أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - فيصل عباس محمد - سوريا وشعبها بين شقي الرحى















المزيد.....

سوريا وشعبها بين شقي الرحى


فيصل عباس محمد

الحوار المتمدن-العدد: 6523 - 2020 / 3 / 25 - 11:59
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


تسع سنوات مضت على الانتفاضة السورية ضد النظام والتي بدأتْ بزخم حقيقي في 15 آذار 2011، فقد انتفض الشعب السوري بعد أربعة عقود من المعاناة في ظل نظام استبدادي أذاقه أقسى صنوف القمع والإذلال، وتَسَبَّبَ هذا النظام – بفساده وسوء إدارته للشأن العام – بمعاناة اقتصادية ازدادت حدتها قبيل الربيع العربي بفعل ظاهرة قحط في منطقة الجزيرة السورية (شمال شرق البلاد) عام 2008 لم يكن لها مثيل منذ 500 سنة، ونتج عنها هجرة مليون سوري من الريف إلى مدن حلب حمص ودمشق مما زاد في المعاناة الاقتصادية وتفشي البطالة.
الانتفاضة – التي استلهمتْ ثورتي تونس (18 كانون الأول 2010) ومصر(25 كانون الثاني) - طالبتْ بالإصلاح ثم بإسقاط النظام بعد أن واجهها ببطش هائل، ونادتْ بتحقيق الحرية والكرامة وحياة اقتصادية أفضل. بعد هذه السنوات الدموية التسع ودخول الانتفاضة عامها العاشر هل اقترب الشعب السوري من تحقيق هذه الأحلام المشروعة؟

رغم أن الاحتجاجات كانت سِلْمِيَة – عموما - خلال الأشهر الثلاثة الأولى (مع بعض الاستثناءات) إلا أن النظام واجهها بوحشية وبطش يستعصيان على الوصف، ولم يكن هذا وليد اللحظة، كما لم يكن يتعلق بطبيعة النظام فحسب، بل إن موقع سوريا الجيوسياسي الشديد الأهمية جعلها ساحة حرب بالوكالة بين النظام والقوى الداعمة له (إيران وأدواتها من جهة وروسيا) من جهة والمعارضة السورية والجهات التي "تَبَنَّتْها" من جهة أخرى، حرب تُبَرْهِن صحة مقولة باتريك سيل بأن من يسيطر على سوريا يتحكم بالشرق العربي.
النظام اعتبرَ المواجهة مع شعبه - الذي تجرأ وكسر جدار الرعب - قضية وجودية، وقبيل الاحتجاجات استُدعي المعارض البارز ميشيل كيلو من قِبَل اللواء توفيق يونس رئيس إدارة المخابرات العامة وقال له مهددا: "سوف نقتل كل من يتظاهر بالشارع"، أما الزعيم الإيراني خامنئي فقد طلب من رأس النظام بشار الأسد بالضرب بيد من حديد في تعامله مع المتظاهرين السلميين، وبالتأكيد لم يكن خامنئي مضطرا إلى بذل جهد كبير في إقناع الأسد كما يظهر من كلام الأخير في اجتماع بدمشق في أواخر آذار 2011 بحضور قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني وشقيق بشار العميد ماهر الأسد قائد الحرس الجموري: "عَلّمناهم درسا في حماة أسكتهم لمدة 40 سنة، وأنا سأُعَلِّمُهم درسا سوف يسكتهم لمدة 100 سنة".

ماهر الأسد – من جهته – أبلى لاحقا "بلاء" أكثر من "حسن" في قمع المحتجين، وحين وُضِع على قائمة الحظر الأوروبية التي شملت الكثير من مسؤولي النظام وَصَفَه الاتحاد الأوروبي بأنه "المشرف الرئيس على ممارسة العنف ضد المتظاهرين، وهو توصيف أكَّدَتْه ممارسات ماهر، فعلى سبيل المثال حين كانت عناصره تحاصر بلدة داريا جنوب دمشق (الحصار الذي استمر من نهاية 2012 ولغاية كانون الثاين 2015) أمرهم أن يجتاحوها بأي ثمن، حتى ولو اضطروا لتسويتها بالأرض.
وقد عَلَّقَ الباحث نيكولاس فان دام بأن كلاً من المتظاهرين والمعارضة المسلحة وداعميها (الغرب وحلفائه الخليجيين وتركيا) "أخطأوا في تقدير مستوى بطش النظام".
وبينما كانت قواته الأمنية تقتل المتظاهرين السلميين، ألقى بشار الأسد خطابه الشهير أمام "مجلس الشعب"، وأَعلنَ أن الاحتجاجات هي مؤامرة يجب "وأدها"، ومن لايشارك في الوأد يكون جزءا من المؤامرة، وهذا باختصار كان تهديدا للشعب السوري قاطبة، كما كان بمثابة إعلان عن خطة العمل الجهنمية التي التزم بها حتى هذه اللحظة.

حادثة اعتقال خمسة عشر تلميذا من درعا، وأعمارهم مابين 8 إلى 11 سنة، لارتكابهم "جريمة" كتابة شعارات تطالب بإسقاط النظام، وتعرضهم للتعذيب في مركز المخابرات، بما في ذلك الحرق واقتلاع الأظافر، كانت نذيرا "بسيطا" بما سوف يأتي لاحقا من جرائم وفظائع.
ازدادت حدة القمع بعد ظهور المعارضة المسلحة المنظمة في أواخر آب/أوائل أيلول 2011، وعمد النظام إلى محاصرة المناطق "المتمردة" (مضايا، الزبداني، وادي بردى، محجة، داريا، يلدا، بيت سحم، ببيلا، الغوطة الشرقية، الرستن، تلبيسة، الحولة، حي الوعر في حمص) وقطع الماء والكهرباء والاتصالات عنها ومصادرة المواد الغذائية الداخلة إليها، هذا بالإضافة لاستخدام الدبابات والطائرات الحربية والقصف بالبراميل المتفجرة بدون تمييز بين مسلحين وعزّل، وحتى بالسلاح الكيماوي، ولم يَسْلَم من القصف أي هدف مدني: الأبنية السكنية، المخابز، الأسواق، المستشفيات، المدارس... وهذا ترافق مع حملات اعتقال لاتنتهي (250 إلى 300 ألف معتقل) وتعذيب في منتهى السادية وإعدامات مستمرة طاولت الآلاف.

مارس النظام وحلفاؤه الأيرانيون وحزب الله "لعبة" التغيير الديموغرافي (التطهير العرقي) بتهجير سكان من "الهوية" الطائفية الأخرى وإحلال عناصر إيرانية ولبنانية (من عناصر حزب الله) مكانها كما حصل في الغوطة الشرقية والقابون والمنطقة الوقعة بين دمشق والحدود اللبناينة والقصير وبعض أحياء حمص وحلب ودير الزور والبوكمال، ومَنَحَ الجنسية السورية لعدد من المقاتلين الأجانب "الشيعة" الذين استقدمتهم إيران بشكل رئيس من باكستان (لواء الزينبيين) ومن أفغانستان (الفاطميون) "كمتطوعين" لنصرة النظام، ولم يأبه النظام بالأثر السلبي والمستفِز لهذه التسميات الطائفية ومثيلاتها من القوات "الرديفة": "لواء أبو الفضل العباس"، "قوات الرضا"، "فوج ذي الفقار" ...

المعارضة المسلحة

بدأت المعارضة المسلحة رسميا بإعلان تشكيل "الجيش السوري الحر" في 29 تموز 2011 من الضباط والجنود الذين انشقوا عن النظام، ولكن مأزق المعارضة المسلحة كان يكمن في مصدر التسليح، وكانت "عسكرة" الثورة تسير يدا بيد مع "أسلمتها" وإعطائها طابعا جهاديا وطائفيا بتأثير أجندات مانحي السلاح (تركيا زائد دول خليجية على رأسها السعودية)، ومعظم هذه الأجندات لا يتسق مع طموحات الشعب السوري وماهية الغيير الذي ينشده في وطنه، بل إن جميع الجهات الداعمة بالسلاح والمال – بما فيها الولايات المتحدة – بدتْ متفقة على أن يكون الدعم العسكري غير كاف لحسم الحرب مع النظام، وقد شكا مقاتل سابق في صفوف المعارضة بمرارة للكاتب روبرت فيسك في آب 2017 وقال إن الولايات المتحدة وحلفاءها الخليجيين "أغدقوا سيلا من الأسلحة في سوريا – أسلحة كافية لتدمير سوريا، ولكنها لاتكفي لإسقاط النظام، ثم حاولوا توجيه الجماعات المسلحة من تركيا والأردن".

في المناطق السورية التي سيطرتْ عليها المعارضة المسلحة لم تكن الحياة فيها تشبه الصورة التي كانت غالبية الشعب السوري تحلم بها حين انتفضت ضد الاستبداد، فقد كانت الهيمنة – عموما – للتنظيمات الجهادية التي أرادت أن تَحْكُم السكان وفق نسختها من "الشريعة الإسلامية"، فأنشأت المحاكم "الشرعية" والسجون، ومنعتْ حرية التعبير والصحافة، وكانت أحيانا تطلق النار على المتظاهرين السلميين المعارضين لها، وحاصرت وجوّعت – بدورها مناطق "موالية" (الفوعة، كفريا، مخيم اليرموك ...) للنظام وارتكبتْ مجازر بحق المدينيين حين دخلتْ بعض قواتها إلى مناطق تسكنها "طائفة النظام" (اشتبرق، عقرب، عدرا، معان، ريف تلكلخ، ريف اللاذقية ...)، وقد مارستْ نوعا من التطهير العرقي والإثني كما حدث في بعض مناطق إدلب (تهجير الشيعة) وفي عفرين (تهجير الأكراد)، كما مارستً "وحدات حماية الشعب" الكردية سياسة مماثلة ضد بعض المناطق العربية في الشمال الشرقي السوري، ومارستْ فرض التجنيد الإجباري في مناطق سيطرتها بما فيها محافظتي الحسكة ودير الزور – مثلما فعل النظام السوري في مناطق سيطرته - كما أن المعارضة الجهادية لم تتورع عن استخدام السلاح الكيماوي ضد مناطق سيطرة النظام.
هذه الفصائل أطلقت الكثير من الأسماء الطائفية والإثنية على تشكيلاتها: "حركة نور الدين زنكي"، "فرقة السلطان مراد"، "جيش السُّنَّة"، "ألوية الفاروق"، "جيش الإسلام"، وهذا أيضا لا يعكس طبيعة تفكيرغالبية الشعب السوري البعيد عن الاستفزاز الإثني والطائفي.
تَعَمَّدْنا إهمال ذكر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لأن الكاتب لا يعتبرها – رغم خطورتها - ظاهرة سورية، وتستوجب دراستها – بالتالي - سياقا منفصلا.

المعارضة السلمية

هذا الشق من المعارضة – بجناحيه الليبرالي واليساري – جرى تهميشه من قبل الدول ذات الوزن والتي رأت في الخيار العسكري – بدماء السوريين وعلى حساب وطنهم – ضمانا أكبر لإدارة الصراع وفق مصالحها المتصارعة أو جرى استقطاب بعض رموز الليبراليين من قبل الدول التي تبنّتهم ... دون أن تتبنى قضاياهم بشكل عام، وللأسف حيل بينهم وبين لعب أي دور فاعل في الأحداث، بل إن غالبية المعارضين الليراليين يؤخذ عليهم السكوت عن الكثير من ممارسات الفصائل المسلحة وعدم إدانتها.

لا ضوء في نهاية النفق ... بعد

إذاً مايزال الشعب السوري بعيدا عن حل سياسي يضعه على بداية الطريق نحو حياة أفضل بعد تسع سنوات من القتل والدمار ومقتل ما يزيد عن 600000 إنسان معظمهم من المدنيين، ومعظم هذا الدمار والقتل كان على يد النظام الذي قُتل تحت التعذيب في مراكز أمنه مابين 14 إلى 18 ألف معتقل بما فيهم نساء وأطفال، وأما قرار مجلس الأمن 2254 الصادر في عام 2015 والذي ينص على مرحلة انتقالية تنتهي بتقرير الشعب السوري لمصيره فهو مايزال ينتظر الإرادة الدولية لتطبيقه، ومايزال الشعب السوري وما تبقى من وطنه يُطحن بين شقي الرحى: النظام من جهة والقوى الجهادية الظلامية من جهة أخرى، وكما عَلَّقَ تشومسكي قبل سنوات: "إسرائيل وأميركا تستمتعان بالمشهد بينما تنزلق سوريا نحو الانتحار".




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,759,183,023
- اقتحام قيصر الكْرِمْلِن لسوريا: الأهداف والأدوات وحدود اللعب ...


المزيد.....




- امين عام الاشتراكي يعزي برحيل المناضل فرج سالم بازومح
- الحزب الاشتراكي اليمني ينعي المناضل فرج سالم بازومح
- في يوم الصحة العالمي : الشيوعي العراقي يحيي الكوادر الصحية و ...
- حزب التجمع يوقع الدعوة المشتركة مع الحزب الشيوعي الصيني لمك ...
- العدد 354 من جريدة النهج الديمقراطي‎ نسخة إليكترونية
- بيان بمناسبة اليوم العالمي للصحة 2020
- بلاغ صحفي حول اجتماع المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية ...
- التحالف الشعبي يطالب بفتح تحقيق فوري في الإهمال بمعهد الأورا ...
- بعد الرسالة إلى رئيس الجمهورية حزب العمال يدعو إلى إجراءات ع ...
- “التقدمي” فى بيان بمناسبة يوم الضمير العالمي العالم يحتاج إل ...


المزيد.....

- من تدويناتي بالفيسبوك / صلاح الدين محسن
- صفحات من كتاب سجين الشعبة الخامسة / محمد السعدي
- مع الثورة خطوة بخطوة / صلاح الدين محسن
- رسالة حب إلى الثورة اللبنانية / محمد علي مقلد
- مراجعة كتاب: ليبيا التي رأيت، ليبيا التي أرى: محنة بلد- / حسين سالم مرجين
- كتاب ثورة ديسمبر 2018 : طبيعتها وتطورها / تاج السر عثمان
- من البرولتاريا إلى البرونتاريا رهانات التغيير الثقافي / محمد الداهي
- الجزائر الأزمة ورهان الحرية / نورالدين خنيش
- الحراك الشعبي في اليمن / عدلي عبد القوي العبسي
- أخي تشي / خوان مارتين جيفارا


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - فيصل عباس محمد - سوريا وشعبها بين شقي الرحى