أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف - 1 تموز 2006 - العلاقة المتبادلة بين العلمانية والدولة والدين والمجتمع - ثائر ديب - من هيغل إلى هابرماز:الدين والعلمانية في الفكر الغربي















المزيد.....

من هيغل إلى هابرماز:الدين والعلمانية في الفكر الغربي


ثائر ديب
الحوار المتمدن-العدد: 1610 - 2006 / 7 / 13 - 10:51
المحور: ملف - 1 تموز 2006 - العلاقة المتبادلة بين العلمانية والدولة والدين والمجتمع
    


من بين القناعات التي لم يكن يرقى إليها كثير من الشكّ لدى مفكري القرن التاسع عشر أنّ المكانة المركزية التي يحتلها الدين في الثقافة والمجتمع قد غدت شيئاً من الماضي. فقد اعتبر هيغل, مثل مفكري عصر الأنوار من قبله, أنًّ العقل, بدقته المفهومية المتفوقة, قد تخطّى الدين. وصوّر فيورباخ, في كتابه "جوهر المسيحية" (1841), علاقة الإنسان بالألوهية على أنّها لعبةُ قوىَ محصلتها الصفر, ورأى أنَّ الإلحاح على الإيمان والتُّقى ينتقص من رفعة الغايات الإنسانية. ورأى ماركس أنَّ الإنسان - بوصفه عالم الإنسان, والدولة, والمجتمع- هو الذي يخلق الدين - بوصفه الوعي المقلوب لعالمٍ مقلوب- وليس الدين الذي يخلق الإنسان. ذلك أنَّ الدين هو "زفرة المخلوق المضطهَد, قلبُ عالمٍ بلا قلب, وروح عالم بلا روح. الدين أفيون الشعوب". وهذا ما يقتضي, في عرف ماركس, إلغاء الدين كسعادة وهمية من أجل سعادة البشر الواقعية, لا بنقد السماء والدين واللاهوت, بل بنقد الأرض والحق والسياسة التي تخلق السماء والدين واللاهوت. أما نيتشه, فقد أعلن, على لسان زرادشت, أنَّ "الله قد مات", ووصف المسيحية بأنها "أخلاقية العبيد", أو منظومة اعتقادية عامية مبتذلة تلائم الخانعين الجبناء، ولم يقرّظ من بين ممثلي المسيحية سوى أولئك الذين وجدوا متعةً بالغة في وقوفهم أمام محاكم التفتيش التي كانت تأمر بحرقهم, مثل أغناطيوس لويولا.
لم تكن أوائل القرن العشرين أقلّ سخاءً في وصفها الظاهرة الدينية. ويكفي أن نتذكّر عنوان كتاب فرويد الصادر في العام 1927: "مستقبل وهم". غير أننا نجد اليوم أنَّ ما نبذه فرويد بوصفه وهماً قد عاد تلك العودة التي لا تبدي سوى أقلّ العلائم على أنّها ستتوقّف أو تخفّ في وقت قريب. والسؤال هل كان المفكّرون الغربيون مهيّئين لتفسير هذه التطورات اللافتة؟ ومن هو المفكّر الذي يمكن أن نلجأ إليه لنرصد قدرة الفكر الغربي على تناول هذه الظاهرة؟
لعلّ يورغن هابرماز, خاصة بعد وفاة جاك ديريدا, أن يكون أبرز فلاسفة العالم الأحياء. وثمّة الكثير مما يرشّحه لأن نتتبّع لديه هذين السؤالين اللذين نطرحهما. ومع أنّ هابرماز كان معروفاً, حتى فترة قريبة, كمفكّر علماني صارم, لم تمسّ كتاباته الموضوعات الدينية إلا في مناسبات عابرة واستثنائية, إلا أنَّ السنوات القليلة الأخيرة راحت تشهد شيئاً من التغيير على هذا الصعيد. ففي خريف العام 2001, وبمناسبة تسلّمه جائزة السلام التي تمنحها رابطة الناشرين, ألقى هابرماز خطبةً عنوانها "الإيمان والمعرفة". وبعد هجمات 11/9, شدّد في تعليقاته على أهمية التسامح بين الفهم العلماني والفهم الديني. وفي عام 2004, شارك في حوار مع الكاردينال جوزيف راتزنغر- الذي صار البابا في 19 نيسان 2005- بناءً على طلب هذا الأخير, الذي يُعَدُّ واحداً من أشدّ المحافظين بين مطارنة أوروبا. ففي العام 2002 كان هابرماز قد نشر كتابه "دفاعاً عن الإنسانية", وفيه نقدٌ مرير لمخاطر الهندسة الوراثية واستنساخ الإنسان, ودفاع بليغ عن الحقّ في هوية إنسانية فريدة يعرّضها الاستنساخ لخطر واضح. ويبدو أنَّ هذا الدفاع عن الهوية الفريدة هو ما أثار فضول الكاردينال واهتمامه.
ولكي نضع هذه التغييرات الهابرمازية في سياقها ونتعمّقها, ربما كان من الضروري أن نتلمّس جذورها في مؤلّفاته الأقدم, خاصةً الأساسية منها, ولا نكتفي بالأحداث التي دفعت إليها. ففي عمله الفلسفي الأساسي المؤلّف من جزئين, "نظرية الفعل التواصلي" (1981), نجد أنَّ واحدة من أفكار هابرماز الأساسية هي "إضفاء الطابع اللغوي على المقدّس". حيث يؤكّد هابرماز, من خلال هذا المصطلح الثقيل كما يقول هو نفسه, على أنّ أفكار المساواة والعدل الحديثة هي استخلاصات علمانية من التعاليم والوصايا الدينية. ذلك أنَّ "نظرية العقد" في السياسة, تلك النظرية التي هي أساس التصور الحديث "للحكم برضا المحكومين", ما كانت لتقوم لولا عهود ومواثيق "العهد القديم". وكذلك الأمر بالنسبة لفكرة الجدارة الداخلية التي ينطوي عليها كل شخص, والتي تشكّل أساس حقوق الإنسان, فهي تنبع مباشرةً من المثال المسيحي الذي يقول بتساوي البشر جميعاً في نظر الربّ. ويرى هابرماز أنّه لو ضَمَر هذا المصدر الديني من بين مصادر الأخلاق والعدالة ضموراً كاملاً, لكان من المشكوك فيه أن تتمكَّن المجتمعات الحديثة من تعزيز هذه المُثُل وتثبيتها كمُثُلٍ خاصةٍ بها.
ولقد لخّص هابرماز في مقابلةٍ أجراها مؤخّراً آراءه هذه, ورأى أنَّ الدين قد عمل كأكثر من سلف أو محفّز للحداثة, "فنزعة المساواة الكونية التي بزغت منها مُثُل الحرية, والحياة الجمعية المتضامنة, والانعتاق, والديمقراطية هي إرث مباشر من الأخلاق اليهودية الخاصة بالعدل والأخلاق المسيحية الخاصة بالمحبة".
وفي العام 2002, نُشِر لهابرماز بالإنجليزية كتابه "الدين والعقلانية: مقالات في العقل, والله, والحداثة", وهو عبارة عن مجموعة من كتاباته التي تتناول موضوعات دينية. وقد حرّر هذا الكتاب وقدّم له الفيلسوف إدوارد منديتيا, وختمه بمقابلة مهمّة مع هابرماز يوضح فيها هذا الأخير آراءه في عدد من المسائل الدينية. فبصدد عودة الدين – حيث يصل هابرماز إلى حدّ الكلام على ظهور "مجتمعات ما بعد علمانية", ربما لأنّ في ذهنه الوضع الأميركي- يرى هابرماز أنَّ هذه العودة تواجه البشرية بتهديدات ومخاطر لا يمكن نكرانها. فالدين الذي وفّر للبشر العزاء والسلوان إزاء مظالم القدر القاسية, كثيراً ما علّمهم أيضاً أن يرضوا بقسمتهم وأن يبقوا سلبيين, إذْ يحطّ من قيمة النجاح الدنيوي ويغري المؤمنين بوعد البركة الأبدية في الآخرة. ويتمثّل الخطر هنا في أنَّ ما يشجّع عليه الدين من سلبية اجتماعية ينتهك حاجة الديمقراطية إلى مواطنين فاعلين ومشاركين, خاصةً أنَّ قصة السقوط (من جنة عدن) تصوّر التاريخ الدنيوي العلماني كقصّة انحدار أو تدهور لا يمكن أن ينبثق عنه أيّ خير جوهريّ.
لكن هابرماز يرى, بالمقابل, أنَّ مسيرة الرأسمالية العالمية المنتصرة لا تواجه اليوم سوى بضع اتجاهاتٍ معارضةٍ أصيلة. وهذا ما يبقي للدين دوراً مهمّاً يلعبه بما يمتلكه من ذخيرةٍ للتعالي. فهو يحول بين أفراد المجتمعات العلمانية الحديثة وبين أن تطغى عليهم متطلبات الحياة المهنية والنجاح الدنيوي التي تتّسم بالشمول. وبذلك يمكن للقيم الدينية (قيم المحبة والجماعة والتُّقى) أن تقف قبالة قيم التنافس والكسب والتلاعب الشاملة والمسيطرة, وتشجّع البشر على التعامل بعضهم مع بعضهم الآخر بوصفهم غايات وليس بوصفهم مجرّد وسائل.
ثمّة اهتمام, إذاً, لدى هابرماز بمخاطر ما يمكن أن نصفه بالعلمانية الشاملة. وقد ألحّ في محاضرة ألقاها منذ فترة قريبة على ما للتقاليد الدينية من "قوة الإفصاح عن حدوس أخلاقية فيما يخصّ الأشكال الجماعية من الحياة الإنسانية الكريمة", وعلى أنّ المبادئ الفلسفية العلمانية – كفكرة حقوق الإنسان- يمكن أن تنتفع من تجديد صلتها بأصولها المقدّسة من حين لآخر. وفي نيسان 2005, ألقى هابرماز في مؤتمر دولي حول "الفلسفة والدين, في بولونيا, محاضرةً بعنوان "الدين في المجال العام", رأى فيها أنّ "التسامح" – الذي يُعْتَبَر أساس الثقافة الديمقراطية الوطيد- هو شارع باتجاهين على الدوام. فالأمر لا يقتصر على ضرورة أن يتسامح "المتدينون" مع عقائد الآخرين, بمن فيهم اللادينيين و الملحدين؛ بل من واجب العلمانيين أيضاً أن يحترموا قناعات المواطنين الذين يحفّزهم الدين. فمن غير الواقعي, بل من المتحامل, أن نتوقّع من هؤلاء أن يتخلّوا عن قناعاتهم العميقة لدى دخولهم المجال العام. والحلّ الأفضل هو أن نفكّر بشيء شبيه بتلك المثالية الدينية التي بثّت الحياة في حركة الحقوق المدنيّة في خمسينيات القرن العشرين وستينياته, والتي تشكّل مثالاً مثيراً للإعجاب على الطريقة التي يمكن بها أن يؤتى بقيمة دينية – كقيمة العدل- إلى مشكلات اجتماعية معاصرة.
ويشير هابرماز في محاضرته هذه إلى الفيلسوف جون راولز, الذي سبق أن تناول مثل هذه الموضوعات بصورة مباشرة في السنوات الأخيرة. ولعلّ من أهمّ آراء راولز المتعلّقة بدور الدين في السياسة المعاصرة ذلك "التحذير" أو "الاشتراط" الذي يرى أنَّ على العقليات الدينية, إذا ما أرادت أن تحظى بالقبول, أن تكون قابلةً للترجمة إلى أشكال علمانية من الحجاج. بل إنَّ راولز يرفع الحاجز العلماني إلى أعلى من ذلك في حالة الموظفين العامين –مثل السياسيين والقضاة...الخ- إذْ يعتقد أنَّ لغتهم لا ينبغي أن تترك حيّزاً واسعاً للعقليات غير العلمانية, التي من المؤكّد أن تثير الشقاق والخلاف ما دامت العقائد الدينية متعددة وكثيرة. ويؤكّد هابرماز على هذا المطلب الملحّ, شرط أن يوضع على باب السياسيين وحدهم لأنهم "يخضعون, ضمن مؤسسات الدولة، لضرورة أن يبقوا حياديين إزاء رؤى العالم المتنافسة". غير أنَّ هابرماز, إذ يضع هذا المطلب على باب السياسيين وحدهم, يرى أنَّ "على كلّ مواطن أن يعلم أنَّ العقلية العلمانية هي التي تصلح لدخول العتبة المؤسساتية التي تفصل المجال العام غير الرسمي عن البرلمانات والمحاكم والوزارات والإدارات".
وإذاً, فإنَّ هابرماز, على الرغم من إقراره واسع الأفق, بما للدين من مكانةٍ في طيف الجدال السياسي العام, يقوم بخطوة واسعة ولا غنىً عنها باتجاه تحديد أخلاقيات التسامح في المجتمعات متعددة الثقافات والأديان. ذلك أنَّ آفاق الديمقراطية القائمة على المساواة سوف تبدو ضيّقة وكالحة إلى أبعد الحدود من دون مثل هذا التحديد. وبذلك يكون المعيار في تحديد قدرة المنظومات الدينية على أن تجعل وصاياها الأخلاقية تُحَسّ ويُعْتَرَف بها هو قدرتها على اتخاذ موقف الآخر, فوحدها تلك الديانات القادرة على أن تضع بين قوسين, أو جانباً, إغواءاتها النرجسية اللاهوتية –أي قناعة كلّ دين بأنّه وحده الذي يقدّم طريق الخلاص- هي التي يمكن أن تكون من اللاعبين المناسبين في عالمنا السياسي والأخلاقي ما بعد العلماني, وسريع التغير.
وإذْ نتذكّر أنَّ مقاربة هابرماز لفلسفة الأخلاق هي مقاربة كانطية – من حيث اعتباره, مثل كانط، أنّ على الأفعال أن تجتاز اختبار الكونية – فإنَّ السؤال الذي يمكن أن يُطْرَح هو ما مدى ملاءمة تصورات هابرماز للمجتمعات غير الغربية؟ ما مدى النقد و/ أو إعادة الإنتاج التي يمكن إخضاعها لهما؟ هل ينبغي زيادة حدّتها أم التخفيف منها؟ أسئلة برسم الكثيرين, خاصةً أولئك الذين لا يجدون سبيلاً لاحترام الاتجاهات الدينية إلا بخلع جلودهم وصيرورتهم رأس حربتها, والذين تسعدهم كثيراً تلك "السوسيولوجيا" البائسة, بل الأبأس, التي ترى إلى مجتمعاتنا على أنها, أساساً, نِحَل دينية وطوائف.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- ما بعد الحداثة،الطبقات.. الأعراق.. الأجناس


المزيد.....




- بعد صورته في الرقة.. السبهان: قريبا الصمت سوف يطبق
- الصين تأخذ على عاتقها دور المبشِّرين
- الكشف عن رسائل أوباما الغرامية لحبيبته الأولى
- الأذكياء أكثر عرضة للأمراض العقلية والجسدية
- الجزائر تسمح بفتح قنوات تلفزيونية خاصة
- دول أوروبية تطالب إسرائيل بتعويضات
- بوادر انفراج أزمة التأشيرات بين واشنطن وأنقرة
- واشنطن تعلن تحقيق -تقدم كبير- باتجاه حل أزمة التأشيرات مع أن ...
- تحالف جديد لحماية المستفيدين من DACA من الترحيل
- بوتين: هزيمة -الإرهاب- في سوريا باتت وشيكة


المزيد.....

- ما بعد الإيمان / المنصور جعفر
- العلمانية والدولة والدين والمجتمع / محمد النعماني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف - 1 تموز 2006 - العلاقة المتبادلة بين العلمانية والدولة والدين والمجتمع - ثائر ديب - من هيغل إلى هابرماز:الدين والعلمانية في الفكر الغربي