أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد فوزي مصطفي - أنساق القيم في قصص الأطفال















المزيد.....



أنساق القيم في قصص الأطفال


محمد فوزي مصطفي

الحوار المتمدن-العدد: 6300 - 2019 / 7 / 24 - 20:15
المحور: الادب والفن
    


أولاً: في منهج الدراسة:
إن القيم التي تطمح إليها الإنسانية الرشيدة، هي القيم السامية النبيلة التي تشفي الصدور من نار الحقد وبراكين الغضب، وتطفئ نار الحرب، وتجعل الحياة آمنة سعيدة.

وفي الوقت ذاته توفر بكل صدق نعمة الأمن الداخلي والخارجي على حد سواء؛ ليجني الإنسان ثمار السعادة. والقيم السامية تبدأ من حيث يكون الطفل، فهو البذرة الجنينية الأولى في حقل البشرية.

وحيث إن الأدب – بوجه عام – يحمل رسالة قوامها جمال التشكيل الفني، الذي يتمخض منه جمال المضمون في نسق جميل، فإن أدب الأطفال – خاصة القصة – يقدم قيماً جمة ثره لمرحلة الطفولة. ومن ثم كان لزاماً علىَّ أن أرصد ما يدور في ساحة أدب الطفل العربي المعاصر من إبداع، وعندما أقول الإبداع، فإنني أشير في المقابل إلى أن ثمة دراسات ومؤلفات كثيرة تدور حول تاريخ أدب الطفل عربياً وغربياً، والآراء فيه، والنظريات حوله.

وجُلُّ الدراسات شبه متفقة على التأريخ والتثقيف والتربية، وليس النقد والتقويم والتحليل؛ لإسهامات المبدعين. من أجل ذلك ارتأيت أن أرجع البصر والبصيرة في نتاج أدباء الأطفال الذين لم يأخذوا حظاً من الدرس التطبيقي العميق؛ لما قدَّموه من إبداع أو اتباع.

وقد استرعى انتباهي النتاج الضخم للقاص "يعقوب الشاروني"(1) كماً وكيفاً. وأتصور أنه توافر في نتاجه القصصي – على ما يبدو لي وما سوف تثبته الدراسة – الموهبة القصصية، وتآلفها في نسيج واحد مع حب صادق للإنسانية عامة، وللطفل خاصة. وبفضل الموهبة والحب الإنساني حمل كاتبنا على عاتقه الإبداع القصصي للطفل العربي المعاصر. فاعتكف بعيداً عن معترك حياته القضائية بجلالها والسياسية بزخرفها؛ ليقدم أفضل ما ينبغي تقديمه لطفلنا العربي، فاحتل الصدارة ضمن قائمة رواد قصص الأطفال المعاصرين، وهذا كله رغبني في دراسة نسق القيم في قصصه.

إضافة إلى ندرة الدراسات الأدبية المتعمقة في قصص الأطفال "فقد اهتمت دراسات وبحوث مختلفة بثقافة الطفل أو بأدب الطفل ولم يتوقف أحد – تقريباً – عند قصص الأطفال ليخصها بدراسة مستقلة" (2).

مع أن الأمانة العلمية تستلزم القول إن ثمة بعض أدباء الطفولة المحدثين والمعاصرين دخلوا ميدان قصة الطفل، فكانوا رواداً في هذا الميدان. وفي طليعتهم: كامل كيلاني، وعبد التواب يوسف، وأحمد نجيب ... وغيرهم من رواد أثروا قصص الأطفال بنتاجهم، واستمدوا إبداعهم من التراث العربي، وخاصة من الحكايات والأساطير الشعبية والقصص على لسان الحيوان، وعلى وجه التحديد "ألف ليلة وليلة" وكليلة ودمنة. ضافة الى الاسترفاد من الادب الغربي بفضل ترجمة "رفاعة الطهطاوي" لقصص "عقلة الأصبع" وحكايات الأطفال. وقد ساعده في ذلك بعثته إلى فرنسا، ثم سار على منواله "محمد عثمان جلال"، و"أحمد شوقي" و"محمد الهراوي" ... وغيرهم من رواد هذا الميدان الذين استناروا من أدباء الغرب "كرائد أدب الأطفال في فرنسا الشاعر (تشارلز بيرو) فقد كتب قصصاً للأطفال تحت حكايات (أمي الأوزة وسندريلا) ولم تصبح الكتابة في أدب الأطفال جدية إلا في القرن الثامن عشر بظهور (جان جاك روسو) وانتشار تعاليمه من خلال كتابه (إميل) ثم ظهر الشاعر (لافونتين) وقرأ له (احمد شوقي) واطلق عليه اسم أمير الحكاية الخرافية في الأدب العالمي، وفي بداية القرن التاسع عشر أخذ الكاتب (لويس كارول) يكتب للأطفال (أليس في بلاد العجائب) وفي القرن العشرين ظهر كتاب مثل (ديكنز) و(بيتر ديكنسون) وفي الدنمارك يعتبر (هانز أندرسون) من أشهر كتاب الأطفال، ويعد رائد أدب الأطفال في أوروبا. وفي أمريكا من أشهر كتاب الأطفال (هاريت تبشر)(3).

فمما لاشك فيه أن هذه الينابيع قد غذت موهبة "الشاروني"، وبزغت بفضل سفرياته وإطلالاته الواسعة على ما كتب في أدب الطفل وثقافته عربياً وغريباً. لذلك نجده يحتل الصدارة في آخر إحصاء تم في سنة 2006 من حيث الشهرة "إن عدد 10 مؤلفين هم الأكثر شيوعاً، وهم بالترتيب: يعقوب الشاروني 44% أحمد نجيب 43% عبد التواب يوسف 41.3% ..."(4).

ولا أريد في هذه السطور الوقوف عند روافد القصة الشارونية وجمالياتها فهذا الأمر سوف أتركه للدرس التحليلي وتشكيل القصة وأنساقها القيمية وهو الأهم. ولكن ما أريد أن أوكده، أنني قد انتقيت من مكتبة "الشاروني" القصصية ما يتفق مع موضوع الدراسة "أنساق القيم في قصص الشاروني" أو قل أن تكون الدلالة القوية حول القيمة الواضحة بمفهومها الواسع، وما قدمه القاص من رؤى وفن.

وهنا يتم تحديد مشكلة الدراسة، وأعني العلاقة بين منظومة القيم وقصص الأطفال المنتقاة من مكتبة الشاروني القصصية، وأثرهما على المتلقي/ الطفل العربي من خلال التحليل التكاملي للنصوص القصصية وتشكيلاتها، وكشف ما فيها من قيم متعددة.

فاخترت من سلسلته (مكتبتي) ثلاث قصص هي قصة "صندوق نعمة ربنا" كنموذج لتصوير العنف المدرسي ومعالجته بقيمتي الحب والسلام. وقصة "ليلة مظلمة في نهاية شهر العسل" كنموذج لتجسيد مقاومة المستدمر/ المستعمر، والتوق للحرية كقيمة لحب الوطن.

ثم اصطفيت من سلسلة ... يحكى أن ... قصة "الجائزة وأنياب النمر"؛ لتشير إلى قيمة العمل الجماعي رغم سطوة وبطش الأقوياء. وقصة "قليل من الراحة فوق السلالم"؛ لتصوير فقدان قيمة الرحمة؛ بسبب العنف الاجتماعي الواقع على الطفل وحرمانه من الرحمة.

ومن سلسلة (المكتبة الخضراء) انتقيت قصة "دنانير لبلبة"؛ لاستجلاء القيم الإنسانية، وما ينبثق منها من قيم عظيمة متسقة أهمها: العطاء بلا حدود، أو قل قيمة الإيثار. وأخيراً قصة "إنقاذ عازف المزمار"؛ لتصوير العنف بسبب الجهل، ثم مزية الرجوع إلى الحق والسلام، وهذا في حد ذاته يجسد قيمة التسامح.

فكاتبنا تناول الطفل في قصصه من زوايا متعددة، ومن شرائح اجتماعية مختلفة، وقدم له قيماً متعددة. ويبدو لي أن هذا المنحى يدل على ثراء القاص فنياً وموضوعياً.

وبناء على ذلك حاولت – متأملاً في معمار القصة – التعرف على التشكيلات الجمالية لمعمارها، بكل ما يحوي من عناصر فنية تنبض بالجمال، وقيم مضمونية تحمل دلالات متعددة. ثم حددت إجراءات منهجية تكاملية للدرس، تقوم على الرصد الدقيق، والتحليل الأسلوبي العميق للنص، واستجلاء ما فيه من سمات فنية، وإشارات تاريخية، وملامح اجتماعية، ورؤى سياسية، وأحوال نفسية، وعلاقة هذا كله بما انتقيته من قصص، ثم بالمرحلة العمرية للطفل؛ ليسهل وضعه في سياقه الثقافي.

ثم وضعت نصب عيني حزمة أسئلة تكون محطات للبحث، وفي الوقت ذاته تعطي دفعة قوية لمسار البحث أهمها: كيف صور القاص أنساق القيم التي شغلته في قصص الأطفال، من أجل إمداد الطفل بالقيم النافعة وفي الوقت ذاته تخليه فنياً عن القيم الضارة؟

وهل تتفاوت أنساق القيم في القصة بين الثبات والتغير حسب اتساقها سواء على مستوى الفرد أم على مستوى الجماعات وأثر ذلك على الطفل المتلقي" وما سمات قصة أنساق القيم عنده؟ وهل ما قدمه القاص من قيم تفي بمتطلبات الطفل في هذا العصر؟ وهل راعى القاص الاعتبارات التربوية والاجتماعية والنفسية والفنية لمراحل الطفولة المختلفة؟ وماذا يريد القاص من الطفل وهو يُوجه إليه خطابه القصص؟

والأهم هل استطاع القاص الارتقاء بالطفل وإقناعه وتنميته بما قدم له من انساق القيم بوساطة تشكيل فني محكم يبرز العناصر الجمالية التي تجذب الطفل وتشوقه في آن واحد؟

وهل كان البطل / الطفل والذي لعب غالباً دور البطولة الرئيسة فاعلاً أم كان مفعولاً به؟ وبمعنى آخر: هل كان إيجابياً أم سلبياً"؟ وهل اكتفى القاص بالسرد واعتمد على صوت الراوي "السارد" أم اعتمد على البطل ثم دعمه بالحوار؛ لإثراء جو القصة؛ لتنبض بالحياة والحركة؟ وهل نوع في الأسلوب بالوصف؟ وهل جملة السرد كانت بسيطة أم مركبة؟

فجميع هذه الأسئلة/ الأفكار، أتصور أنها علامات بحثية، سوف يتبلور منها – بتوفيق الله – التشابك الفني والموضوعي لقصص أنساق القيم، واتساقها في جدلية فنية، ومدى التقنية التي وظفها القاص، ليثير انتباه الطفل، ويغذيه غذاء وجدانياً وفكرياً، يعنيه على مسرح الحياة بكل آماله وآلامه، وأفراحه وأتراحه. وننتظر بشغف ما سوف يقدمه الطفل في مستقبله. لذلك سوف تحظى هذه الأسئلة بالإجابة في ثنايا القسم التطبيقي من الدراسة.

أما القسم التنظيري للدراسة، فأرى أنه لابد منه، لكي يمكن تحديد الإجراءات المنهجية للدراسة، ووضعها في سياقها الثقافي. وفي الوقت ذاته حرصت على أن تكون للدراسة شخصيتها، مع الأخذ في الاعتبار أن أي منهج لا يفرض تواجده على بساط البحث، بل إن لكل دراسة منهجها الخاص تستدعيه ويتسق معها، شريطة أن يأخذ المنحى العلمي الدقيق لذلك حاولت أن أدلى برأيي في القسم التنظيري قبل الولوج إلى ميدان التطبيق، مع أن غاياتي من هذا وذاك محاولة الإسهام في إضاءة ساحة قصص الأطفال، بمثل هذه الدراسة. وآمل أن تكون موفقة، فتتبعها دراسات أخرى في التحليل والنقد لقصص الأطفال.



هوامش المنهج:
يعقوب الشاروني:

ولد يعقوب إسحاق قليني الشاروني سنة 1931 بالقاهرة حيث درس القانون، وحصل على ليسانس الحقوق سنة 1952، وحصل سنة 1955 على دبلوم الدراسات العليا في الاقتصاد السياسي من كلية الحقوق بجامعة القاهرة.

وتقلد منصب مندوب هيئة قضايا الدولة، وفي عام 1967 تم انتدابه مديراً للهيئة العامة لقصور الثقافة. في عام 1970 تم اختياره مديراً عاماً لثقافة الطفل، وأحيل إلى المعاش عام 1991. وما بين عام 1982 إلى 2008 عمل كأستاذ زائر لأدب وقصص ومسرح الأطفال بكليات التربية بجامعات حلون والإسكندرية وطنطا.

وحصل على عديد من الجوائز في مجال أدب الأطفال. ومن أهم السلاسل القصصية التي كتبها للأطفال موسوعة ألف حكاية وحكاية، والعالم بين يديك، وأجل الحكايات الشعبية، وسبعة كتب ضمن المكتبة الخضراء للأطفال، وسلسة أجمل الحكايات وسلسلة حكايات الأولاد والبنات وسلسلة الطفولة في كل شيء. انظر: محمود قاسم: موسوعة كتاب الأطفال في الوطن العربي ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب 2007، ص287.

. د. محمد حسن عبد الله: قصص الأطفال أصولها الفنية روادها ط. العربي د.ت، ص8 ومن الدراسات عن أعماله الأدبية، انظر:

- فريد محمد معوض: أفراح وأحزان طفل هذا الزمان. دراسات حول مشكلات الطفل في أدب الشاروني ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب 2008، ص57.

- محمود قاسم: موسوعة كتاب الأطفال في الوطن العربي ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب 2007، ص287.

- د. أميمة منير جادو: قراءات في أدب الأطفال. يعقوب الشاروني نموذجاً. المركز القومي للبحوث التربوية.

- الإبداع في أعمال كاتب الأطفال يعقوب الشاروني. كتاب صادر عن المجلس القومي لثقافة الطفل وزارة الثقافة مصر.

- وجل الدراسات السابقة تتجه نحو إبراز القيم المضمونية دون التوجه نحو العناصر الفنية للقصة وما بها من جماليات.

2. هيفاء شريحة: أدب الأطفال ومكتباتهم ط. المطبعة الوطنية عمان 1983، ص20 – 21.

3. أمين بكير: الفكر والخيال في أدب الأطفال ط1. الهيئة المصرية العامة للكتاب 2006، ص120، وانظر: د: حسن شحاته: أدب الطفل العربي دراسات وبحوث، ط2، الدار المصرية اللبناني 1994، ص137.

ثانياً: في التنظير
مفهوم نسق القيم.
أنساق القيم في قصص الأطفال.
معيار نجاح قصص الأطفال.
-1مفهوم نسق القيم
المراد بنسق القيم لغوياً: نسق الشيء نسقاً: نظمه. يقال نسق الدر والكلام: أحكم نظمه. وناسق بين الأمرين: تابع بينهما ولاءم (نسقه): نظمه. و(انتقت الأشياء): انتظم بعضها إلى بعض يقال نسقها فانتسقت.

ويفهم من المعنى المعجمي أن أنساق الكلام: إحكام الكلام على نظام فني مؤثر، وكذلك انساق القيم: انتظام القيم دون خلل بحيث يؤدي انتظامها إلى قبول المتلقي أما مفهوم القيم من الناحية المعجمية. فالقيم لغة: الاستقامة والاعتدال والاستواء ...وقومته عدلته فهو قويم ومستقيم. وقيمة الشيء قدره وقيمة المتاع ثمنه(1).

ومن المفهوم اللغوي ينبثق المفهوم الاصطلاحي للقيم – على الرغم من صعوبة تعريف جامع – وإن اتفق على أنها "مقياس أو معيار نحكم بمقتضاه ونقيس به ونحدد على أساسه المرغوب فيه والمرغوب عنه سواء كان هذا المقياس هو الإنسان أو المجتمع أو الله" (2).

وللقيم أهمية اجتماعية؛ لأنها "جزء هام من ثقافة المجتمع التي تشمل أيضاً السلوك الاجتماعي والمعتقدات والقوانين، وكل نتاج المجتمع يتم نقله عن طريق عملية التنشئة الاجتماعية التي تستمر طوال حياة الأفراد لإكسابهم وظائف لها دور في المجتمع" (3).

وثمة من قسم القيم على أساس "علاقتها بما هو مادي وبما هو روحي ومن قسمها حسب الأبعاد مثل بعد المحتوى والمقصد وهناك من قسمها على أساس سيكولوجي وسيسولوجي"(4).

فالقيم قد يكون مصدرها الدين/ القيم الدينية، وقد يكون مصدرها الإنسان / القيم الإنسانية. ومما لاشك فيه أن القيم السامية والمثل العليا تسترفدان من الدين؛ فهو خير نبع يؤخذ منه القيم؛ لغرسها في أرض الطفولة من خلال أدبه.

"أن لأدب الطفل أن يتجاوز تحقيق المتعة والتسلية؛ ليسهم بشكل فاعل في بناء هذا الطفل بناء سليماً، وتهيئة رجل الغد للمهام المنوط به، تهيئة حضارية سوية، خاصة ونحن نستقبل القرن الحادي والعشرين، بما يرهص من متغيرات كبيرة وخطيرة، تستوجب الاستنفار لكل الأجهزة والمؤسسات المعنية بأمر الطفولة"(5).

فأدب الأطفال ليس أدب متعة فحسب – وإن كانت المتعة من أولويات أدب الأطفال – ولكنه يحمل رسالة تظهر من إطار الفائدة في عملية اتزان فني دقيق. وإن اكتفى البعض بالمتعة الفنية "فأدب الطفل الكلام الجيد الذي يحدث في نفوس الأطفال متعة فنية سواء كان شعراً أم نثراً وسواء كان تعبيراً شفهياً أم تحريرياً، ويدخل في هذا المفهوم قصص الأطفال ومسرحياتهم وأناشيدهم"(6).

2- أنساق القيم في قصص الأطفال:
إذا كان الأدب بوجه عام "هو الكاشف الحافظ للقيم الثابتة في الإنسان والأمة"(7) فلابد من تجلي القيم بانساقها المتعددة في أدب الأطفال، وينبغي أن تكون من الأهداف المنشودة لكل كاتب أطفال "وتظل القيم هدفاً رئيساً في قصص الأطفال؛ لأنها نسيج القصة وليست الأرضية التي يرسم عليها، فتشرب الكاتب بالقيمة يجب أن يظهر في كل ثنايا القصة وفي كل خيط من خيوطها، والقيم من المرونة والالتحام والترابط بحيث تظهر بأكثر من وجه مع غيرها من القيم، على أن تظل هناك القيم الأساسية، ولا يجوز أن يضحى بقيمة ثانوية تكريساً للقيمة الأساسية، والقيم متحولة في مفهومها، وفي أساليب تطبيقها من زمن إلى آخر"(8).

إضافة إلى تعدد القيم من قيم دينية، وقيم اجتماعية، وقيم وطنية، ثم القيم الجمالية، التي تجعل نوعاً من الألفة بين الطفل والعالم من حوله في شتى مظاهره وعندئذ يستمتع الطفل بالجمال ويعشقه، فينعكس على سلوكه وانطباعاته الإنسانية وحينئذ تقوى القيم، وتصبح عنصراً مشتركاً لعديد من القيم، والتي لا تعرف الاستقرار أو الأمن إلا في وجود مظلة أدبيات القيم البناءة التي تقدم للطفل، وعلى وجه التحديد (القصة) شريطة أن تكون ثرَّة بكل فكرة وخيال، ومتعة وإثارة وتشويق وفائدة، تجعل من الطفل طفلاً متزناً في شخصيته، إيجابياً في مجتمعه، محباً لكل القيم السامية وفي مقدمتها القيم الدينية، ساعياً بكل صدق نحو تحقيق وترسيخ القيم الإيجابية.

"وتأتي القصة في مقدمة أدب الأطفال وإن كان هناك من لا يراها وسيلة ثقافية، غير أن الواقع يؤكد أنها وعاء لنشر الثقافة لدى الأطفال بما تحمله من أفكار وحقائق تاريخية وعلمية وإنسانية متنوعة، وخيالات وصور، وقيم وأفكار"(9).

فالقصة المقدمة للطفل، عندما تطرح فكرة أو تعالج موضوعاً أو تسرد أحداثاً، فإنه ينبغي أن يكون محدداً، وأن يتم ذلك في إطار معمار فني جميل، متناسق العناصر والأجزاء سواء من ناحية البناء الفني، أو من اتساق العناصر وتآلفها، بما تحوي من شخصيات محورية وثانوية، ومكان يضيف للطفل من ثقافته الجغرافية، وزمان يوسع من ثقافته التاريخية. مع الأخذ في الاعتبار أن تصور الكاتب للمكان والزمان مرتبط بالهدف التعليمي والأدبي، والنظر لدورها الفني في قصص الأطفال.

وذلك كله في قالب أسلوبي من سرد ووصف وحوار يساعد على جذب الطفل وتشويقه، وينمي ثروته المعجمية. ومن تسلسل الأحداث تسلسلاً جذاباً، وهي تنمو تصاعداً نحو الذروة / الحبكة الفنية، حتى الوصول إلى نهاية الحدث / الحل، بما يتلاءم مع المرحلة العمرية للطفل العربي المعاصر.

وهذا كله لن يتم إلا من خلال قصاص موهوب، يحب الطفولة بصدق وخبير بأحوال الطفولة ومراحلها، ويستطيع أن يمس من طرف خفي لطيف ما يهم الطفل من القيم الإنسانية، والرؤى الاجتماعية، والأحداث التاريخية والآداب والقيم الدينية، أو قل القيم المتغيرة والثابتة.

وأن يكشف بيسر عن الأغوار النفسية، وإذا ما توافر ذلك كله استطعنا أن نقرر باطمئنان أن الطفل العربي قد حظي بجرعة التحصين الواقية من الآداب الهدامة، والثقافات الخداعة، والفضل يرجع للشحنات الأدبية المليئة بالتفاؤل والإشراق، سواء داخل الأسرة أو المؤسسة التعليمية، فهما شريكان قويان لتنمو الطفولة في مجتمعها نمواً صحيحاً صحياً، وحينئذ تظلل الإنسانية بمظلة الأمن والتعاون والرخاء، ونقول حينئذ إننا استطعنا تقديم رجل المستقبل.

وتطمح الدراسة إلى تحقيق جزء من ذلك، وهي تعيش مع قصص أنساق القيم، ومدى توافرها في قصص الشاروني للأطفال، ولنتعرف على قدر قصة القيم عنده وأصولها الفنية، ومدى إجادة القاص أو إخفاقه في معالجته لهذا الموضوع، والذي قدره كاتبنا في مقال له. وتثمينه ينبع من واقع إحساسه بمرحلة الطفولة وأهميتها على مستوى الفرد والجماعة "يبلغ تعداد الأطفال في العالم العربي حوالي 40% من سكانه أي حوالي 120 مليوناً من المواطنين العرب يقل سنهم عن 15 سنة ... إن بناء الإنسان العربي لا يمكن أن يبدأ إلا ببناء الطفل العربي وبغير الإعداد الواعي الشامل لثقافة أطفالنا، ويغر توجيه طاقات المجتمع كله نحو الاهتمام بهذه القضية، لن تتمكن الأمة العربية من أن تواجه بنجاح التحديات الهائلة التي يفرضها واقع العالم اليوم، وهو واقع يتغير في سرعة، ويترك من الآثار أعمقها وأبقاها، خاصة وأن التأثير على أطفالنا واقع فعلاً" (10).

معيار نجاح قصة الطفل:
يتوقف معيار نجاح القصة المقدمة للطفل، وتحظى بقبول حسن عنده، بقدر ما تقدمه من رسالة تنموية، وأعني تنمية مدركات الطفل، من خلال تشكيل فني ينأى بالقصة عن أسلوب التقرير والوعظ والإرشاد. فالقصة في أدب الأطفال "فن أدبي يهدف إلى كشف أو غرس مجموعة من الصفات والقيم والمبادئ والاتجاهات بواسطة الكلمة المنثورة ..."(11).

فالقصة – كنوع أدبي رفيع – تشكيل فني رائع، وعند اكتمال التشكيل يتم التوصيل "تعتبر القصة عملاً فنياً رسالته الأولى تتضمن أولاً: إثارة انبهار الطفل، والترفيه عنه وإسعاده، وهذا الانبهار يؤدي دون شك إلى إثارة ذكاء الطفل، وتذوقه للجمال الذي يزكي فيه حب الاستطلاع والكشف فضلاً عن التوافق الروحي والنفس ولهذا فالقصة باعتبارها عملاً فنياً تهدف إلى المتعة والترفيه أولاً ثم التثقيف ثانياً" (12).

والقيم الجمالية والمتعة هما من أهم معيار نجاح قصة الطفل. حيث إن قصة الطفل "هدفها الأساسي ورسالتها إبراز الجمال من خلال تصوير الحق والعدل والخير، كما أن دورها في الحياة أن تمنح السرور والبهجة للطفل بإشباعها لحاجاته وتنفيسها عن مكبوتاته"(13).

إضافة إلى ما قدمناه من معايير جودة القصة للطفل، فإنه من الأهمية أن تغرس القصة في أطفالنا قيم الدين الحنيف؛ باعتبارها القيم الثابتة السامية، لتشرق حياته ويسعد بدنياه ويفوز في أخراه "وأن تحيل بهم إلى جانب الخير والفضيلة والثقة والإيمان وأن تؤكد لهم انتصار الخير على الشر والإيمان على الكفر والأمل على اليأس، وأن يستخلص منها الطفل – من خلال تعامله معها – قيمتها وفكرتها التي تنفعه في حياته وتثبت في نفسه الآداب المنبثقة من دينه وعقيدته"(14).

وينبغي لقاص الأطفال مراعاة المرحلة العمرية للطفل، فمرحلة الطفولة المبكرة / الخيال المحدود من (5:3) في حاجة إلى قصص بسيطة محددة المكان والزمان والأشخاص والأحداث، ومستمدة من البيئة، والطبيعة التي يحيا فيها، وحينئذ تكون أقرب إلى مدركات الطفل المحدودة. والطفولة المتوسطة / الخيال المنطلق الحر من (6: 9) في حاجة إلى القصة الخيالية. ومرحلة الطفولة المتأخرة من (10: 12) يزداد نشاط الطفل فيكون في حاجة إلى قصة قريبة من واقعه تتسم بالشجاعة والسيطرة والمغامرة.

ثم مرحلة البلوغ والمراهقة (12: 15) والميل فيها إلى القصص العاطفية وتزيد فيها المثالية مع قلة الواقعية كالقصص البوليسية وغيرها. "وإذا تحقق عنصرا الانسجام والتناسق في القصة، اللذان يربطان بين عناصرها المختلفة من حبكة فنية متينة، وموضوع جيد مهم للأطفال، وأفكار مترابطة ومناسبة وعقدة مثيرة، وشخصيات مقنعة وحيوية وجو صادق وأسلوب أدبي ملائم، فإن القصة تنجح في تحقيق أهدافها ويقبل عليها الطفل بشغف"(15) وسوف نجلي ذلك كله في الجزء التطبيقي؛ لتتم الفائدة.

ويؤكد "الشاروني" من خلال وجهته التنظيرية على ثلاث ركائز رئيسة، يتم بها ومن خلالها تكامل محور مضمون ما نقدمه لأطفالنا من أدب" ... يجب أن نركز أساساً على ثلاثة منطلقات رئيسية تؤكد على أن تكون الركيزة القوية لمضمون ما نقدمه لأطفالنا الذين سيحملون عبء تشكيل الحياة على أرض الوطن العربي في الغد القريب.

هذه الأسس الثلاثة التي يجب أن تكون محور مضمون ما نقدمه لأطفالنا بمختلف الوسائل والسبل هي في تركيز شديد:

أولاً: تنمية وتقوية الشعور بانتماء أطفالنا إلى وطن عربي واحد. فنحن الآن نعيش عصر الوحدة، عصر التعاون العالمي، العصر الذي لا حياة فيه لدول مفككة متباعدة. ثانياً: تنمية وتقوية إحساس أطفالنا بالمسئولية نحو المجتمعات التي يعيشون فيها، فلن تتطور مجتمعاتنا ولن تتقدم إلا على أيدي أبنائها ... ثالثاً: تنمية طاقات الأطفال الخلاقة ليصبحوا قادرين على تطوير مجتمعاتهم" (16).

ولأهمية قصص الأطفال، ودورها الفعال في تنمية الطفل العربي، فقد وظف الشاروني كل موهبته لقصص الأطفال. وخاصة عندما أيقن أن الكم الكثير للقصص الموجودة في ساحة أدب الأطفال، يفتقد روح الإبداع؛ لقلة الموهبة والخبرة ... على نحو ما قرر أن "أدب الأطفال في اللغة العربية الذي كان إلى ما قبل ربع قرن يمر بأزمة وجود أصبح الآن يمر بأزمة جودة"(17).

فشتان ما بين أدب الطفل وثقافة الطفل. فهل استطاع "الشاروني" بتقنيات فنية فعالة، تخطي أزمة الكم الآن إلى جماليات الكيف، التي نادى بها النقاد "يجب أن تختار القصة الهادفة ذات القيم الفنية والجمالية وهي التي تدعو إلى القيم والأهداف السامية، وتشبع ميول أكبر عدد من القراء"(18).

وهل عبر الشاروني برؤيته التنظيرية لقصة الأطفال إلى ميدان التطبيق/ الإبداع؟ أتصور أن هذين السؤالين، وما سبقهما من أسئلة تحتاج إلى إجابات من خلال ما قدمه القاص من قصص انتقتها الدراسة؛ لتفي بالهدف الذي من أجله قامت الدراسة.

هوامش التنظير
ابن منظور: لسان العرب ط. دار المعارف مادة قوم، ص100.
مجمع اللغة العربية: المعجم الوسيط. باب القاف 1960، ص774.

مجمع اللغة العربية: المعجم الوجيز ط. المطابع الأميرية 2003 مادة نسق، ص614.

محمد إبراهيم كاظم: التطور القيمي وتنمية المجتمعات الدينية. المجلة الاجتماعية القومية منشورات المركز القومي للبحوث الاجتماعية، القاهرة، 1997، ص11.
انظر: خير الدين على أحمد عويس: علم النفس الاجتماعي والنشاط الرياضي ط. مكتبة الأنجلو المصرية 1984، ص110.
انظر: فوزية دياب: القيم والعادات الاجتماعية. بيروت دار النهضة 1980، ص76.
د. سعد أبو الرضا: اتجاهات حديثة في أدب الأطفال ط. دار المصطفى 2007، ص400.
محمد محمود رضوان، وأحمد نجيب: أدب الأطفال مبادؤه ومقوماته ط. دار المعارف، ص118.
توفيق الحكيم: فن الأدب ط2. بيروت دار الكتاب اللبناني 1973، ص10.
لينا كيلاني: دراسات في أدب الأطفال. مقال بعنوان: أدب الأطفال بين اليوم والغد ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب د. ت، ص157.
د. يوسف حسن نوفل: القصة وثقافة الطفل ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب 1999، ص22.
يعقوب الشاروني: دراسات في أدب الأطفال. مقال بعنوان: عن المضمون في أدب الأطفال العربي وفي المجال الثقافي بوجه عام. اتحاد كتاب مصر د.ت.
د. أحمد حسن حنورة: أدب الأطفال. مكتبة الفلاح الكويت ط1. 1989، ص107.
د. عواطف إبراهيم: قصص أطفال دور الحضانة ط. الأنجلو المصرية 1984، ص8.
د. هدى قناوي: الطفل وأدب الأطفال ط. مكتبة الأنجلو المصرية 2009، ص33.
نجيب الكيلاني: أدب الأطفال في ضوء الإسلام ط4. بيروت مؤسسة الرسالة 1996، ص54.
محمد حسن بريغش: أدب الأطفال أهدافه وسماته ط2. بيروت مؤسسة الرسالة 1996، ص224.
يعقوب الشاروني: دراسات في أدب الأطفال. مقال بعنوان: المضمون في أدب الأطفال العربي وفي المجال الثقافي بوجه عام، ص64: 67 بإيجاز وتصرف.
مجلة العربي، الكويت. مقال يعقوب الشاروني ع 359 أكتوبر 1988.
د. حسن شحاته: القيمة التربوية في قصص الأطفال. الحلقة الدراسية الإقليمية لعام 1985 (القيم التربوية في ثقافة الطفل) ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب 1987، ص34.
ثالثاً: في التطبيق
قيمة السلام في المؤسسة التعليمية: "صندوق نعمة ربنا".
قيمة الحرية للوطن: "ليلية مظلمة في نهاية شهر العسل".
قيمة العمل الجماعي: "الجائزة وأنياب النمر".
قيمة الرحمة: "قليل من الراحة فوق السلالم".
قيمة الإيثار: "دنانير لبلبة".
قيمة التسامح: "إنقاذ عازف المزمار".
هوامش التطبيق
قيمة السلام في المؤسسة التعليمية قصة "صندوق نعمة ربنا"(1).
قد يتحول التلميذ العنيف المثير للمشاكل، إلى عنصر فعال لمجتمعه؛ بفضل المعاجلة الحكيمة والمعاملة الحسنة، ومن ثم ترتقي المدرسة، وتتحول طاقة وإمكانات الطفل المشاغب من مفسد إلى عضو صالح ومتعاون لنفسه وللمجتمع من حوله.

وهذا كله مدار فكرة القصة التي معنا "صندوق نعمة ربنا" فالمغزى معالجة العنف والخروج على النظام بحكمة وحب، وتحويل الطفل المشاغب إلى شعلة من النشاط وواحة للسلام. مع قناعتي أن العنف أساسه الشعور بالعداوة في النفس لعدم فهم الآخر، وعدم إفساح الطريق امامه.

ويبدأ الكاتب القصة بقوله: "دخل الصبي مكتب مديرة المدرسة يصرخ وقفزت المديرة مندفعة ناحيته، وقد رأت الدم الأحمر يغمر رأس التلميذ الصغير ووجهه وكل ملابسه".

ومما لاشك فيه أن بداية القصة إحدى الأسس البنائية، التي يتوقف عليها – بقدر كبير – نجاح العمل القصصي أو سقوطه فنياً. وبداية القصة محمله بالمشاكل وتوتر الأحداث، مما استدعى سرعة الرد، وتجلى في بناء العبارات "دخل الصبي – قفزت المديرة – رأت الدم".

إضافة إلى تعدد مستوى الصورة فمن صورة حركية: "دخل – قفز" إلى صورة سمعية "يصرخ" تبعث الشفقة ومعبرة عن الحدث. إلى صور بصرية مأساوية / اللون / المأساوي "الدم الأحمر". فهذه البداية الفنية، تشوقنا إلى الولوج في عمق الأحداث، وهنا يكمن عنصر الإثارة والتشويق.

والمفارقة وقوع الأحداث في مكان للتربية والتعليم / المدرسة، وليس للعنف والقتال. فهذه هي الدهشة بعينها كما هو الشأن في مسرح "بريخت" ونظريته "التغريب" التي تحث على التفكير في الأمر(2).

فبطل القصة "عاصم" تلميذ مشاغب في آن واحد، يثير المشاكل مع كل تلاميذ المدرسة. إذ أثار ثلاث مشاكل. الأولى:" ... اندفعت بدرية تقول للمديرة: تصوري يا أبلة سميحة عاصم يُمسك علبة الصلصة ويصبها كلها على رأس زملائه الصغار وملابسهم".

وهذا السلوك رد فعل لقراءته قصة "الأمير والأقزام السبعة" كما ورد في حواره مع مدرسته: "قال عاصم: الصياد أشفق على الأميرة، وتركها في الغابة. ثم ضحك على العقل الملكة وأقنعها أنه قضى على الأميرة، عندما لوث جزءاً من ملابس الأميرة بدم غزالة اصطادها".

فمثل هذا السلوك، هو إفراز طبيعي لثقافة على نحو ما تشير نظرية أخذ الأدوار "أن الطفل يمارس أدوار الآخرين دون أن يفسرها وبتطور الطفل يزداد سلوكه الذي يأخذ فيه أدوار الآخرين"(3).

ويُعزي بعض الدارسين المهتمين بقصص الأطفال، سر تقمص الطفل لشخصية البطل أنهم "إذا اندمجوا تماماً مع قصصهم فإنهم يتقمصون شخصية البطل أو شخصية آخر.. وقصص البطولة تتخذ أشكالاً مختلفة ولكنها جميعاً تنطوي على القوة المجردة أو الشجاعة الحقة أو الذكاء أو المجازفة"(4).

فبداية الأحداث أو قل توالي الأحداث بشكل سريع، يكشف عن تركيبة سيكولوجية معقدة لبطل القصة "عاصم" التلميذ المشاغب، الذي يمثل العمود الفقري لربط عناصر القصة، والذي لا يأتي بخير، ومع ذلك يتسم بالشجاعة والصدق.

ثم يأتي الحدث/ المشكلة الثانية من الطفل البطل؛ لينم عن سبر أغوار الشخصية وتأصل روح التمرد فيها: "... أما مدرس اللغة العربية، فقد جاء يدفع "عاصم" أمامه، وقد أمسك بيده كراسة الواجب المنزلي وهو يقول: تصوري يا حضرة المديرة: أكلفه مع بقية التلاميذ بكتابة درس المطالعة عشر مرات، فيكتبه مرة واحدة، والباقي تم تصويره بورق الكربون!!

وصاحت المديرة في عاصم: لماذا لم تكتب الواجب؟

قال عاصم في إصرار: لقد كتبته!!

قالت المديرة: لقد كتبته مرة واحدة وليس عشر مرات!

ثم أضاف شيئاً أعجز المديرة جداً ... لقد قال: هل حضرتك لديك صبر لتكرري كتابة شئ تعرفينه جيداً عشر مرات؟!

فمثل هذه الشخصية التي تنزع نحو الوعي والاستقلال والتميز، وكما يحللها علماء النفس "تتبلور شخصية الطفل، وظهور ما يسمى "الأنا" عنده، و"الأنا" هي الشعور الواعي للنفس، حيث ينظر إلى نفسه وكأن له شخصية متكاملة لها رغباتها ومتطلباتها، وتكون حدة الطبع في هذا الدور أمراً سوياً"(5).

ويظل الكاتب بكل ما لديه من فنيات معمار القصص، أن يضفي على الأحداث مزيداً من التعقيد حول شخصية البطل "الطفل. هذا البطل الذي انعكست صورته بكل ما تحمله من تمرد وتسلط وشغب، من خلال أقواله وأفعاله. وتجلي ذلك في سرد الحدث بما يحمل من فنيات المعجم الدال على ذلك، والذي وظف بفنية من قبل الكاتب؛ لرسم الصورة بكل ملامحها ودقائقها: "يصرخ – الدم الأحمر – جزع – المشاغب – الشيطان – يتعاركون – الشر – المشكلات – العصابة".

فالأفعال بأزمنتها المتعددة، والنعوت باختلاف أشكالها، ترسمان صورة جلية لشخصية بطل جبل على العنف، وجلب المشاكل. فاللغة وصفت الأحداث بكل تقنية وفنية. "من الضروري شحن قصص الأطفال بوجه خاص، والمواد التي تتناول حوادث بفيض من الأفعال، لأن الأفعال البسيطة الواضحة المعبرة تمنح الحدث والقصة نبضاً جديداً يجذب الأطفال ويشدهم"(6).

وفي المقابل نجد حسن المعاملة، واستخدام أسلوب المسالمة من إشعاعات المعجم المعبر عن الفطنة والمسالمة "صوت هادئ – نعمة ربنا – تطوع – يعاونهم – أنشطة متعددة".

وتتأزم الأحداث؛ لتصل إلى ذروتها أثناء المونولوج الداخلي لمديرة المدرسة، وهي في حيرة من أمر هذا الطفل العنيد. فتتنازعها عدة نوازع ما بين استئصال مثل هذا النموذج من الأطفال؛ حتى لا تتسرب عدواه لباقي التلاميذ، وما بين تواصله المدرسي بأسلوب تربوي حكيم. فتقرر تحويله إلى عضو نافع "وجلست أبلة سميحة مديرة المدرسة في غرفتها تحدث نفسها في هدوء. وكانت تقول: اشتغلت بالتدريس للأطفال وصغار التلاميذ ثم أصبحت مديرة لهذه المدرسة، وقد انقضى على عملي بالتعليم ثلاثون سنة، لم اتسبب خلالها مرة واحدة في فصل تلميذ من تلاميذي فصلاً نهائياً من المدرسة لكنني الآن أمام حالة لا أجد لها أي حل".

ثم تهتدي المديرة إلى حل مثالي، وكأنه علاج لشخصية البطل "عاصم، تقول المديرة لعاصم بحوار استفهامي عقلاني ينسجم مع طبيعة شخصية البطل" ما رأيك أن تقنع مجموعة من أصحابك أن تجمعوا من أرض الفناء (نعمة ربنا) التي يلقيها الصغار من بقايا طعامهم؛ لكي نقدمها للبط والدجاج الذي نربيه في حظيرة المدرسة".

وحينئذ وافق البطل، حيث إنه شعر بإعادة الثقة إليه من قبل مجتمع المدرسة المحيط به، مع إشباع طاقته المتوقدة في عمل نافع "زميلكم عاصم قام اليوم بعمل مهم جداً، وقد قام به بكل امانة وهمة، ولهذا نريد أن نصفق جميعاً لزميلكم الذي قام بهذا العمل".

ولنا أن نسأل هذا السؤال الذي يتطلبه البحث: ما سبب عنف البطل؟ هل البيت أم المجتمع أم التركيبة النفسية للبطل؟ ولم يشر الكاتب إلى أي شئ من هذا وهذا- على نحو ما أتصور – إنه تعمد من الكاتب، ليزداد النص ثراء ودلالات.

وإن كنت أرى أن البطل لم يحظ بالرعاية والاهتمام في أسرته، فانعكس على سلوكياته مع رفاقه من التلاميذ، وفي دفع المديرة إلى معالجة ظاهرة العنف عنده وتحويلها إلى طاقة إيجابية، فتولى زمام القيادة وإدارة صندوق نعمة ربنا ومع التلاميذ.

وتمضي الأيام، ويواصل البطل "عاصم" طريق الدراسة بنجاح وتفوق "وقد صار الآن استاذاً في كلية الطب، ومن أشهر الأطباء في مصر" وكان الأولى أن تأتي نهاية القصة متفقة مع بدايتها، أو بمعنى أدق أن بطل القصة كان يميل منذ طفولته المبكرة – حسبما ورد في بداية القصة – إلى قراءة القصص ومن ثم فإنه ميال بطبعه نحو عالم الإبداع الأدبي، وكنت أود – كتيمة طبعية – أن تكلل دراسة البطل بالولوج في الآداب. وحينئذ تتفق البداية مع النهاية، بدلاً من أن يكون أستاذ طب. وهنا يكون الكاتب قد نجح مرتين. الأولى: إتقانه الفني حيث قبض بتمكن على عناصر القصة. والأخرى: عندما يُعلي من شأن المبدعين في عصر غيض فيه الإبداع. وفي المرتين نقول إن الكاتب حقق قيمتين الأولى: فنية جمالية والأخرى: قيمة إنسانية توسم بالإنصاف وإن مالت نحو القيمة الأولى/ الجمالية.

والقصة تتميز بتوافر التشويق والإثارة والمتعة، فظلت الأحداث تتنامى والمشكلة تتزايد من خلال سلوكيات البطل، وقد تجسد من خلاله صورة الشقاوة والسلوك المنحرف لعديد من تلاميذ المدارس، الذين يثيرون الفوضى والعنف. وكأن بطلنا رمز لعديد من أطفال ضاعوا منذ طفولتهم، وخاصة مرحلة التعليم الأساسي؛ بسبب سوء المعالجة الحكيمة.

واستطاع القاص أن يجعل من شخصيته المحورية نموذجاً لفن التعامل مع شريحة تثير المشاكل في المجتمع المدرسي، والذي ينبغي أن يكون واحة للقيم السامية فالعنف يقابله العفو؛ لتسود قيم السلام، وليس أدل على ذلك من رسم الكاتب لشخصية البطل. وأكده من خلال الوصف السردي الدقيق للبطل، وانعكاسات سلوكياته وأقواله، إذ كشف في سرده عن سبر أغوار الشخصية، وكيف أننا نتعامل معها بكل قوة، فتأتي النتائج سلبية، والأفضل أن نرفق بها، ونوجه طاقاتها نحو البناء والتفوق "عاصم فتى متوقد الذكاء، شديد الحيوية، تتدفق من عقله، الأفكار الجديدة، وهو قادر على استيعاب المواد الدراسية بسرعة وكفاءة، لكننا نواجه مواهبه وقدراته باتهامه أنه مخرب ومقلق وشقى ومهمل وفاسد، لذلك كان يحاول أن يثبت ذاته، حتى إذا كان من نتيجة ذلك أن يتعرض لتأنيبنا وعقابنا".

فالبطل نموذج بشري لمئات الأطفال، الذين أخذوا بشدة وغلظة؛ لعدم تريثنا في المعاملة معهم، وكأن القاص يدق جرس الإنذار؛ للكشف عن موهبة الطفل وتنميتها تنمية متزنة، قبل إهمالها والقضاء عليها.

ويؤخذ على القاص أنه أتى بالحل من شخصية المديرة، والأولى أن يأتي حل العقدة من الشخصية المحورية "عاصم"، بحيث يكون فاعلاً ومفكراً فيكون حله درامياً. وعلى أية حال يمكن أن نعد المديرة بطلة مساعدة للبطل الرئيس، وأن تحويلها من شخصية ثانوية إلى شخصية محورية ساعدت في دفع الأحداث وجعلها درامية.

ومن مزايا القصة قلة الشخصيات، ومحدودية الأحداث وعدم تشعبها وهذه سمة فنية لقصص الأطفال الجيدة، إذ تجعل الطفل يعيش مع الحدث دون أن يشعر برتابة أو ملل أو حتى نسيان.

ومما يزيد القصة جمالاً وجلالاً، قدرة الكاتب على تحويل شخصية البطل إلى شخصية إيجابية فعالة ومتفاعلة مع المجتمع. فنهاية الأحداث اتسمت بالتفاؤل بعد ما أن بلغت الأحداث ذروتها من التعقيد، وعجزت الشخصية الثانوية عن حل العقدة. وكأن كاتبنا يشير من طرفي خفي إلى ضرورة إعطاء الطفل شحنة غير مباشرة من الثقة بالنفس مع شحنة من الحب والرعاية؛ فيهما يشعر الطفل بذاته وقيمته، وحينئذ يتغير سلوكه وتتغير مفاهيمه، فيصير واحة وارفة الظلال يانعة الثمار تؤتي أكلها كل حين.

ونلاحظ أن شخصية "عاصم" هي التي قامت بدور البطولة وانفردت بها. وإن كنت أميل مع الرأي القائل أنه "من الخطأ جعل قصص الأطفال قائمة على بطل مركزي واحد بل ينبغي أن تشمل هذه الروايات على أبطال من الأطفال ونماذج بشرية تتمثل فيها الطفولة في عدة نواحي من الحياة"(7).

واستطاع القاص أن يجري أحداث القصة في أهم الأماكن "المدرسة"، والتي تمثل التربة الخصبة في إنبات البذرة / الأطفال، فإن كانت التربة خصبة فإننا سوف نجنى الثمار، وإن كانت تربة مريضة فإننا لا نجني إلا الشوك، وفي هذا إشارة من القاص لكل مسؤول عن أمر الطفولة.

صحيح أن القصة مفيدة للطفل بما تحمل من فكرة ثرة، فهي تتناسب مع مرحلة الطفولة المتأخرة من (9 – 12 سنة) كسن بطل القصة "عاصم" لالتصاقها بالواقع، حيث الاشتراك مع الزملاء، وحب السيطرة والشجاعة "ويتضح في هذه المرحلة زيادة نشاط الأطفال حيث يزيد ميلهم للسيطرة على البيئة التي تحيط بهم. وتتميز هذه المرحلة –الطفولة المتأخرة – بأنها فترة التعاون بين الجماعات التي ينتمي إليها الطفل"(8).

والقصة مفيدة لكل من يتولى أمر أطفالنا، كيف يتعامل تربوياً ويحفظ قيمة السلام في المؤسسة التعليمية، خاصة مع مثل هذه النماذج المثيرة للمشاكل. فالقصة تمثل عنصراً وقاسماً مشتركاً بين الكبار والصغار. فالكبار في حُسن إدارة الأزمات، والصغار في المتعة والقيم.

أضف إلى ذلك جماليات القصة، وقد تجسدت بشكل قوي من خلال سرد فني موجز مُعبر يتضافر مع الوصف وأسلوب الحوار (بقال وقلت) مع تداخل أسلوب الاستفهام المثير للتعجب والدهشة، وتكراره مرات عديدة: "وفي دهشة أشد عادت المديرة تسأل: أي تمثيل؟! ازدادت دهشة المديرة وغضبها وهي تسأل عاصم: هل فعلت هذا حقاً يا عاصم؟ وفي دهشة قالت المديرة في تأكيد: لكن أساتذة الحساب يقومون هم بتصحيح كراساتكم!.

إضافة إلى تدعيم أسلوب القصة بأساليب استفهام تفيد الحيرة؛ لتعكس خطر الموضوع، وحيرة المديرة "كيف بعد هذا العمر الطويل، وبعد هذه الخبرة المتميزة، أجد نفسي عاجزة عن التعامل مع صبي صغير عمره عشر سنوات؟"

ثم توظيف أسلوب ينم عن قوة الشخصية للمديرة، والتي ينبغي أن تتحلى بها بصفتها مسئولة: "قالت لها المديرة في حزم قلت: اذهبي وتعالي وهو معك".

مع مزية السرد الجامع بين الفكر والوجدان، فكل هذا التضافر جعل معمار القصة متناسقاً ومتماسكاً، فلا شذوذ ولا نفور في تشكيلاتها الفنية. أضف إلى ذلك جماليات الإيقاع السريع للفعل الماضي، والذي يتناسب مع أحداث القصة بسرعتها العفوية "دخل الصبي –شاهدت – قالت – طلبت". إضافة إلى بساطة اللغة وسهولتها فيمكن للطفل أن يقرأ القصة دون مساعدة من غيره.

واستطاع القاص أن يعكس شخصية البطل غير العادية، من خلال إجاباته الذكية على كل حدث أثاره. فمن قوله عندما بدل كراسات تلاميذ فصله "كنت أريد أن يتولى كل تلميذ تصحيح كراسة زميله" وفي الوقت ذاته لفتة ذكية إلى تقصير المدرس.

وعندما كتب واجب العربي عشر مرات بورق الكربون، علل ذلك بقوله للمديرة: هل حضرتك لديك صبر لتكرري كتابة شئ تعرفينه جيداً عشر مرات".

فهذا الحوار الفني يعكس لنا أننا مع شخصية متميزة، ولا ينقصها سوى التوجيه السديد والمعالجة الحكيمة. فالكاتب وظف تقنية حديثة من تقنيات القصة، وهي براعة الوصف بين الشخصيات وما تحمله من دلالات بكل يسر وسهولة. إذ اتسمت كل شخصية بصوتها الخاص المعبر عن الحادثة، وفي الوقت ذاته عكست الحادثة صورة الشخصية.

وقد أجاد القاص في كشف النقاب عن نعم الله التي لا تحصى في توظيف شخصية الطفل بشموليتها؛ لتعكس كيفية الانتقال من الطالح إلى الصالح، وما الصالح إلا نعمة كـ "صندوق نعمة ربنا" هكذا كان العنوان بقيمه الدينية، ومن أجل ذلك كانت النهاية السعيدة للطفل وللمجتمع من حوله "وقد نجح عاصم بتفوق في امتحان الشهادة الإعدادية، وواصل تعليمه، وقد أصبح الآن أستاذا في كلية الطب، ومن أشهر الأطباء في مصر".

وكانت المعالجة الفنية الحكيمة للقصة؛ من أجل تأصيل المبادئ السامية، وترسيخ القيم الإنسانية النبيلة في نفوس أطفالنا، مع بث جو من المتعة، فكل ذلك عامل جذب للطفل، واكتمال لخطاب القصة بما يحوي من قيم دينية وإنسانية.

قيمة الحرية للوطن قصة "ليلة مظلمة في نهاية شهر العسل"(9)
فكرة القصة تدور حول حقيقة مؤداها، أن الطفل لا يندفع نحو العدوان إلا إذا وقع عليه أو على وطنه ظلم أو عدوان أو قيد، ومن ثم يأبى استسلام، فيتخذ من المقاومة وسيلة مشروعة لتحرير الوطن، وما اطفال الحجارة في فلسطين المغتصبة منا ببعيد.

ففي القصة تطل علينا شخصية التلميذ "فتحي" بطل القصة؛ ليثير سؤالاً محورياً بنيت عليه القصة "الحدث الرئيس"، وهو فصل الكهرباء عن مسكن مدرسه الإنجليزي وزوجته عن عمد "قال فتحي: عندما وصل "مستر جراي" وعروسه مع حلول الظلام إلى بيتهما بالدور الثاني من المدرسة ومعهما يوسف أفندي وكيل المدرسة وجدوا أنفسهم في ظلام دامس، واكتشفوا وقد ملأهم الغيظ أن التيار الكهربائي مقطوع عن المدرسة كلها".

ويظل حدث قطع الكهرباء مسيطراً على جميع الشخصيات / المدير والمدرس وزوجته المدرسة وصديق فتحي، والذي يقوم بدور شخصية محورية مع البطل، والذي يتساءل من هو يا ترى الذي نزع بريزة الكهرباء؟ ثم يجيب فتحي زميله: يظنون أن أحد تلاميذ المدرسة هو الذي فعل كنوع من الترحيب بعد حادث، فبراير الذي حاصرت فيه الدبابات الإنجليزية قصر الملك".

فإمداد القصة بمثل هذه الحادثة، يثري المعلومات التاريخية للطفل، وفي الوقت ذاته يكشف عن شخصية الطفل الحر الوطني "فتحي"، وقد تحدث عنه صديقه كومض برق يوضح سريعاً الشخصية الوطنية" وفجأة تذكرت أن أغلفة كراسات فتحي حافلة بعبارات مثل "يسقط الإنجليز" و"أخرجوا من بلادنا" وأنه كان يحكى كثيراً عن اشتراك أخيه الأكبر في مظاهرات المدارس ضد الوجود الإنجليزي في مصر".

ومن هنا يتأكد الدور الرئيس لأدب الأطفال، في تقديم رسالة ذات قيمة تتسم بالمتعة والثراء الفني "يجب أن يعرف طفلنا ما يمكن أن يقابله من مخاطر وتحديات، وعليه أن يتسلح منذ الصغر بالعلم والوعي، كي يشق طريقه نحو التحقيق ومن هنا يجب ألا نعزل الطفل عن واقعه، كما يجب أن يعرف تاريخه جيداً من خلال نصوصنا الأدبية، فالمخاطر تتكرر مثلما يعيد التاريخ نفسه، لكن باستيعاب الدروس نتحاشى الأزمات"(10).

والسرد في القصة بمثابة سبر لأغوار شخصية البطل، والذي لم يأت إليه حب الوطن والرغبة في الحرية من فراغ، بل من بيئة توفر فيها بشكل ملموس صادق حب الوطن وحب السلام في آن واحد، وكما يقال: "حرب السلام"(11).

ويتوالى السرد بفنياته؛ ليكشف عن الفاعل الحقيقي "فتحي"، والذي شارك أبناء وطنه؛ لأنه تربى على قيمة حب الوطن، والرغبة الملحة في تحريره "ورأيت فتحي بعد أحداث العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 وبعد رحيل آخر جندي انجليزي من بورسعيد بعد فشل ذلك العدوان الذي تآمرت علينا فيه انجلترا وفرنسا وإسرائيل. وبغير مقدمات وجدته يسألني: هل تتذكر بريزة الكهرباء التي أغرقت المدرسة في الظلام يوم عودة مديرها الإنجليزي من شهر العسل؟.. وأكمل صديقي فتحي يقول: من حقنا الآن أن نقول أننا شاركنا في مقاومة الوجود الإنجليزي في مصر".

فعلي الرغم من قلة عدد الشخصيات في القصة، ثم انحصار الحدث في شئ واحد مركز / المقاومة. مع مفارقة استرجاع الأحداث لواقعيتها، لكنها عكست حرص الطفل ومن على شاكلته من الأطفال على قيمة الحرية مهما كان ثمن التضحيات، وبدا ذلك في تحويل ليل الظالم / الإنجليزي إلى ليلة ظلماء.

وقد عبَّر العنوان عن المغزى، أو قل عن فكرة القصة. فثمة تشابه بين العنوان وأحداث القصة. فتوظيف الزمان بنعته "ليلة مظلمة"، فالليل بعمومه وشموله، ثم نعته بالظلام. فالظلام وإن بدا من ثنايا الحدث / الظلام المحسوس لكنه رمز للظلام الذي حل بالبلاد، في فترة وجود المستعمر الإنجليزي والشئ الثاني أو قل القسم الثاني من العنوان وهو "في نهاية شهر العسل" من باب التأكيد ورمز لما تمتع به المستعمر من ثروات البلاد، لكن نهايته الظالمة كانت كليلة مظلمة بزغ بعدها فجر الحرية.

والطفل يأبى الظلم والعدوان، فهو رجل وإن بدا طفلاً، ويشارك بما يملك من أساليب – وإن بدت هينة – في كيفية التحرر من ربقة الاستعمار، لينعم وطنه بالحرية وقيمها السامية "فالعنوان هو الشارة أو اللافتة البراقة التي تجذب الطفل وتشوقه، فينجذب إلى الكتاب؛ ليكشف ماذا وراءه. فمن العناوين ما يفرح الأطفال أو مما يتوارد إلى أذهانهم أو مما يتطابق مع ما يحملون أو يفكرون به(12).

ثم يصور القاص مشهد الترحيب بالمدرس الإنجليزي وزوجته، أثناء الطابور وتحية العلم، وهذا ما أزعج وأقلق الطفل، والذي يرى أنه من المفترض أن يكون الطابور – في المقام الأول- للوطن، وتحية العلم رمز للوطن غداّ سنحرص جميعاً أن نأتي قبل ميعاد طابور الصباح؛ لنشترك كلنا في الترحيب "بمستر جراي" مدير المدرسة: إنه سيعود الليلة مع "فرجراري" من إجازته في الخارج لكن الأمر تغير بتغير قوة الأجنبي وسطوته.

وقد تشكلت أحداث القصة وتجسدت في مكان محدد "المدرسة"، وفي هذا دلالة على الدور الحيوي للمدرسة، وأنها تُخَرَّج الوطنين ومصابيح الأمة، ودائماً كانت مركز انطلاق مواكب الحرية.

على أية حال فإن القصة، تثري خيال الطفل في كيفية إيجاد حل لأي مشكلة تعتريه، مثلما لمسنا في سلوك البطل عندما قام – في حدود إمكانياته المحدودة ومعرفته البسيطة – بفصل تيار الكهرباء عن مسكن الأجنبي.

إذ ساهم خيال الطفل في إيجاد طريقة ترضي ذاته وتلبي حاجة مجتمعه المحتل، وكما أكد علماء النفس والتربية والاجتماع على أن "للجو الاجتماعي الذي يعيش فيه الأطفال، أثره الكبير في إشعارهم بالأمن والطمأنينة والاستقرار النفسي، وهذه في جملتها دعائم أساسية وجوهرية لسلامة صحتهم الجسمية والنفسية ولتنمية خيالات الأطفال وابتكارهم(13).

وفي القصة التي معنا، ينطبق عليها القول المشهور "الحاجة أم الاختراع" فإن ما فعله الطفل "فتحي"/ البطل، بمثابة رد فعل لمجتمع غير مستقر، يموج بألوان شتى من أذى الاستعمار وذيوله، الذين خانوا الأمانة وقيمها السامية.

إضافة إلى ذلك ما تحتويه القصة من قيم أخلاقية، تجسدت في التعاون بين البطل / فتحي وزميله عندما ستره؛ لمصلحة الوطن العليا / الحرية. والطفل بحاجة إلى أن يُشحن بمنظومة القيم الإيجابية، وفي مقدمتها قيمة حرية الوطن والانتماء الصادق له.


قيمة العدل الجماعي قصة "الجائزة وأنياب النمر"(14)
إن قيمة العدل من أهم مرتكزات القيم الإيجابية للتضامن والتكافل والمساواة، أو قل العدل الاجتماعي، ولن تسود هذه القيم إلا بإنكار الذات، وقيام كل فرد بواجبه المنوط به من دون استكبار أو افتخار. فهذه القيم جميعاً تجسدت من خلال تشكيل فني رائع في قصة "الجائزة وأنياب النمر". فهي حكاية بسيطة على لسان الحيوان تصلح لمرحلة الطفولة المتوسطة "الخيال المنطلق"، والتشوق إلى الصور التي ترسمها مخيلاتهم. إذ تتميز ببساطة العرض، ووضوح اللغة، وجمال الأسلوب، وتوظيف الحيوان؛ لسرد الأحداث بشكل شائق وسهل ومفيد، مما يساعد على تنمية الخيال وتشكيل صور مختلفة، مع تنمية الذوق لأطفالنا، والتعرف على ما حوله من حيوانات البيئة وطباعها المختلفة.

فمغزى القصة يحث على التعاون والعمل المثمر، فلولاً قيمتا التعاون والعمل المثمر لصار الناس في فوضى. وقد لعب الخيال دوراً فنياً في إيصال الفكرة ببساطتها دون إفراط أو تفريط "فالنص الأدبي الناجح هو الذي يشكل حافزاً لانطلاق خيال الطفل بما يشيعه في جو النص من احتمالات، وما تثيره العبارات من دلالات، والنص الذي يجيب على جميع الاحتمالات، ويقتصر في اعتماد الدلالات على معنى واحد إنما يأخذ على الطفل أجل فرص استمتاعه ويقص الجناح الذي يستخدمه في التحليق والتعامل مع النص"(15).

فالأسد ملك الغابة كلف الفيل "بتخصيص جائزة لم يقدم أفضل إنتاج، أو يقوم بأكبر مجهود مفيد، فاختار لجنة من النمر والذئب والثعلب لاختيار الفائز" فالقصة مبنية على شخصيات من الحيوان والطير، فهي محملة بالرمز ومن ثم ينبغي "أن يكون مفهوم الرمز واضحاً نتيجة العلاقات المتوازنة بين هذه الحيوانات والطيور وما ترمز إليه، فلا يسترسل الكاتب في وصف الرمز من الحيوانات والطيور حتى لا ينسى الطفل المرموز إليه أو العكس"(16).

والقصة ترمز إلى منطق القوة الغاشمة وإدارتها المستبدة لمقاليد الأمور، ولكن هل القوة بمفردها ممثلة في "الأسد"، وقد اختار الفيل؛ ليشكل لجنة من النمر والذئب والثعلب، ليتفقوا على اختيار الأفضل. فهل يكفي لسير عجلة الحياة؟ وهل القوة بمفردها يمكنها تقديم كل ما تحتاجه الحياة الإنسانية؟ أم أن العمل الجماعي هو الأهم، ومن الأسئلة نفهم دلالة توظيف الرمز، ودوره الفعال في دفع الأحداث من خلال الشخصيات؛ لتؤكد من خلال أسلوب السرد الجمالي الصادر من حوار الحيوانات، أن ما يحدث من سيطرة وسطوة القوة الكبرى في هذا العصر على الدول الضعيفة، يؤدي إلى انهيار منظومة القيم السامية وظهور قيم سلبية بأنساقها المتعددة.

ومع صوت "الدب" الأناني المستبد، وقد رشح للجائزة "النحل"؛ لحاجته إلى ذلك الطعام "انا أرشح النحل لجائزة أفضل إنتاج. إنه يعمل بغير توقف ساعات طويلة كل يوم؛ ليقدم لنا عسل النحل وهو أفضل الطعام وأحلاه" لكن النمر اعترض على ترشيح الدب للنحل، وأرجع ذلك إلى عدم انتفاعه بالعسل – كصراع القوى الكبرى – يقول النمر: "لكنني لا أعرف شيئاً من هذا العسل. العسل لا يصلح طعاماً لي، لذلك لا يمكن أن تعطي النحل الجائزة".

وكأن "النمر الذي يمثل هو الآخر رمز التسلط والأنانية، بفضل قوته وشراسته، اعترض على ذلك. ثم أذن للقرد أنه يرشح ما يراه جديراً بالجائزة. فقال القرد: أعتقد أن دودة القز يجب أن تفوز بجائزة أفضل إنتاج، إنها تقدم خيوط الحرير التي يصنع منها الإنسان أرق الأقمشة وأجمل الملابس".

ثم يظل النمر – الآمر الناهي – في اعتراضه، ويأبى ترشيح القرد لدودة القز؛ لأنها تمد الإنسان، عدو النمر على حد قوله!! فمازال حوار النمر يقوم على الحقد والأنانية، ويعكس في الوقت ذاته سلوكيات بعض الأفراد والمجتمعات كذلك رفض النمر ترشيح البقرة لنيل الجائزة "لكن البقر يرفض أن يعطينا نحن أسياد الغابة ما نحتاج إليه من لحم".

فمثل هذا الحوار القصصي التشويقي على لسان الحيوان، يعكس سلوك وتصرفات الأقوياء، والتي تفرض قوتها على الضعفاء؛ لرفضها الخضوع لهيمنتها أو قل إنه سلوك يصدر – غالباً – من بعض ذوي الكلمة والسلطان، مهما كان الاحتجاج والرفض من المستضعفين في الأرض.

ولذلك تكمن أهمية القصة على لسان الحيوان للطفل أنها "تعطيه الفرصة للتعرف على نفسه كما تعطيه الفرصة لأن يطلق العنان لأحلامه وطاقاته الإبداعية"(17) والطفل مولع بقصص الحيوان "فأثبتت الدراسات التي أجريت لتحديد الكتب المفضلة عند الأطفال أن قصص الحيوان أكثرها رواجاً وأشدها حباً بين الصغار"(18).

ومن المزايا الفنية لأسلوب القصة، أنه لم يعتمد على المباشرة والسطحية، ولم يُفرط في الغموض والترميز. فهو إشارة جلية لواقع معاصر "لأن الأسلوب الفني في أدب الأطفال لا يرحب كثيراً بالمجاز والتشبيهات كي لا تضيع المعاني عند الطفل، ولو أننا لا نستغني عنها في لمحات براقة يستطيع أن يلتقطها الطفل مما هو مألوف لديه أو محبب إليه أو يسرد بسرعة إلى خاطره"(19).

ثم يقدم القاص حوار الثعلب المكار، ونفاقه للنمر. وموقفه يرمز إلى أقوال وأفعال الوصوليين، أو قل شرذمة المنتفعين: "سيدي النمر إنك تبذل كل جهدك في تخليص الغابة من كل حيوان ضعيف أو مريض فتقتضي عليه بأنيابك ومخالبك الرحيمة، حتى لو لم تكن جائعاً. إن هذا الجهد الكبير الذي تبذله، يمثل أكبر صورة من صور إنكار الذات والاهتمام بالآخرين وحب الخير، إنني أرشحك يا سيدي النمر لجائزة اكبر مجهود وافضل انتاج.

فما كان رد فعل النمر إلا وأن "كشر عن أنيابه، ونهض على قائمتيه الأماميتين وضرب الأرض بذيله، فسكتت الهمسات كلها".

فمنطق القوة فرض نفسه على الجميع في مجلس القوة والرعب، فلم يستطيع أحد أن يبدي أي اعتراض. فمثل هذه القصة تنمى خيال الطفل، وفي الوقت ذاته تثري فكره بمعرفة عالم الحيوان – على غرار كليلة ودمنة – ويعرف ما يدور حوله من سلوكيات، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة. وكيف أن ثنائية الخير والشر كخطين متوازيين، أو قل معركة ثنائية القيم مستعمرة "إن القصة الخيالية تعد عنصراً من عناصر الثقافة المعنوية لا يُقدر بثمن. هو عنصر المشاعر والأحاسيس والثراء في المشاعر والأحاسيس الإنسانية"(20).

ويؤكد "الشاروني" على أهمية إثراء خيال الطفل؛ لما في ذلك من خلق صور جديدة، وإدراك لحقائق تعود بالفائدة على الطفل وعلى المجتمع من حوله "يجب أن نعمل على توسيع خيال الصغار، فغير الخيار الخلاق الواسع لن يكون هناك تقدم ولا تطور"(21).

وأكدت الدراسات الحديثة في ميدان أدب الأطفال، أن الخيال غاية في أدب الأطفال؛ لما له من دور رئيس في توسيع أفق الأطفال وإسعادهم "فشحذ الخيال وإغناؤه لدى الطفل والجرأة على أن يعبر بالخيال عما يريد هي من غايات أدب الأطفال؛ لأن الخيال أساس لكل نمو وعلم ومعرفة وتطور. والخيال بحد ذاته متعة للطفل، فالضحكة لا تنفجر إلا عندما تُحمل على جناح الخيال، ولا ننسى هذه الخاصية عند الطفل في التقمص والتماهي واستنطاق الحيوان والجماد وتشخيص المحسوسات وإضفاء الروح عليها مما يذكي الخيال ويمد آفاقه"(22).

ومع ذلك كله فإن عجلة الحياة – مثلما ذكرت القصة – لن تتوقف، وسوف يظل مسرح الحياة، والكل يؤدي دوره مهما لاقى من عنت أو طغيان، سوف يستمر الأمل مادام العمل وروح الجماعة.

وأجاد القاص عندما أنهى قصته بهذه النهاية السعيدة المشرقة "ورغم فوز النمر بالجائزة بغير حق، فقد ظل النحل يعمل بغير توقف ليقدم أفضل طعام، وظلت دودة الحرير تعمل بكل همة لتقدم أفضل أنواع الخيوط وظل البقر يعمل دون شكوى؛ ليقدم أفضل غذاء للأطفال والكبار".

فنهاية القصة رسالة للتأكيد أن إيقاع الحياة لن يتوقف، وكل أنسان له رسالة مهمة، ويؤدي دوره؛ لتستمر منظومة الحياة دون توقف، وعندئذ يتعلم الطفل ويعمل بإخلاص، وبدافع الحب الإنساني والمشاعر الصادقة مهما كانت العقبات التي يواجهها أو تواجهه.

فالعطاء سوف يستمر، وقيمة العمل الجماعي قيمة رئيسة تشكلت وجلت في نهاية القصة؛ ليبقى أثرها في الطفل حاضراً مستقبلاً.

قيمة الرحمة قصة "قليل من الراحة فوق السلالم"(23)
فكرة قصة "قليل من الراحة فوق السلالم" تدور حول مأساة الطفولة العاملة المعذبة، في مجتمع قل فيه الرحمة. ثم تطلع بطل القصة/ الطفل إلى العيش بسلام من الآخرين، رغم العنف والذلة والمهانة التي تواجهها هذه الشريحة الاجتماعية البريئة، فافتقاد قيمة الرحمة مردها إلى قسوة قلوب بعض الكبار للصغار.

والقصة التي معنا تحمل عديداً من الدلالات تبدو من عنوانها أهمها: إحساس الطفل بطل القصة بالذلة والمهانة، وهو يعمل صبياً في محل بقالة، ويقوم بتوصيل الطلبات للبيوت، فهذا الإحساس ليس من طبيعة العمل الذي يؤديه، ولكنه إفراز من قسوة معاملة المجتمع – في بعض الأحاديين – للأطفال.

ونستمع إلى المونولوج الداخلي للطفل، وسرده لما يشعر به "تضايقت كثيراً في البداية، عندما كان الناس يغلقون الأبواب في وجهي ويتركونني واقفاً فوق السلالم أمام الأبواب".

فالطفل يستشعر الرحمة من القسوة – وشتان ما بينهما – والنص السابق يحمل رسالة من القاص للمجتمع، بحسن التعامل مع الطفل. وكما قرر علماء الطفولة أن المونولوج الداخلي – غالباً – يعكس حالة نفسية غير مستقرة، ويحدث للطفل "إذا لم تكن علاقته بالآخرين وطيدة، فإنه في مرحلة الحديث المنفرد مع النفس (المونولوج) أو حديثه مع نفسه وإن كان في الظاهر يتحدث مع الآخرين"(24).

ويأتي دور الأم برحمتها؛ لتطيب من خاطر طفلها "إنهم لا يقصدون إهانتك".

ويسرد القاص ويوظف حوار الطفل مع أمه؛ ليكشف عن مفارقه فنية مهمة بين موقف المجتمع ممثلاً في سكان قلوبهم قاسية، وبين موقف مؤسسة تعليمية/ المدرسة وما فيها من رحمة "عندما كنت أذهب لزملائي في المدرسة قبل أن تطلبي مني أن أتركها لم يعاملني أحد مثل هذه المعاملة".

ثم يصور القاص هذا المشهد المأساوي، وأسلوب عنف بعض الكبار: ".... كان السلمُ مظلماً، وبحثت عن زر الكهرباء فلم أجده وفجأة وجدت نفسي أتدحرج من فوق السلالم. وصرخت في فزع فانفتحت أبواب بعض الشقق، واقترب مني رجل أمسكني بقوة من ذراعي وأوقفني كانت ساقي تؤلمني بشدة, صرخ الرجل في وجهي: ما الذي جاء بك إلى هنا بالدور الثالث؟ لقد ظن أنني لص أو متسول!! لم أجب عن سؤاله. كانت الدموع تنزل من عيني وأنا أقول: رجلي كسرت لا أستطيع أن أمشي على رجلي".

فمازالت معاناة الطفولة البائسة ترسم بدقة قسوة المجتمع، هذه القسوة وقد تمخض منها الطفولة المشردة الضائعة.

واستطاع القاص من خلال كثرة توظيفه لأفعال الأمر، تصوير المأساة التي يعيشها الطفل/ بطل القصة، وكل طفل على شاكلته "اذهب بهذه الطلبات بسرعة أغلق الباب في وجهي وهي تقول: انتظر" ثم أسلوب التحذير والوعيد "إياك أن تقترب من المصعد". ثم أسلوب الترهيب: "سأكسر رجلك إذا وضعتها داخل الأسانسير – سألقي بك إلى الدور الأرض".

فتنوع الأسلوب وقوته يجذب الطفل المتلقي ويثيره "فالعناصر الأساسية التي تميز أسلوب قصص الأطفال هي: الوضوح، والقوة، والجمال. فوضوح الأسلوب يعني أن يكون في مقدور الأطفال استيعاب الألفاظ والتراكيب وفهم الفكرة ... وقوة الأسلوب عنصر آخر يكمل الوضوح ويتمثل في إيقاظ حواس الطفل وإثارته وجذبه كي يندمج وينفعل بالقصة عن طريق نقل انفعالات الكاتب في ثنايا عمله القصصي وتكوين الصور الحسية والذهنية.

أما جمال الأسلوب فهو صفة ثالثة في أسلوب القصة الجيدة. فوضوح وقوة الأسلوب هما عنصران جماليان"(25).

ثم توالى الأسئلة التي تصور حجم المسؤلية وضخامتها "هل أحضرت كل ما طلبناه بالتليفون؟ ما الذي جاء بك إلى الدور الثالث؟ من أنت؟ وماذا تقول؟ فالأحداث متوالية ومتصلة بفضل سرعة الإيقاع اليومي لبطلنا الطفل، فانعكس أثر ذلك على معمار القصة، فلا مجال للاستطرادات الرتيبة، وهذا في حد ذاته يضفي مزيداً من قيمة جماليات القصة، ودراميتها المؤثرة السريعة.

"الحدث يجب أن يكون متصلاً في حركة نامية ينتشر بسرعة ليكتمل تأثيره. إن الاستطراد أو التعليقات تعمل على تدمير الحركة بشكل مطلق، فالأحداث يجب أن تكون متصلة الحدث يلي الآخر، كل منهم في مكانه الصحيح دون تفسيرات أخرى أو توصيف إلا ما كان ضرورياً لتوضيح الحكاية التي يجب أن تسير بشكل منطقي"(26).

فقوة التماسك والتلاحم في القصة أثرى فنياتها، فمن الطبعي أن مكان صبي البقال يتوزع ما بين محل البقالة وسكن العملاء؛ لتوزيع الطلبات. ومن الطبيعي أن تكون الشخصيات على صلة وثيقة ببطل القصة، وأن يتفاوت تعامل الشخصيات المسطحة مع الشخصية الرئيسة، وبفضل حبكة تقوي الأحداث منذ بدايتها "وحبكة القصة الناجحة هي التي تقوم على تخطيط جيد للأحداث يبدأ من البداية وتتنامي الأحداث، ويتأجج الصراع حتى القمة ويكون هذا النمو عن طريق الصراع"(27).

أضف إلى ذلك "أن تكون الحبكة في قصص الأطفال بسيطة جداً مع مراعاة التدريج مع التقدم في العمر بعيدة عن التفريع والاستطراد"(28) فيتمخض عن ذلك رسم صورة كاملة دقيقة لمعاناة هذه الشريحة البائسة المحرومة من الطفولة السعيدة، والمطحونة في رحى الحياة بقسوتها وجبروتها.

ويزداد العنف وتزداد القسوة "وعدت اجر ساقي لأصعد السلالم للمرة العشرين في ذلك الصباح لأصل إلى الدور السادس. البوابون في العمارات التي أذهب إليها يمنعونني من استخدام المصاعد، يطنون أنني ولد من حديد لا أتعب".

ويزداد الاضطهاد والبطش بالطفل من قبل البوابين وسكان العمارات "عندما رآني البواب صاح: إياك أن تقترب من المصعد سأكسر رجلك إذا وضعتها داخل الأسانسير".

وبمرارة وألم يصور القاص مدى عنف المجتمع / سكان العمارة، الواقع على الطفل في مشهد مأساوي مرير "صفعني صفعة شديدة على وجهي فانفجرت أبكي وأقول: يا عم تعبت من السلالم وجلست".

إضافة إلى عنف وقسوة البقال مع الطفل "... وفجأة وجدته يضربني بقبضته بقبضته في صدري بعنف وهو يقول: ألا تعرف كيف تحافظ على ما تتسلم من نقود. هذا الجنيه مخصوم من أجرك اليوم".

ومع كل هذه الآلام والمعاناة، فإن الطفل يشعر بمسؤوليته، أو قل كفالته لأمه. ويحرص في الوقت ذاته على إرضاء البقال – فهو في صراع تخر منه الجبال – وهنا يتجسد الجانب الإنساني المتأصل في الطفل وكل طفل، شريطة أن يجد الصدر الواسع والقلب الحنون "أنا حريص على إرضاء أمي، وحريص على إرضاء عن صلاح صاحب محل البقالة وحريص على أن أرضي الزبائن ... وأنا أعمل من السابعة صباحاً حتى الثامنة مساء".

ويتجلى شطف العيش ومرارته في هذا السرد المأساوي "وأمي تنتظر يوميتي وما يمنحني الزبائن من هبات؛ لتشتري الخبز والفول المدرس لعشاء أخوتي وإفطارهم".

ثم يقوم الكاتب بسبر أغوار نفس البطل، والتي مع كل هذه المعاناة تواقة إلى العلم والمعرفة، أو قل قيمة حب العلم وسط معاناة البطل اليومية. فعندما رأى شقة فيها مكتبة حدث نفسه "هل أستطيع أن أطلب كتاباً من هذه الشقة التي كانت تشبه المكتبة" فهذا السؤال كغيره من الأسئلة لا جواب له عند الطفل ولا عند الكاتب، مادام الحال على ما هو عليه من معاناة وفقر ومطاردة مستمرة لا نهاية لها. فالقاص تعمد أن لا يقدم إجابة؛ ليثير دهشتنا ومن قبلنا الطفل.

ويأتي قرار الطفل في نهاية القصة، بضرورة العمل وتحمل الألم؛ ليستطيع العيش "إذا لم أعمل لن نأكل لابد أن أستمر في العمل وأن أتحمل آلام ساقي ومشقات صعود السلالم .... والامتناع عن محاولة الحصول على أية راحة بالجلوس فوق سلالم البيوت".

وكأن هذه النهاية السوداوية تصور عمق المأساة، والتي يكتوي بنيرانها الطفل، عندما يعجز عن الالتحاق بالمدرسة، ويتجه نحو سوق العمل، ويلقي أشد المعاناة والقسوة من المجتمع "وقانون الطفل الصادر عام 1996 لا يسمح للطفل بالعمل أكثر من ست ساعات في اليوم على أن تتخلل هذه الساعات مدة لا تقل عن ساعة للراحة، ولا يغفل القانون حق الطفل في خلال هذه الساعة من مأكل ومشرب ثم طبيعة العمل المناسبة لهذا الطفل"(29).

فمثل هذه القصة تطرح سؤالاً. ماذا نفعل بحق الأطفال على الكبار لمثل هذه المشكلة الواقعية؟ وماذا يفعل الطفل إذا ضاق به سبل العيش واشتدت به المحن؟ وماذا يكون تفكير الطفل المتلقي أمام هذه النهاية والتي أتصور أنها مفتوحة، لمستقبل مجهول للبطل؟ إنها نهاية مفتوحة لمغزى فني "ويمكن أن نترك القصة دون أن يقدم حلاً جاهزاً بل تتركه يفكر ويستنتج بنفسه ويعمل عقله ومشاعره في الوصول إلى النهاية المناسبة"(30) على الرغم من ميل الدكتور "محمد حسن عبد الله" إلى "خاتمة محددة فلا نقبل النهايات المفتوحة"(31).

أرى أن الإجابة تتفاوت بقدر تفاوت تفكيرنا ووعينا وتقديرنا للمشكلة، وتقدير المرحلة العمرية للطفل. ولكن القاص استطاع الكشف عن مشكلة واقعية تهم قطاع الطفل وشريحته؛ لأنها قد تؤدي إلى سلامة المجتمع، إذا توافرت قيمة الرحمة، وكما قرر علماء النفس: "أن الأحداث الاجتماعية في الحياة الطفل تؤثر في شخصية فيما بعد"(23).

وثمة تشابه بين القصة وقصص عديدة من الكتاب، كالمنفلوطي في "عبراته" وصورته "لليتيم"، ويوسف إدريس في "نظرة" ....فهل نعيد النظر في تعالمنا مع الطفل – رجل استقبل – بالرحمة بدلاً من القسوة، قبل أن تستشري القيم السلبية. أتصور انها بيئات وقيم وثقافات قبل كل شئ وبعد كل شئ.

قيمة الإيثار قصة " دنانير لبلبة"(33) :
لقد تجسدت عدة قيم في هذه القصة "دنانير لبلبة" ومن أبرزها قيمة "الإيثار" وسوف نجليها بعد قليل. والقصة تتضح من عنوانها، فالعنوان بمثابة الشفرة، فمنه نتعرف على أحداث القصة وعناصرها.

فالدنانير

أو قل المال، قد يُوظف في الخير وللخير، وقد يسلك غير هذا السبيل لكن في هذه القصة وغيرها من قصص – كما لمسنا عند الشاروني – فإنه يُسلط عدسته على الجانب الإنساني، بما يحمل من قيم وجمال.

واستطاع القاص تشكيل بناء القصة تشكيلاً جمالياً مازجاً بين فنية الواقع ورحابة الخيال؛ ليغذي فكر الطفل ويملأ وجدانه بأسلوب فني غير مباشر. وهذا في حد ذاته يمثل براعة التكنيك الفني عند الكاتب، وظهر في توظيفه للحوريات الجميلة، وارى أن القصة تتفق إلى حد كبير مع مرحلة الطفولة المتوسطة (الخيال الحر / المنطلق من سن 6: 9) حيث إن الطفل مولع بالخيال، مع رغبته في الإلمام بكثير من والخبرات، وقدرته على الانتباه لمدة طويلة؛ لمعرفة ما وراء الأشياء والأحداث.

فتوظيف عناصر جذابة كالحوريات في القصة يجعلها موغلة في الخيال، وقريبة من قصة "اطفال الغابة"(34) لمحمد عطية الإبراشي، حيث قامت الحوريات بأدوار كلها رحمة كحراسة الطفال من أخطار الغابة، وإهداء أكياس النقود، وحُلى ثمينة.

فبطلت القصة "دنانير" تعمل مع زميلتين لها "ناعسة وجميلة" في منزل كبير لثرى وتميزت "دنانير" بالإخلاص في العمل والأمانة. لكن "ناعسة" و"جميلة" كان شغلهن الشاغل الاعتناء بمظهرهن، وإسناد كل الأعمال المنزلية إلى دنانير، والتي لم تأب أي عمل "كانت تقوم بأغلب أعمال المنزل. إذ اعتادت أن تؤدي عمل زميلتيها بالإضافة إلى نصيبها من العمل. كانت تشتغل طوال النهار من الفجر حتى منتصف الليل دون أن تجد دقيقة واحدة تهتم فيها بنفسها".

فرسم شخصية البطلة – من خلال أعمالها – يعكس مجريات الأحداث. ثم يضفي القاص على البطلة مزيداً من الصورة المأساوية؛ للتكامل معالم الشخصية؛ ولتأتي النهاية طبيعة "لم يكن لها أخ أو أخت، وقد فقدت أباها وأمها، ولم يكن لها صديق في الدنيا سوى جدتها".

وهذه من جماليات قصة الطفل، وأعني عناصر التشويق، أو قل جماليات التشويق "إن عناصر التشويق في القصة لا ينحصر في عنصر واحد فقط من عناصرها وإنما يكمن ذلك في كل مكوناتها ... ومن هذه العناصر ما يلي:

الحتمية في العمل الفني لأنه يتدرج بالقارئ من مرحلة إلى مرحلة أخرى تدرجاً تلقائياً غير متكلف، والنمو الشعوري في القصة، وتحرك الشخصيات وتحاورها تحاوراً طبيعياً، واستخدام التعبيرات المنظومة، والصور المتكررة، والعبارات القصيرة، والألفاظ السهلة ..."(35).

فالتشويق عنصر فني لقصة الطفل "إن التشويق هو الذي يجعل القصة عملاً فنياً مقروءاً، ولا ينحصر في عنصر من عناصر بناء القصة بل يجب أن يحرص الكاتب على بثه في كل المكونات: العنوان، والشخصيات، والمواقف، وصياغة الحوار، والحوار، والخاتمة" (36).

وكما قرر أحد أدب الأطفال "التشويق مطلب مهم في الشخصية؛ لتستطيع استهواء الأطفال وإحداث التعاطف والإندماج معها سواء كانت تلك الشخصيات من الحيوان أو الإنسان أو الشخصيات الأخرى المحببة في عالم الأطفال" (37).

واعتمد الكاتب وهو يضع الشخصية في إطارها الفني، على الوصف التقليدي "صورة للشخصية" بكل ما تحوي من ملامح ومعالم. إضافة إلى وصف الشخصية من خلال دورها / جوهرها الحيوي في فنية سير الحدث ودفعه، وهو في حالة توافق أو تماس أو تصادم، مع الأحداث الفرعية الأخرى.

ثم يرسم القاص صورة الجدة، والمكان "الكوخ" الذي تقطن فيه "وجدتها سيدة عجوز فقيرة جداً كانت تعيش في كوخ صغير قديم لايبعد كثيراً عن المدينة التي تعمل بها لبلة. لم يكن الكوخ صالحاً للسكنى".

فوصف المكان يلعب دوراً رئيساً في رسم الشخصيات ووصفها، وما تحمل من دلالات تتواءم مع سير الأحداث، وإمكانية تقبلها ومعايشتها. فهذه الحياة بفقرها المدقع جعلت البطلة تتحدث مع نفسها / مونولوج داخلي، يرنو إلى حياة كريمة، مع حرصها على الالتزام بقيمة الإيثار "كم تكون الحياة حلوة إذا استطعت أن أعيش مع جدتي في منزل صغير جميل نظيف تحيط به حديقة أقطف منها الورود والأزهار كل صباح، وأن تكون لدينا قليل من النقود لشراء ما تحتاج إليه من ملابس وأن نجد دائماً طعاماً كافياً.

وظلت لبلبة في عملها بكل جد ونشاط، حتى ينتابها الإرهاق. وفي صورة فنية من القاص يرسم هذا المشهد "وعندما انتهت من تنظيف آخر طبق، كان قد انقضى من الليل شطر كبير، فزحفت فوق درجات السلم، لتصل إلى غرفتها التي تقع فوق السطح".

وتأتي المفاجأة للبطلة عندما استيقظت من نومها، ووجدت داخل جوربها ديناراً ذهبياً، ووجدت بعدها دينارين في كل يوم، فسألت سيدتها فقالت لها "إن هذا طبعاً من فعل الحوريات"، وكأن رسالة القاص للطفل تحمل قيمة نبيلة فحواها أن الجزاء من جنس العمل، فمن يؤثر يحصد الخير.

وينتقل القاص إلى تسليط الضوء على خلق الإيثار كقيمة عظيمة، وقد توفر في شخصية البطلة بشكل كبير، باعتباره قيمة عظيمة، وتجليَّ في مواقف عديدة أهمها: عندما شاهدت طفلة صغيرة حافية القدمين تبكي، وهي تحتمي من ماء المطر، فمدت لبلبة يد المساعدة لها "يا أختي هذه القطعة الذهبية تكفي لعشائك وأيضاً لكل تجدي لك مأوى تبيتين فيه الليلة".

فهذا الجانب الإنساني يقابل بالسخرية والاستهزاء من ذوي القلوب المتحجرة المليئة بالأنانية "ناعسة وجميلة". وكأنها ثنائية ومفارقة لما يدور في دنيا الناس "ودهشت ناعسة وجميلة عندما سمعنا كيف ضحت لبلبة الصغيرة بواحد من دنانيرها الذهبية وقالت لها: يالك من فتاة حمقاء وكيف تعطين واحداً من دنانيرك الذهبية الثمينة الشحاذة الصغيرة. لقد كان بوسعك أن تشتري أغلى وأثمن الأشياء بهذا الدينار الذهبي".

وعلى الرغم من ذلك فإن جانب الخير كان متأصلاً في وجدان البطلة، ويشكل شخصيتها "ولكن لبلبة لم تلق بالاً إلى تأنيبهما بل كان السرور يغمرها لأنها استطاعت أن تساعد تلك الفتاة المسكينة الصغيرة".

ثم أنفقت الدينار الثاني على سيدة فقيرة تحمل طفلاً صغيراً. والدينار الثالث أعطته لامرأة عجوزة، حتى نفدت الدنانير الثلاثة. وحينئذ يأتي الحل وينفرج الضيق؛ لنصل مع الحبكة الفنية المدعمة بخيال يشاكل أساطير ألف ليلة وليلة والسندباد "في مكان السيدة العجوز كانت تقف فتاة حلوة ترتدي ثوباً سندسياً أخضر، وشعرها الذهبي البديع ينساب على كتفيها الرشيقتين، وعلى رأسها تاج يتلألأ وألوان خلابة، ولها زوج من الأجنحة الذهبية اللامعة".

وبعد هذا السرد الجمالي للحسناء ذات الرداء الأزرق، الذي يُنَمَّي الحس الجمالي للأطفال وكذا الأخلاقي، تأتي لمكافأة من قبل الحوريات "لبلبة الصغيرة لقد أتينا من أرض الحوريات لكي نكافئك على الدنانير الذهبية التي أعطيتها لنا ... سنمنحك في مقابلها الحق في إبداء ثلاث رغبات وبذلك تتحقق لك أفضل أمانيك".

فاستحضار أو قل توظيف الحوريات؛ ليضفي على القصة جواً خيالياً لأشخاص لا وجود لهم، مثلما قدَّم الكاتب قصة "الشاطر محفوظ" وقصته "مع الأميرة الجميلة" وكيف وظف أشخاصاً لهم قدرات خارقة "فالخيال يتيح للأطفال أن يتصوروا عوالم غير التي يحيونها ويدركون مالا يمكن إدراكه عن طريق الحواس، ويشكل في الوقت نفسه عاملاً للاستمتاع بالآداب والفنون وأنماط السلوك"(38).

على أية حال فإن ثراء القصة بزغ في محاولة الدمج بين الواقع والخيال "إن نجاح الخيال رهن بتواصله مع الواقع وارتكازه عليه والعمل على إعادة تشكيله على نحو يؤدي إلى تنمية خيال الطفل بصورة صحيحة خلاقة"(39) وهذا مما يساهم في إبراز فنية القصة وأثرها الفعال في تنمية خيال الطفل، انطلاقاً من الواقع أولاً، ثم الانطلاق به نحو عالم الخيال كعملية مزج وإعادة تشكيل له مرة أخرى في محاولة للإثارة والمتعة والتشويق، مع القيمة التي يحرص المؤلف على تقديمها من بين العناصر الفنية للقصة "فالخيال القصصي ينمي لدى الأطفال المعرفة بالكون والكائنات بالطبيعة ومفرداتها"(40) وأكدها الشاروني في مقولاته "نريد للأطفال أن ننشئهم على التواد والوفاء والتعاطف، إنها دوافع تساهم في تماسك المجتمع وتدعيم التواصل الوجداني بين الطفل ووطنه وأسرته والمحيطين به بدل الاتجاه نحو الفردية والبحث عن المصلحة الخاصة"(41).

وبنهاية القصة تتحقق أماني لبلبة/ البطلة بمنزل جميل حوله حديقة غناء، وحصولها على أموال كثيرة أغنتها عن العمل، وصارت هي وجدتها في عيشة رغدة. فالقصة رسالة من القاص؛ لتؤكد أهمية وقيمة بذل الخير والإيثار. وكأن نهاية القصة إشارة قوية إلى أن الجزاء من جنس العمل، وهذا يغرس مبدأ الثواب والعقاب في الطفل "حين يؤدي تتابع السلوك إلى الثواب والمكافأة فإن ذلك يزيد من احتمال قيام الطفل بنفس السلوك في الظروف المشابهة في المستقبل"(42).

قيمة التسامح قصة "إنقاذ عازف المزمار"(43)
فكرة القصة تشير إلى أن انتشار قيمة التسامح تؤدي إلى الحب والسلام بين الناس، ونشر مظلة الأمن والأمان. وحينئذ يأخذ كل ذي حق حقه مع تأدية دوره المنوط به، شريطة عدم الاستهانة به، فمهما كان المظهر أو ما يصدر من صوت كصوت "البومة المصرية / البطلة. فما نستهين به ونواجهه بالعنف يغيب عنا – عن عمد أو عن غير عمد – دوره الحيوي في اكتمال منظومة الحياة.

وحيث إن عنوان القصة، بمثابة العلامة والكاشف عن فكرتها وأحداثها فإن عنوان القصة التي بين يدينا يثير مشكلة تطلبت الإنقاذ لفنان يعزف فماذا حدث؟ في بداية القصة يطالعنا القاص بتقنية فنية عالية، عندما أثار الدهشة بتوظيفه لعالم الطير ممثلاً في البومتين المصرية والغربية، واللقاء بينهما على أرض مصر، فبدأ قصته بوصف مكان البومتين "فوق غصن مرتفع من شجرة سنط كبيرة أحست البومة بالدهشة، عندما وجدت بجوارها بومة غريبة أقل منها حجماً وشكلها يختلف عن شكل بقية البوم المصري الذي تعيش معه".

فالقاص في بداية السرد حدد المكان في أرض مصر، وفوق شجرة السنط بدلالتها الضاربة في أعماق التاريخ. ثم كشف عن شخصيتي القصة ممثلة في البومة المصرية، ثم البومة الغربية، وقد حدد وصف الأخيرة بقلة حجمها، فهذا الوصف الدقيق يحمل مغزى الرشاقة والأناقة وخفة الجسم. وهذه مفارقة تجمع بين نوع واحد لكن شتان ما بينهما في الحجم – كما رأينا – وفي المعاملة. والحوار الآتي يصور ذلك "سألت البومة المصرية البومة الغربية: من أنت؟ ومن أين جئت؟ أجابت البومة الضئيلة الحجم: أنا من وطني أوروبي. وقد جئت مع صاحبي عندما جاء لزيارة مصر".

فالنص يحمل قيمتين. أحدهما: مضمونية، وأعني قيمة التعارف ودوره في التقارب والتآلف والتعاون بين الأفراد والجماعات والأمم. هذه القيمة التي يجب أن يعيها الطفل منذ طفولته؛ لتتسع دائرته الحياتية، وخاصة إذا علمنا أن قصص المكتبة الخضراء تستهدف – غالباً – فئة عمرية تتسم بالوعي والتبصر، وأعني الطفولة المتأخرة، وعلماء النفس – كما ذكرت آنفاً – حثوا على إثراء خيال الطفل بواسطة تقمص الشخصيات، وتشخيص المخلوقات من حيوان وطير ونبات، وتجسيم المعنى. ونحن بدورنا نريد من الطفل الاتصال بمثل هذه الأنواع؛ لتنمية ذوقه وتنشيط عقله "وأن يتمثل خياله ما فيها من جمال حتى يتذوقه أو يؤثر فيه، بناء على ما بين أطراف الصورة من علاقات" (44).

والدلالة الأخرى للنص القصصي السابق، وهي قيمة فنية، حيث تبدو خلال أسلوب الاستفهام، ودوره في تبصير الطفل بكيفية توجيه الأسئلة ذات الأولوية عندما يجهل شيئاً أمامه.

ثم ينمو الحوار وهو "من أهم الوسائل التي يعتمد عليها القاص في رسم الشخصيات ... والحوار الرشيق المُعبر سبب من أسباب حيوية السرد وتدفقه ... ويجب أن يتوافق الحوار مع عناصر القصة الأخرى ويتناسب مع المواقف والحوادث ويعبر عن طبيعة الشخصية" (45)؛ لينمو من خلاله المغزى، وهو رفق الأوربيين بالطير والحيوان، وفي المقابل قسوة بعض العرب – على الرغم من أن الإسلام حث على الرفق بالحيوان – وإن كانت هذه التيمة جعلت القاص يجري حواره ويُجسد أحداثه "هل الناس في أوروبا يهتفون بمصاحبة البوم عندما يسافرون؟!.

أجابت البومة الغربية: بل أكثر من هذا صنع لي صاحبي تمثالاً جميلاً من الرخام الأبيض وضعه فوق المدفأة في الغرفة التي يستقبل فيها ضيوفه. ازدادت دهشة البومة المصرية وتعجبت وقالت: هل أفهم أنهم لا يقذفونك بالطوب؟! هنا ظهر الغضب على وجه البومة الغربية وقالت: ما هذا الكلام الذي أسمعه منك؟! إنهم عندما يريدون إظهار حكمة شخص يقولون عنه إنه حكيم مثل البومة".

فالكاتب يصف سلوك بيئتين: بيئة غربية يسود فيها المحافظة على سلامة طيورها وحيواناتها – ويعرف عندهم جمعية الرفق بالحيوان!! – وبيئة عربية يغلب عليها العنف والقسوة – مع أن هذا يخالف تعاليم الإسلام – في تعاملها مع الطير والحيوان. واستطاع الكاتب تقديم هذه الرسالة بتقنية فنية، ولكن المغزى الأكبر من ذلك أنه إشارة إلى قيمة الفرد وسلامته، وحقه في العيش الكريم. فثمة ضياع لهذه القيم في مجتمعنا، مع أننا اولى منهم في ذلك.

وعندما يتبصر الإنسان العربي ذلك فماذا يُصاب؟ إنه يصاب بالهم والغم والعجز "ظهر الحزن على وجه البومة المصرية، وصمتت دون كلام".

ثم يصور الكاتب المأساة وضياع القيم وأذى القوى للضعيف دون وجه حق "وأحست البومة الأجنبية بأحزان صديقتها المصرية. فاقتربت منها وسألتها: ماذا حدث؟ لماذا هذا الحزن؟ قالت البومة المصرية: ألم تلاحظي ما أصاب جناحي".

وبتقنية ملحوظة ينقل القاص الحدث من الحوار الصوتي إلى الحوار البصري؛ ليكون ألصق بذهن ووجدان الطفل "وتأملت البومة الاجنبية جناح صديقتها ولاحظت ما فيه من إصابة مؤلمة، فسألتها في إشفاق: من فعل بك هذا؟"

فمثل هذه الصورة البصرية ببنيتها الدرامية، تؤكد عمق المأساة، وانتزاع الرحمة من قلوب الأقوياء، وتتصاعد الأحداث وتصل ذروتها بسؤال طبعي، من شأنه لفت الانتباه، وإثارة المشاعر: "من فعل بك هذا؟ أشارت البومة المصرية إلى صبي من الرعاة يجلس عند جذع شجرة السنط، يعزف على ناي من الغاب، فيملأ الجو بنغماته الحلوة، وقالت: سمع هذا الصبي صوتي فرماني بقطعة حجر وأصاب جناحي.

ازدادت دهشة البومة الأوربية وقالت:

كيف يلحق هذا الفنان الرقيق الأذى بك؟! إنك لا تذهبين إلى مكان إلا وتقومين بتنظيفه من الفئران والثعابين".

فمثار العجب أن المصائب قد تأتي ممن يعشقون الجمال، ولا يدركون قيمة الآخر، رغم ما يقوم به من خدمات جليلة. أليست هذه أنانية؟ أليست هذه مصيبة عصرنا؟ أتصور أن هذه الرسالة أراد الكاتب تقديمها في منأى عن أسلوب الوعظ والتقرير. وهذه مزية فنية قدمها الكاتب؛ ليعرف الطفل وظيفة البومة، وفي الوقت ذاته يلفت الطفل نحو مواطن الجمال في المخلوقات، وتحبيبه في كل ما هو جميل، ويستمتع بحياته بشكل هادئ متزن، يدفعه نحو التفاعل الإيجابي مع مجتمعه "وجعل الطفل – الذي هو رجل وامرأة المستقبل قادراً على الاستمتاع بحياته، قادراً على تجميل الحياة من حوله له ولغيره، قادراً على الابتكار والإبداع والتخيل، وكلها سلسلة من الحلقات متصلة غير منفصلة ومتعلقة بحياة الإنسان العملية أياً ما تكون مهنته أو شكل حياته العملية، وبذلك يصبح عضواً منتجاً إيجابياً خلاقاً في زمن القرن الذي يعتمد أكثر ما يعتمد على المعلومات والمعارف المتنوعة"(46).

ثم يسرد الكاتب مشهداً تصويرياً، يُجسِّد من خلاله قيمة التسامح، ومقابلة السيئة بالحسنة؛ ليتعلم الطفل كل هذه القيم السامية ويتحلى بها في مستقبله "فجأة لفت نظر البومة شئ ما وفي الحال طارت مغادرة مكانها، لتنقض بسرعة على الأرض بجوار الصبي عازف المزمار وفزع الصبي لكنه سرعان ما شاهد البومة تمسك بين مخالبها ثعباناً طويلاً كان يتسلل مقترباً منه وهو لا يدري".

فهذا المشهد المنبثق من الأخلاق الكريمة، يجسد قيمة التسامح، والتي لا تتغير مهما لاقت من محن وآلام. فمزية قصص الحيوان أن لها "هدف أخلاقي وتعليمي فيجدون انتصار الخير على الشر" (47).

وتنتهي القصة بنهاية سعدية، عندما سرد الكاتب رد فعل "العازف"، إذ تحولت الكراهية إلى حب وسلام، بفضل قيمة التسامح "وفوق غصن الشجرة وقعت البومة على فريستها الثعبان، وراحت تمزقه قطعاً، بينما وقف العازف يتطلع في امتنان إلى البومة المنقذة. وعندما عاود الصبي الفنان العزف كانت أنغامه هذه المرة تعبيراً عن الشكر العميق للطائر الشجاع".

وكأن الأشياء عادت إلى طبيعتها، وكل إنسان ينبغي له أن يقوم بدوره، ويكفي أن هذه القيم – التسامح والحب والسلام – استطاع القاص أن يقدمها من خلال سرد فني جذاب مع الاستعانة بأساليب الاستفهام والتكرار، ثم تنامي الأحداث حتى وصلنا إلى نهايتها التفاؤلية "فالنهاية هي الشكل الفني الذي تختم به القصة والطفل يجب أن يستمع إلى نهاية سارة سعيدة مبهجة مرحة"(48).

ومن جودة القصة أنها تشكلت من خلال عالم الطير، وفي هذا متعة وإثارة للأطفال في مرحلتيها المبكرة والمتوسطة، إضافة إلى تنميتها للوعي الجمالي للطفل، من خلال التشخيص والذي هو "إضفاء الصفات الإنسانية على الآخر سواء كان نباتاً أم حيواناً أم طير أم جماداً يُدعم الوعي الجمالي لدى الطفل؛ لأنه من خلال هذا التشخيص يتحاور الطفل مع أشياء العالم ..."(49).

فالطفل يستمتع بالحكاية على لسان الحيوان "حيث يتم التصرف كالأشخاص الأمر الذي يلائم عقلية الطفل التي تميل إلى الخرافة، علاوة على أن النسج القصصي قصير والحوار هادف، والمشاهد الوصفية تكون دقيقة وسريعة"(50).

وهذا ما لمسناه في قلة عدد الشخصيات في القصة، وتحديد المكان والذي لم يبرح شجرة السنط. ولاحظ أن القاص بدأ القصة بقوله: "فوق غصن مرتفع من شجرة السنط" ونهايتها في المكان ذاته "وفوق غصن الشجرة".

فثمة إشارة فنية إلى عدم الإنكسار مهما كانت الآلام، والاستمرارية في أداء الأدوار مهما كانت العقبات. وكل هذه المفاهيم والقيم تجلَّت في بساطة العرض وجمال الأسلوب، ورحابة الخيال الابتكاري، بلغة سهلة سلسلة مشوقة، تنمي ثقافة الطفل، وتثري من مساحة الخيال عنده، مع التحلي بالقيم النبيلة والمعاني السامية.

إضافة إلى ما سبق فإن المضمون ثرِّ، ولذلك يمكن القول إن بساطة الحكي وثراء المحكى، ينعكس أثرهما على شخصية الطفل العربي.

ويبقى السؤال المهم: هل توظيف شخصية البومة، مما يألفه الطفل في بيئته وواقعه؟ أم أن التوظيف من باب إثراء معلومات الطفل؟

إنني أتفق مع المعيار الذي يرى "أن تكون الشخصية مألوفة لعالم الطفولة في واقعة"(51).

مع قناعتي التامة أن الطفل مولع بقصص الحيوان، لما فيها من متعة وقيمة.

هوامش التطبيق
- القرآن الكريم

1. يعقوب الشاروني: صندوق نعمة ربنا. سلسلة مكتبتي 41 ط. دار المعارف 2002.

2.قصص للاطفال ٬ موقع روت لي جدتي ٬ على الرابط : https://hikayti.com/ ٬ تصفح بتاريخ : 12-07-2018
3. زياد فايد: الطفل المصري بين الواقع والمأمول ط1. الهيئة المصرية العامة للكتاب 2001، ص66.

4. هادي نعمان الهيتي: أدب الأطفال فلسفته فنون وسائطه ط1. الهيئة المصرية العامة للكتاب 1986، ص155.

5. د. محمد صادق زلزلة: حدة الطبع وعنف المزاج عند الطفل. مقال من كتاب: الطفل العربي والمستقبل. سلسلة فصلية تصدرها مجلة العربي الكويت كتاب 523 أبريل 1989، ص27

6. هادي نعمان الهيتي: أدب الأطفال. فلسفته فنونه وسائطه، ص98.

7. د. نبيلة إبراهيم: البطل والبطولة في قصص الأطفال. الحلقة الدراسة الإقليمية كتب الأطفال في الدول العربية النامية ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب 1983، ص20. وانظر: د. هدى قناوي: الطفل وأدب الأطفال ط. مكتبة الأنجلو المصرية 2009، ص33

8. د. محمود فتحي عكاشة: علم النفس د.ط 2008، ص156.

9. يعقوب الشاروني: ليلة مظلة في نهاية شهر العسل. سلسلة مكتبتي 44ط. دار المعارف 2002.

10. فريد محمد معوض: أفراح وأحزان طفل هذا الزمان ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب 2007، ص125

11. د. أحمد يوسف: حرب السلام. ورقة بحثية ضمن فعاليات مؤتمر السلام العالمي وتنمية المجتمع بين الواقع والمأمول. كلية التربية بالعريش في الفترة من 22/4/2008

12. لينا كيلاني: دراسات في أدب الأطفال. مقال بعنوان: أدب الأطفال اليوم والغد كتاب اتحاد كتاب مصر ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص157.

13. د. عواطف إبراهيم: قصص الأطفال دور الحضانة ط. الأنجلو المصرية 1984، ص187.

14. يعقوب الشاروني: الجائزة وأنياب النمر. سلسة يحكى أن 47 ط. دار المعارف 2003.

15. محمد أديب الجاجي: أدب الأطفال في المنظور الإسلامي. دراسة وتقويم ط1. دار عمار الأردن 1999، ص45

16. د. سعد أبو الرضا: النص الأدبي للأطفال. أهدافه ومصادره وسماته ط1. دار النشر عمان 1993، ص136

17. انظر: د. سعد ظلام: الحكاية على لسان لحيوان عند شوقي. القاهرة دار التراث العربي 1982، ص40.

18. د. علي الحديدي: في أدب الأطفال ط2 مكتبة الأنجلو المصرية 1976، ص162

19. لينا كيلاني: دراسات في أدب الأطفال، ص157

20. سارة كون بريان: كيف نحكي لأطفالنا. ترجمة د. طارق الحصري ط1. دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر 2008، ص45

21. يعقوب الشاروني: دراسات في أدب الأطفال. مقال بعنوان: عن المضمون في أدب الأطفال العربي، ص68

22. لينا كيلاني: دراسات في أدب الأطفال، ص160

23. يعقوب الشاروني: قليل من الراحة فوق السلالم. مكتبتي 2، ط. دار المعارف 2004

24. سرجيوسبيني: التربية اللغوية للطفل. ترجمة فوزي عيسى مراجعة: د. كاميليا عبد الفتاح ط. دار الفكر العربي 1991، ص113.

25. هادي نعمان الهيتي: أدب الأطفال فلسفته فنونه وسائطه، ص144

26. سارة كون بريان: كيف نحكي لأطفال، ص157

27. محمد حسن بريغش: أدب الأطفال أهدافه وسماته ط2. بيروت مؤسسة الرسالة 1996، ص218.

28. د. محمد حسن عبد الله: قصص الأطفال أصولها الفنية روادها ط. العربي د.ت، ص37.

29. فريد محمد معوض: أفراح وأحزان طفل هذا الزمان، ص24

30. د. حسن شحاته: أدب الطفل العربي دراسات وبحوث ط2. الدار المصرية اللبنانية 1994، ص29

31. د. محمد حسن عبد الله: قصص الأطفال أصولها الفنية روادها، ص41.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,562,892,024





- المغرب ينضم إلى الشبكة الدولية لهيئات مكافحة الفساد
- الفنانة اللبنانية نادين الراسي تنفجر غضبا في شوارع بيروت
- العربية: احتراق مبنى دار الأوبرا في وسط بيروت جراء الاشتباكا ...
- الشوباني يعلق أشغال دورة مجلس جهة درعة بسبب تجدد الخلافات
- الموت يفجع الفنان المصري أحمد مكي
- بالفيديو... لحظة سقوط الليدي غاغا عن المسرح
- أنباء وفاة كاظم الساهر تصدم الجمهور... وفريق العمل ينشر توضي ...
- قائد الطائرة يتلقى “عقوبة رادعة” بسبب الممثل محمد رمضان !
- لبنان...فنانون وإعلاميون يتركون المنصات وينزلون للشارع
- رقصة مثيرة تسقط -ليدي غاغا- من على المسرح


المزيد.....

- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد فوزي مصطفي - أنساق القيم في قصص الأطفال