أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعيد الجعفر - الاستشراق الإيتيمولوجي















المزيد.....



الاستشراق الإيتيمولوجي


سعيد الجعفر

الحوار المتمدن-العدد: 1693 - 2006 / 10 / 4 - 09:26
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


كلمة إيتيمولوجي مأخوذة أصلاً من اللغة اليونانية القديمة وهي مؤلفة من مقطعين "أتيمون" وتعني الأصل الحقيقي للكلمة والمقطع الثاني "لوجوس" وتعني علم.أو كلمة أو منطق أو كلام ، وهنا تعني علم.
قبل الدخول في موضوع أصل الكلمات والحالة الإستشراقية في علم الإتيمولوجي أود أن أتحدث قليلاً عن الفلسفة الغربية ومسألة المركزية الأوربية لأنهما الأساس للحالة الإستشراقية في الفكر الأوربي وموضوع أصل الكلمات الذي نتحدث عنه الآن في المحاضرة. ولما كنت أفترض أن علماء اللغة الغربيين حاولوا الابتعاد قدر الإمكان عن ذكر أصل الكلمات التي تعود بأصولها الى الحضارتين الرافدية والمصرية فإنني أحاول أن أبحث عن أصول هذا الفكر المعادي للشرق وبالذات مصر وبلاد مابين النهرين ومحاولة الحط من منجزهما الحضاري الهائل كما فعل المستشرقين في محاولة الحط من دور الحضارة الإسلامية.
بدأ المنجز الكبير في الفلسفة الغربية مع العقلانية وكان ديكارت هو العلم الأكبر في هذا التيار الفلسفي بالإضافة الى سبينوزا وليبنتز. وقد بنى ديكارت نظريته الفلسفية على أنه خلال العقل وحده نستطيع الوصول الى الحقيقة. التيار الذي تلاه خرج من انجلترا وهو معاكس تماماً للعقلانية الفرنسية وكان يؤمن بالتجربة كأساس للوصول الى الحقائق. وقد كان رواد هذا الاتجاه لوك وبيركلي وهيوم وقد سمي هذا التيار بالتجريبية . ثم جاء كانت ليوحد بين التيارين ويجعل الوصول الى الحقائق يحتاج الى كل من التجربة والعقل. وأنا أعتقد أن العداء للشرق كان واضحأ في معالجة الفلاسفة الأوربيين للمشكلة الفلسفية. فقد تجاهل الفكر الأوربي أن الروح هي النصف الثاني في المشكلة المعرفية و أن الصين والهند وبلاد مابين النهرين ومصر كان لها جهود هائلة في البحث عن حلول ليس فقط مادية بل روحية لمسألة الوصول الى الحقيقة. فقد قامت الصوفية الإسلامية بإنجاز هائل في هذا المجال وحاولت منذ البداية تسمية الأشياء بأسمائها فقالت أنه يمكن عن طريق الروح التوصل الى الحقائق وسمي هذا الاتجاه بالعرفان لتمييزه عن المعرفة التي نتوصل اليها عن طريق العقل. وأنا أعتقد أن الفكر الأوربي حاول منذ البداية حصر طرق التوصل الى الحقائق بين العقل والتجربة .ولذ فإننا بحاجة الى اتجاه فلسفي جديد يقوم بما يشبه المنجز الذي قام به كانت في التوحيد بين العقل والتجربة، ليقوم بتوحيد العقل والروح والخروج بحقائق جديدة تآخي الشرق والغرب بدلاً من جعلهما على طرفي نقيض.وكما نلاحظ الآن فإن الفكر الغربي وصل الى طريق مسدود بحيث أن الاتجاه الفكري الذي بدأ يسود العالم المعاصر هو التفكيكية وأكبر أعلامه هو جاك دريدا. ويظهر من كثير من الأنجازات الحديثة في مجال الفكر أن هنالك أزمة كبرى يمر بها الفكر الغربي . فقد جرى الانتقال من البنيوية الى ما بعد الحداثة ثم الى التفكيكية في فترة لا تتجاوز التمانبة عقود. وقد انهارت الكثير من مقولات الدوغما الماركسية ليظهر تيار ما بعد الماركسية الذي من أكبر أعلامه سمير أمين وعمانوئيل فالرشتاين وبدأت تصدر كتب مثل " الإنسان الأخير ونهاية العالم" لفوكوياما، و "انهيار الليبرالية" لفالرشتاين ، و" الأركيولوجيا واللغة" لرنفرو و "أثينا السوداء" لبرنال و " الإستشراق" لإدوارد سعيد. والكتب الأخيرة كان موضوعها تفكيك الإستشراق والفكر والفلسفة الأوربية.
لقد كان العداء للشرق الذي ساد الفكر الأوربي منذ البداية، والذي تمتد جذوره الى فترة الحروب الصليبية والاستعمار الواسع لبلدان الشرق، هو الذي قاد الى توجيه الفكر الأوربي ذلك الاتجاه الذي يمكن أن اسميه مادياً أستبعد كل العناصر الروحية الآتية من الشرق بل حتى الكثير من طرق العلاج و مسائل المعمار الشرقية. وبذا بدأ يتبلور تدريجيا فكر ونزعة أطلق عليها فيما بعد المركزية الأوربية. وتبنى هذه الفكرة على أساس الغطرسة والإعجاب بالذات والشوفينية الأوربية التي احتقرت كل ما هو آت من الشرق، وهي التي وجهت الفلسفة والبحث العلمي والدراسات الإستشراقية، والذي يقرأ كتب الرحالة الأوربيين يشم رائحة الغطرسة ويرى الاحتقار الذي يكنه هؤلاء الرحالة للشرقيين والشرق. فقد وجه المستشرق الفرنسي آرنست رينان في نهاية القرن التاسع عشر سهام العنصرية الغربية الى الشعب السامي كما أسماه واتهمة بأنه عاجز عن إنتاج الفكر وأنه شعب بليد، وقد رد عليه حينها جمال الدين الأفغاني برسالة مشهورة نشرها الدكتور علي الوردي في مؤله الكبير" لمحات اجتماعية".
و كانت نتيجة هذه الغطرسة والعنصرية في الفكر الأوربي أن نشأ تيار في التأريخ الأركيولوجيا وعلم اللغة قاد البحث العلمي الى مناح بعيدة عن الموضوعية تتميز بنزعة رومانسية في النظر الى اليونان القديمة. وهذا أمر غريب في قارة رفعت لواء العقل طوال الحقبة الحديثة من تأريخ البشرية. وهكذا نشأت النظرية الهندوأوربية التي تصاعدت منذ أن كتب القاضي الإنجليزي في محكمة كلكتا والذي درس قبلها الاستشراق سير ويليام جونز عام 1786 مقاله عن اللغة السنسكريتية وكيف أنها تشبه معظم اللغات الأوربية في تركيبها النحوي والصرفي وفي مفرداتها. منذ تلك الحقبة تصاعدت حمى البحث في هذا الموضوع وصار الأمر في أقصى شدته في سنوات 1890- 1900 و 1920 وحتى الحرب العالمية الثانية. وأحاول هنا أن أمر سريعاً على الأدلة الاركيولوجية والتأريخية لأنها لا تمت بصلة مباشرة لموضوع المحاضرة وأركز على الدليل اللغوي.
لقد وقعت النظرية الهندوأوربية في شراك خطأين أولهما منهجي والثاني علمي. والخطأ المنهجي يتلخص في أن موضوع النظرية الهندواوربية هو موضوع واسع ويشمل حقولاً علمية عديدة منها التأريخ الأركيولوجيا والأثنوجرافيا(علم الأجناس) والأنثروبولوجيا(علم الإنسان) وأخيراً وهو أهمها علم اللغة. ولما كان علماء الأركيولوجيا لا يمكنهم الإلمام بعلم اللغة وعلماء اللغة لا يمكنهم الإلمام بالأركيولوجيا فقد منح بعضهم الثقة للآخر. ولذا فإذا مارس عالم اللغة بشكل مقصود أوغير مقصود خطأ لايمكن لعالم الأركيولوجيا أن يكتشفه، ولا يلبث هذا الخطاً أن يتوسع مع الزمن ليصبح هائلاً. وأسطع مثال على ذلك هو التزييف الذي مارسه علماء اللغة في إرجاع أصل الكلمات وأسماء الأماكن والآلهة اليونانية الى الأصل الهندوأوربي أو ما يسمى ما قبل الهلينية، ومن الناحية الأركيولوجية هي ربط الأركيولوجيين وجود خزف من نوع معين بهجرة شعب بكامله الى بقعة ما. فلقد تم بعد الحرب العالمية الثانية – بل وحتى قبلها - مراجعة شاملة للنظرية الهندوأوربية وجرى إعادة الاعتراف بوجود أسماء للمناطق والمدن والكلمات اليونانية ذات أصل سامي أو مصري. كما أن وجود أنواع من الخزف في مكان معين لا يعزيه العلماء الآن الى انتقال شعب معين بل الى جلبه عن طريق التجارة الى أماكن جديدة.
أما الخطأ العلمي فهو ذو شقين أولهما هو أن هنالك ثلاث مراحل لتطور أساليب وأدوات الإنتاج لدى الإنسان في مرحلة ما يمكن تسميتها في الأدبيات الماركسية بالمشاعية البدائية ومراحلها هي مرحلة الالتقاط والقنص ثم تلتها مرحلة الرعي ثم جاءت الزراعة. لكن البحوث الحديثة لا تعترف بأن مرحلة الرعي وجدت مستقلة عن مرحلة الزراعة بل أنه الشعوب الرعوية كانت دائماً تعتمد على المجتمعات الزراعية وترتبط بها بشكل وثيق في علاقة منفعة متبادلة تعتمد على المقايضة. وهذا الأمر ينسف النظرية الهندوأوربية برمتها التي تعتقد بأن الهندوأوربيين الأول كانوا شعوب رعوية كانت تمضي يمنة ويسارا منطلقة من موطنها الأول. ومن ضمن الآراء العلمية المتعلقة بموضوع الهجرات هي أن النظرية القائلة بالهجرة الجماعية للشعوب قل مناصروها لتحل محلها ما يسمى بالموجات البشرية أي ما يشابه مثلاً هجرة الأوربيين الى أميركا أي على شكل مجموعات صغيرة كي تصبح بمرور الزمن جالية ضخمة وهذا الأمر حدث حين هاجر الأنجلوسكسون الى الجزيرة البريطانية التي كان يقطنها الكلتيون. أما الشق الثاني فيتعلق بما أقرته العلوم الحديثة من أن انتقال الإنسان عن طريق البحار والأنهر كان أسهل من الانتقال عن طريق البر وبذا تكون علاقة الهنود مثلاً أوثق بالساميين منها بما يدعى أنهم أبناء جلدتهم من الجرمان والشعوب الرومانية والكلتية.
أعود الآن الى الدليل اللغوي في النظرية الهندوأوربية والذي كان يعتبر عند بداية ظهور النظرية أقوى الأدلة أما الآن فإنه يعتبر أضعفها وأكثرها ثغرات نتيجة للنقد الذي وجه اليه من قبل الكثير من الباحثين.
المنهج الذي أعتمد في الدليل اللغوي يقوم على ما يلي: إنه إذا كلمتان من لغتين بعيدتين جغرافياً عن بعضهما متشابهتين فإنهما تكونان قد وجدتا في اللغة الهندو أوربية الأولى. مثلاً لما كانت كلمة برادر الفارسية وبرذر الإنجليزية وبرودر السويدية متشابهة فلا بد أن تكون هنالك شكل أولي لهذه الكلمة موجود في اللغة الهندوأوربية الأولى. وقد تم على أساس ذلك وضع مجموعة من الكلمات أعتبرت كلها موجودة في اللغة الآرية الأولى. ولما كانت تلك الكلمات تضم أسماء الكثير من أسماء الحيوانات وقليل من أسماء النباتات أفترض أن الشعب الهندو أوربي الأول كان شعباً رعوياً يعتمد على أكل اللحوم بدرجة رئيسة وأنه كان يعيش في منطقة جنوب غربي روسيا شمال البحر الأسود، حيث ان معظم أنواع الحيوانات الموجودة في المخطط اللغوي المفترض وكذلك النباتات القليلة في ذلك النموذج توجد في تلك المنطقة. وأود أن أذكر قسماً من تلك الكلمات التي تخص أسماء الحيوانات والنباتات وهي ( قطيع، بقرة، نعجة، معزى، خنزير، كلب، حصان، ذئب، دب، بطة، أوزة، نحلة، بلوط، صفصاف، بذرة.
جاء نقد موضوع الدليل اللغوي من العديد من العلماء والباحثين وأذكر هنا أهم هؤلاء. البحث المهم الأول في نقد الموضوع جاء من العالم الروسي الكبير تروبتسكوي وكان ذلك في بداية القرن العشرين وفي بحثه المعنون " أسس المشكلة الهندوأوربية" والذي كتبه عام 1902 ونشر عام 1939 . وقد قال في بحثه ما مفاده أنه ليس هنالك من قرابة لغوية بين اللغات الهندوأوربية بل أن الموضوع يتعلق بمعظمه بكلمات مستعارة من لغة الى أخرى. ثم جاء العالم المشهور جيمس فريزر ليكتب بحثه الذي انتقد فيه الدليل اللغوي مؤكداً على ان اسمي البتولا والبلوط الواردة في اللغة الهندوأوربية الأولى المفترضة قد تعني أسماء أشجار أخرى. ويضرب مثلاً على أن الأسم الذي يطلق في الإنجليزية على الزان يطلق في الكلمة اليونانية القديمة المشابهة على البلوط. وجيمس فريزر هو صاحب الكتاب الذائع الصيت " الغصن الذهبي" الذي يتحدث فيه عن السحر والدين والعلم.
ومن جملة الانتقادات التي وجهت للنظرية الهندأوربية هو الخلط بين اللغة ولأثنوس ( العرق أو الرس)، أو كما يقول كولن رينفرو ما مفاده أننا لا يمكننا أن نخلق تماهي بين المجموعات الاجتماعية والمجموعات اللغوية. فلا يمكن أبداً المطابقة بين الإثنوس واللغة في الكثير من البلدان في الوقت الحاضر، فلا يمكننا مثلاً المطابقة بين اللغة الإنجليزية وأثنوسات كثيرة في أفريقيا وهونج كونج وهاواي وهلمجرا. وقد كان العالم الأسترالي الكبير جوردون جايلد قد أكد ذلك في مؤلفة المهم " الآريون" والذي أراد تجاهله بعد ذلك بسبب تجيير النازيين لطروحاته لصالح الدعاية الشوفينية لنظام هتلر في ثلاثينيات القرن العشرين. النقد الآخر الذي وجه الى هذه النظرية هو محاولة استخدام الهياكل العظمية والجماجم لتحديد إثنوس معين، فالعلم الحديث ينكر هذا الدليل الذي تصاعد سعاره في فترة صعود النازية خلال العقدين العشرين والثلاثين من القرن المنصرم. ولذ فقط قام القائلون بالنظرية الهندوأوربية بالمطابقة بين اللغة واللإثنوس وهو أمر ليس مفروغ منه أبدأً. وبدلاً عن ذلك تستخدم في الوقت الحاضر طريقة تحليل مجموعات الدم ولكن بأسلوب حذر ومعقد كي لا يجري الوصول الى نتائج كاذبة تخدم البعد الإيديولوجي للقائمين على النظرية الهندوأوربية.
أعترض العالم الكبير جيمس فريزر في بحثه المعنون " الدليل اللغوي والحقائق الأركيولوجية والإثنولوجية" والذي نشر عام 1926 على الفكرة القائلة أن الشعب الهندوأوربي الأول كان يعرف المشروبات الكحولية لأن كلمة مشابهة لكلمة "ميود" ( تعني شراب مسكر) توجد في معظم اللغات الهندوأوربية، ويذكر جيمس فريزر بأن كلمة "بيفا" الروسية وتعني بيرة تشبه كلمة لاتينية وتعني أيضاً بيرة الا وهي “bibere " ، لكن هذه الكلمات كانت تعني كل ما يشرب من سوائل. فالفعل الروسي "بيت" يعني يشرب ومنه اشتقت كلمة "بيفا" لتحدث بعدها عملية انزياح دلالي أي تغير في المعنى لتحمل اسم هذا الشراب المسكر. ونحن نجد اليوم كلمة " جمل " في معظم اللغات الهندو أوربية وبتلفظ مشابه كذلك كلمة نخلة “ palm” لكن ذلك لا يعني أن كلتا الكلمتان كانتا موجودتان في اللغة الهندأوربية الأولى. الانتقاد الآخر الذي وجهه جيمس فريزر الى الدليل اللغوي في النظرية الهندوأوربية يتلخص في أن أسماء النباتات المفترضة في اللغة الهندوأوربية الأولى هي لا تعني النباتات نفسها التي نعرفها اليوم، بل أن الشعوب حين تنتقل الى أماكن جديدة تطلق أسماء نباتاتها القديمة على نباتات جديدة لا تمت لها بقرابة في التصنيف النباتي. فكلمة " peech " الإنجليزية وتعني الزان توجد كلمة مشابهة لها في اليونانية لكنها تطلق على البلوط.
وقد علق أحد الباحثين على موضوع الدليل اللغوي بشكل ساخر معتبراً مجموعة الكلمات المفترض وجودها في اللغة الهندوأوربية الأولى تحمل تناقضات كثيرة بحيث ان الهندوأوربيين الأوائل كانوا يعرفون الزبدة لكن لا يعرفون الحليب، ويعرفون الأيدي والجليد لكن لا يعرفون الأقدام والمطر.
أحاول الآن التحدث عن مسألة أصل الحضارة الإغريقية وهو أكثر المواضيع مركزية في النظرية الهندوأوربية. فالفكر الأوربي قام بفصم العلاقة مع الإرث المسيحي ليبني فكراً علمانياً وضعياً ، لكن هذا الفكر كان بحاجة الى بعد تأريخي يستند اليه فوجد ضالته في اليونان القديمة، حينها تخلى هذا الفكر عن حالته العلمية الوضعية واتخذ موقفاً أقل ما يقال عنه أنه متطرف في رومانسيته بحيث أن العالم اللساني الألماني الكبير هومبولت كان يصرح دائماً بما مفاده أنه يمكن توجيه النقد لأية مجموعة بشرية تاريخية ولكن ليس لليونان القديمة. ولما كان الفكر الأوربي يحتقر الشرق وبالذات الإسلامي ويمارس غطرسة وشوفينية كبيرة فقد جرت محاولة نكران أية علاقة للساميين والمصريين القدماء بإرساء اللبنات الأساسية للحضارة اليونانية. فقد كانت الفكرة السائدة في اليونان القديمة ، بل وحتى في الفكر الأوربي قبل القرن التاسع عشر، أن اليونان كانت محتلة من قبل الساميين ومصر الفرعونية ولفترات طويلة، وهذا الأمر ذكره هيرودوتس وبلوتارخ في تأريخيهما وإفلاطون وأسخليوس في مسرحيته المشهورة "المستجيرات". لكن الفكر الأوربي بعد القرن التاسع عشر بذل جهوداً هائلة لتسفيه هذه الحقائق وعدها من ضمن الأساطير. كما حاول الفكر الأوربي بعد القرن التاسع عشر تأكيد نظرية أخرى تخالف ذلك تماماً تقول أن اليونان القديمة جرى اجتياحها من الشمال من قبل شعوب هندوأوربية وسموا هذه المرحلة ما قبل الهللينية .
حول موضوع اليونان القديمة واصلها الشرقي أصدر العالم الكبير مارتن برنال عمله الهائل " أثينا السوداء" والذي أعتبره بالإضافة الى منجز إدوارد سعيد " الإستشراق" أكبر عملين قاما بتفكيك الفكر الأوربي الذي أنجز منذ عصر التنوير. فهذ الكتاب أثبت في مجلداته الأربعة أنه تمت فبركة اليونان القديمة كي تصبح هندوأوربية في لغتها ودينها وأساطيرها.
إن النظرية القائلة بأن اليونان القديمة كانت محتلة من قبل الساميين والمصريين تسمى النموذج القديم لتأريخ اليونان القديمة، أما النظرية القائلة بأن اليونان لم تتأثر إلا قليلاً بالحضارات الشامية والمصرية وأنه جرى اجتياحها من الشمال من قبل شعوب هندوأوربية ، فإن ذلك النموذج يسمى بالنموذج الهندوأوربي ( الآري). والنموذج الأول كان سائداً حتى بداية القرن التاسع ، ومنذ تصاعد العنصرية في الفكر الأوربي والألماني بالذات فقد جرى تدريجياً تصعيد الغطرسة والعنصرية واحتقار الشرق ليجري التخلي عن النموذج القديم واستبداله بالنموذج الآري. ولقد تصاعد النموذج في حقبتين هما 1890 – 1900 و 1920 – 1939.
ولو عدنا الى الصعوبات التي واجهت إثبات الأصل السامي والمصري للحضارة اليونانية لوجدنا أنم هنالك نوعان من الصعوبات الأول يتعلق بأن المؤرخين والفلاسفة اليونانيين القدماء وبعد وصول حضارتهم الى الدرجة العليا من الرقي الذي لم تبزها به أية حضارة قديمة ، فإنهم بدأوا بمحاولة التقليل من دور الساميين والمصريين في بناء حضارتهم. فكم أقترن أسم المصريين بالزنوج والساميين بالبرابرة في كتابات هيرودوتس وبلوتاخ، وكم كانت تلك التسميات تسري على السنة العامة في أثينا القديمة. فهل يمكن للبرابرة كما يقول مارتن برنال أن يكونوا المنبع الذي استفت الحضارة اليونانية طاقتها منه. ولذا فلم يكن الإرث اليوناني الكتابي عاملاً مساعداً بشكل رئيس في الوصول الى الحقائق التي كشفها علم الأركيولوجيا وعلم الإيتيمولوجي. كما أن هنالك مبدأ علمي يسمى " الدليل الآتي من الصمت" يقوم على مبدأ أنه إذا كانت لا توجد أدلة على وجود حضارة معينة في مكان معين، كالفخار أو الرقم الطينية، فإن تلك الحضارة لم تصل الى ذلك المكان. ولما كانت اليونان وتركيا تملكان مناخاً رطباً بارداً فإن احتفاضهما بالرقم الطينية كان أمراً صعباً قياساً الى بلاد الرافدين وسوريا ومصر. ولذا فقد اتصلا الدليل الآتي من الصمت ليأتي العديد من العلماء المعاصرين ويشككان في صحة استخدامه كدليل علمي لإثبات أو نكران وجود أو عدم وجود حضارة ما في مكان معين. وهنا نجد أن هذا الدليل الآتي من الصمت أستخدم كثيراً فالنظرية الهندو أوربية وعلى مدى مئتي عام لإثبات عدم تأثير الحضارات المصرية والرافدية والسورية في اليونان القديمة.
الصعوبات الأخرى جاءت من القائمين على النظرية الهندوأوربية الذي وكما قلت مسبقاً لم يدافعوا عن شيء وبشراسة مثلما دافعوا عن الأصل الهندأوربي لليونان القديمة، فمثلاً ذكر هوميروس أن اليونان كانت محتلة من قبل فرعون مصري اسمه سوسوتريس، الذي تم تحديده بعد ذلك وهو الفرعون سينوسريت من السلالة الثانية عشرة. وقد جرى الاستهزاء بآراء هيرودوتس حول ذلك وحول البعثات التي أرسلها الأمير الفرعوني الأثيوبي ميمنون، لكن وكما يذكر برنال فإن برديات جرى اكتشافها حديثاً أثبتت أن تلك البعثات حدثت حقاً. من الأمور الأخرى التي جرى الاستهزاء بها هي أن مدينة طيبة اليونان بناها قدموس السامي الأتي من صيدا، وقد جرى الاستهزاء بهذا الأمر أياً وعد من ضمن الأساطير. وأود أن أذكر أن الإسم العربي لبلاد الإغريق آت من إسم قديم للشعب اليوني المأخوذ من اللغة الآشورية الذي تدخل مفرد "يماني" من ضمن التنويعات عليه. وكان لدى العرب أسطورة تقول أن يعرب كان يملك ثلاثة أبناء هم عدنان وقحطان ويونان وقد ذهب أحد هؤلاء الأبناء الى الشمال وهو عدنان والثاني الى الجنوب وهو قحطان والثالث عبر البحر الى بلاد الإغريق ولذا سميت اليونان على إسمه.
ولو عدنا الى الدليل اللغوي فأن الباحثون في حقل النظرية الهندوأوربية فشلوا خلال المائة والستين سنة الماضية في تحديد أصل 50% من الكلمات اليونانية و 80% من أسماء الأماكن والمناطق والآلهة اليونانية حتى عند اللجوء الى اللغات الأناضولية الحثية والحورية التي اعتقدوا أنها كانت ذات أثر في اللغة والحضارة الإغريقيتين. ولذا فأنهم كما يقول برنال كانوا كلما استعصى عليهم أسم مكان أو إله أو كلمة قالوا أنها ذات أصل ما قبل هلليني. فأسماء الكثير من المناطق التي تبدأ بمقطع "سام" مثل ساموس وساموثراكه وساميكون جرى الاعتراف قبل القرن التاسع عشر بساميتها وتقع كل هذه المناطق في أمكنة مرتفعة وأسماؤها مأخوذة من الجذر السامي المشترك "سام" ومن ذلك اشتقت كلمة سماء . وتوحي أسماء المدن اليونانية وتشابهها مع الأسماء المصرية والسامية للمدن بأن علاقات اليونان بتينك الحضارتين كانت مكثفة ولم تعتمد على التجارة فقط. فأسم أثينا مأخوذ من اسم الإلهة المصرية نيث بعد القلب الذي حدث للكلمة. وأسم مدينة طيبة التي أسسها قدموس الصيداوي موجود في أسماء بعض المدن المصرية والسامية حتى أن المرحوم هادي العلوي يذكر أن اسم "تاي بيه" عاصمة تايوان مأخوذ من الأصل نفسه. وترد أسماء مدن يونانية مثل"ماغيرا" و" ميجارا" والتي توحي بالمفردة السامية "مغارة" مادام لم يرد تفسير مقنع لتلك الأسماء من جانب القائمين على مشروع النموذج الآري. وكما يقول برنال فأن أسماء المدن اليونانية التي يبتدأ بمقطع"كاري" مأخوذ من كلمة "كريات" الكنعانية ثم العبرية والتي كما نعرف تطورت الى مفردة "قرية" العربية. كما أن أسماء مدن مثل "موثونه" و"ميثون" مأخوذ من كلمة "مثون" المصرية وتعني صراع الثيران التي كانت تملك تقاليد عريقة في مصر القديمة. وكما يورد مارتن برنال فإن اسم نهر يوردانا في كريت مأخوذ من إسم نهر الأردن وكلها تأتي من الفعل"ورد" السامي كما يقول علي الشوك في كتابه "جولة في أقاليم اللغة والأسطورة" ومازلنا في جنوب العراق نستخدم هذا الفعل حين نصف شرب الماشية للماء. أما بالنسبة للآلهة اليونانية فأكثرها مأخوذ من أسماء الألهة السامية والمصرية أو أن هنالك آلهة يونانية كانت عبادتها مشتركة بين الساميين والمصريين ومنها الإله أتيس والذي يتبدى بشكل تيس والذي انقلب كما يقول السيد القمني في كتابه" الأسطورة والتراث" الى اسم "ايزيس" والذي أسماه القرآن "العزيز" حين يجري الحديث عن قصة النبي يوسف ومنه جاءت كلمة العزة السامية المشتركة والتي مازلنا نستخدمها وبشكل واسع. وأود أن أنوه الى أن تسمية الفرعون على اسم الإله يرتبط أيضاً بموضوع لبس الملوك تيجان تحمل قروناً لترمز الى عبادة الثور ومنها جاءت الكلمة الهندوأوربية التي ترد في الإنجليزية"crown " وتعني التاج. كما أن أسماء آلهة أخرى مثل إله الرياح الغربية "زفيروس" مأخوذ من كلمة زفير السامية المشتركة والتي تستخدم في العربية.
وقد ظهر أن الكلمات اليونانية التي تخص الحياة المدنية والمواد الكمالية والدين والإدارة والظواهر التجريدية لا تمت الى اللغات الهندوأوربية بصلة. وهذا قانون عام ينطبق على تأثير اللغات ذات الحضارة الأرقى على اللغات التي دونها في الحضارة. وكما يقول الدكتور علي عبد القادر وافي فإن هذا هو واحد من القوانين العديدة للصراع اللغوي وهو أهمها. ويظهر هذا القانون واضحاً في تأثير الفرنسية في الإنجليزية والألمانية في كل من السويدية والروسية وتأثير الآرامية في العربية والأكدية في الفارسية والعربية في الأسبانية والسواحيلي والتأثير الذي تفعله الإنجليزية الأمريكية في لغات شتى في عالمنا المعاصر.
من ضمن المسائل التي لاحظها اللسانيون أن اليونانية القديمة تملك خمس حالات إعرابية في حين أن اللاتينية الأحدث منه تملك ثمانية حالات والروسية تملك ست حالات. ولذا يعتقد مارتن برنال أن ذلك كان بسبب احتكاكها المباشر باللغات السامية.
أعود الآن بعد هذه المقدمة الطويلة الى الموضوع الأساس في هذه المحاضرة والذي أسميه الإستشراق الإيتمولوجي.فقد حاول إدوارد سعيد في عمله الكبير " الإستشراق" أن يدرس ما أمكن من الظواهر وحقول المعرفة التي خلق فيها العلم الغربي وبغطرسة"شرقاً"، ليس موجوداً في الواقع بل صنع على طاولات الكتابة وغرف البحوث الغربية.
بيد أني لم ألاحظ أبداً أن أدوارد سعيد تناول علم اللغة وبالذات الفرع المسمى بالإيتيمولوجي ، أي علم أصل الكلمات والذي أسماه عبد الحق فاضل في كتابه " مغامرات لغوية" بعلم التأصيل أو التأثيل.
فهذا العلم الذي وضع علماء اللغة الأوربيون أساسه الحديث بارى الاستشراق في الغطرسة وحرف الحقائق والسكوت عنها فقط لكي يتماهى في الجهود الضخمة التي بذلها المؤرخون واللغويون الألمان ومن ورائهم جل علماء الغرب لإثبات نظرية الشعوب واللغات الهندو أوروبية. وهذه النظرية أصبحت موضع تساؤل في العقود الأخيرة مع أن أول من حاول نقضها هو عالم اللسانيات والأمير الروسي تروبتسكوي. فالآثاري كولن رنفرو قدم في كتابه " الأركيولوجيا واللغة" ملاحظات مهمة تضع نظرية الشعوب واللغات الهندو أوربية موضع تساؤل. بيد أن الإنجاز الكبير في هذا المجال- والذي جاء متزامناً مع عمل أدوارد سعيد- هو ماقدمه الباحث اللساني الأمريكي مارتن برنال في كتابه " أثينا السوداء" الذي تحدثت عنه آنفاً، وهذا الكتاب مع كونه استفاض في دراسة الجوانب الثقافية التي أراد فيها أن يثبت أن المكونات الأساسية التي شكلت الثقافة الهلينية جاءت من مصر والحضارات السامية، الا أنه لم يتحدث كثيراً عن التأثير اللغوي الكبير للغة المصرية القديمة واللغات السامية في اللغة الأغريقية، وقد ذكر في أحد الفصول أن ربع المفردات الإغريقية مأخوذة من اللغات السامية القديمة والربع الآخر من اللغة المصرية القديمة، الا أنني لم الاحظ أمثلة تناسب أهمية الموضوع.
وقد كان من ضمن دراستي في اللسانيات أن بحثت في أصل الكلمات، وكنت كل مرة أبحث فيها عن الأصل الأول لكلمة ما أجد أن الإيتمولوجيين وضعوا سداً منيعاً يحيط باللغة اليونانية القديمة بحيث لا تجد الا لماماً أصلاً لكلمة يتعدى الحدود التأريخية لهذه اللغة. فما عدا الكلمات المرتبطة بالعهد القديم والمأخوذة من اللغة العبرية، لا تجد مطلقاً كلمات أخرى يبحث في أصلها الآتي من العراق القديم أوسوريا أو مصر القديمة.
ولا أجد سبباً يمنع علماء اللغة من تقصي أصل الكلمات سوى الحالة الإستشراقية المتغطرسة التي طبعت هذا العلم في القرنين الثامن والتاسع عشر بل حتى النصف الأول من القرن العشرين.
فالبحوث العظيمة التي قام بها علماء الآثار كانت كلها مكتوبة باللغات الأوربية الثلاث: الإنجليزية والفرنسية والألمانية وفيها أفردوا الكثير من بحوثهم لفك رموز الخط المسماري والكتابة الهيروغليفية و كتابات اللغات السامية القديمة. ولذا كان من السهل على علماء الأتيمولوجي أن يتقصوا في أصل الكلمات كي يصلوا الى موطنها الأول الذي إنتشرت منه بعد ذلك في لغات متعددة، وانا أتحدث عن ذلك لأنني وجدت أن الباحثين الإيتمولوجيين يفردون صفحات كاملة للتوصل الى أصل كلمة ما، بل يبحثون في كل الأصول الممكنة لكلمة ما لكنهم لا يبحثون أبداُ في إمكانية ورود هذه الكلمة من أصل سامي أو سومري أو مصري.
وعلى الرغم من أن الإستشراق الروسي ومن بعده السوفييتي كانا يختلفان عن الإستشراق الغربي ويتسمان بسمة إنسانية ، الا ان الأيتيمولوجيين الروس كانوا يحذون حذو الإيتمولوجيين الغربيين في محاولة طمس الحقائق اللغوية. وهنا أردت أن أورد حادثة أثارت إنتباهي في فترة دراستي للماجستير في إحدى الجامعات في مدينة سانت بطرسبورج (لينينجراد). فقد كان من ضمن المواد المقررة علينا في تلك الفترة هي مادة تاريخ الكتابة. والغريب أن الكتاب المقرر ذكر جميع أنواع الكتابة ولم يذكر الكتابة المسمارية، التي كانت هي أول كتابة عرفها التاريخ الإنساني .
ويبدو ان تأثر علم اللغة الروسية المباشر بالعلماء الألمان في اللسانيات كان هو العامل الذي جعل علم الإتيمولوجي الروسي ينحو منحى إستشراقيا ًًغربياً. فبالرغم من الجهود الضخمة للروس في مضمار علم اللغة الأ أن ثلاثة ارباع البحوث والكتب الخاصة بعلم اللغة الروسي كتبت أصلاً من قبل علماء لغة وباحثين ألمان، لا بل أن المعجم الإيتيمولوجي الرئيس للغة الروسية كتب من قبل إيتيمولوجي ألماني إسمه ماكس فاسمر وتمت بعد ذلك ترجمته الى اللغة الروسية مع إضافات من قبل الباحث والأكاديمي السوفييتي تروباجيف.
وأنا أعتقد أن السبب الرئيس للمنحى الإستشراقي في البحوث الإيتيمولوجية في أوربا – ما عدا مسألة التأثر بالعلماء في المجالات الأخرى – هو أن تقصي أصل الكلمات قاد الباحثين الإيتيمولوجيين الى حقائق خطيرة لم يصدقوها في حينها. فمعظم المفردات التي تنتمي الى طائفة " المفردات الأساسية" مثل الأرض، السماء، الموت، الحياة..الخ لم تكن من أصل هندو أوربي . كما أن مفردات تعتبر مركزية في الثقافة مثل الألوان والمفردات الخاصة بأمور الزراعة هي بمعظمها ليست - من اصل هندو أوربي. ولما كان الباحثون في حينها في أعلى درجات الإعجاب والتقديس للغاتهم بحيث أن اللغة الألمانية كانت بموقع اللغة اللاتينية والعربية من ناحية كونها مقدسة وكذلك الفرنسية والإنجليزية الى حد ما، فإنهم ، كما أعتقد، لم يريدوا ان يسيروا بعيداً في هذا الإتجاه ليجدوا امامهم درباً واحداً يفضي الى الحضارات الكبرى التي كانت مجاورة لما يسمى بالشعوب الهندو أوربية، الا وهي حضارات العراق القديم وسوريا ومصر القديمة، تلك الحضارات التي جرت فيها صياغة المفردات الأساسية والمفاهيم المهمة بحيث أن ملحمة جلجامش لم تضع فقط توصيفاً لمفاهيم الموت والحياة بل ناقشتهما بعمق يبز أعتى الوجوديين المعاصرين. فإرجاع الكلمات الى إصول رافدينية أو مصرية هو رفع من شأن تلك الشعوب التي بقي آرنست رينان والفلاسفة الألمان ومن خلفهم الجوقة الأوربية برمتها يشتمونها بكرة وأصيلا في كتبهم التي كانوا يعتقدون حينها أنها علمية وموضوعية.
والمعضلة الثانية التي يبدو انهم واجهوها حين تعمقوا في البحث في أصل الكلمات هي أنهم أعتبروا لغات البلطيق – وهنا اقصد اللغتين اللاتفية واللتوانية وليست الإستونية لأنها تنتمي الى عائلة اللغات الاوجرو-فنلندية – هي أكثر اللغات الهندو أوربية التي حافظت على المفردات وبناء الجملة في اللغة الهندو أوربية الأولى المفترضة. لكن أحد البحوث الحديثة للساني أمريكي إسمه أنديس كاولينس أظهرت أن هنالك تقارباً كبيراً بين اللغة السومرية واللاتفية في كثير من المفردات الأساسية والمفردات المهمة الأخرى مثل المفردات الزراعية والرعوية ومفردات القرابة. ولذا فقد وجد العلم الإيتيمولوجي الغربي نفسه ثانية في بداية الطريق ذاته الذي يقوده في النهاية الى الحضارات الكبرى الأولى في العراق وسوريا ومصر. ولقد لاحظت أن اللغة الروسية واللغات السلافية الأخرى قد أخذت الكثير من المفردات من لغات البلطيق، قياساً الى عائلة اللغات الجرمانية- أي الألمانية والإنجليزية والسويدية وغيرها-. وبذا فإن معرفة تقارب اللغتين اللاتفية والسومرية يحل الكثير من الألغاز الخاصة باللغة الروسية ومصدر الكثير من الكلمات المهمة فيها. فكلمات روسية مثل DEN وتعني يوم هي في اللاتفية DIENA في حين أن كلمة مشابهة في السومرية هي DANNA والتي تعني 12/1 من اليوم. كلمة AREOL الروسية تعني نسر وهي في اللاتفية ARANIS أما في السومرية فهي URIN والأمثلة كثيرة . بيد ان جميع الأمثلة تخص كلمات مركزية في اللغة، تتعدى المفردات الأساسية الى إستعمالات أخرى.
السبب الثالث كما أعتقد هو أن أي محاولة لإرجاع أصل الكثير من الكلمات الى مشارب رافدينية ومصرية سيقود منطقياً الىالقناعة بتأثراللغة اليونانية القديمة بتلك اللغات وهذا ماكان العلم الأوربي لا يريد له ان يحدث. فالنظرة الى اليونان القديمة كانت تتصف حينها بالرومانسية القصوى، بحيث أن الفكر الأوربي الحديث برمته صيغ ليتماهى في الحضارة الإغريقية التي أصبحت مهرباً الحادياً – على الأقل في الجانب الفلسفي منه- من المسيحية التي قتلت غير مأسوف عليها. فالفلسفة الحديثة منذ ديكارت مروراً بكانت وبقية الفلاسفة الألمان والإنجليز بنيت على أساس الفلسفة اليونانية واقرب مثال على ذلك هو الفلسفة النيتشوية القائمة على العنصرين الأبولوني والدينوسيوسي ، كما تم بناء المسرح والموسيقى والعلوم الطبيعية على أساس العلم الأغريقي القديم. ولذا فقد بذلت جهود جبارة لإلحاق اليونان بالشجرة الهندوأوربية وبموازاة ذلك تم محق أية معلومة أو محاولة تبرز التأثير السامي والمصري في اليونان القديمة.
هذا الأمر يذكر حقاً بما استفاض ميشيل فوكو في الكتابة عنه الا وهو إستخدام المعرفة كسلطة، الأمر الذي لم يحاول فرانسيس بيكون البحث فيه من ناحية إستخدام الإنسان للمعرفة كسلطة على أخيه الإنسان بل إستخدام المعرفة كسلطة للسيطرة على الطبيعة.
ولقد حاولت أن أصنف الجوانب التي جرى فيها طمس وتجاهل الحقائق اللغوية فيما يخص أصل الكلمات في النقاط أدناه:
-يتقصى الباحث أصل الكلمة فيصل الى الأصل اليوناني ويتوقف عنده، مع أن الكلمة تملك أصلا أقدم. فكلمة KANON وتعني قانون أو قاعدة يجري تقصي البحث في أصلها حتى يصل الباحث الى المفردة اليونانية، التي تعني اصلاً قصبة القياس ومنها جاء إسم المدفع في الكثير من اللغات منها السويدية والفرنسية التي أخذتها من اللاتينية وتعني فيها أنبوب وهي مأخوذة من الإغريقية. وقد ورد ذلك في خمسة معاجم أيتيمولوجية إحدها إنجليزي والآخر سويدي والثلاثة الباقية روسية. لكن كلمة قانون اليونانية مأخوذة أصلاً من كلمة قناة الآرامية وتعني قصبة وقد ورد ذلك في معجم الألفاظ السريانية في المعاجم العربية وهو من تأليف البطريرك مار إغناطيوس أفرام الأول. ومنها جاءت تسمية الرمح بالقناة لأن السنان يركب عليها. وهناك أمثلة أخرى تصنف تحت هذه الفئة منها EARTH المأخوذة من كلمة مشابهة باليونانية بيد أن الكلمة اليونانية مأخوذة على الأرجح من كلمة AGAR السومرية بمعنى حقل. ومن الجدير بالذكر أن العلامة إبراهيم السامرائي أفرد فصلاً لمعجم الالفاظ السريانية في المعاجم العربية إنتقد فيه بعض مواقع الخلل في هذا المعجم ، ومنها أن المؤلف لم يفرق بين الكلمات التي من أصل سامي مشترك والكلمات العربية ذات الأصل السرياني. وأعتقد أن هذا الأمر مهم جداً في الدراسات الإيتمولوجية لأننا نجد الكثير من الكلمات الروسية هي من أصل سلافي مشترك ولذا فلا يمكن
ارجاعها الى اللغة البولونية التي تأثرت الروسية بها في بعض المواقع، أو أن نرجع بعض الكلمات السويدية الى أصل الماني أو إنجليزي في حين أنها من أصل جرماني مشترك لهذه اللغات مأخوذ من اللغة الجرمانية الأولى.
- يستخدم الباحث تعبير"من أصل غير معروف" لكلمات تعتبر أما من فئة الكلمات الأساسية أو أنها كلمات مركزية في اللغة. فكلمة حرب في السويدية مثلاً هي KRIG وهي مأخوذة من الألمانية ومن قبلها من اللاتفية. ولما لم يجد الباحثون أصلاً لها في اللغات الهندو أوربية إلتجأوا الى مصطلح " الأصل الغامض" في حين أن الكلمة مأخوذة على الأرجح من المفردة السومرية KARASH والتي تعني موقعاً عسكريا.
- يصل الباحث الى الأصل العربي أو العبري للكلمة ويتوقف. لكن الكلمة العربية أو العبرية مأخوذة بدورها من اللغات السامية لما بين النهرين أو من اللغة السومرية، فكلمات مثل مترجم، سلطان، سمسم، فيل هي جميعاً ذات أصول أما أكدية أو آرامية او سومرية. وقد إرتكب اللغويون العرب القدماء الخطأ نفسه- وكانوا معذورين بالتأكيد - وتصوروا أن الكلمات التي لم يجدوا لها أصلاً عربياً هي من أصل فارسي. ولم يمط اللثام عن ذلك الا العلامة طه باقر في كتابه " معجم الدخيل في العربية" الذي أرجع الكثير من الكلمات التي كنا نتصور أن أصلها فارسي الى أصول سومرية وأكادية وآرامية، مثل زعفران، أباب، إرجوان، بستوكة، سنديان، شونذر، لوبياء..وغيرها.
- وأخيراً فإن تأثير الفكر الإستشراقي المتغطرس واضح على البحث الإيتيمولوجي. ففي الكثير من المعاجم الإيتيمولوجية ترد عبارة " الكلمة من أصل شرقي" أو " الكلمة من لغات بلاد البحر المتوسط" وهو توصيف غير علمي لأن الشرق لا يتكلم لغة واحدة ، وتحيط البحر المتوسط بلاد تتبع لأربع شجرات لغوية . وتدخل ضمن هذه الفئة كلمات مثل بجع، فلفل..وغيرها.
في نهاية مقالي هذا أردت أن أورد مثالاً على كيف أن البحث يتعدى حتى حدود الغطرسة ويصبح أمراً مضحكاً. ففي جميع المعاجم الإيتمولوجية المعروفة اليوم يرد أن أصل كلمة نحاس COPPER مأخوذة من كلمة قبرص. في حين أن الموضوع مقلوب فقد سميت قبرص بهذا الإسم لأن النحاس كان يجلب منها. ويورد العلامة طه باقر في معجمه حول الدخيل في العربية أن كلمة نحاس(صفر) مأخوذة على الأرجح من كلمة زيمبر السومرية بالمعنى نفسه .
ومادمنا نتحدث عن علم الأتيمولوجي فإنني أود أن أتحدث عن تأثير اللغة الآرامية في اللغة العربية ومدى استعارة الكلمات من اللغة الآرامية الى الى العربية. اللغة العربية إحدى اللغات السامية تقسم الى شمالية وجنوبية ، وقد ماتت العربية الجنوبية التي كانت تنقسم الى أربع لهجات هي السبأية والمعينية والحضرمية والقتبانية . ويضم اليها د. صبحي الصالح في كتابه "دراسات في فقه اللغة" اللغة الحبشية بينما يعتبرها د.علي عبد الواحد وافي في كتابه" فقه اللغة" مستقلة حالها حال الأكدية والكنعانية والآرامية، والرأي الأخير هو رأي الكثير من الباحثين الغربيين مثل السوفييتي يشمالوف وليسلاو والمعجم الموسوعي السوفييتي للسانيات. أما العربية الشمالية فتنقسم الى لغتين الأولى ماتت منذ أكثر من ألفي عام وتسمى عربية النقوش لأنها وجدت في نقوش آثريه وتقسم الى اللهجات الثمودية والصفوية واللحيانية. وكانت هذه اللغة قد تأثرت كثيراً باللغة الآرامية بحيث أصبحت ما يشبه اللهجة الآرامية. أما العربية الباقية فهي التي نتكلمها الآن والتي كانت تنقسم الى لهجات عديدة أهمها التميمية والقرشية.،وبعد صراع طويل انتصرت الأخيرة. لكن اللغة العربية الباقية تأثرت هي أيضاً بالآرامية مع أنها انتصرت عليها وجعلتها لغة صغيرة بعد أن كانت لغة بلاد الهلال الخصيب بلا منازع. ولو أخذنا المجالات التي استعارت اللغة العربية فيها الكلمات من الآرامية فإننا نجد أن مفردات الزراعة والري وصيد السمك واللباس والعمارة والدين وأسماء الأشهر أخذت بنسب متفاوتة من الآرامية. فالعربية حين جاءت الى العراق وبلاد الشام وأصبحت عاصمتها في معقلين من معاقل اللغة الآرامية الأولى في الكوفة في العراق والثانية في دمشق لم تجد بداً من أن تأخذ مفردات كثيرة من هذه اللغة السامية القريبة منها في الأصوات والألفاظ لاستيعاب الكثير من الأشياء والمفاهيم التي دخلت الى اللغة العربية التي أصبحت لغة حضارة. ومنذ مجيء العربية الى معاقل اللغة الأرامية فقد بدأت هذه اللغة في الاضمحلال طبقاً لقوانين الصراع اللغوي التي من بينها كون اللغتان متشابهتان وكون اللغة العربية هي لغة المنتصر. ولو أتينا مثلاً الى اللغة الفارسية لوجدنا أنها بقيت حية لأنها لا تشبه اللغة العربية وليست من فصيلتها.
وكما قلت فأن الكثير من الكلمات جرت استعارتها من الآرامية الى لغتنا وفي مجالات مختلفة فمن الكلمات الداخلة ضمن الدين نجد كلمات مثل الصوم والصلاة والحج الجبروت والكهنوت واللاهوت والناسوت والطاغوت والسبط والمسيح والنصارى والرحمن والقيوم والجنة والفردوس والسكينة وعاشوراء والطور وطوبى والكاهن وغيرها، أما الكلمات الخاصة بأسماء النباتات فنجد كلمات مثل أجاص وبلوط وجرجير وحلفاء وخرنوب وخلاف(صفصاف) وفجل وكراث وفستق وشيلم وكمثرى ولفت. أما أسماء الحيوانات فمنها باشق ودبور وشقراق وصرصور وقط ولقلق. و هناك كلمات أخرى منتمية الى فئات تيماتية مختلفة منها بطاقة وبلور وزجاج وتنور وتلميذ وحانوت وطوفان وفدان مرزاب وميمر( تعني أصلاً قصيدة في اللغة الآرامية).
تقول الآية القرآنية "ختامها مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون" ولذا أردت أن أختم محاضرتي هذه بالحديث عن اللهجة العراقية. وأود في البداية الإشارة الى بحث كتبه أحد اللسانيين الروس عن اللغة البشكيرية فوصف بالأمثلة سبعة طبقات لغوية كل طبقة جرى فيها استعارة مفردات من لغة معينة هي لغة الأمة التي قامت باحتلال بشكيريا. وهذه الطريقة في البحث هي ما يسمى في علم اللغة بالحفريات اللغوية وقد أستخدمت كثيراً منذ القرن التاسع عشر في النظرية الهندأوربية. وإذا كانت اللغة البشكيرية تملك سبعة طبقات فإن اللهجة العراقية ماهي إلا كرنفال لغوي. حقيقي. فتعبير مثل "هب ريح" التي نطلقها على الإنسان البارع لا بد أنها جاءت من لغة بدائية حيث تحفل تلك اللغات باستخدام جمل كأسماء للبشر أو لوصف حالات كما هو في لغات الهنود الحمر واللغات الاسترالية والإفريقية، ولذا أعتقد أن هذا التعبير جاء من اللغة السومرية بعد ترجمة على طريقة الاستنساخ أو الإستعارة بالترجمة. كما أن الكثير من المفردات الخاصة بالنخلة والمجموعة التيماتية التي تتعلق بها أخذت من اللغة السومرية ثم الأكدية التي تلتها، فكلمات مثل "دكل" و"جمري" جاءت من السومرية أما كلمة "تبلية" فإنها أكدية وكلمات "شيص" و" تاله" فهي آرامية. كما أننا نجد أن هنالك أوزاناً في اللهجة العراقية لا تدخل ضمن أوزان اللغة العربية مثل المفردات على وزن فاعول : سابوح ولاعوب وناطور وحاصود والتي تؤكد صيغة المبالغة التي يقابله في العربية كلمات على وزن فعّال مثل منَاع وهمّاز وهيّاب. وكما يؤكد د. على عبد الواحد وافي فأن اللغة الآرامية كانت لم تزل لغة الشارع في سوريا حتى بداية القرن التاسع عشر بينما كانت العربية لغة العلم والكتابة والمعاملات. وكما يذكر ابن بطوطة فأن عرب البطائح كانوا يتكلمون النبطية . ولو كان عرب الأهوار يتكلمون اللغة الآرامية حتى القرن الرابع عشر فهذا يعني أن تلك اللغة لم تمت في الريف العراقي الا بعد ذلك بقرنين أو قرن على الأقل ، وأعتقد أن آخر من كانوا يتكلمونها هم الصابئة لكونه بالإضافة الى وجودهم في الأهوار التي تحميهم من سطوة السلطة المركزية وبالتالي اللغة العربية ، فإنهم طائفة ذات زواج داخلي وذات علاقات وثيقة داخل نفسها تبعدها عن تأثير المحيط بشكل ما. إن ظاهرة القلب التي تمتاز بها اللهجة السورية في كلمات مثل جوازمقلوب زواج وتجعزني مقلوب تزعجني تصطفل مقلوب تفتصل وغيرها سببه أنهم كانوا لفترة قريبة يتكلمون اللغةالآرامية التي تختلف في قوانينها الصوتية عن العربية. وفي اللهجة العراقية نلاحظ ظواهر صوتية أخرى مثل عدم استخدام الهمزة في داخل الكلمة في كلمات مثل مسعلة بدل مسألة وهيعة بدل هيئة وقلب اللام نوناً في نهاية الكلام مثل عزرايين بدل عزرائيل تامين من تأميم. لكن القلب الأهم هو ما يحدث مع القاف التي تنقلب الى كاف( جيم غير معطشة) أو جيم أو كاف في مفردات مثل قلب وقدم وقال وقتل ، ولو أن بعض علماء اللغة العربية يعزون ذلك الى لهجة تميم وقيس وهذيل ، الا أنني أعتقد أن علماء اللغة العرب لم يفروا بمقدار تأثير اللغة الآرامية في أرياف العراق. كما أن من الظواهر الصوتية الآتية من اللغة الآرامية هي قلب الضاد والظاء الى طاء مثل ناطور بدلاً من ناظور وبرطلة بدلاً من برظلة. كما اعتقد أن تسكين أواخر الكلمات أو استخدام الأسماء الخمسة في حالة الرفع فقط هو الظاهرة الكبرى التي هزمت فيها اللغة العربية الفصحى أمام اللهجات العربية ومن بينها اللهجة العراقية، وسببها هو أن الناس كانوا يتكلمون لغات ليس فيها إعراب.
بالنسبة لأسماء الأماكن الآرامية في العراق نجد أن ذلك واضحاً في شمال العراق أكثر من جنوبه القريب من السلطة المركزية وبالتالي قريب من تأثير اللغة العربية. ففي الجنوب نلاحظ أسماء مثل بابل (باب إيل) وكربلاء (قرية إيل) وبصرياتا وهو أسم للبصرة يعني منطقة الصرائف، كما نجد أسماء مثل بعقوبة( بيت العقوبة) وأربيل ( أربعة إيل) أي الآلهة الأربعة ، وأسم هولير الذي يعتقد عامة الأكراد أنه كردي هو مجرد قلب لكلمة أربيل التي تغيرت بمرور الزمن لتصبح أرويل ثم أخير هولير بالقلب. أما الأسماء في مناطق الموصل ودهوك فهي كثيرة مثل بحزاني( بيت الحزن) وبعشيقة (بيت الحب) برطلة( منطقة الظل). وقد أفرد الدكتور طه باقر مسرداً لأسماء الأماكن في العراق واصلها التاريخي في كتابه المهم (معجم الدخيل في العربية). لكن المنطقة التي بقيت تحتفظ بالكثير من الأسماء الآرامية لأماكنها فهي سوريا ولبنان.
في نهاية الحديث عن اللهجة العراقية لا بد من الحديث عن اللهجة البغدادية. فهذه اللهجة كانت لهجة العاصمة ولذا فقد تميزت بحالة التعالي والرقة مما أدى الى لفظ الراء عيناً كما حدث بالنسبة للهجة باريس التي كانت تلفظ الراء غيناً وأثرت على فرنسا بكاملها ثم أنتقل التقليد الى اللغة الألمانية فأخذ الناس الذين يتكلمونها يلفظون الراء غيناً. وهذا بالضبط ما حدث للهجة بغداد التي أخذ أهالي الموصل يقلدونها في لفظ الراء بالطريقة التي نشهدها اليوم بل أنهم أخذوا لهجة بغداد بكاملها . ولما كان السوريون يتكلمون الآرامية( وكذلك اللبنانيون) حتى بداية القرن التاسع عشر فقد استعاروا لهجة بغداد حين بدءوا يتكلمون العربية. أما أهالي بغداد فقد بدأوا يتكلمون لهجة جديدة بسبب اللهجات العراقية الكثيرة التي دخلتها من الغرب والوسط والجنوب. الفئتان الوحيدتان اللتان بقيتا تتكلمان اللهجة البغدادية هما المسيحيون واليهود البغداديون، وقد أرادت مني الناقدة الفنية أمل بورتر أن أكتب بحثاً عن لهجة مسيحيي بغداد التي مازالت تتقنها. وقد ذكر المرحوم زكي خيري في لقاء معه في مجلة الثقافة الجديدة أمراً أثار انتباهي فقد قال أننا كنا نتكلم في بداية القرن العشرين لهجة تشبه لهجة ألف ليلة وليلة. فهذه الحكايات في لغتها الأصلية كانت مكتوبة باللهجة البغدادية وخصوصاً ما يسمى منها بالمرحلة البغدادية، لتفريقها عن المرحلة القاهرية، لكن النساخ غيروا فيها كثيراً بحيث جعلوا من لغتها قريبة من اللغة العربية الفصحى. والآن دخلت اللهجة العراقية في ما يمكن أن نسميه مرحلة الانحطاط وكم حري بطلاب الماجستير والدكتوراه في اللسانيات في الجامعات العراقية أن يرصدوا ظواهر وتعابير ومفردات مثل "ضربني بوري" و "حواسم" وغيرها من المفردات . وقد كنت في فترة دراستي في روسيا قد لاحظت أن الكثير من زملائي من طلاب الماجستير والدكتوراه قد كتبوا الكثير من البحوث راصدين اللغة الروسية والمفردات والتعابير الجديدة التي دخلتها خلال فترة الانحطاط بين 1988- 1992 .




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,818,990,307





- دمشق: القرار الأوروبي بتجديد العقوبات على سوريا -جريمة ضد ال ...
- واشنطن تعلن عن مكافأة مقابل قيادي في -داعش-
- مقتل 27 مدنيا بهجمات عرقية وسط مالي
- أردوغان: تركيا سترفع قيود السفر بين المدن أول يونيو
- تأجيل إطلاق رحلة فضائية -تاريخية- مأهولة من الأراضي الأمريكي ...
- الخطوة الثانية لاحتواء كورونا في بريطانيا
- رواندا.. السجن مدى الحياة لسياسي سابق لدوره في جرائم الإبادة ...
- إطلاق اسم "كورونا" على زرافة ولدت حديثا في حديقة ح ...
- كيف تحايلت المافيا الإيطالية للاستيلاء على أموال الاتحاد الأ ...
- تعرف على البلدة الإيطالية المحاطة بأراض سويسرية من جميع الجه ...


المزيد.....

- جون رولز والإصلاح الليبرالي تحدي اليوتوبيا الواقعية / لمرابط أحمد سالم
- نقد الفرويدية / نايف سلوم
- العشوائية اللاغائية الغير مخططة تصنع الحياة والوجود / سامى لبيب
- داوكنز يخسرُ في - رهان باسكال - / عادل عبدالله
- ثورة الحرية السياسية: أفكار وتأملات في المعنى والمغزى / علا شيب الدين
- العدالة الاجتماعية... مقاربات فكرية / هاشم نعمة
- مورفولوجيا الإثارة الجنسية و الجمال. / احمد كانون
- الماركسية وتأسيس علم نفس موضوعي* / نايف سلوم
- هل كان آينشتاين ملحداً؟ / عادل عبدالله
- هيدجر وميتافيزيقا الوجودية / علي محمد اليوسف


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعيد الجعفر - الاستشراق الإيتيمولوجي