج:
1 ـ الأفكار قوى فعالة. ولهذا يسيء الثوري الذي يهمل محاربة وجهات النظر الخاطئة المنتشرة بين العمال إلى مجموع الحركة، فهو يسير على طريق النزعة المادية الساذجة السيء. ولا يسير عن طريق النزعة المادية الجدلية الصلب، وهي أساس الاشتراكية العلمية النظرية. مثال: أن ترك الصحافة البرجوازية، ومنها جريدة "الفرانك تيرور" تؤثر في العمال يعني ترك هؤلاء العمال فريسة للأفكار القديمة التي تعيق التقدم الاجتماعي.
ولقد غرس لينين عام 1900 بواسطة جريدته الأسكرا بذور الأفكار الجديدة في وعي العمال. ونمت هذه البذور وترعرعت. وتبنى الثوريون هذه الأفكار فتولد عنها الحزب الذي قاد الثورة الاشتراكية فيها بعد. فنضال الأفكار مظهر ضروري من مظاهر النضال الطبقي. ولهذا فأن عدم محاربة الأفكار المفيدة لسيطرة البرجوازية يعني تقييد البروليتاريا.
2 ـ الوجود الاجتماعي يحدد الوعي الاجتماعي، ولكن الوعي الاجتماعي يؤثر بدوره على المجتمع. وليس هذا التأثير ضرورياً فقط لتحقيق التغييرات المادية بل أن الفكرة في بعض الأحيان، هي التي تقوم بدور خطير. ويكون صدق الشعارات حينئذ حاسماً.
مثال: تنتقص البرجوازية الرجعية، في الوقت الحاضر، مصالح العمال والفلاحين والموظفين. فوحدة العمل إذن ممكنة ماديا. ولكن يجب أن يفهم هؤلاء ذلك! فيصبح عندئذ العنصر الفعال هي فكرة إمكانية تحقيق الوحدة. ولما كانت هذه الفكرة هي العنصر الفعال يردد الزعماء الاشتراكيون على مسامع العمال الاشتراكيين قائلين: "لا تصادقوا الشيوعيين"! كما يبدل المناضلون الشيوعيون ـ وهم أبطال الوحدة ـ جهودهم لحمل العمال الاشتراكيين على العمل المشترك.
يولد نجاح العمل المشترك عند هؤلاء المناضلين فكرة إمكانية الوحدة وحسن صنيعها، لأن هذه الفكرة تسهل أعمالا مشتركة جديدة، وهكذا دواليك حتى النصر المشترك.
مثال آخر: يولد ازدياد قوى السلام المادية بفضل (الاتحاد السوفياتي والديمقراطيات الشعبية وحركة السلم العالمية) وتضاؤل قوى الحرب المادية (كالاستعمار) ظروفا موضوعية تساعد على انتصار التفاوض العالمي، فتصبح عندئذ أرادة السلام، عند الملايين العديدة من الناس، العامل الفاصل، لأن هذه الإرادة إذا بذلت كل جهدها وجب أن تفضي إلى النتيجة الحتمية لأن ظروف نجاحها الموضوعية قد توفرت.
يدلل هذا المثال بوضوح على أن الفكرة تزداد قوتها كلما ازداد عكسها للوضع الموضوعي في ذلك الوقت، وأنها أقرب إلى إمكانيات ذلك الوقت الموضوعية. ويصبح العنصر الذاتي فاصلاً كلما عكس بصدق العنصر الموضوعي. ولهذا فالنزعة المادية الجدلية لا تقضي على الوعي بل هي تجعل له كل قيمته. والمادي الحقيقي ـ على عكس المادي الساذج الذي يتصور " الانعكاس الفكري" كثمرة جامدة لا نفع فيها فيقول: "الظروف الموضوعية حسنة. فلنستسلم لها وكل شيء يجري بسلام" لا يستسلم قط للظروف.
ولقد عبر ستالين في جملة مشهورة عن قوة الفكرة الفاصلة إذا ما توفرت أفضل الظروف الموضوعية لها بقوله: سوف يبقى السلام ويقوى إذا ما تولت الشعوب قضية استقرار السلام ودافعت عنه حتى النهاية. ويمكن للحرب أن تصبح لا مفر منها إذا توصل صانعو الحروب إلى الهيمنة على الجماهير الشعبية بالأكاذيب وخداعها وجرها إلى حرب عالمية جديدة.
3 ـ يضطرنا عمل الأفكار والنظريات الاجتماعية الفعال إلى تكوين نظرية تتفق وحاجات المجتمع المادية اتفاقاً تاماً، كما تتفق مع حاجات الجماهير الكادحة التي تصنع التاريخ وتملك لوحدها القوة القادرة على تحطيم مقاومة البرجوازية المستغلة. ولهذا فأن احتقار النظرية ـ كما يفعل الانتهازيون "أمثال المنشقين الروس وليون بلوم وجول موش ـ يعني حرمان الطبقة العاملة من البوصلة التي تقود الحركة الثورية".
ولهذا قال لينين: "لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية".
ومن فضائل الاشتراكية العلمية، وسنتحدث عن ذلك في الدرس الثاني، أنها، باعتمادها على النزعة المادية الجدلية، تقدر تماماً أهمية عمل الأفكار. فهي تضع إذن النظرية في المكانة السامية التي تستحقها وترى أن من واجبها استخدام كل قوتها على التعبئة والتنظيم والتحويل.
الدّرس الرابع عشر
تكوين الاشتراكية العِلميَّة
أهميتها وتأثيرها



1ـ مصادر الماركسية الثلاثة.
أ) الفلسفة الألمانية.
ب) الاقتصاد السياسي الإنجليزي.
ج) الاشتراكية الفرنسية.
2ـ الاشتراكية الخيالية.
3ـ الاشتراكية العلمية.
أ) تكوينها.
ب) صفاتها.
4ـ عمل الاشتراكية العلمية.
أ) دمج الاشتراكية مع الحركة العمالية.
ب) ضرورة الحزب الشيوعي ـ نقد (التلقائية
5ـ الخلاصة.



بينما تعجز النزعة المثالية عن فهم مصدر الأفكار والنظريات الاجتماعية وعملها إذا بالنزعة المادية الجدلية تستطيع القيام بذلك، ولكنها تخضع بنفسها للقوانين التي تسيطر على ظهور الأفكار وعملها. ولهذا بينما لا تفهم النزعة المثالية نفسها (لأنه لا يمكنها ذلك الا إذا لم تعد مثالية وأصبحت مادية) فأن النظرية الماركسية تستطيع أن تدرس تاريخها الخاص وأن تقدر أهميتها بصورة موضوعية.
وسنكرس هذا الدرس، الرابع عشر، للجانب الاجتماعي والسياسي للنظرية الماركسية الا وهو الاشتراكية العلمية، وسندرس تكوينها وعملها.

1 ـ مَصَادِر الماركسِيَّة الثَلاثة
إذا نظرنا للماركسية في مجموعها (النزعة المادية الجدلية، النزعة المادية التاريخية، الاشتراكية العلمية) لوجدنا أن الماركسية ليست ثمرة تلقائية للذهن الإنساني، فهي قد قامت على أساس التناقضات الموضوعية للمجتمع الرأسمالي، كما أنها تحل هذه التناقضات بصورة جديدة. وهي، من جهة ثانية، تنتمي لحركة فكرية تكونت في ظروف موضوعية أقدم منها وكانت هذه الحركة الفكرية تحاول الجواب على المشاكل التي أثارها تطور المجتمعات.
يدل تاريخ الفلسفة وتاريخ العلم الاجتماعي، بوضوح، على أن الماركسية لا تشبه "النزعة الانطوائية" التي تمتاز بها العقيدة المنطوية على نفسها وقد انبثقت بعيداً عن مجرى تطور المدنية الشاملة. فأن ماركس، على العكس، يمتاز أنه أجاب على المسائل التي أثارتها الإنسانية في سيرها. فنشأ مذهبه على أنه امتداد مباشر لمذاهب أشهر ممثلي فلسفة الاقتصاد السياسي والاشتراكية.
يشير هذا النص إلى ثلاثة مصادر نظرية للماركسية في مجموعها فيجب أن نسرع في وصف أهميتها.
أ) ـ الفَلسَفَة الألمَانِيَّة
الفلسفة الالمانية في مطلع القرن التاسع عشر مصدر للماركسية. وقد أشرنا إلى ذلك سابقاً (المدخل والدرس الأول).
كما نعلم أن هيجل، وهو المعجب بثورة 1789، أراد أن يقوم بثورة في ميدان الأفكار تشبه ما قامت به الثورة الفرنسية في ميدان الوقائع، ومن هنا كانت الجدلية: فكما أن الثورة الفرنسية قد قضت على النظام الإقطاعي الذي كان يظن أنه خالد، فكذلك قامت الجدلية بالقضاء على الحقائق التي كانت تظن نفسها خالدة: فهي ترى في التاريخ عملية محركها نضال الأفكار المتناقضة: هكذا كانت مطامح البرجوازية الألمانية تعبر عن نفسها فكريا في نهاية القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر. كانت ألمانيا مجزأة وكانت لا تزال تخضع للنظام الإقطاعي، كما كانت البرجوازية الألمانية الفتية تحلم بأن تقوم بما قامت به البرجوازية الفرنسية على الضفة الثانية للرين. غير أنها كانت ضعيفة فلم يكن بمقدورها القيام بهذه المهمة التاريخية. وهذا ما يفسر نقص فلسفة هيجل الأساسي: الا وهي نزعته المثالية. فالنزعة المثالية هي دائما انعكاس لعجز موضوعي: وهي تعبير نظري عن برجوازية تريد القضاء على الإقطاع ولكنها تعجز عن ذلك. فكانت فلسفة هيجل، حسب قول انجلز، "إجهاضا ضخما" وهكذا يظل التطور الجدلي تطورا فكريا صرفا. كما أنه، بالإضافة إلى ذلك، قد تحالف مع الدولة الاقطاعية البروسية فإذا به ينظر إلى هذه الدولة على أنها التعبير التاريخي الضروري عن الفكرة. وهكذا تحصر الجدلية نفسها في نطاق تجريد(idealisation) ما هو كائن... كما تقف حركتها عن السير لعجز طبقة لا يمكنها القيام بالثورة...الا في الذهن.
ومع ذلك فقد اضطر الفلاسفة البرجوازيون في الجيل الذي خلف هيجل (مات 1831) مباشرة ـ وقد حملهم على ذلك نضالهم ضد الإقطاعية الأكليركية ـ إلى أن يبحثوا عن السلاح النظري ضد عدوهم الطبقي في النزعة المادية الملحدة في القرن الثامن عشر. وتتمثل هذه المرحلة في لودفيج فورباخ. فلقد أعاد كتابه "جوهر المسيحية" (1841) "النزعة المادية إلى عرشها". كما أنه أثر في ماركس (ولد 1818) تأثيراً قوياً، وفي انجلز (ولد 1820). وينحدر كلاهما من البرجوازية الألمانية المتحررة.
ولكن نزعة فورباخ المادية ظلت ميكانيكية، (راجع الدرس التاسع) إذ يرى فورباخ ـ وهو محق ـ في الإنسان ثمرة للطبيعة، ولكنة لا يرى أن الإنسان أيضاً منتج يحول الطبيعة، وأن هذا هو مصدر المجتمع وكان فورباخ يفتقد إلى نظرة علمية للتاريخ فاستعاض عنها بديانة غامضة تقوم على الحب، أي بعودة إلى النزعة المثالية. وهذا عجز يعبر عن عجز البرجوازية الألمانية التي لم تستطيع عام 1848 القيام بثورتها ضد الإقطاعيين وتنتصر عليهم.
ونعلم أن ماركس قد أنشأ فلسفة علمية في وضعه للنزعة المادية الجدلية، وقد تخطت هذه الفلسفة جدلية هيجل المثالية، كما تخطت نزعة فورباخ المادية الميكانيكية وقد عرض ماركس، لأول مرة ، للنزعة المادية الجدلية في "أفكار حول فورباخ" وقد كتبها ماركس عام 1845. وتعبر الفكرة الحادية عشرة عن الانتقال من الفلسفة الكلاسيكية الألمانية إلى الماركسية فيقول:
"لم يفعل الفلاسفة سوى تفسير العالم بصور مختلفة بينما كان الواجب تحويله".

ب) ـ الاقتِصَادُ السِياسي الإنجليزي
كانت انجلترا، في مطلع القرن التاسع عشر، أكثر البلاد تقدماً في الاقتصاد. فلقد كانت البرجوازية الإنجليزية، في نهاية القرن الثامن عشر، أول من انتقل من الصناعة اليدوية إلى الصناعة الآلية. وهكذا نشأ الإنتاج الاقتصادي الكبير. وهو أساس المجتمع الرأسمالي، وهذا ظرف يساعد، موضوعيا، على ازدهار الاقتصاد السياسي. وهو علم القوانين التي تسيطر على الإنتاج وتبادل الوسائل المادية للمعيشة في المجتمع الإنساني.
فلقد مهد الاقتصاديان الإنجليزيان الكبيران آدم سميت ودافيد ريكاردو الطريق لنظرية القيمة ـ العمل ولكنهما لم يستطيعا إدراك العلاقات الموضوعية بين الناس التي تتعدى تبادل السلع.
فعجزا إذن عن التدليل على أن قيمة كل سلعة تتحدد بمقدار زمن العمل الضروري لإنتاجها. وكان فضل ماركس أنه عرَّف طبيعة قيمة التبادل الحقيقية على أنها تبلور للعمل الاجتماعي. وبهذا تخطى ماركس حدود الاقتصاد السياسي الإنجليزي الذي عجز عن تحليل الرأسمالية تحليلاً كافياً، لأن المصالح الطبقية حالت دون ذلك. فقد كان الاقتصاديون يعتقدون أن الرأسمالية خالدة. فقفز ماركس بالاقتصاد السياسي قفزة فاصلة باكتشافه فائض القيمة.
فلقد دلل على أن تملك العمل الغير المدفوع أجره هو الصورة الأساسية للإنتاج الرأسمالي، واستغلال العمال الذين لا يمكن فصلهم عنه، كما دلل على أن الرأسمالي، في نفس الوقت الذي يدفع فيه أجر قوة العمال العملية بمعدل القيمة الحقيقية لهذه القوة كسعلة تباع في السوق، فأنه يستخرج من هذه القوة قيمة تفوق القيمة التي دفعها أجراً لها، وأن هذه القيمة الفائضة تكون مجموع القيم التي يتأتى عنها رأس المال الذي يزداد باستمرار ويتضخم في أيدي الطبقات المالكة. وهكذا فسر طريقة الإنتاج الرأسمالي وطريقة إنتاج الرأسمال.
وكان على كتاب "رأس المال" (الذي يرجع تاريخ الجزء الأول منه إلى عام 1867 وعمل ماركس فيه حتى وفاته 1883) أن يكون رائعة الاقتصاد السياسي الماركسي.

ج) ـ الاشتِراكية الفرنسِيَّة
يجب البحث عن بذرة الاشتراكية الحديثة، التي نشأت عنها الاشتراكية العلمية، في نزعة الفلاسفة الفرنسيين المادية. ولم يكن هلفتيوس وهولباخ اشتراكيين. غير أن نزعتهما المادية، وما تحتوي عليه من آراء حول طيبة الإنسان الطبيعية، وجبروت التجربة والعادة والتربية، وتأثير البيئة الطبيعية، تتصل بالضرورة بالشيوعية الاشتراكية، فإذا كان الإنسان يتكون بتأثير الظروف فيجب تكوين الظروف بصورة إنسانية.
وكان جراشوس بابوف الذي كرس حياته للشيوعية (شنق عام 1897 على يد البرجوازية الترميدوريه) زميلاً لفلاسفة القرن الثامن عشر. أما الفلاسفة الخياليون الذين سبقوا ماركس وهم سان سيمون وفوريه الفرنسيان واوين الإنجليزي فقد تمثلوا نزعة القرن الثامن عشر المادية تمثلا قويا.
وهكذا تحقق قول انجلز الذي قال بصدد الاشتراكية الحديثة: كان على الاشتراكية الحديثة، ككل نظرية جديدة، أن ترجع لأفكار سابقيها المباشرين، وأن كانت جذورها في الواقع تنبت في أرض الوقائع الاقتصادية.
غير أن الاشتراكية السابقة على ماركس لم تكن علمية بل كانت اشتراكية خيالية. وتكون الاشتراكية الفرنسية أكبر جزء منها. كما تضم أيضاً بعض المفكرين الألمان والفيلسوف النظري الكبير الإنجليزي أوين.

2 ـ الاشتِراكيَّة الخيَاليَّة
تكونت في ظروف التي أوجدها المجتمع الرأسمالي، فقد ناضلت البرجوازية ضد النظام الإقطاعي باسم الحرية والأخوة. غير أن حكم البرجوازية في فرنسا وانجلترا، جعل من المجتمع مأسدة. ولما كان نمو الصناعة، في نطاق الرأسمالية، يشرط استغلال العمال فقد شاهدنا نشوء إقطاعيات جديدة، هي إقطاعيات المال التي هيأت للبرجوازية الحاكمة الأبهة والسلطان، بينما كان شقاء الجماهير الكادحة، في القطب الأخر للمجتمع، يزداد بصورة مخيفة.
كانت نقطة انطلاق الاشتراكية الخيالية التشهير بهذا الوضع الذي كان الاقتصاديون البرجوازيون يقولون عنه بأنه وضع "طبيعي" لأنه كان يضمن نمو الصناعة. ولهذا قام الاشتراكيون الخياليون بنقد نظام قال عنه فورييه "يولد فيه الفقر من الازدهار نفسه".
ويلاحظ سان سيمون (1760 – 1825) أن الإنتاج ينمو في الرأسمالية بصورة مستبدة خلال نضال مرير من الصناعيين حتى يولد أعظم الآلام للكادحين. وكان يعتقد بأن نمو الصناعة يجلب السعادة للإنسانية، ولهذا وصف فضائل تنظيم الإنتاج تنظيماً عقلانياً على يد رجال تشاركوا لاستغلال الطبيعة معاً، وهكذا يزول استغلال الإنسان للإنسان فننتقل من "حكومة الناس إلى إدارة الأشياء".
ولقد درس شارل فورييه (1772ـ1837) أزمات الرأسمالية، وحارب نتائج المضاربة التي تحمل الخراب وشهر بمساوىء الاحتكار والتجارة.
ولما كان نصيراً للمساواة بين الرجل والمرأة فقد قام بنقد استغلال النساء على يد البرجوازية. وهو يرى في الدولة المدافع عن مصالح الطبقة الحاكمة، كما دلل كيف أن البرجوازية، بعد أن عادت إلى الدين المسيحي الذي ناهضته في الماضي تنشر الأفكار "الأخلاقية" التي تدعو للخضوع والاستسلام وتعمل من أجلها.
وهو يدعو إلى التعاونية لمداواة هذه الأمراض. فيشترك المالكون في ممتلكاتهم وعملهم ونبوغهم وينتظمون في طوائف صغيرة للإنتاج تضمن للإنسانية إمكانية ازدهار منسجم، وهكذا يزول الأجر وتصبح التربية بوليتكنيكية، وتعمل المنافسة في العمل من أجل الصالح العام، وتفتح مراكز العمل الكبيرة التي تستخرج خيرات الكرة الأرضية.
"وكان روبير أوين (1771 – 1858) مقتنعا، اقتناع الماديين في القرن الثامن عشر، بأن أخلاق الناس (من عيوب وفضائل) هي ثمرة للظروف، ولهذا فهو يرى بأن الثورة الصناعية التي حدثت في انجلترا توجد الظروف التي تساعد على تحقيق السعادة للجميع. فجعل من مغزلة ثيولنارك "مستعمرة نموذجية لا تعرف الإدمان على شرب الخمر أو الشرطة أو السجن أو المحاكم أو الإغاثة العامة أو الحاجة للإنسان الخاص".
ثم يتحدث عن الشيوعية فيقول: "يجب أن تكون قوى الإنتاج التي نمتها الصناعة الضخمة ملكا جماعياً، كما يجب أن يستفيد منها جميع أعضاء المجتمع. وخيل إليه أنه يستطيع التمهيد للتنظيم الشيوعي للمجتمع بواسطة تعاونيات الإنتاج والاستهلاك (وهي عبارة عن جزر في الخضم الرأسمالي، وكان مصيرها الزوال).
كان لكبار الفلاسفة الخياليين فضائل كبيرة وقد أشار إلى ذلك كل من انجلز وماركس. فلقد شاهدوا الرأسمالية وهي في أوج ازدهارها، فوصفوا عيوبها وشهروا بها، كما أنهم تنبأوا بنهايتها في زمن خيل إليها فيه أنها خالدة. فأرادوا القضاء على استغلال الإنسان للإنسان. ولما كانوا أبطال تربية تقدمية فقد وثقوا بالإنسانية لاعتقادهم أن سعادتها ممكنة على هذه الأرض. ولهذا فهم يحتلون مكانة سامية في تاريخ الاشتراكية.
ومع ذلك عجزوا عن تغيير حال المجتمع . فلماذا؟ عاش كبار الفلاسفة الخياليين في الفترة الأولى للرأسمالية. ثم أخذت تناقضات الرأسمالية في الازدياد فنشأت عن ذلك الفوضى في الإنتاج وبؤس الجماهير. ولكن الرأسمالية كانت لا تزال فتية فلم تظهر في داخل نظامها القوة التي تستطيع أن تناضل موضوعيا ضد الرأسمالية، وأن تتغلب عليها، وأن تؤسس المجتمع الاشتراكي. هذه القوة هي البروليتاريا التي يولدها، بالضرورة، نمو البرجوازية الرأسمالية، لأن قوتها تعتمد باجمعها على استغلال البروليتاريا.
غير أن البروليتاريا كانت، في مطلع القرن التاسع عشر، لا تزال قليلة العدد، ضعيفة، قد جزأتها المضاربة. وكان نضالها الطبقي، ضد البرجوازية، لا يزال ضعيفاً: ولما كان هذا النضال غير منظم فلم يكن، في هذه المرحلة، يهدف الا لتحقيق مطالب مباشرة، ولا سيما تخفيض ساعات العمل. كما كان هذا النضال يقاسي آلاماً شديدة فلم يهتم بالمستقبل. وكانت البروليتاريا، فيما يتعلق بالسياسة، لا تزال تحت وصاية البرجوازية (التي كانت تستخدمها، في فرنسا، في نضالها ضد بقايا الإقطاع: وهكذا ساعد البروليتاريون في عام 1830 البرجوازية لطرد آل بوربون ليحل محلهم ملك برجوازي هو لوي فيليب).
ولقد شاهد كبار الفلاسفة الخياليين، الذين انحدروا من البرجوازية، والألم يحز في قلوبهم، ما تعانيه البروليتاريا المستغلة من عذاب، وقد منعهم ذلك من رؤية القوى الضخمة التي تكمن في البروليتاريا والتي جعلت منها طبقة المستقبل بينما كانت البرجوازية تعتقد أنها خالدة.
الخلاصة: بما أن هؤلاء الفلاسفة الخياليين لم يجدوا، في مجتمع أيامهم، الوسائل الموضوعية للقضاء على هذا العذاب فأنهم لم يروا أمامهم سوى وضع مشروع فكري. فاستوحوا من أدمغتهم وصفاً تاماً لمجتمع كامل، قارنوه بالواقع المحزن. ولكنهم كانوا يجهلون قانون تطور المجتمع الرأسمالي فلم يستطيعوا اكتشاف العلاقة الموضوعية بين المجتمع الذي ينتقدونه والمجتمع الذي يحلمون به. ومن هنا كان وصف اشتراكيتهم بأنها "خيالية" ولهذا كانوا مثاليين وزملاء فلاسفة القرن الثامن عشر الذين كانوا يعتقدون أن "العقل" له القدرة على توليد مجتمع عادل، فنادوا بالعدالة والأخلاق.
ما هي الوسائل التي يقترحونها لتحقيق المجتمع الجديد؟ كان هؤلاء الفلاسفة لا يجهلون قوة النضال الطبقي المبدعة كما كانوا يخشون عمل الجماهير السياسي ويرون فيه مثال الفوضى فلم يكن أمامهم سوى التنبؤ. ولهذا فهم يحاولون في كتاباتهم أو بواسطة المجتمعات النموذجية أن يقنعوا الناس بصحة نظامهم.
ويؤكد سان سيمون بأن حزب العمال "سيتكون بعد ثمان وأربعين ساعة من ظهور منشوره" كما يقول أنه لا يجب "نبذ الدين لأن الاشتراكية نوع من الدين"
وهم يجهدون لضم البرجوازية إلى أفكارهم آملين أن تحقق لهم أفكارهم عن طريق السلطان الذي تتمتع به. وهذا وهم وخيال لأن مصالح البرجوازية الطبقية تتعارض مع الاشتراكية بصورة مطلقة.
ولهذا لم يستطع سان سيمون وفورييه وأوين أن ينجحوا. ومما يميز ماركس عن كبار الفلاسفة الخياليين، أنه، بدلا من أن يتخيل مشروع مثالي، فقد أقام الاشتراكية على أسس علمية. وبالرغم من أن نقد كبار الفلاسفة الخياليين للرأسمالية كان نقداً لاذعاً فأنهم لم يكونوا يملكون النزعة المادية التاريخية، وعلم المجتمعات الذي حقق لماركس انتصاراً نهائياً. ولهذا فهم، بالرغم من تأكدهم من نتائج الاستغلال الرأسمالي، فأنهم عجزوا عن إدراك عمله. كما عجزوا عن اكتشاف الدور الذي ستقوم به البروليتاريا في القضاء على الرأسمالية. فظهر عجزهم النظري في صور عجز عملي.
فاحتل العلم، بفضل ماركس، مكان الخيال وأصبحت الاشتراكية التي يحلم بها الخياليون واقعاً محسوساً.

3 ـ الاشتراكية العلمية
أ) ـ تكوينها
استفاد كل من ماركس وانجلز من ظروف موضوعية أفضل من ظروف كبار الفلاسفة الذين جاؤا قبلهما، إذ أن تناقضات الرأسمالية كانت أوضح حين تم نضج تفكيرهما؛ كما أن نضال البروليتاريا الثوري كان في أوج احتدامه.
ولقد نشبت أول أزمة اقتصادية كبرى للرأسمالية عام 1825 ثم أخذت الأزمات تتوالى فإذا بالقوى الإنتاجية التي حشدها النظام الرأسمالي تنقلب ضده. وعلى هذا الأساس قامت البروليتاريا، وكان عددها يزداد شيئا فشيئا وقد جمعتها الصناعة الكبرى، بنضال ضخم منظم. فحدثت أول ثورة عمالية في ليدن عام 1838 – 1842 كما بلغت الحركة العمالية القومية في انجلترا الذروة.
ظهرت حرب الطبقات بين البروليتاريا والبرجوازية على مسرح تاريخ الشعوب التي تقرر مصير الإنسانية.
كما نُصبت المتاريس في فرنسا عام 1838 ضد البرجوازية حيث كانت الطبقة العمالية تدافع عن حقها في الحياة بقوة السلاح.
ولم يكتف ماركس وانجلز بمشاهدة هذا النضال، بل كانا مناضلين ثوريين، بعكس الفلاسفة الخياليين، فأشتراكا في هذا النضال شخصياً في ألمانيا وفرنسا وانجلترا. وعملا على تنظيم الحركة العمالية، وأسسا عام 1848 أول اتحاد عالمي للعمال.
تلك هي الظروف التي استمدت منها عبقريتهما الماركسية.

ب) ـ صِفَاتهَا
يعرض لنا مزورو الماركسية على أنها أسطورة تصورتها مخيلة نبي متحمس يوحى إليه. كما أنه يخيل إليهم، في نفس الوقت، أنهم يستطيعون تكييف الماركسية حسب زيهم لخدمة مصلحة البرجوازية.
يجب إذن التأكيد بقوة على طابع الاشتراكية الماركسية السامي. فهي ليست أسطورة ولا وحياً ولا نظاماً بين سائر النظم الفلسفية، بل هي علم.
والعلم هو معرفة موضوعية للواقع تمدناً بالوسائل لتغيير هذا الواقع. وهكذا شأن الاشتراكية العلمية. وهي تعتمد على اكتشافين كبيرين، وهذان الاكتشافان هما: نظرية التاريخ المادية واكتشاف سر الإنتاج الرأسمالي بواسطة فائض القيمة.
يرجع الفضل في هذين الاكتشافين لكارل ماركس، ولقد جعلا من الاشتراكية علماً من العلوم.
نعلم أن ماركس وجد، في دراسة الفلسفة والعلوم الطبيعة، نظرة عن العلم وهي النزعة المادية الجدلية التي أدى تطبيقها على المجتمعات إلى ظهور النزعة المادية التاريخية.
فلقد اكتشف داروين قانون تطور الطبيعة العضوية بينما اكتشف ماركس قانون تطور المجتمع الإنساني.
وهو قانون خارجي سابق على وعي الناس وارادتهم. لأن الإنتاج ـ أي النشاط الذي يضمن الناس بواسطته وسائل معيشتهم ـ هو الذي يكون العامل الأساسي في المجتمعات، ويتحكم في تاريخيها. إذ تتحدد العلاقات الاجتماعية والمؤسسات السياسية والأفكار بواسطة إنتاج السلع المادية.
وقد تسلح ماركس بهذه النظرة العلمية للمجتمعات فاستطاع القيام بدراسة مجتمع زمانه الا وهو المجتمع الرأسمالي فكتب يقول في مقدمة كتابه "رأس المال":
"هدفنا النهائي هو الكشف عن القانون الاقتصادي لحركة المجتمع الحديث.
التحليل الموضوعي، إذن، هو الذي أدى بماركس إلى اكتشاف التناقض الذي ينبت وينمو في الرأسمالية حتى يفضي إلى نشوب أزمة يموت بسببها: وهو تناقض بين طابع قوى الإنتاج الاجتماعي (الصناعة الكبرى) تلك القوى التي نمتها الرأسمالية وبين طابع التملك الشخصي (الربح الرأسمالي). إذ ليست "العاطفة" هي التي أدت به الى اعتبار البروليتاريا الطبقة التي ستخلف البرجوازية بل هو تحليل الرأسمالية الموضوعي: فقد اكتشف ماركس أن الرأسمالية لا يمكن أن تعيش الا بفائض القيمة أي باستغلال البروليتاريا. التناقض بين مصالح البرجوازية والبروليتاريا جزء لا يتجزء من الرأسمالية، ونضال هاتين الطبقتين ضرورة من ضرورات الرأسمالية. وهكذا نرى أنه من العبث أن نأخذ على ماركس "أنه اخترع النضال الطبقي".
وكل ما في الأمر أن ماركس لاحظ وجود هذا النضال فهو موجود منذ انحلال المجتمع القديم. هذا النضال هو العامل المحرك للتاريخ لأن التناقض بين قوى الإنتاج وبين علاقات الإنتاج ينحل بواسطته. وهكذا سيكون حال الرأسمالية: فأن نضال البروليتاريا، الطبقة المستغَلة، ضد الطبقة المستغِلة البرجوازية، سيحل التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج الرأسمالية، فكيف يكون ذلك؟ بالملاءمة بين هذه العلاقات وتلك القوى، أو بجعل وسائل الإنتاج اشتراكية عن طريق الاشتراكية، وهي مرحلة ضرورية للتطور التاريخي (شأن الرأسمالية في الماضي).
ويخلص ماركس إلى تحويل المجتمع الرأسمالي، الذي لا مفر منه، إلى مجتمع اشتراكي معتمدا في ذلك على قوانين حركة المجتمع الحديث الاقتصادية249.
من العبث الاعتقاد بأن ماركس، وهو البرجوازي الأصل، "يكره" البرجوازية، وأن هذا "هو السبب". فقد درس ماركس تاريخ البرجوازية الرأسمالية ولاحظ أنها قامت بنضال ثوري موضوعياً. وأنها هي السبب في ازدهار الإنتاج الضخم وهو الشرط الأساسي لتقدم المجتمعات. ولكن عمل الطبقة الثورية يعود الآن للبروليتاريا ضد البرجوازية التي تقف في وجه التقدم الاجتماعي. فإذا كان ماركس يحاكم البرجوازية الرأسمالية فذلك بقدر ما تضع هذه الطبقة مصالحها فوق كل شيء فترتكب أقبح الشرور للمحافظة عليها.
وإذا كانت البروليتاريا، منذ الآن، الطبقة الثورية الوحيدة فليس ذلك لأن ماركس قد قرر، جرياً وراء عاطفته، أنها يجب أن تكون كذلك، بل هي كذلك موضوعياً بسبب وضعها التاريخي داخل الرأسمالية فلماذا هي ثورة؟
لأنها ثمرة المجتمع البرجوازي (على عكس الطبقات الأخرى من صناع وفلاحين وصغار البرجوازيين) ولا يمكنها أن تؤمن معيشتها الا بمحاربة الطبقة المسيطرة وهي البرجوازية الرأسمالية. وذلك لأن تجمع الرأسمالية يقوي البروليتاريا ويزيد عددها. ولأن البروليتاريا، لما كانت لا تملك شيئا، فأنها لا تخسر في هذه الثورة سوى أغلالها. ولأنها لما كانت مرتبطة بأحدث قوى الإنتاج، فأن الوسيلة الوحيدة لتحريرها هي القضاء على علاقات الإنتاج الرأسمالية التي تجعل قوى الإنتاج تنقلب ضد البروليتاريا، ومصلحتها إذن هي في أن تنتزع وسائل الإنتاج والتبادل الضخمة من البرجوازية لتجعل منها ملكاً للجميع، في مجتمع خال من كل استغلال، يعني هذا أن لا أمل للبروليتاريا سوى الثورة الاشتراكية.
وقد درس ماركس هذا الوضع واستخلص منه النتائج. فإذا دعا البروليتاريا للنضال من أجل الاشتراكية فما ذلك الا اعتماداً على قوانين التاريخ. وليست هذه الدعوة باسم فكرة سابقة كالعدالة أو الحرية؛ وأن كان على الاشتراكية أن تحرر الناس وتقيم العدالة الاجتماعية.
ماركس "لا يعظ" الناس، وأن كان النضال في سبيل الشيوعية وانتصارها يولد أخلاقية جديدة، بل هو عالم يستخلص من دراسة المجتمعات النتائج العلمية مستقلا عن مزاجه الشخصي.
ذلك هو فضل الاشتراكية العلمية الذي لا مثيل له. فهو يقضي على النظريات الخيالية لأن الاشتراكية بواسطته تهبط من السماء إلى الأرض.
وهذا ما يفسر الأهمية العالمية الدائمة للمؤلف الذي عرض فيه ماركس وانجلز لأول مرة الاشتراكية العلمية ألا وهو: بيان الحزب الشيوعي (1847).

4 – تأثِير الاشْتراكية العِلميَّة
أ) - دَمجُ الاشتراكيَّة مع الحَركة العماليَّة
لم يوجد ماركس الحركة العمالية بل هي واقع موضوعي مستقل عنه وقد بعثها وجود الرأسمالية. ولكنه أمد هذه الحركة، بوضعه للاشتراكية العلمية، بالبوصلة التي تضيء طريقها وتجعلها منيعة لا تقهر.
وهكذا تم بواسطته دمج الاشتراكية مع الحركة العمالية، ذلك لأن البروليتاريا المضطهدة، التي شغلها النضال من أجل لقمة العيش، لم يكن لديها الوقت أو الوسائل لتكوين العلم الاجتماعي والاقتصادي السياسي. فجاءها هذا العلم من الخارج بفضل ماركس الذي تمثل أفضل ما أنتجه الفكر الإنساني فجاءت الاشتراكية العلمية تتويجا لهذا التمثل. وهكذا تكون الاشتراكية العلمية من عمل المفكرين البرجوازيين المتقدمين. ولكن هؤلاء البرجوازيين لم يستطيعوا النجاح بمهمتهم الا بعد الانفصال عن طبقتهم. فلماذا؟ لم تكن البرجوازية، التي كانت قد دعمت ازدهار العلوم الطبيعية، ـ وكانت هذه العلوم ضرورية للتجديدات التقنية التي كانت تستفيد منها ـ لم تكن تستطيع ـ بعد الانتصار على الإقطاعية ـ أن تشجع العلم الاجتماعي بدون أن تسيء لمصالحها كطبقة مستغلة، لأن هذا العلم كان يفضي إلى زوال الرأسمالية المحتم! فأعلنت البرجوازية الحرب على العلم الاجتماعي وكانت حرباً ضروساً أدت بها إلى شكوى الماركسية أمام المجالس القضائية في شخص انصارها وهم الشيوعيون. كما حكمت الإقطاعية في الماضي على جاليله لأنه برهن على أن الأرض تدور حول الشمس.
لم يعد الأمر معرفة ما إذا كانت هذه الفرضية أو تلك حقيقة أم لا، بل معرفة ما إذا كانت تسر أولا الشرطة، وما إذا كانت مفيدة أم مضرة للرأسمال. وحل محل البحث المجرد التضارب المأجور كما حل محل البحث الخير سوء الظن والدعاية السخيفة.
وقد قطع كل من ماركس وانجلز علاقتهما بطبقتهما وناديا بوجهة نظر البروليتاريا. ولم تكن البروليتاريا، على عكس البرجوازية، معادية للعلم قط بل أن مصلحتها الطبقية كانت تتفق موضوعياً ومصلحة الاشتراكية العلمية. ولما كانت طبقة مضطهدة فقد وجدت في الاشتراكية العلمية تفسيراً لآلامها وإمكانية للقضاء عليها.
لا بد لكل نظرية من أن تؤكدها التجربة. ولقد برهنت التجربة للعمال على فضائل الماركسية التي لا مثيل لها. كما أثبتت النظرية الماركسية، منذ قرن من الزمن أنها التعبير الوحيد عن مصالح البروليتاريا.

ب) – ضَرُورَة الحِزْب الشيُوعي ـ نَقد التلقائية
كيف تحقق دمج الحركة العمالية بالاشتراكية العلمية؟ بتكون الحزب الذي يضم طليعة البروليتاريا وينظمها، والذي يتسلح بالاشتراكية العلمية فيقود نضال طبقة العمال وحلفائها الثوري.
ذلك هو حزب الشيوعيين الذي يحدد ماركس وانجلز مهمته في "البيان الشيوعي". يحمل الشيوعيون، في الميدان العالمي وفي كل بلد، إلى البروليتاريا فهماً واضحاً لظروف الحركة البروليتارية وسيرها وغاياتها العامة.
وضرورة مثل هذا الحزب معطى أساسي من معطيات الاشتراكية العلمية، وهو يتفق مع تعاليم النزعة المادية الجدلية والتاريخية. فلماذا؟ لأنه إذا صح أن البروليتاريا التي تستغلها البرجوازية مضطرة مادياً للنضال ضدها فلا يعني ذلك قط أن وعيها اشتراكي تلقائي. لأن نظرية التلقائية معارضة للماركسية، والنظرية الثورية علم، وليس هناك من علم تلقائي.
ولقد قام لينين في كتابه "ما العمل؟" بنقد كلاسيكي للتلقائية؛ ويجب أن نعود لهذا النقد لأن كثيراً من الذين يخيل إليهم أنهم شيوعيون يقولون بأن الماركسية ليست سوى "غريزة طبقية". وهذا يفضي إلى المساواة بين البروليتاري المثقف والبروليتاري الذي لا يعرف أين يسدد ضرباته لأنه لا يعي وعياً صحيحاً مصلحته.
فلماذا لا تكون الاشتراكية ثمرة تلقائية للبروليتاريا؟ لأن النظرية الفكرية التي تعرض تلقائيا للبروليتاريا في النظام الرأسمالي، هي النظرية الفكرية البرجوازية، كالدين مثلا أو الأخلاق اللذين يلقنان في المدرسة ويدعوان البروليتاريا إلى "التذرع بالصبر" لأنه لا بد "من ثواب الفضيلة" ولا تعتمد النظرية الفكرية البرجوازية على قوة التقاليد فقط بل تعتمد أيضاً على الوسائل المادية الضخمة التي تمتلكها البرجوازية الحاكمة.
يقولون غالباً: "تسير البروليتاريا تلقائياً نحو الاشتراكية وهذا القول صحيح بمعنى أن النظرية الاشتراكية تحدد أسباب مصائب الطبقة العمالية، لأنها أعمق وأصدق من سائر النظريات، ولهذا يتمثلها العمال بسهولة إذا لم تستسلم هذه النظرية أمام التلقائية، وإذا ما أخضعت هذه التلقائية لها.. تنجذب الطبقة، العمالية تلقائياً نحو الاشتراكية. غير أن النظرية الفكرية البرجوازية هي التي تفرض نفسها تلقائياً على العامل.
ويلاحظ لينين أن حركة البروليتاريا التلقائية لا يمكن أن تؤدي بالبروليتاري إلى ابعد من مرحلة تأليف النقابات التي نضم العمال من مختلف المعتقدات السياسية، وتهدف للنضال من أجل رفع مستوى الحياة والأجور. ولكن ليس هناك من نقابة تستطيع، بصفتها هذه، أن تحمل للعمال ما يحمله الحزب السياسي الماركسي ألا وهو أمل الثورة والعلم الثوري. وبهذا تتضح جذور الاستغلال الرأسمالي. تستطيع الاشتراكية العلمية، إذن، بنضالها المرير ضد النظرية الفكرية البرجوازية المنتشرة في كل مكان أن تجد طريق طبقة العمال. وهي مهمة يستحيل تحقيقها بدون وجود حزب يعتمد على العلم الثوري، ويتصل بالجماهير الكادحة ويحمل لهذه الجماهير الوعي الاشتراكي. مصلحة البروليتاريا الثورية تأمرها بالدفاع عن الحزب الشيوعي ضد أي هجوم وتقويته، لأن وجوده ضروري لانتصارها. أما نظرية التلقائية فهي تضع البروليتاريا تحت حماية البرجوازية.
لأن نظرية التلقائية هي الأساس المنطقي لكل نزعة انتهازية.
يفسر دور الحزب الثوري العلمي هذه الميزات التي حددها لينين منذ خمسين عاماً. ويعجز العمال الذين يتأثرون بالنظرية الفكرية البرجوازية عن إدراك هذه الميزات. وهاك بعض هذه الميزات:
أ) للخطأ صور وأشكال عديدة ولكن العلم واحد. ومن هنا كانت وحدة المبادىء التي تميز المناضلين الشيوعيين. وليس هذا تفكير القطيع. فلقد اتفق جميع الفيزيائيين على الاعتراف بقوانين الطبيعة. ولهذا كان من العبث ادعاء عالم بأن له علمه الخاص به. وكذلك لا يتعلق علم المجتمعات بمزاج هذا العالم أو ذاك. والنتائج التي يصل إليها مستمدة من التجربة، ولهذا فهي حقائق موضوعية تصح عند الجميع. وهذا ما يفسر "وحدة" الحزب الماركسي.
ب) أن النقد والنقد الذاتي اللذين يخضع لهما المناضلون الشيوعيون عملهم هما شرط مطلق لتقدم العلم.
ويجب على كل علم ـ ومنه العلم الاجتماعي ـ أن يراقب مناهجه ونتائجه. وهذا مهم جداً لنجاح النضال الثوري ولمصلحة العمال. ولهذا فأن محرري جريدة "البوبولير" حينما يسخرون من النقد الذاتي قائلين بأنه "يدنس" الذين يستعملونه، أنما يعبرون عن امتهانهم لمصلحة العمال.
ج) الإدارة الجماعية ضرورة علمية أيضاً في جميع مستويات الحزب الثوري. ذلك لأن قراراً ما أو شعاراً ما لا يمكن أن يعكسا تماماً مصالح الحركة الا إذا كانا نتيجة لنقاش جماعي يشترك فيه جميع المناضلين فيحمل كل منهم معه التجربة التي استفادها من اتصاله بالجماهير ويعمم الحزب في مجموعه كل هذه العلاقات. النظرية هي تجربة الحركة العمالية في جميع البلاد في صورتها العامة.
أوليس من الطبيعي أن يكون هذا التعميم، الذي يعكس مختلف مظاهر الحركة لزمن معين، قانوناً لكل مناضل؟

5 ـ الخلاصة
استطاعت الطبقة العاملة، منذ مئة عام، أن تقدر بُعد نظرة الاشتراكية العلمية وقدرتها على التنبؤ. كما أن العمال أخذوا يتمثلون بعمق هذا العلم وغذوه بتجربتهم. ويحفظ هذا الاتصال الدائم بين النظرية والتطبيق العملي الاشتراكية العملية من الشيخوخة. كما يظهر بهذا طابعها العلمي لأن العلم الحقيقي في تقدم مستمر.
وأن ما حققته الاشتراكية العلمية من تقدم في النظرية والتطبيق، بعد مضى قرن من الزمان، لمدهش حقا. وهكذا تتحقق جملة ماركس: "تصبح النظرية قوة مادية متى ما تسربت إلى الجماهير."
ولقد عرف كبار خلفاء ماركس كانجلز ولينين وستالين كيف يسلحون الاشتراكية العلمية بتعميمات جديدة والاستغناء عن النظريات التي لم تعد تلائم الوضع التاريخي مثال ذلك: دخلت الرأسمالية، في مطلع القرن العشرين، في طورها الاستعماري. فاعتمد لينين على مبادىء الاشتراكية وحلل الظروف الموضوعية التي سببها الاستعمار للحركة العمالية. واكتشف قانون نمو البلاد الاستعمارية غير المتساوي، وانتهى إلى هذه الخلاصة الجديدة: وهي إمكانية الثورة في أن تنتصر على جبهة الرأسمالية العالمية، في اضعف مواضعها، وهكذا تنتصر الاشتراكية، في بادىء الأمر، في بلد أو بضع بلاد كما حدث في روسيا عام 1917 ثم في بلاد أخرى فيما بعد.
ولقد تم بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي ثم السير نحو الشيوعية بقيادة ستالين، وانتصارات الديمقراطيات الشعبية الرائعة، وهي صورة جديدة لدكتاتورية البروليتاريا ـ تم كل ذلك على ضوء الاشتراكية العلمية. وهو ضوء يرتجف منه سماسرة العالم القديم.
يجب أن نحصي، أمام هذا الإحصاء لألوان النضال والانتصار، أسماء الذين حاربوا الاشتراكية العلمية داخل الحركة العمالية.
بدأنا، في هذا الدرس، بالاشتراكية الخيالية، ودللنا على أن ماركس قد رفض نظريات الخياليين ليعتمد على الإلهام الاشتراكي. فكيف كان ذلك؟ بأنه جعل النضال الطبقي في المكان الأول وهو العامل في الانتقال إلى الاشتراكية.
ولقد قام أعداء الماركسية، منذ برودون وبلوم، بعكس ذلك تماماً. فقد كانوا عبيداً للبرجوازية، وظلوا يدعون البروليتاريا إلى التعاون الطبقي وأن لوحوا لها، لتخديرها، بنظرياتهم الخيالية، وهكذا أراد زعماء العالمية الثانية، في مطلع الاستعمار، الذين جعلوا من أنفسهم مصلحين للاشتراكية العلمية (ومن هنا نشأت اسم المصلحين) أن يقنعوا العمال بأن النضال الطبقي يمكن أن يزول لأن الرأسمالية ستتحول من نفسها إلى اشتراكية ومن ثم كان على بلوم أن يقدم خضوعه للاستعمار الأميركي على أنه أول مرحلة من مراحل الاشتراكية.
وفي الحقيقة فأنه في اليوم الذي تكونت فيه الاشتراكية العلمية فقد أصبحت كل اشتراكية خيالية رجعية. لأن عمل مثل هذه النظرية لا يمكن أن يكون الا عمل الهاء يهدف لفصل البروليتاريا عن النضال الطبقي. والطريق الثوري الوحيد هو طريق الاشتراكية العلمية. أما الأحلام الخيالية فلا يمكن أن تكون من ثم سوى سم ضد الثورة.
ومن هنا ظهرت حقيقة كبرى: كانت الانتصارات الضخمة التي حدثت بفضل الاشتراكية العلمية انتصارات لهذه الاشتراكية ضد أعدائها في الحركة العمالية. ولهذا فليس النضال القاسي ضد الأفكار المناهضة للماركسية مظهراً ثانوياً من نضال البروليتاريا العالمي. بل هو مظهر ضروري لأن عدم النضال لانتزاع العمال من تأثير نزعات برودون والإصلاح وبلوم القاتل هو وأد للمستقبل. ولقد ضرب كل من ماركس وانجلز المثل على ذلك: فلقد قاما، طيلة حياتهما، بحرب لا هوادة فيها ضد الاشتراكيين المزورين الذين هم أفضل حلفاء الرأسمالية.
فهرس
الصفحة
1 المدخل
2 ما هي الفلسفة
5 ما الداعي إلى دراسة الفلسفة
7 ما هي الفلسفة التي ندرسها الفلسفة العلمية المادية الجدلية
9 الفلسفة الثورية: فلسفة العمال
10 الخلاصة: وحدة النظرية والتطبيق
الدرس الأول
12 المنهج الجدلي
ما هو المنهج
13 المنهج الميتافيزيقي: صفاته
15 معناه التاريخي
16 المنهج الجدلي: صفاته
17 تكوينه التاريخي
20 المنطق الشكلي والمنهج الجدلي
الدرس الثاني
22 ميزة الجدلية الأولى: الترابط قانون التفاعل والترابط الشامل
24 ميزة الجدلية الأولى
24 في الطبيعة
26 في المجتمع
29 الخلاصة
الدرس الثالث
31 ميزة الجدلية الثانية: كل شيء يتحول
31 قانون التحول الشامل والنمو المستمر
32 ميزة الجدلية الثانية
32 في الطبيعة
35 في المجتمع
39 الخلاصة
الدرس الرابع
41 ميزة الجدلية الثالثة: التحول النوعي
43 ميزة الجدلية الثالثة
44 في الطبيعة
48 في المجتمع
52 الخلاصة
الدرس الخامس
53 ميزة الجدلية الرابعة
54 نضال الأضداد هو الدافع لكل تغيير
54 ميزة الجدلية الرابعة
55 ميزة التناقض: التناقض داخلي
57 التناقض مجدد
59 وحدة الأضداد
الدرس السادس
62 ميزة الجدلية الرابعة نضال الأضداد(2)
62 شمول التناقض
63 في الطبيعة
65 في المجتمع
66 التعارض والتناقض
69 نضال الأضداد محرك للفكر
الدرس السابع
71 ميزة الجدلية الرابعة نضال الأضداد(3)
71 ميزة التناقض الخاصة
76 العام والخاص متلازمان
79 التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي
82 المظهر الرئيسي والمظهر الثانوي للتناقض
85 خلاصة عامة عن التناقض
الدرس الثامن
87 ما هي النظرة المادية للعالم
88 معنيا كلمة "المادية"
89 المادة والروح
90 مشكلة الفلسفة الأساسية
91 معنيا كلمة "المثالية"
92 تتعارض "المادية" مع "المثالية" في التطبيق وفي النظرية
94 تمتاز المادية الفلسفية الماركسية بثلاث ميزات أساسية
الدرس التاسع
96 ميزة النزعة المادية الماركسية الأولى مادية العالم
96 الموقف المثالي
98 النظرية الماركسية
99 المادية والحركة
102 الضرورة الطبيعية
105 الماركسية والدين
110 الخلاصة
الدرس العاشر
110 ميزة النزعة المادية الماركسية الثانية المادة سابقة على الوعي
111 حيلة جديدة مثالية
116 النظرة الماركسية
117 موضوعية الكينونة
119 الوعي انعكاس للكينونة
121 الفكر والدماغ
124 درجتا المعرفة
126 الخلاصة
الدرس الحادي عشر
127 ميزة النزعة المادية الماركسية الثالثة معرفة العالم ممكنة
127 الملجأ الأخير للنزعة المثالية
133 النظرية الماركسية
133 أثر الناحية العملية
138 تشويه الفكرة الماركسية عن الناحية العملية
140 الحقيقة النسبية والحقيقة المطلقة
143 اتحاد النظرية بالناحية العملية
الدرس الثاني عشر
147 حياة المجتمع الروحية هي انعكاس لحياته المادية
148 مثال
149 التفسيرات المثالية
153 النظرية المادية الجدلية
153 حياة المجتمع المادية واقع موضوعي موجود مستقلا عن الوعي وعن إرادة الأفراد
والإنسان عامة
155 حياة المجتمع الروحية انعكاس لواقع المجتمع الموضوعي
158 كيف تتولد الأفكار الجديدة والنظريات الاجتماعية الجديدة
159 مسألة الاثار الباقية
160 الخلاصة
الدرس الثالث عشر
161 تأثير الأفكار في الحياة الاجتماعية وأههميتها
161 مثال
162 خطأ النزعة المادية الساذجة: النظرية المادية الجدلية
165 أصل الأفكار المادي هو الذي يضفي عليها القوة
167 الأفكار القديمة والأفكار الجديدة
169 تقوم الأفكار الجديدة بالتنظيم والتعبئة والتحويل
171 الخلاصة
الدرس الرابع عشر
173 تكوين الاشتراكية العلمية أهميتها وتأثيرها
175 مصادر الماركسية الثلاثة
175 الفلسفة الألمانية
176 الاقتصاد السياسي الإنجليزي
177 الاشتراكية الفرنسية
177 الاشتراكية الخيالية
181 الاشتراكية العلمية: تكوينها
181 صفاتها
184 تأثير الاشتراكية العلمية: دمج الاشتراكية مع الحركة العمالية
185 ضرورة الحزب الشيوعي ـ نقد التلقائية
187 الخلاصة

تعريب شعبان بركات
منشورات المكتبة العصرية
صيدا - بيروت






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,681,351,850





- بايدن يصف سلوك روسيا في أوكرانيا بالانتهاك الفاضح للنظام الد ...
- مصريون يطالبون بتغيير اسم -الجزيرة- وفوز عمان على الكويت
- هاموند يدعو ايران إلى التوقيع على الاتفاق بشأن برنامجها النو ...
- الحكومة البحرينية -مستعدة للحوار مع المعارضة-
- أنس الدكالي : الحكومة تتبنى شجاعة الإصلاحات وجرأتها سبيلا لل ...
- رشيدة الطاهري : احترام الحقوق الأساسية وضمان التفعيل الأمثل ...
- عمرها 100 عام ولا تفكر بالتقاعد .. 50 سنة في آخر وظيفة
- مصادمات دامية في أنحاء الضفة الغربية وإسرائيل تهدد بـ"إ ...
- مقتل جنود سوريين بمحيط حقل شاعر
- شكاوى من آندرويد -لولي بوب-.. انه يجعل الأجهزة -عديمة الفائد ...


المزيد.....

- الفلسفة الماركسية جذورها و ماهيتها / ثيودور اويزرمان
- الفلسفة الماركسية جذورها و ماهيتها / ثيودور اويزرمان
- نظرية الأوتار الفائقة من منظور الفلسفة العلمية / رائف أمير اسماعيل
- مابين الفيزيائي والمحتوى الكوني / هيبت بافي حلبجة
- اسرار الوجوه في التعامل مع الاخرين / احمد رياض
- في الأسس الفلسفية للسميولوجيا جدل المربع والدائرة / بتول قاسم ناصر
- نيتشه : مولد المأساة من روح الموسيقى / عادل عبدالله
- وقائع موت الشعر في فلسفة هيجل 2 / عادل عبدالله
- موت الشعر في فلسفة هيجل / عادل عبدالله
- الكتابة بوصفها خلاصا من الكتابة - مقاربة شعرية لفهم (اختلاف) ... / عادل عبدالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جورج بوليتزر - أصول الفلسفة الماركسية