أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - ياسين النصير - الثقافة والمرحلة العراقية















المزيد.....



الثقافة والمرحلة العراقية


ياسين النصير

الحوار المتمدن-العدد: 1628 - 2006 / 7 / 31 - 11:31
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


1
لن ندخل في تصنيف من هو المثقف ومن هو غير المثقف في المرحلة العراقية الحالية، ولن ندخل كذلك في هوية الثقافة العراقية وماهيتها، كما لا نحاول أن نسجل انطباعا تفرضه طبيعة المؤتمر الذي تقيمه مشكورة لجنة دعم الديمقراطية في العراق عن الثقافة والدستور، بل نحاول أن نثير أسئلة جوهرية نراها في هذه المرحلة مهمة وذات نفع عام - وقد تتغير هذه الأسئلة في مرحلة أخرى - عن مفهوم الثقافة التي نريدها في عراق المستقبل، والتي على الدستور أن يضمن وجودها ضمن سياقات مفهوم شامل للثقافة يجعل من بنية المجتمع العراقي بأناسه وأشيائه ومكوناته كلها خاضعة لعملية تطورية مستمرة، عملية بناء وهدم في آن واحد. وعلى سعة هذه المهمة وخصوصيتها معاً تبرز الحاجة لوجود نظم معرفية قانونية تحمي الثقافة من التلاعب بمصادرها ومقوماتها. كما لم ندخل في تشخيص حجم الدمار الذي لحق بالثقافة والمثقف العراقيين نتيجة السياسة التي انتهجها البعث في العراق، فقد أصبحت النتائج معروفة لكل مراكز البحث في العالم. ولكن قبل أن أدخل في الموضوع علي أن أعيد مقولة سبق وان قلتها وتأكدت صحتها في ما جرى على الساحة العراقية والعربية إن لم نقل على الساحة العالمية، تلك هي مقولة " المرحلة العراقية" التي تكونت ملامحها بعد 9 نيسان عام 2003، وأن على لجنة صياغة الدستور أن تراعي وبوضوح مهمة الثقافة ومؤسساتها في ضوء هذه المرحلة المعقدة. أعني بالمرحلة العراقية أن العالم يمر الآن بما يسمى بمرحلة تسييس العولمة وإن تقدمت أحداث 11 سبتمبر عليها بعامين تقريبا، وتشكل حسب رأي الكثيرين مرحلة الحرب العالمية الثالثة، وما حدث في أفغانستان ليس إلا التمهيد لها. أن توجهات عولمة العالم تتطلب ديمقراطيات تراعي خصوصياتها المحلية وتركيبتها السكانية والاجتماعية خاصة في منطقة ما تزال مغلقة على العالم كمنطقتنا العربية التي تنتج تنظيمات إرهابية لا تخص منطقتها فقط، بل المشروع الحضاري الإنساني كله. إذن فمرحلة تسييس العولمة في جوهرها ذات طابع ثقافي عالمي وإن كانت ماديتها وتنفيذها يتم على أرض العراق.. المحرك الفعلي الدولي للمرحلة العراقية يربط هذه الحرب بمصادر الطاقة والديمقراطية والتعددية ونهاية لنزاعات إقليمية، وهي مصادر تشغل العام كله لكن المحرك الداخلي لها يربط هذه الحرب بعوامل تغيير بنية السلطة في جوانبها القومية والدينية، وهو أمر يستوجب التوقف عنده عندما يراد صياغة دستور جديد للعراق. فقد مر العالم بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية بمرحلتين كبيرتين هما: المرحلة اليابانية وكانت موجهة لشرق أسيا بعد سلسلة من حروب كونية هناك. والمرحلة الألمانية كانت موجهة لأوربا أدت إلى هزيمة الفاشية في العالم. ولم تكن بنية الاتحاد السوفيتي ودول المعسكر الاشتراكي بكل نجاحاته وإخفاقاته إلا التنوع الجدلي على هاتين المرحلتين. من المفارقة القول أن المرحلة اليابانية شكلت ملامح الدولة القومية عندما شهدت المرحلة نهوض الثقافة القومية القديمة وتحويلها إلى سلاح فعال ضد الثقافة الأمريكية وذلك بالعودة إلى التراث والثقافة الشعبية والتقاليد وعصرنتها بما يتلاءم وسياق الحداثة في مجتمعاتهم. فنزعة الثقافة القومية لا يمكن أن تكون فاعلة إلا إذا كان ثمة مؤسسة تنهض في داخلها عوامل قوتها التي تحفظ لليابان هويتها وفي الوقت نفسه تؤسس لها تقاليد وأعراف جديدة يمكنها أن تشكل لها ميزة بين الثقافات. فالنزعة اليابنية كانت نزعة تحد برزت في الصناعة والثقافة. في حين أن المرحلة الألمانية شكلت بداية لانهيار الدولة القومية. إن من يقرأ تاريخ هذه الشعوب يجد أن الحس القومي جزء من بنيتها ولكن ليس بإيديولوجية قمعية كما كانت الفاشية تفكر، ثم أن المستوى الثقافي والسياسي المتقارب جعل هذه الدول تنتقل وبسرعة إلى التنظيم الجماعي في نموذج الوحدة الأوربية دون أن تفقد خصوصيتها القومية والدينية لتتقارب في مشروعاتها ومؤسساتها وبنيتها الثقافية مما يجعل فكرة التنازل لفئة أو إقليم أو مقاطعة عن بعض الامتيازات التي تتمتع بها السلطة المركزية مقبولا ومستساغا وطبيعيا.وهو ما حدث في بريطانيا وأسبانيا وألمانيا. فما زال الحس القومي يشكل قاسما للكثير من الأحزاب الأوربية ممثلا بتقوية الجيوش الوطنية وتحديث الترسانة النووية والهيمنة الاقتصادية، ومن ثم تجديد الثقافة الأوربية الحديثة.
أما المرحلة العراقية فهي أخطر من المرحلتين: اليابانية والألمانية، ومن يتتبع السنوات الثلاثين الماضية يجد العراق قد دخل في حروب إقليمية مع جيرانه قبل أن نصل إلى المرحلة الحالية، وهو ما يشابه الحروب التي دخلتها اليابان وألمانيا قبل الحربين العالميتين. كما أن المرحلة اليابانية والألمانية بعد هزيمتهما اعتمدتا على قوى أجنبية في التغيير الذي حدث فيهما، وهو الأمر نفسه لما نشهده من تغيير في المرحلة العراقية الحالية عندما استعانت قوى التغيير بالقوى الأجنبية. ولننتبه إلى هذه النقطة جيدا، فنتساءل ما هي قوى المجتمع العراقي الذي تعتمد عليه القوة الأمريكية في التغيير حاليا؟ فثمة تغيير جرى على تركيب وطبيعة القوى العراقية التي اتفقت مع الأمريكان قبل 9 نيسان 2003 على التغيير حيث فرزت الانتخابات قوائم جديدة لا تمثل كل مصالح وفئات المجتمع العراقي. لذا لا نجد قوة معينة تتفق مصالحها مع القوة المحتلة إلا في شرائح ضعيفة منها، وهذا يعني أن الاتفاق على التغيير الذي تم في 9 نيسان عام 2003 كان يحمل جدله في داخله، وهو جدل يكمن في القرارات المفاجئة التي ستطرحها القوى الأكثر حضورا في الساحة العراقية مستقبلا. وهي قوى دينية في الأغلب مصحوبة بتأثيرات إقليمية، وهو ما يجعل القوى المحتلة التي حررت العراق في وضع غير متوازن ما بين متطلبات التغيير نحو الديمقراطية ومتطلبات التوازن الإقليمي التي تؤثر وبوضوح على الوضع الداخلي في العراق. فعندما غيبت عن عمد الحلول الداخلية المستشرفة لآفاق المستقبل العراقي التي كانت تطرحها القوى الديمقراطية واللبرالية، وبرزت بدلا عنها أسلحة الدمار الشامل كجزء من خطر النظام السابق دوليا استوجب دخول تحالف دولي لتحرير العراق، في حين أصبح خطر النظام العراقي الداخلي على شعبه وثرواته وما سببه من تدمير لبنية العراق ثانويا في السياسة التي اتبعتها قوى الاحتلال. وشكل هذا الخلل الإيديولوجي لقوى الاحتلال بنية مؤسساتية متأرجحة بين حاجات المحتل الآنية لحفظ الأمن، ومتطلبات المجتمع العراقي الآنية. وهو ما يسبب خطرا على الثقافة التي سنتحدث عنها بوصفها مكونا شاملا لكل بنى المجتمع، وليست خاصة بفئة اجتماعية دون أخرى.
في المرحلتين اليابانية والألمانية ثمة مقومات اجتماعية وتنظيمية وثمة تماسك طبقي وعلمي وقومي واجتماعي وثقافي قائم قبل الاحتلال مهد لما بعد الاحتلال للاستقرار ومضي العملية الاقتصادية بسلاسة وتقبل من قبل عموم الشعب. أما في المرحلة العراقية فليس من مقومات بنائية للمجتمع العراقي بقيت متماسكة، لا طبقات ولا أحزاب ولا قوميات راسخة ولا بنية اقتصادية ولا بنية ثقافية، نحن نعيش في مرحلة متخلخلة وغير مترابطة، ليس بسبب سياسة النظام السابق وحده، بل إن الخلل يعود أيضاً للتركيبة الهشة للمجتمع العراقي الذي لا تقوم بنيته على المؤسسات وإن كانت ثمة نواة لها في العهد الملكي، ممثلة بالطبقة الوسطى التي انهارت بفعل الأنظمة الشمولية التي أعقبت تلك المرحلة. ثم جاء الاحتلال ليقضي على البنية التحية لها. وعلى الأمريكان أن يفهموا أن سياستهم في العراق قد تتعرض إلى انهيار كامل إن هم غيبوا البنية المؤسساتية العراقية فعندما تتعرض السياسة الأمريكية في العراق إلى خلخلة عن طريق الإرهاب، يعني أننا نسهم من خلال هشاشة بينة المؤسسات عندنا في فشل المرحلة العراقية عالميا. وبهذا الفشل ستكون ثمة عودة للأنظمة الراديكالية الإسلامية والدكتاتورية، ولكن هذه المرة ليس في العراق فقط بل في دول عربية وإسلامية عدة. لذا علينا كعراقيين أن نعي تماما أننا نسهم في حال عدم إشاعة الثقافة الديمقراطية بأطرها العالمية لا المحلية أن نتحمل فشل المشروع الحضاري كله. وهذه مهمة غير منظورة كما أرى في برامج الأحزاب المؤتلفة في الحكومة الحالية، ولا في الدستور العراقي. بمعنى آخر فمن اجل إنجاح المرحلة العراقية عالميا علينا أن نتفهم ثقافيا أننا في مرحلة بناء وانهيار في آن معا. وأن هذه المرحلة المعقدة لها ثقافتها المرحلية التي قد تتداخل فيها ثقافات دول تسهم في بناء العراق. وعلى الدستور أن يضمن تقدم التجربة لا انهيارها بإعطاء أهمية لثقافة المشاركة العالمية في مكافحة الإرهاب داخل العراق وخارجه.لتسند الثقافة العراقية. فالمرحلة العراقية مرحلة المصاهرة بين الثقافات لا ثقافة قومية مثل الثقافة اليابانية ولا ثقافة معلوماتية مثل الثقافة الأوربية، بل ثقافة تتداخل فيها كل المكونات العالمية والمحلية، ثقافة تحتاج إلى دراسات عدة لتبيان ملامحها وآفاقها المستقبلية.
ولنتسع أكثر في الحديث عن خصائص المرحلة العراقية؟
1- يشكل الموقع الجغرافي للعراق أهمية عالمية، فالعراق يمثل سرة العالم العربي قديما وحديثا، في جانبيه الديني والاقتصادي حيث ما يزال البؤرة المولدة لكل استهلال اقتصادي وخاتمة في العالم. فيشكل التعامل الدولي معه بؤرة تنوير كبيرة، كما تشكل بنيته الداخلية نموذجا لحوار حضاري متكافئ وجديد فيما لو فهم الجميع هذه الجدلية. للعراق امتداد حضاري وتراثي في الكثير من بلدان الجوار، ولا يوجد بلد من بلدان الجوار له امتداد حضاري في العراق. فللعراق امتداد حضاري في تركيا خلال الدين والرافدين والحضارة القديمة، ولا تجد لتركيا امتداد في العراق غير أن يكون ثمة جالية تركمانية لا تعود إلى تركيا بل للعراق. وللعراق امتداد في إيران دينيا وثقافيا وحضاريا ولا تجد للحضارة الفارسية العظيمة امتداد لها في ثقافة العراق. كما لا توجد جالية فارسية في العراق. وقل ذلك بشان كل دول الخليج وسوريا ولبنان ومصر. يعطينا هذا البعد الحضاري قوة ثقافية متينة كي نتحرك على عمق ثقافي عريق يجعلنا دولة غير هشة و قابلة للانكسار.
2- فرزت الانتخابات الأخيرة في العراق نزعة غير ثقافية تلك هي البحث عن هوية للعراقيين بعد إن كانت هويتهم السابقة قومية أو سلطوية أو حزبية، فالعراقي ونتيجة التغييب المتعمد لهويته الداخلية بتغييب بنيته السكانية وتغييب تنوعه وتعدده فضل أن يكون في أول انتخابات له باحثا عن عشيرته وطائفته وقوميته قبل طبقته أو انتمائه الإيديولوجي، وما تزال هذه الهوية تلقى الكثير من عدم الفهم لا بالنسبة للنخب السياسية التي فازت بناء على الهوية، ولا بالنسبة لمراكز البحث التي يمكن أن ترشدنا للمعادلة التي غيرت سياقات الانتخابات وفرزت قوائم فيها من الطائفية والقومية والعرقية والدينية أشياء كثيرة. نتائج هذه الوضعية المتخلفة سنلمسها قريبا في طبيعة سن القوانين للدستور الجديد التي تؤكد هوية الفئات قبل هوية الوطن.
3- ومن خصائص المرحلة العراقية الجديدة أن ما حدث في العراق بعد سقوط الطاغية لا يسمى ثورة ولا انقلابا ولا تصحيحا، بل يسمى تغييراً عن طريق الاحتلال، بمعنى أن وجود اتفاق بين قوى دولية وقوى محلية على التغيير هو جزء من بنية المرحلة العراقية عالميا، هذه البنية التي تقوم على توافق قوى مختلفة من أجل أحداث تغيير ما في منطقة من العالم يصب في مصلحة كلا الطرفين دون أن يعني الاتفاق الكامل بين القوتين... وهو على العكس مما رأيناه في عام 1989 في انهيار الدول الاشتراكية بهبات شعبية فاجأت حتى الغرب، وعلى العكس مما رأيناه في الأرجنتين أو الدومنيكان، عندما لم تجد تلك الحركات سندا عالميا، أو ما نراه الآن في جورجيا ولبنان، بالتوافق بين الهبة الشعبية ومتطلبات الحدث المحلي. بينما ما رأيناه في رومانيا وهي تسقط شاوشيسكو تحول من هبة شعبية إلى تنظيم للشارع. نحن في العراق لم تكن هناك هبة شعبية، الهبة الشعبية عام 1991 قمعت من قبل النظام وأمريكا معا عندما وجدا توافقا في مصالحهم مع أنهما أعداء. فما حدث في العراق كان زحف دبابات أجنبية لتحدث تغييرا بعد أن يأس الحكم من الاستمرار، وبعد أن أصبحت قوى المعارضة مهيأة لاستلام السلطة، وهي المرحلة الناضجة كما يسميها لينين. هذه المزاوجة بين القوى المحتلة والقوى الداخلية مهدت للانتخابات وحدث أن تحكم الشارع غير الديمقراطي في منهجية الديمقراطية التي يريدها الاحتلال. هنا بدأ شيء من خلخلة المفاهيم: هل أن الأحزاب المؤتلفة تريد حقا الديمقراطية لكل العراقيين؟ لو كانت كذلك لفعلت على صيانة التغيير لا على أحداث ثغرات مهلكة فيه من أجل أن يكون الحكم محاصصة؟. وهل أن أميركا بقيت على قرارها بإحداث التغيير من أجل الديمقراطية دون أن تستعين من أجل تهدئة أوضاعها بقوى غير ديمقراطية؟ اشك في ذلك فطروحاتها الآن بعيدة عن الديمقراطية، عندما تحولت إلى مكافحة الإرهاب أولا، فحولت أموال المانحين إلى الأمن وليس إلى العمران. وهذا يعني أن مرحلة العراق الحالية ستستمر لسنوات قادمة قبل أن ينمو الحس الوطني المضاد للحس الطائفي والقومي من جديد.
4- من خصائص المرحلة العراقية، أن لا وضوحا تاما في هوية النظام السياسي في العراق، هل هو عراق فدرالي ديمقراطي تعدد تبادلي أم جمهورية إسلامية تسير على خطى جمهورية إيران الإسلامية؟. ولا حداثة محددة الملامح سوف تبنى في هذا المجتمع.، هل هي حداثة تأخذ بشرائح المجتمع وتجديد التعليم فيه وبناء الإنسان العراق أم تحديث بشراء آلات وتقنيات حديثة بينما تبقى البنية الفكرية والثقافية متأخرة؟ فمن حيث النظام السياسي مستقبلا أن لا تقوم أية دولة في منطقة الشرق الأوسط عربية أو إسلامية على البعد القومي أو الديني. وهذا يعني أن تحرير العراق تتحول مستقبلا إلى حرب في العراق، كما أن أمريكا ليست مهتمة بالمشروع ألتحديثي العراقي بقدر اهتمامها بمشروعها الشرق أوسطي الكبير الذي أصبح بعد نهوض الفاشية الدينية الأصولية - أبن لادن والزرقاوي- في الإرهاب في خبر كان. فشل المشروع القومي في الحداثة ليس داخليا فقط بل وعالميا.وفشل المشروع الديني في الحداثة هو الآخر قديما، حيث أن نمط الدولة القومية التي شاع بعد الحرب العالمية الأولى لم يعد موجودا، إلا بحدود أن يكون تراثنا أنصاب طين كما يقول السياب. كما أن نمط الدولة الدينية لا يسمح القيام بالحداثة والفكر السلفي التنويم ما يزال يملأ شوارع المدن العراقية ومساجده وحسينيات، فدولة إيران ليست نموذجا يحتذي به عالميا فقد جيّرت التطور للنظام السياسي بولاية الفقيه، وهذا يعني أن مشروع الحداثة التي تنادي به الأطياف القومية والدينية والطائفية، وهي التي فازت بالانتخابات يعاني العزلة، وقد يحسب البعض الحداثة خروجا يستوجب مكافحتها.
5- ومن خصائص المرحلة العراقية أن لا يمين في أنظمة الحكم المقبلة ولا يسار، بل تيار وسط يقود كل الأجنحة. وعلينا أن ندرك أن الطبقة الوسطى في العراق والتي يقع عليها مشروع التحديث غير منظمة، بل وجرى تغيبها من قبل كل الأحزاب اليمينية واليسارية، فقد جعلهم الفكر الماركسي برجوازية صغيرة ملحقة بالعمال والفلاحين، وجعلهم الفكر القومي شرائح لا هوية لها غير الجيش والأمن والمخابرات والصناعات الخفيفة وملكية الأراضي، وهذه نقطة سبق وان كتبنا فيها عدة مقالات وجدت صدى لدى بعض المعلقين. تحتاج اليوم إلى إعادة نظر جوهرية فالطبقة الوسطى العراقية خيمة تظم في داخلها شرائح من المثقفين والصناعيين والتجار والموظفين وملاكين وأصحاب رؤوس الأموال الوطنية والخبرات التقنية ولذا فهي عماد الحداثة المشفوعة بمشروع نهضوي يقوم على مكونات المجتمع العراقي كلها، القديم منها والحديث. وعلى الدستور أن ينتبه لفاعلية الطبقة الوسطى لا إلى الفاعلية القومية والدينية والطائفية فيسن لها القوانين التي تضمن نموها وتطورها.
2

فيما يخص الفقرة الثانية من ورقتي هذه والخاصة بالبنية الثقافية فلن أتحدث في هذه المقالة عن ما يريده المثقفون من الدستور فقط، فقد تحدث ويتحدث في هذا الموضوع الكثيرون، ولكني أحب أن أتحدث أيضاً عن الكيفية والآلية التي نفهم فيها الثقافة الوطنية وعلاقتها بالثقافة الدستورية. وهي نقطة جوهرية.
وأود في البداية أن أشرح وبشيء من التبسيط مفهوم الثقافة.
هناك ثلاث مكونات للثقافة.
1- المكون الأول لمفهوم الثقافة هو: الثقافة الأنثروبولوجية أو ثقافة الإناسة كما يسميها ليفي شتراوس ويطلق على الثقافة الانثربولوجية الثقافة التأسيسية وميدانها هو " المجتمع" كله ومادتها هي "الجماعات" وليس الأفراد، وإن مكانها الواقع كله الطبيعي منه والمتخيل، وفي العراق الذي يمتاز ببيئة متعددة الأشكال تصبح للبحر ثقافته ولماء الأنهر ثقافتها وللصحراء ثقافتها وللجبال ثقافتها وللسهول ثقافتها وللزرع ثقافته وللصيد ثقافته وللنفط ثقافته وأن لها نظما معرفية غير قابلة للتغيير السريع أو المفاجئ، وقد تتشابه هذه النظم مع غيرها في مجتمعات أخرى، لكنها تحتفظ بخصوصيتها وقد تكون عرضة للتغيير الداخلي لكنها في عمومها تتفق وتختلف مع اختيارات أخرى. أحد ميادينها هو العلاقة بين اللغة والممارسة اليومية للناس في طقوسهم وأكلهم وشربهم وجنسهم وعملهم. ويهمنا هنا هذا الجانب من المفهوم الانثروبولوجي الذي نتعامل معه، أي الجانب المؤسساتي غير المنظور لمستعمليه. فالثقافة الانثروبولوجية في مفهومها المتسع والكبير تشمل العلاقة بين مكونات عدة منها: العلاقة بين التراث وطقوس الناس اليومية، بين الثقافة الحضارية والتقاليد والعادات التي نشأت عنها، بين النظم الشفهية والحكايات التي تحفظها، بين الصناعات الشعبية والأزياء واللغة المحكية والشعر والرقص والأمثال المتولدة عنها.كما تشمل الثقافة الانثروبولوجية ثقافة البعد الجغرافي ودلالته في الصلة بين الشعوب والنقل منها والتأثير فيها، وثقافة المياه بأنواعها النهرية والبحرية العذبة والمالحة، المطر والينابيع، ثقافة الصحارى بأشعارها وعاداتها وحروبها وغزلها وغزوها وهزيمتها، وتشمل ثقافة الزرع والصيد، والعمل..الخ. وهذه النظم المعرفية الشعبية متوارثة المتداولة عبر أجيال وأزمان ليس من السهل حصرها أو تشخيصها في مثال أو مثالين، ولكني أشير هنا إلى أنها تتبع التنوع الذي هو عليه العراق: التنوع الديني والقومي والجغرافي والطبيعي واللغوي. ولذلك تمتلك عموم الثقافة الانثربولوجية خصائصها الكلية بوصفها نظما معرفية عالمية، وتملك في الوقت نفسه خصائصها المحلية القومية والدينية والجغرافية بوصفها جزء من مكونات المجتمع العراقي.
2- المكون الثاني لمفهوم الثقافة، هو الثقافة المؤسساتية : وهي تلك المعايير المشكلة لنظام العقل والسلوك في المجتمع التي تشكل آليات الهيمنة من خطط وقوانين وتعليمات وتنفيذ وممارسات والتي تقترب في مفهومها العام من مفهوم البرمجة في علم الكومبيوتر. ومهمتها هي التحكم بالسلوك الاجتماعي العام والفردي، الفكري والثقافي، وتهيئ وسائل التعليم بكل فروعه كالمدارس والمعاهد والجامعات، ثم الثقافة المتخصصة بفروع المعرفة وميادينها الكثيرة التي تخص الصناعة والزراعة وعما يطلق في جانب منها ثقافة إنتاج المجتمع وعلى جانب آخر ثقافة مؤسسات المجتمع المدني. وتتطلب كل هذه المؤسسات وسائل أعلام لتنفيذ برامجها كالصحافة والتلفاز والانترنيت، ومؤسسات الفنون والصحافة والإعلام والجامعات والمعاهد الخاصة والعامة، بل هي كل ما يتعلق بنظم الثقافة في المجتمع العراقي. حيث التخطيط العام للمناهج على كل المستويات يأخذ بعين الاعتبار الجماعة لا الفرد. وعموم تعد هذه المؤسسة هي الحاضنة لكل الحداثة وهي المشروع المنفتح على المستقبل.

3- المكون الثالث للثقافة: هو الإنتاج الفكري والفني: الأدب والسينما والمسرح والفوتوغرافي والصحافة والنقد والشعر والنتاج الثقافي المتنوع الذي يتسم بطابع الفردية والجماعية.

3

وقبل البدء بالحديث عن ماذا تريد الثقافة من الدستور علينا أن نعرج بنقاط أولية قابلة للتوسع لاحقا عن العلاقة بين ما أسميته بالمرحلة العراقية وشروطها وخصائصها المرحلية، وبين مفهومنا للثقافة العراقية في مكوناتها الثلاثة السابقة.
من متطلبات المرحلة العراقية أن يكون ثمة عراق جديد وتعددي وديمقراطي وفدرالي ويعتمد على فصل السلطات وسيادة القانون وإعطاء كل ذي حق حقه وحفظ حقوق الناس ومساواتهم أمام القانون. ومتطلبات الثقافة أن يكون المجتمع العراقي كل المجتمع بفئاته وقومياته وأديانه وثقافته القديمة ومؤسساته الجديدة هو من يجسد هوية المرحلة العراقية الجديدة.
لو نظرنا للسياسة الثقافية السابقة بخصوص الثقافة القديمة التراثية واللغوية وفي جوانبها المختلفة، نجد أنفسنا في دوامة من الفكر التسلطي، حيث جرى تهميش للثقافة الشفهية فالنزعة الشوفينية كانت وراء هذا التوجه، ولكن ما أن بدأت الحرب حتى احتاجت الثقافة السياسية إلى هذا الخزن الشعبي ليظهروا فيه الرابط الدفين بين اللهجة والتحشيد الجماهيري للحرب، وفي المقابل جرى إلغاء اللغات الأخرى: الكردية والتركمانية والآشورية، وجرى إلغاء دلالاتها الشعبي أيضاً. وفي العمق من هذا التفكير الشوفيني جرى تحوير التراث والتاريخ عندما جعلوا الأكديين والسومريين والبابليين والآشوريين أصلا للشعب العربي في العراق، ثم حدث أن غير صدام حسين بنية التراث نفسه عندما حاول وضع اسمه تحت كل النصب القديمة، بل وان ما شيد في غير عهده وجرى ترميمه وضع اسمه على تلك الآثار. ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، أن من يراجع المجلات والدوريات الثقافية يجد كلمة تتقدم كل مجلة ودورية منسوبة لصدام حسين وكأنه هو الذي يسير هذه الثقافة ويؤكدها كجزء من بنيته العقلية الشوفينية التي تجير التراث لصالح الدولة. يقول لوكا تش أن الفاشية تحاول دائما أن تنسب إليها أجمل ما في تراث الأمة وأكثره معاصرة وتقدمية. فهي تصادر ثقافة الآخر لتنسبه إلى عمقها التاريخي الذي تدعي به. ومن يتتبع مسيرة المسرح والثقافة الشعبية يجد أن مناطق من العراق كثيرة جرى إهمالها حتى أن فلم ثورة العشرين أصبحت أحداثه تدور في تكريت وان الشاعر مهدي البصير الجهوري الصوت والشعر أصبح اخرسا. لا أتحدث هنا عن العادات والتقاليد فقد حاولت الفاشية أن تبتدع لها أعيادا ومناسبات تفوق عدد الأعياد الشعبية ومناسبتها، وهو ما جعل كل طقوس الشيعة محرمة وكل طقوس الفئات الأخرى محرمة أما الصابئة فقد مارسوا طقوسهم خارج أمكنتهم المعتادة. في الجوار من هذا كله لم نجد فلما كرديا يحاكي موروث الشعب في عاداته وتقاليده، ولم نجد فلما تركمانيا ولا فلما آشوريا، وعندما يجري تهجير سكان الأهوار يجري في الوقت نفسه إلغاء لعادات وتقاليد وثقافة أقوام سكنت هذه الأرض المائية، وتذكر المدونات الأكدية إن اصل الحكايات كانت في أهوار الجنوب.وفي الوقت نفسه يجري تسكين الغجر وبناء البيوت والمدارس لهم وهم الشعب الذي له كل بقاء الأرض أوطانا. ثم أين عمق التراث في الحياة الثقافية، التراث بقي محفوظا في المتاحف ومنعت الزيارة له، بل وقلت النشرات التي كانت تكتب عن الآثار، وجرى تبديل أسماء المدن العراقية بما يتلاءم وسياق نزعة الهيمنة الاسمية على المفردة الإعلامية ليصبح كل العراق باسم صدام حسين، بل وان مدنا ألغيت أسماؤها لأن الحزب لا يحب أن يتغنى الناس بأسمائها، مدينة القرنة مثلا المدينة العريقة وملتقى النهرين وصاحبة أقدم شجرة لآدم تتحول إلى صدامية القرنة. أن تغيير خارطة العراق وأسماء أمكنته وانهره هي محاولة لإلغاء تراث شعب تكون عبر آلاف السنين وبالتالي إلغاء متدرج لقيمه الثقافية والفكرية ونزعه عنوة من ذاكرة الأجيال الجديدة، عندما لا تعرف عن تاريخ تلك الأمكنة والشواهد إلا ما يقال عنها في الثقافة السياسية المعلنة.
لذا لا يكفي في الدستور الجديد أن نقول كلاما عاما عن الثقافة، بل علينا أن نؤسس آلية مؤسساتية تعيد للعراق هوية تراثه وتؤسس للأجيال الجديدة ذاكرة ثقافية متسعة وشاملة تعيد ثقافة العراقيين القديمة بأطيافها وأمكنتها وأزمنتها، وأن يكون ثمة منهجية قانونية لحماية العراقيين من التشويه المتعمد بتراثهم وتقاليدهم وعاداتهم وثقافتهم الشعبية وكل ما يتعلق بموروثهم الجماعي، وان يعاد مرة أخرى كتابة تاريخ العراق بعد أن كتب مشوها على يد البعض ممن حرف وغيّر من مسارات التاريخ العراقي القديم والحديث. على الدستور أن يضمن حرية التعبير وباللغة التي يريدها أو اللغة التي تكون مستوعبه لمشروعه الثقافي، وأن تكون هناك مجلات متخصصة بالثقافة القديمة تأخذ العراق كوحدة كاملة وليست وحدة مجزأة أو منفصلة، مع مراعاة الخصوصية المنطقية. واعتبر ذلك مهما لأن الثقافة القديمة وبعد مرور مئات السنين عليها أذابت الآن في بوتقتها الفوارق العرقية والقومية والدينية وأصبحت ثقافة إنسانية تشمل كل العراق بالرغم من وجودها في مناطقه المختلفة.
4
في ما يخص بنية المؤسسات وهي الفقرة الثانية من حديثنا نجد لزاما علينا أن نجد في الدستور الجديد مساحة كافية لبنية مؤسسات المجتمع المدني الثقافية. وأعني أن تكون أسس هذه المؤسسات مغايرة تماما للأسس التي بنيت عليها المؤسسات الثقافية السابقة والحديث عن طريقة بنية هذه المؤسسات تتم على الوجه التالي:
1- مؤسسات الدولة الثقافية.
2- مؤسسات المجتمع المدني الثقافية.
3- المؤسسات الثقافية المشتركة بين الاثنين.
في البدء علينا أن نفكر أن الثقافة الانثربولوجية ليست ثقافة طائفية أو قومية أو دينية فهي أوسع منها تحتويها وترفضها في آن معاً. تجد في الانثروبولوجي كل الثقافات المختلفة شرط أن يكون وجودها ضمن حلقة تطور. فالثقافة الانثروبولوجبة، ثقافة مرشحة من تاريخ طويل من العمل والفعل والنقل والتفكر كي تستمر في كل العراق دون أن تكون مختصة بقعة منه دون أخرى. علينا أن نفكر جيدا أن الثقافة الانثربولوجية ليست شيعية ولا سنية ولا عربية ولا كردية ولا تركمانية ولا آشورية ولا صابئة، بل هي أقدم من كل هذه التصنيفات لذا فهي جمع من كل الثقافات وجدت على ارض تعايش سكانها عبر مئات السنين لينتجوا ثقافتهم الاجتماعية الكلية. وعلينا أن ننتبه إلى أن الثقافة الانثروبولوجية أيضاً ليست قابلة للاستنساخ أو النقل المباشر والسريع، فهي قابلة فقط لأن يعاد إنتاجها بما يجعلها طريقة لاستقطاب الناس لا لتفرقتهم. أن أجزاء منها تتحول إلى كرنفالات ومناسبات وأعياد ثقافية راسخة، في حين إن أجزاء أخرى منها تتحول إلى مناهج رؤية لدراسة مكونات عالمية حديثة.أن الشكل الدرامي لطقوس عاشوراء مثلا له امتداد كما تثبت في الدراسات الحديثة في طقوس وادي الرافدين شانها شأن الكثير من الآيات القرآنية التي تعتمد على قصص قديمة لذا لا بأس أن نجعل وبطريقة فنية من هذه الشعائر تكوينا احتفاليا لكل العراقيين، وليس لفئة دون أخرى حين يتم تحويلها إلى قضية ثقافية تخرجها من طابعها الشعائري البسيط إلى الثقافي العام..
من هنا على الدستور أن ينص صراحة على هذا العمق الذي تذوب فيه الفوارق بين الثقافات الصغيرة، وأن تكون ثمة مؤسسات قائمة على تطوير هذه الثقافات ضمن بوتقة جمعية بما يخدم عموم العراق وليس لثقافة فئة على حساب أخرى، فالشعائر الحسينية مثلا عليها أن تنقل فكر وجوهر الصراع بين العدل والباطل من شكله الشعائري البائس الذي كنا قد تربينا عليه، إلى مفاهيم إنسانية ابعد من كونها حادثة حدثت في زمن يزيد بن معاوية، علينا أن نحول هذه الثقافة، بعد أن ظهر أكثر من يزيد في عصرنا الحاضر إلى مكون حضاري إنساني كبير يجردها من الزائد التي يعاش عليها الجهلة والأميين.
فيما يخص بنية المؤسسات الحديثة على الدستور أن ينص صراحة على تغيير شامل لهذه البنية التي قامت على رغبات أفراد وليست على حاجة المجتمع لها. كي نجعل المؤسسة قائمة على أسس أن يجري بناؤها وفق مخطط تفصلي يتبع حاجاتها أي أنك ما أن تدخل هذه المؤسسة عليك أن تتبع خطة توصلك لهدفك بسهولة أنها كما قلت تشبه عمل الكمبيوتر: بداية ثم فتح فايل ثم فتح الملف الذي تريده ثم اختيار المادة من الملف وإجراء ما تراه مناسبا عليها وعليك كي تخرج منها أن تعيد ترتيب خروجك بطريقة لا تدمر بها بقية الفايلات. بمعنى أكثر سعة أن المؤسسة أي مؤسسة ذات بنية ثقافية تسهل عملها وهذه البنية الثقافية ستكون عامة ومتداولة خلال تنفيذ عملها للناس بمعنى آخر أن ثقافة بنية المؤسسة طريقا لثقافة اجتماعية تدرب الناس على السلوك والتنظيم والحرية واحترام القانون وقضاء حاجات الناس بيسر وتقضي أيضا على المحسوبية والرشوة والفساد الإداري وفي كل مؤسسة كما في أوربا لا يجوز لأي موظف أن يدخل على فايلات الآخر وليس من حقه أن يتوسط في تنفيذ ما ليس له وعليه أن يدرك تماما أنه تحت مراقبة أعلى تحاسبه عندما يخترق النظام الاختصاص بموقعه.
أما فيما يخص الإنتاج الثقافي فعلينا أن ننتبه جيدا أن المثقف المبدع الذي يكتب قصة أو قصيدة أو مقالة أو كتابا ليس معني بالمؤسسات وبنيتها ولا بطريقة تفكير الدولة ولا بالكيفية التي يجب أن تكون عليها الثقافة مستقبلا. أنه معني بإنتاجه الذاتي لان المثقف فرد في حين أن المؤسسة والثقافة الانثربولوجية مؤسسا وإنتاج الفرد يكون ضمن إنتاج المجتمع في حين أن تلك من إنتاج المجتمع يصب في مصلحة الفرد عموما. في الغرب من يفكر بتطوير الثقافة الإبداعية هم أصحاب دور النشر وليس المثقفين، الناشرون هم المفكرون وما على الكتاب إلا أن يكتبوا كل حسب اختصاصه في المجال الذي يروج بضاعة الثقافة وتحويلها إلى سوق وعلاقات دولية المبدع الشاعر أو القاص أو السينمائي يخضع إلى مفهومين: الأول هو ما يتطلبه السوق والثاني هي الكيفية التي تجعله مبدعا متميزا عن سواه بما ينتجه وفق معايير معاصرة. أي أن المبدع المعاصر ينضم إلى موجة إنتاج شاملة وليست إلى شريحة ثقافية متميزة عن سياقها العام ولذا فالرواية الجيدة يقرأها كل المثقفين على مختلف اختصاصهم في حين إن المثقف المبدع يقرأ كل الثقافات التي تشكل بنية تفكير الأساسية.
ففي مجتمعنا العراقي وبعد سقوط الصنم ظهرت مجموعات نفعية تروج للثقافة الديمقراطية، ففي كل مدينة عراقية ثمة جامع أو حسينية أو تكية أو صحيفة أو منبر أو حزب أو شيخ عشيرة أو طائفة تروج للثقافة الديمقراطية من وجهة نظرها، ثم ألفت مشروعا لنشر ما تريده فتحول الترويج للديمقراطية إلى ما يشبه الترويج للسلعة الزراعية أو الصناعية الرديئة الإنتاج كي تباع وتستهلك من قبل تلك الفئة، وفي الجوار يوجد بعض السياسيين يروجون للديمقراطية بالطريقة العشائرية نفسها أيضا كما لو كانوا تجار بضاعة يومية مستهلكة. لا نقول أن هذا الترويج السلعي يشبه إلى حد بعيد التجارة على الأرصفة إن لم نقل هو جوهر العملية السياسية الجارية اليوم في العراق، ثقافة لفظية عالية النبرة وأحيانا مسلحة بتقاليد وفرمانات دينية كما يحدث الآن لفئة ما يسمى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بصرتنا العظيمة، بصرة الفراهيدي وعتبة بن غزوان والحسن بن الهيثم والجاحظ والسياب والبريكان في حين أن الثقافة الديمقراطية هي ثقافة أخلاقية بالأساس، ثقافة قائمة على فهم جديد لآلية تطور المجتمعات وتحديثها، مثل هذا المزاد العلني لثقافة الديمقراطية لا يحدث في الغرب، إذ ليس من احد يروج للديمقراطية بطريقة عرض البضائع على الأرصفة، بل يتم الترويج لها خلال برامج ومؤسسات ومكونات اجتماعية قائمة على التنافس الأخلاقي لا على الكثرة ولا على الطائفة أو القومية أو الدين.
لذا على الدستور أن ينص صراحة أن لا مؤسسة مدنية للثقافة تقوم على فكر أفراد معينين، بل على فكر الحاجة الاجتماعية لعموم العراق ينفذه أفراد يضعون برنامجا واضحا لهدف المؤسسة يكون منسجما ومستقبل العراق كله. فالمؤسسة الثقافية شرطة من شروط المعرفة الجماعية وليست شرطا لرغبات وأهواء أفراد. وعلى القانون الذي يجيز وجودها للعمل أن ينص أنها معنية بعموم العراق لا بفئة أو شريحة منه. وأن تكون ثمة مراقبة لحساباتها وطبيعة أنشطتها دون أن يعني ذلك قمعا لحريتها و تدخلا في برامجها. تنجح الدولة عندما تكون مؤسسات المجتمع المدني تفكر بطريقة جماعية.
مثلا لا توجد دائرة للشؤون الثقافية تتحكم لوحدها بالنشر وخطط الثقافة، بل توجد مؤسسات حكومية في كل محافظة تعني بجانب محدد من الثقافة، وإلى جوارها مؤسسات القطاع الخاص المدني وتعنى أيضا بجوانب معينة من الثقافة، وإلى جوار الاثنين توجد مؤسسات تعنى بالثقافة المتخصصة التي ليست من اهتمام أي من المؤسستين السابقتين. كالثقافة الطبية والعمرانية والزراعية والصناعية والعسكرية وغيرها. بمعنى آخر أن الثقافة ليست واحدة، ولا هي متجانسة، ولا يحدها زمن واحد، ولا تكوّن معايير متشابهة، ولا تنتج تحت أمرة مدير عام واحد أو جهة واحدة، ولا تختص بقومية أو طائفة أو مدينة أو بقعة جغرافية.
كيف يضمن الدستور بنية المؤسسات الجديدة ؟ لا يكفي أن يقول كلاما عاما حول هذه الكيفية ، بل إن القوانين المختصة بهذا النشاط الإنساني تسبق المادة الدستورية. علينا أن ندرك إن التأسيس القانوني يتم قبل التأسيس الدستوري، فهل جرت دراسة لمثل هذه المشروعات القانونية باعتبارها تتصل بحياة الشعب اليومية قبل وضع الدستور؟ أعتقد جازما أن تغيبا متعمدا للمثقفين وهم النخبة التي تتحسس عمليا حاجات المجتمع القانونية في ما يخص ميدانهم قد استبعدت وهمشت لصالح الأحزاب المؤتلفة الأمر الذي سيجعل الدستور في مثل هذه الجوانب عموميا ويخضع لاجتهاد إداري وتصورات حزبية وطائفية جديدة. مفاهيم الدستور مفاهيم جامعة أتت مفرداتها من المفاهيم الفرعية التي تشكل كيانها، فهل جرت دراسة المفاهيم الفرعية لتكوين لغة دستورية شاملة مانعة ؟ لا أعتقد أن لغة دستورنا العراقي الجديد قائمة على دراسات ميدانية لفروعه المكونة له. ولنقرب هذه النقطة، بمثال ثقافي بسيط: يملك الرسام فكرة ما عن لوحته الجديدة التي يريد بها أن لا تكون مثل لوحته القديمة، لكن تنفيذ هذه الفكرة، فكرة اللوحة الجديدة تقوم على دراسة مسبقة للألوان وطريقة مزجها والتداخلات النفسية والثقافية فيها والعمل على جعلها ملائمة للسياق الفني الذي يريده ثم دراسة السطح و توزيع الكتل والحجم والإيقاع الخاص بها وبمجموعها يمكن أن تسمى بعد أن تكتمل باللوحة دون أن يغفل العوامل الآنية التي تبرز أثناء تنفيذه العمل. الدستور لوحة غير مرسومة مسبقا تمثل كل ألوان المجتمع العراقي بل هو اللوحة التي يجري دراسة كل مكوناتها قبل أن يبدأ المشرع كتابتها. بالنسبة للثقافة وميادينها على الدستور أن ينص صراحة أن الجهر العلني للثقافة من قبل أفراد أو مؤسسات المجتمع المدني لا يتم بقانون مسبق إنما هو حق طبيعي يتجاوز القانون والدستور نفسه.لذا لا قانون يحد من حرية المثقف وهذه نقطة ملزمة لكل تشريع مستقبلي.
من هنا ضرورة قيام مشاريع ثقافية قائمة على صناديق الدعم مستقلة وذات أهداف ميدانية تنشط ضمن توجهات الديمقراطية الأساسية وهي أن تجعل كل الناس يفكرون بطريقة أخلاقية قائمة على احترام الآخر وتقدير نشاطه. فمن أجل ترسيخ مفهوم معاصر للديمقراطية أن لا يتم الخطاب بوجهة نظر واحدة، علينا أن ننتبه إلى تركيب وبنية مجتمعنا العراقي. فقد يستعير الكردي الخطاب العربي والقومي الخطاب الشيوعي والشيعي الخطاب السني واللبرالي الخطاب الديني والديني الخطاب العلمي والروحاني الخطاب الطبيعي وهكذا فالعراق ليس بلدا أحادي الخطاب.
سيقال مثلا سيصوت الشعب على الدستور وإذا رفضه الشعب تمت أعادة صياغته من جديد. وهذا التصويت ليس من الديمقراطية عندما تتحكم الأكثرية الأمية به، وغالبا قد لا تكون الأكثرية في مجتمع ناهض لتوه من حكم دكتاتوري مقيت تملك كامل التصور عن مفهوم الديمقراطية. فالدستور هو معادلات اجتماعية وقانونية ورياضية كتب بلغة غير مفهومة لعموم الشعب، لغة مقتصدة ودالة ومستوعبة لطماح شعب حرم من الحرية والتعليم والثقافة والتقدم ومثل هذه الأبعاد لا تكون مفهومة للكثير من أبناء شعبنا العراقي الذي تتحكم الأمية الثقافية فيه.
قد تتطلب المرحلة بعض المرونة في سن قوانين خاصة للثقافة فقد تنشا هناك حاجة ملموسة للتعبير الحر في مناطق من العراق تبدو أكثر تقدما من مناطق أخرى، لابد من مرونة تراعى فيها خصوصيات المناطق والناس وتنوع وتقدم ثقافة منطقة على أخرى. وعلى الدستور أن يشير إلى هذا التنوع الحالي ولكن أن لا يغلق الباب على الاجتهاد اللاحق لتغييره. ولنبدأ بالقول أن ثقافة المدينة تفرضها مكونات المدينة، في حين أن ثقافة القرى والأرياف لها خصوصياتها الميدانية، وثمة ثقافة متحولة هي ثقافة البلدات الصغيرة. هذا التمايز مرحلي ولا يجب أن يكرس للتفرقة ولكنه واقع موجود وعلينا تفهمه ضمن شروطه الموضوعية قانونيا.









كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,420,007,485
- الصين وافق الحداثة في العراق
- سوق هرج
- الرؤى السردية
- كتاب شعرية الماء
- حوار مع الدكتور كاظم الحبيب
- عن المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي العراقي
- مكونات الطبقة الوسطى العراق نموذجاً
- قراءة في رواية الضالان
- أدباء عراقيون - الشاعر سعدي يوسف
- أدباء عراقيون -ابو كاطع: شمران الياسري
- أدباء عراقيون- غائب طعمة فرمان


المزيد.....




- القضاء يصدر حكمه الأربعاء على -إل تشابو- المهدد بالسجن المؤب ...
- بعد ظهوره في -ما خفي أعظم-.. عائلة بحرينية تتبرأ من أحد أفرا ...
- أبحاث جديدة قد تجيب عن تساؤلات العلماء حول نشأة الأرض تحت سط ...
- دبي تجرب نظاماً ذكياً جديداً على طرقاتها لفحص طالبي رخص القي ...
- نتفليكس تحذف مشهد انتحار بطلة مسلسل "13 سببا"
- من هو -فخر العرب- ومن هو -فخر العرب الحقيقي-؟
- البرازيل: زبائن يعثرون على كوكايين في علب مسحوق الغسيل
- أبحاث جديدة قد تجيب عن تساؤلات العلماء حول نشأة الأرض تحت سط ...
- دبي تجرب نظاماً ذكياً جديداً على طرقاتها لفحص طالبي رخص القي ...
- نتفليكس تحذف مشهد انتحار بطلة مسلسل "13 سببا"


المزيد.....

- شؤون كردية بعيون عراقية / محمد يعقوب الهنداوي
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - ياسين النصير - الثقافة والمرحلة العراقية