أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - حيدر عوض الله - الدمقراطية المتوحشة















المزيد.....

الدمقراطية المتوحشة


حيدر عوض الله

الحوار المتمدن-العدد: 496 - 2003 / 5 / 23 - 03:02
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


 
لم يحدث منذ الحرب العالمية الثانية، على الاقل ان قامت دولة اخرى غير الولايات المتحدة، باعلان الحرب على دولة اخرى بمثل هذه الوقاحة والعربدة، متحدية وبطريقة استعراضية سافرة، المجتمع الدولي وكل الاعراف والقوانين الدولية. حتى انها لم تتجشم عناء تغليف وتسويق عدوانها الى العالم. وكل الشعارات والعناوين التي طَلَت فيها اهدافها، "كدمقرطة" العراق، و"تحريره" من ديكتاتورية نظام صدام، والقضاء على "اسلحة الدمار الشامل"... الخ من الشعارات، كانت من الهشاشة، لدرجة انها هي نفسها نقضتها في اكثر من مرة، واشهرت بوضوح ان الهدف المركزي، هو غزو العراق، وتأمين سيطرتها المباشرة على منابع النفط العراقية، متجاوزة مجلس الامن، وكل الاطر والهياكل الدولية التي كانت ستعرقل او تحول دون تنفيذ او تأمين الغطاء لهذا الغزو.
وقد عبرت الادارة الاميركية بشخوص رئيسها ونائبه، ووزير دفاعها ومستشارة الامن القومي بجلاء عن حقيقة انه لم يعد لدى الادارة الاميركية حلفاء، او قيود ذات طبيعة دولية تمنعها من تأمين مصالحها الاستراتيجية في العالم، ولو على حساب من كانوا جزءاً من منظومتها التحالفية. فوقائع العالم الجديد، حوّلت حلفاء الامس الى اخطار استراتيجية تمس وبصورة متصاعدة المجال الحيوي لما تعتبره اميركا مجال هيمنتها المطلق.
هذا السلوك العدائي، غير المسبوق في تسويق السياسات والاهداف يشعل اكثر من ضوء احمر حول مستقبل النظام العالمي في ظل مظهر السياسة الامريكية الجديد، تجاه مكانتها واطماعها واهدافها الاستراتيجية في العالم. ونقول مظهر السياسة الاميركية، لأن جوهر السياسة الاميركية لم يتغير منذ اكثر من نصف قرن، وان اضطرت نسبياً الى مراعاة مصالح بعض الدول الحليفة في مرحلة الحرب الباردة، والتوازن الدولي. وفيما عدا ذلك كانت منغمسة كلياً في اعمال دموية وارهابية في اميركا اللاتينية وافريقيا، وجنوب شرق اسيا والشرق الاوسط، ادت الى اسقاط انطمة منتخبة وابادة الالاف من المواطنين والمكافحين ضد الطغم الحاكمة، والموالية للولايات المتحدة الاميركية من التشيلي حتى ايران، تنفيذاً لوصية الرئيس الاميركي هيربرت هوفر:" اذا ما اريد للولايات المتحدة الصمود والبقاء، فان من الضروري اعادة النظر في المفاهيم الاميركية القديمة نحو العدالة.. علينا ان نتعلم كيف ننظم الانقلابات ونخرب وندمر ونقضي على اعدائنا". الانعطافة البارزة في مظهر السياسة الاميركية الجديد، تعود اذاً، الى مجموعة من التطورات الدولية، باتت تؤرق وبصورة جدية السياسيين والمحللين الاستراتيجيين للمجمع الصناعي الاميركي بشقيه العسكري والمدني، والطغم المالية المتعولمة، والشركات الاميركية فوق القومية، حول مصير الهيمنة الاميركية خلال الحقبة المقبلة ومصير مفهوم "المنطقة الكبرى" التي حددت عام 1941 باعتبارها اساساً لبناء اقتصاد عالمي واحد تهيمن عليه الولايات المتحدة.
هذه التطورات الدولية صارت بحاجة الى معالجة جذرية وشاملة من قبل الولايات المتحدة. ولا يمكننا في هذا المقال، سوى الاشارة بعجالة الى هذه التطورات واهمها: تنامي الحدود الجغرافية والدور السياسي والاقتصادي للاتحاد الاوروبي، الباحث عن دور مواز للولايات المتحدة، والذي يملك بوجود روسيا الاتحادية احتياطياً هائلاً من النفط والغاز الطبيعي، الى جانب سوقة هائلة الاتساع، تعاظم التطور الاقتصادي الصيني، وخط تحول الصين الى قطب دولي يجر جنوب شرق آسيا.
ازدياد الاعتماد على النفط والغاز الطبيعي، نتيجة عدم مقدرة التطور التكنولوجي على تجاوز حاجته لهذه الثروة الطبيعية. وتزداد هذه الحاجة الحاحاً، اذا علمنا بأن الولايات المتحدة استوردت عام 1989 ما يعادل 45% من نفطها من الخارج، وانها بناءً على بعض الدراسات ستضطر لاستيراد 65% منه بحلول نهاية التسعينات، مع العلم بأن 40% من العجز الاميركي لعام 1989 نجم عن الواردات النفطية. ناهيك عن الركود الاقتصادي ومحاولة انعاشه من خلال اعادة تنشيط بعض القطاعات وعلى رأسها المجمع العسكري الصناعي. وبهذه الحرب الاستعمارية الجديدة، سيئة الاخراج، تكون الادارة الاميركية قد وضعت مبدأ كارتر الذي اعتبر النفط، واسعاره، وسهولة الوصول اليه، خصوصاًَ نفط "الخليج الفارسي" مادة من مواد الامن القومي ومن اجله فان الولايات المتحدة مستعدة لاستعمال كافة الوسائل والسبل لحمايته بما في ذلك اللجوء الى استعمال القوة موضع التنفيذ.
تصدير "الدمقراطية"
لا شك في ان الولايات المتحدة، وللمرة الثانية، بعد افغانستان، وخلال اقل من عام، اختارت هدفاً سهلاً للصيد. ومن الواضح ان جُل اهدافها في المنطقة، منطقة الشرق الاوسط، اهدافاً سهلة نسبياً، يمكن تبرير الهجوم عليها من اكثر من مدخل. فبعد اسقاطها لنظام طالبان الظلامي وشريكه تنظيم القاعدة، اللذان مثلا هدفاً معزولاً يمكن سحقه دون اية تداعيات او ممانعات دولية او اقليمية بسبب عزلتهما، جاء دور العراق بلائحة اتهام جاهزة، كان اقلها، شكل النظام السياسي القائم على الفرد او العائلة يدعمهما "اكسسوار" الحزب القائد، حزب البعث.
ومن المفارقات ان هذا النظام كان هو ذاته، وبكامل طاقته الاستبدادية في الثمانينات، حين خاض حربه على ايران، وحين امتلأت المقابر والسجون والمنافي بالمعارضة السياسية، على اختلاف مشاربها وبرامجها. في تلك الفترة بالذات لم تكن عورة الاستبداد والقهر والدكتاتورية تؤرق القابعين في البيت الابيض، بل على العكس تمتع النظام العراقي بالدعم السياسي والدبلوماسي، وفتحت له مخازن السلاح الامريكية الاوروربية، الى جانب المعلومات الاستخبارية والاقمار الصناعية التجسسية لإضعاف النظام الايراني الجامح لتصدير ثورته على منطقة تُعد "كغرفة نوم" للولايات المتحدة ناهيك عن دعمها التقليدي لانظمة عربية لم تفارق النظام البطرياركي، ولم تتقدم حتى من الناحية الشكلية تجاه مظاهر الحياة السياسية المدنية، "عجقة" الاحزاب والايديولوجيات.
لقد استنفذ النظام العراقي عمرة الافتراض؟، وصار عبئاً وكابحاً للخطوات اللاحقة وفي قلبها خطة الاحتلال المباشر للعراق، والذي لا يمكن ان يقوم الا على حطام النظام العراقي، تماماً كما استنفذ ابن لادن الضرورة التاريخية الامريكية لوجوده، والتي اسفرت بامتياز عن استباحة مطلقة وشاملة للعالم تحت يافطة مكافحة الارهاب.
والان، وبعد السقوط المخجل للنظام العراقي، امام قوات الاحتلال الامريكي- البريطاني هذا السقوط الذي لم يكن مفاجئاً الا من حيث سرعته المذهلة، تبدأ الاسئلة الحقيقية وتوضع امام قوات الاحتلال الامريكي اصعب الجوزات للكسر، فالوجود الامريكي- البريطاني، وطبقاً للقوانين والمعايير والاخلاق الدولية، وجود احتلالي، وبهذا المعنى تسقط عنه القيم الانسانية الاساسية، بما في ذلك مفهومي الحرية والاستقلال، وهما الشرطان الرئيسان لولادة وممارسة اي دمقراطية بالمعنيين السياسي والاجتماعي، ولهذا فان المهمة الدماغوجية، التي تحاول الادارة الامريكية وحليفتها بريطانيا انجازها في انشاء نظام سياسي "دمقراطي" تعددي لن تكتب لها النجاح على الاطلاق مهما اخرجت الالاعيب من جراب الحاوية. ليس لان الدمقراطية والاحتلال لا يلتقيان فحسب، بل ، ولان الادارة الامريكية لن تجازف بترك الشعب العراقي، الذي يعيش فعلياً مرحلة التحرر الوطني، ان يقرر بنفسه شكل النظام السياسي الملائم لتعدديته الدينية والاثنية والسياسية. فمن شأن هذا ان يقوض وعلى المدى المنظور اهداف الاحتلال الامريكي، بل وانها وعلى العكس ستسعى الى تعميق حدة النزاعات والصراعات لتضمن تشتيت واضعاف قدرة الشعب العراقي على انجاز مهمتها الرئيسية، كنس الاحتلال واستعادة سيطرته على ثرواته الطبيعية. ولعل التصريحات التي اطلقها وزير الدفاع الامريكي "رامسفيلد" عن ان الشيعة في العراق هم عرب وشيعة ايران من الفرس في تحذيره لتدخل ايراني معادٍ للاحتلال الامريكي، يعطي اشارات واضحة حول السياسة اللاحقة للادارة الامريكية في العراق. فالامريكيون يدركون مع غيرهم، التعقد التاريخي الشديد للوضع الاثني والديني في العراق وصعوبة ضبطه من خلال سلطة وطنية مركزية واحدة، لذا سيكون من غير المكلف ان تبقى على هذه التناقضات حية. ولكن تحت السيطرة وبطريقة لا تهدد قدرتهم على التهام كعكة النفط دون غصة.
فالشيعة في مواجهة السنة ان لزم الامر والاكراد ينقسمون. وفي مواجهة التركمان وتركيا اذا تمادى الاكراد مستقبلاً في اعادة انتاج حقهم في منطقة الموصل وكركوك ونفطهما، والحركة السياسية اصيلها وخداجها تنافر متزاحمة ولم يعتد معظمها على الانتقال من منبرية الشتات الانيقة الى عجيج العراق بتناقضاته.
هذا التمويه القبيح للعبودية، المشفرة باسم الدمقراطية، بات مبتذلاً وعارياً تماماً امام الجرائم البشعة التي ارتكبتها الادارات الامريكية المتعاقبة، منذ الحرب العالمية الثانية على اقل تقدير تحت هذا العنوان. وبامكان اي مواطن عالمي ذي ذاكرة متوسطة ان يتلو علينا عشرات الجرائم التي قامت بها اذرع الولايات المتحدة المنتشرة كالاخطبوط في كل بقاع العالم،والجديد في جرائم اليوم انها نزعت قناعها وصارت تمارسها علناً، وباستهتار شديد، ويكفيك فقط ان تطلع على جزءٍ من ملف عمليات المخابرات الامريكية التي اخرج عن سريتها لتقادمها.
ولم تكتف الادارة الامريكية الحالية بالاستكمال العلني لما كانت تقوم به الادارات الامريكية السابقة سراً في العالم، بل وامتدت تعدياتها على الدمقراطية وحقوق الانسان الى الولايات المتحدة نفسها من خلال الاجراءات البوليسية والعنصرية تجاه الاقليات والتي تنذر باتساعها لدرجة ستبدو فيها الحملة الكارثية سيئة الصيت مجرد مزحة. ويبدو ان النسخة المتوحشة للرأسمالية الامريكية تستكمل اليوم، بعد مصادرتها للامتيازات الاجتماعية، مصادرة الجانب المعنوي والحقوقي، الذي طالما كان مدفعيتها الثقيلة في وجه "الاستبداد الشيوعي".
ان "الدمقراطية" الامريكية لا تفعل في الحقيقة سوى خلق اعداد جديدة تضاف الى جيوش الساخطين على عربدة الولايات المتحدة الامريكية، واستهتارها بكل القواعد والمعايير والاعراف الدولية، وهذه المرة بمشروعية شعبية وسياسية ستجعل من مقاومة "الدمقراطية" الاميركية عملاً كفاحياً، وستتحول هذه المقاومة، بالضرورة الى ايديولوجيا للتحرر والمقاومة لدى الشعوب الخاضعة لحقن "الدمقراطية الامريكية".
عن موقع الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة
http://www.aljabha.org/





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,161,693,236





- السلطة الفلسطينية تسلم واشنطن أمريكيا مدانا ببيع أراض للإسرا ...
- نابولي يهزم لاتسيو ويواصل مطاردة يوفنتوس
- قصف -قاعدة العند- اليمنية... اختراق للتحالف أم تفوق لـ-أنصار ...
- سر برودة أطرافك في الشتاء... 6 أشياء يجب أن تعرفها
- الرئيس المصري يتلقى اتصالا هاتفيا من نظيره الفرنسي
- قوات العمالقة تتهم -أنصار الله- بقصف مواقعها في الحديدة
- وزير ألماني: لا نملك سند قانوني لوقف تنفيذ خط غاز -التيار ال ...
- مرشحة للانتخابات الرئاسية الأمريكية: لست نادمة على لقائي الأ ...
- مظاهرة -حمراء- في بيروت تزامنا مع القمة العربية
- رئيس مجلس النواب المصري: أمن الخليج خط أحمر


المزيد.....

- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى
- الأمر بالمعروف و النهي عن المنكرأوالمقولة التي تأدلجت لتصير ... / محمد الحنفي
- عالم داعش خفايا واسرار / ياسر جاسم قاسم
- افغانستان الحقيقة و المستقبل / عبدالستار طويلة
- تقديرات أولية لخسائر بحزاني وبعشيقة على يد الدواعش / صباح كنجي
- الأستاذ / مُضر آل أحميّد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - حيدر عوض الله - الدمقراطية المتوحشة