أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - عبدالرحمن حسن الصباغ - الأكتشاف الخطير















المزيد.....


الأكتشاف الخطير


عبدالرحمن حسن الصباغ

الحوار المتمدن-العدد: 6276 - 2019 / 6 / 30 - 12:00
المحور: كتابات ساخرة
    


الإكتشاف الخطير
{ للبالغين،الراشدين فقط،ذوي الجهالة لا}
حدثنا أبي الورد السيبندي عن أسطه دلف المكوجي عن الشيخ عبدالرحمن الحالم قال قال، جئت صديقي الشاعر هلِعاً وأخبرته بأني رأيت حلماً مفزعاً لم أفهم كنهه فهدأ من روعي وأخبرني بأنه يعرف رجلاً عالماً بتفسير وفك رموز الأحلام يدعى أبو وحيدة فهلم بنا لداره إن رغبت فهم أحلامك وسبر لغز منامك، فصعدنا باص أبو قاطين سباطعش على أربعة وثلاثين وعدل لأبو الجوادين ثم إتجهنا لعقد أي دربونة وبالعربي الصحيح درب يقع في محلة الأنباريين. طرق صاحبي باب الدار فأنبلج بعد إنتظارعن قمر لايحجبه خمار، أربعة عشر ربيعاً إذا طار، حورية من الجنة وإن كذبت ألله يذبني بالنار، ناهدة تمام وملفوفة قوام. قالت بغنج وعينها تنظر في الأرض خفراً من تريدون عفواً؟ فأجابها رفيقي الوالد موجود من فضلك؟ وأستدركت أنا مستفسراً ألستِ إبنته وحيدة ؟ فردت لا أنا إسمي فريدة فقلت...فريدة...فردت لها قلبي منزلاً فأجابت الحْديثَة،أي الفتاة،أنظرلي جيدا يا أفندي وقل لي هل يتسع قلبك لفردي؟ ضحكت الصبية فإهتزت بيدي العوجية،بالجيم المعجمة،أي العصا، فأنتهرني رفيقي وقال إصحى ياصديقي وأترك حديث الوصل والغزل هذا أبوها الشيخ قد وصل.أطل علينا الشيخ مستبشراً من خلف الستارة وصوت المؤذن يلعلع من أعلى المنارة قد قامت الصلاة ،قد قامت الصلاة....، قال، ألف أهلاً ومرحباً... أهلاً بشاعرنا الشاب وأهلاً بصحبه الأرباب تفضلوا لغرفة الأستقبال ريثما أقضي الفرض ثم نادى على فريدة لتقودنا للغرفة وذهب هو للفرضه، تقدمتنا فريدة في ذلك الدهليز العتم ونحن بالكاد نتبين قوامها الفخم، تفوح منها رائحة صابون الرقي وكأنها قد خرجت للتو من حمام دمشقي ثم إلتفتت وقالت ضاحكة إنتبهوا للعتبة قبل الدجة, بالجيم المعجمة، وتعني الدكة، فقلت...عبرنا العتبة وبقت الدجة، فقالت بضحكة خافتة... ويييي.. نزول عليك إنشاالله ، ثم أضاءت الغرفة فإذا بها حجرة صغيرة تنخفض بدرجتين عن الدهليز يتوسطها بساط تحيطه من ثلاثة جهات مراتب ومفارش ووسائد بألوان زاهية وفي الحيطان رفوف مُلئت بالكتب الصفراء والسوداء وفي ركن الغرفة مروحة كهربائية صغيرة تدور وبالقرب منها وضع دورقاُ زجاجياً في صحن بلور أزرق فيه ماءً مبرداً تعلوه قطعاً من الثلج.عاد الشيخ يرحب بنا وعادت إبنته خلفه بإزارٍ أزرق هذه المرة زادها بهاءً على بهاء تحمل صينية الشاي فإنحنت ببطئ مقصود ووضعت الصينية برقة في وسط البساط وإذا بخصلة من شعرها الأسود الملتف كالأفعى تنفر من تحت إزارها فتتدلى قرب رأسي لتنفث في أنفي العزيز من جديد نفس الرائحة التي شممتها في الدهليز، وأحسست ولو عن بعد، جمر خدها يلفح خدي، فإرتعشت وحمت شفتاي غصباً عني، فصاح الأب مؤنباً... هيا يافريدة إسرعي وأغلقي الباب خلفك... والحقيقة إني في تلك اللحظة، نسيت لماذا جئت لدار هذا الرجل وتهيئ لي لوهلة ما إني جئت إليه أطلب يد إبنته فريدة. خرجت البنية وتقصدت جعل فتحة الباب مواربة تاركة خلفها سحر حضورها وعبق صباها فإلتفت الشيخ وهو يصب الشاي الى رفيقي وقال: لابد إنه أمر جلل فلست متعوداً أن تأتيني بمثل هذه الساعة وبصحبة أحد...! فقص عليه حكاية منامي ولخص عني له كلامي. فتوجه الشيخ لي وقال حدثني ياولدي برؤياك... فقلت باسماً سأروي لك حلمي يا أبتي ولكن، وقبل أن أبدأ.. لي منك طلب صغير...فقال قل يابني ستجدني طوع إشارتك...فقلت بصوت خافت غير مسموع، ياليت ياعمي... ثم تداركت... أنا والله مذ جئتكم عطشان فإروِّني أولا من دورقك المبرد الملفوف بالأزرق ألبسك ألله سندسا وإستبرق فسقاني كأسا كان مذاقها كافورا فقلت مسمعاً لمن خلف الباب...ما كل كاس مثلج شربته أطفئ ناري فالكؤوس أنواع وكاس الشيخ فريدة أسمع ياجاري؟ وغمزت صاحبي، الذي خشي إسترسالي فقال متظاهراً بالرزانة : أروي للشيخ حلمك ولا تضيع وقته ووقتك. قلت رأيت فيما يرى النائم إني كنت سارحأً أرعى بكبش لي فمررت بجمعٍ غفير فيهم الكبير والصغير، الثري والفقير،الخطير والفطير والجمع لو أنت دققت جماعات، كل جماعة ترتدي قميصاً بلون معين فهناك الزرق والحمر والخضر والصفر والسود والبيض ولون القهوة.. وغيره فتعجبت فسألت من حولي من هم هؤلاء؟ فأجابني أحدهم ضاحكاً كيف لاتعرفهم ياشيخنا الجليل وقد عشت بينهم وخبرتهم طيلة حياتك أمد ألله بعمرك؟ قلت كيف ذلك ياخبير وأنا الشاب الغر الصغير؟ فقال سلامة عقلك شيخنا ثم مد يده في حقيبة من أظن زوجته وأخرج منها مرآة صغيرة تناولتها منه بسرعة ووجهتها لوجهي...ويا للفاجعة فلقد رأيتني شيخاً عجوزاً يناهز عمره المائة عام فأستغربت هذا وكيف حدث لي ثم قلت له والآن إخبرني يا إبن حفيدي لماذا أنتم مجتمعون هنا؟ فقال إنهم هنا للتداول والتفاوض، للمسائلة وللمحاسبة وبالنهاية للمساببة، وكل فئة لها نقيب ينوب عنها ويتحدث بإسمها.وفيما نحن ما زالنا نتحدث حتى صعد المنبر رجلاً يرتدي القمص الأزرق فأخذ يتحدث في أمور السياسة والإقتصاد وجماعته يصفقون له كلما توقف عن الكلام وحملق بهم، والآخرون يسخفون آراءه ويسبونه، ثم صعد صاحب القميص الأحمر وتحدث عن المجتمع والفقراء وأصحاب رؤوس الأموال والسلم العالمي وجماعته تصفق له والآخرون يسخرون منه ويشتمونه ثم صعد صاحب القميص الأخضر ثم الأسود ووو وقمصان أخرى.. وكل واحد يتحدث ينتصر لجماعته ويتوعد الآخرين بالويل والثبور، ويذهب أحياناٌ لحد التهديد بمقاطعتهم والإنفصال عنهم ، في حين يتحالف كل الآخرون ضده يكيلون له اللعنات وينسبون له ولجماعته كل الموبقات ويعدونه بالإقتصاص منه ومن والاه. وأنا حائر بين هذا وذاك أعجب بخطبهم الرنانة وأصفق لها ولكن ما أن أسمع من يعارضهم أنزعج منهم وأبغضهم فهم كما قال فيهم الشاعرأبو العلاء المعري ،في اللاذقية ضجة ما بين أحمد والــــمسيح هذا بناقوس يدق وذا بمئذنة يــــــــــــصيح كلٌ يعظِّم دنيه يا ليت شعري ما الصحيح؟ أو بحالتي وأنا معهم كما يقال في المثل الشعبي المصري، أسمع كلامك يعجبني أشوف فعالك أستغرب.الحاصل...مَنّ علينا ألله بفترة الأستراحة فإذا بالجموع تتحلق متداخلة الألوان حول بائعي المرطبات والسندويشات والحلويات وكذلك حول بعض الفرق الراقصة الخليعة التي جائت للترفيه عن المجتمعين والكل يصفق بتناغم وبحماس شديد...الأحمر والأصفر والأزرق والأخضر وغيره...الكل شبع ورقص وطرب وصفق في الساحة ونسوا تنافسهم وأحقادهم ولو لفترة الأستراحة،الأكل والشرب والموسيقى والرقص يجمعهم والسياسة وحدها تفرقهم. وفوجئت بأن إلتف حولي جمع غفير منهم يتوسلونني الصعود للمنبر وإلقاء كلمة في الحضور، فقلت ولكن مالي ولكم؟ فقالوا أنت إنسان حكيم والحكمة إذا وهبها ألله لبشر يعني ذلك أنه إصطفاه من بين الخلق أجمعين، فإنتشيت وطربت أيمّا طرب ٍ لسماع هذه الكليمات وبغفلةٍ مني حملوني فجأة على أكتافهم وهم يصرخون ..وسعوا الطريق للشيخ الولي وسعوا، جاء الحق وزهق الباطل...ثم وضعوني رغماً عني فوق المنبر.فوقفت ونظرت للجمع الكبير من حولي فتسائلت ماعساني قوله وأنا لم أحضّر شيئاً ؟ فتوكلت وسلمت أمري لله وبدأت خطبتي...أيها المواطنون الكرام أحييكم بتحية السلام بتحية الأنسان للإ نسان والحيوان للحيوان والنبات للنبات والجماد للجماد وكلهم عباد لله كما تعرفون.فدهش القوم ونظر أحدهم للآخر! وواصلت خطبتي، أما بعد فإني مكثت بينكم دهراُ وعرفت عنكم ما كان سراً وجهراً فإسمعوني يرحمكم ألله.فتنحنح متنحنح وقحقح متقحقح فإقتربوا من المنبر وإلتصق أحدهم بالآخر أكثر فأكثر وإلتفت الساق بالساق وإشرأبت الأعناق وصاح منادٍ سكوت سكوت، صاموط لاموط تره اليحجي يموت أي الذي يحكي يلقي جزاء الموت، قلت إخواني ...كما تعرفون في زمن الملكية كان الناس...ولم أكمل حتى نهض أصحاب القمصان الزرقاء وقد إستفزتهم الجملة فحدجوني بتسائل,فواصلت كان الشعب مرتاحاً وأجمل مايكون بنات وأولاد، أغنياء وفقراء شاكرين حامدين فالأمن موفور والعيشة رضية.فتبسم بنو الأزرق وعاودوا الجلوس فرحين. فواصلت، أما في زمن الجمهورية فلقد أصبح الناس...وهنا قام أصحاب القمصان البيضاء يتطلعون بي بحدة...رافقهم في حركتهم تلك شلة من أصحاب القمصان الحمر.فواصلت ...أصبح الناس يتطلعون الى مستقبل يرتقي بالعراق ويجعله في مصاف الدول المتقدمة فالحركة الثقافية واعدة والنشاط العمراني والإقتصادي مبشراً في ظل الشعور المتنامي بالعزة الوطنية.ففرح بنو الأبيض وبنو الأحمر وعاودوا الجلوس. قلت أما في عهد القومية فلقد جاء وقتاً على الناس...وهنا وقف أصحاب القمصان البنية ترافقهم شلة من ذوي القمصان الخضراء وهم يرمقونني بعيون تقدح شراراً... فواصلت...فلقد جاء وقتاً على الناس لم يكن لهم فيه هماً سوى إعادة اللحمة لوطننا العربي الكبير بتحقيق حلم الوحدة العربية ودمج شعوبنا مهما بلغ ثمن التضحيات أو كبرت التحديات.فجلس بنو القهوائي وبنو الأخضر يتبادلون الحديث والإبتسامات.أما في زمن الإشتراكية فلقد كان زمناً لاتستطيع فيه الناس...وهنا إنتصب كل أصحاب القمصان الخضر وجوههم متوترة وقبضاتهم مشدودة...فواصلت...لقد كان زمناً لاتستطيع فيه الناس أن تهدأ وتستقر للكثرة الكثيرة في كل شيئ... في الأيرادات والصادرات، في العروض والحفلات الثقافية والفنية، وفي البطولات الحربية والتضحيات الكبيرة في مقارعة الدول الأستعمارية.هدأ بال بنو الأخضر وفرحوا فجلسوا. قلت أما في زمن الإسلامية فلقد عاد...وهنا وقف أصحاب القمصان السود وأيديهم تبحث في جيوب سترهم وجببهم,..فواصلت... فلقد عادت الطمأنينة لقلوب أبناء الأمة بعودتهم للسراط المستقيم إذ صار الشعب كله لأئمته وشيوخه وقديسيه يتذلل فأصبح وأمسى بحمد ألله ونعمته يرفل فهل من صورة أحلى وأجمل؟ جلس بنو الأسود مصافحين مقبلين بعضهم البعض بحبور وسرور. وإستمريت فتحدثت عن بقية الألوان حتى أتيت لنهاية خطبتي العصماء فقلت،وهكذا ايها المواطنون الكرام ترون أنكم كلكم وطنيون ومخلصون ومؤمنون بقضاياكم ومصالحكم أعظم الأيمان تتفانون من أجل تحقيقها...أيها الناس ربكم واحد ووطنكم هذا واحد وهبه لكم البارئ منذ أول الخليقة لتعيشون فيه أخوة متحابين إرثاً لكم وللأجيال من بعدكم ليوم الدين ترتوون من مائه وتأكلون من ثماره جنة ألله الأولى على أرضه،جنات عدن تجري من تحتها الآنهار، أفإن إختلفت وجهات نظركم فأصبحتم أشياعأٌ وطوائفأٌ أجازت لكم فرقتكم دمار بعضكم البعض وإتلاف جنتكم ؟؟ هل يصلح حال التاجر بإفقار أوهلاك شركائه وبإتلاف رأس ماله ؟ وهل يحمي الدار ساكنيه لو هم هدموا أساسه بمعاولهم ؟ هل يأكل المرء الثدي الذي يرضعه ؟ هل ينهش الأنسان العاقل، أو الحيوان الجاهل لحم أهله أويشرب دمهم ؟ ثوبوا لرشدكم وأتقوا ألله في أمكم، فوطنكم هو أمكم داركم وخيمتكم التي تجمعكم ورأس مالكم أجمعين وشعبكم هو جسدكم دمكم ولحمكم ,بإسم ألله الرحمن الرحيم ,وقل تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الأثم والعدوان. كونوا على أي شكل أو رأي تريدونه ولكن إعملوا جميعاٌ من أجل رفعة بلدكم هذا فما من أمة إرتقت إلا بعمار وإزدهار بلدها.ولهذا فإني أقترح عليكم أن يكون علم الدولة بيرقأ فسيفسائياً يجمع كل ألوان قمصانكم هذه. سدد ألله خطاكم ورعاكم لما فيه خير هذه الأمة وهذا الوطن والسلام عليكم ورحمة ألله وبركاته. وهنا دوت القاعة بالتصفيق الحار وأنتصب نواب الجماعات وقوفأً ومن ورائهم حشود الجماهير يهنئوني ويباركون لي.فحمدت ألله وهممت النزول من المنبر فإذا بصوت أجش،، يأتي من آخر الجموع يصيح بالحضور يا أيها الناس لاتصدقوا هذا الدجّال وأسألوه من المسؤول إذن عما اصابنا من ويلات؟ فهو إنما يريد تخديركم وتنويمكم حتى يتسنى له الأمر فتنتخبوه رئيسأً عليكم، فالذي يستطيع جمعكم ويسحركم ليتزعمكم هو من كان وراء فرقتكم ونكباتكم الواحدة تلو الأخرى والدليل أنه عايشها جميعاً ولم تصبه أية مصيبة منها وأنتم كل واحداً منكم له مصيبة بل مصائب.فقلت في نفسي ،نعم قبيح هو صوت شيطان الفتنة يضرب على وتر الأنانية والأثرة الغريزية فيستفز المشاعر، يغيّب العقل ويلهب الأحقاد.ذهلت لسماعي ما سمعت وأردت أن أتحقق هوية ذلك الشيطان ولكنه كان قد إختفى فجأة كما ظهر فجأةً، ولم يشغل الناس إختفائه ولكني وجدتهم كلهم يتطلعون لي بنظرة الريبة والشك مشوبة بالسخط والكراهية بعد أن كانت ولدقائق فقط نظرة حب الأبن لأبوه والمريد لإمامه فيا سبحان مقلب القلوب ويا لهشاشة العقول. فقام أحد النواب نيابة عن الآخرين وقال- ما قاله الرجل الغريب صحيح أجبنا... من المسؤول عما مر بنا من ويلات ومآسي؟ فقلت أأنتم بصدد محاكمتي ومسائلتي عن جرائم وقعت في الماضي معروف للناس من الذي خطط لها ولحساب من؟ قالوا هات دليلك...فقلت في نفسي والله يا حالم أوقعت نفسك بنفسك في التهلكة فإن أنت أخبرتهم بتفاصيل ما جرى من عهد الملكية للإسلامية مروراً بكل الفترات لعادت الفتنة بينهم وعادوا لحروبهم ليأكل بعضهم بعضا وإن لم أخبرهم قالوا سكوتك يعني مسؤوليتك عن كل ما حدث مع علمهم ببرائتي....وفي لحظة مرت بذهني خاطرة صعقتني ... إنهم يريدون أن يحمل غيرهم جرائماً ارتكبتها أيديهم أو نفذوها بغباء خدمةً لأعداء وطنهم.لقد إكتشفت أنهم على دراية تامة بما إرتكبت أيديهم فهي ليست المرة الأولى التي ينتخبون فيها ضحية هي من صنع أيديهم. بل إني ذهبت بخيالي أبعد من ذلك ورأيت أن التاريخ البشري حافل بالضحايا بل أن فيهم من كان من المرسلين الأنبياء ثم أرتكبت بحقه جريمة الضحية من أجل حمل شرورهم المستمرة عبر الأزمان وإنتهى بي التفكير بالرجوع إلى عهد سيدنا إبراهيم الخليل وكيف أنه بهدي ألله إستطاع أن يستبدل الضحية الآدمية بالضحية الحيوانية فأصبح الخروف المسكين هو من يدفع ثمن حماقات وجرائم بني البشر,ولكنهم رغم ذلك ومن بعده أبوا وأصروا على الأضحية البشرية فهي الوحيدة التي تشفي غليلهم. وبينما كنت سارحأً بخضم لجاج أفكاري سمعت الناس من حولي يصرخون... نعم هو المسؤول ألأول والأخير عن كل ما جرى ولا بد من دفعه ثمن ما أقترفت يداه...فنظرت لهم نظرة الأب لأولاده العيّاق وقلت: هل هو أنا من كان في زمن الملكية يتنعم ويعيش عالة على عرق الفلاحين والعمال؟ هل كنت أنا من باع الوطن وخيراته لشركات النفط الأجنبية وبأبخس الأثمان؟ هل كنت أنا من تعاون مع المستعمر ضد أخوته في الدين والقومية؟ هل أنا من جعل بلده قواعدا عسكرية لإنكلترة؟ هل هو أنا من نكل وسجن وعذب وقتل خيرة مثقفينا وشبابنا المطالبين بالخبز والكرامة والحرية؟ فأنتفض أصحاب القمصان الزرقاء يرعدون يزبدون وقالوا نعم أنت أنت. ثم إلتفت يميناً وقلت هل هو أنا من إغتال العائلة الملكية في أول يوم الجمهورية؟ وسحل وصلب بأسم الثورة الحمراء في بعض المدن العراقية؟وآخر تآمر وإنقلب على تلك الجمهورية وزعيمها بأسم القومية الكردية أو بإسم العروبة الناصرية؟ ولم ينتهوا إلا والبلاد في دوامة من الحيرة والبلبلة الشعبية؟ وهنا وقف بنو الأبيض وبنو الأحمر وبنو الأصفر والقهوائي يهتفون نعم نعم أنت المسؤول عن كل ما حدث في ذلك الوقت. ثم إلتفت شمالاً وواصلت هل أنا الذي في عهد القومية من إرتكب جريمة دار الإذاعة والتلفزيون؟ وطارد وعذب وقتل الشبان والشابات بإسم القضاء على الأممية الكافرة اليسارية ؟ فوقف بنو القهوائي والأخضر والأصفر وهم يستشيطون غضباً نعم أنت المسؤول عن تلك الجرائم. ثم إلتفت خلفي وقلت وهل أنا المسؤول في زمن الوحدة والحرية والإشتراكية عن الدكتاتورية والقبضة الأمنية الحديدية والمناصب والمكاسب الحزبية والفئوية؟ ثم تلك الحرب العراقية الأيرانية وضحاياها القومية البطولية؟هل أنا المسؤول عن الحصار الظالم ومآسي الحروب الكونية؟ فقام الخضر يرعدون نعم أنت المسؤول. فواصلت أما في زمن الإسلامية وقبلها مجلس حكم البريمرية خلال الحقبة البوشية هل أنا فيها من سهل وتعاون مع المحتل لإذلال وقتل مئات الألوف من أبناء وطنه؟هل أنا من نهب وسرق البنوك والمتاحف وحرق المكتبات الوطنية؟هل أنا من دمر البنى التحتية وسرق المصانع والآليات الحربية ليعزز بها جيوشه من العصابات العشائرية المليشياوية المتعاونة مع المرتزقة الأحتلالية؟هل أنا من أسس ودفع للحرب الأهلية وفتت البلاد برسم الدستور والفدرالية ؟وهنا وقف بنو الأزرق والأبيض والأحمر والأصفر والأسود وصرخوا نعم نعم أنت المسؤول أنت الخائن أنت المجرم ..أنت.. أنت .ثم تشاور نواب أصحاب القمصان فيما بينهم وقام متحدث بإسمهم فقال: لقد إتفقت وتطابقت وجهات نظر كل نواب القمصان بأنك المسؤول الأول والأخير عن كل الجرائم التي حلت بالأمة من الملكية ليومنا هذا لذا وجب الأقتصاص منك، ثم أمر الحرس بإحتجازي وإقتيادي الى وسط الساحة فتذكرت سيدنا إبراهيم فقلت لهم أنتم تتهموني بجرم أنا بريئ منه وأنا أوكلت كبشي هذا لينوب عني فتذبحونه وتضحون به ومن ثم تأكلون لحمه هدية إظافية، فقالوا هذا لاينفعك فأنت بالذات من نريد، فأخذني الحراس الى وسط الساحة والذي لايبعد سوى عشرة أمتار عن المنصة ولكن مروري بين الناس بدا لي وكأنه إستغرق عامأً من الزمن صفوفا وقوفا منهم من يشتمني ومنهم من يرميني بالحجارة وجلاميد المرمر أو بما توفر وتيسر وآخرون يبكونني ويهنئونني بالشهادة ويبشرونني بالجنة والعين الأحور.ثم وضعوني على مايشبه الصليب وشدوا وثاقي عليه والنساء من تحتي يبكنني في حين تفرق الناس من حولي وكل ذهب لحال سبيله مسرعاً وكأني أنا من كان قد عطلهم عن أعمالهم.وجاء حارسان غليظان بايديهم مطارق ومسامير سوداء طويلة وهما يرددان مستهزئين هناك من يقول بأنك ستعود بعد صلبك مرة أخرى للبلد،ولكن هذه المسامير هي من سيثبتك على الصليب للأبد، ثم أنهم غرسوها ودقوها في يدي ورجلي وأنا أصرخ ألماً ولكن الصرخات لا تخرج من صدري....وفجأة جفلت وصحوت من هذا الكابوس المرعب وأنا أتأوه وانظر يدي ورجلي وأتحسسهما، فلما سكنت نفسي قررت أن أذهب وأحدث صديقي الشاعر ليجد من يسعفني بتأويل هذه الرؤيا.فنظر إلي أبو وحيدة بقدسية وإنحنى يريد تقبيل كلتا يدي إلا أني سحبتهما وأستغفرت رب البرية، فقال لي أنظر يا ولدي وسيدي أنت إصطفاك ألله لتؤدي رسالته وتحمل رايته وهي مهمة نبيلة وسامية فلا تتردد وسر ونحن من ورائك فقلت له، الى أين ياوالدي؟ فقال الرسالة واضحة يجب عليك أن تضحي من أجل الأمة فتبادر لخدمتها بإحقاق وإعلاء كلمة ألله وهذا شرف لك ولعشيرتك فأنت الآن قد إختارك ألله من دون الخلق لهذه المهمة فقلت له، ولكن ياشيخنا ألم يقل رسولنا العظيم بأن لانبي من بعدي؟ فقال هذا صحيح ولكن أيعجبك أن ترى مواطنيك وهذا حالهم ووطنك ممزقأً مدمراً؟ فإقدم ولاتتردد ,فأي الأمر تختار البطل المنقذ الهمام أم الهارب إلى قدّام بصناعة الأحلام؟ فقلت له يا شيخ أنا أبلغ من العمرثلاثون عاماً ولم أدخل دنيا بعد فلماذا تريدني أن أضحي بشبابي وأحمل كل الوزر لينعم الآخرون؟ أَوّ لم يضحي بشبابهم عظماء قبلي؟ سمعوا النداء وظنوا أن قومهم ناصريهم فلما جد الجد خذلوهم وأنقلبوا عليهم فما أن قضوا غدراً عادوا فبكوهم وجعلوهم قديسين وأصناما، ألم يدفعوهم للمنبر دفعاً فهل بدلوا في الأمر تبديلاً؟ ألم يقل ألله لنبيه في كتابه الحكيم : لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم؟ فلماذا تريدني يا أبتاه أن أستعجل قضاء ألله ونزول أمره؟ قال الشيخ الأمر أمرك وأنت الذي يختار فرفعت وجهي للسماء وقلت أنا يا شيخنا بصراحة محتار. فخرجنا من داره ووقف الشيخ يودعنا ببابه مع البنية الغيدة بعينٍ أنظره والأخرى على فريدة ...ومضينا وصاحبي في طريقنا عائدين ومضى الزمن سريعاً وأنا لليوم محتار وألله محتار ولم أتخذ بعد أي قرار.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,419,337,753
- كنز الخليفة المستعصم بالله
- هامبرغر وساكسفون
- جاري مجرم
- المترف والنشّال
- الفخ الياباني
- فصخ
- سياحة لأيران على عهد الشاه محمد رضا بهلوي
- في السعادة والسعدان
- خصومة قديمة
- في الأفق يلوح طوفان جارف؟
- أخطاء شائعة وملاحظات على هامش الحضارة السومرية
- في نشأة الموسيقى وعلاقتها باللغة [نظرية في أصل النغمات الرئي ...
- كركوك أسم سومري


المزيد.....




- اتحاد مجالس الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي يعقد اجت ...
- كارول سماحة تقاوم الوجع بالموسيقى في “ليالي قلعة دمشق”
- جدل بين بووانو والطاهري حول المنطقة الصناعية سيدي بوزكري
- لماذا يعد -عندما التقي هاري بسالي- أفضل فيلم كوميدي رومانسي؟ ...
- مصر تفتتح متحفا لمنارة الأدب و الإبداع نجيب محفوظ
- مصر تفتتح متحفا لمنارة الأدب و الإبداع نجيب محفوظ
- صيانة خط غاز حقل الشاعر وعودته للخدمة بعد استهدافه من قبل إر ...
- استياء في المملكة بسبب حجب صورة للفنانة السعودية داليا مبارك ...
- تعلم الخط العربي في موسكو: قصة أستاذ وطلابه
- الرواية الإنجليزية -فرسان الجزيرة العربية: قصة اليمن في القر ...


المزيد.....

- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد
- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال
- تخاريف / أيمن زهري
- البنطلون لأ / خالد ابوعليو
- مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل / نبيل جعفر عبد الرضا و مروة عبد الرحيم
- التكوين المغترب الفاشل / فري دوم ايزابل
- رواية ساخرة عن التأقبط في مصر بعنوان - البابا / الصحفي الراحل في جريدة البديل اليسارية المصرية/ محمد ربيع
- رواية ساخرة عن التأسلم بعنوان - ناس أسمهان عزيز السريين / الصحفي الراحل في جريدة البديل اليسارية المصرية/ محمد ربيع


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - عبدالرحمن حسن الصباغ - الأكتشاف الخطير