أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ياسين النصير - الرؤى السردية















المزيد.....


الرؤى السردية


ياسين النصير

الحوار المتمدن-العدد: 1610 - 2006 / 7 / 13 - 10:50
المحور: الادب والفن
    


الرؤى السردية
قراءة في " رائحة الشتاء"

1

يعد القاص محمود عبد الوهاب من القصاصين المجددين في فن القصة القصيرة، إن لم يكن السيد الأكثر جدارة في الحفاظ على منهجية التجديد الخاصة به. فهو يكتب القصة منذ خمسينات القرن الماضي ولا يزال مواظبا عليها، ولم ينتج فيها طوال نصف قرن إلا مجموعة واحدة هي " رائحة الشتاء" دار الشؤون الثقافية 1997 ، وقد احتوت على عشرين قصة قصيرة لا تحتوي كل ما كتبه ونشره هذا القاص المقل. بل تعد اختياراته لقصص دون غيرها لنشرها في المجموعة قضية فنية في المقام الأول..فعندما يضم قصة " القطار الصاعد إلى بغداد" المنشورة عام 1953 إلى قصص نشرت بعدها بأربعين عاما ونيف، يعني أن الفنية التي كان يكتب بها ما تزال قادرة على استيعاب تصوراته الجديدة حيث الزمن بالنسبة له كتلة واحدة منسابة. وعلى مستوى القصص كمفردات تجده في كل فترة له قصة يؤسس فيها لرؤية فنية متطورة عن سابقتها وممهدة للاحقتها وكأنه في القصة الواحدة يكتب مجموعة من القصص ذات سياق فني واحد ثم يترك المسار بعد أن يتخلى عنه لغيره، ليؤكدوه كاتجاه في القصة العراقية. فعندما نتحدث عن القصة الخمسينية واتجاه التجديد فيها لا نجد لمحمود عبد الوهاب نماذج كثيرة فيها، بل نموذج أو نموذجين وهذا يعني أن التجديد لديه لا يؤكد من قبله في المرحلة نفسها بل بعد أن يستقر الفن القصصي وعلى يد كتاب آخرين. خذ قصته " الطريق الصاعد إلى بغداد 1953" ونشرت يوم ذاك في مجلة الآداب وتعد هذه القصة ضمن تيار التجديد في القصة الخمسينية، فهي واحدة من القصص التي لم يغفلها النقد عندما يتحدث عن قصة الخمسينات، لكنه لم يكتب غيرها إلا بعد سنوات، في حين عمق التيار قصاصون آخرون من بينهم الأستاذ فؤاد التكرلي ومن قبله القاص المرحوم عبد الملك نوري ومن ثم مهدي عيسى الصقر الذين كتبوا قصصا حديثة فحسب التجديد لهم. وقصته "الشباك والساحة" 1969 هي الأخرى تشكل منحا في القصة العراقية التجريبية التي بدأت تهتم بالأشياء والمكان كجزء من حداثة القص بعد أن دخلت القصة الأوربية وخاصة الفرنسية ميدان البحث في الأدب القصصي العراقي، وقد اتسع هذا التيار التجريبي لاحقا على يد آخرين فيما توقف محمود عن الكتابة سنوات أخرى ليعود بكتابة الأقصوصة أو "القصة القصيرة جدا" التي برع فيها لاحقا القاص إبراهيم احمد وهذه هي الأخرى تشكل تيارا في القصة العراقية لم ينتج به الكثير، وخذ الأمر مع قصته المهمة " رائحة الشتاء" 1995،حيث تشكل عودة للقصة التشيخوفية التي كان القاص مهدي عيسى الصقر يكتبها في الخمسينات، وهي عودة لرؤية نبض المألوف في اليومي واقتطاع حيز صغير وعادي منه والارتفاع به إلى مستوى الشعرية. إذن سيكون حديثنا في هذه المقالة عن قاص وقصص تشكل منعطفات في القصة العراقية. فالقاص واحد من أهم المواظبين على تجديد فنية القصة العراقية القصيرة، بل وأكثرهم احتفاء بالتجريب فيها، ومن أدقهم احتراما لجملة القصة القصيرة حتى لتجد أن توازن القصة يختل لو رفعت كلمة واحدة منها. فقصته أشبة بالبناء المحكم الذي تبنى أجزاؤه بميزان شعري دقيق. ولكن محمود إذ يؤكد مشروعه التجديدي في الكتابة القصصية بقصة أو اثنتين، يفصح عن رغبة دفينة هي أن الكتابة القليلة المنضبطة وحدها هي التي تبقى. وقد تكون هذه الحال مغايرة لما ننشده في التجديد، إذ غالبا ما يكون التجديد مفردة في البداية، لكنه يتسع، وعلى يد الكاتب نفسه كي يؤكد مساره الفني الجديد. هذا ما لمسناه في حداثة الشعر الأولى حيث كتب السياب ونازك الملائكة قصيدة واحدة لكل منهما،" الكوليرا " و" هل كان حبا" لكن التجديد وثورة الحداثة تأكدتا بدواوين شعرية نشرت لكليهما في الفترة نفسها. ومحمود عبد الوهاب الذي يبقى لفترة طويلة يختبر نصه ويراجعه كما أشار في مقدمته للمجموعة القصصية،يبدو أن التجديد لديه لا يمر بالمرحلة بل بفنية القصة نفسها، حتى لتبدو المراجعة المستمرة لنتاجه نوعا من الزهد بالنشر. وهذه البنية الذهنية شكلت هاجسا فنيا أنعكس على حجم القصة التي يكتبها فكان شكل الأقصوصة القصيرة جزء من بنية المراجعة تلك. فاقتصاده في المكان وفي الشخصيات وفي السرد يولد اقتصادا بحجم القصة، فكل قصصه قصيرة جداً إلا ثلاثا.
في مجموعته " رائحة الشتاء" تتجمع عدة مراحل قصصية للتجديد، وتتجمع أيضا عدة فنيات ورؤى أسلوبية، لذا فهي مجموعة لا تنسجم مع نفسها فنيا إلا بكونها حاضنة لفن القصة التجريبية.
ويخطئ من يعتقد أن محمود عبد الوهاب هو هذا الذي تقرأه في القصص فقط ، فهو تيار نابض من الثقافة والحياة، يستبطن السخرية حياتيا دون أن يوظفها في قصصه، وينشغل بالهم الاجتماعي الوطني دون أن يجعل هذا الهم مشروعا تتكئ عليه قصصه، ويتتبع الثقافة الأجنبية قراءة وترجمة وانشغالا دون أن يجعل منها حقلا للاقتباس أو المرجعية، وتمر عليه وعلى مدينته الحروب تلو الحروب فلا يكتب فيها قصة مباشرة بل يختمر أحداثها. وتراه بعد ذلك حيويا نشطا في المنتديات الثقافية دون أن يرتبط بمؤسسة أو اتجاه. وتجتمع على طاولته كتب : سارتر وبومارشيه وسقراط وكلود سيمون وفؤاد التكرلي ودورا وشارلي شابلن، دون أن يكون واحدا منهم، لكن ذكره لفؤاد التكرلي له خصوصية من انه من مجددي القصة القصيرة، وثمة تشابه بين الاثنين من أن كليهما بنيا بيوت قصصهم في المدينة. كل هذه المفردات لا تدخل بيوت قصصه، لكنها، وهي تشكل هويته العامة كقاص من طراز خاص، تجد القصة القصيرة عنده أكثر المفردات تشبها بماهية القاص وهويته. إذن ما هو ميدان القاص الفعلي؟ ربما لن تكون ثمة إجابة غير أن نعيد مرة ومرات قراءة قصصه التي تبدو من القراءة الأولى سهلة ومباشرة، لكنها في القراءة الثانية تفصح عن بنية سردية غاية في البساطة العميقة يدلل القاص فيها على أن التجديد في القصة لا يأتي إلا خلال الفن وليس من تأثير أي فعل خارج ميدان القص نفسه. لذلك بنى بيته الفني على اقتصاد واضح في كل مفردات القص. وهو ما نحاول تسليط الضوء عليه هنا.
فأمكنته القصصية مثلا، هي البقع الصغيرة: غرفة، شباك، ساحة، حانة، صالة، مطعم صغير،حافلة،مقهى، سيارة، قطعة من شارع،حديقة صغيرة،شاطئ، ممر، نهر،موقف للحافلة،...إلخ. وهي ما تتلاءم وسياق فن الأقصوصة وكل هذه الأمكنة تقع في المدينة، وليس في أي مكان آخر. ولا تحتوي هذه الأمكنة إلا على أشياء مقتصدة أيضا، يكفيه في موقف الحافلة المظلة، ويكفيه في المطعم الطاولة، ويكفيه في القطار مقعد الجلوس والشباك، ويكفيه في الغرفة منضدة الكتابة والستارة الكحلية، ويمكن أن نعد قصة " امتياز العمر" 1991 دالة على مناخ وأشياء هذا العالم الذي يعيش فيه بطله" ابتسم عندما رأى تزاحم العالم في بقعة صغيرة من منضدته" بقع صغيرة تضج بالحياة. لكنه لم يجعل أمكنته الصغيرة فارغة من الأشياء" فثمة وصف يشكل صورة المكان" كما يقول الدكتور حميد الحميداني، بمعنى أن الأشياء الموجودة في النص أشياء تحدد فضاء النص. أما الأمكنة الواسعة والكبيرة فتأتي القصة دون ذكر وصف الأشياء تأتي عن طريق الاسترجاع والتذكر " تذكر كما لو يرى الآن : ساحة الكلية الفسيحة، وحدائقها الصغيرة المدورة،ومدرجاتها الأنيقة، وجو المكتبة الصارم،وذاك الموظف الشاحب الذي كان ينفض الغبار"...إلخ. وكأنه بالتذكر " ينعى" ذلك العالم الفسيح الذي تشكل من قبل. قصة " نعي"1991. فالأمكنة الواسعة لا تدخل بيت قصته إلا خلال نافذة الذاكرة، وهي غالبا ما تكون مرتبطة بالماضي الذي يشكل في القص لدى محمود الثيمة المعادلة للحاضر. فقد يكثر من الماضي في القصة لكنه لا يأتي إلا شاحبا متروكا، ومعزولا عن حركة الحاضر. فالماضي كله شتاء وعندما يجيء الشتاء تجيء معه أمراضه." جاء الشتاء، كيف سأحتمي من متاعب الربو والقصبات بهذا المعطف" ص 52 . لم يذكر القاص الماضي إلا وكان ملتصقا بجلد الشخصية فيثقلها في الحاضر ويقعدها في الأمكنة الضيقة الصغيرة، ويجرجرها إلى التذكر، فهو لا يجرجر حبلا ما إليه بعير، بينما عربة الزمن تثقله بحركتها البطيئة لتقعده في غرفة صغيرة أو حانة أو مصطبة في حديقة أو يقف واهيا ليمسك صنبور ماء يرش به بقية ما يقع تحت ناظريه. أبطال محمود من تلك الفئات التي جربت الحياة واختبرتها وعاشتها وما بقي لها إلا أن تواصل، لكنها وهي تحاول ذلك، يأتي الشتاء عليها بأمراضه ومعطفه البالي .
"....قلنسوته النسائية على رأسه ومعطفه يتدلى رخوا على كتفيه ووجهه ممتقع مثل وجوه المرضى ينتزع قدميه من ارض الغرفة بعناء وهو يدب نحو ساحة أم البروم في مساء شتوي كئيب؟ قصة" رائحة الشتاء" ص 54. الأمكنة الصغيرة ذي البقعة المشحونة بالأشياء المقتصدة الدالة، هي السمة الفنية التي توفر له اقتصادا بالكلمة واللغة والشحنة المكانية التي أسميتها في دراسة سابقة شحنة البقعة الخاصة. فاقتصاده في المكان ذو دلالة أسلوبية فهو المأوى الذي يختار شخصياته ولغته ليس في المكان أشياء كثيرة ولا حاجات زائدة عن الاستعمال مما يوفر له التجوال بعينيه داخل هذه البقعة. كل الأمكنة مسماة ومنتقاة ومحاطة بهالة من الدقة التصويرية وآتية وهي مشحونة بفعلها، وتجدها شعبية رغم خصوصيتها، ومحملة بالموروث رغم فرديتها، وكلها تحمل أسماء ، بينما لا تجد لشخصياته أسماء إلا القلة. فثمة وشيجة فنية تدل بهيمنة المكان على الشخصية، وهي أن لغة الوصف مكانية. فالشخصيات لا تحدد بأشيائها في قصصه، بينما المكان أو فضاء النص يُحدد بأشيائه. لذا لا تجد الأمكنة غريبة أو مستدعاة من المخيلة، أو تحمل مفاجئات كبيرة، في حين أن الشخصيات من فئة المثقفين الصغار الذين يبحثون عن وجودهم ضمن البقعة الجغرافية الخاصة.عندما ترك البصرة مسافرا إلى بغداد بدت البصرة خلال الوصف مدينة كئيبة يكثر فيها النواح والعمل السخرة وكد الحمالين ووجه أمه المتعب ونواح النسوة الباكيات بينما يجد بغداد وبعد أن يحط قدميه على أرض محطة القطار أنها مشحونة " بالخضرة والعمل" والصورة التي يرسمها للبطل " أحسست أن الأرض تتسع لخطواتي وإن شيئا ما في داخلي، دافئا غريبا جعلني أبدو أكثر إيمانا" قصة القطار الصاعد ص 84 فاختيار المكان هو الفعل الأول للحداثة الذي يمهد له السيطرة الفنية المقتصدة على حركة الشخوص وأفعالها.

2

لم تزد شخوص قصصه على اثنتين إن لم تكن شخصية واحدة وقد شحنت بشخصية الآخر، ولم يكن ديكور أمكنته إلا ثلاثة كراسي أو اثنين إن لم يكن واحدا، والمقاعد المحيطة بالشخصية لا تتجاوز ذلك العدد، وثمة أدوات قليلة للاستعمال البيتي وشحة مفرطة في التغيير. عالم مقتصد وعتيق يحمل الأقصوصة في أحشائه. فأنت تقرأ القصة وفي الوقت نفسه ترى وتسمع وتفسر وتدرك ما يحدث فيها. فما وراء القص ليس الحكاية فقط، بل شيء آخر تدركه، هو بناء المشهد. والشخصيات التي دخلت بيت القصة ثمة تجاذب شعري فيما بينها فجاءت لتبحث عما يكملها في الآخر. القص الحديث هو كالحب، لا يحدث بين اثنين إلا متى ما كان أحدهما يكمل نقص الآخر .
لم تكن الشخصية التي تشغل المكان عادية أو فارغة فثمة زمن مثقلة فيه وهو ما يشكل البناء الأفقي للقصة زمن يمتد من الماضي ويتواصل مع الحاضر فهو زمن ديمومة- ربما ذكره لبرجسون من دون الفلاسفة الآخرين له دلالة في معنى الزمن المستديم- ليس من شخصية عابرة أو بلا تجربة، كل الشخصيات لها تاريخها الشخصي ،شخصيات مختبرة، فاعلة، منتقاة من الحياة، محملة بهموم الآخرين، ومنصتة تماما لنغمات روحية يبثها المكان، وتشعرك أنها من النمط المسئول بما تقول. ليس من لغة مكانية عابرة على لسانها، ولا من حدث متشعب لا يلملم أطرافه، ولا من تجربة ناقصة أو عادية يسعى للكتابة عنها، كل أحداثة هي تحولات في مسار الشخصية من ..و..إلى. وكل ما تحمله الشخصيات مؤكد مشهديا في البقعة الصغيرة التي تحمل نغمة مشبعة بالمأساة، وكأنك وأنت تقرأها تعيد تصورك عن المدينة الحديثة من أنها لا تنهض إلا على تراكم حالات اليأس التي تمهد لتجاوز الآخرين أنفسهم فيها وهم يلتفتون للوراء دون غضب. ثمة زمن أفقي مكثف ومقتصد و قصير هو زمن الحكاية الانتقالية من ..و..إلى، غالبا ما يكون ملتصقا بجلد الشخصية وفي مشهد مكاني يتألف مع المحيط الغني بالأشياء الدالة، وكأننا أمام لوحة انطباعية لواقع موزع الألوان،تجد المنظور القديم وهو يعكس ماضي المنطقة والشخصيات وإلى جواره كتل الحياة الجديدة وقد برزت نتوءات على سطح اللوحة المتعرج. مما يعني أن البقعة المكانية المختارة بدقة وبمشهدية وتكوين، تستدعي أشياءها التي تجمع بين الماضي والحاضر، أشياء مركزة على هدفها ليس فيها شروح أو زيادة أو أنها ملحقة بالنص. فمحمود عبد الوهاب يهيئ كل أدوات قصته قبل أن يبدأ، لذا لا احتمالية في الزيادة ولا نقص. ربما يكون اهتمامه بمسرحة المشهد هو الذي يفرض عليه تحضير كل مكوناته قبل مسك الفرشاة.
نقطة مهمة أخرى وهي أن كل مستويات القص الاتجاهية تقع مع مستوى النظر، لذلك لا أعماق مكانية في النص ولا ارتفاع، لا أمكنة بعيدة أو مسافات طويلة مستحضرة أو معاشة، عين الشخصية هي المرآة التي تنعكس عليها الأشياء التي تقع جميعها على خط مستقيم واحد هو أنها لا تهرب من الرؤية الأفقية لها. هذه الرؤية الاتجاهية تمكن القصة من أن تبني بيتها على تداخل جملتين اثنتين هما: جملة وصفية خارجية تتبعها جملة حوارية داخلية. وهكذا يصل النهاية بالبداية والزمن القديم بالزمن الجديد، ويعود ثالثة لما ابتدأ به ثم ينتقل لما انتهى إليه،كما في قصص" الحديقة - يحدث هذا كل صباح - يوم في مدينة أخرى - رائحة الشتاء - سيرة ..وغيرها" فكل اتجاهات أمكنته تقع ضمن بقع صغيرة، مقتصدة، مشحونة، ومرئية بعين الراوي العادية.. تشعر وأنت تقرأ القصة أن الزمن يبدأ بالهبوط من نقطة قديمة في الماضي إلى الحاضر،أي أن النهاية بدأت منذ زمن بعيد وها هي تسقط في البادية لتواصل بفعل جملة الاستهلال مسارها، وأن السرد يبدأ بالصعود كلما تقدمنا في قراءة النص. وهذه الرؤية هي جزء من بنية السرد المتصاعدة عموديا، لأن عمادها الأشياء كما يقول روب غرييه، لتشكل عندنا أحدى أهم سمات التجديد في القصة العراقية. إذ ليس في النص القصصي الحديث إلا جملتين: جملة البداية، وجملة النهاية،وما يسمى بالمتن ليس إلا الصراع بين الجملتين وهذا ما أكدته في دراستي لجملتي القصة من أنها مؤلفة من جملتين اثنتين فقط: جملة الاستهلال وجملة النهاية، وما بينهم هو صراع يحتد في منطقة، ويحسم في أخرى. وما الذروة المعنية في القص إلا تلك النقاط والمسارات المتعرجة التي يحتدم فيها الصراع بين الجملتين. وهذه البنية واحدة من مفاهيم التجديد في القصة القصيرة. فهدف القصة عند محمود عبد الوهاب هو استيعاب الحالة الشعرية التي يحتويها المكان، وما الشخوص الذين يدخلون المطعم أو الغرفة أو الحافلة أو أي مكان آخر ويحدثون تغييرا ما في تركيبة المشهد، ليسوا في الحقيقة إلا استجابة لشعرية المكان. فما أن يدور الباب لينفتح حتى يدخلا المرآة ثم يتحرك هواء المكان ويبدو أن حركة كونية قد غيرت تركيبة المكان، ويبدأ السرد بالانثيال ابتداء من القدمين حتى أعلى السقف، تتبعها حركة للأعين، وثمة تنويع للكلمات تسمعها من فم النادل أو الضيف، وثمة من يلتفت من الجالسين لمتابعة ما يحدث، وثمة إضاءة جديدة تلغي الظلمة لوجود كائن جديد، وثمة رائحة جديدة تغير رائحة ما سبق، وثمة حركة فاعلة تبدأ في أفق المكان لترتفع إلى أعلاه مصحوبة بكل ما يمكنه أن يخلق جوا شعريا. وثمة رسوم على جدران المطعم تشترك في تهيئة الجو الشعري – يعد محمود عبد الوهاب أول من أستثمر تحريك حيوانات الرسوم المعلقة على الجدران في القصة- . - كما يعد استثمار المرآة واحدة من الثيمات التي أصبحت مفردة حديثة في القصة العراقية- بعد خروج الشخصيات من أمكنتها يعود المكان لحاله القديمة، مع تصور باتجاه أن يكون صالحا لمرة أخرى قصة " يوم في مدينة أخرى" 1969. وقصة " رائحة الشتاء" وقصة " يحدث هذا كل صبح وغيرها من قصص المجموعة.

3

يرتبط فن القصة القصيرة عند محمود عبد الوهاب بالمدينة، المدينة العراقية أو المدينة الغربية. – بعض القصص تجري أحداثها في بولونيا حيث عاش القاص فترة فيها- فالبصرة لا تختفي في هذه المجموعة وإن لم تذكر إلا في قصص قليلة، لكن البصرة المدينة التي يفوق تقدمها الثقافي مدنا عراقية أخرى، وجدت صداها في اختيارات محمود للمكان. فكل أمكنته وإن لم تشر إليها قصصه واقعة في المنطقة المشحونة بمفردات الحداثة، فالطبيعة المائية والحضارية وتداخل الشعوب فيها تستقبل ثقافة الآتين عبر البحار والمغادرين منذ وجدت شركات أجنبية تتصل تجارتها بالهند وباسطنبول وبالغرب. ولعل ما فكرفيه عالميا قبل وبعد الحرب العالمية الثانية أن تكون البصرة نهاية لخط سكك حديد يمتد من برلين إليها. أمكنة محمود القصصية ولدت في هذا المناخ،وإن تم رفض البصرة في قصته " القطار الصاعد إلى بغداد" حيث بغداد تشكل حلما لفئة المثقفين عام 1953. بعض الأمكنة مضيء، معلن، وغير معزول عن تيار المجتمع، وتقع دائما في البقعة التي يختلط فيها الناس ويفصح مناخها عن ثقافة غير شعبية، فيها شيء من الانتقاء، وفيها أشياء من مألوف الحياة.- المطعم - الصالة - الحانة - المقهى - الحافلة - القطار - الفنادق والشارع- وبعضها، غرف ومنعزلات صغيرة،ومسارات عامة وأشياء تستحضرها الذاكرة. فالقصة القصيرة لا تبني بيتها في فضاء لا تعرفه، بل في الأمكنة التي تحمل خصوصية محلية. فالرؤية لاختيار المكان تفرض رؤية لتحديث السرد. فالنهر أو الشاطئ أو الشباك أو الممر أو الغرف أو موقف الحافلة أو المطعم أو الحديقة أو الفندق ..الخ ليست أمكنة متحجرة معزولة عن حركة المدينة والناس، وإن لم تكن كلها في البصرة أو العراق، لكنها حملت جذوة المدينة كرؤية للأمكنة النابضة والحيوية التي تمنح الحداثة أفقا أرحب للقص. وهذا ما يؤكد أن فن القصة لا يتحرك حركة حداثوية في أمكنة غير قابلة للتطور. بل يتحرك في الأمكنة التي تهيئ لنفسها نقلة جديدة. فالحداثة وليدة الجدل الوسطي الذي يحتوي النقيضين في لحظة احتدام فاعلة. والقصة العراقية الحديثة منذ الخمسينات بنت كل أمكنتها في أمكنة وسطية في المدينة، أو في حواف المدن المهمة، على العكس من الرواية العراقية التي لم تقترب من المدينة إلا عندما نقلت أجزاء من الريف والقرية والبلدة إليها. لذلك لا مدينة في الرواية العراقية عندنا يمكنها أن تكون قابلة للتطور. وعليه لا حداثة تأتي من الرواية أو المسرحية، بل الحداثة التي ننشدها أتت من القصيدة والقصة القصيرة واللوحة التشكيلية وكلها فنون المدينة والفئة البرجوازية المثقفة وهي تمارس دورها التنويري الحداثوي في مجتمع كانت بعض سبله الاقتصادية وأسواقه التجارية وعملته واستثماراته وارتباطه ببريطانيا ووجود معامل للسجائر ونقابات للنفط السكك وصحف تقدمية وسينما وعملية استيراد تجارية كبيرة وتداول العملات في الأسواق ومكتبات أجنبية ومحلية وحركة سكك الحديد ونقلات اقتصادية في النفط والتمر والمعادن وغيرها كل ذلك كانت من ممهدات لنقلة حديثة.
تفرض المدينة ومواضيعها نوعا من الشخصيات المحملة بالثقافة إن لم يكن الكاتب نفسه يقف خلفها،هي الأمثلة التي يركن إليها تصورنا عن نوى الحداثة. وإذا تمعنت في مركب الشخصيات تجدها مثقفة، نظيفة، أنيقة، ،مستقيمة عدا القلة، لم تحمل أخطاء ولم تأت من أخطاء. بل تفرض الحياة عليها أخطاءها، وتختار لنفسها أن تكون من الفئة التي تعرف أنها ستؤثر في القارئ، لذا تراها تجيد الأحاديث وتجيد الحب والتأويل، وتجيد فهم اللغة المختفية وراء الحوار، وتعرف أيضا أن حكايتها التي سردت مئات المرات لم تكتب بعد، وعليها كي ترويها لأخر مرة أن تكون مباشرة ومقصودة واقتصادية. فثقافة المدينة ثقافة مقتصدة تخضع للتأملات المركبة والعنيفة وليست الهادئة أو العاطفية لذا كما يقول بيرمان مثل هذه الشخصيات" ليست كاذبة أو جبانة" فهي منتقاة من فئة تعرف أنها جديرة بأن تكوّن رسالة للقارئ، كل ما يحدث بعد نهاية القصة أنك تتذكر أسوا الأحداث التي مرت فالمدينة تمحو أخطاءها بتكرار ما تحدثه يوميا في الناس. بينما تؤكدها في الكلام. القرية وحدها هي من تتراكم فيها الأخطاء ولا تتجاوزها. لذا فشخصيات محمود كأمكنته تحمل وتولد أخطاء المدينة ثم تلفظها في اليوم التالي حيث الحركة هي المولدة لفعل القص. شخصيات قصصه ساكنة خارجيا، تبدو وكأنها تحمل أثقالها، تأوي ليلا إلى أمكنتها وكأنها تهرب من نفسها، فلا تجد لها ملامح طبقية كبيرة، ولا انتماء سياسي يحددها، ولا حتى ثراء يدل عليها، بينما تراها معتملة الداخل، ضاجة، منشغلة بما فيها، همهما أن تنهي السرد بأقل الكلمات، فهي من شخصيات التي ظهرت في مرحلة نشوء الفئة المثقفة التي أخذت على عاتقها دور النهضة الفكرية. لكنها انسحبت من الفعل السياسي لتمارس دور التبليغ الفني دون أن تدعي ذلك، فالمدينة لا تقوم على القناعة التامة بما يحدث بل على الصورة المتذبذبة الإشارات التي يتطلب استقرارها سرد مئات الحالات كي تتأكد كحقيقة. ومثل هذه الشخصيات لا توجد واقعا بالكامل ولا تولد من الخيال أيضا، بل هي نتاج لمزيج واقعي - خيالي الذي هو في مرحلة ما يعد تحولا مهما في مراحل تطور المجتمعات ويشكل جزء من مهمة المثقف التنويرية. فالحداثة لا تولد كلها من الواقع ومتغيراته، بل تولد في المجتمعات النامية من الخيال أيضا. ولذا نجدها في مرحلة تشكل الوعي بها تستدعي نماذج وسطية، قادرة على التأثير في القارئ ، ولها قدرة على القول ويمكن تصديق أفعالها، ولذا فهي ليس نماذج ثورية طوباوية أو عادية لا معنى لها.
ثمة رؤى إضافة لما سبق جديدة للتقنية الفنية في القصة العراقية وهي إعطاء دور لجزئية ما من المكان لتمارس دورا سرديا مهما، أما أن يكون تكملة للسياق أو ابتداء، كالمرآة في قصة " يوم في حياة مدينة" فقد كانت المبادرة في الإعلان عن الشخصيتين، أو رؤى فاعلة كما في السجادة المعلقة على الحائط وحيواناتها في قصة " الشباك والساحة" 1969 وتعد هذه الشعيرة السردية مبكرة جدا في فن القصة القصيرة العراقية أو التقنية المبكرة له عندما استثمر فن السينما في قصة " توليف" . وكتابه " ثريا النص" دار الشؤون الثقافية1995 الذي تمحور حول العنوان في القصة، مستمد من ثريا المكان الذي يفصّل فيه ويستثمر كل أجزائه كي يبني بناء قصصيا مشبعا بالشعر.
ومن الرؤى السردية المهمة في هذه المجموعة هي استعمال المضارع دائما للنقلة من موقع في السرد إلى آخر كاستهلال .قصة " الحديقة" مثلا. فالفعل "استيقظ" يتحول إلى "سينهض" وهو فعل لحركة ما بعد الاستيقاظ ثم إلى " سيتناول" وهو فعل يتبع النهوض، ولكنه جاء هنا كأمل، ثم إلى "نهض" وبه تصل إلى نهايتها. كما نجد أن القصة تبدأ في الماضي الناقص مثلا قصة " توليف" ثم يبنى جسدها على المضارع،" تدق" ثم الفعل "تجري" ثم "تسحب" ثم " يدعو" ثم " تنهض". ولو دققت في كل هذه الأفعال تجدها أفعالا محرضة فاعلة ومصحوبة بحركة. يعني أن القاص وهو يستعين بالحركة والانتقال من موقع إلى آخر محاولة منه أن يغير من سياق القص .
ومع أن المطر شحيح في البصرة بل موسمي لكن محمود يكثر منه في قصصه،قد يتصل المطر بالتغيير فهو " أنغام السماء إلى الأرض" كما قال السياب لكنه لدى محمود يكتسب فعل التغيير ويرتبط بحال شعرية الفضاء فهو شعيرة مضافة لا تغير من سياق السرد بل تعمق الإحساس بالعودة إلى المأوى.






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,420,011,615
- كتاب شعرية الماء
- حوار مع الدكتور كاظم الحبيب
- عن المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي العراقي
- مكونات الطبقة الوسطى العراق نموذجاً
- قراءة في رواية الضالان
- أدباء عراقيون - الشاعر سعدي يوسف
- أدباء عراقيون -ابو كاطع: شمران الياسري
- أدباء عراقيون- غائب طعمة فرمان


المزيد.....




- مثير: بوعشرين يلتمس العفو الملكي !!!
- العطلة الصيفية في موريتانيا.. موسم الهجرة إلى -محاظر- القرآن ...
- الأستاذ معلم السينما
- وأخيرا.. لجنة بمجلس النواب تنهي -بلوكاج- القانون الاطار للتر ...
- فرنسا و«وليدات العنصرية»!
- ابن كيران يخسر معركة القانون الاطار للتربية والتكوين
- بي تي أس في السعودية: لماذا تريد الرياض أشهر نجوم الفن على أ ...
- الفنانة المصرية أمل رزق: -مش محتاجة غير ستر ربنا-
- -فنانة العرب- أحلام الشامسي -ترقص- في السعودية!
- أمانة البيجيدي تعاقب منتخبي -المصباح-


المزيد.....

- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كانت وعاشت مصر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ياسين النصير - الرؤى السردية