أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبده أبوالعلا - من سيرة باحث أكاديمي (قصص قصيرة حدثت بالفعل)















المزيد.....


من سيرة باحث أكاديمي (قصص قصيرة حدثت بالفعل)


محمد عبده أبوالعلا
(Mohamed Abdou Abulela)


الحوار المتمدن-العدد: 6185 - 2019 / 3 / 27 - 02:37
المحور: الادب والفن
    


من سيرة باحث أكاديمي (قصص قصيرة حدثت بالفعل)

محمد عبده أبو العلا


(1-7) مسألة مبدأ

في بداية أول محاضرة له في الترم الثاني، تحدَّث الدكتور إ. ط. بسخرية شديدة عن ورقة إجابة أحد الطلاب بامتحان الترم الأول. من بين ما قاله على سبيل المثال: إن صاحب هذه الورقة يستعرض أثناء الإجابة... من الواضح أنه يعاني عقدة الخواجة. (كنت في حالة صمت وذهول شديدين وأنا أستمع إلى هذا الكلام).

انتظرتُ حتى أنهى وصلته الطويلة من السخرية. وبمجرد تحرُّكه للخروج من قاعة المحاضرات، خرجتُ وراءه إلى أن وصلتُ إليه عند باب القاعة تقريبا. سلمتُ عليه، ثم سألته:

- ورقة الإجابة التي تحدثتَ عنها حضرتك هي ورقتي .

ضحك بصوت عالٍ وقال:
- أعرف أنها ورقتك؟
- لكنني لا أعاني عقدة الخواجة كما ذكرتَ حضرتك؛ فالأفضل أن أكتب المقابل الانجليزي للمصطلحات وأسماء الفلاسفة الأجانب كما هو معتاد في الدراسات الأكاديمية. كما أنني استعنت بمراجع أجنبية بها معلومات جديدة فعلا غير المعلومات الموجودة في كتاب حضرتك.

ابتسم بسخرية ثم قال:
- ما التقدير الذي تتوقعه لنفسك؟
- أتوقع امتياز، وفي أسوأ الأحوال جيد جدا.
ضحك بصوت عالٍ ثم تركني ومضى إلى حال سبيله.
عندما ظهرت نتيجة الترم الأول، بعد أيام فقط من هذا الحوار، وجدتُ تقديري في مادته "مقبول".

أثناء أوَّل محاضرة له بعد علمي بالنتيجة، كنت أستمع له وأنا على درجة من الانتباه والتركيز لم يسبق لها مثيل في حياتي. أخرجت ورقة وقلم أثناء المحاضرة، وأخذتُ أسجِّل تعليقاتي على كلامه. سجَّلتُ- على ضوء قراءاتي السابقة- ثلاثة انتقادات هامة للغاية حول بعض النقاط التي ذكرها. ما زلتُ أتذكر هذه الانتقادات حتى الآن رغم مرور ما يقارب عقدين من الزمان.

قبل أن يُنهي محاضرته، رفعتُ يدي طلبا للكلام. وبعد أنْ أذن لي، انطلقت كشلال هادر. تحدَّثتُ بجرأة ولباقة غير مسبوقة. ألقيت ما يشبه محاضرة، وليس مجرد إبداء رأي أو انتقاد. لم أكن حينذاك أفكر إطلاقا في نتائج ما أفعله، فكل ما كنتُ أفكر فيه، فقط، هو أن أثبتُ له عمليا أنني لم أكن أستعرض وأنني لا أعاني عقدة الخواجة.
كان جميع الطلاب في حالة ذهول. أما هو فكان مصدوما، ولم يستطع أن يعقِّب على كلامي بكلمة واحدة. الشيء الوحيد الذي فعله أنه أخذ حقيبته وترك المحاضرة بعد أن قال: لقد أخطأتُ عندما أعطيتكم حرية الحوار.

رأيته بعد هذه الواقعة بحوالي ثماني سنوات في مكان مفتوح به شبه زحام أمام مبنى الكلية التي يعمل بها. حاولت أن أتأخر عنه قليلا حتى يسبقني هو في الدخول إلى مبنى الكلية. ورغم أنني كنت على يساره بمسافة، ومتأخرا عنه إلى حد ما، إلا أنه التفت إليّ ثم وقف تماما. اضطررتُ أن أتجه إليه وأسلم عليه. بمجرد أن سلمتُ عليه، قال:
¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬
- أنت محمد عبده؟
قلتُ له وأنا أحاول أن أجعل تعبيرات وجهي محايدة:
- نعم، أنا. كيف حال حضرتك؟ لعلك بخير.

رغم مرور هذه المدة الطويلة، كنتُ أشك أنه سينسى ما حدث بيني وبينه، وبالفعل لم ينسَ، وتأكَّد لي ذلك عمليا فيما بعد، حيث كان هناك أمر مصيري بالنسبة لي يتطلَّب تدخُّلا مباشرا منه (بل يُعتبر هو صاحب القرار الأخير فيه بحكم وظيفته الأكاديمية، التي لا يزال يشغلها حتى الآن). كنت حينها أعاني صراعا داخليا حادا بين صوت المصلحة (المشروعة) الذي يلح عليَّ بالتحدث إليه من أجل مساعدتي في هذا الأمر وبين صوت كبريائي الذي يحذرني من الإقدام على هذه الخطوة. بعد صراع طويل وقاسي، انتصر صوت كبريائي على صوت المصلحة. لقد قرَّرتُ أن أعطيه درسا في الكرامة والثبات على المبدأ لا يقل قسوة عن الدرس الأول، درسا عنوانه: "يجب أن تعلوا المبادئ في حياتنا على أية اعتبارات أخرى".

)2-7) مغامرة غير محسوبة
كان الدكتور ع. ح. يدخل كل محاضرة في ميعاده، بأناقته المعهودة وصوته الجهوري، ويذكّرنا- بعد أن يجلس ويشعل سيجارته المارلبورو- بأنه وكيل الكلية للدراسات العليا، وأنه يستطيع- بجرة قلم- أن يفعل كذا وكذا بنا.
الشيء الأساسي الذي كان يجعلني أخاف منه هو سلاطة لسانه، فضلا عن تهديداته طبعا.
كان موضوع محاضراته هو فلسفة هيجل، لكنه لم يقل أبدا شيئا عن هيجل سوى بضعة جُمل يكرِّرها كما هي في كل محاضرة، جُمل لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
كنت في ذلك الوقت أقرأ عن هيجل في عدد من المراجع. وبحكم الحصيلة المعرفية التي كانت تزيد لديّ يوما بعد يوم، كانت شهوتي في الكلام عن هيجل ورغبتي في كسر هذا الروتين الممل تلحّ عليّ باستمرار.
لكن الإقدام على هذه الخطوة يمثِّل- بكل تأكيد- مغامرة غير محسوبة؛ نظرا لطبيعة شخصيته، فضلا عن جهله بفلسفة هيجل.
حاولتُ أن أصرف هذه الفكرة عن رأسي، لكنني فشلتُ. هذا إلى جانب أن رغبتي في أن أرى ردة فعله على كلامي أصبحت أقوى من شهوتي في الكلام عن هيجل.
وبالفعل، في إحدى المحاضرات استجمعتُ كل شجاعتي ورفعتُ يدي طلبا للكلام. بعد أن أَذِنَ لي، شرعتُ في الحديث عن بذور فلسفة هيجل عند هيراقليطس؛ وكنت أنوي التطرُّق إلى الحديث عن الفرق بين مثالية هيجل ومثالية كانط، لكنه قاطعني قائلا (بلهجة عامية سوقية): تصدق وتؤمن بالله يا بني.. عليَّ الطلاق أنا ما فاهم أنت بتقول إيه.. اقعد.

كنتُ سعيد جدا بأنه اكتفى بهذا الردّ، وحمدتُ الله حينها حمدا كثيرا أنه لم يسألني عن اسمي.
قابلته منذ حوالي أربع سنوات؛ وجدته كما هو، لم يتغيَّر أسلوبه في الكلام، حتى شكله لم يتغيَّر كثيرا. ولا يزال، للأسف، يشارك في تحكيم رسائل الماجستير والدكتوراه للكثير من الطلاب.
)3-7) البديل الثالث
كنت أنا وزملائي وزميلاتي من الطلبة والطالبات ننتظر أمام باب مكتبه الفخم جدا جدا. إنه يوم امتحان الشفوي، والمُمْتَحِن هو وكيل الكلية للدراسات العليا (دكتور ع. ح.). كان الامتحان في كتاب صغير يدور موضوعه حول مذهب المنفعة العامة.
كنا جميعا في حالة قلق، لأننا نعرف هشاشته العلمية وشعوره الشديد بالنقص الذي يحاول أن يعوِّضه دائما بسلاطة اللسان، والافتخار بمنصبه كوكيل للكلية للدراسات العليا.
كنا ندخل للامتحان في شكل مجموعات، وليس فرادى (كل مجموعة تتكوَّن من ثلاثة أو أربعة طلبة، وبمجرد أن تخرج مجموعة تدخل مجموعة أخرى). كنا ننتظر بلهفة خروج أول مجموعة حتى نَعْرِف نوع أسئلة الامتحان. بعد دخول أكثر من مجموعة، اتضح أنَّ الدكتور لم يجهِّز سوى سؤال واحد لامتحاننا جميعا.
المفاجأة أنَّ الطلبة الذين عرفوا السؤال، بالرغم من أنهم لم يدخلوا بعد للامتحان، كانوا يتمنون أنْ يغيِّر الدكتور السؤال. فالسؤال- الذي اختير بعناية- كان سؤالا مفخَّخا، بمعنى أنه يقود الطالب إلى إجابة معيَّنة يريدها الدكتور. وبمجرد أن يسمع الدكتور الإجابة، يبتسم ابتسامة عريضة- وهو يميل بكرسيه الأسود العريض إلى الخلف- ثم يصدم الطالب بسؤال آخر (اعتراضي) يجعله عاجزا تماما عن الردّ.
عندما علمتُ بذلك، كنت في حيرة من أمري، فإما أن أسايره وأُشبع غرورة بالإجابة التي يريدها حتى أضمن نجاحي، وإما أن أفاجئه بإجابة أخرى تكشف عن تهافت سؤاله؛ وهذا معناه أنني غالبا سأرسب في الامتحان.
لم أستطع حينها أن أتخذ قرارا محدَّدا حتى لحظة جلوسي أمامه.
جاء دوري أخيرا. دخلتُ مع مجموعتي وجلسنا أمامه. التفتَ إلينا بعد لحظات من جلوسنا، ووجَّه سؤاله لنا- بصوت يعبر عن ثقة شديدة- قائلا:
- أيهما تؤيد: مذهب الإيثار أم مذهب المنفعة؟
بادر أحد زملائي بالإجابة قائلا:
- أؤيد مذهب الإيثار.
رد عليه الدكتور قائلا:
- هل تحب نفسك أم تكرهها؟! هل تتمنى لنفسك السعادة أم البؤس والشقاء؟!
- لا أكره نفسي وأتمنى لها السعادة.
- إذن أنت أناني على خلاف ما تقول.
في هذه اللحظة رفعتُ يدي طلبا للكلام. بعد أن أذن لي، قلت له:
- من الممكن أن نحلّ هذه المشكلة بطرح بديل ثالث إلى جانب النفعية والإيثارية. هذا البديل الثالث، والذي سأختاره أنا شخصيا، هو "جون ستيوارت ميل".
- أنت هتستهبل ولا أيه؟! أنت مش عارف إن "ميل" يتبع مذهب المنفعة؟!
- نعم، هو يتبع النفعية. لكن نفعيته ليست نفعية بالمعنى الحسي الصارم الموجود عند أستاذة جيرمي بنتام، وبالتالي فهي لا تتعارض على طول الخط مع الإيثارية. فنفعية ميل (التي تهتم بنوع المتع بدلا من مقدارها) أكثر اعتدالا من نفعية بنتام، وبالتالي أكثر قبولا بالنسبة للضمير الإنساني.
على خلاف ما كنت أتوقع، لم ينفعل السيد وكيل الكلية للدراسات العليا، بل استمع إليَّ حتى أنهيت كلامي، ثم طلب منَّا جميعا الخروج- بعد أن سجَّل أسماءنا- دون أن يعلِّق بأي كلمة.
كنتُ في انتظار النتيجة على أحرّ من الجمر. لكن- بفضل الله- لم يحدُث ما كنتُ أتوقعه ونجحتُ في الامتحان.
(4-7) كوميديا سوداء
في بداية عام جامعي جديد، علمتُ أن ثلاثة أو أربعة (على ما أذكر) من زملائي في القسم قد تم رفع المجموع النهائي لدرجاتهم في المواد التي امتحنوها العام الفائت ليصبح تقديرهم "جيد جدا" بدلا من "جيد". عرفتُ حينها أن هذا تم وفقا لقواعد منح درجات الرأفة. بمقتضى هذه القواعد، إذا كان رفع التقدير من "جيد" إلى "جيد جدا" يحتاج إلى أربع درجات فقط، يحصل الطالب على هذه الدرجات، ويتم رفع تقديره.

ما كان يثير دهشتي هو أن تقديري (وهو "جيد") لم يتم رفعه إلى "جيد جدا" مثل زملائي، حيث أن القاعدة التي استفادوا منها تنطبق أيضا عليَّ. فرفع تقديري كان يحتاج إلى ثلاث أو أربع درجات فقط.

صمَّمتُ على أن أعرف السبب. وبدأتُ استفسر من الموظفين والإداريين. أحد الموظفين المخضرمين قال لي:

- تفسير ما يحدث بسيط جدا... بالتأكيد أنت استفدت من درجات الرأفة في إحدى المواد.
- ممكن توضَّح أكثر بعد إذنك؟
- بمعنى أنك رسبت في إحدى المواد، ثم نجحت فيها بعد أن أضافوا لك درجات الرأفة.
- هذا مستحيل.
- لا يوجد تفسير غير ذلك.
- لقطع الشك باليقين.. أريد أن أعرف المادة التي رسبتُ فيها.. بالتأكيد هناك شيء آخر غير رسوبي في إحدى المواد.

وبالفعل، تابعتُ الموضوع حتى تمكنتُ من التوصُّل إلى درجاتي في الكشوف الأصلية بالكلية. المفاجأة أنني وجدتُ نفسي راسبا بالفعل في إحدى المواد. وأتذكر حتى الآن الدائرة الحمراء المرسومة حول الدرجة.

خرجتُ من حجرة الموظف الذي أطلعني على الكشوف وأنا في حالة ذهول شديد، وبدأتُ أتذكر الدكتورة التي قرَّرت رسوبي في امتحان مادتها وهي تدخل علينا في كل محاضرة لتذكِّرنا- نحن أبنا الأقاليم- بأنها تسكن في القاهرة، في منطقة كذا الراقية جدا، بجوار كذا الدولي.

تذكَّرتُ أيضا كيف كانت تدير المحاضرة: كان كل طالب أو طالبة يقرأ عددا من صفحات الكتاب (أو بالأحرى المذكِّرة) التي قرَّرتها علينا وكأننا في حصة مطالعة في مدرسة ابتدائية. كنت أشك أنها تجيد القراءة. لم تعقِّب أبدا على نقطة أو جزئية أو فكرة مما كان يقرأه الطلبة. كنتُ عندما أراها، ألعن كل من ساعد أو ساهم أو شارك، أو حتى سكت، عن وصولنا إلى هذه المهزلة.

كنت في حالة شرود ذهني وأنا أتذكَّر هذه الأشياء، لكنني ما لبثتُ أن عُدتُ إلى انتباهي الكامل. الغريب أنني حينها لم أكن غاضبا أو منفعلا، بل كنتُ أضحك ضحكا مكتوما متقطعا لوجود ناس حولي.

فالموقف بالنسبة لي كان أشبه بالكوميديا، لكنها كوميديا سوداء.

)5-7) حنين

كنتُ أنا وزملائي وزميلاتي من الطلبة والطالبات نقف أمام باب حجرة مكتب متواضع، هو مكتب دكتورة س. ج.، لحين بدء امتحان الشفوي. كنـَّا ندخل فرادى، أي الواحد تِلْو الآخر. عندما جاء دوري، دخلتُ بعد أن طرقتُ الباب. بمجرد أن دخلتُ، استقبلتني بوجهها البشوش الطيب ورحبَّتْ بي قائلة:
- ازيك يا محمد... عامل أيه؟ أخبارك؟
- الحمد لله يا دكتورة... ربنا يحفظك.

على الفَوْر، أمْسَكَتْ قلما كان بجوار يدها وكتبتْ شيئا بسرعة في كشف الدرجات الذي كان أمامها. لم أكن منتبها لما كتبته، لأنني كنتُ داخلا للتَّو.

سألتني قائلة:

- هل تعرف ماذا كتبتْ؟
- لا أعرف.
- لقد سجلتُ درجة الشفوي الخاصة بك.
- دون أن تسأليني؟!
- نعم، دون أن أسألك مثل باقي الطلبة. ومع ذلك فلن يحصل أي طالب على درجة أعلى من درجتك مهما كانت إجابته.
- شكرا جزيلا لحضرتك يا دكتورة... هذه ثقة كبيرة أعتز بها جدا. لكن ما هي الدرجة التي أخذتها.
- أعطيتك 8 من 10.
- 8 من 10؟! طيب ممكن طلب لو سمحتِ؟
- اتفضل.
- أريد من حضرتِك أن تسأليني، لأنني أريد أن أحصل على 10 من 10.
- ومن قال لك أنني سأعطيك 10 من 10 مهما كانت إجابتك. لا يمكن أن أعطي الدرجة النهائية لأية إجابة، حتى لو إجابتي أنا شخصيا.
- بلاش 10 من 10، اسأليني وأوعدك هجيب 9 من 10.
- محمد.. أحذرك من استفزازي. ممكن تتفضَّل وتخرج.
قلت لها وأنا أضحك:
- خلاص أنا آسف.. أنا بهزر والله.
عندما وصلتُ إلى الباب، وقبل أن أفتحه بلحظة، نادتني قائلة:
- محمد
- نعم حضرتك
- أنا اللي هشرف عليك في الماجستير والدكتوراه إن شاء الله.

فتحتُ الباب وخرجتُ بعد أن شكرتها شكرا حارا.

كلما تذكَّرتُ مواقفي معها، سَيْطَر عليَّ حنين جارف إلى كلماتها الطيبة ووجهها الجميل البشوش. لكن ما أقسى هذا الحنين على الروح عندما لم يَعُدْ الإنسان يملك إزاء مَن يحنّ إليه سوى الدعاء له بالرحمة والمغفرة، والعيش على أمل اللقاء به في الجنة.

(6-7) لائحة عزبة سكسونيا

بعد حوالي خمس سنوات من تخرُّجي، وثلاث سنوات من زواجي، ألحَّتْ عليّ بشدة فكرة التسجيل للماجستير، الذي يتطلب اجتياز ما يُسمَّى بالسنة التمهيدية للماجستير. كان محل إقامتي الدائم (محافظة قنا، موطني الأصلي)؛ فكان من الطبيعي أن أتقدَّم بأوراقي إلى جامعة قريبة من محل إقامتي. وبالفعل ذهبتُ إلى كلية الآداب بإحدى الجامعات القريبة من محل أقامتي، والتقيتُ هناك بالسيد مدير مكتب الدراسات العليا. جلست معه وأنا واثق تماما أن الأمر يسير ولن توجد أية معوقات أو مشاكل.

لكن بمجرد أن أعطيته أوراقي الأصلية ليطلع عليها، قال لي وهو يبتسم ببرود:

- للأسف لا يمكن قبولك في السنة التمهيدية للماجستير بالكلية، لأنك خريج جامعة طنطا.
- وما الذي يمنع قبول خريجي جامعة طنطا؟! هذه جامعة مصرية وليست هندية.
- هناك لائحة تشترط عدم قبول إلا أبناء الجامعة.
- أريد أن أرى اللائحة.
- اللائحة موجودة في الإدارة المركزية للجامعة. لكن أنبهك أنهم في الإدارة المركزية سيأخذون وقتا طويلا ومجهودا كبيرا حتى يتوصلوا إلى اللائحة؛ ما يعني أنك لابد أن تتردَّد عليهم مرات عديدة.
- أريد أن أقابل السيد العميد أو أحدا من السادة وكلاء الكلية.. فأنا أشك في وجود هذه اللائحة.
- الدكتور ع. ص. أ.، وكيل الكلية لشؤون التعليم والطلاب، موجود في مكتبه في الدور الثاني.

على الفَوْر، توجَّهت إلى مكتب وكيل الكلية (الذي كان حينها أحد أعضاء هيئة التدريس بقسم الفلسفة بالكلية). دخلتُ إليه وتحدثتُ معه عما دار بيني وبين مدير مكتب الدراسات العليا، فأبدى استغرابه واستيائه من كلام مدير مكتب الدراسات، واتفق معي على أنه لا يمكن أن تكون هناك لائحة تنص على هذا الكلام الفارغ. أثناء وجودي معه، رفع سماعة التليفون واتصل بمدير مكتب الدراسات العليا لكي يحضر إليه فورا في مكتبه.

كنتُ سعيد جدا بكلام السيد وكيل الكلية، لا سيما أنه كان يقوله بمنتهى الثقة والقوة، ما يعني أن اللائحة غير موجودة بالفعل.

بمجرد دخول مدير مكتب الدراسات العليا مكتب وكيل الكلية، بادرة الوكيل قائلا: ما المشكلة الخاصة بالأستاذ محمد؟ لماذا ترفضون قبوله في السنة التمهيدية للماجستير؟!

لم ينطق السيد المدير بكلمة واحدة، لكنه اقترب بفمه من أذن السيد الوكيل وهمس فيها بجملة واحدة لم أستطع سماعها.

كان فعل هذه الجملة في وكيل الكلية كالسحر، بل أكثر. لقد انقلب كلامه رأسا على عقب. ولم يلبث أن قال لي، بعد أن تحوَّل من أسد هصور إلى حمل وديع: للأسف لا يمكن قبولك هنا، فهناك لائحة بالفعل. عموما، أنصحك بتقديم أوراقك إلى كلية الآداب- جامعة المنيا، سيتم قبولك هناك إن شاء الله، أنا واثق من ذلك.

لم أصدِّق وكيل الكلية، فقرَّرتُ أن أذهب بنفسي إلى مبنى الإدارة المركزية للجامعة بحثا عن هذه اللائحة. ذهبت أكثر من مرة، وكان شكي في محله، حيث لم أجد لها أيّ أثرا. اضطررتُ في نهاية المطاف إلى تقديم أوراقي إلى جامعة المنيا التي تبعد عن محل إقامتي خمس ساعات ذهابا (بالقطار) ومثلها عودة.

السيد وكيل الكلية يعمل حاليا أستاذا متفرِّغا، ويشارك بكثرة في تحكيم رسائل الماجستير والدكتوراه.

(7-7) حتى يطير الدخان

كان من بين الذين يحاضرونني أثناء السنة التمهيدية للماجستير بكلية الآداب- جامعة المنيا أحد أساتذتي السابقين في جامعة طنطا (كان حينها قد أصبح أستاذا متفرِّغا).

توطدت علاقتي بأستاذي السابق خلال هذه السنة أكثر وأكثر. كان معجبا جدا بي، ووعدني بأنه سيبحث لي عن دكتور يشرف على رسالتي للماجستير في جامعة تكون قريبة من محل إقامتي (محافظة قنا).

بعد نجاحي في السنة التمهيدية، وبمجرد انتهائي من إعداد خطة الماجستير، اتصلتُ به تليفونيا وذكَّرته بوعده لي.

وبالفعل، أعطاني رقم تليفون دكتور ش. ع. (المشرف المُفترَض)، الذي يعمل بجامعة في إحدى المحافظات القريبة جدا من محافظتي.

على الفَوْر، اتصلتُ بدكتور ش. ع.، الذي طلب مني أن أقابله في جامعة بشمال الصعيد تبعد كثيرا عن محل إقامتي (اعتقد أنه كان يُنتدب إلى هذه الجامعة بعض الأيام). التزمتُ بالسفر في اليوم المحدَّد، وبعد أكثر من ست ساعات سفر، وبمجرد نزولي من القطار، اتصلتُ به. طلب مني أن أنتظره في مقهى شعبي يوجد أمام محطة القطار مباشرة.

استغربتُ جدا من اختياره للمقهى كمكان يصلح لمناقشة موضوع مقترح لأطروحة ماجستير، حيث سيوجد حتما كثير من الجلبة والضوضاء.

جلستُ انتظره في المقهى وأنا أراقب كل مَنْ يدخل، حيث أخبرني في التليفون بلون الجاكيت الذي يلبسه.

حضر بالفعل ومعه شخص آخر، وهو دكتور ع. ن.، الذي كان يشغل حينذاك وظيفة رئيس قسم الفلسفة بالكلية. طلب كل منهما شيشة، فضلا عن المشاريب. كنتُ أجلس معهما وسط سحابة كثيفة من دخان الشيشة، فضلا عن الكثير من الجلبة والضوضاء .

أعطيتُ خطة الماجستير لدكتور ش. ع.. قرأها بسرعة شديدة، ثم نظر إليّ قائلا:

- أنت تُعطِي لروبرت نوزيك حجما أكبر من حجمه. هناك فلاسفة سياسيون معاصرون أهم منه بكثير، من بينهم على سبيل المثال الفيلسوف (كذا) الذي تناولته في أطروحتي للدكتوراه. كما أن هناك من تعرَّضوا لنوزيك قبلك (د. نصار عبد الله على سبيل المثال)، وبالتالي فلستَ أنت أوَّل مَن يكتب عنه كما تدَّعي.
- بالنسبة للنقطة الأولى، أنا كتبت في الخطة إن نوزيك أحد أهم فلاسفة السياسة المعاصرين ولم أكتب أنه الأهم. وبالنسبة للنقطة الثانية، فبالفعل هناك مَنْ كتبوا عن نوزيك، لكن هذا كان في صفحات قليلة وعلى عُجالة، حيث لم يكن نوزيك هو موضوعهم الرئيس. على سبيل المثال، د. نصار عبدالله- الذي ذكرته حضرتك- تعرَّض لنوزيك في صفحتين أو ثلاثة فقط من رسالته للدكتوراه عن جون رولز.

حتى الآن لم يتكلم السيد رئيس القسم أو يعلِّق بأي شيء. لكنه لم يلبث أن مدَّ يده وأخذ الخطة من د. ع. ن. وبدأ يقرأ فيها. لم ينتهِ من قراءة الصفحة الأولى حتى بادرني بهذا السؤال:

- ماذا تقصد بـ"الليبرتارية" libertarianism؟
- الليبرتارية، كما هو مكتوب في الخطة، هي صورة معاصرة من صور الليبرالية، لكنها تختلف عن الصور الأخرى لليبرالية بتأكيدها الفجّ على النزعة الفردية، لدرجة أنها تلغي أي دور للدولة في مجال الرعاية الاجتماعية.

المفاجأة أنَّ السيد رئيس القسم قال لي، بصوت يعبِّر عن ثقة متناهية، وبعد أن اتكأ بظهرة للخلف على الكرسي فاردا قدميه أمامه وهو ينفث دخانا غزيرا من أنفه وفمه:

- هذا كلام غير صحيح.
- غير صحيح تماما؟!
- نعم
- أنا آسف جدا.. اتفضل حضرتك.. كلي آذان صاغية.

شَرَعَ السيد رئيس القسم في الكلام... ويا ليته ما تكلم. كل ما قاله لم يكن سوى فانتازيا من وحي خيال صِرف لا يمتّ بصلة من قريب أو بعيد إلى الليبرتارية أو حتى غير الليبرتارية.

قبل أن أتركهما وأعود من حيث أتيت، قال لي دكتور ش. ع.:
- قبل أن تغادر، أنبِّهك إلى أن نظام التسجيل عندنا في الكلية يتطلب اجتياز اختبار التويفل، عِلمًا بأن هناك درجة معيَّنة لابد أن تحصل عليها. وحتى لو حصلتَ على الدرجة المطلوبة، فإنني سأقوم بنفسي بإعداد اختبار لك في اللغة الانجليزية، هذا إلى جانب اختبار آخر في اللغة العربية.

في اليوم التالي لهذه المقابلة اتصلتُ بأستاذي السابق في جامعة طنطا وسردتُ عليه كل ما حدث. وعندما علم مني أنَّ دكتور ش. ع. حدَّد لي موعدا آخر لمقابلته، ردّ عليَّ بجملة قصيرة جدا قائلا: لا تذهب إليه.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,560,739,166
- الأدب والسياسة على هامش كتاب الخيال السياسي لعمار علي حسن


المزيد.....




- نجيبة جلال : العفو الملكي اشارة قوية لتغيير القوانين
- هل -سرقت- أسمهان أغنية -يا حبيبي تعال الحقني-؟
- تضارب في الروايات.. تفاصيل جديدة بشأن مقتل صحفي وعائلته بالع ...
- مجلس العموم البريطاني امام مشكلة -اللغة التحريضية-
- شبح استقالة العماري يطارد دورة أكتوبر لمجلس جهة طنجة
- بن مسعود يبرز عدالة القضية الوطنية في بلغراد
- بعد ثلاثين عاما.. الجزء الثاني من -الساطع- في صالات السينما ...
- سترة مزودة بأجهزة استشعار تغير حياة الصمّ
- سترة مزودة بأجهزة استشعار تغير حياة الصمّ
- فنانة لبنانية -ترتدي- الليرة اللبنانية وتواجه الدولار


المزيد.....

- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبده أبوالعلا - من سيرة باحث أكاديمي (قصص قصيرة حدثت بالفعل)