أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سيف الدولة عطا الشيخ - قراءة في - الحق في الفلسفة - جاك ديريدا















المزيد.....



قراءة في - الحق في الفلسفة - جاك ديريدا


سيف الدولة عطا الشيخ

الحوار المتمدن-العدد: 6316 - 2019 / 8 / 10 - 09:47
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


قراءة في كتاب جاك ديريدا (عن الحق في الفلسفة )؛ ترجمة د. عز الدين الخطابي,؛ مركز دراسات الوحدة العربية . الطبعة الأولي بيروت تشرين الأول (أكتوبر ) 2010.
مقدمة:
إنها بحق ليست مجرد مغامرة, .. وربما وإن أشرنا إلى الإمكانية المتواضعة في فهم النص الدير يدي فإنها ستتصاعد إلى درجة المجازفة القصوى. ولكن عزاء النفس أنها محاولة مدخليه إلى عالم الفلسفة وصراعاته ما بين المؤسسة الأكاديمية وسلطة الجماعة الإستراتيجية المدعومة من الدولة.
اختيار كتاب " عن الحق في الفلسفة " يعني الجلوس والاستماع لـ " ديريدا " كأستاذ محاضر يحاول نزع " الحق في الفلسفة " من سلطات تقع خارج الحقل الفلسفي , ثم وبتوسيع المطالبة يتجه " ديريدا " لنزع الحق من داخل الحقل الفلسفي نفسه. وبالتالي يكون العمل عبارة عن كشف للصراع الذي تخوضه الفلسفة في سبيل وجودها الطبيعي لا كمادة أكاديمية وإنما كبنية رقابية لها الحق في النقد والتقييم لكافة المواد داخل الجامعة ومن ثم تمتد خارج السور لتصبح هي المنتج لمفاهيم المسطح الثقافي المنتمية له.
يتحدث ديريدا عن الحق في الفلسفة في المحيط الذي ظهرت وتفاعلت فيه وأصبحت حقيقة بالفعل ’ وهنا يكمن تنازع الموضوعية. فتارة يشدني الطريق مع ديريدا في بحثه داخل الحقل الأوروبي , وتارة يتعثر ذهني داخل ما تنتمي إليه ثقافتي المكتسبة والتي يمكن تصنيفها وإلى حدٍ ما بشمولية العروبة المهيمنة ؛ وهنا لا يوجد ما يمكن أن يقال صراع فلسفي يستحق المطالبة بحق الوجود, ذلك أن هذا الحق وكما يقول ديريدا هو ( فكرة فلسفية, وموضوعة فلسفية , تفترض أن الفلسفة قد دخلت المسرح , أو أنها أعلنت عن نفسها باعتبارها كذلك )56. وهذا يعني أن أوروبا وما يدور في مركزها الغربي هم أصحاب الحق في المطالبة بهذا الحق , أما من هم على الهامش أو هامش الهامش ولأنهم لم يدخلوا بعد كفاعلين في مقولة التاريخ الفلسفي , فإن المطالبة بالنسبة إليهم بلا مسوق أو مبرر. وفي أحسن الحالات تُعد رغبة المطالبة تضامناً مع الظاهرة تتسرب من تحتها المطالبة بحق الوعي والكينونة الإنسانية سواء من المركزية الخارجية أو من جماعة أُمناء العقل القادم من أقصى التراثيات المصطنعة. ولا يعني ذلك الركون إلى الخمول الفكري ووقف التفلسف؛ فباكتسابنا حق الوعي يفسح لنا طرق ووسائل الاستفادة من الذين سبقونا في نيل درجة من حرية التفكير مكنتهم من نقد التراث وتأسيس المعرفة على ضوء الخبرة التاريخية , فقط علينا الانتباه لخصوصية الثقافة ومنابعها التراثية وكيفية الصياغة التاريخية , وأخيراً علينا أن نحدد نوعية العلاقة التداولية وبالذات في ما يخص الفلسفة.
إن معرفة وفهم الفكر الغربي ليسا كافيين للتضامن معه في إعلانه عن الحق في الفلسفة, فللغرب الأوروبي خصوصيته التراثية والتاريخية ومن هذه الخصوصية وصراعها الدامي مع أمناء العقل الكنسي تمكن دياليكتيك الثقافة من إنتاج مقولات ومفاهيم فلسفة متنازعة ما بين الخصوص الأوروبي والشمول الملازم للنزعة الاستعمارية. لهذا (توجب على الشعوب والأوطان التي أصبحت مستقلة وذات سيادة أن تحدد علاقة جديدة بما هو فلسفي)18. هذا التحديد يمكن وبدرجة معقولة أن يساعد هذه الشعوب في إنضاج وعيها والاتجاه نحو تأسيس فكر منطقي ناقد يستطيع خلخلة الثقافة والكشف عن جذورها لمعرفة نوعية رحمها المتولدة عنه. فالحالة تشير إلى بذور الاستعمار وامتداداته الداخلية والخارجية وفوق ذلك وللتحرر ظن المفكرون أن استدعاء التراث هو الحل فذادت الحالة تعقيداً؛ وفي ظني أن غياب البحث الفلسفي ألتفكيكي الحر هو السبب الرئيسي في استمرار هذه الحيرة.
لا أعتقد أنني مبالغ أو مفرط في القول في أن ما نسميه فكر وندور تقديساً حول مفكريه ومتبنيين في بعض الأحيان مقولاتهم الخاصة بالنهوض والإصلاح وإنتاج العقل, لا أعتقد أن هذا الفكر يشير إلى أي أمل قريب .. إنه مجرد تراكم على تراكم . ذلك أنه فكر لم يتحرر بعد من التبعية التلقينية بل ولازال قابعاً في كهوف التراث المصطنع وحداثته هي تقليد لفكر وفلسفة لم تكن لهم فضل المشاركة في إنتاجها, اللهم إلاّ كهوامش لا عقلانية منعكسة عن عقلانية التنوير الممهد للاستعمار الأوروبي والذي هو بدوره وبعد خروجه ترك من هم أقرب لتوجهاته المتمركزة حول حصار الوعي الوطني وعدم السماح لأي فكر تحرري من الظهور . ولهذا ومنذ خروج المستعمر لم تظهر حكومة وطنية خالصة , فكل ما هناك هو الاستمرار في الكبت المدعوم من مؤسسات التراث المصطنع, ولهذا غاصت الثقافة الفاعلة وأصبح التيه هو الحقل المتاح لتفاعل الحياة الاستهلاكية؛ وتدليلاً على ذلك أن شعوب الربيع العربي رجعت يائسة بعد أن فقدت الكثير من شبابها ومتزامناً ذلك مع فقدها الإحساس بالوطن وفكرته.. ومع ذلك, وتسلية وسلوناً لهذا الفشل ومن منابع التراث القديم جداً يقوم الفكر العربي الإسلامي, أم العكس, مجادلاً في دور العلوم والفلسفة إبان الحضارة الإسلامية وتأثيرها في النهضة الأوروبية, وهنا يظهر ابن رشد ومعه يتحول الجدل ليصبح منافسة إنبهارية بين من يرونه فيلسوفاً وبين من يرونه مجرد شارح لأرسطو ؛ ولكن ولضعف الكفاية الفلسفية يتوقف النقاش عند الخطوط الحمراء ومن ثم يسقط الكل بما فيهم ابن رشد نفسه داخل سياج اللاهوت وتبعاً لذلك يغيب الوعي بالناسوت ؛ وبالضبط وبهذا الغياب لا يعود كتاب " فصل المقال ما بين الحكمة والشريعة من اتصال" ذا قيمة في الخبرة المعرفية ودورها في تنشيط البحث الفلسفي .
لم يكن ابن رشد ولا من سبقه أو عاصره من الفلاسفة مجرد ناقلين. وحتى إن كان ذلك كذلك, فإن الدخول إلى خبرات العلوم والفلسفات اليونانية والهندية والفارسية..الخ, لا يكون عبوراً سهلاً وعرضياً؛ فالتوجه في حد ذاته وعي فلسفي وتأمل فكري تأخذ منه اللغة قوتها التعبيرية في إبداع وإنتاج نصوص متماسكة أمام صراعات النقل والعقل دون الإخلال بموضوعيتها الإسلامية. .. ولكن ومع كثافة الرقابة والتشدد في حرمان ظهور العقل البشري من قِبل الجماعات الإستراتيجية المدعومة من الدولة لم تجد الفلسفة غير الخروج تاركة الحقل للتصوف ألعرفاني.
بوصول الفلسفة إلى العالم المسيحي اللاتيني تحركت ذات المعركة متلازمة مع الكشف العلمي فاهتزت أركان الكنيسة . ومع ظهور الطباعة وانتشار الكتاب وتزايد عدد القراء تصاعدت الحرب وأصبح الحرق والقتل ينال كل من يخالف السلطتين _ الكنيسة والدولة _ ومع ذلك لم تتوقف الفلسفة ولم يمنعها الذبح " الأموي" ومحاكم التفتيش الكنسية, من إعلان حقها البشري.
لم تكن الفلسفة القديمة وفي بحثها عن الحقيقة تتحرك ضد اللاهوت كما تزعم الجماعات, وإنما كانت توجه نقدها ضد الفكر الذي يمنع ظهور الكائن البشري كذات واعية بما تتدين به ومن ثم يمكنها أن تتحمل مسئولية تغيير وتحويل الطبيعة بما يتناسب مع تطلعاته الطبيعية , وهذا الأمر لا يكون غيباً خارج نطاق الحقل البشري.. وبالطبع لا يتناسب هذا الانفلات مع الإستراتيجية الغيبية المسنودة من الدولة المعينة أصلاً من الجماعة. وفي هذا المناخ لم يكن ظهور الفلسفة ظهوراً مخالفاً إلى حدٍ كبير , فقد كان البحث عن العقل يتم داخل نفس الحقل ومن ذات العناصر الميتافيزيقية تدفعه للظهور الحالة النفسية والاجتماعية المكونة لشخصية الفيلسوف وكلما كان أقرب للجماعة والدولة كل ما كان بإمكانه الحصول على الإجازة والترخيص في نشر أفكاره المطابقة للأيديولوجية العامة.
مع الكشوف الجغرافية وتوسع أفق الطموح الأوروبي وبدعم مبارك من الكنيسة التي كانت تبحث عن رعايا لم يدخلوا في مرحلة التمرد العقلاني بعد, تحركت قوافل الاستعمار محملةً بكافة أدوات الهيمنة العقلانية المتعالية ومن أعالي الأبراج نظرت إلى الشعوب غير الأوروبية كوحدات خارج نطاق العقل وخارج التاريخ ؛ وعليه , وإنسانياً , يتوجب المساعدة لا في اكتشاف العقل لديهم وإنما الكشف عن العناصر الثقافية التي يمكن أن تكون وسيلة قي استخدمهم كخدام في إشباع الرغبات الاستعمارية, فكانت القبلية والطائفية الدينية هي المدخل وبتوصية منهم تكونت طائفية الهامش اللاعقلاني. ومن أجل الإبقاء على حالة هذا السكون حافظت المركزية الأوروبية على نوعية الميتافيزيقا الخاصة بعقلانيتها التنويرية. أما بالنسبة للهامش فكانت فلسفة التعليم هي السياج المانع لظهور أي وعي وطني مخالف للسلطة الحاكمة. ولهذا الحالة اختفت كل إمكانيات ظهور الفلسفة في الهامش . أما هناك في المركز الأوروبي فقد خرج " جاك ديريدا " يحمل معاول التفكيك للكشف عن أصل وحقيقة الاحتكار الأوروبي للفلسفة وكيفية تأسيسها داخل الجامعة وما واجهته من صراعات الرقابة المدعومة من الدولة, .. فكان هذا الكتاب ( عن الحق في الفلسفة ) .
ألقراءة:
لن تخرج القراءة عن نطاق الكتاب اللهم إلاّ بعض التداعيات التي يفرزها الذهن الناتجة عن سلطة ولذة النص. لقد ركز الكتاب على المؤسسة التي شغلت اهتمام ديريدا أكثر من غيرها ألا وهي الجامعة وما تقدمه من مفاهيم ومسؤولية وبلاغة الحجاج والصراعات النظرية ؛ إنها ( تحيل بشكل مباشر أو غير مباشر على المؤسسات الأخرى , السياسية والاجتماعية )14.مما يعني أن عملية تفكيك هذه المؤسسة التعليمية لن يكون في هذه الحالة سوى مقدمة لتفكيك أشمل يطال كل المؤسسات الأخرى.
ستتوقف القراءة عند الأزمة, ولن تتقدم نحو المقترحات والتوصيات, فهذا أمر قد بسطه ديريدا في حقل قائم على الفلسفة, أما هنا فلا زالت الفلسفة تحاول الخروج , لذا ستكون التوصيات مجرد استهلاك بلا معنى.
العنوان منصة الانطلاق ومنها تتجه المحاولة نحو عتبات الدخول إلى الفلسفة؛ ومع تشابك النص تظهر مسألة اللغة, وبعد محاولات التكوين نتجه إلى طرق التعليم وحقيقة الجامعة ودورها في الحوار أو التلقين ؛ وما أن تظهر بوادر الفكر غير المقبول من الجماعات المسنودة من الدولة تتحرك آليات الحصر والتقييد وعندها تتأسس عناصر الأزمة. وبما أن الجامعة هي مؤسسة الوعي الشامل فإن أزمتها تمثل الأزمة الكلية بما فيها الفلسفة , وعليه يكون لزاماً على الفلسفة الحرة الخروج للمطالبة بحقها في الوجود البشري..... ومن هنا تبدأ مهمة التفكيك.
" عن الحق في الفلسفة ":
العنوان هو اسم العمل , هو الشارة والشعار وعلامة الإعلان , وعليه تكون المطالبة بحق ما يعني أن هناك شيء ما مسلوب من قبل سلطة مهيمنة والمطالبة به تعني أن أصحاب هذا الحق قد اكتسبوا شرعية الكفاءة بهذا النداء (فأن يكون للمرء " الحق في أن .. و " الحق في " معناه أن يكون مكلفاً ومتوافراً على مبرر لقول هذا الشيء أو ذاك أو فعله )27. وهكذا, وبالمقابل لا يكون لأي شخص أن يطالب بأي حق لأي شيء ( فاللقب يحول ويمنح الشرعية والقيمة ... وينطبق هذا الأمر على شيء لم يعد مجرد شيء, أو على شخص أصبح " ذو قيمة ")27. بهذا التحديد يكون الفلاسفة هم أصحاب اللقب الممنوح من المؤسسة وهم أصحاب الكفاءة في المطالبة والسؤال " عن الحق في الفلسفة ". ولأن منح أو رفض الألقاب لا يكون إلاّ من هيئة مؤسساتية موظفة نفسها بدعم من الدولة لحراسة الألقاب؛ فالمؤسسة هي التي تحدد الكفاءة والحق .. وعليه تصبح هي الجسم المُستهدف بالمطالبة.
تخضع عملية المنح أو الرفض, التثبيت أو الإزالة إلى اللغة وذلك في شكل دورة مستنديه ديوانية بحتة وبهذا يكون للشخص صاحب اللقب و (بواسطة الكلمات أن يقول أو يفعل " أشياء " مطابقة للمؤسسة صاحبة الحق في اللقب الممنوح )73. وفي حالة الخروج عن الدائرة فللمؤسسة أيضاً الحق في سحب وإلغاء هذه الصفة الاعتبارية . عليه , لا يكون هذا الحق مكتسباً طبيعياً وإنما هو مجرد إجراء اصطناعي خاضع للرقابة والتقييم من قِبل مؤسسة تمنح نفسها وبدعم من الدولة حق الوصايا على الوعي الشامل بل وتحديد حالات الإفراط في حرية تبليغ الأفكار والآراء والتي هي من أثمن الحقوق الطبيعية للإنسان. وطالما أن اللغة هي العامل الأساس في التبليغ , فإن التعليم هو ما يُمكن هذه اللغة من تشكيل نفسها كأداة فاعلة في صياغة المفاهيم وتداولها . وبهذا يكون الحق في التعليم هو من أولى الحقوق الطبيعية التي ينادي بها " إعلان حقوق الإنسان " والذي هو - الإعلان – قائم من أجل نزع الحق الطبيعي من جماعات الوصايا ولذلك نجد ملفوظاته مشحونة بالإلزام ( مثل .. يجب أن يكون القانون واحداً بالنسبة للجميع على وقائع مقررة )71؛ فالحقوق الاجتماعية المتمثلة في الشغل والراحة والأمن ووقت الفراغ, هي ممارسة طبيعية وليست حكراً لفرد أو جماعة .. إنها من صميم التكوين الطبيعي للإنسان ؛ وفي ذات الإطار يدخل الحق في التعليم والثقافة والتربية )70. ؛ وهنا يتساءل ديريدا فيما إذا كان حق الفلسفة ضمن هذه الحقوق , أو عبارة عن مضمون من مضامين المعرفة , المدرسة , الثقافة , أي ما ندرجه تحت عنوان الثقافة والتعليم والتربية والتكوين. 71 ولكن ديريدا لا يوفق على ذلك فهو يضع الفلسفة موضع (الشيء الذي لم يعد مجرد شيء)27.. وبالتالي لا يكون الحق في التعليم والثقافة والتربية متضمناً الحق في الفلسفة ؛ فعليه فإن الحق المطلوب هو أن تصبح الفلسفة مادة دراسية قائمة بذاتها.
حق الفلسفة:
إن بشرية الفلسفة هي التي تسمح لها بالانفتاح على كامل المواد التعليمية دون أن تفقد هويتها الخاصة. فهي ( تخضع كمادة من بين المواد للتعاملات الهادئة والمنتظمة بين معارف ذات حدود مضبوطة أو مساحة موضوعات قابلة للتعيين)35. فالموضوعات الأخرى ( وانطلاقاً من الوضعية المحددة لهويتها دائماً ما تفكر في موضوعها ضمن أبستمولوجيا معينة, وتحوله عبر تحويل العقد المنشي لمؤسستها الخاصة , ولا يمكنها , ولا يجب عليها أبداً التشكيك في الوجود المعني والمفهوم بشكل مسبق لموضوع أو لموجود قابل للإثبات , وذلك على الأقل ضمن الفعل المؤسساتي لأبحاثها ولتعليمها)49.
ليست الفلسفة من طبيعة المواد الأخرى محكومة بأفق محدد؛ فلا يؤثر تداخل التخصصات في تحديد حقلها غير القابل للتحديد. بل إنها ولطبيعتها البحثية والنقدية الشاملة والتساؤل الدائم , فإن المواد الأخرى وبالرغم من خصوصيتها وفي لحظة السؤال المتعلق بـ " ما هو؟ " بموضوع العلم أو الفن فإنها مباشرة تدخل حيز الفلسفة, ذلك أنه ( ينتمي إليها عن حق, وهذا هو حق الفلسفة, لأنها الوحيدة التي تمتلكه, ولذلك كان بمثابة امتياز لها )32. وهذا أيضاً ما يمهد للفلسفة لأن تكون حق كوني خارج نطاق القوميات ولغاتها المحددة للجنس والنوع والثقافة الإقليمية, ولا يعني ذلك التحليق المتعالي عن أرض المعرفة البشرية . فالصراع التعبيري الحامل والمحمول باللغة هو واحد من أهم عناصر أبحاثها المفاهيمية؛ ولهذه العمومية والأفق غير المحدود فإن الفلسفة ولكي تكون بشرية بالفعل فإنها تبتعد عن تحديد لغة بعينة صالحها لتأملها وفعلها, إنها ملك لكل اللغات وهذا هو سبب صراعها الأول.
صراعات لغة الفلسفة:
بما (أن اللجوء إلى اللغة ضروري بالنسبة إلى ممارسة الفلسفة)65. عليه, يكون الإعلان عن حق الفلسفة يتضمن لغة التعبير عن هذا الحق؛ ولا يعني أن المطالبة بحق الفلسفة في أو بلغة معينة, فهذا الأمر وفي الغالب يؤدي إلى تصاعد اللغة لتصبح هي صاحبة الحق وبالتالي تتأرجح الفلسفة ما بين التبعية والقيادة وما بين الوضعين تحسم المركزية صراعات التيه وهذا ما يعمل ديريدا على تفكيكه متوجهاً إلى مراوغة ديكارت في شأن توظيف لغته القومية بدلاً عن اللاتينية لغة أساتذته.307 فـ (رينيه ديكارت ) وعلى حسب قوله أنه كان ( يرغب في أن يكون الحكم على آرائه صادراً عن أولئك الذين يستخدمون عقلهم الطبيعي الخالص وليس أولئك الذين يؤمنون بالكتب القديمة)307. فاللغة اللاتينية في مقابل هذا التصريح لغةً اصطناعية ومن ثم استخدامها سيحجب طبيعية اللغة الفرنسية والتي يتمتع أهل ثقافتها بالحس السليم والدراسة العميقة وغير متحيزين للاتينية إلى درجة رفض سماع مبرراته لمجرد أنه يشرحها بلغة مبتذلة.308 هنا يرى ديريدا أن هذه المراوغة ( ليست قي الحقيقة سوى سلاح وعبور وتغيير للأسلحة عبر بسط ترسانة بلاغية تبرر اللجوء إلى الفرنسية في نصوص أخرى, وخصوصاً في الرسائل)308.بهذه المراوغة يكون ديكارت قد أعلن التمرد والتحرر من اللغة الشمولية لتصبح لغته القومية هي لغة " الذات" الفردية والقومية. وفي قمة نشوة الانتصار وعلى حسب توجهه إلى من يستخدمون عقلهم الطبيعي الخالص, تنصهر الفلسفة داخل مكونات لغة العقل الفرنسي الذي هو أعدل قسمة بين الناس لتكون " الذات - الفرنسية " هي الذات الكونية فكل فلسفة تبدأ بالسؤال عن الذات فإنها لا شك ستتجه إلى (الكوجيتو) الديكارتي الفرنسي الأوروبي.
إن فرض لغة الدولة يعني فرض ( الهيمنة الإدارية على التراب بنفس صيغة تدشين الطريق)319. ولتمثيل هذا الاختراق يستحضر ديريدا أحصنة بارمنيدس Parmenides في قصيدته المشهورة , والتي يرحل بها نحو الوجود ومع وقع الحوافر ينطلق (فارس ديكارت .. بعزم.. وقطارات مستوطني ارآضي الغرب البعيد بأمريكا Far West.. والمسالك الجوية والبحرية للقرن العشرين المسماة بشكل مثير "فضائية" كتعبير عن مشاكل سياسية وقانونية هائلة )320. بهذا الانتشار والهيمنة فرض العالم الأوروبي لغته وإدارته وأصبحت العقلانية القائدة لهذا الخروج هي عقلانية الكون في كليته. ولأن هذا الاختراق يعني سيطرة الجزء على الكل, فإن أزمة التواصل الثقافي تصبح هي البنية الملازمة لكامل الحركة والفعل الفلسفي؛ ذلك أن فرض لغة معينة يعني فرض وعي محدد بإطار اللغة المفروض ؛ وعندما تصعد هذه اللغة إلى درجات التأمل الفكري الحر فإنها ستكتسب خصوصية داخل حقلها نفسها وهذا ما يضيف أزمة الترجمة. فاللغة دائماً وأبداً تكتسب كفاءتها وتقنيتها من واقع الممارسة الثقافية وفق تصورها المتوسع في معرفة الوجود البشري العام وهذه المعرفة هي ما ترنو إليه كل اللغات. غير أن الوصل إلى عتبات هذه المعرفة لا يتم قبل تشابك ثقافات متعددة تعكسها لغات متعددة تعدد الذوات المفكرة, وبتواصل التأمل الفلسفي خارج التعبير العادي فإن المقولة الفلسفية المنطوقة في لغة ما تكون وفي معناها الشاملة منتثرة على صفحات تلك اللغات القابلة للتطور بما يناسب طموح إنسانها وهي التي استطاعت أن تتحرر من قبضة التراث المصنوع والدخول إلى خبرة التاريخ بالاستفادة من التراث الطبيعي الخالص والمرتبط بهم البشرية.
بالرغم من أن طور معين من الثقافة هو ما يحدد ظهور الفلسفة , إلا أنه لا لغة محددة لتمكين هذا الظهور, بل إن انفتاح الثقافة هو الذي يدمج تداخل اللغات في الكشف الفلسفي, وبالمقابل يمكن القول أن الثقافة المغلقة لا تنتج فلسفة أو علم وبالطبع فإنها لن تنتج لغة صالحة لغير أهلها وفي نطاق مسميات الإقليم . إن خروج اليونان إلى مصر وبلاد الشرق ودخول جنسيات مختلفة إلى أثينا هو ما أدى إلى إثراء الجدل الفلسفي سواء في الشرق الإسلامي أم ما كان من تداخل الإسلام والمسيحية في الثقافة اللاتينية وهذه كلها لغات متعددة تعدد ثقافتها. بهذا يمكن القول أن التصريح بأن (لا فلسفة من دون لغة يونانية, أو ألمانية ــ يُعد ــ إقصاء لا بالنسبة لألئك الذين لا تُعتبر هاتان اللغتان بالنسبة إليهم " لغة أُم " بل أيضاً الإغريقي والألماني الذين لا يتكلمون أو يكتبون لغاتهم الخاصة بطريقة فلسفية, لأن هذه الطريقة في الكلام والكتابة متميزة وموسومة بتاريخ ممتلئ, ومنسوجة بتواريخ وبخيوط أخرى من اللغة نفسها ومن لغات أخرى, فالفلسفة ليست مرتبطة باللغة الطبيعية فحسب)67.
لا تتوقف خبرة اللغة الفلسفية عند حدود القومية, وإلاّ أصبحت مجرد ممارسة ثقافية مرتبطة بخبرة تراثية وتاريخية محددة. الفلسفة ولطبيعتها البشرية العامة تتداخل ما بين المفاهيم المُنتجة من خلال تفاعل مسطحات ثقافية متعددة تعدد الفنون والمهارات واللغات, لا من أجل إنتاج مفهوم مركزي مطلق ومتعالي, وإنما لبسط حواري مفاهيمي يسمح بالتبادل المعرفي لكافة اللسانيات الجديرة بتحمل الجدل الحر غير المقيد بأيديولوجيات مصطنعة , مع المحافظة على تكنيك وتقنية الاختلافات التأملية والتعبيرات اللغوية الخاصة وخلفيات الثقافة الدافعة للجدل المنتج للوعي المعرفي.
إن اختزال الآخر أو الغفلة سواء الطبيعية أو المصطنعة عن حقيقة وجوده الكامن والفعلي, يؤدي إلى تصاعد نعرة التعالي المصحوبة بسلطة الهيمنة المركزية ومن ثم تضطرب شروط التواصل ولن تعد أي (ضمانة لوجود أدنى تعاقد بخصوص اللساني لقواعد هذا التبادل)184.
إن فرض لغةٍ ما , يعني فرض ثقافة هذه اللغة؛ وبالتالي , فإن انكشاف الوجود بهذه اللغة المفروضة يكون انكشاف لميتافيزيقا مشوشة ومضطربة ما بين الثقافات المتنازعة, والنتيجة هي الدخول في أزمة وعي لا تفضي إلى أي إبداع فلسفي أو علمي وهو ما نراه ماثلاً على ساحتنا الثقافية عربية كانت أم أفريقية. أما بالنسبة لأوروبا وبعد معارك فكرية استطاعت أن تصنع من الاختلافات الثقافية الأوربية وحدة جدلية إلى درجة أنه لم يعد هناك فاصل (بشكل صارم بين الاختلافات اللسانية ولا بين الاختلافات القطرية) ؛ ومن داخل حقل هذا التنازع غير الحاسم ظهرت أيضاً ( اختلافات فلسفية لا تنحصر في مسائل الأسلوب والمنهج ولا حتى في الحقل الإشكالي بالمعنى الاتفاقي لهذه الألفاظ. وبدعوى برانيتها , فهذه الاختلافات تكون أحياناً خطيرة للغاية " مثل الاختلاف بين الفلسفات المسماة قارية والفلسفات المسماة أنجلو – سكسونية إلى الحد الذي تغيب فيه أدنى شروط التواصل والتعاون في ما بينها )183/184.
بسبب التأثير المباشر بهذا التنازع الفلسفي الأوروبي في مسألة تعلم الفلسفة وتطور العلوم ..الخ, ينصح ديريدا بأخذ الحيطة والحذر ( مما يسري ولا يسري بين هاتين المساحتين, أو القوتين السياسيتين والفلسفتين الأوروبيتين)184. وبالذات عندما يتعلق الأمر بعملية ( التحرر من الاستعمار وتشكيل أو إعادة تشكيل الثقافة الوطنية أو القطرية)184. ذلك أن الهيمنة السياسية والاقتصادية لا تتفاعل خالصة من لغة الفلسفة وما تحمله من اختراقات , فإن كان من السهولة التعرف على السياسي والاقتصادي, ففي غاية الصعوبة مقابل ذلك كشف وتمييز لغة الفلسفة, إذ يمكنها وبتلقائية مرنة أن تتسرب بأشكال و "ميديا "مختلفة غير ملموسة وبتأثيرات مباشرة أو غير مباشرة؛ وفي درجة معينة من الكثافة تصبح هذه الذرات من مكونات ذهن غير مرتبط بخاماتها الثقافية, ومن ثم تتعدد الأمراض الثقافية لتصبح هي بدورها عقبة أمام أي إبداع أو ابتكار يبحث عن حرية الوعي وإنتاج فلسفة نابعة من الخبرة التاريخية الخاصة. لهذا ينصح ديريدا بالانتباه إلى نوعية الفلسفات القادمة من هناك, ومحاولة نقدها لمعرفة إلى أي مدى يمكن أن تكون بشرية خالصة أم إقليمية مركزية تطمع في استعمار الآخر.

تعليم الفلسفة:
كان ديكارت (نموذجاً للفيلسوف الذي عمل على تبرير مواقفه وناقش مختلف الهيئات المؤسساتية , ولكنه لم يكن فيلسوفاً مدرساً, أي أستاذ موظف بجامعة الدولة )375, ولهذا لم يضع التعليم الفلسفي المنظم من طرف الدولة ضمن أسئلته وتحليله البلاغي ولغة العرض. وربما يعود ذلك إلى أن في تلك الفترة لم تدخل الفلسفة الجامعة بعد,أي بمعنى آخر لم تدخل الفلسفة سياج الحصر الأكاديمي والمراقبة الإستراتيجية, فقد كان الحقل كنسي ونادراً ما يخرج عنه الفكر. ولكن ( وعند نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر, تغيير الوضع في كل أرجاء أوروبا )376. هذا التحول هو ما يركز عليه ديريدا مشيراً إليه بـ (شرط الفلسفة داخل جامعة الدولة وصورة الفيلسوف الموظف في هذا الإطار )376. ويتابع ديريدا موضحاً أن هذا التحول ( لا يمكن أن يتم من خارج الخطاب الفلسفي ذاته ولا بمعزل عن إجراءاته ومضمونه )376.
لم يكن دخول الفلسفة إلى الحقل الأكاديمي مماثلاً لبقية المواد, فالتساؤل عن إمكانية تعلم الفلسفة أكاديمياً ظل ملاحقاً لها حتى الآن, فبالنسبة لـ ( "كانط" أن الفلسفة لا يمكن تعلمها إلاّ تاريخياً, في حين أن الرياضيات وحدها يمكن أن تُعلم عقلياً, أما بخصوص العقل ذاته, فلا يمكن أن نتعلم سوى التفلسف)401. وما يزيد في التعقيد ولطبيعة الفلسفة الموسوعية أنها لا تتموقع في موضوع خاص بها, إنها تشريعات بشكل عام لكامل الموضوعات . لهذا , ولهيمنتها النقدية فهي موجودة في كل الفضاءات المعرفية. ... فماهية أي علم لا توجد خارج الفضاء الفلسفي. واعتماداً على هذه الكلية ومنذ بدايات الأرسطوطاليسة ظهر الربط الميتافيزيقي (بين النظر والمعرفة , بين المعرفة من جهة ومعرفة التعليم والتعلم من جهة أخرى)505. ففي الأسطر الأولى لكتاب الميتافيزيقا لأرسطو تبرز الإشارة إلى الرغبة في المعرفة إذ يرغب كل الناس من حيث طبيعتهم في المعرفة.505. هذه المعرفة ولارتباطها بالإحساس دائماً ما تؤدي إلى الانتشاء باللذة ( بغض النظر عن منفعتها , وهذه اللذة التي يمنحها الإحساس غير النافع , يفسر الرغبة في المعرفة من أجل المعرفة, أي في المعرفة من دون غاية عملية)506.
لا ترمي الفلسفة إلى سحب البساط من تحت المواد الأخرى كي تصبح هي المهيمنة؛ وإنما يكون حضورها الدائم مرتبط بلحظة السؤال عن الكينونة الخاصة بتلك المواد. فالعلوم لا تكتفي بنتاج الثقافة في سلوكها العادي فهي دائم ومن أجل البحث الناقد ما تصعد فوق أو تبحث عن ما هو مختفي تحت ما هو ظاهر.. وفي هذا الإجراء تظهر شرعية الفلسفة. فالتحول من داخل حقل الثقافة إلى ما يمكن أن يتبلور في معادلات علمية لا يكون من غير إبداع مفاهيمي , وعلى حسب طبيعة الحقل وكيفية البحث وآلياته تتكشف معالم المفهوم المهيمن على زمن الوجود؛ فيمكن أن يكون هذا المفهوم ديني أو سياسي أو علمي , وعلى هذا يمكن القول أن الفلسفة هي التي تحدد المفاهيم ونوعيتها لا من الخارج وإنما من داخل الفلسفة نفسها ذلك أن هذا هو العمل الشرعي الخاص بها.. بهذه السلطة المعرفية أراد هيغل نزع التعليم الديني من السلطة الدينية ومن ثم تصعيده ( إلى مستوى الفكر التأملي, وإبراز ما يتعلق ضمنه بالفلسفة وحقيقتها)241. وبهذا تكون فلسفة الدين قد حددت شروط ومنظورات إعادة التملك.241. وتوحي الإعادة إلى أن الحق في الأصل هو للفلسفة؛ ومن هنا تظهر المواجهة مع الجماعات الإستراتيجية وأمناء العقل, وغالباً ما يتداخل هؤلاء مع الخطاب الفلسفي ومن ثم تدخل الفلسفة نفسها دائرة الوصايا.
بانتزاع التعليم الديني من سلطة الكنيسة, يكون هيغل قد فتح منافذ الخروج إلى السطوح المفاهيمية, وبالتالي لم يعد الدين شأن تاريخي فقط, ولا كسرد للأحداث والحكاية وإنما ( تم التفكير فيه بشكل تأملي ضمن فينومينولوجيا الروح وفلسفة الدين أو الموسوعة . فمضمون الفلسفة ومضمون الدين هما شيء واحد )243. بهذا الانصهار العقلاني وللحالة الثقافية التي كانت سبباً في إنتاج هيغل عملت الدولة بحكم صلاحيتها التشريعية على حل النزاع فقامت بتأسيس علاقة متينة مع الكنيسة وذلك ( انطلاقاً من مبادئ فلسفة الحق )241. وهكذا تلاشت سلطة الجماعات الكنسية غير المنتمية إلى ما أنتجته ثقافة الأرض, وعليه لم يعد الدين حكراً لجماعة وإنما حق للجميع لا يقل عن حق المواطنة , بل, وتحت رعاية دولة الحق. وتأكيدا لذلك جاءت إشارة هيغل في سنة 1816 لتقول أنه ( لا يمكن أن تعهد البروتستانتية إلى التنظيم التراتبي للكنيسة , لأنها لا توجد سوى داخل العقل والثقافة العامة, فجامعاتنا ومدارسنا هي كنائسنا )242. إذن , ومع هيغل تصاعدت الفلسفة العقلانية لتصبح هي المسئولة عن كافة منتجات البشر الروحية والمادية , ولم يعد غير المنطق العقلاني الصارم أي حارس آخر للمعرفة. ولضمان تفاعل الهيمنة, صارت دولة الحق هي الراعية لمؤسسة الإنتاج المعرفي والمتمثلة في الجامعة.
لم تنشأ الجامعات للبحث عن الإمكانيات العقلية , ذلك أنها في الأصل إمكان عقلاني. وكما يرى كانط في مؤلفه " صراع الكليات " ( أنه يتعين على الجامعة أن تنتظم وفق فكرة العقل, وهي كلية المعرفة القابلة للتعليم )512. إضافة إلى ذلك , وإذا لم يكن أبداً قد تم تأسيس مشروع للجامعة ضد العقل كما يرى ديريدا , فيمكن (الإقرار عن حق بأن مبرر وجود الجامعة شكّل دوماً عين العقل وتحددت من خلاله علاقة أساسية بين العقل والوجود )513. وهذا المبرر العقلاني هو ما سمح لـ " هيغل " العمل على إزاحة سلطة جماعات الدين غير المتواصلة مع التأمل الفكري العقلاني. فقد أصبحت الجامعة وليس الكنيسة هي المؤسسة المسئولة عن صناعة وتحولات الوعي ومن ثم قيادة المجتمع نحو الأنوار والتي كان لـ " كانط " الفضل الكبير في إضاءتها ؛ ذلك أن أعماله قد ارتبطت ( وتهيكلت كخطاب تعليمي وتحديداً كخطاب أستاذ بجامعة الدولة )101.
كانط , ورغم أنه قد فرض نفسه ( بانتظام كحركة فلسفية أساسية وحقيقية ) إلاّ أنه ومع ذلك قد عاش حياة موظف . وكانت له مع النظام الملكي نقاشات عديدة نجد صداها بالخصوص في مؤلفي : صراع الكليات والدين في حدود العقل وحده)101. فبسبب توبيخ الملك نفسه اندفع كانط إلى ( كتابة رد وتبرير لموقفه في مقدمة كتاب صراع الكليات )378. هكذا, ومن واقع سلطة الدولة سجلت الهيمنة الكانطية وسلطتها , فضائل الشرعية في عمق تكويننا وثقافتنا ومكوناتنا الفلسفية إلى الحد الذي يصعب معه القيام بتنويعات متخيلة تسمح بتصورات أخرى)98. ولقوة ميراث الفلسفة الكانطية تمكنت من الزيادة والانفلات من مماثلة ذاتها والوصول إلى انبثاق إمكانية عن ميلاد الدولة الحديثة وأنظمتها التعليمية التي تتقاسم معها الحدود وعدم الاستقرار.102. ويتابع ديريدا كاشفاً عن هذا الشبح وقوة سلطته في التعليم وبلورته في النقد والميتافيزيقا مؤكداً على تشعبه وتداخله مع لحظة التأمل الفكري حتى أصبح ومهما (حاولنا طي الصفحة والالتفاف وعدم ذكره وكأنه غير موجود وكأن ميراثه غائب, فإننا سنجازف بإعادة إنتاجه بطريقة أكثر فعالية, وبشكل ساذج وسري ولا واعي .. فهو يمر بشكل غير ملحوظ)100.
لم تكن المقدمة الأولى لـ " نقد العقل الخالص " غير استدعاء وتأسيس لمحكمة العقل تحت حراسة الفلسفة والتي هي بطبيعتها مسئولة مباشرة عن ولادة الذات وكيفية عملها في اكتساب المعرفة؛ وهذه العملية في حد ذاتها من مهام العقل والذي هو في الأصل سابق في ظهوره للمحكمة ؛ وعليه تصبح هذه المحكمة ليست سوى تكرار لتأكيد تصورات هيمنة العقلانية ( الحاملة للعنصر اللاتيني والروماني للفلسفة, وكأن الأمر لا يعدو أن يكون استدعاء لتراث السلطات القديمة , بمعنى أن المحكمة المجسدة للعقل هي الإمبراطور المؤلهة, ومن هذه القدسية فإن المحكمة ( لا تدعي محاكمة هذا أو ذاك, مثلاً محاكمة كتب أو أنساق , بل فقط وكما يفصح كانط ( سلطة العقل عموماً, وبصيغة أخرى سلطتها الخاصة وأساس شـرعيتها المطلقة والذاتيـة )110. وهذا الاستقلال هو ما يعطي محكمة العقل المؤطرة داخل الفلسفة, إعلان عدم الانتماء لغير ذاتها .. وهي وإن كانت: أدنى من الكليات الأخرى – الحقوق والطب واللاهوت – ضمن التراتبية التي وضعتها الدولة , فإنها , لهذا الوضع الخاص لا تصبح مجرد مادة أكاديمية وإنما صاحبة سلطة مجاورة للدولة فيما يخص قول الحقيقة على مستوى الأحكام )110. وهنا تتأجل لحظات التأمل الميتافيزيقي كي يهبط خطاب الفلسفة ليتشكل في ( خطاب قانوني ومصدر مطلق لكل شرعنه وحق الحق وعدالة العدالة باعتباره كذلك ضمن الأشكال التأملية للتمثيل الذاتي )115. وبالتالي سيحق للفيلسوف صاحب الخطاب أن يكون هو نفسه صاحب الكلام عن الكل. بل , وبموجب هذه السلطة سيتحرك نحو الكشف عن الحق متجاوزاً كل الهيئات الأخرى )118. وتأكيداً لهذه الحرية , فإن الفيلسوف وفي انطلاقه نحو الآفاق المعرفية الناقدة لن تقف أمامه الأسوار الأكاديمية, بل الجامعة نفسها ستصبح هي الخارج والداخل فيما يخص الفعل المعرفي. فالجامعة وبحضور الفلسفة لن تعد مجرد مدرسة لتدريس المواد وإنما هي الجسم الفلسفي أو بمعنى أدق هي مفهوم فلسفي للفلسفة؛ ومنها تنطلق آليات الخلخلة والتفكيك لكامل المؤسسات الأخرى. ومن هنا تبدأ معركة الصراعات والتجاذبات ما بين الأطراف المتنافسة على السلطة المعرفية ومن ثم تتولد مفاهيم الحصر والتضييق سواء من الجماعة الإستراتيجية أو الدولة, الأولى,ا من الفلسفة ذاتها. أما الجامعة ولأن الصراع حول العقل , فستصبح هي الساحة الملائمة للمعركة, إنها بلا منازع هي الكهف الذي يختفي فيه هذا المتوحش الموسوعي الملازم للفلسفة.
إن مفهوم الجامعة University ليس مجرد مفهوم فلسفي لمؤسسة البحث والتدريس, إنها مفهوم الفلسفة ذاتها .. فلكي توجد جامعة ( لا بد من تأسيس شعبة الفلسفة ورغم كون سلطتها دنيا فإنها مطالبة " بمراقبة " Control جميع الكليات الأخرى في ما يتعلق بالحقيقة التي تحتل المرتبة الأولى , في حين أن الفائدة من خدمة الحكومة تحتل المرتبة الثانية )467. هكذا تصبح الفلسفة عند ديريدا العنصر الأساس في تأسيس الجامعة , ثم أنها تتوازى أو تسبق أو تلاحق الدولة , إنها المادة الممتلكة للكلية النقدية لكامل المنتوج البشري من ثقافة وعلم وفلسفة ,وعليه يكون حضورها الجامعي حضور حساس تتجاوز فيه العقل الرقيب والعقل المراقب وكل المؤسسات بما في ذلك الدولة, وهذا ما دعا رجال الدولة إلى توظيفها في مراقبة نفسها حتى لا يظهر نقد فلسفي لا منتمي يهدد الحاكم الأعلى ؛ وهكذا كانت الحالة في زمن كانط , فقد كانت الجامعة مؤسسة عمومية للدولة , وبالتضامن مع الفلسفة تمكنت السلطات العليا من الهيمنة على العقل , تحصره أو تطلقه متى شاءت , ثم وبمرور زمن تحولات الوعي , أصبح لزاماً من أن تتحول الرقابة من مباشرة إلى غير مباشرة , أي من مواجهة صراعية عنيفة إلى جدل في غاية المرونة , وبالذات في المجتمعات الصناعية ذات الأنظمة المسماة ليبرالية وديمقراطية , ومع ذلك ومن خلف الكواليس تعددت ( آليات المنع والقمع والإبعاد والتهميش أو الإقصاء ونزع الشرعية عن بعض الخطابات والممارسات و" القصائد " بأسلوب رفيع وبتفنن متزايد في الطرائق )382.
لقد أدى تحديد سير الجامعة وضبطها داخل مفاهيم ومتطلبات سلطة الدولة إلى رسم خطوط معينة يُمنع تجاوزها سواء من جماعة اليمين أو اليسار, وهي خطوط نابعة من مفهوم دولة الحق الهيغيلية. فكما يصرح فيكتور كوزان أن ( الدولة ليس لها فقط الحق في مراقبة المعلمين , بل لها الحق في منحهم سلطة التدريس على اعتبار أن التعليم العمومي برمته هو سلطة اجتماعية شاسعة )217. ينتمي هذا الإعلان تماماً إلى خطاب هيغل حول الدولة, وهو خطاب وبشكل لا يقبل الانفصال نظام أنطو- موسوعي للجامعة .. وقد كانت سيطرته متزامنة مع دخول الفلسفة الوظيفة العمومية في أوروبا.217 وإلى الآن ولمصلحة الجماعات الإستراتيجية سواء من اليمين أو اليسار , فإن هيمنة الخطاب التربوي التلقيني المنعكس عن الهيغيلية هو الأساس في محاولة الضبط الأكاديمي , وذلك بالرغم من ( كل الضربات الموجهة إلى هذه الآلية الهيغيلية, من طرف ماركس ونيتشه وهايدغر, وكل من يتحرك وراء هذه الأسماء الثلاثة )218. وربما يعود عدم الانتصار في التحول وكما يرى ديريدا أن هذه الضربات ( تردد مع البرنامج الهيغلي وتتحاور معه وتتفاوض داخل فضائه وتتحمل رموزه من خلال التبادلات المفروضة من طرفه, وهو ما قد يؤدي إلى المجازفة بإعادة إنتاجه على صيغة اعتدال ليبرالي ...)218. إنها مركزية محكمة من الصعب تجاوزها طالما لم يتم تجاوز آليات عملها. ومع ذلك, لن تتوقف صراعات الفلسفة في المطالبة بحقها وتدعيماً لهذا الحق يستمر الهدم والبناء كفعل فلسفي ديالكتيكي , سواء طبيعي أو مصطنع, فالحصر المباشر وغير المباشر لن يقف أمام بناء المفاهيم فكلما ظهرت عقبة رقابية توجهت الفلسفة في اتجاه التفافي خارج نطاق الأسوار الإستراتيجية وهذا ما يهدد الفكر غير المؤسس على منطق بشري مقنع.
حصر الحصر:
الفلسفة لا تحتاج إلى موافقة من أحد كي تعلن عن وجودها أو تمارس دورها, إنها موجودة في صميم الوجود المعرفي للبشر, فما أن تصل الثقافة مرحلة الكفاية الفكرية من خلال جدل اللغة والفن والمهارة الإبداعية , إلاّ وتكون الفلسفة هي الهيئة المعرفية الناقدة والموجهة والمكتشفة لمفاهيم مسطح الحراك الفكري والعلمي ؛ وهذا العمل لا يكون تأملاً صوفياً خارج فضاءات التجريب البشري, وإنما تأمل متفاعل مع خبرات الثقافة البشرية سواء الحاضرة القائمة أم تلك القادمة من الجذور التراثية أو ما تضمنه التاريخ من مفاهيم منسوجة من نفس التراث. وبالطبع لا يكون هذا التأمل خالصاً ما لم تتحرر الذات الباحثة من كامل الإكراهات الرقابية وتجاوز أسوار الحصر, وهنا تكون الفلسفة هي المعبر وبالذات تلك الفلسفة غير الخاضعة إلى مؤسسات الدولة ورقابة الإدارة الجامعية أي الفلسفة الحرة المنتمية إلى النشاط البشري غير المقيد بأي أيديولوجيا أو حتى توجيه من سلطات عليا , فحقنا في الفلسفة هو حق الفلسفة نفسها في الوجود ولا حاجة لأي إعانة من أي جهة, وكما يقول ديريدا أننا ( .. لا نحتاج أبداً إلى جهاز للكتابة أو للتعليم كي نتفلسف ولا يمكن لأي منع ولا لأي تحديد أن يمس الفلسفة ذاتها, ولا لأي تهميش أن ينال منها )57. لهذه الحرية المطلقة , حري التفكير وتبادل الآراء النقدية ونقد النقد , فإن الفلسفة ولكي تمارس حقوقها داخل المؤسسات ألزمت الدولة بحرية غير مشروطة , وهو تأكيد كانطي يخص الفلسفة كمحكمة للحقيقة .. على الأقل )420. ولأن الجامعة هي ميدان هذا الجدل ومتطابقة مع المفهوم الفلسفي المؤسس لها وبالذات في قول الحقيقة, وعليه, تصبح هذه المؤسسة المعرفية هي المنبر الشرعي للحكم والنقد الصارم للكلمة في التمييز والفصل بين الصواب والخطأ .. الخ, وهذا ما أعطى " كانط " المبرر في منح الفلسفة حق الصراع ( ضد كل " استبداد " بدءاً بذلك الذي يكرسه الممثلون المباشرون للحكومة داخل الجامعة )451.
ما أن تُظهر القوة الكامنة للثقافة الإبداعية معالمها على السطح القابل لإنتاج المفاهيم الفلسفية , إلاّ وتخرج جماعات الوصايا على العقل ومن ثم تعطي نفسها الحق في التقييم وتحدد مدى صلاحية الإبداع بالنسبة للأمة . وفي الغالب لا تقدم هذه السلطة نفسها قبل أن تبسط مبررها العقلاني وشرعيتها المستمدة من القوة المهيمنة والتي ليس من مصلحتها قول أو إعلان أو نشر فكر مخالف لما تراه جماعات الدولة, وهذا ما سعى إليه " كانط " , فالدولة لديه هي عقل رقيب له الحق في الممارسة الرقابية وفق شروط وحدود معينة. غير أنه – كانط – وفي مقابل هذا الحصر والتقييد , أراد ( تحرير العقل الخالص نفسه من كل سلطة رقيبة , فهذا العقل مطالب من حيث المبدأ بعدم ممارسة أي رقابة وعليه الانفلات منها )385. بهذه الرقابة واللاّ – رقابة داخل الجامعة وانقساماتها ما بين الظهور والاختفاء, وبين الحرية والكبت , وحتى لا يدخـل " كانط " إحراجات التناقض , حاول التمييز ما بين الصراع والحرب (فإن كانت الأخيرة وحشية وطبيعية ولا تحيل إلى الحق, فإن الصراع هو التناقض المنظم , متوقع ومقنن , وهو منظم لأن الأطراف المتخاصمة مطالبة بالمثول أمام هيئة للتحكيم )385. ولتحديد أطراف النزاع في لحظة مرور ( العقل الذي يمارس الرقابة والعقل الغريب عنها داخل الجامعة , تنقسم الكليات إلى ضربين : الكليات العليا " اللاهوت والحقوق والطب " المرتبطة بسلطة الدولة والممثلة لها , والكلية السفلى " كلية الفلسفة " والتي يتعين عليها ألاّ تخضع لأي سلطة , إذ يكفيها ولممارسة الصراع اللطيف أن تمارس القول دون الفعل وأن تقول الحقيقة دون إصدار الأوامر وأن يتم القول نفسه داخل الجامعة وليس خارجها )388. أما إذا تعدى الأمر حدود الصراع وكاد الدخول إلى وحشية الحرب فإن الفيصل في القضية سيكون من اختصاص الهيئة التحكمية والتي في الغالب لا تنتمي للجامعة مباشرة , إنها هيئة تابعة للدولة أو هي الدولة نفسها ؛ فملك بروسيا " فريدريك غيوم " كان قد سبق أن قدم صوت لوم وتأنيب لـ " كانط " ( على استقلاله السيئ للفلسفة وتشويهه , بل واحتقاره لبعض المعتقدات وذلك في مؤلفه " الدين في حدود بساطة العقل " )384. فهذا الإجراء وخضوع كانط في تقديم مبرراته يؤكد أن فلسفته هي بالضبط تبرير لما هو قائم وإقرار سلطة الرقابة وشرعية المبررات التي تقدمها الدولة باعتبارها مبررات وسلطة من أجل ممارسة الرقابة )387. وعلى سنن هذه السلطة العليا أخذ خبراء الجامعة الحق في تحديد الكفاءات وتقييمها والسماح أو عدم السماح بنشر الكتب وفي حجز ومنع استيراد الكتب ..الخ.387 . وتأيداً لهذه الرقابة وإن بصورة أكثر لطفاً وعندما أراد البرلمان إلغاء تعليم الفلسفة في المعاهد معبرين عن قلقهم من التقاء العقول الشابة بالفلسفة نفسها , تقدم " كوزان Victor Cousin" ومن منصة فلسفة كانط هيغل, تقدم مدافعاً وموضحاً ( أن الفلسفة تعلم بعض الحقائق اليقينية " مثل وجود الله, والحرية, أو خلود الروح " ومن حيث المبدأ , يتعين الشروع في تعلم هذه القضايا في سن مبكرة, وبصيغة أخرى, إذا كان مضمون التعليم ملائماً ومطمئناً للقوى المهيمنة فمن الأفضل الشروع في تعليمه في وقت مبكر )208. ويتابع " كوزان دفاعه ليعطي الدولة مهمة رقابة المعلمين , ذلك أنها المسئولة عن منح شهادة التدريس , وعليه لا تصبح الدولة مجرد رقيبة وإنما هي التي تسير الجامعة من فوق وبقدر محدد كذلك )217. وبناء على هذه الشرعية وفي إحدى تقاريره حول التبريز يذكِّر " كوزان " في سنة 1850 بما يلي ( إن أستاذ الفلسفة هو موظف الأخلاق المعين من طرف الدولة لتثقيف العقول والنفوس بواسطة الأجزاء " الأكثر يقينية " ضمن العلم والفلسفة )217.
هكذا , وبتذكير " كوزان " المتطابق مع "هيغل " و "كانط" تكون الرقابة قد أحكمت قبضتها على الكل المعرفي بما في ذلك الفلسفة نفسها , إذ لم تعد هناك سلطة معرفية تعلو على الدولة وجماعتها الإستراتيجية ومن هنا ظهرت أزمة العليم وأزمة الدولة نفسها.
أزمة التعليم :
طالما أن الدولة ورجال الوصايا يعسكرون خارج وداخل المؤسسات التعليمية , للوقوف بقوة أمام ظهور أي وعي أو فكر خارج التصورات المتفق عليها, فإن أزمة التعليم وبعلاقتها الوثيقة بهذين العنصرين – الوعي والفكر – لن تنحصر عند مؤسسة واحدة وإنما ستشمل الكافة بما فيها الدولة نفسها وجماعتها المسئولة عن الحصر والتقييد.
إن تدخل الدولة في الجهاز التربوي التعليمي يؤطر لنوعية معينة من التربية والأخلاق الاصطناعية , وهذا ما يؤدي إلى تهديد الثقافة الطبيعية ومن ثم تنفصل الترطيبين.تعليم من التفاعل الثقافي لتصبح مجرد تلقين لما تظنه الجماعة أنه خير لتماسك الأمة داخل سياج الجماعة ونتيجة لذلك يتوقف التفكير الحر ولا تعود الفلسفة أكثر من سرد تاريخي ليس المقصود منه غير قتل الفلسفة نفسها, وبذا تكون الساحة قد فرغت تماماً من أي وعي خارج الإطار المحدد. وكلما حاول الإصلاحيون تصحيح الوضع كلما ذاد التدهور , ذلك أن الإصلاح لا يخرج عن آليات الماضي ومحاولة العودة إلى العصر الذهبي كما يعتقد الإصلاحيون . فما يُسمى بإصلاح "هابي " Reform Hoby لم يكن سوى ( استعادة لقرارات كانت في السابق قد قامت بتقليص شديد للتعليم الفلسفي بالثانويات )191. ففي نهاية القرن التاسع عشر وفي بعض المقاطع من كتاب كانيفز Canives لـ" جول لانيو Jule Lanqeue نجد وصفاً للتعليم الفلسفي بفرنسا يوضح أن ( التعليم كان مرفقا بتربية ذات نفحة دينية وأن الممارسة البيداغوجية كانت تقف كثير عند العادات والأخلاق , لأن التعليم كان دون شك ينظر إلى الوراء retrospectif أكثر من مما ينظر إلى المستقبل prospectif )150. وفي ذات السياق يتقدم ديدرو Diderot قائلاً ( أن " رولان " Rollin الشهير , لا همّ له إلاّ تكوين قساوسة أو رهبان شعراء وخطباء ... فالأمر يتعلق بمنح الأمير رعايا متحمسين ومخلصين ومنح الإمبراطور مواطنين نافعين ومنح المجتمع أفراداً مثقفين مخلصين ومحبوبين ومنح العائلة أزواجاً وآباءً طيبين ... ومنح الدين سدنة عاملين متنورين وسالمين , وهذا ليس بالأمر الهين )152. من هذا المصدر أخذ وشحذ " إصلاح هابي " معاول تدمير الفلسفة بدءاً ( بحرمان تلاميذ الثانوي من ممارسة النقد الفلسفي والسياسي والتاريخ أيضاً )192. ولاكتمال الحصر وبالرجوع إلى " كانفيز " نجد أن المنع والكبت الذي استفاد منه الإصلاح لم يتوقف عند تنظيم وترتيب مقررات المؤسسة التعليمية , بل اخترقت الوصايا طرق التدريس , فأصبح الأستاذ آلة إملاء للدروس وليس مطلوب منه أن يبدع أو يبتكر طريقة حوار , فقط عليه وكما تعلم هو أن يستمر في تلقين التلقين حتى أصبح الأمر ومن باب التفاخر أن يقول الأستاذ ( أنه أملى دروسه طيلة عشر سنوات في المعهد الفلاني )153. وتعزيزاً لهذه الضوابط تحددت مهمة العميد , إذ ليس عليه أن يجدد أو يغير أو يأتي بما هو مخالف , فقدره وبذات الطرق الإملائية أن يكرر ويعيد التكرار ... على العميد أن يجعل نفسه أمام الطلبة فهو الخبير العارف جيداً بالمطلوب والذي كان قد خضع إليه في البداية وشرحه وترجمه وكرره وأعاد تقديمه إلى الطلبة )142. وهكذا تدور الدائرة حول نفسها ولا يمكن لأحد أن يفلت من السياج الحديدي المؤيد من السماء كما يدعي رجال اللاهوت.
لقد كانت حروب الوعي الأوروبي ومنذ القرن الثامن عشر, مواجهة ما بين الكنيسة وتلك الثقافة الحرة الناتجة عن تأثير ( تطور الطباعة ) والتي بسببها خرجت النصوص من رجال الهيمنة الدينية وأصبحت في متاحة للكل. وقد أدى التداول المعرفي إلى إنتاج عقل استطاع بقوة نقده أن يهدد جماعة الحصر والتقييد والتي قامت بدورها على تحريض الدولة ومساندتها للدفاع عن الشرعية المُهددة من قبل هذا العقل المتمرد ولتطبيق الأمر الإلهي كما يزعمون ( تم تعيين لجان معروفة وممركزة لهذا الغرض , وقد لعب خبراء الجامعة خصوصاً بكليات اللاهوت دوراً أساسياً في هذا الإطار )383. وفي لهيب المعركة سقطت الفلسفة إذ أنها كانت في الأصل هي المقصودة من الجماعة الإستراتيجية. وبما أنه لا يمكن لأحد وقف التفلسف أو التثاقف , ظهر ومن ذات الجماعة رجال للفلسفة قاموا ومن واقع الوضع القائم بتدجين الفلسفة والسير بها على ذات التيار وهذا ما دعا " ديريدا " إلى القول أنه بالإمكان (تأويل السياسة الكانطية برمتها والتي برزت ضمناً أو بشكلٍ صريح ضمن ثلاثيته النقدية " نقد العقل الخالص" و " نقد العقل العملي " و " نقد ملكة الحكم " كبادرة سياسية تهدف إلى إقرار وضع معين , أي سلطة رقابية وسلطة من أجل ممارسة الرقابة , وشرعية المبررات التي تقدمها الدولة باعتبارها مبررات رقابية , وسلطة من أجل ممارسة الرقابة )389.
إن هيمنة الدولة الرقابية على كافة المنتجات الثقافية والعلمية والفلسفية يعطيها الحق في ( منح لقب للشخص أو رفضه )30. ولتنفيذ هذا القرار , فإن الدولة تساند أو تعين جماعات الوصايا على العقل والوعي كمؤسسة رقابية , ذلك أنهم هم وحدهم من يعرف معنى الحرية وبما اكتسبوه من مدد رباني فهم من يحدد الخير والشر , ولا ينقصهم غير سلطة رادعة وهو ما تتمتع به الدولة , ولهذا كان لا بد من الالتفاف والهيمنة على الدولة نفسها ومن ثم تكون المطابقة وتشكيل جسم موحد له الحق القمع والإبادة لكل وعي لا ينتمي إلى تصور ما هو محدد سلفاً , سواء كان دينياً أو تراثياً أو تاريخياً , مما يعني أن هذا الجسم هو من يحدد خبرة الماضي والحاضر, ولأن لا مستقبل دون موافقة السلف يكتمل التراجع؛ وعلى أثره يدخل التعليم أزمة ما قبل الفناء الكلي . بالطبع وفي هذا الوضع ستختفي الفلسفة الحرة ولا يتبقى منها غير مبررات مزيفة لا تثبت أمام الانفجار الفلسفي غير المنتمي لغير الواقع البشري.
لا يرمي " ديريدا " إلى الإبعاد الصارم للدولة , ولكنه يحاول التنبيه إلى خطورة الارتماء في أحضان جماعة لا يعنيها الإنسان ككائن عاقل له الحق في التفكير, بقدر ما يعنيها تنفيذ رغباتها ونوازعها النفسية. ولهذا يرى ديريدا أن خضوع الدولة لهذه الجماعة يمنعها من الدفاع عن نفسها عندما تتحرك الفلسفة الناقدة لمواجهة كل ما هو ممارس, فربما تكون المفاجأة للدولة عندما تتواجه بالثورة المشحونة بمقولات الفلسفة التنويرية. ولهذا , ومن أجل المحافظة على توازن المعرفة , فإن من واجب الدولة التي تهدف إلى إبعاد سياستها العلمية عن تأثير القوى المناوية لها والتي يمكن أن تنمو في حقل النزاعات الوثوقية والظلامية الما قبل علمية , أن تكوِّن الفلاسفة وأن تعمل على توسيع مجال التحليل الفلسفي داخل برامجها التعليمية 187. ومن الطبيعي , وفي حالة وصول الفعل الفلسفي إلى المرحلة النقدية المباشرة أن لا يقف مع الدولة ضد الحقيقة , فسهام الفلسفة , وحتماً , ستتوجه ( ضد الدولة أو القوى الخاصة التي استحوذت لفترة معينة على سلطة الدولة , وفي هذه الحالة يبرز الجانب المراوغ للمشكلة النظرية والإستراتيجية إذ من الصعب دوماً معرفة أين تتموقع الدولة )187.
خلاصة:
إن جماعة السلطة المهيمنة ولمصالحهم الذاتية والشخصية المنعكسة عن الذهنية الشاذة يمكن بل وفي الغالب أن يتحركوا ضد الدولة نفسها إلى درجة التهديد بالإزاحة الكلية. وإلى أن يتم ذلك تكون الدولة مجرد لعبة وواجهة ضعيفة أمام تجليات الجماعة , ومن ثم , يمتد الكبت والقمع والحرمان إلى كافة المؤسسات , فبغياب الدولة القوية والواعية لما يدور من فكر ظلامي وخطورته على المجتمع والوطن , يسقط الكل تحت رحمة الجماعة. لهذا فإن ديريدا لا يرى التخلص من وجود الدولة , بل على العكس , فوجودها في غاية الأهمية إذ بها ومعها يمكن ( التحرر من قوى خاصة تروم عبر سيطرتها على أجهزة الدولة في مرحلة معينة تحرير سياستها الخاصة بالعلم والفلسفة. فعلاقتنا بالدولة , وعلى عكس ما يُعتقد ليست بسيطة ولا واضحة )199. فالدولة من ثمار الفلسفة .. إنها بناء اجتماعي ثقافي فلسفي , وعقلانيتها المتكونة من مقولات هذه العناصر تمثل أقوى وسيلة ( لمناهضة قوى أو مصالح الطبقة التي تستفيد من النزعة التجريبية أو من الفوضى السياسية , وبذلك فنحن لا نريد التخلي عنها )199. بل المطلوب هو دعم وجودها دون التخلي عن نقدها وذلك للكشف عن الثغرات التي تحاول الجماعات تحويل مهمتها من خدمة الأمة إلى خدمة مصالح وأيديولوجيات خاصة سواء يمينية كانت أم يسارية هيغيلية ماركسية أو غير ماركسية أو عموماً شكل الدولة القائم الآن في ما يُسمى بالعالم الثالث , كلها , ( مطالبة بالخضوع للمساءلة " النظرية " وللخلخلة " العملية " )199. وهذا ما يجب على المهتمين بالفلسفة القيام به. .........





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,517,086,768
- قراءة في - الحق في الفلسفة - جاك ديريدا


المزيد.....




- الانتخابات الإسرائيلية: نتانياهو لا يريد -الأحزاب المعادية ل ...
- فرنسا ترسل خبراء للتحقيق في هجوم -أرامكو-
- برلمان فنزويلا يصادق على خوان غوايدو كرئيس انتقالي للبلاد
- برلمان فنزويلا يصادق على خوان غوايدو كرئيس انتقالي للبلاد
- السعودية تنضم للتحالف الدولي لأمن وحماية الملاحة البحرية
- -جزار الخيام-.. مذكرة توقيف بحق عميل إسرائيلي في بيروت
- الهند تصعّد وتتوقع السيطرة على كشمير الباكستانية
- صحيفة: هجوم -أرامكو- يفتح عهد حرب الطائرات المسيرة في الشرق ...
- -لوحات كهربائية-... كيف حددت السعودية وأمريكا موقع انطلاق هج ...
- الشرطة الإسرائيلية تقتل سيدة فلسطينية شمالي القدس


المزيد.....

- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى
- العود الأبدي ديانة مشركة وميتافيزيقا مادية ؟بعض التساؤلات حو ... / الحسن علاج
- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- العلاج بالفلسفة / مصطفي النشار
- مجلة الحرية العدد 3 / محمد الهلالي وآخرون
- كتاب الفيلسوف بن رشد / عاطف العراقي
- راهنية العقلانية في المقاولة الحديثة / عمر عمور
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في مجتمعاتنا العربية / غازي الصوراني
- مفهوم المجتمع المدني : بين هيجل وماركس / الفرفار العياشي
- الصورة والخيال / سعود سالم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سيف الدولة عطا الشيخ - قراءة في - الحق في الفلسفة - جاك ديريدا