أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - سعاد زريبي - المجتمع الافتراضي وأزمة التواصل















المزيد.....


المجتمع الافتراضي وأزمة التواصل


سعاد زريبي

الحوار المتمدن-العدد: 6187 - 2019 / 3 / 30 - 21:05
المحور: المجتمع المدني
    


تمهيد
يمثل المجتمع الإفتراضي اليوم إحراج حقيقي في ضل تنوع وسائله وتعدد رهاناته السياسية العميقة وتأثيراته الإجتماعية والنفسية والسياسية على الإنسان والمجتمع .لذلك فإن التفكيك الموسع لكل الفضاءات التي تمس بها خلايا الاتصال وآليات التكنولوجيات الجديدة يندرج ضمن توجه فلسفي كبير يعرف الفلسفة على أنها الإنهمام بقضايا العصر و صيرورة العناية بأنفسنا رهانا و برنامجا إتيقا ينشغل بأليات المحافظة على معنى الحياة في ضرب من إتقيا الحياة و الحفاظ على الإنسان بيننا . إن الاتصال بوصفه آلية من آليات التواصل قد أصبح اليوم يكتسح كل فضاءات الوجود البشري اجتماعيا ،علميا ،ثقافيا وبشكل فظيع سياسيا .
من كل هذه الحيثيات تبرز تحديات البحث في مفهوم الاتصال وأصول تشكله وتأثيراته على الإنسان والمجتمع ومستقبل الإنسان في ضل مجتمع يعيش تحت "جنون التكنولوجيا" سنحاول البحث في الفن كبديل لثقافة التقنية، نعول هاهنا على الفن بوصفه وعد بالحرية وقادر على انقاض الإنسان من كل أشكال التسلط والاستلاب والتشيئ الذي أفرزته ثقافة تقنية بامتياز. الفن بديلا عن التقنية من أجل ثقافة جديرة بالحفاظ على الإنسان .


في الفرق بين الاتصال والتواصل
الاتصال لغة مشتقة من مصدر "وصل" الذي يعني أساسا الصلة وبلوغ الغاية .اصطلاحا الاتصال هو جملة الآليات التي تتكفل بنقل وتبادل الأفكار والمعلومات والآراء والمشاعر .يرى عالم الاجتماع تشارلز كولي بان "الاتصال يعني ذلك الميكانيزم الذي من خلاله توجد العلاقات الإنسانية وتنمو وتتطور الرموز العقلية بواسطة وسائل نشر هذه الرموز عبر المكان واستمرارها عبر الزمان"، أما عالم الاجتماع رايت فهو يرى بان الاتصال "هو عملية نقل المعنى او المغزى بين الأفراد".اما بيرلسون فقد عرف الاتصال بأنه عملية نقل المعلومات و الرغبات والمشاعر والمعرفة والتجارب ، آما شفويا باستعمال الرموز والكلمات والصور الإحصائيات بقصد الإقناع أو بالتأثير على السلوك" إن الاتصال هو العملية التي يستطيع من خلالها الأفراد تبادر المعلومات بمختلف أشكالها ،فهو بالتالي آلية من آليات الحفاظ على تماسك العلاقات الاجتماعية والحفاظ على المجتمع بحفظ العلاقات بين الأفراد. يساهم الاتصال في تقدم المجتمع ونمو الوعي الفردي بضرورة الاجتماع فيحقق الكائن من خلاله ذاته باعتباره كائنا اجتماعيا و يعتمد في كل مرة إلى تطوير آليات تواصله مع الأخر مما يضمن حسن التقبل وسلامة عملية التواصل بين الأفراد .إن الاتصال بوصفه أساس العملية التواصلية قد تطور مع تطور وتقدم الحياة الإنسانية وذلك من اجل الحفاظ على المجتمع من التفكك بين فئاته وطبقاته بل وتحقيق الألفة والتواصل بينهم يقول هابرماس "يخص مفهوم فعل التواصلي تعامل ذاتين على الأقل قادرين على التكلم والعمل وتنخرطان في علاقة بين شخصية سواء بواسطة الكلمات آو بواسطة ما يخطاها. ويسعى الفاعلون عبر هذا النمط من النشاط إلى تحقيق تفاهم حول سياق عمل الغاية منه التنسيق بين مخططات أعمالهم ومن ثمة بين أعمالهم ذاتها وتتويج هذا التفاهم بتحقيق الإجماع"
إجمالا الاتصال هو الفاعلية الإنسانية والاجتماعية تحدث من خلال الرموز والإشارات لغوية صوتية أو جسدية إيمائية بما يضمن التفاعل بين الذوات داخل جملة من الإجراءات والقواعد الاتفاقية والاجتماعية التي تضبطها المجموعة و التي بمقتضاها تحدد رهانات ونجاعة العملية الاتصالية بين الأفراد وتضمن بالتالي تماسك المجموعة وتطور وسائل الاتصال بينها .يسهم الاتصال اذا في تطوير العلاقات الاجتماعية والإنسانية والمهنية بما يساهم في تقدم المجتمع اقتصاديا وتنمية الوعي الأفراد مما يساهم في التأسيس لمجتمع واع سياسيا وثقافيا.
يعتبر الاتصال شبكة معقدة تشمل كل آليات الوجود الإنساني الفردي والاجتماعي الفكري والعملي اذ نجد خمس أشكال أساسية للاتصال أولا وهو المتعلق بعلاقة الإنسان بذاته وبالعملية المتعلقة بالتفكير الذاتي أي ذالك الحوار الباطني الذي يجريه الإنسان مع نفسه في فهمه لذاته وترتيبه لبيته الداخلي ولانيته وتأسيس كيانه الداخلي العميق الناتج عن العلاقة الجدلية بين حواسه وفكره "الاتصال الذاتي او داخل الفرد وهو الذي يتم بين الفرد ونفسه ،ويكون مرسله الحواس ورسالته النبضات الالكتروكيماوية ووسيلته الجهاز العصبي المركزي ومستقبله الدماغ" ثانيا الاتصال التنظيمي ويتمثل في الاتصال البين ذاتي أي بين ذوات ، داخل مجموعة متفاعلة، هو عملية تبادلية تشمل جوانب مختلف من حياة المجموعة اجتماعيا ،ثقافيا،اقتصاديا أو سياسيا وله نتائج مختلف كالحصول على المعلومة او تبادل مشاعر و تبادل أفكار تنتهي بالإقناع أو بالصراع بين الذوات
ثالثا الاتصال الجماهيري وهو اتصال واسع النطاق علني ومفتوح على الجماهير والذي تتحكم فيه وسائل الاتصال الجماهيرية الإعلام بأنواعه وهو ما يعرفه جون بودريار بالمصطنع
رابعا الاتصال التنظيمي والذي يتعلق بالاتصال داخل المؤسسات وهو شكل برغماتي لعملية الاتصال ذلك لأنه يتأسس على عملية نفعية أساسها ربح المال واقتصاد السوق
خامسا الاتصال بين الثقافات و الحضارات المختلفة زمانا ومكانا فكرا وعملا عقيدة وعادات اجتماعية وهو ما يعرف بحوار الحضارات والثقافات "يتم بين أعضاء ثقافات مختلفة بغية التفاهم ،التثاقف أو الغزو والهيمنة الثقافية .وغالبا ما يكون عبر قنوات فردية وجماعية منظمة وغير منظمة مثل الفراء ...المعارض،وكالات الإنباء ،الأقمار الصناعية ، الشبكات الجهوية والعالمية للاتصال" . ان الاتصال والتواصل هما شرطين اساسيين للتأكيد على قيمة الاجتماع البشري ، فعملية التواصل تؤكد حاجة الإنسان إلى الأخر و الحاجة إلى الاجتماع.إن هذه الحاجة للتواصل والاتصال هي حاجة أصيلة في الإنسان بل تحدد ماهيته وتتشكل من خلالها .إن الإنسان هو كائن تواصلي بامتياز وكلما حقق تقدما في الزمن كانت الحاجة في تجديد آليات الاتصال لديه الحاجة الأكثر إلحاحا من اجل حفظ عملية التواصل وتجذيرها وتفعيلها.ان فعل التواصل هو خاصية إنسانية بامتياز يسعى من خلالها الأفراد الى تحقيق الاتفاق بينهم او الإجماع على حد عبارة هابرماس ،ان التواصل وتحقيق التوافق البين ذاتي بين الإفراد يعتبر السمة الأساسية لتصور مجتمع حداثي والطريقة المثلى لنعيد للعالم الإنساني أصالته في تراجع دور العادات والتقاليد وتفكك روابط العلاقات الاجتماعية في عصر التشيئ وانحباس المعني وفرط السيطرة التقنية على الإنسان والطبيعة ،لذلك فإن ضبط أطروحات للتواصل والنقاش والحوار لمجتمعاتنا الحالية يبدو أساسيا .يحدد هابرماس ثلاث قواعد أساسية لاتيقا النقاش
1لكل من هو قادر على الكلام الفعل نصيب كامل من النقاش
2 لكل الحق في إثارة أي إشكال أو اعتراض على أي تأكيد كيفما كان ،يندرج ضمن هذا الحق الاعتقاد في أراء ما والتعبير عنها
3لا يحق منع أي كان من المتحاورين من النقاش ولا استعمال أسلوب الإكراه عليه
ان التواصل قائم على "حوارية حجاجية" تنبني على تصور مخصوص للجماعية التواصلية كجماعة قادرة على تحويل النقاش والحوار البين ذاتي بين أفرادها الى ضرب من اتيقا المسؤولية" نوع طريف من "التضامن" بينهم من اجل تحقيق السلام بين الشعوب والثقافات والأمم والأفراد في ضل حضارة "القلق" إزاء مستقبل الإنسان في العالم .التواصل هو شكل من الاتفاق الجماعي والتعاقد على السلام والعيش معا.ان التواصل والحوار هما الطريق الأمن من اجل تهيئة الجماعات التواصلية لبناء "الديمقراطيات التشاورية" التي لا تعاني من أي قهر أو استبداد او هيمنة .
إن التواصل يعتمد على جملة من الآليات الاتصالية كاللغة، الرموز، الإيماءات او الحركات والتقنيات الاتصالية الحديثة كالانترنت هي الشكل المتأخر من آليات التواصل تعكس التقدم التقني التي تساهم في عملية التواصل فهو احد أشكالها لا أساس العملية التواصلية .ان التواصل هو حاجة اجتماعية ،سياسية واتيقية إزاء مستقبل الكائن البشري لبناء مجتمع المتضامن وتأسيس للجماعة التواصلية بوصفها أساس السلام بين الإفراد والشعوب والأمم والوسائل الاتصالية التي تدعي التواصل فحين انها لم تخلف الا عالم من السيطرة والهيمنة على حياة الإنسان في مختلف أوجه تواجده في العالم علما وعملا في مختلف ميادين الحياة اجتماعيا و سياسيا وثقافيا وبشكل أساسي متعلق بمعنى حياة الإنسان نفسه و في فهمه لآنيته نفسها لندخل في "مجتمع المراقبة". الاتصال لا يؤسس للتواصل ،ان الاتصال يراهن على المعلومة فيحين يراهن التواصل على التوافق يؤسس الاتصال لمجتمع الهيمنة ويؤسس التواصل للديمقراطية التشاورية ،يؤسس الاتصال لسلطة التقنية ويتكفل التواصل باتيقا القلق إزاء المستقبل،عبر الفضاء الافتراضي نحن نتبادل معلومات ولا نتواصل، الاتصال هو رد فعل على اتصال يسبقه فحين أن التواصل هو فعل عقلاني واع بالمسؤولية التاريخية التي للفرد إزاء الأجيال الآتية من المستقبل.
لذلك فإن نظرة نقدية تفكيكية للبحث في منبع التي فسحت الفرصة التاريخية لتشكل المجتمع الاتصالي وتطور نظم الاتصال وتشعب البحث في تأثيرات هذا التقدم الفانتازمي للمجتمع الاتصالي امرأ استعجاليا .
ماهي أسباب وأصول تشكل المجتمع الاتصالي ؟ لماذا نتكلم اليوم بمثل هذا القدر في أصل وفصل المجتمع الاتصالي ؟ هل لفرط ما قدمه للإنسانية المعاصرة من إمكانيات أم لما خلفه من مخاطر على الإنسان ؟ كيف تحولت الأداة التي من المفترض أن تكون مجرد وسيلة للتواصل إلى أداة للهيمنة ؟ بين ما هو كائن وما يجب ان يكون هوة عميق خلقها العالم افتراضي.
أصول تشكل المجتمع الاتصالي
يعتبر فيلب بريتون في كتابه يوتوبيا الاتصال أسطورة القرية الكونية ان اللجوء الإنسان المابعد حديث بشكل سريع للاتصال لا يعكس وعيا بالحاجة إلى الأخر او شكلا جديدا من آليات بالتواصل والتبادل بين الأفراد في نمط من البين ذاتية الواعدة بالتواصل وتقدم الجماعات نحو مستقبل أفضل لها ،بل إن ظهور مفهوم الاتصال نابع من لحظة فراغ تاريخية عاشها الإنسان المابعد حديث اذ انبثقت ملامح المجتمع الاتصالي من أزمة تصدع مفهوم الإنسان الناتج عن الأزمات التاريخية التي عاشها الإنسان المعاصر جراء تراكم صور البربرية والوحشية التي بدأت منذ الحرب العالمية الأولى إلى حدود نهاية الحرب العالمية الثانية وهو ما أطلق عليه المؤرخ الأمريكي أرنو مايير "الحرب الثانية ذات الثلاثين عاما "أي مجمل الأحداث التي فتت رباط الإنسان بالإنسانية التي بدأت "من أول طلقة نار في حرب 1914 -1918 وحتى الإنفجار الرهيبين في هوريشيما وناكزاكي هي في الحقيقة كلها تمتزج فيها أشكال مأسوية من طرف الأرض الى طرفها الأخر ، المعارك الوطنية ، الانفجار القاتل للنازية والفاشية ،الشروع في إبادة اليهود والغجر وتوريط الجماعات المدنية كضحايا ، المعسكرات الستالينية ، عجز الديمقراطيات عن الشروع بنزعة إنسانية حقيقية ، الاستخدام الكثيف للعلوم والتقنية لغايات التدمير" كلها وقائع تاريخية دمرت النزعات الإنسانية لتلقي بالإنسان في بربرية موحشة.لعل ابرز منتاجات هذه البربرية هو انفتاح الإنسان على "الفراغ" نوع من الضياع الوجودي ،الاجتماعي والسياسي,إنها لحظة أساسية في تشكل نمط جديد للحياة وللإنسان وللعالم و هي أطروحة أساسية تقدم بها فاينر الذي يعتبر أن المجتمع الاتصالي نابع من صدمة الإنسان المعاصر إزاء ما يحدث للإنسانية من طرف الإنسان نفسه ليصبح للاتصال مهمة "محاولة تجميع القطع التي بعثرتها حضارة منهزمة في دوامة انتروبولوجية ".إن المجتمع الاتصالي هو الإجابة السريعة لسؤال عن مستقبل الإنسان بعد أزمة الحربين . لكن الإجابة خلقت لهذا المستقبل ملامح آلية وتقنية ليست نابعة من الإنسان نفسه ،هنا يكمن الفرق بين الحداثة وما بعد الحداثة ،ان الحداثة هي مشروع حضاري كبير انطلق من الإنسان نفسه من تحويل لملامح الإنسان وتصويره ك"ذات" جوهرها الفكر الواعي فحين ان اللحظة المابعد حديثة انطلقت من الاتجاه المعاكس للإنسان هي لحظة مضادة له انه التقدم العكسي يسير تقنيا وليس إنسانيا.هناك "حلقة مفقودة..ميول صريح نحو الخلل الدينامكي في كافة المنظومات الكبرى للفكر والعمل" .لقد مثلت جذور نشأة المجتمع الاتصالي ملامح أساسية لمجتمع قائم على التوحيد الشكلي بين أعضاءه إذ"لا يمكن للاتصال أبدا أن يقدم ماهو زيادة ،أي جدة حقيقية،يقتصر دوره في معظم الأحيان على انقاض اضطراب وترتيب وضع.الاتصال إذا أخذناه من زاوية محددة،قيمة ارتكاسية(رد فعل) .إن مخاطر العالم الافتراضي تكمن في كونه قد أصبح أداة تتحكم في مختلف جوانب الحياة الإنسانية "لقد امتص الاتصال كل شيء سيحدث كل شيء منذ الآن في الفضاء السيبرني"
النزعة الفردية في المجتمع الاتصالي
من هو إذن إنسان المجتمع الاتصالي؟ إن الإنسان هو كائن اتصالي وتواصلي بامتياز إن مجمل ما نسميه اليوم تطبيقات الاتصال موجود بالحقيقة منذ زمن بعيد . فقد كان الإنسان بالمعنى الواسع للكلمة يتواصل على الدوام بوسائل مختلفة تضل اللغة أكثر وسيلة اتصالية بين البشر أي اللغة كمجموعة أصوات ورموز وعلامات قد شكلت على الدوام الآلية اتصالية بين البشر،لكن لكن تطور وسائل الاتصال المعاصرة واكتمال صورة الإنسان الاتصالي فعليا الذي توقف على أن يكون ذاتا مسيرا من الداخل بواسطة منظومة قيمية ذاتية تتحكم في كينونتها في العالم وفق منهج خاص بها ليصبح مسيرا من قبل غيره تطرده الحاجات اليومية لمجتمع تقني بامتياز ."ان الإنسان الاتصالي كائن من دون جوانية و من دون جسد يعيش في مجتمع دون أسرار يتوجه بالكامل نحو الاجتماعي وهو لا يوجد إلا عبر المعلومة و التبادل في مجتمع أصبح شفافا بفعل آلات الاتصال" .إن موت الإنسان بالمعنى الكلاسيكي للمفهوم هو الانزياح الخطير الذي افرزه المجتمع الاتصالي من الإنسان –الذات إلى الإنسان –الشفاف خاليا من ذاتيه من الإنسان –المعرفة أي الذي يتبع منهج دربا لمعرفة ذاته وبناءها بوصفها فكرا حرا واعيا إلى إنسان-المعلومة الكائن الاستهلاكي بامتياز،بين مجتمع المعلومة ومجتمع المعرفة هوة عميقة صنعتها أدوات الاتصال "لم يعد الانسان مع الاتصال كائن إنساني بل هناك بالأحرى كائنات اجتماعية تعرف بالكامل من خلال قدراتها على الاتصال اجتماعيا". لقد أخفقت النزعة الإنسانية وتدهور سلم القيم جراء الرجة التي أحدثتها حرب الثلاثين سنة و"فقدان المصداقية"وهي أمور"ستترك من وجهة النظر هذه فراغا وصمتا ستتضخم خلالها النظريات الحديثة للاتصال التي ولدت تحديدا 1942 اللحظة المفتاح لوقوع الإنسانية بشكل ملموس في البربرية".ان انهيار سلم القيم قد فسح المجال لسلطة الاتصال ليصبح "قيمة" تحكم وتسود.لقد حققت الإنسانية المعاصرة " قفزة هائلة إلى الأمام في طريق الزيف" لقد خلق آليات المجتمع الافتراضي كالدعاية والإعلان ووسائل الاتصال الجماهيري حاجات وهمية للإنسان "إنها خير وسيلة لخلق الإنسان ذو البعد الواحد القابل بالمجتمع ذي البعد الواحد القابل بالمجتمع ذي البعد الواحد إلا ذاك الذي استغنى عن الحرية بوهم الحرية"
لقد مسخت الحضارة الرقمية ،الاداتية، الافتراضية ،معلوماتية وجه الإنسان انه الكائن مشوها ذلك لان الاتصال ذو أصول ازاماتية ،هو برمجة دولية سياسية لإخماد مخلفات أزمة الإنسانية المعاصرة. إننا نشكو اليوم من " نزعة فردية جديدة نزعة الإنسان وحيد يعيش في مجتمع حيث يكثر الاتصال لكن حيث يقل اللقاء" نحن نعيش عصر الاتصالي والافتراضي لكن فقدنا العالم كفضاء للتواصل،النقاش،التضامن،المشترك هالته بل إننا نعيش"هذه الأيام وبشكل انتظامي إلى الاتصال يبدو من أثاره تنامي نزعات الإقصاء المتطرفة"
لقد صار الإنسان يعيش نوع فضيع من "الانطوائية المعممة" التي أنتجها الاكتساح الكبير للمعلوماتية و"الفراغ النسبي للنقد".إن تصاعد سلطة الاتصال ليس علامة بديهية للحداثة . يقول فيلب بريتون "إن لهذه اليوتوبيا ملامح حداثة كاذبة". نحن نعيش في عصر"فوق واقعي" على حد عبارة بودريار و مصاب بثقب في الواقع و الخيال معا"نحن ازاء اصطناع شامل ، بلا أصل ،[وبلا ماض ومستقبل،إزاء خليط من جميع العناصر الذهنية والزمنية والمكانية والرموز لا يتعلق الأمر فيها بعالم مواز ، بنسخة ولا حتى بعالم محتمل فلا هو محتمل ،لا واقعي ولا غير واقعي انه فوق-واقعي" ، نحن نعيش في عالم تنصل عن شروط ارتباطه بواقعه وبالمعيش واليومي أي عالم الضرورة المعيشية والاجتماعية والسياسية للأفراد لندخل في نوع من "اسقمار الواقع " اي رفع المحايث واليومي والمعيش و"الحياة المألوفة على الأرض مصاف القيمة الكونية وتكريسها في الفضاء" .لقد التهم الافتراضي الواقعي فتنصل الإنسان عن عالم الضرورة الاجتماعية والتاريخية والسياسية بل تنصل عن كل ضوابط الفكر النقدي والواعي وقوى التخييل والإبداع لم يعد من وجود للواقعي ولا للخيالي إلا بحدود ضيقة"لم يفلح الإنسان الاتصالي المعاصر لفرط تطويره آليات التقنية للتحكم في الحياة الا في إحداث الثقوب داخل الحياة نفسها .لقد انفرط عقد الحياة الإنسانية ككل متماسك بل بات فوضى في نظام محكم السيطرة .ان السمة المميزة لهذا العصر الرقمي في نظر جون بودريار هو عصر النهاية نهاية الميتافزيقا، نهاية العلم التخييلي، نهاية الفردي والشخصي،نهاية الواقع ،عصر الاستلاب والسلب :بلا مضمون ،بلا ماض ،بلا مستقبل،بلا واقع،بلا عالم تخييلي،"انه عصر عصي على التجاوز والاجتياز ،انه كامد بلا خارج ولا يستطيع الانتقال إلى الجانب الآخر من المرآة هذا الذي كان يحمل في العصر الذهبي للتعالي" تلك هي إستراتيجية يوتوبيا الاتصال التي تسعى إلى بناء"مجتمع مثالي،تعريف انتروبولوجي آخر للإنسان والترويج للاتصال بصفته قيمة"
المجتمع الاتصالي وسؤال المستقبل
ماهو التصور الذي نملكه اليوم عما سيكون عليه المستقبل؟ان السؤال عن المستقبل يبدو صارما وضبابيا ،.ان "يوتوبيا الاتصال، تستحوذ عليها الرغبة بإقامة مجتمع منسجم ودون صراعات ، عالم توافقي إجماعي يدار من قبل قواعد اللعبة المحددة بالاتفاق ." .... ان الإشكال الحقيقي الذي يعاني منه المجتمع المعاصر هو انعدام اليقين حول وجه المستقبل الممكن للإنسان والطبيعة والعالم ،"الأثر السيئ الذي ترتكز حوله أكثر الإخطار هو بالتاكيد سرقة المستقبل hald-up the futur »
الصورة الوحيدة عن المستقبل الموجود بين أيدينا هي صورة مجتمع اتصالي فائق التقنية قائم على ميديا جديدة وعلى طرق الاتصال السريعة، "سيحدث كل شئ بعد الآن في الفضاء السيبرني هناك عدة تصريفات للكلمة كلها متمفصلة حول الدال الفضاء السيبرني تفيد إذن في بناء وهم الفضاء ".ان التطور التقني يحمل قي طياته مخاطر بربرية اثر من تلك التي عاشها الإنسان البدائي يقول موران "ان هذا التقدم التقني يسمح في الان الواحد بظهور الإنسانية الكوكبية اي هذا العصر الحديدي الذي يسمح باحتمال فناءه النهائي " ان الأزمة التي يعيشها الإنسان المعاصر و تجذر الأصول التقنو –بيروقراطية دولية للشر "من خلال آليات التحكم في العقل البشري ونشر ثقافة الاستهلاك طريقة سياسية شرسة في الهاء الجماهير والسقوط الحر للثقافة في "السوق"تدفع إلى طمس إرادة الفرد وقدرته على التفكير والنقد مما ينتج علاقة هجينة بين الفرد وذاته والفرد والمجتمع و المجتمع بالإنسانية"
هنا يجب إعادة النظر في مفهوم التقدم نفسه فلئن كانت فكرة التقدم بديهية في المجتمع المعاصر نظرا لتطور وسائل الإنتاج و ووفرة وتنوع في الأدوات التي أصبحت أدوات للسيطرة .يربط التقدم هنا بأزمة حقيقة وجودية واتيقية ،الواقع انه ينبغي ربط الفكرتين فكرة التقدم بالأزمة.ان الأزمة قد أصبحت هي نمط وجود مجتمعاتنا وفكرة كون التقدم يحمل في نفسه خاصية ازاماتية(أزمة ثقافة ، أزمة القيم،أزمة العائلة،أزمة الدولة ) .ففي ثنايا تطور عالم افتراضي متسارع تدخ الأمم الحالية في عماليات فك البنيات وفساد اقتصادي ،اجتماعي،ثقافي .ان هذه الوضعية المعرفية والحضارية والاجتماعية للمجتمع الافتراضي قد أدت على خد عبارة بودريار إلى "الكآبة" "إن كآبة الأنظمة هذه التي تسيطر اليوم من بين الإشكال الثقافة الساخرة التي تحيط بنا ... الكآبة هي النغمة الأساسية لأنظمة وظيفية ، لأنظمة الاصطناع الراهنة ،أنظمة الاصطناع الراهنة ..أنظمة البرمجة والمعلوماتية الكآبة هي السمة ملازمة لنمط زوال المعنى ،لنمط تبخر المعنى في الأنظمة الرقمية،ونحن جميعا في حالة كآبة"
لقد انقلبت يوطوبيا الاتصال والتواصل على نفسها لتخلق انزياح كبيرا من كونها علامة تقدم والية لتمتين الروابط الإنسانية بين البشر وحرقا للمسافات بينها هاهي تخلق فجوة وهوة عميقة بين البشر وبين الإنسان والعالم ،نحن نتصل ولا نتواصل، لان الاتصال قد أصبح سلطة تقنية للتحكم في البشر .انها تندرج ضمن المصلحة التقنية ورهان السيطرة التي يمكن تسميتها مع ميشال فوكو بتكنولوجيا الهيمنة في انزياح خطير عن الإنساني والاجتماعي وعن التنظيم الجيدة للفضاء البشري ولفضاء المدينة التي تدعمت بنزعة تقنية معاصرة تمثلت في "التوصيل الهوائي للمعلومات عبر البث الإذاعي والتلفزي وربط الفضاء بأجهزة الحاسوب وبشبكة معلوماتية تيسر التعرف في كل ما يحدث هنا وهناك ".
لقد بلغت مخاطر الاتصال الى حدودها القصوى اذ حولت الفضاءات التواصلية عن طريق مختلف آلياتها المتطورة الى فضاءلت استهلاكية ،فتحول الإنسان الى كائن بيروقراطي واستهلاكي بامتياز تتحكم فيه أهوائه الاستهلاكية اللاواعية ،فتحولت شبكة التواصل والحوار واللقاء الاجتماعي الى شبكات سلطة وهيمنة على الإنسان وعلى المجتمع وهو ما يخلق للوبيات السياسية حلول مرة لاستغلال الإنسان والسيطرة على فكره وآراءه وحريته ،وهو ما أكده هابرماس في "الفضاء العمومي واركيولوجيا الإشهار كبعد مقوم للمجتمع البرجوازي الذي يعتبر فيه ان الآليات التي يشتغل وفقها الاتصال التقني قد وضف ضد الإنسان"إنها وجهت لتحقيق فوائض هيمنة جديدة على الفضاءات الإنسانية لأنها انخرطت في تحقيق مسارات اقتصادية وعسكرية لإيديولوجيات ومؤسسات بعينها .ولأنها أسهمت في تكون سلطة إضافية ووسيطة تسهل مهمة تطويع الإنسان والإفراط في تأكيد مواطنتيه من جهة الاستهلاك و من جهة الرأي .فضلا عن أنها مثلت احد الوسائط البديلة عن الفشل الذي لاقى المشاريع الاستعمارية التقليدية مع صحوة حركات التحرر الوطني وتمكنها من الاستقلال بفضاءاتها .فهي تكرس قيم عولمة بات من الواضح أنها غير بريئة أي غير محايدة" .ان الانزياح الخطير الذي أفرزته شبكات الافتراضي هو التحول في مفهوم هذا الفضاء الاتصالي من فضاء للتواصل إلى فضاء اللا تواصل والصراع بين الإنسان والأخر وبين الدول والية تحكم وسيطرة ،انه على حد عبارة فوكو "عالم المراقبة" ،"لقد دخل ، ودخلنا جميعا...في دائرة مؤذية إنها دائرة اللامبالاة ". قد أدخل الإنسان الحالي في عصر "الشفافية الغير إرادية "
تبدو الإنسانية المعاصرة في أزمة حقيقية "فمن يستطيع فعلا أن يصدق الآن الفكرة القائلة بان التكنولوجيات الجديدة ستبدل حياتنا بشكل أساسي ؟بالتاكيد نحن نتظاهر أحيانا بالإيمان بذلك لكن نعارض في الصميمان مجتمعنا من دون مستقبل يقتات منه"
لكن على كل ما يحمله العالم المعاصر من بربرية موحشة والأزمة التاريخية التي يعيشها العالم "ليس لنا بديل عن هذا العالم"،"لا وجود لخلاص تاريخي .لن نخرج من التاريخ".
إننا لا نريد في هذا المقام ان نرسم فضاءات جنائزية حول ما يحدث للإنسان المعاصر جراء تطور آليات التقنية للاتصال وتأثيرها على التواصل بين الأفراد فحسب بل نروم ان نرسم "خطوط إفلات" سريعة ،ديناميكية حيوية داخل هذه الفضاءات المخددة بكل أشكال السيطرة على الإنسان والتي طمست إرادة الفعل فيه ليصبح كائن استهلاكي بامتياز . أن برنامجا اتقيا وجماليا معا كفيل بإعادة الأصالة إلى العالم"على كل شئ يمكنه أن يبدأ من أي نقطة وكل شئ يجب ان يبدأ في كل مكان من أطراف عديدة ويجب على بدايات عديدة ان تحدث جميعا وان تتزامن وان تتآزر وان تحدث دوامة"





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,363,553,620
- المجتمع الافتراضي وأزمة التواصل


المزيد.....




- نصر الله: الأسد أكد لي رغبته في عودة اللاجئين السوريين
- اعتقال عناصر من داعش في الأنبار ونينوى
- العراق: اعتقال 5 داعشيات بينهن سوريات الجنسية شمال غرب الموص ...
- أزمة اللاجئين السوريين: السلطات اللبنانية تنفي منع سوريين من ...
- ارتفاع محاولات الانتحار بين اللاجئين المحتجزين في جزيرة مانو ...
- الرئيس الأسد يؤكد على أهمية تحديد المعوقات لتحقيق إنجازات حق ...
- اعتقال 23 مشجعا قبل نهائي كأس إسبانيا
- إيران.. اعتقالات بسبب اليوغا
- السعودية تبتكر أول مصحف إلكتروني في العالم للمكفوفين
- إيران.. اعتقال 30 شخصا لممارسة اليوغا


المزيد.....

- منظمات «المجتمع المدني» المعاصر: بين العلم السياسي و«اللغة ا ... / جوزف عبدالله
- وسائل الاعلام والتنشئة الاجتماعية ( دور وسائل الاعلام في الت ... / فاطمة غاي
- تقرير عن مؤشر مدركات الفساد 2018 /العراق / سعيد ياسين موسى
- المجتمع المدني .. بين المخاض والولادات القسرية / بير رستم
- المثقف العربي و السلطة للدكتور زهير كعبى / زهير كعبى
- التواصل والخطاب في احتجاجات الريف: قراءة سوسيوسميائية / . وديع جعواني
- قانون اللامركزية وعلاقته بالتنمية المستدامة ودور الحكومة الر ... / راوية رياض الصمادي
- مقالاتي_الجزء الثاني / ماهر رزوق
- هنا الضاحية / عصام سحمراني
- عودة إلى الديمقراطية والمجتمع المدني / كامل شياع


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - سعاد زريبي - المجتمع الافتراضي وأزمة التواصل