أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - عبدالرحمن حسن الصباغ - في السعادة والسعدان















المزيد.....

في السعادة والسعدان


عبدالرحمن حسن الصباغ

الحوار المتمدن-العدد: 6265 - 2019 / 6 / 19 - 18:53
المحور: كتابات ساخرة
    


[ولكم في العمائم منافع لاتدركها الأبصار]الشيخ عبدالرحمن الحالم

حدثنا أبي الورد السيبندي عن أسطه دلف المكوجي عن الشيخ عبدالرحمن الحالم قال قال ، في نهاية الستينات من القرن الماضي كان لي موعداً في الضحى مع صديقي الشاعر في محلهم الكائن في ساحة السعدون ببغداد وبعد السلام وتناول قدح الشاي البغدادي وتجاذب حديث العموميات بصخب وجدة وخصوصيات الشباب بوشوشة ولذة ، وهي عندنا آنذاك أهم من حديث المتربعين على السدة ، وأعني سدة الحكم، نكتم ونقلب حين يقترب ناهي السعيد ونعود لنكمل حين يبعد عنا ذاك الشريك العتيد.فأحلام جيلنا ثورة محتدة لايدركها من تخلف عنا في المكان والمدة.قال الناهي وقد ضاق صبره بوشوشاتنا شاركونا ياشباب في الحوار علّنا نسعفكم بخيار فضحكنا فقال له صاحبي ، وهو يريد مشاكسته، والله يا ناهي السعيد صديقي الحالم يسألني إن كان من الأفضل أن نترك شعورنا تطول لما بعد الكتف أم نسارع لقصها لتصبح بمستواه ؟ فوقف الرجل محدقاً بنا وكإنما أصابته صاعقة ثبتته في مكانه ثم شبك عشره على رأسه وهو يقول.. أنا غارقاً بكيفية إخراج شحنة السجاد من مخازن كمارك البصرة لتصل قبل وصول شحنة غريمنا المقابل ولطرحها في السوق قبل نهاية الموسم وأنتم تحدثوني عن قصر وطول شعوركم ..أللهم ربي إجعلنا من عبادك الصالحين وتب عنا وأرحمنا ...ثم إبتعد عنا وهو يتمتم كلمات لانسمعها وكلانا يضحك في عبه.لقد كان موعدي مع صاحبي في الحقيقة من أجل أن نذهب عند حلاقه الخاص الذي وصفه لي بالفنان الفلتة ومن ثم نذهب لتناول الغداء سوية في المطعم الذي فتح حديثاً وبعد ذلك لمكاننا المفضل كافيه بغداد..فتركنا ناهي السعيد في المحل لوحده كالعادة وتوجهنا مسرعين لصالون حلاقة السعادة, وكان الصالون لايبعد سوى عشرات الأمتار عن المحل عبر الشارع وهو محل صغير لايستحق تسميته بصالون يديره رجل متقدم بالسن ولكن صاحبي طمنني وقال لي لاتغرك ياحالم المظاهر فهو حقا فنان ماهر. رحب بنا الرجل وكان عنده زبوناً وقال تفضلوا بالجلوس ، وكان الزبون قد غطى رأسه بمنشفة و الحلاق بيده سيجاره يحدثه.. ويرتشف الأثنان شاياً أسود من القير يدعى عند البغادّة سنكين أو زنكين أي ثقيل. تبسم الحلاق قائلا عشرة دقائق وأنتهي من الآغا وأكون في خدمتكم ، قولوا لي يا شباب ماذا تشربون ؟ شاي أم حامض أو دارسين ؟ كل شي موجود وأشار الى موقد كهربائي صغير فوقه كتلي أو إبريق ماء فوقه قوري فرفوري زاهي الألوان أو إبريق شاي من البلور فشكرناه وأخبرناه بأننا تناولنا الشاي للتو.إنتبهت الى أن يد الأسطة اليمنى رعّاشة فأومئت لصاحبي بذلك فقال بصوتٍ خافت ولا يهمك فهو ما أن يمسك المقص تتوقف يده عن الإرتعاش .تناقش الرجلان في أمورعدة أهمها تجارة التبغ حتى إنتهت سيجارة الأسطة فرماها أرضا ثم إلتفت للزبون ورفع عن رأسه الفوطة البنية فبدت لنا فروة رأسه منفوشة فاحمة ، فقال الحلاق ضاحكا بخفة مخاطباً الزبون ألم أقل لك بأني سأعيد لك شبابك بربع ساعة تفضل وأنظر هذا الشعر الفاحم واللامع..تطلع الرجل لشعره في المرآة مليا ثم فجأة تغيرت تعابير وجهه وأقترب منها أكثر والحلاق مشغول عنه بترتيب عدته على الرف ...ولكن أسطه ..قال الرجل ،هلاّ رأيت ما أرى على جبهتي فإنتبهنا ودققنا النظر في جبهة الرجل كما فعل الحلاّق أيضا، لقد كانت مغطاة لحد الحاجبين تقريباً ببقع وخطوط سوداء.إقترب الحلاق أكثر وقال لاتقلق ياسيدي سأزيح كل ذلك بلمح البصر فأخذ قطنة كبيره وضع فيها شيئاً من ماء الكولونيا فدعك بها جبهة الرجل دون نتيجة فضحك وقال نعم أنه صبغ أصلي وثابت كما أخبرتك وهذا هو البرهان ولكن لاعليك سأزيل البقع فوراً فإلتفت لأبريق الماء المغلي ثم جاء بإناء كبير وضعه في حجر الرجل فوق شرواله السميك وأوصاه أن يمسك به جيداً ثم صب فيه ماء ذلك الأبريق المغلي وطلب من الرجل أن يطأطأ ويحني رأسه على الأناء ثم غطى رأسه بتلك الفوطة البنية لكي تتشبع جبهته بالبخار الحار ثم تركه وراح يبحث في الأدراج عن شيئٍ ما والرجل يتعذب ويلوب تارة من حرارة الإناء على فخذيه و.. وتارة أخرى من إختناقه ببخار الماء حتى صاح في النهاية ...يمعود بابا أسطى.. أي إدركني يا أسطى والأسطي يجيب لحظة وأكون بخدمتك، وأخيراً وجد الأسطى بغيته وهي عبارة عن نصف ليفة قديمة فأخذها ورفع الفوطة عن وجه الرجل ثم غمس الليفة في الماء الساخن وبدأ يدعك ويدعك جلد جبهة الرجل وبعد مدة من الفرك والدعك رفع رأسه عن الأناء ومسحه فبدت جبهته حمراء قرمزية تزينها بقعاً سوداء سرمدية فقال الحلاق نعم لقد زال الكثير ولم يبق إلا القليل،والحقيقة أن البقع أصبحت أكثر ثباتاً ووضوحا بعد شطف الجبهة،ثم أن الحلاق إستدار وتناول عمامة الرجل الكردي وكبسها على رأسه بقوة حتى وصلت لحد عينه ثم رفع عنه الصدرية وساعده على النهوض قائلا, حسابك شيخنا مع الصبغ والذقن مائتي فلس ثم ناوله عصاه والرجل من شدة إرتباكه أمامنا وحيرته في أمره لم ينطق بحرفٍ واحد وهو يبحث في جيوبه عن الأجرة وأنا وصاحبي لانعرف أين وكيف نكتم ضحكاتنا المتقافزة من أفواهنا بالجملة والمفرد.خرج الزبون فإلتفت الحلاق نحونا مبتسماً وبيده فوطة جديدة وقال أنا آسف لما حصل من تأخير،بمن سنبدأ ياشباب فقمت ووخزت صاحبي ليقف وقلت للحلاق بكل أدب لقد كنت سعيدا بالتعرف عليك ولكن يبدو أننا لن نستطيع الحلاقة اليوم فالوقت داهمنا... فلدينا موعد في مطعم السعدان وسنعود إنشاء ألله في فرصة أخرى وخرجنا من المحل وأنا فرح بما حققه لي القدر بذلك الزبون المسكين إذ أنقذني من يد ذلك العجوز الرعاش.كانت الساعة قد تجاوزت منتصف النهار فإتجهنا صوب المطعم. كان هذا المطعم قد فتح أبوابه حديثاً وهو من نوع مطاعم الخدمة الذاتية أو ما يطلق عليه بالأنكليزية مطعم سيلف سيرفيس، وهو أول مطعم من نوعه في بغداد ، أنيقاً وجميلاً في ترتيبه وأثاثه الحديث ، مفتوح على الشارع العريض بنوافذه الزجاجية الكبيرة إظافةً للنظافة وتنوع المأكولات وأسعارها المناسبة. دخلنا المطعم وأنتخبنا أطباقنا بعد أن سلمنا على الشاب الجميل المظهر المسؤول عن خدمة الزبائن ثم إنتقينا ركناَ جلسنا فيه ,فقلت غريب أسم هذا المطعم ، السعدان ! فقال الشاعر حقاً فالمرء لايعرف هل المقصود أسم علم يجتمع في شخصين أم المقصود الناس السعداء؟ أم ماذا ؟ لأن كلمة سعدان وخصوصاً بدون شكل قد تفسر بأن الناس الذين يرتادونه من صنف السعادين . فقلت ضاحكاً يعني أنك تقصد أن مرتاديه يقلدون الغربيين فهم بذلك يصبحون سعادين فضحكنا بصوت عالٍ للنكتة. فأنتبهت أن هنالك رجلاً يقابلنا جالساً يأكل قد رفع رأسه وهو يحملق بنا من تحت عمامته الملونة والثقيلة بحنق شديد ...نعم أنه هو الآغا بعينه فغمزت صديقي فإلتفت فرآه ...نعم هو وربما يحسب اننا كنا بصدد الكلام عنه والسخرية منه ياللمسكين.ومالبث الرجل إلا أن إنتصب واقفاً وهو يمطرنا برصاص نظراته السوداوية من تحت عمته الغاطسة لحدود حواجبه، ثم أنه دفع بعصبية ظاهرة الطاولة وإستدار متجهاً للخارج بإتجاه المدخل الذي يبعد عنه خطوات قليلة ولكنه أخطأ الباب وإرتطم بقوة بالنافذة الزجاجية المجاورة والمشابهة لها عدا أنها كانت مغلقة...فسقط الرجل على قفاه مغمياً عليه كعمود خشب يسقط على أرضية صلبة.هرعنا جميعا نحوه ولكنه كان يبدو دون حراك وكأنه يغط في نوم عميق . إتصلنا بالأسعاف فجائت ومعها ممرضاَ فحصه ثم وضعوه على الحمالة فإقتربت من الممرض وقلت له خير دكتور؟ قال ألله ستره فالضربة كانت قوية جدا ولولا عمامته لمات في الحال فرجعت وأنا أردد في نفسي ...ولكم في العمائم منافع لا تدركها الأبصار.






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,425,488,511
- خصومة قديمة
- في الأفق يلوح طوفان جارف؟
- أخطاء شائعة وملاحظات على هامش الحضارة السومرية
- في نشأة الموسيقى وعلاقتها باللغة [نظرية في أصل النغمات الرئي ...
- كركوك أسم سومري


المزيد.....




- صدر حديثا.. الذَّاكرة المنهوبة.. لـفاضل الربيعى
- المغرب والأردن يؤكدان عزمهما على تطوير شراكتهما الاستراتيجية ...
- موسيقى -سحرية- بدل العقاقير المسكنة للآلام أثناء الجراحة!
- أرسكين كالدويل في نصف قرن من الإبداع..علامة فارقة في الأدب ا ...
- قناديل: النقد الأدبي في القرن الحادي والعشرين
- موسيقى الأحد: قصة أوركسترا جيفاندهاوس
- كاريكاتير العدد 4473
- بالفيديو.. نجم سينما صيني كاد يموت طعنا أمام جمهوره
- حقيقة ماوقع في العيون بعد تتويج الجزائر
- فيلم كارتون روسي ينال جائزة في مهرجان Animator البولندي الد ...


المزيد.....

- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد
- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال
- تخاريف / أيمن زهري
- البنطلون لأ / خالد ابوعليو
- مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل / نبيل جعفر عبد الرضا و مروة عبد الرحيم
- التكوين المغترب الفاشل / فري دوم ايزابل
- رواية ساخرة عن التأقبط في مصر بعنوان - البابا / الصحفي الراحل في جريدة البديل اليسارية المصرية/ محمد ربيع
- رواية ساخرة عن التأسلم بعنوان - ناس أسمهان عزيز السريين / الصحفي الراحل في جريدة البديل اليسارية المصرية/ محمد ربيع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - عبدالرحمن حسن الصباغ - في السعادة والسعدان