أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عادل امليلح - ما هو التنوير؟















المزيد.....



ما هو التنوير؟


عادل امليلح

الحوار المتمدن-العدد: 6342 - 2019 / 9 / 5 - 04:06
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


بدايةً لنتسائل: ما هي تلك الغاية التي تفرض علينا إعادة طرح هذا السؤال على الرغم من كل ما قيل في مسألة التنوير؟
إن التنوير في نهاية المطاف ليس سوى نداء عظيم إلى الحرية، وتعبير موضوعي عن الإنسان الحر، الكائن العقلاني المتبصر لوجوده ومصيره، والفاعل في ذاته ومحيطه، لذلك فإن الغاية من كل تنوير هي إعادة توجيه الإنسان المصادر في حريته وامكاناته العقلية و الإنسانية، المقيد ماديًا ورمزيًا، ذلك الإنسان التائه.. وهو أيضا دعوة نبيلة للانتفاضة والتمرد، على كل تلك القيود التي تثقل كاهلي كإنسان، ولأنني أخاطبك أنت بالخصوص أيها الإنسان العربي، أيها الضائع بين ردهات الزمن، ومتاهات الإستغلال والإستبداد..
فما هو التنوير إذا؟
لست أدعي امكانية بناء جواب على هذا السؤال بتلك الدقة التي قدمها الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط، حتى أضحى جوابه شبه مرجع لكل دعوة تنويرية، فإذا كان التنوير عند كانط يحيل إلى إستعمال العقل في كل الميادين، وتخطي كل الأصفاد التي يقيد بها الإنسان ذاته، أي الحد من صلاحيات العقل البشري.. فإن مسألة التنوير في مجتمعاتنا العربية بهذا المعنى، تظل مسألة عصية على الرغم من كل الدعوات المتواصلة لتنوير الرأي العربي..
والحق أن فهم التنوير الكانطي لايمكن أن يتم في معزل عن السياق التاريخي للمجتمع الاوروبي ذاته، وخاصة تطور مفهوم الدولة الحديثة، ذلك أن مفهوم التنوير قد إستوعب مكتسبات عصر النهضة كاملة، وترجم جل التحولات الشاملة التي شهدتها أوروبا أنئذ، ولم يكن استعاب كانط لمتطلبات المرحلة الموالية باعتباره رائدًا في عصر التنوير، سوى ثمرة لمسارات التحول التي وعى بها، ليقول لنا بكل جرأة، إن المرحلة القادمة هي مرحلة ((فعالية العقل البشري))، وليس جوابه على مفهوم التنوير هو ما حرر الإنسان الأوروبي من سلطة الكنيسة ومظاهر العبودية وأسس لدولة ديمقراطي مستمدة من القانون الوضعي والقائمة على أسس علمانية ومدنية، بل لأن أوروبا ذاتها كانت تسير في هذ المسار.
وإذا كنت أقول بالسياق التاريخي فليس معنى ذلك أنه يتوجب على كل مجتمع بناء نموذجه التنويري الخاص به، لآن ذلك لا يصح، ولأن التنوير يحيل إلى الشمولية، فهو مرادف للعقل والعقلانية معًا، باعتبارهما صفتين من صميم الإنسان الحر، ففي ظل التنوير لا يمكن أن نكون سوى عقلانيين و إنسانيين، وعليه فكل دعوة إلى التنوير تدعي الخصوصية، هي في واقع الأمر تقيم حدودًا وتفرض قيودًا على العقل، لآن الخصوصية تمييع للكلي الإنساني وتقنيين لصلاحيات العقل البشري التي هي أكبر من أي خصوصية، ولكن يكمن دور فهمنا للسياق التاريخي في معرفة مدى استعداد المجتمع للدخول تجربة التنوير، وهل المكتسبات التاريخية لهذا المجتمع أوذاك قادرة على أن تستوعب قيمة التنوير؟
ومن هذا المنطلق ينبغي علينا أن ندرك أن التنوير يتعارض مع الخصوصية مهما إدعت من حكمة ورزانة، إنه إنساني، يبدأ من تلك الحدود التي نرسمها للخصوصية، وهو بذالك إنما يستجيب لطبيعة العقل الكونية.
والإنسان هو متنور لا لأنه يخضع لأنماط فكرية وثقافية معينة، والمجتمع المتنور هو متنور لا لأنه يعيد مرحلة من مراحله التاريخية، ولكن الأمر هو عكس ذلك، إذ يتجاوز الفرد الحدود والقيود التي يرسمها المجتمع أمامه، وينتقل المجتمع من ثقل الماضي وامتداداته التي لا تتيح له امكانية الإختيار والتقرير في مصيره وفي كل ما هو ضروري له، إلى مرحلة أرقى تتمثل في القدرة على بناء اختيارات جديدة واتاحتها.. وهكذا سيساهم الفرد والمجتمع المتنورين في إطار تبادلي-جدلي في تحقيق غاية التنوير، بحيث يتم التميز بين الحرية المطلقة للعقل والحرية المتاحة في إطار عقد إجتماعي وضعي ومدني، وليس عقد إجتماعي رجعي، إذ في ظله لايمكن معاقبة الفرد لمجرد رأيه ليس في مجالات محددة وحسب، وإنما في إطار عام يعم كل الميادين، وفي المقابل لايمكن إلزام المجتمع بهذا الرأي أو ذاك، إلا في إطار تعاقدي متفق عليه إجتماعيًا، ولأن المجتمع المتنور سيعمل بدون ريب على تبنى الرآي الأكثرا تنويرًا، والعكس فالمجتمع المتمترس خلف الظلام، سيتبنى بدون شك ذلك الرأي الذي يرفض التنوير ويذمه.
ومن هنا يمكن القول يحيل التنوير إلى بعدين، بعد فردي يرتبط بذاتية الفرد باعتباره محور كل فعل تنويري، وبعد إجتماعي يرتبط بالعلاقات المنسوجة في إطاره بكل أبعادها الزمانية والثقافية، وترابطاتها الداخلية والخارجية.
فماذا يعني فرد متنور؟
إنه يعني قبل كل شيء ((إمكانية عقلية))، أي تمكين العقل من كامل صلاحياته في ممارسة فعل التفكير، ولكن ليس هناك من عتبة محددة لحدوث التنوير ولا علاقة له بشعوريات الفرد، فلا يمكن أن أقول اليوم، هذا فرد متنور وأنفي عنه هذه الصفة غدا، لأنه ملازم لنا باستمرار، ولا يسمح بالإرتداد إلى الخلف، فهو ليس موقف بل ”قيمة“ تتحقق لدى الإنسان قائمة على القناعة والبرهان، إلا أنه يمكن الجزم بوجود إشارات، أقول اشارات يتجلى من خلالها التنوير نظرا وفعلا، والمتمثلة في:
* إستقلالية الفكر وعلمانيته: إننا وفي ظل التنشئة الاجتماعية التي نتلقاها بفعل كوننا ننتمي لمجتمع، نكتسب كأفراد جملة من القيم والمفاهيم التي من خلالها تتحدد نظرتنا للعالم والوجود.. بصدق كلنا نكون في كهف أفلاطون، وبما أنني تفكيرنا يكون مرتهينا لها، فهي إذا تمارس علينا سلطتها، وهذه السلطة تتعارض مع استقلاليتنا كأفراد، فهل أكون هنا متنورا؟ لا، لكن ما إن أتساءل إن أمكنني التجرد من هذه القيم والمفاهيم عندما أفكر في حادث أو قضية ما، أنئذ أكون أمام نقطة مفصلية، تلك النقطة التي يتجرد فيها الإنسان من كل الخلفيات والمسلمات التي لم تكن نتاج فعل عقلاني واعي، وبالتالي فإن الإستقلالية تحيل إلى التفكير الحر في ذاته، القادر على بناء رؤى مختلفة تماما، عن تلك القائمة والمتعارف عليها باسم الجماعة، أو على الاقل أن يقوم بتقويم تلك المسلمات التي إكتسبها دون وعي منه، وهذه الرؤى المختلفة قد لا تكون مكملة ومصلحة لما هو قائم، ولكن يمكن أيضا أن تكون متعارضة وتقتضي هدم ما هو قائم، خاصة وأن الإنسان لايميل إلى إبراز إختلافاته إلى حينما تعجز تلك المسلمات وذلك الواقع بمفاهيمه وبقيمه على توفير الفضاء المناسب ليفجر قدراته العقلية،
والإستقلالية لايجب أن تكون مقتصرة على ميادين محصورة ومقننة دن سواها، بل هي إرادة الشك في كل شيء، وهي أيضًا إرادة رفض كل شيء..
في حين ترتبط علمانية-فكرية بالإستقلالية وملازمة لها، وتعني التفكير بعيدًا عن المؤثرات الدينية والعرفية... وكذلك بعيدًا عن أي إنجذاب عاطفي أو تعويض نفسي تجاه حوادث أو قضايا معينة، بحيث في ظل هذه العلمانية يسعى العقل إلى إعادة الحوادث إلى ذاتها، والتساؤل حول الأسباب الموضوعية التي يمكن ملاحظتها واختبارها، إن بالتجربة أو بواسطة الحس السليم.
ولنوضح ذلك لنا مثال ”الريح“ باعتبارها حادثًا، فلو قبلت بالطرح السائد الذي يرد الريح إلى فعل غيبي، وإلى قوى خارقة، فإن هذا الطرح يكتفي بذاته، ولا يمكن اختباره لإختفاء الأسباب الموضوعية لذلك، على الرغم من مدى صلاحيات هذا الطرح! وما إن أعطل هذا الوصف الأعمى وأشك في في قيمته العلمية، متسائلا حول ماهية الريح، مستشفا الظواهر المادية المسؤولة عن ذلك، أبدأ في ممارسة صلاحياتي العقلية بكل استقلالية، أنئذ أضع سدًا منيعًا بيني وبين التصور السائد، ذلك أن العلمانية تقديم الأسباب المادية عن الأسباب الرمزية، هو نوع من الكفر إذا!! لكنه ضروري تجيزه لنا صلاحياتنا العقلية كبشر، ولكن لا يعني أن الأراء التي يتم بناؤها على أساس عقلاني، هي إعلان الحرب على باقي الأراء الأخرى، مهما أظهرت من تماسك وتناسق، وإنما ينبغي إحترامها، ولايعني إحترامها السكوت عن تجاوزاتها وإنما وبشكل عقلاني إبراز نقاط ضعفها وقوتها، واخضاع رأيي أنا وبشكل مستمر للقابلية للتكذيب والتصديق، فالمتنور الحق لا يقبل بالرأي كقيمة مطلقة، ولا يلتزم الصمت تجاه عيوب أرائه أو يطمسها، وإنما هو الذي يبادر إلى إعلانها، لآن الحقيقة ستظل دائما تومض عن ذاتها مهما حاولنا من تظليل وتطميس، فهي دائما تلزمنا بقبولها، والحقيقة العلمية المتنورة والمتبصرة هي عكس تلك الحقائق المعلنة والمضمرة في الأديان والأساطير المغرقة في الخصوصية، إنها تشع إلى ذلك الحد الذي يكون فيه بمقدورنا جميعًا رؤيتها.
* الترفع عن تقديس الماضي مهما كانت قيمته: فما إن أبدأ في تقديس الماضي حتى أشرع في وضع قيود لفعاليتي ككائن مفكر وفاعل، ذلك أنني لا أكون أقدس الماضي بالمعنى الصريح، وإنما منتجات فردية وإجتماعية، وبعبارة أجل، إنني ألزم نفسي بتصور رجعي مهما كانت صلاحياته، تصور حكمته شروط خاصة ومغاييرة، وسواء كان تصورًا معاشًا أو مستحدثنًا، فهو لايمكن أن يلبي غاياتي كفرد، وفي ظله سأفقد امكاناتي وتفردي..
إن الرغبة الإنسانية المتواصلة والمشمولة بالحنين تجاه تحارب وحوادث الماضي، هي ولاريب رغبة مظللة، وأكثر ما نفقده في سبيلها، قيمتنا الإنسانية، المتمثلة في الإبداع والابتكار وكذا التجديد، وهذا التقديس في نظري يكون محكومًا بهاجس الخوف من المستقبل، بمعنى إقرار التقليد لمواجهة احتمال الضياع، واستحضار الماضي لتبرير الهزيمة.. ولكن لا ندري أننا نلقي بأنفسنا داخل منفى خطير، منفى نصبح فيه مغتربين، لأن الإنسان يضيع في الماضي أكثر مما يضيع في المستقبل، ففي هذا الاخير إنما نكون نحن، أما في الأول فيطغى ضمير "هم الغائب"
والتنوير متعارض تمامًا مع هذا المنظور الرجعي، فالشمعة التي أنارت منزل جدي لن تنير منزلي، والإنسان لايسبح في النهر مرتين" وإذا لم نكن كأفراد سنستجيب لشروط مرحلتنا ونبدع ما هو ضروري وممكنا لنا، فإن لم يكن الأمر كذلك، فمعنى أننا بدون غاية، بل وبدون وجود، سواء عشنا في هذا الحاضر أو في الالف سنة القادمة. وفي الحقيقة فإنه لايمكن احياء الماضي واستنهاضه كما يدعي البعض، خاصة أولئك الذين يرفضون إنسان العقل لأنه لايشبه انسانهم العتيق المتبلد تحت تلابيب النقل، وإن كان سابقًا في الزمن فهو ليس أصيلا فيه، والأصالة ينبغي أن تتحقق في ذات الفرد المعاصر لا في ذات غيره وسابقيه، وحتى الدعوة التي تنادي بالأخذ فقط بما هو صالح لنا هي دعوة مجزئة وانتقائية تنفي إمكانية الأخذ بما فيه شر لنا أيضا، هذه ”اليتوبيا“ لا أساس لها من الواقع، إما أن نقبل بهذا الموقف الرجعي كاملاً ونتقبل مآسيه، أو نرفضه كاملاً ونبحث عن تجربة جديدة، وهذه الخطوة الأخيرة هي ما أراه مناسبًا لواقعنا العربي كأفراد ومجتمعات، ولا نقصد برفضه إعلان القطيعة النهائية معه، وإنما يتوجب أن نتعامل معه بفكر نقدي، لا للأخذ بهذا أو ذاك، ولكن لنبرز حدود التجربة الإنسانية بهدف إبتكار أخرى جديدة، ولمعرفة أيضا تلك الإمتدادات التي يحدثها الماضي في الحاضر وفي المستقبل، لغايات علمية وإنسانية، حتى نتجنب إنتاج نسخ ماضوية جديدة!! والخلاصة فإن ما يفتقده الماضي عند المتنور هو القداسة، فوحدها تجاربنا الخاصة ومنتجاتنا الخلاقة ما تستحق التقديس.
* تملك النظرة العقلانية للإنسان والوجود؛ سواء كان هذا الإنسان إبن أدم أو إبن إله من ألهة الإغريق، أو حتى إبن الصدف.. أقول مهما كان أصله، فهو كائن مفكر، ومهما كان لونه وانتمائه العرقي والجنسي أنثى كان أو ذكرًا، فهو كائن عاقل، إنه والحق يتفرد بهذه الصفة السامية، إذ بواسطتها يبدع ويبتكر، ووحدها ضامنة لوجوده الذاتي..
وبالتالي فالنظرة العقلانية للإنسان ينبغي أن تكون على هذا الأساس، أي باعتبار العقل القيمة الجوهرية للحكم على الإنسان، والإيمان به كفاعل مركزي في العالم والكون، إلا أن ذلك لا يعني بتاتا تبرير سلوكه تجاه ما يحيط به، فالنظرة العقلانية تمتد لتشمل الحضارات البشرية باعتبارها إرثا مشتركًا، وتجاه البئة والنظم الإيكولوجية باعتبارها أيضا جزءًا لا يتجزأ من هذا الكائن العاقل، فما فائدة التنوير إذا لم يكن سيتصدى لكل الرغبات الأنانية التي تطبع بعض البشر، والساعية لبث الخراب والدمار..
إن الحكم على الإنسان من خلال فعالياته العقلية، وعلى البيئة بالحفاظ على توازنها واستدامتها، وعلى الحضارة الإنسانية ومنتجاتها باعتبارها ملكًا لنا جميعًا، هو ما نقصد بالنظرة العقلانية.
* رفض السكونية والإيمان بالتغيير كجوهر للوجود والتاريخ: فإذا كان التغيير هو سنة الوجود، فإن السكونية ليست سوى فكرة تحاول تحوير هذا التغيير وإظهاره بدون جدوى، وإذا كنت كفرد أقبل بالوضع القائم كشيء ثابث مهما أبان من صلابة وتماسك نظامه وبنياته، فأنا حينها أعلن إنتحاري كفرد، لأن لا فائدة بعد ذلك من الإستمرارية، إذ أن التاريخ ذاته لا يعترف سوى بالتغيير، وإذا كانت هناك من قيمة ثابثة في هذا الكون فهي حقا التغيير.
إن الإعتقاد السائد حول نهاية التاريخ، إعتقاد باطل وزائف يدفعنا دفعًا إلى القبول بحتمية المصير، من هو ذلك الشجاع الذي يهتف في آذاننا معلنا نهاية التاريخ، ومن هم أولئك الحمقى الذين يباركونه في نداءه؟
والعقل المتنور لا يتوقف وحسب عند الإعتراف بالتغيير كقيمة ثابثة، ولا يكتفي بوصفها ووصف شروطها، بل أيضا وهذا مربط الفرس، خلق هذه الشروط وإبداعها، ويحق لنا أن نغير متى أردنا ذلك، لأنه في كل مرة تتاح لنا إمكانية للتغيير، "والوعي هو وعي من أجل التغيير" فالإرادة المتنور تستطيع أن تبصر حدود كل ما هو قائم، وفي نفس الوقت العوائق والإعتلالات التي ينبغي استجلاؤها، ومها أبدت العوائق من قوة، ومهما بعثت على السكون، فإن المتنور لايزداد إثر ذلك سوى رغبة في تجاوزها. ولأنه ما من منتوج بشري خالد، فالإنسان ذاته غير مطلق، ولأن كذلك، الثبات صفة من صفات الفناء والجمود، وهو عكس الحركة باعتبارها تغيرًا في كمية الزمكان.. فإننا سنكون دائما في حاجة ماسة إلى التغيير وإستدامته، مهما بلغنا من الرقي والتقدم، فالسكون قاتل ويعكس بؤسنا كأفراد وبؤسنا أيضا كمجتمعات، والابداعات العظيمة لا تنبثق إلا من رحم الفوضى، في حين فإن الإستقرار بمفهومه الثقافي والعلمي، فهو نقمة يعبر عن مرحلة سريرية سواء من تاريخ الفرد أو المجتمع..
وبما أن الإنسان الفعال في التاريخ مسؤول عن مصيره، فهو فعال بما يصنعه من تغيير واعي، وتتحدد قوة الفعالية الإنسانية بدرجة التغيير المحدث، إنني أقول لأولئك الحمقى الذين يتوهمون السكونية، مكانهم في القبور، فالموتى وحدهم من لايستطيعون إحداث تغيير في العالم عن وعي، فالطبيعة هي من تتكلف لإعادة دمجهم في دورتها.. وكلما كان التغيير بطريقة واعية ومتبصرة، وكلما كان التغيير جذريًا كان تأثيره قويًا، ووقعه ممتدًا، والإغراء بالسكون هو إغراء بنهايتنا، ونهاية فعاليتنا، ومتى أقر الإنسان بالسكونية ونفى التغيير، فقد المسؤولية عن مصيره، فهو بذلك غير متنور بالبتة.
”فكم أنتم خائنون يامن تؤمنون بالسكون وترفضون التغيير، كم هي أعماركم قصيرة، وكم سكرات موتكم مزيفة.“
* التخلص من الوسطاء بين الله والإنسان؛ إذا كنت ترى الله من عيون أخرى فأنت حقًا أعمى به، فلست في حاجة لوسطات لتخبرك عن حقيقة الله، لأنه سيخبرك عن نفسه بنفسه، فماذا إذًا عسى رجال الدين و رجال الفكر أن يخبروك حول الله؟ إذا لم يكونوا سيجعلون بينك وبينه سدًا منيعًا، وما تثبثه الحوادث أن الجهل بالله يتنامى بتنامي الوسطاء الذين يدعون الإنابة عنه، بحيث يحتكرون حقيقته وغاياته، إذ هم لايخبروك عن الله، ولكن عن تأويلاتهم وتصوراتهم عنه، فيجزئون الكلي إلى درجة تحويله الى شظايا يستحيل إستيعابها، ويسقطون في تناقضات خطيرة، حاشا أن تكون من صميم الفعل الرباني، ثم ستجدهم الأكثر عداوة للعقل والعقلانيين، وإنهم لا يرفضون العقل لأنه يفسد الإنسان كما يدعون.. ولكنهم يرفضونه لأنه يفضح ألاعيبهم وخبياهم، فالعقل من رحم الله وصلبه، وبواسطته إستخلفنا في الأرض، وهو الذي وهبنا من لدنه تلك الصلاحيات الواسعة، من بينها حقنا في الشك ليس في موجوداته وحسب بل وفيه أيضا، وبالتالي فإن فكرة النبوة والرسالة ليست سوى دعوة لممارسة هذه الصلاحيات، ولا يعني أبدا تعطيل العقل في التعاطي مع مضمونهما، ولكن تكييف ذلك المضمون مع العقل ذاته، وهو يمتلك كامل السلطة في أن يقبلها أو يرفضها، وما كان الإنسان أن يموت باسم دينه وأرائه إلا افتراء وبهتان ما أنزل الله به من سلطان، فلا ينبغي الإعتقاد أن الإنصياع لهذه الوسطات هو ما من شأنه أن يصنفنا هنا أو هناك، فلو كتب لمحمد أن يعود إلينا لما إستطاع التعرف على تلك الأفكار التي تنسب له وتستمد سلطتها من إسمه!!
فالإيمان الحقيقي لا ينبعث إلا من رحم العقل، وإن ذلك الإنسان الملحد بقانعاته العقلية لهو خير من ذلك المؤمن الذي إكتسب دينه من مجرد ولادته في مجتمع معين، فحسب الإحتمالات يمكن أن أكون تبعًا لمنشأي مسلمًا في مجتمع مسلم، وبوذيًا في مجتمع بوذي.. وكل مجتمع ينتج نوع من الإيمان الأعمى، ولذلك فالإيمان الواقعي لايتحقق إلا في سياق عقلاني قوامه الشك والسعي المتواصل لإستجلاء الحقيقة، لا في سياق قوامه التقليد والشحن، والتقليد لايستمر إلا حينما يعلن حربه وعداوته للعقل، فلا يمكن لرجل أو جماعة دينية أن تدعي إمتلاكها للنموذج الإيماني الصحيح، فهم الأكثر إختلافًا وهم الأكثر شقاقًا، ثم إن الذين يبنون تجاربهم الدينية إعتمادًا على قدراتهم العقلية المتنورة، وحدهم من يكنون أكثر قابلية للتعايش والإندماج في قيم إنسانية أوسع، وهم لا يلزمون أحداً بتجاربهم، ولا يهتفون في أذان غيرهم ليخبروهم أنهم سيلجون النار أو الجنة، لأن ذلك ليس من شأنهم وهم مدركون لذلك..
في حين يعتقد الوسطاء أنهم يدافعون عن الله وقيمه، وأنهم يدركون دون سواهم غاياته وقراراته، فيشيدون باسمه المعابد ويقدمون القرابين له ويلزمون الناس الناس بتأدية طقوس معينة، ولا يكتفون بذلك فهم دومًا مستعدين لتكفير المخالفين لهم في الرأي وسفك دماء خصومهم دون وجه حق، فيسمون ذلك كفرًا، ومحيدًا عن طريق الرشاد، ولكن والحق أن الله بعيد عم يفترون، فهو الذي منح للإنسان الحياة والعقل، فمن تكنون لتسلبونه منه باسمه؟
إن العقل هو القيمة التي صاحبت الإنسان منذ وجوده الأول، أما الأديان فهي عارضةً، وهي عند المتنور مرحلة تؤهلنا لإستخدام العقل، وهي دعوة لنا لإبراز خصوصياتنا وتفردنا... إنها مرحلة وتجربة ضرورية في حياتنا، ولكن لسنا ملزمين لنعيش على هذا النموذج لبقية حياتنا، فالعقل وحده الدين الحق، ووحده الرسالة العظيمة التي أودعها الله فينا، والذي يحاول مثلا أن يثبث وجود الله ولم يبلغ غاياته، فليس معنى ذلك أنه عصى الله، ولكنه مثَّل الغاية السامية من العقل، وهي البحث والتأمل في الملكوت، أما أولئك الذين تولد تجاربهم الدينية معهم أو حتى قبل ولادتهم، ويتلقون الشكر والثناء من لدن أسرهم والوسطاء.. لا لأنهم على حق، ولكن لأنهم بيئة حاضنة للزيف وتمرير المصالح، ولهذا وجب مراجعة تجاربنا الدينية، بما يتماشى وقناعاتنا العقلية، ودور الوسطاء يجب أن يتمثل في دعوة الناس إلى إستخدام عقولهم بكل حرية، وإرشادهم في ذلك فقط. وكلما أشع التنوير في مجتمع ما تقلص عدد الوسطاء فيه، لأن دعواتهم الفارغة تفقد بريقها، وتتعرى أمام الجميع على ما تبدو عليه من عراء، والعكس عندما يكون المجتمع غارق في ويلات الجهل، بحيث يتحول الإنسان إلى فريسة سهلة، فيسل إستقطابه إعلاميًا وجهاديًا... وإن العقل هو المرآة التي ينعكس عليها كل حق، ويزهق على صفحتها كل باطل وزيف.
إذًا فالتنوير الفردي يعني إستقلالية الفكر وعلمانيته، والترفع عن تقديس الماضي مهما كانت قيمته، وكذلك تملك النظرة العقلانية للإنسان في علاقته بمحيطه البيئي والحضاري، وأيضًارفض السكونية والإيمان بالتغيير كجوهر للوجود والتاريخ، بالإضافة إلى بناء تجربة دينية وإيمانية إعتمادًا على الحقيقة والبرهان العقلي، دون القبول والإنصياع لتلك الدعوات المزيفة، التي ينادي بها البعض.
ولكن ما فائدة المصباح الذي ينير داخله فقط؟
أقول لا معنى الأي تنوير فردي إذا لم يكن موجه للعمومية، وبما أن أي تنوير فردي محكوم عليه بالفشل مسبقًا إن هو ظل رهينًا لذات الفرد، فإن المتنور الحق هو من يسعى في جهد إلى إنارة كل ما يحيط به، لأن غاية كل تنوير كما أسلفنا، بالإضافة إلى تحرير الإنسان من كل الأصفاد التي تمنع عنه امكاناته العقلية، نقل المجتمع إلى حالة أكثر تقدمًا وأكثر إحترامًا للعقل، وأكثر تقبلًا للقيم والمبادئ الإنسانية المشتركة بين كل بني البشر، وبما أن هذا المجتمع تقوم عليه سلطة سياسية تنظمه وتدير شؤونه، فإن وجود سلطة سياسية متنورة هو الهدف الحقيقي من فعل التنوير، فبفعل حكمتها وموقعها يمكن إنارة كل دروب المجتمع، كما أن المجتمع لا يتنور ليقول لمجتمع أخر أنا متنور، وإنما يفعل ذلك ليعيد ضبط مساره التاريخي وتنظيم العلاقات المنسوجة داخله وخارجه في إطار مدني، بما يضمن تحقيق أربع مبادئ أساسية:
* الحق: يحيل الحق عمومًا إلى الحرية والعدالة، إذ ينبغي للمجتمع تحقيق فضاء حر لكل الأفراد سواء للمواطنين أو غيرهم، ويضمن لهم بيئة عادلة دون تمييز، مهما كانت أصول أفراده ومستواهم الإجتماعي والمدني، إذ يوفر كافة الحقوق لهم على قدم المساواة.. كما أنه يكون في استعداد دائم للتصدي لمختلف الممارسات والمحاولات التي تتعارض وقيم العدالة وتهدد الحريات الفردية بمصادرتها، وبهذا المعنى لاتحيل العدالة إلى الديمقراطية فقط، إنها تحيل لكل الحقوق التي يكتسبها الفرد في إطار عقد إجتماعي مدني متعاقد عليه، وهذا العقد الاجتماعي ينبغي أن يضمن حقوق الأفراد كاملة، كالحق في الحياة والرأي والمشاركة في السلطة...، وغيرها من الحقوق الطبيعية والمدينة للافراد.
* الواجب: إذا لم يكن الحق يبعث على الواجب فهو لا يتحلى بصفة الحق، فالمجتمع ليس ضامن للحقوق فقط، وإنما ملزم بالواجب أيضا، فعلى كل فرد أن يلزم حدوده فيما يوجبه الحق له، وعليه أن يدرك كفرد مدني أنه جزء من الإرادة العامة، فالتنوير يتعارض مع العزلة والتقنع، بل يرمي إلى ممارسة إجتماعية متبصرة ومواطنة، وكذلك لايعني الواجب القيام بوظائف محددة، أو مهام معينة، بل يعني الوعي بكل الأفعال المادية والرمزية التي يستلزمها مني هذا المجتمع كفرد للمساهمة في تحقيق التغيير الايجابي، ولا ينبثق الواجب إلا من الإرادة الحرة، فالقيام بالواجب فيه خير ونفع للفرد قبل المجتمع، وبما أن الأفراد في القيام بواحبهم تحركهم خلفيات ونوايا غالبًا ما تكون أنانية مطبوعة بالذاتية، فلابأس في ذلك، مدامت هذه الخلفيات لاتهدد مصالح الغير، وكلما أصبحت كذلك وحب إيجاز العقاب في حق المخالفين، وكلما تجرد الإنسان من تلك الخلفيات وترفع عنها أصبح يمارس أسمى أشكال الواجب، فالمجتمع الذي يضمن الحقوق لأفراده كاملة وبشكل صريح وملموس، من حقه أن يلزم الأفراد بالواجب في ميادين الحياة العامة، ولا يعني الإلزام بالواجب إركاع الأفراد رمزيا وماديا، بل مصادرة بعضا من حقوقهم إلى حين قيامهم بواجبهم.
إن التحلي بالفضيلة تجاه مجتمعي والغيرة عليه و المساهمة البناءة في تطوره وتقدمه، والدفاع عنه من الأخطار التي تهدده، هي ما أعتبره روح الواجب.. ولكن كلما كان هذا المجتمع غارقًا في الإستبداد مضيقًا على حرية الأفراد مشجعًا على الفساد والتمييز، غير قادر على ضمان حقوق أفراده، ويشعر الإنسان في كنفه بغياب العدالة والظلم والتهميش، فإن الواجب هنا هو النضال والتمرد على ما هو قائم، ولا يكفي تحقيق الحق فقط بكتابة الوثائق القانونية وإقرار الهيئات.. بل يجب أن يتحقق ذلك كشعور معاش من لدن كل فرد، فكثيرا ما تحاول بعض الأنظمة المستبدة إهام الرأي العام بهذه الحقوق، في حين تعمل ضدها بمكر. وغياب الحق لا يعنى أبدا التنصل من القيام بالواجب فنحن إذ ذاك تكون على خطأ، إن القيام بالواجب هو نضال في سبيل الحق، لأن القوى المستبدة تتخذ ذلك كذريعة لمصادرة المزيد من الحقوق، والفرد ليس بمعطى جغرافي، إنه حر في أن يكون هنا أو هناك، وكل مجتمع ضمن له حقوقه، وأتاح له الفرصة ليظهر مواهبه، هو مجتمعه، فالواجب إذا لا علاقة له بالجغرافيا والماضي.. إنه واجب فرد تجاه مجتمع ضمن له حقوقه.
* الفعالية: كل مجتمع هو جزء من مجتمع أكبر وهو أيضا جزء من الحضارة الإنسانية في إمتدادها التاريخي.. فهو يتفاعل مع ذلك، إما في إطار إيجابي أي المساهمة في إغناء روافد المجتمع الإنساني والتعاطي معه بمنظور عقلاني يرم تحقيق السلام وتنمية المشترك، أو بشكل سلبي، باضمار الكراهية له، ونبذه وإقرار الدونية في حقه تحت مصوغات معينة.. فالإطار الإيجابي يحيل إلى نمط مدني يتغين التعايش والقبول بالآخر، والإطار السلبي هو امتداد للنمط الغابوي القائم على السيطرة والرفض والإنتقاص، وهو ما تمارسه واقعًا المجتمعات المنغلقة والمستبدة، وعمومًا فإن المجتمع المتنور لايرضى لنفسه بالأدوار الثانوية، المتمثلة في مجرد إستهلاك النماذج المادية والرمزية، إنه يسائل نفسه باستمرار حول الإمكانات التي يستطيع إتاحتها له ولغيره في ميادين معينة، إنه مجتمع فاعل بحيث إذا ما غاب عن المجتمع الأكبر وقع في هذا الأخير خلل، وبهذه الفعالية نقدم للإنسنية أجمع فرصًا جديدةً، ونثبث لآخر أننا نمتلك اشياء تخصه لتطوره، ولا سبيل له، لبلوغها سوانا، أي أن يكون هذا المجتمع فاعل بالضرورة وليس مجرد مستهلك لمنتجات الأخرين.
* الأنسنة: إن المجتمع الذي يريد أن يفرض على الإنسانية شيئًا ما من قبيل القوة، هو مجتمع يفقد إلى الإنسانية وفعل الأنسنة، صحيح أن المجتمعات على اختلافها تسعى للسيطرة والتفوق، ولكن أن نسير في طريق إستغلال الأخر، وتعطيل الشعوب والتأمر عليها، وترهيبها بقوة السلاح.. هو نوع من الحيوانية، والبدائية، وإنما ينبغي أن نسير في إطار نشر القيم الإنسانية السمحة، وتثمين المشترك، وكذا تشجيع الإنفتاح والسلم والتعايش.. بين الشعوب، فمن السهل أن تفرض عضلاتك على الأخرين، لكن من الصعب أن تجعلهم يشعرون بذلك الفيض من الحب الموجود في قلبك، وهنا تكمن القوة الحقيقة في اللاعنف، فالمجتمع المتنور كالفرد المتنور وحب عليه أن يشع ما حوله، وكل مجتمع يدعي التنوير وهو يمارس الظلم والإرهاب على مجتمع أخر، مهما كانت قوة الدواعي التي تحيز ذلك، فعو حقا نوع من المهزلة، فلا يتوافق أن يكون بطنك رحيما وخارجك شيطانا، لذلك وفي إطار الأنسنة على للمجتمع المتنور أن ينأى بنفسه عن الظلم والإرهاب، وأن ينسهر في بوثقة السلام ومناصرة الحق، فكن أيها المجتمع الفاضل انسانيًا وعش لغيرك كما تعيش لنفسك.. فذلك هو الإسلام الحق.
ولكي يستطيع أي مجتمع تحقيق هذه المبادئ التي هي جوهر التنوير الإجتماعي، وجب عليه:
- إعادة مركزة مصادره الثقافية والمعرفية، وطرقه التربوية والدينية... بما يحقق توسيع صلاحيات ممارسة الفكر العقلاني المسؤول، وإتاحة حقوق الأفراد وحرياتهم، وضمان عدالتهم وكرامتهم، والتركيز على القيم الإنسانية المشتركة والداعية إلى تحقيق التعايش والسلام ونبذ الظلم والعنف...
- تملك المجتمع القدرة على إعادة تنظيم عقده الإجتماعي وضبط مساره المدني والحقوقي، بحيث يتعارض مع كل أنماط الإستبداد والجور، ويتماشى مع القيم النبيلة المتمثلة في العدالة والديمقراطية.. وإعلاء قيمة الفرد وإتاحة المجال أمامه ليبرز ذاته ومنجزاته، كذلك الضرب مع كل الإحتكارات في كل الميادين وضبط القوانين الرامية إلى تثبيث ذلك وتفعيله، بحث يكون الجميع مهما كانوا، تحت سلطة القانون ولا أحد يعلى عليه.
- تجاوز سلطة الجماعة وسلطة القبيلة والممارسات العرفية... إلى إعتماد الممارسة المدنية والقانون الوضعي، والداعية لجعل الفرد في قلب الكون، والرامية إلى تحريره من كل ما من شأنه أن يحقق تمتعه بحقوقه سواء الطبيعية أو المدنية، مع إحترام الأخر الإنساني والبيئي وعدم التطاول على حقوقه والتضيق على حرياته.
وهذه المهمة الفاضلة موكولة للأفراد المتنورين الواعون برسالتهم والمتبصرين لغاياتهم، والمفعمون بروح الواجب تجاه ذواتهم وغيرهم والإنسانية أجمع، مستعدين دوما لإنارة دربهم ومحيطهم بما لديهم من قيم خلاقة، فالشمعة عندما تنير ما حولها فهي تضحي بذاتها في سبيل ذلك، وكذلك المتنور ما كان له أن يغرق في ملذاته ورغباته، بل أن يكون فيه جانب من نكران الذات في سبيل إنارة غيره.
يبقى السؤال الجوهري الذي يطرح علينا نفسه بقوة.
كيف السبيل لتحقيق تنوير بهذا المغزى؟
ليس التنوير ببدعة يمكننا أن نتبناها متى أردنا ذلك، ولكنه يأتي في معترك الحياة وفي سياقات مختلفة، ومتباينة من حيث المبدأ ومن حيث الشكل، وهو أيضا ليس نموذجًا يمكن زرعه من طرف نخبة ما، ولكنه إرشاد الأخرين وتوجيههم للبحث عن ذلك، فالتنوير قبل كل شيء هو سيرورة مستمرة، ولا يتحقق دفعةً واحدة، إنه يتقدم بتقدمنا في البحث عن تلك السبل الممكنة، أقول الممكنة لتحرير أنفسنا من كل القيود والأخطار التي تهددنا، وعلى الرغم من أنه يمكن أن يبتلى بنكسات عدة، فإن التنوير ليس بقيمة رجعية، فالطائر الذي تحرر من القفص لن يعود إليه.
غير أن التنوير بهذا المعنى يستلزم وجوبًا، المعرفة والوعي المسؤول كشرط، فهل معنى ذلك أن المعرفة هي المدخل لكل تنوير؟
الجواب: إن المعرفة شرط ضروري لكل تنوير، وإن لم تكن مكتفية بذاتها، فوحدها المعرفة ما تكسبنا المهارة والقدرة على ممارسة الفعل العقلاني، ثم ليس هناك من علاقة سببية بين كم المعارف وفعل التنوير، فالأمر على علاقة بالوعي الذاتي حول أهمية المعرفة فيما تفرزه من تفرد وما تتيحه من امكانات للتمييز، وليس هناك أيضا معارف أو علوم بعينها تتيح التنوير، وإنما نقول أن هناك مستويات من المعرفة تدفعنا في إتجاه الشك والنقد البناء تجاه حوادث ومسلمات بعينها، وتحفزنا على البحث عن بدائل أخرى جديدة، كما أن الفرد لايعود راضيًا عما يعيشه وما بذر فيه من أوهام وقصور، فيشوبه الفضول فيما هو أرقى وأسمى، وحتى مع كل هذا لا يحدث التنوير كنتيجة حتمية، هناك أشياء أخرى تدفع الأفراد نحو تنوير ذواتهم، وهذه الأخيرة هي ما تبرز تجارب وقناعات تنويرية فردية متفاوتة.
ولكن لنكن محقين، إن نشر المعرفة والحرية هما السمتان البارزتان لتوسيع من فرص بلوغ الأفراد مراتب تنويرية خلاقة، وكذلك ففي إطار الحق والحرية تتحول المعرفة إلى أداة لاستيعاب الإمكانات الهائلة التي يوفرها العقل الإنساني، في حين يقلص الجهل والأمية وانعدام الوعي المسؤول، والإستبداد بمختلف أشكاله من هذه الإمكانات، ولا يحرم مجرد أفراد منها، بل مجتمعات وأجيال بكاملها، فالأسرة التي ينتشر بين أفرادها الجهل هي دومًا تهدد أجيالها بالعقم، معتقدةً أن دورها التربوي يكمن في إعادة إنتاج نسخ طبقًا للأصل منها، وكذلك الأمر بالنسبة للمجتمعات التي تعادي العقل.. وهذه المؤسسات لا تقتصر عيوبها على ذلك فقط، وإنما تشكل ثكنات لإعادة تأهيل الأفراد المتنورين، وقتلهم ماديًا أو رمزيًا، ولكي نقول باصرار إن في داخل كل واحد منا حافزًا إلى أن يكون متنورًا، وكل فرد هو مشروع تنوير، فقط علينا أن نزوده بالمعدات الضرورية ليفجر ذلك، إذ سيكون حتمًا ذي نفع لنفسه ومجتمعه، وطبعا للإنسنية أيضا، ولا نقصد هنا بنشر المعرفة شحن الأفراد بالمعارف الكمية، وإنما إرشادهم لتلك السبل والمسارات المشجعة على التعلم الذاتي، في جو من الإستقلالية والحرية.
وليس معنى ما قلناه أننا وجدنا ذلك الصندوق المفقود الذي يكفي ولوجه حتى نتحول الى متنورين، ولكن لننادي بهذا النداء الجميل "دعني استخدم عقلي لأعرف من أنا وأين أنا، دعني أرى ذلك كله بنفسي".



الملحق الأول.
إن الحرية المصرح بها في هذا المقال، ينبعي أن تكون في إتجاه مبدأ الأكثر فردية بالنسبة للعقل، بحيث ينبغي على الفرد في ظلها أن يتمتع بحقوقه الطبيعة والمدنية كاملةً، بما يسمح له باستخدام وتوظيف كامل قدراته العقلية، ويفجر طاقاته التي أودعها الله فيه، ولا يمكن مصادرة العقل باسم الجماعة والأسرة ولا باسم أي دين أو إله، لأن الواقع يثبث لنا مسألة غاية في الأهمية، وهي أن أي مجتمع في تطوره مدين لعبقرية أفراده وتمردهم على القيم السائدة، ولو أن قيم الجماعة إستمرت لملايين السنين لما تمكنت من إحداث تغيير بذلك الحجم الذي يحدثه فرد عبقري، إذًا فالتغيير يضعغف مع سلطة الجماعة ويزدهر مع إرادة الفرد، فالأولى مدفوعةً بالرغبة في الحفاظ على ماهو قائم، والثاني مدفوع بالرغبة في إبراز ذاته، لأنه لا يحرم نفسه من إعلاء صلاحياته العقلية، فهو كائن مفكر نابص بالحياة عكس الجماعة، التي لاتستطيع أن تبدع، لذلك لا تجد لها من مهمة سوى إذابة الفرد فيها، ملزمة إياه حدودها وتمارس عليه سلطتها، فدور الجماعة يقتصر على ضمان الفضاء الحقوقي للأفراد، ولا سلطة لها في سلب قدرة الإنسان وحريته في التفكير، فوحدها المجتمعات التي اعترفت بالقيم والحقوق الفردية كاملة من إستطاع فجرها أن يبزغ، إن الجماعة التي تحفز أفرادها على الإبداع والابتكار وتزودهم بالمعارف والقيم الضرورية لفعل ذلك، هي جماعة لايمكن أن تفلس أبداً، ولا يمكن لأشعة الشمس أن تغيب عنها.
ولعل من مساوئ مجتمعاتنا العربية طغيان سلطة الجماعة وفكرة الأمة على القيم الفردية، بحيث هناك سلطة تقدم نفسها كناطق رمزي باسم الكل، ترفض العقل وتلزم الأفراد باتباع مسارات قاتلة، لذلك لاضير في أن ترفض الفكر العلمي بمجرد أن يؤول أنه يتعارض مع فكرة دينية أو عرفية...
إن اتفاق الجماعة لهو أعظم كذبة في تاريخنا، فالجماعات في مجتمعنا العربي لاتتفق سوى على قتل الفرد وتعطيل المجتمع وهي دومًا تفلح في ذلك، فكلما إنزاح مجتمع نحو قيم الجماعة تبلده الضعف وفقد مقدرته على التقدم والتطور، ولا يمكن لفرد متنور ذو بصيرة أن يقبل بفرد أو جماعة أن تفكر بدلا عنه، لأنه لا أحد بمقدوره فعل ذلك، فوحدي المسؤول عم أفكر فيه، وعندما أقبل بذلك فأنا أتنازل عن صلاحياتي كفرد وبالتالي لا يحق لي أن أطالب بعد ذلك بالحرية إلا بقدر ما تتيح لي تلك الجماعة أو ذلك الفرد.
والجماعة لاتتوقف عند مجموعة من الأفراد، أو من المجتمعات.. ولكنها تعني أيضا كل القيم السائدة والمتوارثة من الماضي، والمقرر لها أن تستمر في المستقبل، والتي يمكنها بالمعنى الصريح أن تلزمني بما هو ليس من صميم طبيعتي الحرة، ما دمت أقوم بواجبي المتمثل في إحترام الأخر.
وفي إطار التنوير يكمن دور الجماعة في السهر المستمر للحفاظ على حرية الأفراد وضمان خصوصياتهم وتفردهم، وليس من حق أي جماعة أن تلزم أفرادها بنمط من الإيمان أو نمط من الفكر، باعتبار أن كل نمط قابل للتجاوز، ولا يحق لها أيضا أن تقمع الفرد لمجرد رأيه الحر ودينه أو طريقة حياته، وتعطل إبداعاته لمجرد تعارضها مع أوهام سائدة، لأنه لا معنى الأي عقد أو قيمة مهما إدعى أصحابها من رزانة وأصالة مصادرهم، بدون وجود قناعات فردية نابعة عن إرادة فردية حرة ومستقلة، فذلك هو الإنسان حر في أن يفكر، وحر في أن يؤمن أو يكفر، وحر في أن يحب ويكره... وهذه هي غاية كل تنوير في جوهره، ولا يحق لأحد أن يأمرني بأن أفكر هنا وأفعل عكس ذلك هناك، أو أتبع هذا السبيل وأبتعد عن ذاك، لأنني ببساطة حر، وأنا مسؤول عن حريتي، وهي وحدها من تبني الإنسان المسؤول، الإنسان المواطن، وكل من يقف ضد ذلك فهو العدو اللذود للإنسان والإنسانية أجمع.

الملحق الثاني:
هل يعني هذا بلغنا غاية التنوير؟
لنتساءل من جديد، هل مفهوم التنوير نتيجة أم غاية؟
إذ هو نتيجة فمعناه أننا نقبل القول بوجود تجليات موضوعية هي من صميم الواقع المتنور، وبالتالي لا يعدو مفهوم التنوير من كونه وصف وترتيب لهذه التجليات.
أما إذا كان غاية فمعنى ذلك أن المجتمع عليه أن يستوعب المفهوم كقيمة، وهو ما يشكل مهمةً شافة جدًا، وذلك ينطبق في نظري على الواقع العربي.
يعتقد البعض أن تجديد الثقافة عامةً والخطاب الديني خاصةً، كفيل ببلوغ معطى التنوير، بالنسبة لي لا اعلم كيف تصوروا هذا؟ إنهم حقًا رائدون في تسطير مجلدات مليئة بالدراسات الوصفية والتحليلية والمقارنة، تدعي الجدل وهو ما تفتقده، أو تدعي العقلانية وهي ما تعزوه.. وبعضها يحمل إنتقادات لاذعة... لكن ما إن يحاولون تقديم رؤية بديلة حتى يسقطون في فخ الدعوة، بتبني نموذج فكري أوثقافي معين، على الرغم من اتفاقهم على أن المجتمع يعيش فترة حرجة..
فهل الدراسات التحليلية المختومة بالدعوة إلى تبني نموذج معين، والمنضوية تحت مسمى فلسفة الثقافة، كفيل بنقل المجتمع إلى حالة التنوير؟ طبعا ذلك ضروريًا، لكنه لوحده ليس كافيًا وربما يكون معيقًا، ذلك أن مسألة التنوير أكبر بكثير من مجرد مشروع ثقافي مختوم بدعوة إلى إستخدام العقل في النظر الى الماضي، أو الأخذ بفكر ما وترك أخر. فبأي مناهج وبأي سلطة سيتعقل هذا العقل ذلك الماضي؟
إن المشكل لا يكمن أساسًا في علاقة العقل العربي بالثقافة والتاريخ، فهذه العلاقة كانت دائمًا موجودة، فقط إختلفت أشكالها ومضامينها، وإنما علاقته بالطبيعة الفيزيقية، فما دمنا لا نستطيع التحرر من سلطة الثقافة، إلى الإنفتاح المطلق على الطبيعة فلا قيمة لأي دعوة، وهذه العلاقة تنتقل إلى علاقتنا بالعلوم البحثة، فمن خلال إثارة مواضيع الطبيعة يمكننا تجديد المناهج وتبصر أعمق لتاريخنا وتراثنا.. فنحن حينما نستجلب مناهج غريبة إلى حقول الثقافة فنحن نعزلها عن سياقاتها وخاصة سياقها العلمي، فالعلم هو ما يساعدنا على الاندماج في الثقافة الإنسانية لأنه قائم على وحدة القانون ووحدة التجربة، وفيه تتوحد مفاهمنا وأفكارنا، ووحدها الطبيعة ما تبعث على التجديد والابتكار، وتغربنا إلى حد ما بتوسيع دائرة أسئلتنا.. لذلك فالتنوير دائمًا ينزاح نحو العقلانية العلمية، لأن دور الثقافة يكمن في ضبط وتهذيب السلطة التي يتيحها العلم للإنسان، والإنسان إنما ينتقل من تجربة قوامها العرف والخرافة، إلى مرحلة الثقافة البسيطة المشكلة من الدين والغائيات... ثم مرحلة الثقافة المركبة المشكلة من خلال العلم والتقنية، فإذا كانت الثقافة تمتلك السلطة لمحاسبة العرف، فإن العلم يمتلك سلطة على محاسبة الكل بما فيه هو، فالعلم هو المصدر الوحيد المتاح لنا لنهل الحقائق..
إذًا كضرورة لابد من إعادة مركزة الفرد العربي، وتصحيح علاقاته بالطبيعة كفضاء غزير للإبداع والإنتاج، وفقدان المجتمع العربي للمركزية الفردية والعلمية، هو ما تسبب في هذا القصور الذي نعيشه اليوم، وهو ما يستنزفنا كأفراد ماديًا ومعنويًا، ففي السماء ربما توجد تلك الأجوبة العظيمة لمشاكلنا ومشاغلنا.
فالغاية من التنوير تستجيب لمبدأ الإستخلاف في الأرض.. ولا علاقة له بأنماط التدين، وأنماط العبادات، فهو من العقل وإليه.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,524,048,896
- المرجة والحراث


المزيد.....




- مقتل 40 مدنيًا في هجوم على زفاف بأفغانستان وسقوط 22 من طالبا ...
- حشد واشنطن ضد طهران.. المساعي والفرص
- تونس: مقتل شرطي وجرح آخر في عملية طعن في بنزرت
- مطارد الأعاصير.. أولبنسكي يروي مغامراته بمطاردة المخاطر
- ما الصفات التي يرثها الطفل عن والدته؟
- طالبوا بولاة مدنيين.. مظاهرات الخبز تتصاعد في نيالا غربي الس ...
- لأنها للبنانيين فقط.. نبش قبر طفل سوري و-طرد- جثمانه خارج ال ...
- مصرية استنجدت بالسيسي فواجهت اتهاما بإثارة الفوضى
- طهران تعلن أن ناقلة النفط البريطانية المحتجزة يمكنها المغادر ...
- -فيفو- تكشف عن هاتفها الجديد بإمكانيات -خارقة-... فيديو


المزيد.....

- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو
- بصمات الأرواح / طارق أحمد حسن
- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى
- العود الأبدي ديانة مشركة وميتافيزيقا مادية ؟بعض التساؤلات حو ... / الحسن علاج
- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- العلاج بالفلسفة / مصطفي النشار
- مجلة الحرية العدد 3 / محمد الهلالي وآخرون
- كتاب الفيلسوف بن رشد / عاطف العراقي
- راهنية العقلانية في المقاولة الحديثة / عمر عمور
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في مجتمعاتنا العربية / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عادل امليلح - ما هو التنوير؟