أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صالح سليمان عبدالعظيم - قراءة في بيان الليبرالية الجديدة















المزيد.....



قراءة في بيان الليبرالية الجديدة


صالح سليمان عبدالعظيم

الحوار المتمدن-العدد: 1725 - 2006 / 11 / 5 - 10:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


صدر عن منشورات الجمل بألمانيا كتاب "الليبراليون الجُدد، جدل فكري"، ورغم أن الكتاب يحمل إسم "شاكر النابلسي" إلا أنه في مجمله عبارة عن مجموعة من المقالات المنشورة لعدد من دعاة الليبرالية الجديدة، إضافة إلى مجموعة أخرى من الكتاب المناوئين لهم. وتنبع أهمية هذا الكتاب أنه يعرض بوضوح للمبادئ والنوايا والإتجاهات الخاصة بالليبرالية الجديدة في عالمنا العربي.

فالكتاب يمثل من وجهة نظر مؤلفه، ومن وجهة نظر المشاركين فيه، إعلان الولادة الأولي لمبادئ الليبرالية الجديدة في العالم العربي. لذلك يمكن القول بأن أي محاولة للوقوف على هذه المبادئ وتناولها بالنقد والتحليل، لابد وأن تنطلق من مقالات هذا الكتاب، سواء المؤيدة لأفكار الليبرالية الجديدة أو المعارضة لها. لا تقف المسألة فقط عند قراءة المعلن عنه من أفكار الليبرالية الجديدة، لكنها تتجاوز ذلك إلى محاولة الوقوف على المسكوت عنه من هذه الأفكار، فلكل بيان جوانبه المعلنة، وجوانبه الأخرى الخفية المتروكة لفطنة القارئ وقدرته على الإمساك بها، والإعلان عنها.

رغم استخدام الكتاب لعنوان فرعي له يتمثل في الكلمتين "جدل فكري"، إلا أن الكتاب يجذبنا بقوة، ومنذ أولى صفحاته نحو السياسي والأيديولوجي. فنحن لا نقف أمام تحليل فكري هادئ ورصين، يستكشف البنية العربية في طبيعتها وملابساتها وشروطها التاريخية المجتمعية بما يؤدي في النهاية إلى تطويرها وتغييرها، بقدر ما نقف أمام بيان سياسي يرتبط بحزب متصلب ومتسلط في الوقت نفسه. لذلك فإن الكتاب لا يشتمل على بنية فكرية واضحة ومترابطة قدر ما يشتمل على مجموعة من الدفقات الشعورية والإنفعالية التي كثيرا ما جاءت مفككة ومتناقضة ومتعارضة.

يحدد الكتاب تاريخ الحادي عشر من سبتمبر 2001 بوصفه النقطة الفاصلة في التاريخ المعاصر، ويتفق ذلك مع غياب التحليل التاريخي لدعاة الليبرالية الجديدة. فالتاريخ يبدأ مع كارثة سبتمبر 2001، ويستمر مع الاحتلال الأمريكي للعراق، مع ما يرتبط بذلك من دعوات الإصلاح السياسي ومشروع الشرق الأوسط الكبير. التاريخ هنا لا يمثل عملية مجتمعية متواصلة ومتراكمة وجدلية، قدر ما يمثل تلك الأحداث التي يرى من خلالها الليبراليون الجدد تحولات العالم العربي المختلفة، وهى أحداث ليس للعرب فيها ناقة ولا جمل، أحداث يصنعها الآخرون لهم ويفرضونها عليهم.

ولأن التاريخ يبدو هنا من صنع الليبراليين أنفسهم، فإن كل التيارات الفكرية الأخرى، إسلامية أو قومية أو شيوعية أو ناصرية، تصبح خارج التاريخ، حيث يحل الليبراليون الجدد فوق الجميع، بوصفهم ملاك التاريخ، وصانعي الحقائق المطلقة والصحيحة. لذلك تؤكد مقدمة الكتاب بغطرسة البيانات السياسية، وتبجح الولاءات الأيديولوجية أنه إذا كان "غالبية المثقفين العرب وخاصة رجال الإعلام العربي مازالوا يبكون ويتباكون ويأملون في عودة الأنظمة الديكتاتورية (صدام وعرفات مثالا لا حصرا) فإن الليبراليين الجدد قد وقفوا ضد هذه التيارات وضد جماهيرية هذه التيارات." هكذا، وبينما يدين الليبراليون الجدد كل التيارات والحركات الفكرية والسياسية الأخرى بوصفهم عملاء للأنظمة العربية ومؤيدين للديكتاتوريات العربية، فإنهم ينزهون أنفسهم عن هذا السلوك المشين، ويبرزون حركتهم بوصفها كيانا مثاليا يعلو على أهواء السياسة وإغراءات السلطة، ويرفضون اتهامهم من قبل هذه الإتجاهات بالعمالة للغرب، والعمل من أجل توطيد أركانه في المنطقة العربية.

ولأن الليبرالية الجديدة ليست حركة فكرية حقيقية يمكن إدراجها ضمن مدارس الفكر التنويري الحقيقي بقدر ما يمكن إدراجها ضمن الحركات والتنظيمات والأحزاب السياسية المختلفة، فإنها لا تمنحنا رحابة الفكر وأبعاده الجدلية المختلفة كما يبين العنوان الفرعي للكتاب. لذلك فإنها ينطبق عليها العيوب نفسها المرتبطة بالحركات والتنظيمات والأحزاب السياسية المختلفة في العالم العربي، من حيث تسفيه الآخرين والتقليل من شأنهم، والهيمنة والإستبداد وتوريث السلطة، والإدعاءات المتواصلة بالنقاء والزهد والعمل من أجل إعلاء راية الحرية والمساواة بين المواطنين. من وجهة نظر الليبرالية الجديدة، تصبح كل الإتجاهات والتيارات الفكرية والسياسية الأخرى مجرد أبواق للسلطة في العالم العربي، كما تصبح في الوقت نفسه من أكثر عوامل تدعيم الإرهاب والأصولية الدينية في المنطقة. هكذا، ينقسم العالم العربي، بجرة قلم، إلى جماعة ليبرالية جديدة مستنيرة قادرة على قيادة العالم العربي نحو الأفضل من ناحية، وإلى جماعة تشمل كافة الفصائل الفكرية والسياسية الأخرى إضافة إلى الجماهير العربية الغير واعية التي يجب أن تسلم لقيادة الليبرالية الجديدة وأطرها المطروحة على الساحة من ناحية أخرى.

حينما يغيب التاريخ من ناحية، وتهيمن الشعارات والإدعاءات من ناحية أخرى، يمكن لليبراليين الجدد أن يقفزوا بنا من مفهوم لآخر، ومن تحليل لآخر بدون رابط حقيقي يجمع فيما بينهم، وبدون ناظم موضوعي يساعد القارئ على الإمساك بطبيعة الواقع الاجتماعي وتحولاته المختلفة. فحينما يؤكد النابلسي من خلال مقدمة الكتاب على ارتكاز مشروع الليبرالية الجديدة على الثورة الثقافية التي لن يتم بدونها تحقيق أى إصلاح سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، لا يبين لنا ماهية هذه الثورة الثقافية، إلا من خلال الإشارة إلى إصلاح التعليم الديني الظلامي. لكننا من خلال السياقات الأخرى نعلم أن الثورة الثقافية ما هى إلا العمل على نشر الحداثة الغربية في المجتمعات العربية. وبعيدا عن الدخول في الجدل العقيم حول طبيعة الحداثة الغربية ومدى جدارتها لتكون هى المثال الوحيد القابل للتطبيق على كافة المجتمعات والثقافات الإنسانية الأخرى يجب التذكير هنا بأن لكل مجتمع تجاربه الخاصة المحددة ضمن صيروته التاريخية الخاصة به. فالقفز فوق التاريخ، والحض على تطبيق تجارب الآخرين، بدون الوعي بالفوارق المختلفة بين الشعوب، مسألة تضر أكثر مما تفيد. ولعل فيما آلت إليه تجربة النهضة الأولى في العالم العربي في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ما يمنحنا مثالا ناصعا على ضرورة ارتباط الحركات الفكرية بالواقع الاجتماعي الذي تنطلق منه، مع مشروعية تفاعلها مع أفكار وتجارب مجتمعات إنسانية أخرى.

يمنحنا بيان الليبراليين الجدد حالة من التفاؤل اللغوي بعيدا عن تعقيدات الواقع وفهمه الحقيقي. فحينما يؤكد هذا البيان على ضرورة تحرر المجتمع العربي من الإرتهان للماضي إلى الرهان على المستقبل، لا نجد آليات واضحة لهذا التحرر سوى الإعتماد على القيم الكونية النابعة من العصر الذي نعيش فيه، بدون تحديد لماهية هذه القيم الكونية وطبيعتها، ومدى ملائمتها للمجتمعات العربية المعاصرة. إن أخطر ما ينطوي عليه بيان الليبراليين الجدد أنه يستند في مرجعية مبادئه وأفكاره إلى الأفكار والمبادئ والطروحات الغربية، بدون أن يطرح أى أفكار تستند في بعض جوانبها إلى الواقع العربي المعاصر، وتجلياته التاريخية المختلفة، وإلى طبيعة المشكلات والتحديات التي تواجهه. وإذا كان ما سبق يمثل المرتكزات الأساسية الخاصة ببيان الليبرالية الجديدة في تعاملها مع العالم العربي، فإن تفصيلات البيان الواردة في الكتاب تحمل توجهات خطيرة تجاه المنطقة والبشر والحضارة والتاريخ.

يرتكز خطاب الليبراليون الجدد بشكل عام على التجاهل التام للتاريخ، والتركيز على أوضاع الحاضر المهترئة، إضافة إلى التعلق بغواية الثقافة وتصور أنها فقط هى الملجأ والملاذ للخروج من وهدة التخلف التي تعتري العالم العربي المعاصر. وحينما ينسحب التاريخ وتتصدر الثقافة، تهيمن على الخطاب ألاعيب اللغة وصك الشعارات وانتفاء المصداقية وغياب النوايا الحسنة، وهو الأمر الذي يتضح جليا من خلال القراءة الواعية لبيان الليبرالية الجديدة الذي يقع في خمس وعشرين نقطة.

تأتي النقاط العشر الأولى والمتتالية من البيان لتعلن موقفها الواضح والعدواني والفج من الدين في المجتمعات العربية، والمقصود بالدين هنا الدين الإسلامي وليس غيره، فلا يستطيع الليبراليون الجدد سواء أكانوا مسلمين أو من أبناء الأقليات الدينية العربية الأخرى الإقتراب من المسيحية أواليهودية. وفي هذا السياق، يعتمد بيان الليبراليون الجدد على نشر حالة من الهلع والتخويف والترهيب بين صفوف القراء العرب، محورها الرئيسي أننا كعرب نعيش حالة من حالات محاكم التفتيش الإسلامية، وأن الإنسان العربي ليس له من حديث سوى عن الدين، وأنه في سبيل ذلك يحمل سلاحه ويمارس عنفه الدموي الموجه ضد الآخرين ممن يخالفونه المشارب والتوجهات والاعتقاد.

لا ينكر المرء وجود حالة من هيمنة الخطاب الديني على الفضاء العام في العالم العربي والإسلامي، لكن المهم هنا هو التفسير الاجتماعي والتاريخي لأسباب هذا الإنتشار الذي نجد لها مثيلا في العديد من دول العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى الآن. كما أن الحديث عن الإسلام يمتزج فيه الإعلامي بالسياسي بالأيديولوجي بشكل يصب في النهاية في تشويهه أكثر من إمكان فهمه تاريخيا ومجتمعيا وعقلانيا، خصوصا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. وفي هذا السياق، يتسم بيان الليبراليون الجدد بالتعميم المفرط؛ فإذا كان هناك فئة من العرب والمسلمين يعتمدون العنف باسم الإسلام، فهم لا يمثلون القطاع الأغلب والأعم من المسلمين، إضافة إلى ذلك يتناسي الكثيرون من دعاة الليبرالية الجديدة أوضاع التخلف في العالم العربي اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا ودورها في التصعيد الديني بديلا عن مُعاركة الحياة اليومية وتطويرها وتقدمها.

يركز بيان الليبرالية الجديدة على ضرورة الوعي بآليات الحداثة الغربية والأخذ بها، ومحاولة الإستفادة منها في نقد كل ماهو مقدس وتراثي وأخلاقي، فكل مافي المجتمع قابل للتحليل والتفسير والتأويل. ورغم صعوبة قبول هذا المنطق بإطلاق، حيث لكل مجتمع، منذ بدأ الخليقة وحتى الآن، مقدساته وتراثه وأخلاقياته، فإن اللافت للنظر هنا أن الليبراليين الجدد يبدأون من حيث انتهى الآخرون، بما يشبه القطيعة المعرفية والمجتمعية المطلقة للأوضاع السائدة في العالم العربي. يتجاهل الليبراليون الجدد هنا حقائق وظروف المجتمعات العربية المتخلفة، فكيف يمكن تحقيق هذه الحداثة والوعى بآلياتها ومستجداتها وطرائقها المختلفة في ظل تدني الدخل الفردي للكثير من المواطنين في العالم العربي، والإنتشار الواسع المدى للفقر في الكثير من الدول العربية؟ وكيف يمكن تصور إمكان الحديث عن حداثة عربية جديدة في ظل الإنتشار الواسع المدى للأمية في الكثير من هذه الدول؟ يتسم بيان الليبراليون الجدد بالقفز الهائل على حقائق وظروف المجتمعات العربية، ولعل ذلك يرجع إلى أنهم بالأساس منفصلون مكانيا ونفسيا عن معايشة المجتمعات العربية ومكابدة المشكلات الحياتية التي يواجهها المواطن العربي في كل لحظة من لحظات حياته.

يمثل الماضي العربي والإسلامي عبئا نفسيا على الليبراليين الجدد، وربما لا توجد حركة فكرية في العالم العربي، إذا جاز وصف الليبراليين الجدد بأنهم حركة فكرية، تعادي الماضي وبالتبعية التاريخ مثلما هو الحال مع الليبراليين الجدد. وتنبع معاداة الماضي الواضحة من جانب الليبراليين الجدد من عدة أسباب، أولها أن الليبراليين الجدد يرفضون تماما أى حديث عن الحضارة الإسلامية ودروها في التاريخ البشري، والحديث عنها بما لها وبما عليها، شأنها في ذلك شأن أى حضارة من حضارات التاريخ البشري منذ بدء الخليقة وحتى الآن. فبجرة قلم، تصبح هذه الحضارة من مخلفات الماضي التي يجب تجاوزها، ويصبح تاريخ العرب والمسلمون هو الحاضر المعاش الذي علينا أن نؤسسه بناء على الإستهداء بالآخرين الأكثر تقدما والأكثر استنارة. واللافت للنظر هنا أن الليبراليين الجدد لا ينطوون على رؤية نقدية جادة وحقيقية تجاه الماضي الإسلامي، كما أنهم ليس لديهم مشروعا فكريا واضحا من أجل التعامل مع هذا الماضي، لكنهم تحركهم توجهاتهم الأيديولوجية نحو خلق قطيعة معرفية مغلوطة مع الماضي من أجل نفيه، ومن أجل الإرتماء في أحضان الحداثة الغربية التي يعظمونها ويجلونها أيما تعظيم وأيما إجلال.

وثانيا، أنهم من غير الدارسين والمتخصصين في هذا الماضي، لذلك فإنهم يجدون من الصعوبة عليهم التعامل معه وتناوله بالنقد والتحليل مقارنة بالحاضر الذي تتضح فيه بعد المسافة بين واقعنا الحضاري المتخلف وبين واقع المجتمعات الغربية المتقدمة. فقط يمكنهم تناول هذا الماضي من خلال المقولات والأطروحات المتعارف عليها من قبل بعض الكتاب والتي لا تقدم تقييما علميا حقيقيا للحضارة الإسلامية ودورها في التاريخ الإنساني، قدر ما تقدم تصورات أيديولوجية نفسية محملة بالكراهية والدونية في الوقت نفسه.

يقول بيان الليبرالية الجديدة حول الماضي العربي والإسلامي أنه "لا يمكن إنتاج الحاضر بتاريخ الماضي، وإنما بتاريخ الحاضر، والمستقبل كذلك. وشرط تخطي الماضي قائم في الحاضر، وليس في الماضي. وخاصة ماضينا وتراثنا الثقافي الذي أقام مجزرة معرفية لنفسه بنفسه، وعادى الفلسفة بقيادة ابن تيمية والسيوطي وإبن القيم الجوزية وغيرهم، وطرد العقل، واضطهد المعتزلة، وأغلق باب الاجتهاد، وحرم علم الكلام، ونفي أصحاب المنطق، ووضع النصوص المزورة التي تحارب الفلسفة والحكمة وإعمال العقل... فكيف يمكن الإستعانة بهذا الماضي للعبور إلى الحاضر؟" هذه هى صورة الماضي العربي والإسلامي القابعة في ذهن الليبراليين الجدد، ورغم أن هذه الصورة صحيحة إلى حد بعيد في بعض الفترات التاريخية، إلا أنها ليست كل الصورة وليست كل التاريخ.

والهدف من وراء هذه الصورة السوداوية الدموية، وفقا لبيان الليبراليين الجدد أكثر دهاء وخبثا، حيث يتمثل في ضرورة أن يتخلى العرب تماما عن ماضيهم ويرتمون في أحضان الهيمنة الغربية، الأمريكية بالأساس. يقول بيان الليبراليون الجدد في النقطة العاشرة "على العرب أن يتخلوا عن المثل الأعلى الموهوم الذي يتقمصوه تخيلاً، ومكابرة، واستعلاء، وانتفاخاً كانتفاخ الطواويس(لنا الصدر دون العالمين أو القبر)". على العرب وفقاً لهذه النقطة من بيان الليبراليين الجدد أن يعرفوا أحجامهم، ويلموا بواقعهم المتخلف، وينبذوا ماضيهم وحضارتهم، ويُقبلوا صاغرين على الآخرين، من موقع الضعف والخنوع والهوان.

وثالثا، تحمل معاداة الماضي ونبذه ونسيانه، ليس التعامل النقدي مع الحاضر والتوجه نحو المستقبل كما يدعي الليبراليون الجدد، ولكن القبول بالحاضر، والتعايش معه ومع هزائمه العديدة في العراق وأفغانستان، وقبل كل ذلك في فلسطين. فوفقا لبيان الليبراليين الجدد، يتم التعامل مع الحاضر المعاش من خلال النقاط التالية، عدم التحرج من الإستعانة بالقوى الخارجية لدحر الديكتاتوريات العربية العاتية، وعدم التحرج من تحقيق الإصلاح من الخارج، وضرورة قبول الآخر الإسرائيلي والقبول بالمفاوضات والحل السلمي في ظل تفوقه العسكري الحالي، والإيمان بالتطبيع السياسي والثقافي مع الأعداء أخذا بمبدأ الواقعية السياسية، وتحويل اتفاقيات السلام العربية الموقعة في كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة من كونها اتفاقيات دول إلى اتفاقيات شعوب، وقبول العولمة بوصفها الموصل الأساسي للحداثة والتقدم، وأخيرا المطالبة بالمساواة التامة بين الرجل والمرأة في العالم العربي.

من عجب أن هناك العديد من الأقلام الغربية التي تنقد العولمة ومثالبها وهيمنتها، ومن عجب أن هناك العديد من هذه الأقلام التي تندد بالممارسات الإسرائيلية العنصرية والدموية تجاه الشعب الفلسطيني، ومن عجب أن هناك مقاومة شرسة ومتصاعدة داخل الولايات المتحدة الأمريكية ضد الوجود العسكري الأمريكي في العراق وأفغانستان، ورغم ذلك يمجد بيان الليبراليون الجدد أمريكا وإسرائيل ويسبح بخطاب العولمة والإصلاح والتغيير، وهو الأمر الذي يستدعي التساؤل عن سر هذا التمجيد والتسبيح بحمد القوى الخارجية ودعوتها للمنطقة العربية.

لا يكتفي بيان الليبرالية الجديدة بالتطبيع على المستوى الرسمي، لكنه، وعلى الضد من دعواته للحرية المطلقة، يريد أن يفرض على الشعوب العربية هذا التطبيع والإيمان به. ولعل ذلك يأتي متوافقا مع رؤية الليبراليين الجدد من حيث عدم إيمانهم بالشعوب العربية وقدرتها على الحلم والتغيير والتقدم. يؤكد بيان الليبراليون الجدد حول الشعوب العربية وتصوره لهم على ضرورة "الإقرار بأن التاريخ محكوم بالقوانين وليس بهوى الشعوب ولا بخيالها ولا بتعلقها بالماضي." يقول البيان ذلك، بدون أن يحدد لنا ماهية هذه القوانين، وبدون أن يكشف لنا من يصنع هذه القوانين، ويحدد مصائرها، وبدون أن يبين لنا ما فائدة هذه الشعوب إذا لم تغير وتتخيل وتحلم وتتطور. ولعل ذلك يأتي متسقا مع الوضع النخبوي لليبراليين الجدد، المنفصلين مكانيا وزمانيا ومعيشيا عن مجتمعاتهم العربية التي هاجروا منها جسديا أو عقليا.!!

لا تاريخ يركز عليه الليبراليون الجدد في العالم العربي سوى ذلك التاريخ الذي يتعلق بالولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. فأحداث سبتمبر 2001، من وجهة نظرهم، هى بداية لمرحلة جديدة في التاريخ البشري المعاصر، مرحلة فارقة في حركة التاريخ، مثلها في ذلك مثل أحداث بيرل هاربور ودخول أمريكا الحرب إلى جانب الحلفاء. وكما يتوحد الليبراليون الجدد بالتاريخ الأمريكي، ليصبح قبلتهم وبوصلة توجههم، فإنهم أيضا يتوحدون بالخطاب الأمريكي ذاته، يرددون مقولاته ويترنمون بمعتقداته. إضافة إلى ذلك فإنهم يتوحدون بالخطاب الصهيوني الإسرائيلي، يلتفون حول مزاعمه بدون أن يقفوا منها موقفا نقديا، ناهيك عن أن يكون موقفا هجوميا حادا.

لماذا يتوحد الليبراليون الجدد بالخطاب الأمريكي؟ ولماذا يخشون مهاجمة العدو الصهيوني الإسرائيلي في المنطقة العربية؟ ولماذا يجدون هواهم في التوحد بأمريكا وإسرائيل؟ ولماذا يهاجمون دولا عربية بعينها، ويحددون لأنفسهم خطوطا حمراء بالنسبة لغيرها من الدول العربية الأخرى؟
معظم الليبراليين الجدد هم من حملة الجنسيات المزدوجة، حيث تأتي الجنسية الأمريكية على قمة هذه الجنسيات بما تكفله لحاملها من هيمنة وتنفذ على الآخرين. وكما ذكرنا في مرات سابقة، فإنه لا غضاضة من أن يحمل المرء جنسيتين أو ثلاث أو أربع، فهذا من أخص حقوق الإنسان الشخصية التي كفلتها له التشريعات والدساتير الدولية. لكن المهم هنا الإشارة إلى أن الحصول على جنسية ما لا يجب أن يرتبط بالنيل من الوطن الأم وتحقيره وتسفيهه، وفي أحيان كثيرة الإنتقام منه. إضافة إلى ذلك، هناك فرق كبير من يكتوي بنار الحاضر العربي المعاش اقتصاديا وسياسيا، وفي الوقت نفسه ينقده ويشاكسه ويعاركه ويشتبك معه، ويواجه السلطات الديكتاتورية القابعة على كراسيها منذ أزمنة طويلة، ويدفع في الكثير من الأحيان ثمنا باهظا لهذه المواجهة، وبين هذا الذي لا يرى وطنه إلا في المناسبات ومن خلال المؤتمرات والندوات والدعوات الرسمية التي يتلقاها من هنا ومن هناك، إضافة إلى الحماية التي يكفلها له جواز السفر الأمريكي، والتي تفرض على السلطات المتنفذة في العالم العربي احترامه وتبجيله.

من هنا يمكن القول بأن الليبراليين الجدد لا بد وأن يتوحدوا بأمريكا؛ فهى بالنسبة لهم الوطن الجديد النظيف الغني الذي منحهم الثروة والعيش الكريم، كما منحهم المكانة التي يمكن القول بأنهم لم يحصلوا عليها في أوطانهم الأم. وينطبق هذا الموقف بدرجة كبيرة من الصحة على العديد من أبناء الأقليات العربية المهاجرة، المسيحية بالأساس، التي وجدت في الفضاء الأمريكي ما لم تجده أو تحصل عليه في الوطن الأم. واللافت للنظر هنا أنه رغم المكانات المتميزة التي حصل عليها العديد من المهاجرين إلى أمريكا فإنهم يصرون على النظر مرة أخرى إلى أوطانهم التي هاجروا منها، يكتبون عنها، ويتناولونها وينتقدونها ويحقرون من شأنها. بل إن اللافت للنظر أيضا أنهم لا يوجهون أقلامهم نحو الوطن الأمريكي الجديد، وهو محط حياتهم وحياة أبنائهم وأحفادهم، مع أن الوطن الأمريكي مليء بالعديد من المشكلات مثل انتشار الجريمة والعنف والمخدرات والدعارة وارتفاع نسبة الأطفال غير الشرعيين وتدهور برامج الرعاية الاجتماعية وانتشار الفقر والتمييز العنصري ضد الأقلية السوداء والمهاجرين اللاتين وضد العرب والمسلمين...إلخ مما لا يتسع المجال لحصره هنا.

لا يستطيع هؤلاء المهاجرون نقد أمريكا ومهاجمتها، من يستطيع ذلك هم أصحاب الوطن ذاتهم، الأمريكيون البيض. فأمريكا ليست بلد التسامح والحرية والليبرالية كما يروج الليبراليون الجدد ليل نهار، فهناك العديد من الإنتهاكات العنصرية ضد السود وضد المهاجرين مما لا يذكره أو يتحدث عنه هؤلاء الليبراليون. بل إن تاريخ أمريكا ذاته، كما تاريخ إسرائيل العنصرية هو تاريخ إبادة الآخر وقتله وتدميره، فكيف يتحول تاريخ النشأة الدموي هذا بجرة قلم إلى تاريخ أبيض ليبرالي.

يتجاهل الليبراليون الجدد كل هذه التواريخ الدموية، وكل هذا الواقع الأمريكي القمعي، ويوجهون سهامهم نحو العرب والمسلمين، مما يتوحد مع الخطاب الأمريكي، ويتلاقي معه، ويرضي السادة القابعين في البيت الأبيض في الوقت نفسه. فحينما يرى أحد الليبراليون الجدد أنه لا يوجد في بلاد المسلمين "سوى قتل وإرهاب وعراق مدمر ودارفور متخلف وانتهاك لحقوق الإنسان وأخيرا وليس آخرا تدريب الصبية الصغار على الإرهاب" فإنه لا يرى إلا ما يراه سادته في البيت الأبيض، ولا يردد سوى ما يقولونه، ويحبون أن يسمعونه.

لا يستطيع الليبراليون الجدد اكتساب مكانتهم إلا على حساب أوطانهم التي هاجروا منها، فلن يحاسبهم أحد ولن تواجههم أية عواقب وهم في حمى الجنسية الأمريكية والبيت الأبيض. يصبح الوطن الأم هنا هدفا سهلا لتحقيق عدة أهداف دفعة واحدة، فمن ناحية يمكن نقده بسهولة ويسر والنيل منه ومن تراثه ومقدساته وتاريخه وحضارته، ومن ناحية ثانية يمكن من خلال هذا النقد تعظيم الفوائد المادية والمعنوية لدى الآخر الأمريكي، ومن ناحية ثالثة يمكن أيضا تعظيم الفوائد المادية بالأساس لدى بعض الدول العربية المتنفذة.

وإذا كان المرء لا يجد نقدا موجها لأمريكا من قبل الليبراليين الجدد على سلوكياتها في المنطقة العربية، وانحيازها المطلق نحو إسرائيل، فإن الأمر يتجاوز ذلك إلى دعوة أمريكا وحضها على غزو المنطقة والعمل على سيادة القيم الديمقراطية في العالم العربي. يقول أحد هؤلاء الليبراليون الجدد داعيا أمريكا لتحريرنا من العبودية التي نحياها "فجر الحرية العربية والديمقراطية العربية التي انتظرناها أربعة عشر قرنا من الزمان لتأتي على ظهر جمل عربي أو على ظهر حصان عربي بالدفوف وبالتي هى أحسن ولم تأت، فاضطررنا بعد انتظار طويل إلى إحضارها على أجنحة صواريخ الكروز والتوماهوك، حيث لم تعد تفل كلمات الأحرار حديد العبيد، وإذا حديد البعيد هو من يفل حديد العبيد في العالم العربي للأسف الشديد." ولا يعلم المرء هنا لماذا يتأسف هذا الكاتب الذي لا يهمه العالم العربي من قريب أو من بعيد وهو محمى بأسوار البيت الأبيض، ورحابة السيدة رايس، وكرم السيد رامسفيلد.

وحينما يقول آخر مشيدا بالأمريكي في عيد استقلاله، قائلا أنه، أى الأمريكي "يكفيه فخرا أنه أنقذ البشرية من شرور النازية والفاشية والشيوعية وأسقط نظام طالبان الظلامي ونظام صدام حسين الوحشي، وقريبا سنرى جيش التحرير الامريكي سيسحق نظام الملالي في إيران ونظام عصابة البعث في سوريا وذيولهما من الحركات الإرهابية" ندرك مدى التشفي وحجم الإنتقام الذي وصل إليه هؤلاء الليبراليون الجدد في تعاملهم مع المنطقة العربية التي رحلوا عنها وتركوها. هكذا أصبح الأمريكيون صناع الحضارة والتقدم في العالم، أما تواريخهم الدموية في فيتنام وكوريا وشيلي والمكسيك والعراق وفلسطين وغيرها من العديد من دول العالم فهى التواريخ المنسية التي يهملها هؤلاء الليبراليون الجدد.

يقلب الليبراليون الجدد الحقائق رأسا على عقب في سبيل إرضاد صانع القرار الأمريكي من ناحية وتعظيم منافعهم من ناحية أخرى. فجرائم الحرب الأمريكية في العراق وأفغانستان يتم التغاضي عنها، حيث يتحدث الليبراليون الجدد عن الديمقراطية الوليدة المنتظرة التي تمنحنا مثالا يحتذي لدول المنطقة القابعة في أسر العبودية. لا يقف الأمر عند هذا الحد لكنه يتجاوزه إلى التهديد والتخويف المستمر من قبل الليبراليين الجدد باستدعاء أمريكا ودعوتها بغزو المزيد من الدول العربية التي لا تقبل التغيير وفق أجندة هؤلاء الليبراليين، أو وفق أجندة أسيادهم في البيت الأبيض.

يتوحد الليبراليون الجدد مع الخطاب الأمريكي كما يتوحدون في الوقت نفسه مع الخطاب الصهيوني الإسرائيلي، فما يرضي إسرائيل يرضي أمريكا ويبعث البهجة في نفوس هؤلاء الليبراليين الجدد. فلا يتحدث هؤلاء من قريب أو بعيد عن عمليات الإبادة العنصرية الدموية ضد الفلسطينيين، ويخلطون في ذلك الأمر بين المقاومة الفلسطينية الضعيفة وبين عداون وإجرام الدولة العبرية. لا يتحدث أحد منهم عن آلاف الأسرى في السجون الإسرائيلية، وعن قتل الحوامل والأطفال وكبار السن، لا يتحدث أحد منهم عن برنامج الإغتيالات المنظم ضد نشطاء المقاومة الفلسطينية، فقط ينقدون حماس والمقاومة، ولحية هنية، وإطلاق الصورايخ على المستعمرات الصهيونية.

في أحدث المقالات التي كتبها أحد هؤلاء الليبراليون المقيمون في الولايات المتحدة الأمريكية، يتحدث بكل أدب واحترام إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي، يخاطبه بالسيد الرئيس، ويتفهم مشاعره، التي لا أشك لحظة واحدة أنها أهم لديه من مشاعر الأمة العربية التي هاجر منها وتركها. والأمر اللافت للنظر هنا أننا لا نجد هذا الأدب الجم في مقالاته التي يتناول فيها الإخوان المسلمين أو حركة حماس أو حتى وادي النيل الذي خرج من بين ترابه ومن بين جنبات صعيده الذي دائما ما يتشدق به ويشير إليه.

من أسف أن الليبراليين الجدد يجدون أنه من السهل عبر خطاباتهم المختلفة أن يتوحدوا بالمتسلط والغالب على حساب المقهور والمغلوب، فسهل بالنسبة لهم أن ينقدوا أوطانهم وتواريخم ومقدساتهم ولغاتهم، لكنه من الصعوبة بمكان بالنسبة لهم أن ينقدوا أمريكا أو إسرائيل أو بعض المتنفذين في المنطقة العربية، هنا سوف يدفعون أثمانا غالية ويتكبدون مخاطر هائلة، وهم لم يدفعوا أي ثمن أو يتكبدوا أي مخاطر في الماضي أو في الحاضر كما في المستقبل.

د. صالح سليمان عبدالعظيم
كاتب مصري
جامعة عين شمس





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,519,000,545
- الشخصية العربية المعاصرة، قراءة أولية
- 11 سؤال عن 11 سبتمبر
- إدوارد سعيد ونقد -الاستشراق-


المزيد.....




- وزير دفاع أمريكا الأسبق لـCNN: إيران ليست سوريا.. وهذه مخاطر ...
- ألا يجب أن تقود السعودية الرد على إيران؟ نائب أمريكي يجيب CN ...
- روسيا تنهي الحرب في سوريا والولايات المتحدة تشعلها مع إيران ...
- لماذا يتحمّل الدولار ديون الولايات المتحدة العملاقة؟
- الهجمات على أرامكو.. أدلة دامغة
- قبل نتائج انتخابات الكنيست.. نتنياهو يستقطب المتدينين لمنع ا ...
- ما الذي ينتظر الشيخ العودة؟.. إدارة السجن تتصل بعائلته وينقل ...
- كيف أثر هجوم -أرامكو- على أسواق النفط العالمية؟ 
- المبعوث الأميركي إلى أفغانستان يَمثُل أمام الكونغرس
- نتنياهو: علينا أن نمنع إقامة حكومة تتكئ على الأحزاب العربية ...


المزيد.....

- الدولة المدنية والدولة العلمانية والفرق بينهما / شابا أيوب شابا
- حول دور البروليتاريا المنحدرة من الريف في ثقافة المدن. -3- ا ... / فلاح علوان
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الرابعة: القطاع ... / غازي الصوراني
- إيران والخليج ..تحديات وعقبات / سامح عسكر
- رواية " المعتزِل الرهباني " / السعيد عبدالغني
- الردة في الإسلام / حسن خليل غريب
- انواع الشخصيات السردية / د. جعفر جمعة زبون علي
- الغاء الهوية المحلية في الرواية / د. جعفر جمعة زبون علي
- الابعاد الفلسفية في قصة حي بن يقظان / د. جعفر جمعة زبون علي
- مصطفى الهود/اعلام على ضفاف ديالى الجزء الأول / مصطفى الهود


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صالح سليمان عبدالعظيم - قراءة في بيان الليبرالية الجديدة