أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - علي محمد اليوسف - العقل الفلسفي بضوء نظرية المعنى















المزيد.....


العقل الفلسفي بضوء نظرية المعنى


علي محمد اليوسف

الحوار المتمدن-العدد: 6563 - 2020 / 5 / 14 - 12:05
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تفريق
لا بد لنا من التفريق بدءا مالمقصود بالعقل؟
هل هو العقل الفلسفي أو الخطاب الذي يطلق عليه (اللوغوس) أو هو بتعريف أفلاطون (العقل ذلك الجوهر الذي ماهيته توليد الافكار) اللغوية التي نتعامل بها في فهمنا العالم من حولنا ومعرفة ذواتنا وقضايانا الانسانية في تعبيرنا الادراكي العقلي اللغوي عنها, وهو نفس المعنى والتعبير الذي يذهب له ديكارت في تعريفه العقل جوهرا ماهيته ملكة التفكيرلغويا, وأنكر ديكارت على العقل أن يكون كينونة تكوينية بيولوجية أو معنى أدراكيا ماديا فيزيائيا وأنما هو جوهر (لافيزيائي) ولا مادي خالد يلازم الجسم يشبه ملازمة النفس للجسد في خلودها بعد الانفصال عنه بالموت كجوهر فيزيائي فان (فاني) يطاله العدم ولا يطال خلود النفس ولا يطال العقل بالفناء.
وأعتبر ديكارت العقل جوهرا لاماديا منفصلا عن الجوهر المادي الذي هو الجسم.كما ذهب في تطرّفه التجريدي لخلود العقل بعد فناء الجسم أعتباره العقل والنفس جوهرا غير فيزيائي واحدا يلازم الجسم في حياته وينفصل عنه بعد مماته. وحين تبنى ديكارت مقولته العقل ليس فيزيائيا ولا ماديا فأنما يكون أراد بذلك أن العقل ليس هو الدماغ. ومن المهم ذكر أن بارمنيدس تبنى واحدية العقل والجسد انهما جوهر واحد وليس ثنائيتهما كجوهرين منفصلين كما فعل ديكارت, وأكد مقولة بارمنيدس هذه اسبينوزا في القرن السابع عشر ولا تزال نظريته تلك يعمل بها في المجالين العلمي والفلسفي.
طبعا العلم الطبيعي علم وظائف الاعضاء أو الفسلجة تحديدا يفهم معنى العقل في دلالة أخرى مغايرة للفهم الفلسفي وعلوم اللغة واللسانيات غير التي نتداولها في الكلام الدارج في عدم التمييز بين العقل كملكة توليد للغة وبين العقل المقصود به بيولوجيا الدماغ, فعلم الطب البشري يعرّف معنى العقل ويتعامل معه على أنه (الدماغ) وتحديدا المخ من حيث تركيبته البايولوجية الفسلجية العضوية الموجودة في جمجمة الانسان العجينة التي تحتوي المخ والمخيخ والنخاع الشوكي.
وبهذا المعنى المادي الفيزيائي البايولوجي الفسلجي للدماغ يكون الدماغ محكوما بالفناء والعدم كباقي وكمثل كل أعضاء جسم الانسان البيولوجية المادية وموجودات الطبيعة من ضمنها الانسان كاملا جسدا وروحا ودماغا ولا صحة لمقولة لا يشمل الفناء العقل الفلسفي بأعتباره جوهرا لاماديا ماهيته الفكر واللغة....والعقل هو مجموع الخصائص المستقلة المنبثقة عن الدماغ والتي لا يمكن حصرها بها والعقل ليس جوهرا مستقلا حسب تعبير ويكيبيديا الموسوعة الحرة.
ولكن موت الانسان وفنائه الجسمي - النفسي هو موت الدماغ والعقل معا وفنائهما سواء من حيث كونهما ماهية تفكير لا مادي أو من حيث كونهما عضوين فسلجيين في منظومة الادراك العقلي يمّثلان شيئا واحدا من الناحية البيولوجية يفنيان كليهما بموت الانسان وفنائه الجسدي ولا وجود لعقل خالد تحت أي مسمى أو معنى. وليس هناك من خلود للنفس ولا خلود للعقل يعقب موت الجسم باستثناء الفهم اللاهوتي الديني الذي يرى خلود الروح. وهو ما لا يؤكده العلم ولا تأخذ به الفلسفة المعاصرة.
لذا يكون حضور العقل هنا في مقالنا بمعنى (اللوغوس) الخطاب اللغوي التجريدي في التعبير عن مدركات العقل وهو جوهر فلسفي غير بيولوجي وغير متعين ماديا - فيزيائيا كباقي الموجودات والاشياء في عالمنا الخارجي المحيط بنا ويحتوينا وليس هو الدماغ (المخ) الذي تحتويه الجمجمة الذي تكون دراسته من أختصاص طب علم النفس والدماغ ووظائف الاعضاء والجملة العصبية, ومن المهم التذكير أن هذه الخاصية للدماغ لها روابط قوية مع مفهوم الفلسفة للوعي العقلي في توليد اللغة والفكر.وما يعنينا من العقل في هذا المجال هو العقل الفلسفي, الجوهر المنفصل عن الجسد الذي ماهيته توليد الافكار وخاصيته المميزة اللغة والذكاء.
وحين نذهب الى أن العقل جوهر غير فيزيائي لا مادي فأننا سوف لا نذهب مع نظرية ديكارت بأنه جوهر خالد يشبه النفس الخالدة ولا يفنى بفناء الجسم الجوهر الفيزيائي المادي المختلف عن الجوهر العقلي اللافيزيائي اللامادي للعقل .
وبعض علماء اللغة المحدثين حين يعتبرون العقل عضوا بايولوجيا من أعضاء تكوين جسم الانسان.وبهذا يتم الادماج بين العقل الفلسفي كوعي ولغة وفكر وبين العقل البيولوجي كعضو في جسم الانسان وظائفه لا حصر لها.ومن غير المتاح المتيّسر التحدث عن ماهية العقل الفكرية اللغوية بمعزل عن ماهية العقل كوظيفة بيولوجية متعالقة مع الجسم والنفس.
فهذا الفهم التجريدي اللغوي الفلسفي يقوم على أن العقل هوفاعلية الفكر واللغة في التعبير الصوري المجرد عن العالم والاشياء فقط. ويلاحظ أن غالبية الفلاسفة الذين تناولوا بالدراسة العقل يمزجون بين العقل كونه فعالية فكرية توليدية(خطاب) تجريدي لغوي وبين العقل(الدماغ) كعضو مادي بيولوجي فسلجي مدرك مثل باقي أعضاء ومكونات أجهزة الجسم الاخرى .. الدماغ الذي يحتوي مليارات الخلايا العصبية التكوينية له وأرتباطها بمنظومة الحواس عبر الجهاز العصبي والذهن والوعي الانساني القصدي. ولا زالت النظريات العلمية لا تلم الماما كاملا بكيفية عمل هذا الجهاز الفريد في تعقيداته الاعجازية سواء العقل غير الميتافيزيقي المجرد أو الدماغ العجينة المادية (المخ) البيولوجية كعضو في جسم الانسان الحي.
الوعي والعقل
وبالصدد نفسه المتعالق مع مفهوم فلسفة العقل وما معنى العقل وما هو؟ نجد بعض الفلاسفة من مفكري فلسفة العقل المعاصرين أوقعوا انفسهم في أشكالية مستدامة لا خلاص ولا مهرب من مواجهتها تلك هي علاقة (الوعي) بالعقل وعلاقتهما المترابطة كليهما بالفكر واللغة , وكيف نفهم هذه الاشكالية بضوء أن ميزة العقل الانساني هي الوعي القصدي الذكي الهادف الذي يختلف عن وعي الحيوان العشوائي, ولمّا كان الوعي غير فيزيائي ولا مادي ولا معنى ادراكي حسّي له يحدّه شأنه شأن العقل المرتبط وظيفيا به لكنه لا ينوب عنه ولا يمّثله تماما..فالوعي القصدي الذكي ليس هو العقل بل هو حلقة أساسية في سلسلة المنظومة الادراكية للعقل التي تبدأ بالحواس والادراك والوعي والذهن والاعصاب وتنتهي بالدماغ.**
أشكالية الوعي الانساني عند الفلاسفة هي كيف يستطيع العقل اللامادي أدراك ما هو مادي في العالم الخارجي ؟ وكلاهما العقل والوعي لا ماديان بالفهم الفلسفي والعلمي على السواء في اقتصار وظيفتهما على توليد الفكر واللغة, الوعي الذي هو الآخر مثل العقل لغزا لاماديا محّيرا في تمكينه الدماغ المادي والوعي اللامادي من أدراك وفهم الاشياء والموجودات المادية وغير المادية في الطبيعة والانسان ومعالجتها,, لكن من الصعب تحديد ما هوالوعي وما معناه وماذا يعني الوعي للعقل واللغة وما وظيفته في منظومة الادراك العقلي؟ وكيف ينشأ الوعي الذي هو لا مادي من العقل المادي (الدماغ)؟
اليوم مع ظهور فلسفة اللغة وعلم اللغة واللسانيات ونظرية المعنى عامة وهيمنتها بشكل طاغ على مباحث وأهتمامات الفلسفة التقليدية الاخرى, ظهرت الاهمية الاستثنائية للنظر بدراسة الوعي فلسفيا بعد أن جرى ركنه بالظل وأعتباره مبحثا من مباحث الميتافيزيقا التي لا فائدة من الخوض في دراسته ومناقشة أبعاده الفلسفية.
والسبب بذلك أنهم لم يستطيعوا لحد الآن معرفة ماهو الوعي وما المقصود منه وكيف يمكننا تناوله فلسفيا في عجز العلم معرفته فسلجيا (وظائفيا)؟ لكن أصبح الوعي في الفلسفة عندهم اليوم منذ النصف الثاني من القرن العشرين ركنا أساسيا من مباحث فلسفة العقل المعاصرة بتعالقها مع فلسفة اللغة في نظرية المعنى ولا يمكن الغاؤه من المعادلة التي تتداخل علاماتها الدلالية موزّعة على العقل والوعي والفكر واللغة.
جلبرت رايل وفلسفة العقل
يشير الباحث الاكاديمي والمترجم الفلسفي المصري صلاح اسماعيل في أحدى محاضراته التصويرية - السمعية على الانترنيت الى أن مؤسس فلسفة العقل هو الفيلسوف الانجليزي جلبرت رايل (1900 –1976) صاحب كتاب مفهوم العقل الصادر عام 1949 ورغم أهمية الكتاب الكبيرة في عالم الفلسفة لم يترجم الى العربية كما يذكر الباحث.
وكان رايل من أشد المتحمسين لافكارالفيلسوف النمساوي لوفيدج فينجشتين (1889 – 1951) ومن أشد المعادين وليس المعارضين لديكارت وبظهور كتاب رايل هذا ظهر مصطلح فلسفة العقل الحديثة المرتبطة بأوثق العرى مع فلسفة المعنى في اللغة وهو ما يدعو له ويؤيده الاستاذ صلاح اسماعيل...
كانت ثنائيات ديكارت (العقل – الجسم)(الجسد – النفس)( الخير – الشر) وهكذا راسخة ومسّلم بها قرونا طويلة منذ القرن السابع عشر وقبله والى وقت قريب في القرن العشرين تلك هي أن جوهر الفلسفة ومهمتها الاساسية منصّبة على الاهتمام بمبحث الابستمولوجيا(المعرفة) الفلسفة الاولى.. التي أثارت حفيظة رايل في مهاجمته ديكارت ومقولته بشدة في أعتباره العقل جوهرا لافيزيائيا خالدا منفصلا عن الجسم مهمته تزويدنا بالمعرفة (الابستمولوجيا) في توليد ماهيته اللغوية,.
كما أراد ديكارت ترسيخ هذا المعنى بأطلاقية لا تناقش صحتها وصفها رايل بتضليل ديكارت لنا قرونا طويلة, رغم عدم أمتلاك ديكارت معنى محددا للعقل الذي يقصده أساسا..فالعقل عند ديكارت هو المفهوم الذي لا يمكننا معرفته الا بمعرفتنا ماهياته في الوعي والفكر واللغة التي هي منتج وصفات عقلية وظيفية لا تمّثل فهما ما هو العقل الذي بات لغزا محيّرا لا يمكن الالمام التام به وكذلك هو الوعي.
وكما تغاضى ديكارت عن الاجابة على الاشكالية التي أشرنا لها في سطور سابقة اشكالية الوعي - العقلي عند الانسان, هي كيف للوعي العقلي الذي هو لافيزيائي ولا مادي وغير متفق على دلالته الفلسفية وما هومعناه بالضبط وماذا يعني؟؟ أن يكون وسيلة العقل في معرفة الاشياء المادية والتعبير عنها؟
جلبرت رايل في كتابه مفهوم العقل الذي رد به على مفهوم ديكارت للعقل أنكر بضراوة شديدة ثلاثة مسائل جاءت على لسان ديكارت وأتخذت صفة التسليم المطلق بها طيلة قرون في تاريخ الفلسفة وهي:
- الاولى أن العقل جوهر غير فيزيائي منفصل عن جوهر الجسم ماهيته توليد الافكارواللغة التي بهما يفهم العقل عالم الاشياء والموجودات, وهي مقولة سارية المفعول منذ عهد افلاطون وأكد التسليم بها ديكارت وأستنسخها فلسفيا.
- الثانية أن العقل وظيفته الاساسية هو تزويدنا بالمعرفة (الابستمولوجيا) أضافة لمهمته تزويدنا باللغة في التعبير عن مدركاتنا الحسيّة والخيالية بالفكر واللغة ولا توجد للعقل وظيفة غير أدراكنا ومعرفة العالم من حولنا.
- العقل والنفس هما جوهر واحد, وهذا الجوهر خالد يبقى بعد فناء الجسد.
جلبرت رايل أنكر أن يكون العقل (شيئا على الاطلاق) ولا دلالة فلسفية تحدده أي العقل لا شيء بل هو مفهوم مجرد حاله حال مبحث الوجود وهي أرهاصة فلسفية ترجع أصولها الى الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم في القرن الثامن عشر في أنكاره وجود شيء يسمى العقل.وما نسميه عقلا هو مجموعة ادراكاتنا للاشياء وكيفية فهمها ومعالجاتنا لها.
كما ولم يهتم رايل كغيره من الفلاسفة السابقين عليه والمجايلين له التمييز أذا ما كان العقل فيزيائيا أم غير فيزيائي, لكنه لم يهمل أهم ركيزة أعتمدها في فلسفة العقل تلك هي أن مصدر أفكارنا اللغوية التوليدية الصورية التجريدية هو العقل, وأنكر رايل مقولة ديكارت أن يكون العقل جوهرا لافيزيائيا منفصلا عن الجسم.
وهو رأي سليم في تفسيرنا أن رايل كان يعتبر فيزيائية الجسم تحتوي لا فيزيائية العقل التي لا يمكن الفصل بينهما كجوهرين متلازمين بعلاقة أحدهما بالآخر وبغير هذا التفسير لا يبقى للعبارة السابقة أستقامة مفهومية معقولة وصحيحة لدى كل من رايل ومن قبله ديكارت..
كذلك نحصل على نفس النتيجة في لا أمكانية فصل العقل كجوهر ليس غير فيزيائي كما يفهمه ديكارت, وأنما نفهم العقل جوهرا فيزيائيا من الناحية الوظيفية الفسلجية الطبية العلمية كدماغ فيكون بهذا المعنى جوهرا متعالقا بالجسم لا ينفصل عنه سوى بفناء الجسم بالموت حاله حال النفس أو الروح التي لا وجود ولا معنى لها بعد فناء الانسان.ومثلها هي عدم أمكانية فصل النفس كجوهر غير فيزيائي عن الجسم كجوهر فيزيائي وكلاهما يطالهما العدم والفناء هذا باستثناء الفهم الديني حول خلود النفس (الروح) في فناء الجسد بعد الموت التي تبعث في يوم الحساب (الدينونة) في تعبيراللاهوت المسيحي وبهذا المعنى يكون جلبرت رايل أيضا صائبا في نقده لديكارت.. .
كما عارض رايل Rayle المفهوم الفلسفي السائد أيضا عند ديكارت وغيره من فلاسفة أعقبوه لاكثر من قرنين أن تكون معارفنا مستمدة من الادراكات العقلية حصرا بمعنى جوهر العقل يقوم على تزويدنا بالمعرفة الابستيمية فقط, وقال رايل أن العقل هو أستعداد سلوكي يمليه توليد الافكار واللغة التي أعتبرها ميزة العقل التي تكاد تكون الخاصيّة الوحيدة التي تساعدنا معرفة شؤون الحياة والسلوك.
فاللغة سلوك معرفي يقودنا الى المعرفة وليست المعرفة قيمة ناجزة قائمة بذاتها يكون ادراكها الوحيد علميا فقط لا يخلو من لغة هي المعادلات الرياضية والعلامات الرمزية المختبرية التي هي الاخرى لغة غير الابجدية الصوتية في اللغات قاطبة.
وذهب رايل أيضا في تخطئته لديكارت أن يكون مبحث الابستمولوجيا هي وظيفة وملكة العقل الاولى وأنها الفلسفة الاولى مؤكدا على أن الابستمولوجيا بهذا الفهم القديم الكلاسيكي لامعنى لها خاصة مع ظهور فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات والعقل والمعنى أذ أصبح جوهر الفلسفة منذ منتصف القرن العشرين هو المبحث الفلسفي الاول نظرية (المعنى) في فلسفة وعلوم اللغة التي هي سلوك عقلي لا أكثر.
وأنتهى رايل الى أنكار أن يكون العقل مصدر معارفنا (الابستمولوجية) التي تراجعت أهميتها كمبحث مركزي من مباحث الفلسفة. وعلى ذكر الفلسفة الاولى فقد كانت الميتافيزيقا هي الفلسفة الاولى في مبحث الوجود عند افلاطون, وأعقبتها الابستمولوجيا الفلسفة الاولى عند ديكارت في القرن السابع عشر, تلاها فلسفة الدين هي الفلسفة الاولى في العصور الوسطى الاوربية, لتأتي فلسفة اللغة والعقل لتحتل مكانة الفلسفة الاولى في القرن العشرين والى يومنا هذا حسب توصيف تراتيبية الباحث صلاح اسماعيل.
رايل وفلسفة اللغة عند فينجشتاين
كما ألمحنا كان رايل مناصرا عنيدا لافكار فنجشتين في فلسفة اللغة والتحول اللغوي, التي هي أولا وأخيرا فلسفة (المعنى). التي سادت منذ منتصف القرن العشرين وبقيت فاعلة مستمرة الى اليوم.ومن المعلوم أن العديد من الفلسفات التي توزعت في اوربا وامريكا في القرن العشرين كانت تستقي منطلقاتها الفلسفية من معين محورية فلسفة العقل ونظرية (المعنى ) في التحوّل اللغوي مثل الوضعية المنطقية الالمانية حلقة (فينا) والتحليلية المنطقية الانجليزية حلقة اكسفورد والفلسفة البنيوية والتفكيكية وأخيرا التاويلية (الهرمونيطيقا) في فرنسا والمانيا وأنتقل تأثير هذه الفلسفات لامريكا في محاولة بناء فلسفة أحيائية حداثية للفلسفة الامريكية الام البراجماتية العملية العتيقة (pragmatism ) بضوء فلسفة العقل وعلوم اللغة والمعنى.. وجميع هذه الفلسفات كان أرتباطها بفلسفة العقل واللغة شديدا بين ناكر للعقل ومؤيد لفاعليته ودوره وحضوره في مباحث الفلسفة المعاصرة.
لقد تراجع الاهتمام بمبحث الابستمولوجيا في الفلسفة المعاصرة في القرن العشرين بل صار معظم الفلاسفة يعتبرونها من مباحث الفلسفة الميتافيزيقية التي لا فائدة منها. ولم تعد تمتلك تلك الهالة المعرفية التي تستحقها, وهذا ماقام به فلاسفة اللغة أمثال فينجشتين ورايل ورورتي وكارناب واوستن وكواين وسانتيانا وعديدين غيرهم أعتبروا الابستمولوجيا مبحثا ميتافيزيقيا تجاوزته الفلسفة المعاصرة بلا رجعة.
وكانت مقولة جلبرت رايل الصاعقة قوله (العقل لا شيء على الاطلاق ) صادمة في أنكار العقل بضوء سباحة الفلسفة المعاصرة في بحيرة فلسفة اللغة ونظرية المعنى وعلوم اللسانيات وفلسفة العقل والوعي ومعناه, وتوقيت مقولة رايل في النصف الثاني من القرن العشرين تختلف عن توقيت وأهمية مقولة ديفيد هيوم(1711 -1776) نهايات القرن الثامن عشرفي أنكاره وجود شيء يدعى العقل اذ لم يكن وقتذاك معروفا تلك العناية الفائقة في فلسفة اللغة والمعنى كما هو الحال بعد منتصف القرن العشرين في أنعطافة التحوّل اللغوي لذا عندما أطلق هيوم عبارته لاوجود للعقل كانت مقولته في عصر شهد أنعطافة منطقية تجريبية حديثة قادها جون لوك وهيوم وبيركلي ومور في محاولتهم تثوير وأحياء آراء فرانسيس بيكون ونزعته العلمية التجريبية (1561 – 1626) التجريبية في أعلاء قيمة العلم في القرن السابع عشر الذي كان ديكارت مساهما مهما فيها ايضا.
جلبرت رايل ومقولات ديكارت عن العقل
نستطيع القول بضوء فلسفة العقل واللغة عند رايل في رده على ديكارت أن :
- العقل ليس جوهرا منفصلا عن الجسم كما قال ديكارت ولا أهمية يكتسبها العقل بهذا الانفصال التعسفي عن الجسم, وأن العقل ليس غير فيزيائي مادي يشبه النفس في أكتسابهما الخلود المزعوم بعد فناء الجسد, بل العدم الذي يطال فناء الجسد يطال العقل والنفس على السواء.
- ماهية العقل هو التفكير في أنتاج وتوليد الافكار واللغة ووظيفة العقل الفلسفية هو ملاحقة فائض (المعنى) في مباحث اللغة وعلوم اللسانيات وليس مهمته تزويدنا بوسائل اكتسابنا المعرفة (الابستمولوجيا) على مختلف المستويات وفهمنا العالم خارج نطاق نظرية المعنى التي تقوم على فلسفة اللغة.
- العقل عند رايل (استعداد سلوكي) وليس مصدرا وحيدا في أكتساب المعرفة كما كان راسخا في معتقد الفلاسفة منذ عصر ديكارت في محاولة مجاراة النزعة العلمية التي لقيت أهتماما فلسفيا كبيرا في القرن السابع عشر.
كيف تستهلك اللغة العقل؟
عليه يبدو غريبا قولنا أن يكون العقل بهذا التوصيف الفلسفي الجديد عند رايل وفي محيط وأجواء تبنّي الهوس المحموم بفلسفة اللغة والمعنى وعلومها واللسانيات والتحول اللغوي والتاويل, أصبح العقل سلسلة لغوية من التجريد تستهلك ذاتها كموّلد ذاتي للافكاريستهلك العقل ذاته في توليده اللغة بها ومعها أيضا.. فلا يمكننا تصور أندثار اللغة الاستهلاكي من غير اندثار العقل التوليدي التجريدي لها, في ملاحقة فائض المعنى اللغوي المطلوب على الدوام وباستمرارية لا تتوقف من ممارسة التفكيك والتحليل والتاويل, وملاحقة المعنى هي خاصية لغة العقل الجوهرية وماهيتها داخليا وليس خارجيا أي ليس هناك مؤثر على ملاحقة المعنى لغويا سوى النص الماثل فقط كما يذهب له جاك دريدا,ولا معنى لمؤثرات الواقع الخارجي على فلسفة المعنى واللغة...
وبهذا يكون توليد العقل للافكار في ملاحقة وتصنيع المعنى المضاف يعني أندثار العقل تدريجيا كوعي فكري لغوي وأستنفاد طاقته التعبيرية الصورية في التجريد قبل موته السريري المحتوم في العدم الفيزيائي الذي يلحق الجسم ككل من ضمنه العقل المفكر حتى لو كان جوهرا غير فيزيائي فموت جسم الانسان يعني فناء النفس والعقل معه. ولا أهمية ولا معنى يبقى للعقل أن يكون جوهرا منفصلا خالدا كما أراد له ديكارت.
جلبرت رايل رغم مقولته المتطرفة الصادمة (العقل لا يعني شيئا أبدا) فهو على حد تعيرالاستاذ صلاح اسماعيل لم يكن يعادي الميتافيزيقا متماهيا مع سلفه فينجشتين في عدم معاداتهما الميتافيزيقا صراحة كليهما, في نفس الوقت الذي لم يكن فيه يجاري رايل المنطقية التجريبية والتحليلية الحديثة (حلقتي فينّا واكسفورد) في عدائهما المستميت للميتافيزيقا معتبرين أن العالم كله ومعه الانسان هو تكوين من طبيعة فيزيائية أولا واخيرا..رغم وجود وجهات نظر فلسفية جادة تعتبر الانسان جوهرا ميتافيزيقيا والفلسفة جوهر وتعبير ميتافيزيقي بالصميم أيضا لن يندثر ولا يموت في تاريخ الفلسفة ماضيا وحاضرا ومستقبلا....
كما رغب فلاسفة اللغة وخاصة الفلسفة التحليلية الانجليزية المتأخرة على يد اوستن ورايل ورورتي الامريكي وبراتراند رسل شيخ الفلاسفة الانجليز وفلاسفة العالم المعاصرين أن يجعلوا الفلسفة تحليلا علميا تسنده الرياضيات وعلوم الفيزياء حصرا في محاولتهم تخليص التحليل اللغوي من متاهة الركض وراء المعنى اللغوي بما هو هدف غير متحقق على صعيد أخراج مباحث اللغة من التوهان الموغل في قواعد اللغة وكيفية تعلم الطفل اللغة وهل اللغة ملكة فطرية توليدية صرف أم هي ملكة توليدية تنمو وتتطور في السلوك الاجتماعي للفرد وغير ذلك من مباحث أستولدتها ظاهرة التطرف في التحول اللغوي الذي ترجمته تتويجا كلا من الفلسفتين التفكيكية والتاويلية اللتين غرقتا في مستنقع نظام اللغة بما هو نظام لا علاقة له بنظام الواقع الخارجي المصنوع انسانيا.
أذا تماشينا مع التحليلية المنطقية الانجليزية التي أنضم لها فينجشتين مؤخرا أبّان تواجده بوظيفة استاذ للفلسفة في جامعة اكسفورد, فهؤلاء الفلاسفة أعتبروا الفيزياء والكيمياء والرياضيات أصل العلوم الطبيعية جميعها وأن كل قضية أو مسألة لا يمكن التحقق المنهجي العلمي منها تعد باطلة لا معنى ولا قيمة لها....
الهوامش
ملاحظة : أود الاشارة الى أن بعض افكار هذا المقال مستمدة من سماعي على النت فيديو مسجلا لمحاضرة استاذ الفلسفة المصري صلاح اسماعيل وقد اشرت لذلك خلال اسطر المقال وبعضها تجاوزت الاشارة له لأنه تعبير خاص بي.
*** طبعا هناك من علماء اللغة المعاصرين من يعتبر العقل الفلسفي (اللوغوس) وليس الدماغ فقط هو عضو بيولوجي مادي ولي تعقيب على هذا الراي في مقال قادم اكثر رغم توضيحي الفارق بينهما في سطور هذه الورقة.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,859,049,346
- ماهية العقل بضوء نظرية المعنى
- الوعي القصدي والمعنى اللغوي
- فلسفة الحياة مداخلة نقدية
- نظرية المعنى في فلسفة العقل واللغة
- الحداثة حضور التنظير النخبوي وتغييب المجتمعات
- الموت والخلود في الفلسفة الغربية الحديثة
- الحقيقة البراجماتية والوعي الزائف
- ماكس شيلر وعي الوجود الصفات والماهية
- اغتراب لغة النص في التفكيك والصوفية
- النزعة الفطرية الدينية في الفلسفة الغربية الحديثة
- نيقولاي هارتمان وميتافيزيقا الفلسفة الحديثة
- الوجود والموجود ..الثبات والصيرورة
- الفلسفة وما بعد الفلسفة
- الوعي الخالص واللغة
- أيهما أسبق أدراكيا الفكر ام اللغة؟
- السرديات الكبرى وما بعد الحداثة
- قراءة في نقد الفكر الديني/النص وسؤال الحقيقة
- الجنس :الحداثة وانحلال الاسرة
- الجنس البدائي ومشاعية تملك المرأة والثروة
- بول ريكور :تاويل خطاب ما بعد البنيوية


المزيد.....




- مصر تتصدر والسعودية تتفوق على إسرائيل.. قائمة بأقوى جيوش الم ...
- أوكسفام تحذر من أزمة جوع شديدة في اليمن وسوريا والسودان بسبب ...
- الأسد يعلق على اتفاقية عسكرية -شاملة- مع إيران
- باحث عسكري يكشف هدف المناورات العسكرية المفاجئة للجيش المصري ...
- تحطم مروحية عسكرية في أفغانستان
- حمدوك يطالب الحكومة السودانية بتقديم استقالتها بعد توقيع اتف ...
- الأطباء الإيطاليون ينجحون في فصل توأمين سياميين لطفلتين موصو ...
- شاهد "بك وويت" الحمار الذي يمكنك توظيفه، لاختراق ا ...
- أزمة لبنان: كيف أصبحت الهجرة -الخيار الوحيد- بالنسبة للبناني ...
- مقتل جورج فلويد: وثائق جديدة تكشف أن الضابط أمره أن -يتوقف ع ...


المزيد.....

- جون رولز والإصلاح الليبرالي تحدي اليوتوبيا الواقعية / لمرابط أحمد سالم
- نقد الفرويدية / نايف سلوم
- العشوائية اللاغائية الغير مخططة تصنع الحياة والوجود / سامى لبيب
- داوكنز يخسرُ في - رهان باسكال - / عادل عبدالله
- ثورة الحرية السياسية: أفكار وتأملات في المعنى والمغزى / علا شيب الدين
- العدالة الاجتماعية... مقاربات فكرية / هاشم نعمة
- مورفولوجيا الإثارة الجنسية و الجمال. / احمد كانون
- الماركسية وتأسيس علم نفس موضوعي* / نايف سلوم
- هل كان آينشتاين ملحداً؟ / عادل عبدالله
- هيدجر وميتافيزيقا الوجودية / علي محمد اليوسف


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - علي محمد اليوسف - العقل الفلسفي بضوء نظرية المعنى