أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد صبحى منصور - بين الصلاة القرآنية للمسلمين والصلاة الشيطانية للمحمديين : الكتاب كاملا















المزيد.....



بين الصلاة القرآنية للمسلمين والصلاة الشيطانية للمحمديين : الكتاب كاملا


أحمد صبحى منصور

الحوار المتمدن-العدد: 6107 - 2019 / 1 / 7 - 17:31
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


بين الصلاة القرآنية للمسلمين والصلاة الشيطانية للمحمديين : الكتاب كاملا
دراسة أصولية تاريخية
د أحمد صبحى منصور
هذا الكتاب
كانت الكتابة الأولى لهذا الكتاب فى منتصف الثمانييات عن الصلاة فى القرآن الكريم ، ثم هو الآن يظهر تحت عنوان ( بين الصلاة القرآنية للمسلمين والصلاة الشيطانية للمحمدين ) فى دراسة أصولية تاريخية . تم نشره مقالات هنا ، وننشره الآن كتابا كاملا.
أحمد صبحى منصور



الفهرس
مقدمات كتاب ( الصلاة )

الباب الأول : الصلاة فى القرآن الكريم :
الفصل الأول : الصلاة قبل نزول القرآن : في الرسالات السماوية السابقة وفى حياة العرب الجاهلية.
الفصل الثاني : الصلاة ونزول القرآن : ( معنى بيان القرآن ـ منهج القرآن الكريم في تفصيلات التشريع.ـ منهج القرآن في تفصيلات فريضة الصلاة).

( الباب الثانى ) ( الخلفاء الفاسقون وصلاتهم الشيطانية )
تمهيد منهجى عن الصلاة فى تاريخ المسلمين وفى تشريعاتهم (المشكلة المنهجية فى بحث التراث ـ منهج البحث فى هذا الكتاب ـ الخلفية التاريخية للمصادر التراثية ـ لمحة عن الكتابات التاريخية والطبقات الكبرى لابن سعد ــ التسجيل التاريخى للصلاة عند المسلمين ـ لمحة عن أنواع الكتابات الفقهية )
مقدمة الباب الثانى : (الخلفاء الفاسقون وصلاتهم الشيطانية )
الفصل الأول : بين الصلاة الاسلامية والصلاة الشيطانية للخلفاء الفاسقين
الفصل الثانى : الدين الشيطانى للخلفاء الفاسقين : حرب الردة والفتوحات
الفصل الثالث : ( التكفير ) فى الدين الشيطانى للخلفاء الفاسقين
الفصل الرابع : الصلاة الشيطانية للخلفاء الفاسقين فى سبيل المال ــ إلاههم الأعظم
الفصل الخامس : فى دينهم الشيطانى : الخلفاء الفاسقون إستخدموا رب العزة جل وعلا للقتال فى سبيل المال إلاههم الأعظم
الفصل السادس : الخلفاء الفاسقون هم الأكثر وحشية فى التاريخ لأنهم جعلوا القتل دينا
الفصل السابع : لأن الخلفاء الفاسقين جعلوا الوحشية فى القتل دينا فقد إستمرت بعدهم
الفصل الثامن : صلاتهم الشيطانية فى حروبهم الأهلية ( الفتنة الكبرى الأولى )
الفصل التاسع : صلاتهم الشيطانية فى حروبهم الأهلية فى العصر الأموى:
الفصل العاشر : معالم الصلاة الشيطانية للخلفاء الفاسقين
الفصل الحادى عشر : الصلاة الشيطانية للخوارج
الفصل الثانى عشر : الصلاة الشيطانية بين الحجاج بن يوسف وشبيب الخارجى
الفصل الثالث عشر : ولاة الصلاة الشيطانية فى مصر ( الأموية )
الفصل الرابع عشر : عمرو بن العاص والى الصلاة ( الشيطانية ) فى مصر
الفصل الخامس عشر : صلاة الخلفاء الفاسقين العباسيين :
الفصل السادس عشر : ولاة الصلاة الشيطانية فى مصر العباسية
الفصل السابع عشر : من إجرام ولاة الصلاة الشيطانية فى مصر العباسية
الفصل الثامن عشر : الصلاة الشيطانية للخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله
الفصل التاسع عشر : الصلاة الشيطانية فى الدولة المملوكية
الفصل العشرون : الصلاة الشيطانية للسلطان قايتباى أكثر السلاطين المماليك ورعا
الفصل الحادى والعشرون : عن الصلاة الشيطانية والمساجد الشيطانية

الباب الثالث : التواتر التاريخى فى الصلاة
الفصل الأول : لمحة عن التواتر
الفصل الثانى : التواتر التاريخى للصلاة: محافظة العرب على أوقات الصلوات حتى فى الحروب والفتن
الفصل الثالث : التواتر التاريخى : أجدادنا تعلموا الصلاة من ( والى الصلاة )
الفصل الرابع : التواتر التاريخى فى الصلاة فى العصر العباسى
الفصل الخامس : تحريف التواتر فى العصر الأموى وتطوره
الفصل السادس : لمحة عن إستمرار وتطور التهاون فى الصلاة بعد العصر الأموى
الفصل السابع : من إمامة الصلاة الى العزلة فى العصر الأموى
الفصل الثامن : تحريف التواتر فى الأذان للصلاة
الفصل التاسع : تحريف التواتر الالهى فى التسبيح
الفصل العاشر : التواتر الشيطانى فى صلاة الجمعة فى لمحة تاريخية
الفصل الحادى عشر : صلاة الجمعة فى مصر العصور الوسطى
طقوس صلاة الجمعة الفاطمية
الفصل الثانى عشر : أخيرا : تحريم صلاة الجمعة فى مساجد الضرار
الفصل الثالث عشر : إبتداع وظيفة القصص فى المسجد بعد الصلاة
الفصل الرابع عشر : من القصاص الى ميعاد البخارى
الفصل الخامس عشر : ( مساجد الله جل وعلا ) : ماهية المسجد الاسلامى
الفصل السادس عشر : من التواتر الشيطانى : إبتداع وإستمرار صلاة العيدين
الفصل السابع عشر : لمحة عن الاحتفال بالعيدين فى العصر المملوكى
الفصل الثامن عشر : التواتر الشيطانى فى صلاة الجنازة : لمحة تاريخية
الفصل التاسع عشر : التواتر الشيطانى فى : إبتداع صلاة السنن بديلا عن النوافل

الباب الرابع : تحريف التواتر فى الصلاة بين الفقه والحديث :
( مقدمة )
الفصل الأول : مالك بن أنس ( 93 : 179 ) رائد التواتر الشيطانى فى تشريع الصلاة
الفصل الثانى: التواتر الشيطانى فى تبديل التشهد بالتحيات
الفصل الثالث : كافر بالله جل وعلا من يقول التحيات الشيطانية فى صلاته
الفصل الرابع : تعقيبات وردود على مقال (كافر بالله جل وعلا من يقول التحيات الشيطانية فى صلاته )
الفصل الخامس : التواتر الشيطانى فى قصر الصلاة وجمعها .
الفصل السادس : التواتر الشيطانى فى إختراع صلاة العيدين : أولا : مالك بن أنس ، الرائد الشيطانى
الفصل السابع : التواتر الشيطانى فى تشريع صلاة العيدين بعد مالك بن أنس : هجص صلاة العيدين فى البخارى ومسلم
الفصل الثامن : التواتر الشيطانى فى تشريع صلاة الجنازة : هجص ( موطأ مالك ) نموذجا
الخاتمة



مقدمات كتاب ( الصلاة )
أولا :
منذ أن بدأت مناقشة التراث السنى ونقد كتب البخارى وغيره وكان السؤال الذى أواجهه دائما : إذن كيف نصلى ؟ وأين عدد الركعات وكيفيتها ومواقيتها فى القرآن الكريم ؟؟.
فى كل خطبة جمعة كنت ألقيها فى أواخر الثمانينيات فى مصر كنت أضطر ـ فى مناقشات ما بعد الصلاة ـ الى الاجابة على هذا السؤال. ومللت من كثرة الاجابة، وأصبحت ملزما أمام كل فرد غير مقتنع بالقرآن لأن اخلو به جانبا لأقول له نفس الاجابة ، وفى غمرة ضيقى أقترحت لنفسى ساخرا أن أسجل الاجابة واصطحب جهاز التسجيل معى أينما سرت حتى إذا ووجهت بنفس السؤال أدرت جهاز التسجيل وأرحت نفسى من عناء التكرار. ثم قررت أن اكتب كتابا صغيرا فى الموضوع . كتبت الكتاب بخط اليد وسمحت لمن يشاء بتصويره ووزعت منه الكثير من النسخ ، وفيما بعد عندما جاء وقت ارساله للمطبعة حدثت تطورات منعت من نشره.
كانت هذه هى مقدمة الكتابة الأولى للكتاب
1 ـ منذ أن طرده المولى عز وجل وإبليس يعمل دون يأس في غواية بنى أدم إلى قيام الساعة ( فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ).الأعراف 12-) وقد أضل إبليس جيلا كثيرا من البشر في كل زمان ومكان، وسيتضح هذا يوم القيامة حين يقول رب العزة للبشر يذكرهم بالعهد القديم الذي أخذه عليهم بعدم التباع الشيطان وعبادته، وكيف أن معظمهم نسى وعصى، وتكرر هذا في أجيال كثيرة: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ) يس 60 ـ62 )
إن أغلبية البشر أتباع له ،فأكثرية البشر موصوفة في القرآن بالوقوع في الشرك والضلال، وهم لا يعرفون ولا يعترفون بأنهم ضالون أو بتعبير القرآن الكريم "الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)الكهف 104 ) إن الشيطان يزين لهم سوء عملهم فيجعله حسنا في تصورهم، الشيطان هو الحاضر الغائب في معادلة الضلال والإضلال ، والإنسان حين يختارا لضلال بنفسه يكون قد اختارا لشيطان وليا له دون أن يعرف ، بل يحسب نفسه مهتديا. يقول تعالى :( إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) الأعراف 30 ).
2 ـ البداية انه يختار الإعراض عن كتاب الله تعالى، وساعتها يتولاه شيطان يقترن به يصده عن السبيل ويقنعه أنه على الصراط المستقيم (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) الزخرف 36 – 37 )
3 ـ كل ذلك التوجيه والسيطرة على الإنسان تتم دون أن يرى الإنسان ذلك الشيطان المسيطر عليه ، فطالما يرتدى الإنسان جسده المادي فلا يمكن أن يرى عوالم البرزخ من الملائكة والشياطين ، ولا يستطيع أن يرى ذلك القرين الذي يسيطر عليه ويقوده. عندما يموت ويبعث ينكشف عنه الغطاء، ويقال له: (لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) ق 22) عندها فقط يرى ذلك الشيطان القرين الذي أضله، يقول تعالى عن مفاجأة الإنسان برؤية ذلك القرين الذي أضله: (حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ) الزخرف 38 )
4 ـ وطريقته بسيطة وواحدة أن يقابل الوحي الذي ينزله على الأنبياء بوحي آخر منسوب لله والنبي؛ وأن يحول الناس إلى تقديس النبي نفسه بل وتقديس طواغيت من البشر ويزين لهم أنهم على حق فيحسبون أنهم مهتدون.
5 ـ والله عندما ينزل وحيا مكتوبا على نبي ينزله كاملا تاما مبينا واضحا فهكذا كانت التوراة (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ) الأعراف 145)
وهكذا القرآن الذي ما فرّط في شيء (الأنعام 38)والذي قال تعالى عن تفصيلاته (وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. الأعراف 52) ولكن الشيطان صاحب السيطرة على أغلبية البشر يقنع الناس بأن كتاب الله ناقص موجز غامض ولا يكفى ويدفعهم إلى تحريف كتاب الله وإلى إنشاء منهج مزيف ينسبونه لله تعالى و للنبي، لتتم الضلالة باسم الدين والهداية . يقول تعالى عن أعداء الأنبياء من أصحاب الوحي الشيطاني وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ " ثم يتحدث المولى تعالى عن الأتباع من العامة لهذا الوحي الشيطاني: (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ " ثم يقول تعالى عن كتابه الذي ينبغي أن تحتكم إليه وهو الكتاب المفصل الذي يعلم أهل الكتاب أنه الحق من ربهم " أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ " ثم يصف القرآن بأنه تام غير ناقص وصادق غير كاذب لأنه كلمة الله " وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) ثم يبين المولى عز وجل أن أكثرية البشر ضالة مضلة تتبع أحاديث آحاد تفيد الظن ولا تفيد اليقين " وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ): الأنعام 112؛116"
العنكبوت 52لله على من لا يكتفي بالقرآن كلام الله " أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) العنكبوت 51" فالاكتفاء بالقرآن كتابا يعادل الاكتفاء بالله تعالى إلا ها، والمؤمن الحقيقي هو من يكتفي بالقرآن كتابا وبالله تعالى إلا ها لا شريك له (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) الزمر 36 ) والله تعالى هو الحق، وقرآنه هو الحق، وفى ذلك الكفاية للمؤمن: (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ. العنكبوت 52 ")
6 ـ المكذبون بالقرآن الكريم لا يتوانون عن اتهام رب العزة وقرآنه الكريم بالتفريط والعوج والنقص والغموض، ويسارعون بالسعي في آيات الله تعالى معاجزين متسائلين أين تفصيلات الصلاة في القرآن ؟ أين كذا وكذا في القرآن.
نقول منذ البداية إن هذا الكتاب لن يفلح في إصلاح اعوجاجهم مهما تكاثرت الآيات القرآنية فيه لأنهم ببساطة لا يؤمنون بالقرآن الكريم. تسلط إبليس على عقول أولئك " المسلمين " يتجلى في مواقفهم المختلفة حين قراءة هذا الكتاب. منهم من يشعر بالملل من كثرة الآيات القرآنية، وتسارع عيناه بالهروب من قراءتها ضجرا أو اعراضا عن الفهم ناسيا عنوان الكتاب ( الصلاة في القرآن الكريم ) وما يستلزمه منهج البحث في هذا الكتاب من الاعتماد أساسا على القرآن ولو كره الآخرون. بعضهم قد يقرأ الآيات ممتعضا ولكنها لا تجدي في إيقاظ ضميره الديني، ولا تؤثر على مشاعره الإنسانية طالما تناقض قدس الأقداس عنده وهو الأحاديث والسنة وما وجدنا عليه آباءنا. وبعضهم يقرأ الآيات ويحاول فهمها وفهم ما يقوله المؤلف عنها ولكنه يعيش في انزعاج حقيقي، إذ كيف يضحى بكل ما توارثه مقابل ما يقرؤه لأول مرة في كتاب كهذا وكاتب هذا الكتاب تلاحقه اللعنات وتتوالى عليه الاتهامات..
في المقابل هناك بعض المؤمنين ممن يبحث مخلصا عن الحق داعيا الله تعالى بإخلاص وإخبات أن يهديه للحق وأن يعينه على الصبر عليه والتمسك به، فالحق في هذا الزمن الأغبر بالذات يستلزم صبرا ونضالا للتمسك به. فإذا قرأ هذا الكتاب استراح، وأحس بالتقصير في حق المولى جل وعلا. ومن منّا يستطيع أن يؤدى حق الله تعالى عليه كما يجب؟
7 ـ إلى هؤلاء المؤمنين بالقرآن حق الإيمان أهدى هذا الكتاب
د. أحمد صبحي منصور

كتبت المقدمة فى القاهرة عام 1987. ثم كانت الموجة الأولى من إعتقال أهل القرآن . أكملت الكتاب ، وكتبت خاتمته ، وفيها قلت :
1- وضح فى القرآن أن الدين واحد وأن كل الأنبياء كانوا يقيمون الصلاة وان القرآن الكريم أمر النبى بإتباع ملة إبراهيم التى كان يعرفها العرب فى الصلاة والحج والصيام ولكن لابد أن يكون اتباع ملة إبراهيم حنيفيا أى مخلصا لله عقيدته من كل معصية ومن كل شرك لأن العرب أضاعوا الصلاة بالمعاص والشرك
2- وبعد نزول القرآن عاد الخلف بعد الإسلام إلى الواقع فى المعصية وفى تقديس الأولياء والقبور وزادوا على ذلك محاولة التشكيك فى الصلاة والتحريف فيها .....ومع ذلك فالخلف فى عصرنا الراهن يتمسكون بهذا التراث ويعكفون على هذه الأحاديث ويدافعون عنها ومن أجلها يتهمون القرآن بأنه ناقص وبأنه مجمل وبأنه غامض وبأنه لا يكفى .. وأن كلام البشر الذى نسبوه ظلما للنبى هو الذى يكمل نقص القرآن ويفصل المجمل فيه ويشرح غوامضه.
3- الله تعالى يقول أن القرآن كامل " اليوم أكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا " أخر ما نزل من القرآن المائدة 2" ويقول " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لامبدل لكلماته وهو السميع العليم : الانعام 115"
وهم يتهمون رب العزة بالكذب ويقولون أن سنة البشر هى التى تكمل النقص فى القرآن لأن القرآن عندهم ناقص .
الله تعالى يقول أن القرآن مفصل " ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون . الاعراف 52" ويقول " افغير الله أبتغى حكما وهو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلا . الانعام114 " ويقول عن كتابه " ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذى بين يديه وتفصيل كل شىء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون . يوسف 111 " ويقول وكل شىء فصلناه . الإسراء 12" ويقول " ما فرطنا فى الكتاب من شىء . الانعام 38 " ويقول عن أحكام التفصيل فى القرآن " آلر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير . هود 1" ويقول " حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون . فصلت1: 3" ولكن الذين لا يعلمون لا يكترثون لهذه التأكيدات الإلهيه ويصممون على إتهام رب العزة بالكذب وأنه أنزل القرآن مجملا وليس مفصلا .
والله تعالى يؤكد أن القرآن كتاب مبين وأن آياته بينات واضحات وأن القرآن ميسر : للذكر وأن الله تعالى هو الذى يتولى تبيين آيات الكتاب فى داخل الكتاب .
ولكثرة الآيات فى هذا المجال نقتصر على بعضها " فإذا قرأناه فاتبع قرأنه ثم إن علينا بيانه .. القيامة 18؛19" فالله هو الذى يتولى بيان القرآن ثم وما على المؤمن إلا أن يبلغ القرآن كما هو ولا يكتمه فالبيان مجرد تلاوة الاية " إن الذين يكتمون ما انزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس فى الكتاب أولئك لعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا ........ البقرة 159 "
وتفسير القرآن فى داخل القرآن " ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا . الفرقان 33" وهذه روعة التكرار والتشابه فى الآيات " الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثانى . الزمر 23" فكل معنى تجده يتكرر فى القرآن. ثم آيات تكررت كثيرا فى وصف القرآن: " تلك آيات الكتاب المبين " " ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر "
ثم قوله تعالى " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شىء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين النحل 89"
وكل هذه الآيات البينات لا تجدى معهم شيئا فهم لا يزالون مصرين على إتهام الله تعالى بالكذب وأنه أنزل القرآن مبهما محتاجا لأقوال البشر كى تفسره هذا مع أن زعيمهم ابن كثير يعترف فى مقدمة تفسيره أن أحسن التفسير أن يفسر القرآن بعضه بعضاُ .إذن فلا حاجة لأقوال البشر وإنما آيات يشرح بعضها بعضا فالقرآن مثانى ، ولكنهم لا يعترفون بمدلول آية إلا إذا جاء كلام المفسرون مؤيدا لها أى جعلوا كلام البشر مهيمنا على كلام الله عز وجل . هذا مع أن القرآن جعله الله مهيمنا على كل الكتب السماوية السابقة " وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه" ...... المائدة 101
4- المؤمن عند الله هو من يؤمن بحديث الله فى القرآن وحسب " فبأى حديث بعده يؤمنون " .... المرسلات 50 ، " أولم ينظروا فى ملكوت السواوات والأرض وما خلق الله من شيىء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأى حديث بعده يؤمنون............الاعراف185." " تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأى حديث بعد الله وآياته يؤمنون ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصرمستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب اليم . الجاثية 6-"
والمؤمن عند الله هو من يكتفى بالله وليا وبالقرآن كتابا أو ليس الله بكاف عبده .. الزمر 36" " أولم يكفيهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن فى ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون قل كفى بالله بينى وبينكم شهيدا يعلم ما فى السماوات وما فى الارض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون . العنكبوت 51 - " لم يكفيهم رب العزة وليا فاتخذو الأولياء ولم يكفهم القرآن كتابا فوضعوا لأنفسهم الأسفار وأساطير الأولين ثم التفتوا إلى كتاب الله يتهمون الله بأنه أنزل كتابا ناقصا موجزا مبهما مختصرا فأعلوا من مقدار علمائهم بقدر ما ظلموا الله تعالى وبخسوه حقه ثم إذا تليت عليهم آيات الله كادوا يبطشون بك " واذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف فى وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم؟ النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوى عزيز الحج 72-)
ثم هم بعد ذلك يطالبون بتطبيق شريعة من كتبهم الصفراء ما أنزل الله بها من سلطان ويخدعون الشباب ويدفعونهم للتطرف والتدمير والإصطدام بالسلطة واستحلال قتل المسلم وكل ذلك من أقوال علمائهم الذين حكموا بغير ما أنزل الله ونسبوا أقولهم للرسول كذبا وبهتانا.
ويوم القيامة سيكون الرسول خصما لهم أمام الله لأنهم هجروا كتاب الله " ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا ياويلتى ليتنى لم أتخذ فلانا خليلا لقد اضلنى عن الذكر بعد إذ جاءنى وكان الشيطان للإنسان خذولا وقال الرسول يارب إن قومى اتخذوا هذا القرآن مهجورا وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا .... الفرقان27-" . صدق الله العظيم .
د. احمد صبحى منصور 1988
لم يتيسر للكتاب الطبع والنشر بعدها لظروف كثيرة استمرت طيلة التسعينيات . ثم هاجرت الى أمريكا بلاد الحرية واستمتعت بنعمة الانترنت وتفضلت الكثير من المواقع الليبرالية بنشر كتاباتى وتتابعت نفس الأسئلة عن الصلاة فى القرآن الكريم. ورددت عليها بين سطور بعض المقالات والأبحاث. ومنها ما قلته فى نهاية بحث (الاسناد ) :
(هنا نضع بعض الحقائق القرآنية والحقائق التراثية .
معنى السنة فى القرآن هو المنهج او الطريقة وذلك فيما يخص تعامل الله تعالى مع المشركين .كما ان معناها هو التشريع الالهى ،وبالمعنيين فان السنة فى القرآن تأتى منسوبة لله ، اى سنة الله ، يقول تعالى فى تشريع خاص بالنبى (صلي الله عليه وسلم)((ما كان على النبى من حرج فيما فرض الله له ، سنة الله فى الذين خلوا من قبل وكان امرا الله قدرا مقدورا :الاحزاب 38 ))وفى الاية الكريمة يتضح ان ((فرض الله ))يعنى(( سنة الله ))يعنى ((امرا الله))هى ((شريعة الله))اى أن السنة معناها الشرع..
وهذا يتفق مع المعنى اللغوى لكلمة السنة ،تقول ((سن قانونا ))اى شرع قانونا ،واذا تم سن القانون اصبح شريعة واجبة التنفيذ.
وهذا ايضا يتفق مع المعنى الفقهى لمصطلح ((السنة العملية))اذ تعنى السنة العملية العبادات من الصلاة وزكاة وحج وصيام..
وفى كل ذلك فان الله تعالى هو صاحب التشريع الذى نزل فى القرآن الكريم، والنبى عليه السلام هو القدوة لنا فى تطبيق ذلك التشريع ،لذلك يقول تعالى ((لقد كان لكم فى رسول الله اسوة حسنة :الاحزاب 21 ))لم يقل كان لكم فى رسول الله سنة حسنة ،لان السنة هى سنة الله، اما النبى عليه السلام فهو القدوة الحسنة فى تطبيق سنة الله وشرع الله..
الا ان بعض فقهاء التراث يقولون ان السنة العملية هى العبادات التى اشرنا اليها ، اما السنة القولية للنبى فهى تلك الاحاديث التى اسندوها اليه بعد موته بقرون فيما يعرف بكتب الصحاح وغيرها . وهنا نختلف معهم ،لان السنة القولية للنبى عليه السلام هى ما ورد فى القرآن فى كلمة "قل "التى يتميز بها القرآن .
وقد تكررت كلمة "قل "للنبى فى القرآن (332)مرة ..وكانت الموضوعات التى ترددت فيها كلمة "قل" تشمل كل ما يحتاجه المؤمن من امور الدين ،وبعضها يؤكد ما جاء فى القرآن ايضا بدون كلمة "قل".وكان النبى عليه السلام مأمورا بأن يقول ذلك القول المنصوص عليه فى القرآن كما هو دون زيادة او نقصان ،اذ لايملك ان يتقول على الله تعالى شيئا فى امر الدين ((ولو تقول علينا بعض الاقاويل ،لاخذنا منه باليمين ،ثم لقطعنا منه الوتين ،فيما منكم من احد عنه حاجزين :الحاقة44 :47 )).باختصار ان السنة القولية للنبى هى كلمة ((قل )) لان السنة تعنى الشرع المفروض اتباعه .
ويقولون أن تلك الاحاديث هى مصدر المعرفة بالصلاة والعبادات .وهذا خطأ ظاهر لان تلك الاحاديث اقاويل ،والسنة هى طريقة تأدية للعبادة وكان معروفا تأدية العبادات ليس فقط قبل عصر البخارى وغيره ،بل كانت معروفة قبل نزول القرآن ،اذ كانت هى الملامح الاساسية لملة ابراهيم التى امر الله تعالى النبى والمسلمين باتباعها حنفاء ،بل ان تلك الاحاديث التى رويت فيما بعد النبى بقرون لم تتعرض بالتفصيل لكيفية تأدية الصلاة. وأكثر من ذلك أنها تشوه الصلاة وتشكك فيها.
ومن الطبيعى ان النبى عليه السلام وهو يقيم دولة وينشئ امه ويواجه مكائد اعدائه ان تكون له اقوال وتعليمات،كما كانت له تطبيقاته فى تنفيذ شرائع القرآن خارج العبادات ،مثل اعداد الجيش والقوة الحربية .وذلك كله يدخل ضمن التاريخ والسيرة ،وليس ضمن الدين الذى يعلو فوق الزمان والمكان .)
ولم تفلح تلك الاشارات فى منع تكرار نفس السؤال . لذا قررت اعادة نشر الكتاب بصورة جديدة وتحت عنوان جديد . واستلزمت الكتابة الثانية للكتاب مقدمة ثانية. قلت فيها :
1 ـ كانت الكتابة الأولى لهذا الكتاب تحت عنوان ( الصلاة فى القرآن الكريم )، وكان رقم 3 من سلسلة " دراسات قرآنية " التي لم يصدر منها سوى كتاب " المسلم العاصي : هل يخرج من النار ويدخل الجنة " وقد صودر في ظروف ادخالي السجن في نوفمبر 1987 . ثم كان كتاب " لا ناسخ ولا منسوخ في القرآن الكريم" هو رقم 2 في السلسلة والذي لم أستطع طباعته وقتها، فظلت بقية السلسلة ممنوعة قابعة بين أوراقى ومنها كتب ( الصلاة فى القرآن الكريم ) إلى أن أنعم الله تعالى بنعمة الهجرة والحرية ونعمة الانترنت فطلبت من أولادي كتابة هذا الكتاب الثالث من السلسلة على الكومبيوتر لنشره تلبية لرغبة كثير من القرّاء. وهكذا يظهر هذا الكتاب بعد تأليفه بحوالى عشرين سنة مصحوبا بفصول إضافية ترتب عليها تغيير عنوانه ليكون ( الصلاة بين القرآن الكريم والمسلمين ) .
كان الكتاب القديم يتحدث فقط عن الصلاة فى القرآن الكريم معتمدا على القرآن فقط. ثم جاءت الاضافة بحثا جديدا فى ميدانه يسير مع الصلاة فى الواقع التاريخى للمسلمين وفى التنظير الذى كتبه الفقهاء ورواة الحديث، وما حدث من تحريف وتضييع للصلاة بعد نزول القرآن الكريم خلال القرنين الأوليين بعد الهجرة ، أى فى العصر الأموى والصدر الأول من العصر العباسى، مع اشارات لتأثر الصلاة فى عصرنا بهذا الموروث، خصوصا مع غلبة التدين الوهابى السلفى.
2 ـ الكتاب الأصلى كان للرد على سؤال سئمت من سماعه من كثرة ما قيل لى : هو إذا كان القرآن الكريم لا يحتاج الى السّنة فأين مواقيت الصلاة وركعاتها في القرآن ؟؟ لذا كان الكتاب فى بدايته يؤكد أن القرآن الكريم ما فرّط في شيء، وأنه نزل تبيانا لكل شيء، وأن فيه تفصيل كل شيء.. ولكن أولئك الناس لا يفهمون منهج القرآن الكريم فى التشريع. ولأنهم مؤمنون بما يناقض القرآن الكريم ـ وهى السّنة ـ لذا يتهمون الله تعالى بالكذب حين أكّد فى القرآن الكريم أنه ما فرّط فى شىء وأنه نزل تبيانا لكل شىء . أولئك الناس نبّأ الله تعالى عنهم سلفا بأنهم يسعون وسعوا فى آيات الله معاجزين ، يحاولون النيل من كتابه الكريم و نسبة العوج اليه ، والسعى الى تعجيزه لاثبات أنه ناقص يحتاج للبشر لاكماله ، ولاثبات أنه غامض يحتاج للبشر لتفسيره وايضاحه ، وأنه موجز مخلّ يحتاج للبشر لتفصيله . أولئك الذين سعوا ويسعون فى آيات الله تعالى معاجزين مشككين معاندين توعدهم رب العزة بالعذاب ، فقال عنهم : (والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم )الحج 51 (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ. وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ.) (وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ).سبأ 5؛ 6؛ 38.صدق الله العظيم.
يوم القيامة سيكون الأشهاد من هذه الأمة هم أولئك الذين وهبوا حياتهم للدفاع عن القرآن ، الذين جاهدوا ليثبتوا أنه نزل تبيانا لكل شىء وهدى وموعظة للمتقين . "وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ" النحل 89) صدق الله العظيم.
3 ـ فى الكتابة الثانية للكتاب جعلت الفصلين الأوليين عن الصلاة فى القرآن بابا واحدا فى الاجابة على ذلك السؤال المعاند ثم أضفت بابا آخر يتكون من ستة فصول لتسير مع الصلاة فى تاريخ المسلمين وتراثهم فى القرنين الأولين. الهدف هو التنبيه على ما حدث من خلل وتحريف وضياع لثمرة الصلاة. ولإثبات اعجاز القرآن الكريم. فالقرآن الكريم لم يخبر فقط مقدما عن أولئك الذين يسعون فى آياته معاجزين ، وإنما حذر مقدما من تضييع الصلاة بالوقوع فى الانحلال الخلقى والشرك بالله تعالى كما كان يفعل العرب فى الجاهلية ، حين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات. وجاء المسلمون على آثار أجدادهم يهرعون ، ويرتكبون نفس الاثم ويقولون نفس البهتان ويقدسون نفس الافك.والقرآن الكريم بينهم قد اتخذوه مهجورا ، وقد أخبر رب العزة مقدما عنهم أنهم أعداء النبى محمد الذين سيتبرأ منهم يوم القيامة.( الفرقان 30 :31 ).
4 ـ أرجو من ربى جل وعلا أن يفلح هذا الكتاب فى التحذير والانذار لمن لا تزال لديه بقية من ايمان وتوقير للقرآن ، قبل أن يمضى به قطار العمر الى النهاية ..( الأعراف 185 )
أما من زين له الشيطان له سوء عمله فرآه حسنا فلا فائدة منه ، ولا نملك له الا الأسى والشفقة.( فاطر 8 )
والله تعالى المستعان.
أحمد صبحى منصور
فرجينيا ـ الولايات المتحدة الأمريكية
يونية 2006
أخيرا
1 ـ نبدأ من اليوم بعون الرحمن جل وعلا إستكمال كتاب الصلاة . غدا نعيد نشر كتاب ( الصلاة فى القرآن الكريم ) للتذكرة . ثم ننشر ـ بعونه جل وعلا ــ الجزء الثانى عن إضاعة المسلمين الصلاة الاسلامية خلال عرض تاريخى سريع يبدأ من عصر الخلفاء الفاسقين ( من أبى بكر الى على ) ثم الخلفاء الأمويين ثم العباسيين وينتهى بالعصر المملوكى ، ثم عرض فقهى لتضييع الفقهاء السنيين للصلاة بالتحريف والابتداع . ثم مناقشة موضوع التواتر .
2 ـ هذا تصور مبدئى حتى الآن .
3 ـ والعادة أن الباحث يضع تصورا مبدئيا لبحثه ، ثم يسير خلف المادة العلمية هى التى توجهه ، وعلى أساس ما يظهر له يتم تعديل فصول الموضوع وعناوينه .
والله جل وعلا هو المستعان .
فيرجينيا
السبت 15 سبتمبر 2018 .




الباب الأول : الصلاة فى القرآن الكريم :
الفصل الأول : الصلاة قبل نزول القرآن : في الرسالات السماوية السابقة وفى حياة العرب الجاهلية.
أولا:
وحدة الدين - وحدة الوحي - وحدة الشرع - ووحدة الحساب في الآخرة.
1- مهما اختلفت الأديان وتنوعت ففي النهاية تنقسم إلى نوعين: دين الحق الذي أنزله الله تعالى على الأنبياء، ودين الباطل وهو ما يخترعه البشر من أديان أرضية أو نوعيات التدين العملي الناتج عن تحريف البشر في وحى الله تعالى ودينه الحق.
ومهما اختلفت لغات البشر فدين الله الذي انزله وحيا على الأنبياء يعنى الإسلام " (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ)( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ).آل عمران 19؛85" وهذا الإسلام يعنى في كل اللغات التي نزل بها الوحي الإلهي التسليم لله تعالى وحده وطاعته وحده فيما يخص التعامل مع الله تعالى، والسلام في التعامل مع البشر، إلا انه تحول عندنا إلى دين بشرى محلي في صناعة بشرية تمتلئ بالتعصب والإرهاب ناطقة باللغة العربية .
2- لقد نزل كل وحى على كل نبي بلسان قومه " وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ - إبراهيم 4" وكل وحى عبّر عن إسلام المؤمن قلبه وحواسه لله تعالى وحده وتمسكه بالسلام مع الناس. وهكذا كان أتباع الأنبياء في كل عصر مسالمين في التعامل مع غيرهم ومسلمين لله وحده صلاتهم وحياتهم ومماتهم، وهذه ما ورثته ملة إبراهيم من تاريخ السابقين من الأنبياء، وما أمر الله تعالى خاتم النبيين محمد – عليهم جميعا السلام – أن يعلن الالتزام به واتباعه:" قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ " الأنعام -163"
3- وفى القرآن تأكيد على وحدة الوحي الإلهى الذي نزل على كل الأنبياء من نوح إلى محمد عليهم السلام " إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ. النساء 163"
الشورى 13"أيضا تأكيد على وحدة التشريع الكلي في الرسالات السماوية: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ. الشورى 13"
فإقامة الدين وعدم التفرق فيه شرع واحد في كل الرسالات، وإقامة الصلاة أهم مظهر في إقامة الدين، ومعناه أن الصلاة طريقة واحدة في كل الرسالات التي نزلت على نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام.

4-وهكذا فالله واحد أحد، ودينه للبشر جميعا واحد هو الإسلام بالمعنى الذي ذكرناه مهما اختلف الزمان والمكان، وقد نزل به الوحي الالهى بمختلف اللغات. يقول: تعالى لخاتم النبيين محمد عليهم جميعا السلام " مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ. فصلت 43 " فالذي قيل له في الوحي الالهى واحد، وما قيل ضده من تجريح واضطهاد من المشركين واحد أيضا مهما اختلفت اللغات والزمان والمكان. وفى قصص الأنبياء في القرآن تقرأ نفس الكلام في دعوة كل نبي لقومه مهما اختلفت اللغات والأقوام؛ كل نبي يأمرقومه بالتقوى . والتقوى هي تلخيص معجز لمعنى الإسلام الذي يعنى طاعة الله تعالى في العقيدة والسلوك.
ويقول تعالى لخاتم الأنبياء ينبه على وحدة العقيدة الإسلامية في كل العصور وفى كل الوحي الذي نزل على كل الأنبياء ومسئولية كل نبي في طاعة هذا الوحي وإلا أضاع نفسه وكان من الخاسرين: " وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ. الزمر65-66 )
والشرع الذي يعبد الناس به ربهم الواحد هو أيضا واحد في أساسياته، ومنه إقامة الصلاة، وكل نبي يقول " بسم الله الر حمن الرحيم " باللغة التي يتكلمها قومه - ليس في الصلاة فقط - ولكن في ابتداء كل أمر، كما فعل نوح عليه السلام حين ركب السفينة " وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ.هود 41 " لم يقلها نوح باللغة العربية التي لم تكن موجودة وقتها، قالها بلغة قومه التي اندثرت ولا نعرف شيئا عنها. النبي سليمان عليه السلام حين كتب رسالة إلى بلقيس يدعوها إلى الإسلام وليس إلى غيره قال في مطلع خطابه لها:" إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. النمل 30-31 " اى كتب البسملة ودعا للإسلام باللغة العبرية- وليس العربية - وأعلنت بلقيس إسلامها بلغة اليمن العربية الجنوبية " قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ:النمل 44 "
والقرآن الكريم نقل آيات من الوحي الذي نزل على إبراهيم وموسى في الأمر بالصلاة وإيثار الآخرة:" قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى." الأعلى 14 -" وتكرر ذلك في سورة النجم " 36 –"
ولان الوحي واحد والشرع واحد انزله الإله الواحد جل وعلا فان أوامر القرآن – وهو آخر وحى إلاهي للبشر - تأتى عامة للبشر بالعدل وإقامة الصلاة في كل مسجد مع إخلاص العبادة لله وحده ومنه قوله تعالى في سياق حديثه لكل بنى آدم وعنهم:" قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.الأعراف" 29 - 31"
المؤمنون في كل زمان ومكان يلتزمون بالوحي الصحيح الذي نزل باللغة التي يتكلمونها، والله تعالى أوجب عليهم الصلاة فرضا يتكرر في أوقات معلومة " إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا. النساء 103" الآية هنا عامة تتحدث عن كل المؤمنين قبل نزول القرآن وبعده في تقرير إلاهي مؤكد مكتوب أي مفروض.
5- وليس المؤمنون هم أتباع الرسالة الخاتمة فحسب بل المؤمنين هم أتباع كل رسالة سماوية وأتباع كل نبي، لأن الحساب يوم القيامة يوم عام لجميع الناس ولكل الأمم " ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ.هود103 ".
وفي نفس الوقت فذلك الحساب العام حساب موحد بشرع واحد في أساسياته، أنزله الإله الواحد. ومهما اختلف اللغات التي يصلى بها البشر للرب الواحد الأحد جل وعلا فالعبرة بالخشوع في الصلاة وفى المحافظة عليها بالخلق السامي والسلوك القويم في التعامل مع الناس، وتلك أمور قلبية وسلوكية تسرى على كل مجتمع و على كل إنسان.
وفى هذا الحساب الموحد العام لكل البشر تأتى الصلاة فيه بندا أساسيا، والخاسرون في كل زمان ومكان هم الذين أضاعواالصلاة ولم يصدقوا بكتاب الله " وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى. القيامة 29 -"
وبعد أن يدخلوا جهنم يعترفون بالذنب، إذ أضاعوا الصلاة بالعصيان " مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ.المدثر 42 -"
إذن هي صلاة واحدة لإله واحد في دين إلاه واحد، ويوم الحساب واحد للجميع.

الصلاة في الرسالات السماوية السابقة.
الأمم السابقة أمم بائدة وأمم استمر وجودها وتراثها:

لا نعرف عدد الأنبياء (وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) النساء 164 مع أن الله تعالى أخبر انه بعث في كل أمة نذيرا (وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ) فاطر 24) والأمة في المصطلح القرآني تعنى هنا اى مجتمع في زمان معين.لم يقص علينا القرآن إلا ما بعض من بعثهم الله تعالى في منطقة الشرق الأوسط. ومن خلال قصص الأنبياء جاء تاريخ بعض الأمم السابقة التي عاصرت أولئك الأنبياء.
تنقسم الأمم السابقة إلى قسمين: قسم أهلكه الله تعالى وأباده مثل قوم نوح وغيرهم.
استمرت ذرية نوح بعد هلاك قومه المعاندين، وكان من هذه الذرية من عاند الأنبياء اللاحقين فعوقبوا بالابادة مثل قوم وعاد وثمود ومدين في منطقة الشرق الأوسط.
قال تعالى عن البشر بعد طوفان نوح ": وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ "الصافات 77"،. يقول تعالى عن البائدين من ذرية نوح كقوم عاد وثمود " فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ؟؟ الحاقة (8) ويقول تعالى " وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى ". النجم (50 -)
وقسم استمر وجوده متمتعا بالرسالات السماوية المشهورة في فروعه، ومنهم في الشرق الأوسط ذرية إبراهيم المتمثلة في العرب المستعربة وبنى إسرائيل، يقول تعالى عن إبراهيم: " قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) البقرة (124) إذن له ذرية سيكون إماما للمسلمين منهم . ويقول تعالى عن ذرية نوح وإبراهيم:" وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ) الحديد26"
في الأمم البائدة كانت الصلاة موجودة يحافظ عليها المؤمنون مع النبي، وقد اندثر تاريخ هذه الأمم لكن القرآن يذكر طرفا منه، فقوم شعيب يتهكمون عليه وعلى صلاته " قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ "هود:87) وبينما اندثر تاريخ الأمم السابقة فإن تراث إبراهيم استمر مع ذريته صحفا سماوية وأنبياء من ذريته مع تحريفات وضعتها الذرية، واختلافات، واتباع بالحق وزيغ بالباطل، وكانت الصلاة احد المعالم الأساسية التي توارثناها عن إبراهيم فلحقها كل ذلك.

ثانيا:
ملة إبراهيم الحنيفة بين تشريع السماء وتحريف الذرية

1 -كانت الكعبة أول بيت وضعه الله تعالى للبشر قبل إبراهيم " قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ َ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ - فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّه غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينََ " آل عمران 95".
كان بيت الله مهجورا قبل إبراهيم ثم أوضح الله لإبراهيم مكان البيت." وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. الحج (26-)
وجعل الله تعالى من إبراهيم إماما للناس يقيم الصلاة حول البيت بعد أن رفع قواعده، و يساعده في ذلك ابنه إسماعيل الجد الأكبر للعرب المستعربة" وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ".. البقرة (124-)
2- إذن توافد الناس على إبراهيم بعد أن أتم بناء البيت الحرام يتعلمون مناسك الحج والاعتكاف والصلاة عند البيت بنفس الطريقة التي أراها الله تعالى لإبراهيم وإسماعيل، وهى نفس طريقة العبادة التي كانت من قبل للأمم السابقة البائدة حيث كان البيت الحرام أول بيت لله تعالى وضعه للناس منذ أن كان على هذا الكوكب ناس. وهي نفس الطريقة التي حافظت الذرية على حركاتها وأعدادها ومواقيتها حتى جاء خاتم النبيين محمد عليهم جميعا السلام. هذه الطريقة في العبادة من صلاة وصدقة وصيام وصلاة تسمى في مصطلح القرآن الكريم " ملة إبراهيم ".
وقد كان إبراهيم وهو يرفع القواعد من البيت مع ابنه إسماعيل يدعوان الله أن يريهما ويعلمهما مناسك الصلاة والحج وان يجعل من ذريتهما امة مسلمة تحافظ على مناسك الإسلام وان يبعث الله فيهم رسولا يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). البقرة (127-)
والحكمة المذكورة في قوله تعالى: "ويعلمهم الكتاب والحكمة " ليست شيئا خارجا عن الكتاب بل هي آيات التشريع والأحكام التي بداخل الكتاب، ولذا تأتى الحكمة مرادفة للكتاب معطوفة عليه عطف بيان أو تأتى بديلا عن الكتاب لأنها صفة له ومن أهم أساسياته.
وأسلوب العطف في القرآن من مظاهر التفصيل والتوضيح. وفى كل كتاب سماوي كانت الحكمة أهم ما يو صف به الكتاب وأهم ما يتضمنه، فمثلا يقول تعالى يصف الإنجيل الذي تعلمه عيسى: "وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ " آل عمران 48) فوصف الإنجيل بالكتاب والحكمة، والإنجيل بالطبع مصدق للتوراة. وفى موضع آخر يصف رب العزة الإنجيل بوصف واحد وهو الحكمة " وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ " الزخرف 63)
والقرآن هو الحكمة حيث "أحكم " الله تعالى آياته، أو هو(كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ). هود 1) لأن الذي أنزله هو الحكيم الخبير.
وفى سورة الإسراء جاء تفصيل للتشريع من أول قوله تعالى " وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا " إلى أن يقول تعالى " وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا " الاسراء23 – 39 )فالحكمة في داخل القرآن وليست شيئا خارجا عنه.
والحكمة –كوصف للكتاب الإلهي جاءت وصفا للرسلات السماوية التي تتابعت في ذرية إبراهيم، فهي –أي الحكمة – وصف لملة إبراهيم، وهنا نقرأ قوله تعالى " فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ "النساء 54 )
3- وبإبراهيم وابنه إسماعيل تكون مجتمع جديد يقيم الصلاة ويؤدى مناسك الحج إلى بيت الله الحرام. وحرص إبراهيم على أن تستمر إقامة شعائر الصلاة في ذريته فكان يدعو الله بذلك:" وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ " –" رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ " – " رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء ". إبراهيم 35 -40)
وحرص إبراهيم ثم الأنبياء من ذريته على أن يوصى كل نبي ذريته - وهو على فراش الموت - بالتمسك بالإسلام وبالصلاة وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ. أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) البقرة 132 -
4- وتلك هي ملة إبراهيم التي نزل القرآن الكريم يأمر خاتم النبيين محمدا باتباعها وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّه وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) النساء 125)" قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ. الأنعام 162/163) وبذلك تحققت دعوة إبراهيم وإسماعيل وهما يرفعان القواعد من البيت، فجاء خاتم النبيين متبعا لملة جده إبراهيم في الصلاة وليس مخترعا لها.
الأنبياء من ذرية إبراهيم والمحافظة على ملة إبراهيم :.
1- أنجب إبراهيم ولدين كلاهما صار نبيا لله تعالى وهما: إسماعيل في مكة واسحق في الشام، وفرح بهما إبراهيم في شيخوخته " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء " ودعا الله تعالى لذريته بأن يهديهم لإقامة الصلاة:" رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء). إبراهيم 39 -
وصارت لإسحق ذرية كبرى من ابنه يعقوب.إذ أنجب يعقوب النبي واسمه إسرائيل وأنجب يعقوب أو إسرائيل الأسباط وهم اثنا عشر ذكرا كان يوسف هو النبي منهم، وتناسل أبناء يعقوب أو أبناء إسرائيل الاثنا عشرة فصاروا اثني عشرة قبيلة سكنوا مصر بعد أن استقدم يوسف والديه و إخوته من الشام إلى مصر.
ثم تكاثر أبناء إسرائيل في مصر أبان حكم الهكسوس، وبعد أن طرد المصريون الهكسوس تولى الفراعنة الحكم فأسرفوا في اضطهاد بنى إسرائيل لأنهم كانوا أعوان الهكسوس. فبعث الله تعالى موسى لينقذ بنى إسرائيل من الاضطهاد. وبعد غرق فرعون موسى يذكر القرآن الكريم انتشار بنى إسرائيل بين مصر والشام والحجاز ( الأعراف137 – القصص 48 الشعراء 57 /59 – الدخان25/ 28 ) ثم ما لبث أن أقاموا لهم ملكا في فلسطين بلغ الذروة في عهد النبيين داود وسليمان عليهما السلام.وتتابع فيهم الملك والرسالة ( النساء 54 ) إلى أن دمّر بختنصر البابلي ملكهم، ولكن وجودهم البشرى استمر ومعه الرسالات السماوية إلى أن كان زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام آخر النبيين من بنى إسرائيل.
وأولئك الأنبياء من ذرية اسحق بن إبراهيم حافظوا على الصلاة التي تعلموها من ملة إبراهيم وأقاموا هذه الصلاة بين العراق والشام ومصر بمختلف اللهجات واللغات، وكان كل نبي يوصى بها قومه كما ذكر القرآن عن احتضار إبراهيم ويعقوب ووصيتهما عند الموت. على أن الذرية كانت في اغلبها تضيع الصلاة بالوقوع في الشرك وفى المعاصي.
يقول تعالى عن إبراهيم ولوط واسحق ويعقوب "وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ. الأنبياء 73) أي كانوا أئمة للناس في عصرهم يهدون للحق ويقيمون الصلاة التي تعلموها من ملة إبراهيم ويؤتون الزكاة ويعبدون الله جل وعلا.
2- بل انه حين بدأ الوحي لموسى وهو في طريق عودته إلى مصر قال له ربه جل وعلا مؤكدا على عدم تضييع الصلاة بالوقوع في الشرك:" إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي. طة 14-) إذ قد يصلى المؤمن لله تعالى ولكن يذكر في صلاته – على سبيل التعظيم – أسماء مخلوقات من الأنبياء وغيرهم، مخالفا بذلك إخلاص العبادة لله تعالى وحده، وهذا ما كانت العرب في الجاهلية تفعل ونزل قوله تعالى لخاتم النبيين: إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ) (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) الزمر 2- &11- )
هنا يكون التضييع للصلاة والذي حذّر الله تعالى موسى منه حين أمره أن يقيم الصلاة لذكر الله تعالى وحده. وهذا هو معنى افتتاح الصلاة ب( الله أكبر) وطالما تقول إن الله تعالى هو الأكبر في الصلاة والأذان فلا تذكر معه غيره.
وحين اشتد أذى فرعون ببني إسرائيل أمرهم موسى عليه السلام بالتوكل على الله إن كانوا حقا مسلمين "وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ " وأوحى الله تعالى لموسى وهارون بأن يقيموا الصلاة في بيوت سرية خوفا من أذى فرعون وبشرهم بقرب الخلاص: "وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ.. يونس 84؛87) فنظرا لاضطهاد فرعون فلن يتمكنوا من صلاة الجماعة والجمعة علنيا ،فكان ذلك التشريع استثنائيا كصلاة الخوف .
وبعد أن أنجى الله بنى إسرائيل اخذ عليهم الميثاق ورفع فوقهم جبل الطور، وكانت إقامة الصلاة أهم شروط الميثاق: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ)المائدة 12).
لقد قال الله تعالى لبنى إسرائيل في عهد نزول القرآن: " وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ. البقرة 45 ) ولأنها نفس الصلاة التي يصليها المسلمون الذين يقرءون القرآن فأن القرآن يكرر نفس الأمر للمسلمين في نفس السورة:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ. البقرة 153). لو كانت الصلاة شيئا مختلفا بين الفريقين لنزل في القرآن ما يفيد ذلك حين توجيهه الحديث لبنى إسرائيل ولاتباع القرآن الكريم، ولكن على العكس جاء الخطاب واحدا يدعو الجميع إلى اتباع ملة إبراهيم حنيفا - أي بدون الوقوع في الشرك والمعاصي-و ملة إبراهيم هي الأصل في العبادات للجميع.
إن الصلاة علاقة مستمرة وعهد بين الله تعالى وبين المؤمن. هي ذكر منظم ومقنن ومحدد وموقن – أي بتوقيت - خمس مرات كل يوم، فإذا أقام المؤمنون عهدهم مع الله تعالى أقام الله عهده معهم، أي إذا ذكروه بصلاتهم ذكرهم بمغفرته وعونه ورضوانه وجنته، وكانت صلاتهم لله تعالى – مع فضيلة الصبر - عونا لهم على شدائد الحياة، وطريقا يستعينون به في مواجهة الصعاب. هذا ما نستفيده من قوله تعالى للمؤمنين في عصر الوحي: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) البقرة 152- )
ونقض اغلب اليهود الميثاق فحرفوا في الكتاب وأضاعوا الصلاة وزعموا إنهم مغفور لهم، ولكن بقيت أقلية من بنى إسرائيل تتمسك بالكتاب وتقيم الصلاة متبعة ملة أبيهم إبراهيم بلا وقوع في شرك أو عصيان. يقول تعالى عنهم" وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) الأعراف 168)أي كان منهم الصالحون والمفسدون من خلط عملا صالحا وآخر سيئا، وتعرضوا للابتلاء والاختبار.
تقول الآية الثالثة:" فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ. الأعراف 169 - ) أي جاء جيل آخر من بنى إسرائيل معتقدين أن الله تعالى سيغفر لهم مهما فعلوا من ذنوب وآثام معتمدين على عروض وهمية من أساطير مزيفة تؤكد لهم دخول الجنة مهما ارتكبوا من خطايا. وان جاءهم عرض جديد بنفس التوجه والافتراء تمسكوا به. ونسوا العهد والميثاق الذي أخذه الله تعالى على أسلافهم حين رفع الطور فوقهم. وقد تمثل هذا العهد في ألا يفتروا على الله تعالى كذبا. ولكنهم افتروا الكذب على الله تعالى مع دراستهم للكتاب السماوي. ونسوا أن الدار الآخرة هي لمن اتقى. وفى مقابل هذا الضلال والإضلال كان هناك من بنى إسرائيل من تمسك بالحق المنزل في كتاب الله تعالى وحافظ على صلاته دون تضييعها، يقول تعالى فيهم: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) الأعراف 170 ) أي توارثوا الكتاب السماوىفالتمسك بالكتاب وحده وإقامة الصلاة أهم مظاهر الصلاح في كل زمان ومكان.
ويلاحظ أننا وقعنا فيما وقع فيه أغلبية بنى إسرائيل من التحريف والافتراء وتضييع الصلاة، كما ظل فريق منهم ومنا يتبع الحق ويتمسك بالكتاب وحده ويحافظ على صلاته بالتقوى وعدم الوقوع في الشرك بالمولى عز وجل. ولذلك تكرر القصص القرآني عن بنى إسرائيل لهدايتهم وهدايتنا، وللتنبيه على انتمائنا لملة واحدة هي ملة إبراهيم، وتضييع معظمنا لها وثبات الأقلية منا عليها. والغريب أن بعض الضالين يشكك في القرآن متسائلا لماذا لم يذكر أوقات الصلاة وكيفيتها ليثبت نقص كتاب الله تعالى وليكذّب تأكيد الله تعالى بأنه ما فرّط في الكتاب من شيء وانه أنزل القرآن تبيانا لكل شيء.
نعود إلى حديث رب العزة عن بنى إسرائيل والذي جاء في الآيات السابقة والذي ختمها الله تعالى بالإشارة إلى العهد والميثاق الذي أخذه على بنى إسرائيل في عهد موسى حين رفع فوقهم جبل الطور في سيناء المصرية وكانوا ينظرون إليه في رعب يخشون أن يقع عليهم: " وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) الأعراف 171 )
3-وفى سياق القصص القرآني عن بنى إسرائيل أشار القرآن لصلاة الأنبياء من بنى اسرئيل، فهناك قصة الخصمين اللذين تسورا المحراب على النبي داود عليه السلام وهو يصلى: وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ) ص 20-24)
ويفهم من ذلك أن المحراب كان المكان المفضل لنبي الله داود. وإذا تمثلت القصة وجدتها طبيعية تنطبق في عصرنا على أي مسلم صالح يصلى في المحراب ويقصده الناس ليحكم بينهم في خلافاتهم، وشأن نبي الله تعالى داود عليه السلام فانه حين شكّ في احتمال وقوعه في الخطأ بادر بالاستغفار والركوع والصلاة في خشوع وإنابة.
ومثله زكريا عليه السلام فقد بشرته الملائكة بمولد ابنه يحيى وهو قائم يصلى في المحراب (فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ) أل عمران 39) وجاءت تفصيلات أخرى في سورة مريم " فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) مريم 11)
وقد كفل زكريا عليه السلام الطفلة النقية مريم بنت عمران فعاشت معه في المسجد، في بيئة غاية من الطهر لا نجد تعبيرا أفضل مما حكاه رب العزة في سورتي آل عمران ومريم. في تلك البيئة النقية كانت الملائكة تكلم الطفلة العذراء الطاهرة المطهرة تنصحها بالصلاة:" وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ)آل عمران 43) فاعتادت مريم الاعتكاف عن الناس في المحراب فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ ) آل عمران 37)
وحين ولدت العذراء المطهرة عيسى عليه السلام معجزة حية بدون أب نطق المولود عيسى في المهد قائلا " وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ) مريم 31)
وقبل ذلك كان لقمان ينصح ابنه قائلا " يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) لقمان 17)
هذا فيما يخص ذرية فرع اسحق بن إبراهيم، فماذا عن فرع إسماعيل بن إبراهيم الذي جاء فيه خاتم النبيين عليهم سلام الله تعالى ؟

تواتر الصلاة في العرب أبناء إسماعيل:

1-رأينا كيف كان أبناء إسماعيل وأحفاده من أنبياء بنى إسرائيل يوصى احدهم أبناءه بالمحافظة على الإسلام وشرائعه وبذلك كان لقمان يعظ ابنة يحذره من الشرك يأمره بالصلاة وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ " -..( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) لقمان 13 - 17)
وعلى أساس هذا التواتر سار العرب من أبناء إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.
كان أول نبي نعلمه في العرب - وهو إسماعيل عليه السلام- يأمر أهله بالصلاة والزكاة. وكان حفيده محمد عليه السلام - آخر نبي في العرب وفى العالم- يأمر أهله بنفس الأمر.
يقول تعالى عن إسماعيل: " وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولا نَّبِيًّا وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا. مريم 54-) وتواترت الصلاة بكيفيتها إلى عصر محمد الذي كان ينفذ أوامر ربه جل وعلا ووصية جده إسماعيل وهى: " وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا. طه 132) والمحافظة على الصلاة في السلوك والقلب هو معنى الاصطبار عليها.
وبين إسماعيل ومحمد عرف العرب الصلاة بنفس الكيفية التي علّمها الله تعالى لإبراهيم وإسماعيل حين سألا الله تعالى - وهما يبنيان الكعبة- قائلين له جل وعلا :" رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا " البقرة 128 ) والصلاة أهم المناسك .

2-إلا أن الصلاة ليست كيفية فقط من حركات قيام وركوع وسجود ولكنها أيضا وفى الأهم خشوع ومراعاة للتقوى بحيث يظهر أثر الصلاة في سلوكنا وأخلاقنا، أي المحافظة على الصلاة. والذين خلفوا الأنبياء أساءوا فهم الصلاة كما نسئ نحن الآن فهمها أيضا؛ اهتموا بالحركات والكيفية والمواعيد ونسوا الهدف من الصلاة وهو التقوى وتطهير القلب والسلوك من الشرك والرياء والمعاصي.
ونعود للقرآن في سورة مريم ، فبعد أن تحدث رب العزة جل وعلا عن إبراهيم وذريته اسحق ويعقوب وموسى وهارون وإسماعيل وإدريس قال عنهم " أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا " ثم يقول عن الخلف الذين جاءوا من نسل يعقوب أي بنى إسرائيل ومن نسل إسماعيل أي العرب " فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) مريم 58-59)
مشكلتنا الكبرى هي إضاعة الصلاة مع أننا نؤديها. نصلى ولكن لا نحافظ على الصلاة. نركع ونسجد ونقوم ونقعد ونسبح ونفعل كل حركات الصلاة ونقرأ الفاتحة ونسبح ولكن أداء تلك الحركات بدون المحافظة على الصلاة يصبح كما قال تعالى " مكاء وتصدية". باختصار إننا نصلى ولكن لا نقيم الصلاة، فإقامة الصلاة شيء آخر غير تأدية الصلاة. إن أقامة الصلاة أو المحافظة على الصلاة هي نقيض إضاعة الصلاة. ونحن – في الأغلب – قد أضعنا الصلاة مثلما فعل الخلف.
بين إضاعة الصلاة وإقامة الصلاة

الصلاة ليست هدفا في حد ذاتها وكذلك كل العبادات، فهي جميعا وسائل للتقوى، يقول تعالى للبشر " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. البقرة 21" فالتقوى هي الهدف وسائر العبادات وسائل لتنمية مشاعر التقوى والخوف من الله.
فالصيام وسيلة إلى التقوى يقول تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. البقرة 183)
والصلاة أيضا وسيلة للتقوى، والذي يحافظ على صلاته أومن يقيم الصلاة هو الذي تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر فيكون متقيا لله تعالى " وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ " العنكبوت 45)
أما الذي يضيع صلاته فهو ذلك المصلى الذي يقع في المعاصي. قد يكون مؤمنا ولكنه لن يكون مؤمنا من المفلحين أصحاب الجنة. لقد بدأت سورة "المؤمنون" بتحديد المؤمنين المفلحين، وجاء التحديد مرتبطا بإقامة الصلاة والخشوع فيها ليؤكد إن بعض المؤمنين وبعض من يصلى منهم لن يكون من أصحاب الجنة لأنه لم يخشع في صلاته ولم يقم بالمحافظة عليها بالتزام السلوك الحميد. يقول تعالى:" قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ"
" لم يعط القرآن الكريم صفة الفلاح لكل المؤمنين بل توالت الآيات تحدد من هم المفلحون من المؤمنين، فقالت:" الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ " أي حين يصلى أحدهم لا بد أن يخشع في صلاته حين يناجى ربه مبتهلا له يدعوه رغبة ورهبة دون أن يسمعه أحد، ودون أن يكون هناك وسيط بينه وبين ربه جل وعلا. إنها علاقة مباشرة بينه وبين مولاه يشكو له جل وعلا ما يلاقيه في المحنة ويشكر له عند المنحة والنعمة. بعد الخشوع في الصلاة تأتى صفات أخلاقية أخرى يتصف بها المؤمن ويلتزم بها بين صلواته، هي الاعرض عن اللغو ثم التزام الزكاة أي السمو في أفعالهم والابتعاد عن الزنا ثم مراعاة العهود والأمانات وبالتزام تلك الأخلاق يكون الحفاظ الفعلي على الصلاة " وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ".
هذا هو معنى المحافظة على الصلاة. وهو نفس معنى إقامة الصلاة.
هو أيضا معنى إيتاء الزكاة.
وهذا يستحق توضيحا.

معنى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة

التطبيق العملي لإقامة الصلاة هو الجمع بين الخشوع في الصلاة والمحافظة عليها.
فالصلاة تستلزم أثناء تأديتها خشوعا كما تستلزم تقوى ومحافظة على السلوك القويم فيما بين الصلوات الخمسة. أي أن يوم المؤمن المصلى ينقسم إلى قسمين: قسم أصغر هو الدقائق التي يؤدى فيها الخمس صلوات الموزعة على أوقات اليقظة في اليوم. والقسم الأكبر هو بقية الوقت الواقع بين تـأدية الصلوات الخمس، وفى تلك الأوقات يجب المحافظة على الصلوات بالتقوى والالتزام الخلقي القويم.
وهناك علاقة وثيقة بين الخشوع أثناء تأدية الصلاة والمحافظة على الصلاة بعد تأديتها بعدم الوقوع في المعاصي بين الصلوات الخمس. فالخشوع أن يِؤكد المؤمن على إخلاصه في كل كلمة يناجى بها ربه جل وعلا في صلاته خصوصا وهو يقول في كل ركعة في الفاتحة " اهدنا الصراط المستقيم "، الخشوع هو الصدق في مخاطبة رب العزة والإخلاص التام في دعائه وعبادته. ولا يمكن أن تخشع في صلاتك بهذا الشكل وأنت تفعل الفحشاء وترتكب المعاصي بعد الصلاة وتصمم عليها أثناء الصلاة وبعدها و تصلى لربك وتقول له جل وعلا: اهدنا الصراط المستقيم. إذا فعلت هذه فإنما ترائي الناس ولا تخدع سوى نفسك.
إقامة الصلاة هو المصطلح القرآني الذي يعنى الخشوع في الصلاة والمحافظة عليها معا. وهذا يؤكد أن الصلاة مجرد وسيلة لغاية أسمى هي التقوى، أو الابتعاد عن الفحشاء والمنكر. على هذا الأساس نستطيع أن نقرأ معا الآيات الأولى من سورة المؤمنون في ضوء ما سبق قوله عن الصلاة؛ الخشوع فيها والمحافظة عليها.( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ)المؤمنون "1إلى 9"
وتكرر ذلك المعنى وفى سورة المعارج (22-34)
ومن اجل ذلك تقول الآية توضح معنى إضاعة الصلاة عند الخلف الذي جاء بعد الأنبياء "فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ) مريم59 - 60 (
هم أضاعوا الصلاة حين اتبعوا الشهوات والمعاصي ومن تاب منهم وآمن إيمانا حقيقيا وعمل صالحا أصبح محافظا على صلاته غير مضيع لها واستحق بذلك دخول الجنة. ينطبق هذا على الخلف الماضين كما ينطبق علينا الذين خلفنا اللاحقين، ولذلك ذكر الله تعالى لنا هذه الحقائق في آخر رسالة سماوية كي نعتبر ونهتدي.
في اللغة العربية والمصطلح القرآني تجد مفهوم " قام على الشيء" بمعنى حافظ عليه ورعاه.
الله تعالى وصف ذاته باسم من أسمائه الحسنى هو " القيوم" الذي لا تدركه سنة ولا نوم:" اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) البقرة 255 )
الآية الكريمة تشرح معنى القيوم، أي القائم على كل شيء ولا يغفل عن شيء، ويصف تعالى ذاته كقيوم يحفظ أعمال كل إنسان وأقواله ليحاسبه عليها يوم القيامة: " أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ) الرعد 33) القيوم هنا بمعنى الذي يحفظ أعمال كل إنسان، يتم ذلك عن طريق ملائكة الحفظ (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) الرعد 11 ) (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) الانفطار 10 -) ( أيضا سورة ق :16 - )
لذلك يأمرنا ربنا جل وعلا أن نكون ( قوامين بالقسط ) أي قائمين على رعاية العدل والقسط:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ ) النساء 135 ).
ولأن العرب في الجاهلية وقريش في عهد النبوة كانت تصلى وتعرف الصلاة ولكن لا تقيم الصلاة لذا نزلت الأوامر لهم في مكة بإقامة الصلاة، أي بالمحافظة عليها بعدم الوقوع في الشرك والمعاصي والخشوع أثناء تأديتها. على سبيل المثال جاء الأمر بإقامة الصلاة في الفترة المكية في السور الآتية ( فاطر 18 ، 29 ) الشورى 38) (الروم 31).
لم تعلمهم الصلاة لأنهم كانوا فعلا يعرفونها ويؤدونها. أمرتهم فقط بفعل ما لم يكونوا يفعلون وهو إقامةالصلاة بالخشوع فيها والمحافظة عليها لكي تقوم الصلاة بدورها في سمو السلوك الخلقي وتهذيبه.
إيتاء الزكاة هي نفسها إقامة الصلاة

للقرآن الكريم مصطلحاته الخاصة المخالفة لمفاهيم التراث الذي صنعه المسلمون بعد نزول القرآن بعدة قرون.
إقامة الصلاة في مصطلحات القرآن تعنى الخشوع في أثناء الصلاة والتزام التقوى والسمو الخلقي بين الصلوات. لكن إقامة الصلاة في حياتنا الدينية التراثية تعنى رفع الأذان للمصلين في المسجد بأداء الصلاة بعد الأذان العام للصلاة.
ويفهم معظم المسلمين – تبعا للفقه التراثي – أن إيتاء الزكاة هو إعطاء الصدقة فقط، وبذلك يفهمون الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على انه أمر بشيئين مختلفين هما الصلاة وإعطاء الزكاة وهى عندهم لا تعنى سوى شيء واحد فقط هو إعطاء الصدقة للفقراء والمستحقين.
طبقا لمفاهيم القرآن الكريم ومصطلحاته فان إقامة الصلاة هي نفسها إيتاء الزكاة، أي أنه أمر واحد بشيء واحد هو التطهر والسمو الخلقي والتقوى. الخلاف الوحيد هو أن وسيلة إقامة الصلاة تتركز في الخشوع في الصلاة أثناء تأديتها - ثم بعد تأديتها تكون المحافظة عليها بالتزام السلوك القويم. أما الزكاة فهي تزكية النفس وتطهيرها والسمو بها بوسائل كثيرة من الصلاة والذكر لله تعالى وإعطاء الصدقات وكل فعل صالح مقصود به وجه الله تعالى.

نبدأ توضيح ذلك باختصار.
1- إن الإسلام باختصار هو تزكية النفس بالعقيدة الصحيحة والسلوك القويم، لذلك فان موسى حين دعا فرعون للإسلام قال له كلمة واحدة: ( هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى) النازعات 18 ) بل إن رب العزة قد أوجز مفهوم المشرك بأنه الذي لم يقم بتزكية نفسه: (وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ) فصلت 6-7 ) فالمشرك يضع كل همه في الدنيا ويبيع من أجلها الآخرة. يرتكب كل المعاصي في دنياه غافلا عن تزكية نفسه بالتقوى لذا ينتهي إلى الجحيم.
لقد خلق الله تعالى النفس الإنسانية على أساس الفجور والتقوى، تقبل أن تكون تقية أو فاجرة، ثم يختار الإنسان بإرادته طريقه، إن أراد الهداية قام بتزكية نفسه، وان أراد الفجور سقط بنفسه إلى مستنقع الغواية. إذن فالإنسان يختار بين اثنين: تزكية نفسه أي تطهيرها والسمو بها، أو الهبوط بنفسه إلى حضيض الرذيلة. وليس هناك من طريق وسط. المهم هنا أن الزكاة للنفس تعنى السمو بها. اقرأ هذا المعنى في قوله تعالى:" وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا7- )الشمس.
2- ولذلك فان الهداية للحق من معاني الزكاة. والهداية هي اختيار شخصي يبدأ باختيار الإنسان لنفسه طريق الهداية ثم تأتيه هداية الله له تؤكد ما اختاره لنفسه. والهداية كالزكاة هي عملية تطهير للنفس من الأحقاد والشرور وتقديس غير الله تعالى. ومن اهتدى فقد اهتدى لنفسه حسبما قال رب العزة:" مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ) الإسراء 15 ) وبالمثل فان من يتزكى أي يتطهر فإنما يتزكى لنفسه (وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ) فاطر 18 )
وفى النهاية فان الجنة هي مكافأة من تزكى وتطهر في الدنيا أو اهتدى، يقول تعالى (جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى) طه 76 )
إن وظيفة النبي هي أن يزكى قومه بالكتاب السماوي الذي يدعوهم إليه، أو يهديهم إليه (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ. ) البقرة 151 ) وتكررت التزكية كوظيفة للنبوة القائمة على الكتاب في مواضع أخرى في القرآن الكريم: (البقرة 129 – آل عمران 164 – الجمعة 2 )
ولارتباط الهداية بالزكاة فقد وصف الله تعالى عيسى وعن يحيى عليهما السلام بالطهر والعفاف والسمو الخلقي، أي كان "غلاما زكيا " أو كان "زكيا" ( مريم: 19 ، 13 ) .

3- هناك وسائل للزكاة، بمعنى إن إيتاء الزكاة يعنى اختيار "أزكى " أو أطهر أو أسمى الخيارات وهى التشريعات القرآنية، ومنها الإحسان في التعامل مع الزوجة المطلقة( البقرة 232 ) وفى الاستئذان وفى غض البصر والعفاف الخلقي ( النور 28، 30 ) وتلك وسائل للوصول إلى " إيتاء الزكاة " أو تزكية النفس التي هي الهدف الأعلى للمؤمن.
وهناك وسائل أخرى أشار إليها القرآن مثل الصلاة وذكر الله تعالى، ومعروف أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر- أو يجب أن تكون كذلك – وكذلك ذكر الله تعالى بمعنى تعظيمه وتقواه. (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ) العنكبوت 45) وكذلك من وسائل التزكية – أو إيتاء الزكاة - الصلاة وذكر الله تعالى (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ) الأعلى 14-15 ) ومنها خشية الله تعالى وإقامة الصلاة (إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُُ) فاطر 18 )
وأخيرا منها إعطاء الصدقة المالية فالمؤمن المفلح في الآخرة هو (الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ) الليل 18 ) ولذلك أمر الله تعالى خاتم النبيين بأن يأخذ صدقة من المؤمنين ليتطهروا ويتزكوا:( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) التوبة 103 )
إذن فإيتاء الصدقة هي مجرد وسيلة من وسائل إيتاء الزكاة، لأن الزكاة هي التطهر القلبي والسلوكي الذي يجعل المؤمن طاهرا مستحقا للجنة.

4- أكثر من ذلك فان تشريع الصدقة في القرآن لم يرد فيه مطلقا لفظ الزكاة، وإنما جاء بلفظ الإنفاق وإيتاء الأموال و الصدقات.
وتراث المسلمين الفقهي يخالف ذلك كله .
ليس فقط في اختيارهم لمصطلح الزكاة بمعنى مخالف للقرآن ولكن أيضا في تشريعات الصدقة ذاتها.
ونعطى لمحة سريعة عاجلة:
فعندهم وطبقا لمصطلحاتهم فان الزكاة:
(ا)- تجب بالحول - أي إخراج الزكاة بعد مرور عام وليس قبل ذلك، أي على الجائع أن ينتظر عاما ليأخذ حقه.
الخ.وليس إخراج الزكاة عن كل ما يملك الإنسان بل على أصناف محددة مثل الذهب والفضة – أي لا زكاة عندهم على بقية المعادن مثل النحاس والقصدير والبلاتين.. الخ . ..ولا زكاة عندهم على الجواهر والمعادن الثمينة مثل الماس واللؤلؤ والياقوت - وعروض التجارة – وليس على البيوت والإيجارات -والزراع والمواشي – وليس على مزارع الدواجن مثلا.
(ج)- وبشرط أن يبلغ ما يمتلكه الإنسان حد النصاب.
( د )- ثم قرروا إخراج الزكاة فيما يزيد عن النصاب – زكاة بنسبة محددة - تتراوح بين ربع العشر ونصف العشر.

هذا كله يتناقض مع القرآن الكريم.

فليس في القرآن الكريم مصطلح زكاة بمعنى الصدقة، بل إيتاء المال أو الصدقة أو الإنفاق بالمال. وقد حددت تشريعات القرآن كل التفاصيل المطلوبة بما يخالف التشريع الفقهي بدون استعمال مصطلح الزكاة.
ا - فالصدقة واجبة عليك بمجرد ان يأتيك رزق من الله – عندها يجب إخراج حق الله تعالى فيه دون انتظار لمرور عام أو الحول كما يقول الفقهاء بل بمجرد الحصول عليه، أو بالتعبير القرآني (وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) الأنعام 141 ) فالحصاد ليس فقط في الزرع وإنما يشمل مجيء الرزق من مرتب أو مكسب تجارى أو ريع آت من تأجير عقار وغيره. ولقد تكرر في القرآن كلمة " ومما رزقناهم ينفقون " للتأكيد على ذلك ( البقرة 3 – الأنفال 3 – الحج 35 – السجادة 6 – القصص 54 الشورى 38 )
ب - بل وصف القرآن الكريم المتقين الصالحين بالأنفاق باستمرار سرا وعلانية ليلا ونهارا (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) البقرة 274 ) وأنهم ينفقون من أحب ما يملكون – هذا من حيث الجودة (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ) البقرة 177 ) (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) الإنسان 8 )
ومن حيث الكمية فهم ينفقون حتى وهم ليملكون الفائض، أي يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. ( الحشر 9 )
وفى كل الأحوال لا ينفقون إلا من الكسب الحلال الطاهر الذي لم يدخله سحت أو سرقة أو اختلاس أو ظلم أو جور كما هو السائد في عصرنا. إن الله تعالى يقول يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) البقرة 267 )
ولا بد لمن يتصدق أن يبتغى وجه الله تعالى وحده وأن يعطى الفقير والمستحق لأنه فقير ومستحق بغض النظر عن دينه أو صلاحه أو عصيانه فليس المتصدق مسئولا عن هداية أحد سوى نفسه وعليه إعطاء الصدقة لمستحقها وكفى (لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) البقرة 272 ) ثم عليه وهو يعطى أن يتذكر إنما يعطى المحتاج (حقه ) فليس له أن يمتن عليه أو أن يجرح شعوره ( البقرة 264) ، يقول تعالى في التأكيد على حق مستحق الصدقة: " فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ) الروم 38 ) (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا)( الإسراء 26 )
ج - وخلافا لما قاله الفقهاء فان الله تعالى لم يحدد نسبة معينة لإخراج الصدقة، لأن الأساس فيها هو التنافس في الخير والسعي لتزكية النفس والتعامل المباشر مع الله تعالى. فالذي يسارع في الخير هو المتقى الذي ينفق في السراء والضراء ( آل عمران 133- 134 ) وكل المتقين مدعون للتنافس في هذا المضمار ن وللقرآن الكريم نداء شديد الوقع يجعل المتصدق كمن يقرض الله تعالى قرضا حسنا، والله تعالى سيرد له الأجر مضاعفا.( البقرة 145) ( الحديد 11 )( التغابن 17 ) (المرمل 20)
ومع ذلك فان الله تعالى جعل للمؤمن مقياسا يتصرف على أساسه هو الاعتدال في الإنفاق العادي، والاعتدال في الإنفاق في سبيل الله تعالى بالصدقة، أي ينفق المؤمن معتدلا على حاجاته دون إسراف، ثم ما يزيد عن حاجته فهو لله تعالى صدقة.لقد سألوا النبي محمدا عن المقدار الذي ينبغي أن ينفقوه صدقة فنزل الوحي يقول انه "العفو ". والعفو في مصطلح القرآن هو الفضل والزائد عن الحاجة.( وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) البقرة 219 ) . وقبلها في مكة نزل تشريع القرآن يؤكد على ذلك التوسط في الإنفاق العادي وفى إخراج الصدقة بحيث لا يقع المؤمن في التبذير أو الإسراف (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) الفرقان 67 ) (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) (----وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا) الإسراء 26 – 29 )
وفى كل الأحوال فالمؤمن هو الذي يجعل بينه وبين نفسه حقا محددا معلوما لديه للصدقة يلتزم بإخراجه ابتغاء وجه الله تعالى عن كل مال يصل إليه، وهذه صفة من صفات المتقين: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) المعارج 24 -25 ) (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) الذاريات 19 )
د - والصدقة لها نوعان من المستحقين تبعا لنوعيتها. هناك صدقة يعطيها المؤمن للدولة، وهى تقوم بجمع الصدقات وتوزيعها على مستحقيها المذكورين في قوله تعالى:( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) التوبة 60 ) الدولة هنا هي التي تحدد وتعين مستوى الفقير، والمسكين، والغارم، و المؤلفة قلوبهم، والعاملين عليها وابن السبيل أي الأجنبي الغريب السائح الزائر الذي يجب إكرامه وليس تكفيره وقتله - وعتق الرقيق – أي إذا كان هناك من لا يزالون رقيقا – ولا يزال الرق موجودا بصفة غير رسمية في بعض دول الخليج برغم إلغائه رسميا من السعودية سنة 1962 – أولئك هم مستحقو الصدقة الرسمية من الدولة.
وهناك مستحقون للصدقة الفردية، وهم أقارب المؤمن المتصدق ومن يعرفهم من المحيطين به من اليتامى والمساكين وابن السبيل المار ببيته، وقد سئل النبي محمد عليه السلام في هذا الموضوع فلم يفت كعادته وإنما انتظر الإجابة من الوحي فنزل قوله تعالى (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ) البقرة 215 )
ه - لقد جعل الله تعالى من صفات المتقين الأبرار الصادقين إنهم ليسوا فقط الذين يراءون الناس بالتوجه للصلاة صوب المشرق والمغرب ، ولكنهم الذين يؤمنون أيمانا حقيقيا بالله تعالى واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ، ثم يعطون المال صدقة لمستحقي الصدقة من الأقارب واليتامى والمساكين وابن السبيل ومن يسأل الناس إحسانا ، ويقومون بإطلاق سراح المستعبدين – إذا كان ثمة استرقاق لا يزال موجودا ، وهم الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة والذين يوفون بالعهد والصابرين في الشدائد والمصائب وفى الجهاد ،.( لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) البقرة 177 )
الملاحظ هنا إن الآية الكريمة قامت بالفصل بين الصدقة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، إذ تكلمت على إيتاء المال صدقة للمستحقين بعد صفة الأيمان مباشرة، ثم بعد الصدقة ذكرت إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصفات أخرى كريمة لتجعل فاصلا بين إيتاء الصدقة ومفهوم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
وقد تكرر هذا الفصل بين إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وبين تشريع الصدقة في موضعين آخرين في القرآن الكريم :
ففي الحديث عن الميثاق الذي أخذه رب العزة على بنى إسرائيل في عهد موسى جاء الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ثم الأيمان بالرسل وتأييدهم ، ثم إعطاء الصدقة ، ولو كانت إعطاء الصدقة هو نفسه الزكاة ما جاء هذا الفصل بينهما (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ) المائدة 12 )
وجاء الإقراض أيضا بمعنى الصدقة تاليا للعبادة وقراءة القرآن وقيام الليل وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في خطاب للنبي محمد عليه السلام وأصحابه في بداية أقامتهم في المدينة :(فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا) المزمل 20 ).

إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بين مفهوم الإسلام ومفهوم الشرك والكفر

إن المشركين في الجاهلية كانوا يؤدون الصلاة ولكن لم يقيموا الصلاة، وكانوا مشهورين بالكرم ولكن دون أن يؤتوا الزكاة بمعنى التطهر والسمو الخلقي، لذلك ظلوا يغير بعضهم على بعض ، وينتهكون الحرمات ويسبون ويسلبون ويشربون الخمر ويرتكبون النسىء اى يستحلون القتال حتى في الأشهر الحرم بعد إعلان عدم حرمتها أو تأجيل حرمتها (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) التوبة 37 ).
ومعناه أنه يمكننا أن نتعرف على من لا يقيم الصلاة ويؤتى الزكاة طبقا لسلوكياته وظلمه وفجوره، فكل من يرتكب علنا كل الفجور والفساد لا يمكن أن يكون مؤتيا للزكاة مقيما للصلاة حتى لو اشتهر بدخول المساجد وعمارتها.
وبعضهم كان يقوم بعمارة المسجد الحرام وخدمة الحجاج ويقرن ذلك بارتكاب المعاصي وعبادة الأولياء والقبور المقدسة. وقد رد عليهم رب العزة جل وعلا معتبرا أن ذلك لا شأن له بالتعمير الحقيقي لمساجد الله تعالى أو لدينه، ولا شأن له بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللَّه شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ) التوبة 17- 18 )
وفى عصر نزول القرآن في الفترة الأخيرة من حياة النبي ظل أئمة الكفر يواصلون الاعتداء على المسلمين ونكث العهود التي كانوا يعطونها للمسلمين- وهى حقائق تاريخية أغفلتها روايات السيرة بينما أشارت إليها سورة التوبة في نصفها الأول – لذلك نزلت سورة براءة بإعلان البراءة منهم وإعطائهم مهلة للتوبة. شرط التوبة الكف عن الاعتداء الحربي والمسلح، والكف عن الغدر ونقض العهود. كان انتهاء المهلة هو انقضاء الأشهر الحرم.واعتبر رب العزة كفهم وتوبتهم عن الاعتداء إقامة للصلاة وإيتاء للزكاة: (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) التوبة 4-5 ).. (لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) التوبة 10 -11 )
إن إقلاعهم عن الاعتداء والظلم هو إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. وهذا هو المقياس البشرى الذي نستطيع الحكم عليه. فلا نستطيع مثلا أن نعرف إن كان الله تعالى سيقبل صلاتهم وصدقاتهم أم لا، ولا نستطيع أن نعرف إذا كانوا يخشعون في صلاتهم أم يراءون الناس. ليس ذلك لنا ولا نملكه. الذي نملك الحكم عليه فقط هو سلوكهم الخارجي، هل هم مسالمون أم معتدون، هل هم أبرياء أم مجرمون. فالمسالم الذي لا يظلم أحدا – في رؤيتنا البشرية الظاهرية - هو المقيم للصلاة والذي يؤتى الزكاة. والفاجر الظالم عندنا هو الذي يضيع الصلاة مهما كان مصليا. ونفس الحال فى التعرف على المسلم والكافر أو المشرك. فالمسالم هو المسلم بغض النظر عن عقيدته ، والكافر أو المشرك هو المجرم المعتدى الارهابى بغض النظر عن الدين الذى يزعم الانتماء اليه.
وفى كل الأحوال ، لا شأن لإعطاء الصدقة هنا بإيتاء الزكاة المذكور في الآيتين الكريمتين من سورة التوبة، فإيتاء الزكاة هو التطهر والسمو الخلقي . الدليل أن الدولة الإسلامية ليس لها أن تفرض على الناس تأدية الصلوات الخمس، وليس لها أن تجمع الصدقات من الناس بالقوة والإرغام، إذ لا إكراه في الدين – أي لا إكراه في دخول الدين أو في الخروج منه، كما لا إكراه في تأدية شعائره من صلاة وصيام وحج وصدقات وقراءة للقرآن وقيام لليل وتسبيح للمولى عز وجل. كل ذلك هي حقوق الله تعالى علينا، وعلينا بدافع من التقوى أن نفعلها ابتغاء مرضاة الله تعالى وليس خوفا من السلطان أو مراءاة للناس.
وقد كان المنافقون في عهد النبي عليه السلام يؤدون الصلاة ولا يقيمونها ، أي يتظاهرون بالصلاة رياء ونفاقا، لذا لم يقبلها الله تعالى منهم واعتبرها خداعا ليس لله تعالى وإنما لأنفسهم (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً 142 )النساء.
أولئك المنافقون أيضا كانوا يعطون الصدقات متطوعين لستر حالهم، ولكن مع حقد شديد، ولأن الله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور فقد أخبر عن مكنون قلوبهم ومنع النبي أن يأخذ منهم صدقاتهم: (قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ ) التوبة 53 – 54 )
في ضوء هذا التوضيح القرآني فان النبي محمدا عليه السلام لم يرغم الناس على إعطاء الصدقات ولم يرغمهم على تأدية الصلوات وسائر حقوق الرحمن. أما حقوق العباد – أو حقوق الإنسان – فلا بد من حفظها وإلزام الناس باحترامها، لذا هناك عقوبات للقتل والزنا والقذف وقطع الطريق.
ولذلك فان المشركين المعتدين حين نقضوا العهود وأغاروا على المسلمين المسالمين أوجب الله تعالى قتالهم حفظا للحقوق البشرية، وجعل مقياس الاسلام الظاهرى هو التزام السلام.

ووفقا لمصطلحات القرآن التي غفل عنها أئمة التراث فان الإسلام له معنيان:
1- " السلام " أو المسالمة، وهو هنا معنى سلوكي يستطيع أن يحكم عليه البشر حسب الظاهر في التعامل مع الناس، فكل إنسان مسالم فهو مسلم بغض النظر عن عقيدته ودينه، وليس لأحد أن يحكم على عقيدة أحد أو درجة ما في قلبه من إخلاص أو رياء أو نفاق أو إشراك. مرجع ذلك لله تعالى وحده يوم القيامة.
2- الاستسلام لله تعالى والانقياد له وحده: هذا هو الإسلام في معناه القلبي العقيد في التعامل مع الله تعالى. انه استسلام لله جل وعلا في العقيدة فلا اله إلا الله، وفى السلوك بالطاعة المطلقة له تعالى وبتقواه وحده لا شريك له. وهذا ما سيظهر فيه الحكم على كل منا يوم القيامة حيث سيحكم علينا الواحد القهار الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض والسماء.
وطبقا لمعنى الإسلام الظاهري فان الذي يقيم الصلاة ويؤتى الزكاة هو كل إنسان مسالم لا يعتدي على أحد ولا يظلم أحدا بغض النظر عن عقيدته أو صلاته. المهم ألا يعتدي على أحد أو لا يظلم أحدا.
الشرك أو الكفر معناهما واحد في المصطلح القرآني ( التوبة 1-2 -17 )( غافر 42 ) ولهنا أيضا معنيان:
1-- سلوكي ظاهري في التعامل مع البشر ويستطيع أن يحكم عليه البشر، والكفر والشرك هنا يعنيان الاعتداء والظلم للبشر, ولذا تأتى من مرادفاتهما في القرآن مصطلحات مماثلة مثل الظلم – الفسق – الإجرام – الاعتداء. كل من يرتكب جرائم القتل ويظلم الناس ويستحل دماءهم فهو مشرك كافر حسب سلوكه ، ولا شأن هنا بعقيدته. وعلى هذا الأساس تأتى تشريعات القرآن الكريم في التعامل الظاهري مع المشركين في الزواج وفى الموالاة مثلا، فلا تتحدث عن شركهم العقيد وإنما السلوكي الذي يمكن لنا أن نحكم عليه حسب تصرفاتهم العدوانية.( البقرة221 ) ( الممتحنة 1- 13 ) من المكن أن تصف بالكفر والشرك أسامة بن لادن ومن هم على شاكلته ممن يقتلون الأبرياء ويعتدون على من لم يعتدي عليهم– طالما لم يتوبوا.
2- الشرك بالمعنى العقيد أي اتخاذ أولياء وآلهة مع الله تعالى وتقديس البشر والشجر والحجر. وهذه عادة سيئة يقع فيها المسلمون وغيرهم، مع ادعاء معظمهم بالإيمان القويم، لذلك فان الذي سيحكم على الناس جميعا هو الله تعالى يوم القيامة, إذ أنه ليس لهذا الشرك العقيدي عقوبة في الدنيا اكتفاء بالخلود في النار يوم القيامة. الله تعالى – وهو الأعلم بالقلوب – أكد في القرآن أن أغلبية البشر يقعون في الشرك العقيدي وإنهم لا يؤمنون بالله تعالى إلا وهم مشركون. ( يوسف 103- 106 ) لذا فان الفصل في هذا الموضوع هو لله تعالى يوم القيامة، وذلك ما تردد في عشرات الآيات القرآنية. عندها – يوم القيامة – سيدخل الجنة الذين أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة في سلوكهم السامي الظاهري وفى عقيدتهم الصحيحة معا.
المشركون العرب وإضاعة الصلاة:.

1- -ضياع الشيء لا يعنى زواله نهائيا ولكن يعنى وجوده الفعلي بعيدا عنك. حين تضيع منك حافظة نقودك فلا يعنى هذا أنها قد اختفت نهائيا من الوجود ولكن المعنى أنها ضاعت منك أنت وضاع عليك الانتفاع منها. وهكذا المعنى في ضياع الصلاة أو تضييع الجاهليين للصلاة، إنهم أضاعوا ثمرتها، وأضاعوا الهدف الأساسي منها وهو التقوى والسمو الخلقي.
معروف أن الله تعالى يحبط العمل الصالح للمشرك يوم القيامة، فالمشرك قد يأتي بصلاة وصيام وسائر العبادات ولكن الله تعالى يحبط عمله الصالح أي يضيع ثمرته فلا ينجيه من النار ولا يغنى عنه شيئا. وهذا ما حذر منه رب العالمين جل وعلا كل الأنبياء؛ حذرهم من الوقوع في الشرك الذي يحبط الأعمال الصالحة ويضيع أثرها. اقرأ قوله تعالى لخاتم الأنبياء :" وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) الزمر65)
ينطبق على العرب في الجاهلية من أبناء إسماعيل قوله تعالى " فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ..) إذ كانوا يؤدون الصلاة مجرد حركات شكلية من ركوع وسجود وقيام دون إخلاص في العبادة لله ودون سلوك ملتزم بطاعة الله .
ولذلك لم يأت الأمر في القرآن بأن يؤدوا الصلاة مجرد تأدية لأنهم كانوا يؤدونها، ولكن جاء الأمر بإقامة الصلاة، وإقامتك للصلاة يعنى محافظتك عليها واهتمامك بها فالمصلى القائم على صلاته هو الذي يخشع أثناء الصلاة ويتقى الله في غير أوقات الصلاة يقيمها في نفسه سلوكه حميدا وتقوى لله وإخلاصا في عبادته لله وحده دون شريك للمولى عز وجل.
وقوله تعالى لهم " أقيموا الصلاة" يعنى الصلاة المعهودة المعروفة لكم فاللام في كلمة (الصلاة ) تسمى" لام العهد" التي تأتى لوصف الشيء المعهود المعروف للسامع والذي لا يحتاج إلى إيضاح.

2-العرب في الجاهلية أضاعوا صلاتهم حين اكتفوا بتأديتها شكلا فقط بينما وقعوا في الشرك والفحشاء. وذكر القرآن أن العرب كانوا يؤمنون بان الله هو خالق السماوات والأرض ومسخر الشمس والقمر وانه مالك الأرض ومن فيها وأن بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه (المؤمنون 84؛89" العنكبوت 61 " الزمر 38) ولكنهم مع ذلك لم يخلصوا لله تعالى عبادتهم إذ اتخذوا أولياء أقاموا لهم الأنصاب أي الأضرحة – كما نفعل اليوم - وحجوا إليهم – كما نفعل نحن في الموالد الصوفية - وعكفوا على قبورهم المقدسة بزعم أنها تقربهم لله زلفى – كما نفعل في ضريح الحسين والسيدة زينب والسيدة نفيسة والإمام الشافعي والمرسى أبى العباس والسيد البدوي وغيرهم -وذلك ينافى الإخلاص في عبادة الله وحده، يقول الله تعالى لهم – ولنا أيضا - " أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ الزمر 2-3)

3- والمصلي الذي يعبد الله ويشرك بعبادته مع الله تقديس ولي أو ضريح جزاؤه عند الله أن يحبط الله عمله ( الزمر 65-) وإحباط العمل يعنى تضيع ثوابه، فذلك المصلى المشرك بالله أضاع صلاته بالشرك وهذا هو السبب الأول في إضاعة العرب لثواب صلاتهم عند الله.
والسبب الثاني وقوعهم في المعاصي وتعودهم عليها بل الفخر بها واعتبارها جزءا من الدين عندهم حتى لقد نسبوها لأمر لله تعالى، وقد احتج رب العزة على هذا التزوير الديني الذي وقعوا فيه فقال تعالى يسجل ذلك عليهم:" وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ). الأعراف 28")
المخزي أن بعض الصوفية بعد نزول القرآن بعدة قرون جعل للزنا والشذوذ وسائر المعاصي مسوغا دينيا بأن أسندها لأمر الله تعالى فيما يعرف عندهم بوحدة الفاعل – أي الله تعالى – وهو ترديد مخجل لأقاويل الجاهلية تؤكد عظمة الإعجاز القرآني الذي سيكون حكما على الجاهليين و على المسلمين الضالين وكلاهما أضاع الصلاة بالمعاصي والشرك مع قيامه بتأدية حركاتها وفى مواقيتها. لقد ذكر الله تعالى أفعال الجاهليين ورد عليها في القرآن في سورة الأعراف التي ذكر فيها من قبل أن الشيطان سيظل يمارس مهمته إلى قيام الساعة (قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ )الأعراف 15 – 17 )

إن من يقع في الشرك وفى المعصية ومع ذلك يصلى فلا عبرة بصلاته طالما لم يحافظ عليها بسلوكه وبقلبه، بمعنى آخر هو قد غفل وسها عن الهدف الحقيقي للصلاة، فالصلاة ليست مجرد حركات بل لا بد أن تثمر تقوى وسموا خلقيا في التعامل مع الناس يعبر عن إيمان حقيقي. إذا اكتفى بعضهم بمجرد تأدية حركات الصلاة واعتبر الصلاة هدفا في حد ذاته فقد وقع في تكذيب دين الله تعالى لأن صلاته ستتحول إلى مسوغ له لارتكاب المعاصي معتقدا أنه طالما قد صلى فقد أصبح مغفورا له مهما فعل لأن مجرد صلاته ستمحو ذنوبه. هنا تكون الصلاة وسيلة للعصيان وليست وسيلة للتقوى، وهذا هو التكذيب لدين الله تعالى.

وقع في هذا التكذيب لدين الله تعالى بعض الجاهليين المتدينين الذين كانوا يصلون الصلاة في مواعيدها معتبرين إياها هدفا في حد ذاتها، ولذا اقترنت صلاتهم بارتكاب المعاصي والرياء. نفهم هذا من قوله تعالى في سورة مكية:" أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ) سورة الماعون)
فالخطاب في السورة للرسول بالتعجب من ذلك المشرك الذي يكذب بالدين ويزجر اليتم ولا يهتم بطعام المسكين ومع ذلك يؤدى الصلاة وهو ساه عنها وعن معاصيه بل يرائي بهذه الصلاة ولا خير فيه للناس، وهكذا كان حال مشركي مكة وهو حال أغلب محترفي التدين من المسلمين اليوم، حيث يقترن تدينهم وصلاتهم بالغلظة والقسوة والجبروت والرياء والنفاق والتناقض بين الظاهر والباطن واستحلال أموال الناس بالباطل، أو بما تسميه العامة في مصر ( بقلة الدين).

وكانت للعرب المشركين مساجد يؤدون فيها الصلاة ولكنهم لوقوعهم في الشرك كانوا يسمون هذه المساجد بأسماء الأولياء الذين يعبدونهم كما نفعل نحن الآن، وحين دعا النبي إلى أن تكون هذه المساجد لله تعالى وحدة تكالبوا عليه يريدون إيذاءه، واقرأ معنى ذلك في قوله تعالى " وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا الجن 18-19).
وقد أمر الله تعالى رسوله محمدا أن يوجه خطابا محددا لأولئك العرب الذين يقدسون أضرحة الأولياء المدفونة في مساجد الله تعالى، والذين يقرنون أسماء البشر المقدسين مع اسم الله تعالى في الأذان للصلاة وفى تأديتهم للصلاة. الخطاب المحدد هو أيضا موجه لنا حيث يذكر المسلمون اسم محمد نفسه مع اسم الله تعالى في الأذان وفى الصلاة ويكتبون اسم محمد مع الله تعالى بما يعنى تقديسا لمحمد وهو الذي أرسله الله تعالى لمحو تقديس البشر والحجر والشجر. ولذلك فان الله تعالى أمر محمدا رسوله الكريم أن يعلن ويحدد مهمته فى أن يدعو ربه – أي يقدسه – فقط ولا يجعل لله تعالى شريكا في التقديس، وأنه لا يملك هدايتهم لأن الهداية مسئولية كل إنسان فمن شاء الهداية هداه الله تعالى، ومن شاء الضلال تركه الله تعالى للشيطان يضله، فمن اهتدى فإنما يهتد لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها. أما النبي فلا يملك أن يهدى من أحب طالما أن من يحرص النبي على هدايته يرفض الهداية، وأنه عليه السلام لن ينجيه من ربه إلا تبليغ الرسالة القرآنية، أي أنه سيحاسبه الله تعالى على تبليغ الرسالة، والحساب على قدر المسئولية، ومن يعرض من الناس عن قبول الحق فان جهنم تنتظره: (قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا إِلاَّ بَلاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ) الجن 20 -23 )
وقد اعتبر القرآن صلاة مشركي العرب في المساجد صلاة ضائعة غير مقبولة طالما استمروا في شركهم يقول تعالى " مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللَّه شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ)
أما الذي يقبل الله صلاته فهو المؤمن بالله مخلصا لله قلبه وعمله المتقى الذي لا يخشى إلا الله المصلى الذي يقيم الصلاة في قلبه وسلوكه وليس مؤديا لحركات الصلاة فقط (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللَّه شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ. إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ) التوبة 17- 18 )
ومن أسف أن الأقلية فقط هي التي تنطبق عليها الآية سواء في عصرنا الراهن أو في العصر الجاهلي.
إذن عرف العرب قبل الإسلام الصلاة في المساجد وان كانوا قد لوثوها بعبادة أولياء مع الله وكانوا جميعا بعد نزول القرآن مشركين ومسلمين يؤدون الصلاة في نفس المساجد وبعد أن هاجر المسلمون من مكة.
دور قريش

قريش كانت أشهر وأقوى قبيلة عربية بسبب سيطرتها على الكعبة – بيت الله تعالى الحرام – وسيطرتها على موسم الحج الذي كان يفد إليه العرب في الأشهر الحرم. سيطرت قريش على الحياة الدينية لكل العرب إذ كان لكل قبيلة صنمها الخاص الموضوع في الحرم المكي، وتقوم قريش على رعايته. استغلت قريش سلطتها الدينية في تأكيد سلطتها السياسية والاقتصادية فنعمت بالإيلاف وهو حصانة قوافلها التجارية – رحلة الشتاء والصيف – من النهب والاعتداء، و لعبت قريش دور الوسيط في نقل تجارة الهند الآتية إلى اليمن فحملتها إلى الشام لتصل إلى أوربا وروما، وبالعكس حملت تجارة روما إلى اليمن لتسافر بحرا إلى الهند وآسيا.
وازدادت قريش ثراء وأمنا في الوقت الذي عانت فيه القبائل الأخرى من الفقر والتقاتل والسلب والنهب. هذه التجارة بالدين استلزمت من قريش أن تحافظ على طقوس الشرك الديني والظلم الاجتماعي في مجتمعها الرأسمالي القائم على وجود فجوة هائلة بين المترفين الأثرياء والجوعى من الرقيق والفقراء. تم عبور هذه الفجوة وتسويغها بالتدين السطحي الذي يحرص على أداء العبادات من صلاة وصوم وحج وصدقات، مع الحفاظ في نفس الوقت على الظلم والبغي والعصيان والانحلال الخلقي.
ابتدع هذا التدين السطحي تبريرات للمعصية تزعم أن هذا ما وجدنا عليه آباءنا وان الله تعالى أمرهم بها ( الأعراف 28)، كما استخدم تأدية الصلاة ومناسك الحج والصدقة كمكفرات للذنوب، أي طالما تصلي فلا حرج عليك مهما ارتكبت من معاصي، وطالما تحج فقد تم غفران ذنوبك. أي أصبح أداء العبادات ليس للسمو الخلقي والتقوى ولكن لتبرير المعصية والتشجيع عليها، والغنى المترف يستطيع بماله أن يشترى الجنة بما ينفقه في عمارة لبيت الحرام ورعاية الحجاج. علاوة على شفاعة الأولياء والتي ساد الاعتقاد الراسخ فيها في العصر الجاهلي مما استوجب من القرآن أن يرد عليهم مؤكدا أن الله تعالى وحده هو الولي المقدس وهو الشفيع وهو الناصر يوم القيامة.
ومن أسف أن تلك الثقافة القرشية ما لبث أن عادت رويدا رويدا بعد موت النبى محمد عليه السلام. ثم أصبحت سائدة حتى عصرنا. وبتلك الثقافة يتميز المتدين فى عصرنا عن الشخص العلمانى.
جاء الإسلام ليهدد كهنوت قريش وتدينها السطحي الذي أضاع ملة إبراهيم.

قريش اعترفت بان ما جاء به القرآن هو الهدى ولكنهم لو اتبعوا ذلك الهدى لفقدوا الأمن والثراء: وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) القصص 57 )
لذلك أعلنها القرآن صريحة: أنهم يكذبون بالقرآن حماية لمصالحهم الاقتصادية (أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ َ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) الواقعة 81-82 )
اختارت قريش أن تصلى دون أن تقيم الصلاة وتؤتى الزكاة، لأن إقامة الصلاة تعنى تدمير مكانتها التي قامت على الظلم والفجور والتدين الفاسد القائم على استغلال الدين في السحت والاحتراف الديني.
اضطهدت قريش المسلمين فاضطرت معظمهم إلى الهجرة إلى المدينة، وبقى بعض المؤمنين في مكة وحاولوا أن يصلوا في نفس المساجد ولكن المشركين القرشيين المعتدين منعوهم من دخولها فنزلت آية في المدينة تقول " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ - البقرة 114)
وعوضا عن ذلك أقيمت المساجد في المدينة لذكر الله وحدة مصداقا لقوله تعالى " فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ. النور 36-)
بل كان من أسباب تشريع القتال للمؤمنين وهم في المدينة أن تكون المساجد لله تعالى وحده ليذكر فيها اسمه كثيرا دون غيره وان تقام الصلاة كيفية وسلوكا وتقوى دليلا على تمكن المسلمين في أرضهم يقول تعالى " أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ". الحج39-41
إن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تعنى التفاعل بالخير والمعروف مع المجتمع، أو بالتعبير القرآني: " الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر" والمعروف هي القيم العليا المتعارف عليها من الصدق والإحسان والعدل والأمانة والإخاء والسلام والشجاعة والمروءة والمحبة والكرم والتسامح..الخ. والنهى عن المنكر يعن النهى عن كل الخصائص المذمومة من الظلم والبغي والبخل والأنانية والعصيان. وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تثمر مجتمعا تسود فيه هذه الفضائل، وهذا ما كان عليه – في الأغلب – مجتمع المدينة في عهد النبي محمد عليه السلام حين كانت إقامة الصلاة تظهر واضحة في تعامل الناس فيما بينهم.
نقول في الأغلب لأن ضمان الإسلام للحرية المطلقة في العقيدة والسلوك السلمي اتاح للمنافقين حرية الحركة في الدعوة للمنكر والنهى عن المعروف بمثل ما كان المؤمنون والمؤمنات يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. ولذلك انتشرت في المدينة حركتان متناقضتان في جو من الحرية الدينية لا مثيل له حتى في عصرنا. المنافقون والمنافقات يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف – علانية – بينما المؤمنون والمؤمنات يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر –علانية – يقول تعالى: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) التوبة 67 )
أي كانوا يقبضون أيديهم بخلا ويقترفون المعاصي فسقا في المقابل يقول تعالى (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) التوبة 71) جاء هنا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مع طاعة الله تعالى ورسوله – أي طاعة القرآن – توضيحا لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. وقد سبق القول بان المنافقين كانوا يفعلون حركات الصلاة خداعا ومراءاة للناس ( النساء 142) أي أن المشكلة لدى المشركين والمنافقين لم تكن على الإطلاق هو أداء حركات الصلاة في مواقيتها ولكن إقامتها بالحفاظ عليها والخشوع فيها.
وإذا كان للمشركين مساجد في مكة يؤدون فيها الصلاة فان المنافقين في المدينة أيضا حين أرادوا إنشاء مركز في المدينة لمقاومة الإسلام أسرعوا بإقامة مسجد يكرر سيرة المشركين ومساجدهم الشركية وقال تعالى فيهم وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ )" التوبة 107" أي اتخذوا المسجد حربا للمسلمين في عقر دارهم ، وكان المسلمون العاديين يأتون للمسجد للصلاة فيه غير مدركين لما يجرى فيه من تآمر، بل المستفاد من الآية التالية أن النبي محمدا عليه السلام كان مخدوعا في هذا المسجد وكان يأتي أيضا للصلاة فيه إلى أن نزل الوحي يخبر بحقيقة المسجد وينهى النبي عن الإقامة فيه (لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ)
ثم يقول تعالى يقارن بين مساجد المؤمنين ومساجد المشركين (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين)َ التوبة – 109)
فالمساجد موجودة للصلاة في العصر الجاهلي وبعد ظهور الإسلام. والصلاة يؤديها المسلمون والمشركون والمنافقون بنفس الكيفية وفى نفس المواقيت، وليست هناك مشكلة في عدد الركعات وكيفية الصلوات ومواعيدها، ولو كان هناك خلاف في هذا لجعل منه المشركون والمنافقون قضية كبرى يتهمون فيها محمدا بالابتداع في الدين وهجر الصلاة المتوارثة بكيفيتها ومواعيدها وهيئاتها منذ عهد إبراهيم.
لم تكن حركات الصلاة وأعدادها ومواقيتها مشكلة على الإطلاق. المشكلة كانت – ولا تزال – هي تضييع الصلاة بالشرك العقيد والعصيان والفجور. المشكلة كانت – ولا تزال – في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة – بمعنى أن تثمر الصلاة زكاة وتطهيرا للنفس وسموا في الخلق، وليس أن تصبح رياء ووسيلة لخداع الناس والإسراف في العصيان.
5- وهكذا لم تستفد المشركون من صلاتهم في هذه المساجد إلا الضياع والخسران، بل إن القرآن سخر من تأديتهم للصلاة بمجرد الركوع والسجود وهم على ما هم عليه من تكذيب للقرآن واستمرار على العصيان فوصف هذه الصلاة بحركات اللعب واللهو التي تبعث على السخرية والاستهزاء، وهو وصف دقيق لمن يصلى قائما راكعا ساجدا بمجرد حركات دون وعى ودون معنى، يقول تعالى " وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ). الانفال 35)
وقبل هذه الآية الكريمة أوضح القرآن أنهم كانوا يستغفرون الله وأن الله تعالى سينجيهم بهذا الاستغفار من الهلاك في الدنيا طالما لم يخرجوا النبي من مكة " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ). الأنفال 33) ولكن العذاب ينتظرهم في الآخرة مهما صلوا ودعوا الله تعالى طالما لا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة ولا يتقون الله تعالى" قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ).. الفرقان 77)
وهكذا ضاعت صلاتهم كما ضاع دعاؤهم لله تعالى واستغفارهم إياه بسبب عصيانهم وتمسكهم بعبادة الأولياء والأنصاب وعصيانهم وتكذبيهم للقرآن.

مؤمنو أهل الكتاب ومؤمنو العرب المتمسكون بأصول ملة إبراهيم الحقيقية
وصراعهم مع المشركين الذين لم يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة

وفى وسط هذه الظلمة الحالكة كان بصيص نور من الإيمان عند بعض أهل الكتاب ومن بقى متمسكا بالحنفية ملة إبراهيم من العرب.
1-يقول تعالى عن أهل الكتاب " لَيْسُواْ سَوَاء " أي أنهم جميعا ليسوا في التدين مثل بعضهم وان كانوا جميعا أتباع دين واحد هو الكتاب المقدس الحق الذي نزل القرآن الكريم يؤيده ويصدقه. لكنهم في التدين أو تطبيق الدين لم يكونوا سواء، وتطبيق الدين بصدق يعنى التقوى أو إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهنا يختلف الناس حسب الإيمان والسلوك برغم الشعارات المرفوعة؛ بعضهم سابق في الخير وبعضهم توسط، وبعضهم ضل وفسد، وتتحدث الآية عن الصنف المفلح من أهل الكتاب فتقول عنهم بصيغة الجملة الاسمية التي تفيد الثبوت والدوام في كل عصر وأوان: (مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) أي قائمة بالدين إيمانا وشعائر وسلوكا أو بمعنى آخر هي أمة تقيم الصلاة وتؤتى الزكاة، ولذلك فإنهم كما قال تعالى: " يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) ولذلك فان الله تعالى لن يضيع أجرهم، فالمتقون هم أصحاب الجنة: (وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ) آل عمران 113-115)
2-وأكد القرآن الكريم على إقامتهم الصلاة وإيتاء الزكاة بالمفهوم القرآني أي بإخلاص العقيدة لله تعالى وحده وسمو السلوك وتطهر القلب والجوارح، فبعد أن ذكر الله تعالى الصنف السيئ منهم وذكر بعض سيئاتهم ومنها: (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) النساء " 161".
قال مستدركا يصف الصنف المفلح السامي منهم : (لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا )"النساء 162" وصفهم بإقامة الصلاة وليس مجرد التأدية الشكلية للصلاة وهى تفيد تزكية النفس أو إيتاء الزكاة وتؤكد إيمانهم الصحيح بالله تعالى وحده إلها لا شريك له ، والإيمان الصحيح باليوم الآخر الذي لا مجال فيه لشفاعة بشر أو حجر. هذا الإيمان الصحيح بالله تعالى واليوم الآخر يعتبر أيمانا بكل الكتب السماوية، لذا فهم مؤمنون بالقرآن الذي يصدق بما سبقه من كتاب سماوي. وبعدها يتحدث القرآن عن وحدة الوحي الذي نزل على محمد وعلى الأنبياء السابقين فيقول تعالى " إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا " النساء 163-) ولاحظ أن الآية تفصل بين نوح ومن بعده من الأنبياء الذين دمر الله أقوامهم فلم تعد لهم باقية -وبين إبراهيم وذريته التي استمرت وجاء منها الأنبياء إسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط وغيرهم إلى خاتم النبيين محمد عليهم جميعا السلام.. أن الوحي واحد للجميع والصلاة أيضا، كما أن موقف الجميع واحد في تدينه، منهم من أقام الصلاة وآتى الزكاة بالمفهوم الذي عرفناه، ومنهم من أضاع صلاته وسقط في حضيض الكفر والعصيان.
هذا ما حدث من الأكثرية من الخلف في عدم إخلاص القلب والعبادة لله وحده مع أن ذلك ما جاء به الوحي لكل نبي. وبسبب العصيان وعدم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تفرقوا من بعد ما جاءهم الوحي الإله بالبينة " وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) . البينة 4-) رفضوا ملة إبراهيم الحنفية فلم يخلصوا العقيدة واكتفوا بمجرد تأدية حركات الصلاة إذا صلوا - دون إقامة حقيقية لها في القلب والحواس والسلوك.
3-على أن هناك من العرب من ظل متمسكا بالحنفية مقيما للصلاة مؤتيا للزكاة تاركا الظلم والعصيان وعبادة الأصنام وهم الحنفاء، ذكر منهم تاريخ العرب شخصيات كثيرة منهم مثل زيد بن عمر بن نفيل وقس بن ساعدة الايادى وورقة بن نوفل، وأولئك اخلصوا لله تعالى صلاتهم فقاموا بالصلاة وفق ما أمر الله وكانت لهم مع قومهم صرا عات دارت حول المساجد التي حولها المشركون إلى معابد يذكر فيها اسم الله تعالى ويذكرون معه الأولياء وقبورهم المقدسة بمثل ما نفعل اليوم. يقول الله تعالى " الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الحج 40 "
وهذه القاعدة التاريخية الاجتماعية تنطبق على تاريخ الصراع الديني في التاريخ الإنساني ومنه تاريخ العرب قبل وأثناء ظهور الإسلام ونزول القرآن. نفهم من هذه القاعدة التاريخية الاجتماعية إن أماكن العبادة للعرب وأهل الكتاب مثل الصوامع والبيع والمساجد شهدت صراعات شتى بين أتباع الحق وأتباع الباطل ليس حول كيفية الصلاة، وإنما حول الاستخدام السيئ لبيوت العبادة في التجارة بالدين والاسترزاق منها. وذكر القرآن).الكريم طرفا من ذلك في قصة أهل الكهف وكيف أن السادة أقاموا على جثثهم مسجدا للتبرك بهم.( الكهف 21 ) .
إن العادة أن أصحاب السلطة والنفوذ هم الذين يسيطرون على المساجد لنهم هم الذين يشيدونها تكفيرا عن مالهم السحت وامتصاصهم عرق الضعفاء، وقد يؤدون الصلاة إلا أنهم لا يقيمونها، بل يستخدمون سلطتهم على المساجد في منع الضعفاء ممن يخالفهم في الرأي والتدين، حتى لو كان أولئك الضعفاء متمسكين بالحق العقيدي والصالحات من الأعمال. وهكذا فعلت قريش بمن بقى في مكة من المسلمين بعد هجرة أغلب المسلمين إلى المدينة فمنعهم المشركون من دخول المساجد " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ )البقرة 114)
وذلك ما حدث مع النبي محمد نفسه حين منعوه من الصلاة في البيت طالما يكفر بالأصنام " أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى) ويبين الله تعالى أن ذلك الكافر أضاع نفسه بالمعاصي والضلال:( أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ) إلى أن يقول تعالى لرسوله الكريم: (كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) العلق 9؛ 19)
فقد تزعمت قريش حزب الشرك، وبما لها من سيطرة على الكعبة أحاطتها بالأصنام والأنصاب ليكون لأولئك الأولياء نصيب في الصلاة التي تؤدى لله في بيت الله الحرام، ومن لا يستحب لذلك كانوا يمنعونه من دخول الحرم ومن الصلاة فيه، فقال رب العزة يتوعدهم وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) الأنفال 34.
أي أن المتقين فقط هم الأحق بولاية بيت الله تعالى الحرام. فالمتقون هم الذين كانوا في ذلك الوقت يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة في قلوبهم وحواسهم وسلوكهم، أما أولئك الذين يؤدون حركات الصلاة من سجود وركوع دون خشوع ودون تقوى - بل وصد عن سبيل الله - فصلاتهم لهو ولعب يستحقون عليها العذاب، ولذلك تقول الآية التالية تسخر من صلاتهم – وهى مجرد حركات عجلى بدون خشوع أو تقوى: (وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ) الانفال -35 ) أي لم تردهم تلك الصلاة إلا عذابا يوم القيامة.

خاتم النبيين (محمد ) متبع لملة إبراهيم حنيفا وليس بدعا من الرسل وليس منشئا لدين جديد

1- من الأخطاء الكبرى أن يعتقد المسلمون إن محمدا خاتم النبيين قد جاء بدين جديد أو كان بدعا بين الرسل. لقد أمره ربه جل وعلا أن يعلن أنه ليس متميزا عن الرسل السابقين وانه حتى لا يعلم الغيب مثل بعض الرسل السابقين – نقصد رسل الله تعالى بالطبع. اقرأ قوله تعالى: (قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) الأحقاف 9 )
وأمره ربه جل وعلا أن يقتد بالهدى الذي جاء به من سبقه من الأنبياء عليهم جميعا السلام. أقرأ قوله تعالى للنبي محمد بعد أن قص الله تعالى قصة هداية إبراهيم وذريته: ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) الأنعام 90 )

2- وأهم الهدى هو ما تعلق بطريقة العبادة أو ما يعرف بالملة. وإذا كانت الأمم السابقة في المنطقة قد فنيت ولم يعد لها بقاء فقد بقيت أمم أخرى تكاثرت وانتشرت في كل أنحاء العالم، منها في الشرق الأوسط ذرية إبراهيم وهو أبو الأنبياء وأبو شعبين هما ينو إسرائيل والعرب المستعربة، وفيهما توارثت الذرية ملة إبراهيم من صلاة وصوم وصدقة وحج وتلاوة للكتاب الإلهي.
ولكن تمسك أغلب الخلف بالحركات والتدين السطحي الظاهري المنافق المرائي دون إخلاص الدين لله تعالى فتحولت الطاعة إلى عصيان، ولهذا تعاقب الأنبياء في بنى إسرائيل كلهم يدعو إلى العودة إلى الأصل المضيء لملة إبراهيم، أو " ملة إبراهيم الحنيفية" التي تعنى إخلاص العقيدة لله تعالى وحده وطهارة السلوك، أو بمعنى آخر هو إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
ثم جاء خاتم الأنبياء جميعا من ذرية إسماعيل بن إبراهيم رسولا للبشر جميعا إلى قيام الساعة ينادى بنفس المهمة وهى اتباع ملة إبراهيم حنيفا. أي باختصار هي دعوة لإصلاح الدين الأصلي – الإسلام – الذي جاء به جده الأكبر أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام.
نزل الوحي عليه يأمره بالتباع ملة أبيه إبراهيم في إن تكون صلاته بل وحياته ومماته لله وحده لا شريك له، وأمره ربه أن يعلن ذلك لقومه وللعالم :" قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) وفى كلمات موجزة بليغة تشرح الآيتان التاليتان معنى الإسلام وإخلاص العقيدة في ملة إبراهيم (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ). الانعام162/163 -) إذن أصبح خاتم النبيين إماما للمسلمين في التباع ملة أبيه إبراهيم الحنيف، وداعية للعالم كله إلى التباع ملة إبراهيم الحقيقية: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّه وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ) النساء 125 )
ودائما تقترن كلمة (ملة إبراهيم )بوصف (حنيفا) أي حال كونه مخلصا في عبادة الله وحده لا شريك له، ذلك أن العرب كانوا يدعون التمسك بملة إبراهيم وهم مقيمون على الشرك، وكما قلنا فان الملة هي طريقة العبادة وقد تمسك العرب بطريقة الصلاة المتوارثة من ركوع وسجود ومواقيت ولكن وقعوا في الشرك وأدمنوا البغي والعصيان، وظنوا كما نظن الآن أن مجرد الشكل يكفى، وتناسوا – كما نتناسى نحن الآن أيضا – معنى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة الذي أضاعوه وأضعناه.

3- لقد مدح رب العزة في القرآن إبراهيم عليه السلام وقال فيه ما لم يقله في أي نبي آخر.
فهو النبي الوحيد الذي عندما عاتبه ربه قرن العتاب بالمدح، فعندما جاءت الملائكة لتبشر إبراهيم بابنه اسحق ثم يعقوب، وتخبره بأنها ستدمر قوم لوط – أخذ إبراهيم يجادل ويدافع عن قوم لوط خوفا على المسلمين في داخل القرية، دون أن يعرف أن الأمر الإلهي قد صدر فعلا وأن الله تعالى لا يبدل القول. اقرأ قوله تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ) وجاء تعليق رب العزة يمدح إبراهيم عليه السلام قائلا: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ) هود 74 – 75 )
وإبراهيم هو النبي الوحيد الموصوف بأنه ( وفّى ) أي أوفى ونجح في كل الاختبارات التي امتحنه الله تعالى بها :{ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) النجم 37 ). جاءه الاختبار كلمات تقول له اذبح ابنك الوحيد، اتركه غريبا في صحراء الحجاز عند البيت الحرام..الخ وأتم إبراهيم تنفيذ كل تلك الكلمات فقال تعالى عنه:( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) البقرة 124 ) أي جعله الله تعالى إماما لكل المتقين إلى قيام الساعة سواء كان أولئك المتقون من ذريته أو لم يكونوا. وفى كل عصر وفى كل مكان بعد إبراهيم فان من يرفض ملة إبراهيم فقد ضل سواء السبيل، يقول تعالى عنه:( وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينََ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) البقرة 130- 131 )
وهو النبي الوحيد الذي تتالت الآيات تمدحه بما لم تقله في نبي آخر، ثم تختتم بتقرير إن خاتم النبيين تابع له متبع لملته ومأمور بذلك، يقول تعالى عنه: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) أي كان وحده يعادل "أمة "أو مجتمعا من الخير، وكان يداوم العبادة مخلصا لربه ولم يقع في الشرك.( شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)( وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) إلى أن يقول تعالى لخاتم النبيين: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) النحل 120-123) وهذا الإصرار على وصف ملة إبراهيم بالحنفية التي تعنى عدم الوقوع في الشرك يعنى الرد على أولئك الذين زعموا من العرب أن ملة إبراهيم عندهم هي مجرد التمسك بكيفية الصلاة المتوارثة عن جدهم إبراهيم دون التمسك بالإخلاص في العبادة لله وحده وإسلام الرجة لله تعالى وحده.
4- وهو نفس الرد على أهل أبناء عم العرب ومن نسل إبراهيم الذين اعتقدوا أن اليهودية أو النصرانية هي استمرار لملة إبراهيم فقال لهم المولى عز وجل " وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينََ. البقرة135) أي يدعوهم إلى الرجوع لملة إبراهيم الحنيفية.
وكان بعض أهل الكتاب في المدينة يعتقدون أنهم على الحق فى اتباع ملة إبراهيم ورد القرآن عليهم " مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ)آل عمران 67-68 ) أي أحق الناس بملة إبراهيم هو خاتم النبيين والذين اتبعوا هذه الملة من المؤمنين في كل زمان ومكان. أي أن الأمر ليس شعارا يرفع وإنما هو إتباع صادق للدين الحنيف الذي جاء به أبو الأنبياء وأبو المسلمين:إبراهيم عليه السلام، لذا قال تعالى للمؤمنين " وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا ) الحج78 -)
فملة إبراهيم هي إقامة الصلاة لله وحده والجهاد في سبيله تعالى وعبادته وحده دون ولي أو شريك...وقد تتالت الأوامر والنواهي على النبي بإخلاص العبادة لله وحده وعدم اتخاذ أولياء مع الله لاستعادة نقاء ملة إبراهيم. قال له ربه: "وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). يونس 105) . أي كانت دعوة محمد خاتم النبيين تتركز في إتباع ملة إبراهيم حنيفا بإخلاص العبادة والصلاة لله وحده وفق ما كان إبراهيم يفعل في عبادته وفى صلاته.

موقف االمشركين من الرسول محمد بعد إن دعا للحنيفية :.

1-قام الكهنوت القرشي على أساس الإكراه في الدين، واستعملوا نفس الأسلوب مع خاتم النبيين ، لم يقبلوا أن يصلى لله تعالى دون أن يصلى للأولياء فأمروه بأن يجعل من صلاته جزءا للأولياء وأمره الله تعالى بالرفض تاركا لهم حرية الخيار في عبادة غير الله تعالى حيث لا إكراه في الإسلام اقرأ هذا المعنى في قوله تعالى" قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ "- " قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ). الزمر 13؛14؛15؛64؛)
2-لقد امتن الله تعالى على خاتم النبيين بأنه هداه إلى الحق بعد أن كان يعيش في نفس الضلال الذي عاشته قريش، يقول تعالى له في أوائل ما نزل في القرآن الكريم: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ) الفجر 7 )
هداه الله تعالى إلى الحق بالحق القرآني، وما كان قبله يدرى ما الكتاب ولا الأيمان:( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ ) الشورى 52 ) بالوحي القرآني ترك محمد عبادة الأولياء والأنصاب وأخلص لله تعالى عقيدته وفقا لملة أبيه إبراهيم، فاشتد الضغط عليه من قريش ليعود إلى ما كان عليه من الشرك فى العقيدة.
ومع كثرة ضغطهم عليه بأن يعود إلى ما كان عليه قبل النبوة والهداية أمره ربه أن يعلن أن الله نهاه عن ذلك، وأنه تعالى أمره في القرآن بعدم العودة إلى الشرك الذى كان فيه قبل الوحي :" قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) غافر 66) أي أمره ربه جل وعلا أن يعلن لهم أنه جل وعلا قد نهاه عن عبادة غير الله تعالى، فقد جاءه الهدى في القرآن، وأمره ربه جل وعلا أن يسلم وجهه لله تعالى وفق ملة إبراهيم.
وتكرر الضغط القرشي عليه بالعودة لعبادة الأوثان والأضرحة فتكرر نفس الرد( قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ) الأنعام 56).
وتكرر نفس الموقف وجاءت آيات القرآن تحث النبي على التمسك بإخلاص عقيدته لربه وألا يكون من المشركين مناصرا للكافرين (وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) القصص 86 – 88 )
وكانوا يخوفونه من غضب الأولياء المقدسة لأنه ترك عبادتها فقال له ربه جل وعلا: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ)الزمر 36 ).
واتخذ التخويف حربا نفسية ضد النبي ليعود إلى عبادة الأولياء مع عبادة الله تعالى فطمأنه ربه جل وعلا قائلا له: (وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) يونس 107 )
وتناوله المشركون بدعاية مضادة تشكك في الإسلام فجاءه الرد الذي يجب أن يواجههم به: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي بصراحة انه لن يعبد آلهتهم المزعومة بل سيعبد الله تعالى وحده، وجاءت الآية التالية تؤكد على أن تكون العبادة لله وحده وفقا لملة إبراهيم: (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ) يونس 104-106 )
ومنذ البداية تمسك النبي محمد عليه السلام بأوامر ربه فامتنع عن عبادة أوثان المشركين المنتشرة في الكعبة، فحاول المشركون منعه من الصلاة في الحرم ونزل ذلك في سورة العلق أول ما نزل من القرآن " أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ) إلى أن يقول تعالى للنبي محمد: (كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ).العلق.
الخلاصة

عرفنا أن ذرية إبراهيم من العرب وأهل الكتاب توارثوا كيفية الصلاة ومواقيتها ضمن ما توارثوه من ملة إبراهيم ولكنهم اكتفوا بالشكل الذي يؤدون به الصلاة وتركوا القلب والجسد مرتعا يحيله الشيطان كفرا ومعصية.
ونزل القرآن يدعو للإتباع الصحيح لملة إبراهيم ويحذر من الشرك والمعاصي ويأمر بالمحافظة على الصلاة وليس مجرد تأدية الشكل دون المضمون.ويلفت النظر أن الأوامر الخاصة بالصلاة كانت بلفظ " أقيموا الصلاة " أي أقيموها في قلوبكم خشوعا وفى جوارحكم طاعة وتقوى.والألف واللام في "الصلاة " تفيد العهد أي الصلاة المعهودة المعروفة لديكم أقيموها وحافظوا عليها.
وقد تكرر الأمر بإقامة الصلاة في أكثر من أربعين موضعا بالإضافة إلى أوصاف أخرى تفيد نفس المعنى مثل " حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ.... البقرة 238) والاستعانة على كل شيء بالصلاة والصبر (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ)... البقرة 45)
وأولئك الذين كانوا يؤدون الصلاة دون إقامتها والمحافظة عليها كالمنافقين وصف القرآن طريقتهم: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً) النساء 142 " فهم لم يقيموا الصلاة وإنما يتكاسلون في أدائها في الظاهر ويراءون الناس بينما لا يذكرون الله تعالى في قلوبهم وفى سلوكهم ولو فعلوا لكانوا متقين مقيمي الصلاة. والله تعالى لن يقبل منهم هذه الصلاة التي يؤدونها رياء وهم كسالى: (وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى. التوبة 54) فلن تغنى عنهم شيئا فهم في الدرك الأسفل من النار مهما ركعوا وسجدوا.
إن فريضة الصلاة صلة متجددة بين المسلم وربه، ولذلك تتوزع طيلة النهار منذ بداية اليقظة في الفجر حتى بداية النوم في العشاء، وفيما بين أوقات الصلاة يظل المؤمن محافظا على صلت بربه إذا أقدم على معصية بعد فريضة الظهر أدرك انه سيصلى العصر لله تعالى فكيف يخشع في صلاته والله اعلم بإصراره على المعصية ؟ إذن فالصلاة الحقيقية التي يحافظ عليها صاحبها أو التي يقيمها صاحبها هي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر.
وهذا هو جوهر الحنيفية التي تعلمها الناس من إمامهم إبراهيم ولكن ما لبث الشيطان أن أغرقهم في الشكل والحركات وعبث بالقلب والجوارح فأحدث فجوة بين الصلاة والسلوك. وهكذا كان العرب حين نزل القرآن يعرفون حركات الصلاة ومواقيتها ويؤدونها مجرد تأدية ولكن لا يقيمونها في سلوكهم ولا في قلوبهم فنزل القرآن يصحح الوضع لتكون الصلاة صلة متجددة بالمولى عز وجل ووسيلة لتقواه وإخلاص الدين له تعالى وحده.لو كان هناك تقصير آخر أو جهل بمواقيت الصلاة وحركاتها وكيفية تأديتها لأوضحه رب العزة ولكن كان حال العرب في الجاهلية كالمثل الذي نقوله الآن " هذه نقرة وهذه نقرة". وهذا مثل شعبي مصري عن الانفصال بين الصلاة والسلوك السيئ، إذ أن الشيطان فعل بنا مثلما فعل مع السابقين، فالشيطان لم يقدم استقالته.
أخيرا نقول إن محمدا عليه السلام كان متبعا لملة إبراهيم، ونزل عليه القرآن بالدعوة لإصلاحها في تشريعاتها، ولم يكن مبعوثا بدين جديد لا يعرفه العرب. ومن هنا فانه ليس منتظرا منه الإتيان بصلاة جديدة أو تشريعات جديدة بالكامل وإنما نزل القرآن ليتعامل مع مجتمع تم فيه تحريف ملة إبراهيم فجاء القرآن لتصحيح ما تم تحريفه وإقرار ما لم يتم تحريفه، أما التشريعات الجديدة في سياق ملة إبراهيم فقد نزل القرآن يفصل ويشرح بنودها.
هذا ما نتوقف معه بالشرح في الفصل التالي.




الباب الأول : الصلاة فى القرآن الكريم :
الفصل الثاني : الصلاة ونزول القرآن :
( معنى بيان القرآن ـ منهج القرآن الكريم في تفصيلات التشريع.ـ منهج القرآن في تفصيلات فريضة الصلاة).

معنى بيان القرآن:

1- لو كان العرب حين نزل القرآن يجهلون صلاة المغرب وعدد ركعاتها وصلاة الجمعة وكيفيتها لجاءت تفصيلات القرآن تعلم الناس ما يجهلون من عدد ركعات الصلاة وكيفيتها ومواقيتها وكل شيء عنها. ولكن العرب توارثوا حركات الصلاة جيلا بعد جيل مثلنا الآن، وكانوا يؤدون الصلاة دون أن يقيموها أو يحافظوا عليها- مثلنا الآن أيضا- فجاء القرآن يخاطبهم- ويخاطبنا أيضا- بعلاج هذا الخلل الخطير في القلب وفى السلوك.
وللناس عادة سيئة مع آيات الله فلا يحاولون التدبر فيها بل يقرأون القرآن باللسان فقط، وبالتعود تفقد الألفاظ مدلولها وتصبح الآيات مجرد كلمات منظومة يتغنى بها المنشدون في حفلات السمر ومناسبات العزاء..

2- يقول تعالى:( مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ) الأنعام 38 " فلكل شيء اصل في القرآن، وإذا لم يكن له تداخل في إحدى قواعد القرآن فله صله في إحدى تفصيلات القرآن، إذ لا تفريط في كتاب الله. ومعنى أن القرآن ما فرّط في شيء أنه لم يترك شيئا ـ يحتاج الناس لتوضيحه ويكون تركه تفريطا ـ إلا أوضحه وأبانه. أما من يتهم كتاب الله تعالى بالتفريط والنقصان والاحتياج للبشر فانه يخلق مسائل ومشاكل ويتوجه بها لكتاب الله تعالى معاجزا يبحث عن إجابة لما اخترعه من مشاكل ومسائل ليثبت لنفسه والآخرين نقصان كتاب الله تعالى وتفريطه، وليثبت أن كتاب الله تعالى قد فرّط في شيء وأشياء، وليتهم رب العزة بالكذب حين قال " مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ".
العجيب أنه مع اختلاف المسلمين طوال تاريخهم في كل شيء فقد اتفقوا على عدد الصلوات وكيفيتها ولم تكن لهم بشأنها مشكلة على الإطلاق، إلا حين ظهرت الدعوة للاكتفاء بالقرآن وحده فتكاثرت الاتهامات للقرآن الكريم والتكذيب له ومحاولة معاجزته بأسئلة عن عدد ركعات الصلاة وكيفياتها ومواقيتها، وطالما لم تكن موجودة في القرآن فالله تعالى يكون عندهم كاذبا في قوله: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ). تناسوا أن المجال متاح لمن يكذّب بالقرآن ولمن يتهم رب العزة بالكذب بدلا من أن يقول "صدق الله العظيم "، بل تناسوا أن الله تعالى قد أنبأ سلفا في القرآن بأنهم سيفعلون ذلك. وهاهم يحققون فيهم أعجاز القرآن الكريم.

3- إن تفصيلات القرآن لا تغطى كل ما لا داعي له، والا تكاثرت آيات القرآن بحيث لا تكفيها البحار مدادا ولا الأشجار أقلاما، وهذا وجه من أوجه الإعجاز في تفصيلات القرآن، فليست تفصيلات القرآن ثرثرة - حاش لله وتعالى عن ذلك علوا كبيرا - ولكن تفصيلات القرآن جاءت بإحكام دقيق " كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) هود 2" أي جاءت من لدن الحكيم الخبير جل وعلا، فتعالى الله تعالى أن تكون تطويلا لا فائدة منه، بل جاءت على أساس منهجية علمية دقيقة " وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ).. الأعراف 52" أي أن الذي يفهم الأسس العلمية للتفصيلات القرآنية ليس كل الناس وإنما هم فقط أولئك الذين يؤمنون به، ولذا تكون لهم هدى ورحمة...
4- ويسيء الناس فهم البيان القرآني حين يسعون في آيات الله معاجزين يطالبون بتوضيح كل تفصيلات الحياة ومفرداتها. فالبيان لا يكون إلا للغامض الذي يتطلب التبيين والتوضيح. يقول تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ). النحل 89"
فبيان القرآن الكريم – مثل تفصيلات القرآن – هي أيضا هدى ورحمة لمن يستحقها وهم المسلمون الحقيقيون وليس أولئك الذين يسعون في آيات الله تعالى معاجزين.
أولئك المكذبون للقرآن يشترطون للإيمان بالقرآن وأنه نزل تبيانا لكل شيء أن ترد فيه تفصيلات الصلاة وعدد ركعاتها ومواقيتها وهيئاتها. هم لا يفهمون أن البيان إنما يكون فقط للغامض المستحق التوضيح، أما الواضح الظاهر البائن بنفسه فلا يتطلب توضيحا والا كان إهانة للقارىء واتهاما له بالغباء والجنون، علاوة على أنها ثرثرة لا تليق بكتاب بشرى عادى فكيف بكتاب الله تعالى الذي نزلت تفصيلاته على علم وحكمة . وإذا كان العرب يؤدون صلاة المغرب ثلاث ركعات فان من العبث ومن السخرية بهم أن يأمرهم القرآن بان يصلوا المغرب ثلاث ركعات.
المؤمن بالقرآن الكريم لا يسارع باتهام الله تعالى بالكذب حين قال: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ) وحين يؤكد: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ) ولا يقول معاجزا لرب العزة فأين كذا وكذا في القرآن متحديا ربه جل وعلا، بل يقول: صدق الله العظيم، ويسجد مؤمنا بقوله تعالى، ثم يبحث متدبرا في القرآن متفهما لمصطلحاته طالبا من ربه جل وعلا الهداية بإخلاص. عندها سيكرمه ربه جل وعلا بالهداية ويفتح له من كنوز القرآن ما لم يكن يتخيل، وعندها يعرف أن تفاصيل القرآن قد جاءت فعلا عن علم، وأنها هدى ورحمة لمن يستحقها.
حينئذ يعرف أن للقرآن منهجا في تفصيلاتة التشريعية.
على أن الشيطان لم يقدم استقالته وسيظل له أتباع من أكثرية البشر وبين من ينتسب للإسلام. وأولئك لن يكفوا عن التكذيب بالقرآن واتهامه بالتفريط وحاجته للبشر كي يكملوه ويوضحوه، وفى سبيل ذلك سيظلون يسعون في آيات الله تعالى معاجزين، وستظل تلكك مهمتهم ومهنتهم إلى قيام الساعة.
هذا ما أشار إليه رب العزة في القرآن الكريم نفسه:
اقرأ قوله تعالى يخبر عن ذلك سلفا:
(وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)الحج 51
(وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ. وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) ) سبأ 5
(وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ) سبأ 5؛6؛38)
ولسنا هنا في معرض الرد عليهم وإنما لإنصاف القرآن الكريم من اتهاماتهم، وذلك بالتعرف علي منهج القرآن الكريم في تفصيلاته التشريعية حتى لا ينخدع بعض السطحيين باتهاماتهم ويبادر باتهام الله تعالى بأنه فرط في كتابه حين لم يذكر عدد ركعات الصلاة وبأنه ما فصل في القرآن كيفية الصلاة أو أنه ما أبان في القرآن فرائض الصلاة من الفجر للعشاء.
وحتى بدون الحاجة إلى التعرف على هذا المنهج يمكن لأحدهم إذا كان سليم النية أن يسأل نفسه بصدق: هل قرأ في صغره كتب الحديث والفقه وتعلم منها كيفية الصلاة وركعاتها ؟ أم قد تعلم ذلك من الصغر بالتوراث والمشاهدة ؟ .
لم يقرأ أي واحد منهم كتب البخارى ومسلم وابن حنبل وغيرهم وتعلم منها الصلاة. ولو كانت تلك الكتب مرجعية للصلاة فكيف كان الناس قبل أولئك الأئمة بقرنين من الزمان يؤدون الصلاة ؟
منهج القرآن الكريم في تفصيلات التشريع.

يلفت النظر أن معظم تشريعات القرآن لم تأت في سياق موضوعي واحد، أو في سياق زماني واحد، وإنما تناثرت بين السور في إيجاز أحيانا وفى تفصيل أحيانا أخرى.
لو كان القرآن قد نزل بشريعة جديدة ليست معروفة من قبل لكان منتظرا أن تأتى التشريعات منتظمة متتابعة متتالية في سياق موضوعي وزمني واحد. إلا أن القرآن نزل على قوم يؤدون الصلاة والصدقة والحج والصيام، ولكن طال عليهم الأمد فقست قلوبهم فبدلوا وحرفوا فاختلطت حياتهم الدينية بأصول حقيقية من ملة إبراهيم مع تحريفات قديمة وأخرى حديثة، اختلط التطبيق الصحيح بالتطبيق الفاسد، فنزل القرآن الكريم يعالج ما تم تحريفه قديما وما استجد تحريفه وما تم نسيانه وما يساء تطبيقه.
وهناك ما هو أهم.
أن الوحي القرآني لم ينزل في فراغ بل في بيئة متحركة حية تطبق ملة إبراهيم وتحريفاتها في نفس الوقت، ولهذه التحريفات أنصار، وقد نشأت عليها مصالح تتمثل في قريش وحمايتها للأنصاب والأصنام والظلم والاستغلال. ودفع المسلمون الثمن اضطهادا وتعذيبا، ثم هجرة وحروبا فرضها المشركون المعتدون عليهم. وكان لا بد أن ينعكس هذا الصراع على الوحي فكان يأتي مستجيبا أحيانا للأحداث بالتعليق والتصحيح وبالحوار، لذا كان يتكرر التشريع الواحد يفصل ما سبق إيجازه ويشرح ما سبق الإشارة إليه، ويؤكد ما سبق قوله، وانعكس هذا على ما يخص العبادات أي ملة إبراهيم والتدين السائد بما فيه من صحيح وتحريف. فنزل الوحي يصحح ويعلق ويجيب الأسئلة.
نزل القرآن على قوم يزعمون التمسك بملة إبراهيم ومنهم من كان يقرأ صحف إبراهيم وتوراة موسى حتى لقد اتخذ القرآن من صحف إبراهيم وموسى الموجودة عندهم حجة عليهم يقول عن بعضهم " أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) النجم 36 -37 ) وكان منهم علماء تخصصوا في السفسطة والجدال في آيات الله تعالى فنهى الله تعالى عن جدالهم ( الأنعام 121 ) ( غافر 4 ـ 35 ـ 56 ) ( الشورى 16 ـ 35 ) وقال عنهم في إحدى مجادلاتهم (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) الزخرف 58 )
وقد كان في حياتهم الدينية الصحيح والفاسد، كان منها ما بقى من ملة إبراهيم دون تغير وما ادخلوه من تخريف وتحريف، ونزل القرآن بتفصيلاته التشريعية لا يتعرض لتوضيح التشريع الواضح الذي لا تغيير فيه ـ مثل هيئة الصلاة ومواقيتها ـ بل تركزت تفصيلاته على علاج التحريف الحادث، ثم إذا جاء تشريع جديد نزل مفصلا واضحا.
وهذا هو منهج التفصيل في تشريعات القرآن:
الواضح الذي لم يلحقه تغيير لا يحتاج بيانا.
أما التحريف في القديم والتشريع الجديد فلابد لهما من التفصيل الذي يعالج التحريف ويفصل في التشريع الجيد.
ونعطى أمثلة.
في تشريع جديد جاء لأول مرة:
( الميراث)

من العادات السيئة للبشر ـ حتى في داخل الأسرة الواحدة ـ أن يستأثر الأكبر بكل ما يستطيع من ثروة العائلة آكلا حقوق أهله وأقرب الناس إليه. والمرأة هي الأكثر تضررا إذا كانت أختا أو بنتا أو عمة أو أمّا. تستوي في ذلك المجتمعات الصحراوية والمجتمعات الزراعية. إلا أن الظلم الذي يقع على المرأة في المجتمعات الزراعية أخف وطأة، بسبب الدور الذي تلعبه الدولة والمرأة في البيئة الزراعية المستقرة بما يخفف من مسئولية الرجل وسطوته أيضا. ومع ذلك يظل ظلم المرأة قائما، وتظل مساواتها بالعدل مع الرجل قضية تستحق النضال، هكذا كانت ولا تزال في الغرب والشرق على السواء.
يتجلى هذا في قضية الميراث بالذات.
أنصف الإسلام المرأة ولكن تدين المسلمين ما لبث أن ظلم المرأة ومنعها حقوقها . حتى الآن فمن النادر أن تأخذ المرأة المصرية ميراثها كاملا من الأرض الزراعية أو من العقارات. وهى في الأغلب ترضى بهذا الظلم خصوصا في الريف والصعيد. أما في البيئة الصحراوية فالمشكلة أعقد، نلمحه من تردى وضع المرأة السعودية في عصرنا الحالي، وهى تعانى من نير الثقافة الصحراوية ونار الفقه السلفي المتزمت الذي أعاد ظلم وظلام الرؤية الصحراوية للمرأة وجعلها تشريعا سنيّا وهابيا.
في البيئة الزراعية تقوم الدولة بمعظم الأعباء المفروضة على الرجل، يقوم جيشها بحماية الوطن من العدو الخارجي وتقوم شرطتها بحماية الأسرة من الخطر الداخلي، كما تقوم على أمور الري والصرف والسماد وتيسير ومساعدة الفلاح في عمله. فى البيئة الصحراوية التقليدية القديمة انعدم دور الدولة ووقع على كاهل رجال القبيلة أن يكونوا الجيش والشرطة فأصبح رجل الأسرة هو المكلف بكل الأعباء من حماية الأسرة وحراستها ورعايتها والسعي وراء الكلأ بالإبل والإغارة على الآخرين ليقوم بواجب كفالة الأسرة. المرأة هنا أصبحت ضمن المتاع المملوك للرجل سواء كانت ابنته أو زوجته. وتنتقل ملكيتها للأقوى الذي يغير على القبيلة ويهزم رجالها وينهب متاعها ( الصامت والناطق ) من نساء وأطفال وابل ومال. والمرأة تستسلم للأقوى المغير و ليست ملومة على ذلك، إنما يقع اللوم على الذي فرّط في حريمه ومتاعه. طبقا لهذه الثقافة كان إعطاء المهر في الزواج إنما يكون للأب أو ولى أمر المرأة وليس للمرأة. وكان يحدث توارث المرأة في الزواج فالابن الأكبر يرث زوجة أبيه وتؤل إليه، وهذا ما حرّمه القرآن الكريم ( النساء 22) ويرث الأخ أرملة أخيه ويتم إكراهها على الزواج منه، وقد حرّم الله تعالى هذا الإكراه في الزواج، وان كان زواج الأخ بأرملة أخيه صحيحا في حد ذاته إلا أن الإكراه حرام، يقول تعالى وقد جعلها قضية عامة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ.. ) النساء 19 ) والعضل هو منع النساء من الزواج اذ كان أخو الزوج المتوفى يمارس حق وراثة أرملة أخيه فيمنعها من الزواج إلا بعد أن تدفع له مالا قد يكون هو المهر الذي ستحصل عليه من العريس القادم. بعد نزول القرآن اخترعت البيئة الصحراوية والفقه السني نوعا آخر من الزواج أعاد ثقافة استعباد المرأة تحت اسم " زواج الشغار"، وبه يتفق رجل مع رجل آخر أن يتزوج كل منهما ابنة الآخر بدون صداق، أو بأن يتبادلا الصداق ليأخذه كل منهما بدلا من العروس، ويستمتع كل منهما بابنة الآخر وشبابها بدون دفع صداق حقيقي.
تلك لمحة عن الظروف التي نزل فيها لأول مرة تشريع الميراث في بيئة صحراوية قوية التأثير إلى درجة أنها أعادت إنتاج نفس الثقافة المضادة للإسلام بعد الإسلام ونسبتها للإسلام تحت اسم السنة. نزل القرآن الكريم في تلك البيئة الظالمة، وفى أشد العصور الوسطى ظلاما وإظلاما، أي ظلمة الزمان وظلمة المكان، ومع ذلك جاء بأروع التشريعات وأكثرها تقدمية وعدلا، لولا ما فعله به أتباعه المسلمون السنيون وغيرهم.
ونتوقف الآن مع منهج القرآن في تشريع الميراث باعتباره تشريعا نزل لأول مرة.
هنا نلاحظ الآتي:
إن التشريع جاءت تفصيلاته متتابعة في سياق واحد، لأنه تشريع جديد ينزل لأول مرة، بدأ بالآية السابعة من سورة النساء واستمر إلى الآية الرابعة عشر من نفس السورة.
بدأ هذا السياق المتتابع بتمهيد يلخص تشريع الميراث بحسم وحزم يقرر أنّه (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا) النساء "7". الآية تؤكد من البداية العدل بين الرجال والنساء فيما يرثونه من تركة الوالدين والأقربين . تأكيد العدل جاء واضحا بقول نفس العبارة للرجال (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ) ثم تكرارها بنفس الألفاظ للنساء وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ) ثم التأكيد على أن ذلك يسرى على كل التركة بغض النظر عن قيمتها قليلة فقيرة ، أو ثمينة غزيرة(مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ). إذن هو عدل على مستوى الورثة وعدل على مستوى التركة، أو قل على المستوى الأشخاص والموضوع معا.
حرصا على الالتزام بتطبيق تشريع الميراث جاء في سياق التشريع جاءت نصيحتان، الأولى لكل إنسان يتوقع الموت بأنه إذا كان قلقا على ذريته من الصغار والضعاف من بعده فعليه بتقوى الله تعالى والتزام الحق: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا
). يعنى إذا خاف على مستقبل ذريته من بعده فليتق الله تعالى وليقل الحق وحينئذ سيتكفل بهم الرحمن الرحيم جل وعلا. وقد ذكر القرآن في موضع آخر قصة الغلامين اليتيمين في المدينة، وقد كان أبوهما صالحا، وقد ترك لهما كنزا، وقد عاشا في رعاية الله تعالى وكنفه بسبب صلاح أبيهما المتوفى ( الكهف 82 ). الآية التالية جاءت تحذيرا شديدا لمن يأكل أموال اليتامى أو ميراثهم، إذ سيتحول هذا المال الحرام إلى نار في بطونهم وهم يذوقون عذاب السعير. (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا )
بعد التمهيد الذي يؤكد على العدل، وبعد النصح والتحذير حتى يكون التطبيق على أكمل مستوى جاءت تفاصيل تشريع الميراث في آيتين (النساء 11، 12)
بعد إيراد تفصيلات تشريع الميراث في الآيتين المشار اليهما جاء تحذير آخر صارم لمن يبغى على حدود الله تعالى. مصطلح الحدود في القرآن الكريم لا يعنى العقوبة وإنما يعنى الحق والشرع الالهى. وتشريع الميراث أحد حدود الله تعالى ومن ينتهك هذه الحدود ويتعداها عاصيا لله تعالى فجزاؤه الخلود في النار يتجرع فيها العذاب المهين. ومن يطع الله تعالى ورسوله ـ الرسول هنا فى مصطلح القرآن يعنى الرسالة أي القرآن ـ فجزاؤه الخلود في الجنة. وذلك هو الفوز العظيم. (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم. وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ُ) أي تخيل انك حرمت أخاك أو أختك من بعض ارثه، وكان هذا الميراث قليلا تافها لا يتعدى بعض المواشي أو بعض النقود، فان مصيرك إلى النار مهما عملت من طاعات، هذا هو منطق الآية، و لا نجاة لك إلا إذا أديت الحق لأصحابه قبل موتك وتبت توبة نصوحا عن انتهاكك لحدود الله تعالى.
بعد تشريع الميراث وردت للنبي محمد أسئلة تتعلق بمواضع لم يرد ذكرها بالتحديد. ولأن النبي محمدا عليه السلام ليس مفوضا بالإجابة ولا يملك إعطاء الفتوى حتى لو كان قادرا على الفتيا وعالما بالإجابة، فانه عليه السلام انتظر أن تأتى الإجابة من الله تعالى وحيا قرآنيا. وهكذا استفتوا النبي محمدا فانتظر الفتوى من الوحي: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ٌ ) النساء 176 )
بهذا اكتمل تشريع الميراث في القرآن الكريم، ومن السهل بعدها استخلاص خطوات توزيع الميراث كالآتي:
أولا:
قبل البدء بقسمة الميراث يجب الآتي:
1 ـ إذا حضر القسمة الأقارب ـ غير الورثة ـ واليتامى والمساكين فيجب إعطاؤهم بعضا منه مع الإحسان لهم في القول. (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا)
2 ـ ولا بد من تنفيذ الوصية وسداد الديون:
عن الوصية نقول:
تفصيلات تشريع الميراث في سورة النساء ( 11، 12 ) تردد فيها تنفيذ الوصية وسداد الديون قبل القسمة: (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) (ْ مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ )
معنى ذلك إن تفصيلات الميراث في هذه السورة تحيل إلى تشريع الوصية الوارد في سورة البقرة، والذي يجعل الوصية واجبة على كل مسلم يترك ميراثا ولا بد أن يترك وصية قبل موته. والوصية تكون تحت رعاية ومسئولية المجتمع في إقرارها وفى تطبيقها حتى ترتبط بالعدل ولا يلحق ظلم في إقرارها أو في تنفيذها.
تشريع الوصية في سورة البقرة يقول:ً ُكتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ، فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) البقرة 180 ـ 182 )
الملاحظ أن الفقه السني قام بإلغاء هذا التشريع القرآني الكريم بحديث كاذب هو في الأصل قاعدة فقهية تقول: "لا وصية لوارث". وقد جعلوا تلك الفتوى تصادر التشريع القرآني الذي يأمر بالوصية لبعض الورثة ويجعل ذلك فرضاً على الإنسان حين يشرف على الموت. إن الله تعالى يقول ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة 180). فالآية تفرض الوصية عند الموت للوالدين إذا كانا معا أو أحدهما على قيد الحياة، وتفرض الوصية للأقربين ، وهم الورثة. ومعروف أن للوالدين نصيباً مفروضاً في الميراث إلى جانب الوصية، يقول تعالى عن حق الوالدين في الميراث ﴿ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ ﴾ (النساء 11). إذن للوالدين نصيب مفروض في الميراث ولهما أيضاً نصًيب مفروض في الوصية، ولكن ذلك كله لم يغن شيئاً أمام حديث منسوب زوراً للنبي يقول "لا وصية لوارث"، فأسرعوا بإلغاء الحكم في قوله تعالى ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾.
لقد فرضوا تشريعا مناقضا لتشريع الإسلام تحت اسم السنة، وتناسوا ما في الآية من عبارات الإلزام والتأكيد مثل " كُتِبَ عَلَيْكُمْ " " حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ". وتناسوا التفصيل القرآني الحكيم الذي جاء بشأن الوصية أن من يبدل وصية الموت عقابه شديد عند الله ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾. وتأتى الآية التالية لتبيح التدخل في إصلاح الوصية إن كان فيها ظلم ليستقيم العدل، يقول تعالى ﴿ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾. وتناسوا أن آيات الميراث في القرآن جعلت تنفيذ الوصية وسداد الديون قبل توزيع الميراث. وتناسوا أن كلام القرآن عن الوصية جاء بصيغة مطلقة تدل على حق الإنسان في أن يوصى بوارث أو غير وارث فتقول آية الميراث ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾.. وتناسوا حكمة التشريع القرآني في الميراث والوصية، فقواعد الميراث تقوم على أنصبة محددة لا مجال فيها للتعديل أو التبديل، وفيها يتم توزيع التركة بالنصف وبالربع وبالثمن والسدس والثلث هكذا بالتحديد، ومصير من يتعدى تلك الحدود أن يكون خالداً في النار ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ (النساء 13،14). ولكن الوصية يمكن أن يراعى بها الإنسان الظروف الاستثنائية والحقوق الطارئة، يمكن بها إعطاء ابنته المحتاجة بالوصية ما يجعلها تعادل أو تفوق أخاها لأنه وجد العدل يحبذ ذلك، ومن الممكن طبعا أن يستخدم الوصية ليظلم ويوصى لمن لا يستحق، وهنا يتدخل المجتمع لاقرارالحق.
ثانيا : توزيع التركة:
وهذا يتم طبقا لما جاء في آيات سورة النساء (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا. وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ)( النساء 11،12.)
:( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) النساء 176 )
وهنا نلاحظ الآتي أن قاعدة "للذكر مثل حظ الأنثيين" تسرى فقط على الأبناء وبعض الأخوة والزوج دون الوالدين وإخوة الزوج المتوفى في ميراث الكلالة، فلكل من الوالدين نصيب مساو للآخر هو ثلث التركة إذا لم يكن للمتوفى ذرية أو أخوة، ولكل واحد منهما السدس إذا كان للمتوفى ولد أو أخ. كما أن للأقارب غير المذكورين نصيب غير محدد ليس فقط في إطار الوصية ولكن أيضا إذا حضروا القسمة.
لسنا في موضع التفصيل لتشريع الميراث وما أحدثه الفقه من اختلافات عن تفصيلات القرآن هنا، ولكن جئنا بتشريع القرآن في الميراث في وقفة سريعة تتناوله من حيث المنهج القرآني في بيان تشريع يأتي لأول مرة.

في تشريع متوارث لحقه التحريف:

* في الزواج والطلاق والأحوال الشخصية:

لم يتعرض القرآن لكيفية عقد الزواج لأنهم قبل الإسلام كانوا يتزوجون بنكاح صحيح فوالدا رسول الله (عبد الله وآمنة ) تزوجا بنكاح صحيح، والشاب محمد بن عبد الله قبل أن يكون نبيا تزوج خديجة بنكاح صحيح بنفس التراث الذي كان سائدا في عقد الزواج. ولأنه تراث صحيح فلا حاجة لتوضيحه فهو معروف في كل زمان ومكان.
ولم يذكر القرآن الكريم وجوب وجود شاهدين في عقد الزواج لأن ذلك كان ولا يزال عرفا يميز الزواج عن العلاقات السرية غير المشروعة، لكن التحريف في تشريع الطلاق وجعله كلمة ينطق بها الزوج ويطرد بها الزوجة من بيته ومن حياته جعلت تفصيلات القرآن تترى في موضوع الطلاق ومنها اشهاد شاهدي عدل. ومن أسف أن تحريفات الجاهلية في تشريع الطلاق أعادها الفقه السني، ولا زلنا نطبقها حتى الآن مع وضوح التشريعات القرآنية.
عرف الزواج الجاهلي بعض التحريف مثل نكاح زوجة الأب أو الجمع بين الأختين ونزل القرآن بتفصيلات واضحة في المحرمات في الزواج فيها التوصيف الكامل وفيها الاستثناءات الواضحة مثل قوله تعالى " وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) (وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) (وَرَبَائِبُكُمُ الَّلاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ الَّلاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ) (وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ ) " النساء 22-)
وتجاهلت الجاهلية عدة المرأة المطلقة والمتوفى عنها زوجها فأنزل الله تعالى تفصيلات لكل حالة:{ البقرة 228 234 }{الطلاق 4}{الأحزاب 49} وجعل عدة المرأة مرحلة هامة هامة في الطلاق والزواج منعا لاختلاط الأنساب. ومنع عضل النساء أي منع المرأة من الزواج أو أن يتزوج الرجل أمرأة أخيه دون رضاها "النساء 19 ". وكان الطلاق مجالا خصبا لرجال الجاهلية في ظلم المرأة فدخل فيه كثير من الزيف فجاء القرآن بتفصيلاته توضح كل شيء: البقرة 226:241) (الطلاق 1-7). النساء 34 ؛ 35؛ 138 ؛139 ؛140).
وهكذا يعالج تشريع القرآن الخلل في الزواج والطلاق ويسكت عن التراث الصحيح المتعارف عليه.

* في الحج

1 ـ الحج أبرز معالم ملة إبراهيم.ولم ينزل القرآن يشرح مناسك الحج من البداية للنهاية لأن العرب كانت تحج وتؤدى المناسك منذ الجيل الأول من ذرية إبراهيم وإسماعيل، ولكن حديث القرآن الكريم عن الحج والبيت الحرام جاء مزيجا من التاريخ القديم لإبراهيم وإسماعيل، وتعليقا على الصراع الحربي بين قريش والمسلمين وانعكاس ذلك على منع المسلمين من الحج والقتال في البيت الحرام أو في الأشهر الحرم، وما استجد من أمور احتاجت إلى تصحيح أو تشريع جديد في فريضة الحج.
ونعطى بعض التفاصيل:.

إبراهيم والبيت الحرام والحج
فالبيت الحرام هو البيت العتيق أو أول بيت وضعه الله تعالى للناس، وأوجب الله تعالى الحج إليه فرضا على كل مستطيع من الناس، وفى مقدمتهم أهل الكتاب الذين توارثوا ملة إبراهيم.
اقرأ في ذلك قوله تعالى لأهل الكتاب على وجه الخصوص:
{ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }{ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ }{ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّه غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) { آل عمران 95ـ 97}
إبراهيم عليه السلام هو الذي أرشده الله تعالى إلى مكان البيت الحرام، وأمره بإعداده لاستقبال الحجيج، وأمره بدعوة كل البشر للحج ليأتوا إليه من كل فج عميق مهما اختلفت عقائدهم ومللهم وأديانهم طالما كانوا مسالمين غير معتدين:
"{ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ. وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ }{ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ } الحج 26 ـ29
وقام إبراهيم مع ابنه إسماعيل ببناء البيت ( الكعبة )
إقرأ قوله تعالى :
(وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ. وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ) البقرة 125 ـ 130 )

واضح هنا أن ـ البيت الحرام بيت الله تعالى ـ عام لكل الناس باعتبارهم عباد الله تعالى،وليس مقصورا على المسلمين وحدهم . وإن إبراهيم وإسماعيل عندما كانا يرفعان قواعده كانا يدعوان الله تعالى بأن يمنّ بالخير والبركة على سكان مكة باعتبارهم أهل البلد القائم على رعاية البيت ورعاية ضيوف الرحمن جل وعلا. وقد دعوا الله تعالى بان يهديهما وذريتهما للتمسك بالإسلام فالإسلام هو دين الله تعالى لكل البشر مهما اختلفت اللغات والرسالات والأقوام والزمان والمكان، وهو باختصار إسلام الوجه والقلب لله تعالى وحده ومسالمة الناس.
أما كيفية العبادة فقد دعى إبراهيم وإسماعيل أن يمن الله تعالى عليهما بأن يريهما مناسكها، وتلك المناسك شملت الحج وغيره وأطلق عليها "ملة إبراهيم ". ودعا إبراهيم وإسماعيل الله تعالى أن يبعث من ذرية إسماعيل نبيا يقوم على تعليمهم وتزكيتهم وإرجاعهم إلى حقيقة ملة إبراهيم التي قال تعالى عنها في نفس السياق: " . وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ".
وجاء محمد خاتما للنبيين ليجد قومه قد توارثوا ملة إبراهيم وحرفوا فيها وخلطوا الصحيح بالفاسد فنزل القرآن الكريم يعالج الوضع ويأتي ببعض الجديد من التشريعات ويرد على بعض التساؤلات.
قريش توارثت الحج من ملة إبراهيم وأفسدته

الكفر أساس البلاء لدى قريش وغيرها:

الكفر هو نفسه الشرك، ويجمعهما معنى الظلم. فالكفرالعقيدى بالله تعالى والشرك به ظلم له تعالى، والكفر أو الشرك في السلوك هو الاعتداء على الناس والبغي عليهم في حق الحياة والمال والعرض. وقد مارست قريش الكفر العقيدي باتخاذ أولياء وإقامة أوثان وأنصاب وأصنام لها حتى داخل الحرم، ومارست الكفر السلوكي بالظلم للبشر والاعتداء عليهم بالقتل والاسترقاق حتى في الأشهر الحرم. وكانوا يفخرون بالكفر السلوكي والكفر العقدي معا ، كما كانوا يفخرون برعايتهم لبيت الله الحرام والقيام على رعاية الحجيج وعمارته وتعميره. ورد الله تعالى عليهم بأن ما يقدمونه من عمل صالح سيضيع وسيحبطه الله تعالى لأنه صدر من عقيدة ظالمة كافرة واقترن بكفر سلوكي معتد أثيم.
يقول تعالى في قاعدة عامة: { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللَّه شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ. إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ } ثم يقول لهم موبخا: { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } التوبة17ـ 19 }

الصد عن البيت الحرام عند قريش وغيرها :

بهذا الكفر العقيدي والسلوكي واجهت قريش النبي محمدا وأصحابه المسالمين المستضعفين.وبسبب الاضطهاد والتعذيب هاجر بعض المسلمين مرتين للحبشة ثم هاجروا إلى المدينة ومعهم خاتم النبيين عليه وعليهم السلام. تابعت قريش المسلمين في المدينة بالقتال والاعتداء بعد هجرتهم ومنعت المسلمين من الحج إلى البيت الحرام وهم أحق الناس ببيت الله الحرام، مما استوجب تهديد الله تعالى للقرشيين بالعذاب، فقال: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } الأنفال 34}
ويؤكد رب العزة على حقيقة هامة أغفلتها قريش وتغفلها الآن المملكة السعودية وهى أن بيت الله تعالى والحج إليه حق لكل الناس يستوي في ذلك أهل مكة والقادمون إليها من كل بنى البشر ، لا فرق بين هؤلاء وهؤلاء في استحقاق الحج:{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } الحج 25 )
أى بغض النظر عن الدين والمذهب والمعتقد والجنس واللون والغنى والفقر طالما كان القادم للحج مسالما لا يحمل سلاحا. هو مسلم حسب سلوكه ولا شأن لنا بعقيدته ، وليس لنا أن نقيم محاكم تفتيش واختبارات فى عقيدة كل قادم للحج، وليس لنا أن نشق على قلب كل حاج لنعرف اخلاصه أو تقواه أو سريرته. المطلوب فقط أن يكون مسالما حسب الظاهر ليكون مسلما.
المشركون باعتدائهم وتسلطهم على الآمنين هم ما نعرفهم اليوم باسم الارهابيين ، وهم الذين لا يتورعون عن تفجير بيوت العبادة ، وفى مقدمتها المساجد، ولا يتورعون عن قتل المارة و الأبرياء والنساء والأطفال ، وفى مقدمة ضحاياهم المسلمون فى مصر والجزائر والعراق وباكستان وتركيا وافغانستان وغيرها من بلاد تعيش فيها أكثرية مسلمة. هم الذين احتلوا المسجد الحرام فى حركة جهيمان العتيبى فى مطلع عام 1400 سنة 1997.هؤلاء الوهابيون المعتدون هم فقط الممنوعون من الحج للبيت الحرام الذى جعله الله تعالى مثابة للناس وأمنا ، وجعل من تشريعه أن كل من دخله كان آمنا. ومن أسف أنهم هم الذين يسيبطرون على المسجد الحرام ، وما كانوا أولياءه ، إن أولياءه إلا المتقون.!!
إنها نفس قصة قريش الطاغية تتكرر. قصة الصد عن بيت الله الحرام لاعتبارات سياسية ودنيوية، وقصة استغلال الاسلام مطية للحكم ، إما للوصول اليه أو للاحتفاظ به.
وبعد فتح مكة لم يخضع أئمة الكفر من قريش فاستأنفوا اعتداءهم ، فأعطاهم الله تعالى مهلة للتوبة ، ومنعهم من دخول البيت الحرام أو الاقتراب منه ( التوبة 28 ). وظلوا كذلك الى أن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وفق ما حدده رب العزة فى سورة التوبة التى حفلت باشارات تاريخية غفل عن التعقيب عليها رواة السيرة.
وقبل فتح مكة رأى النبي محمد عليه السلام مناما أنه يحج البيت، فبادر بالذهاب مع عدة آلاف من أصحابه للحج مسالمين بدون نية حرب ولكن قريشا منعتهم من الدخول. وبعد ومفاوضات تم عقد صلح الحديبية ، ونزلت في هذا الموضوع سورة الفتح وفيها يقول تعالى عن المشركين القرشيين (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ) ويقول عن النبي محمد عليه السلام : " لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ } الفتح 25 ـ 27 }.
تشريع الاحصار فى الحج
هذه ملامح قرآنية تدخل في تاريخ العلاقات بين المسلمين الأوائل وقريش، إلا أن ذلك الصد عن بيت الله تعالى ومنع المسلمين من الحج أوجد وضعا جديدا في تشريع الحج الذي توارثته قريش والعرب ضمن معالم ملة إبراهيم. هذا الوضع الجديد كان يستلزم تشريعا جديدا يعطى الفتوى الإلهية فيمن يريد الحج واستعد له ولكن حاصرته ظروف تمنعه من الحج، فماذا يفعل.
هنا جاء التشريع القرآني الجديد ليعالج بالتفصيل هذه الحالة وهى "الاحصار: فقال تعالى في تشريع جديد هنا: { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } البقرة 196 )
تشريع القتال في البيت الحرام وفى الأشهر الحرم
واستلزم الاعتداء القرشي على المسلمين في المدينة نزول الإذن للمسلمين بالقتال، ثم تطورت المعارك لتتشابك مع نوعين من الحرمات: الحرمة الزمانية وهى الأشهر الحرم، والحرمة المكانية وهى البيت الحرام، وثارت أسئلة عن القتال الدفاعي للمسلمين: هل يجوز في الأشهر الحرم ؟ وهل يجوز في البيت الحرام ؟ ونزلت الإجابة في الوحي القرآني بالتفصيل.
نزلت القاعدة الأساسية وهى أن يكون القتال دفاعيا فقط وليس هجوميا معتديا:{ وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ } وعليه فالمعتدون لا يحبهم الله تعالى لهم.
وهذا ينطبق على ما يسمى بالفتوحات الاسلامية التى كانت اعتداء على شعوب وأمم لم تعتد على العرب المسلمين. كانت احتلالا واستعبادا لبلاد لم يسبق لها ان رأت الجزيرة العربية. وتلك الجريمة الكبرى فى حق الاسلام والتى ارتكبها الخلفاء الراشدون ثم الخلفاء الأمويون كانت استمرارا لقصة الطغيان القرشى قبل وبعد نزول القرآن الكريم. وهذا الطغيان هو الذى أضاع الصلاة قبل وبعد نزول القرآن الكريم.
وعن القتال عند المسجد الحرام قال تعالى :ِ(وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ } أي هو قتال دفاعي فقط إذا هاجمهم العدو داخل المسجد الحرام.
وهو نفس الفتوى الإلهية في القتال في الشهر الحرام، أي رد الاعتداء إذا حدث في الأشهر الحرم: { الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ }
ولم يكتف بعضهم بهذا التوضيح فسأل النبي محمدا عليه السلام نفس السؤال، ولأنه عليه السلام لا يملك أن يفتى في الدين طالما ينزل الوحي فقد انتظر الإجابة من الله تعالى، وهذه إحدى معالم التشريع القرآني الإسلامي:أن النبي لا يملك الإفتاء وإنما ينتظر مجيء الفتوى من الله تعالى، حتى لو كان السؤال قد سبقت الإجابة عليه، وحينئذ ينزل قوله تعالى ( يسألونك عن ) كذا ( قل ) كذا. وهذا ما حدث هنا.
بعد نزول الآية السابقة قاعدة عامة تؤكد أن الشهر الحرام بالشهر الحرام وأن الحرمات قصاص لم يقتنع بعض الصحابة وسأل نفس السؤال عن القتال في الأشهر الحرم، وانتظر النبي الإجابة، وكان يمكنه أن يحيله إلى الآية السابقة، لكنه لا يملك حتى الإحالة إلى ما نزل من القرآن، ونزل قوله تعالى بالتوضيح والتحليل والتعليل: ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )
وفى كل الأحوال فإذا كفوا عن الاعتداء فلا مجال للحرب:{ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }
{ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ }
( البقرة 190 ـ 194 & 217 )

التحريف ونزول القرآن للتوضيح

1 ـ كان النسيء من معالم التحريف في ملة إبراهيم، ويعنى استحلال القتال في بعض الأشهر الحرم وتأجيل التحريم إلى شهر آخر أو عام آخر. وقد اعتبره رب العزة جل وعلا زيادة في الكفر، فقال:
(إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } التوبة ـ37 }
قبل هذه الآية الكريمة أوضح الله تعالى عدة أشهر العام وأن منها أربعة حرم يحرم فيها الظلم { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ } التوبة 36}
2 ـ وكان من الاعتداء وانتهاك حرمة البيت الحرام قتل الصيد أثناء الإحرام واستحلال الشعائر والمشاعر الحرام وقطع الطريق على قوافل الحجاج ونهبهم وقتلهم ونهب الهدى من الإبل والأنعام التي تساق لتنحر هديا لإطعام ضيوف البيت الحرام. والاستمرار على ذلك أنسى العرب أن ذلك انتهاك لحرمة الكعبة ومناسك الإحرام. بعد فتح مكة كان لا بد من منع هذه الانتهاكات وتأكيد التشريع الذي يخصها والذي نسيه العرب في حمأة عصيانهم وضلالهم، فنزلت سورة المائدة ـ وهى أواخر ما نزل من القرآن ـ بافتتاحية تقول للمؤمنين مباشرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ اللَّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ } المائدة 1ـ 2 }
إلا انه كان اختبارا عسيرا ـ فيما يبدو ـ أن يكف الناس عن الصيد في الحرم وهم في الإحرام، فأنزل الله تعالى لهم هذه الآية تحذيرا وإنذارا يؤكد لهم انه سيجعل حيوان الصيد ( من غزال ووعول وظباء) يدخل الحرم ليكون في متناول أيدي الناس ورماحهم، فهل سيقتلونه وهو في ضيافة الرحمن أم لا ؟ وهنا اختبار شخصي للتقوى، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
ثم جعل الله تعالى عقوبة فدية على من يقتل الصيد وهو في حالة إحرام. وجعل تنفيذ الفدية مرتبطا بضمير الحاج نفسه، يقول تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ ) .. و كلمة (مُّتَعَمِّدًا) في الآية الكريمة تجعل الأمر موكولا إلى نية الحاج وضميره، فهو وحده الذي يحكم هل قتل الصيد متعمدا قاصدا أم ناسيا ساهيا.
ثم تؤكد الآية التالية بإيجاز وإعجاز أن كل لحم البحر حلال، بينما يحرم صيد البر في حالة الإحرام فقط، يقول تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) وفى النهاية يقول رب العزة عن الكعبة بيت الله تعالى الحرام : (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } المائدة 94 ـ 97 }
الرد على الأسئلة والاستفسار
3 ـ كانت قريش تجعل لنفسها أفضلية في تأدية مناسك الحج فيما يعرف ب ( الحمس ) فكانوا عند الإحرام لا يدخلون بيوتهم من أبوابها ولكن من ظهورها، ويجعلون ذلك من التقوى في أداء المناسك، فقال تعالى لهم: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }
وأباح لهم التجارة وتبادل المنافع مع التركيز على عدم تميزهم في طواف الإفاضة على بقية الناس، فلا بد أن يفيضوا من حيث أفاض الناس {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ }{ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}
4 ـ واعتاد العرب الفخر بالشعر في أسواق عكاظ وغيرها وامتد ذلك إلى اجتماعهم في الحج الذي هو في الأصل لتعظيم الله تعالى وحده وليس للفخر بالأسلاف وتمجيد الآباء، لذا أرشدهم الله تعالى إلى ما هو أفضل؛ الدعاء لله تعالى بأفضل صيغة للدعاء في الحرم وخارجه: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ . وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } البقرة 189 ـ202 }
5 ـ وسأل بعضهم عن وجوب الطواف بين الصفا والمروة فنزلت الإجابة الإلهية بأنه مباح و لا حرج فيه: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ } البقرة 158}
هذه لمحات قرآنية توضح منهج القرآن الكريم التصحيح في تشريع العبادات المتوارثة من ملة إبراهيم، ومنها الحج. ..فماذا عن الصيام ؟
في الصيام
1 ـ ونزل تشريع الصيام على العرب الذين كانوا يصومون شهر رمضان.
نزل في المدينة. وكان شهر رمضان معروفا للمسلمين بأنه شهر القرآن فهو الذي نزل فيه القرآن مرة واحدة على قلب النبي محمد حين كان في مكة.
أول آية في تشريع الصوم قالت :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) لم تشرح ألآية الأولى في تشريع الصوم معنى الصوم وأنه الامتناع عن الطعام والشراب واللقاء الجنسي بالزوجة – كما تفعل كتب الفقه . والسبب بسيط هو أن العرب كانوا يصومون رمضان، بل وكانوا يتخذون منه عادة اجتماعية للهو واللعب بدون مراعاة للتقوى كما نفعل نحن الآن. لذا تخبر الآية الأولى في التشريع القاعدة الأولى وهى تأدية الصوم كما اعتادوه بنفس ما كان في ملة إبراهيم (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) من الامتناع عن الأكل والشرب واللقاء الجنسي، وهوالذى كانوا يفعلونه أنفسهم في مكة قبل أن ينزل التشريع القرآني بهذا التصحيح والتنقيح.
ثم تختم آية التشريع الأولى بتقرير أقامة الصوم في سلوك المؤمن عقيدة وسلوكا أي أن يكون هدف الصوم هو التقوى. (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
2 ـ بعد تقرير أن الصوم عبادة متوارثة ولا بد من مراعاة التقوى فيها تأتى الآيتان التاليتان بتشريع جديد لم يكن موجودا من قبل وهو عن الأعذار المبيحة للفطر في رمضان، ولأنه تشريع جديد فقد جاءت تفصيلاته واضحة، بل وتكررت في آيتين متتاليتين توضحان بالتفصيل السماح للمريض والمسافر وعدم القادر على الصوم بالإفطار ومجال دفع الفدية أو قضاء الصوم (البقرة 183- 185).
3 ـ وكان الصوم المعروف المتوارث وقتها قبل نزول التشريع القرآني الجديد يبدأ بعد العشاء ويستمر طيلة الليل والنهار حتى مغرب اليوم التالي ليكون الإفطار مرحلة قصيرة هي ما بين المغرب والعشاء فقط. وكانت هذه الفترة القصيرة لا تكفى إلا للطعام فحسب، ويأتي الليل فيضطر أحدهم لمباشرة زوجته في وقت يجب أن يكون فيه صائما. ونزل التخفيف تشريعا جديدا مفصلا في قوله تعالى " أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ) أي جاء التشريح الجديد بأن مباشرة الزوجة مباح في ليلة الصيام (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ) وهنا يخبر الله تعالى عن وقوع بعضهم في مباشرة الزوجة في ليلة الصيام حين كان واجبا الصوم فيه، ويبشر الله تعالى بأنه عفا عنهم وتاب عليهم، وأنزل هذا التخفيف عليهم، لذا جاء التشريع الجديد يقول للمؤمنين (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) يأتي هنا تفصيل التشريع الجديد لوقت الإفطار في رمضان حيث يباح الأكل والشرب واللقاء الجنسي بالزوجة من مغرب الشمس إلى طلوع الفجر، وظهور أول تباشير الضوء حين تتمكن العين المجردة من تمييز الخيط الأبيض من الخيط الأسود . توضيح مفصل في تشريع جديد يعقبه تشريع جديد آخر يتضمن تصحيحا لتشريع قديم هو الاعتكاف في ليالي رمضان في المساجد (وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ )... البقرة 187-) كانوا يعتكفون في المساجد رجالا ونساء، وكان الزوج يعتكف مع زوجته في المسجد في ليالي رمضان، وكان يحدث لقاء جنسي بينهما وقت الاعتكاف، لذا نزل التشريع الجديد يحرم ذلك اللقاء الجنسي بالزوجة أثناء الاعتكاف الرمضاني في المسجد.
4 ـ ذلكم هو بيان القرآن لما يحتاج فعلا إلى بيان من تشريع جديد يعرفه الناس لأول مرة أو يوضح وجه الحق في تحريف أدخله الناس في تشريع سائد. لذا اختتمت الآية بتقرير أن ذلك هو بيان القرآن للناس لعلهم يتقون: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ]
وبالفعل فان بيان القرآن الكريم في تلك الآيات احتوى على كل ما يلزم المؤمن في تشريعات الصوم. وما أحدثه الفقهاء بعدها من ثرثرة وفتاوى وأحكام فقهية كلها هراء لا طائل من ورائه، لذا اختلفوا فيه وانشغلوا بهذا الاختلاف قرونا وكتبوا فيه آلاف الصفحات عبثا.
وبنفس المنهج القرآني جاءت تفصيلات القرآن عن فريضة الصلاة التي أثبتنا أن العرب كانوا يعرفونها شكلا ويؤدونها ركعات وفرائض ولكن دون خشوع وإيمان وإخلاص في القلب ودون تقوى وطاعة في الجوارح.

منهج القرآن في تفصيلات فريضة الصلاة:.

1-كما كان عقد الزواج تراثا معروفا لا اختلاف حوله فلم يتعرض له القرآن وهكذا كان معنى الصوم معروفا ومتوارثا، و كانت مناسك الحج وترتيبها تراثا معروفا فلم يتعرض القرآن لتوضيح الواضح الشائع. وكذلك كانت ـ ولا تزال ـ ركعات الصلاة ومواقيتها تراثا معروفا واضحا فليس لها نصيب في تبيين القرآن ، فالشيء المبين لا يحتاج إلى بيان إلا كان إعجاز القرآن عبثا وتعالى الله عن العبث والهزل. يقول تعالى عن القرآن الكريم : (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ) الطارق 13؛14)
2- كان الخلل في صلاة المشركين متمثلا ليس في الشكل ولكن في المضمون، أي عدم إقامة الصلاة، لذا تركز حديث القرآن حول إقامة الصلاة والمحافظة عليها بالتقوى والتحذير من الشك والعصيان وذلك في التشريع المكي خصوصا، وفيها يأمرهم الله تعالى بالمحافظة على الصلاة وإقامتها، ذاكرا "الصلاة " بالألف واللام ( أل) التي تفيد العهد، أي الصلاة المعهودة لديكم، بما يؤكد أن الصلاة معروفة لديهم.يقول تعالى يوجب إقامة الصلاة طالما ظل الإنسان مستيقظا غير نائم: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ) هود 114 ) طرفا النهار وبعض الليل يشمل كل وقت اليقظة للإنسان، وعليه في هذا الوقت أن يؤدى الصلاة في مواقيتها وأن يحافظ على صلاته بالتقوى فيما بين أوقات الصلاة طالما ظل يقظا، فإذا نام فلا مسئولية عليه، وبهذا يكون قد أقام الصلاة كل يومه. ويقول تعالى في سورة مكية أخرى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا. وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ) الإسراء 78 ـ79 ) هنا أمر آخر للنبي وللمؤمنين بإقامة الصلاة طيلة وقت اليقظة، مع إضافة قيام الليل وقرآن الفجر لمن أراد أن يكون من السابقين المقربين يوم القيامة. المقام المحمود هنا هو الجنة وليس الشفاعة كما يعتقد المكذبون للقرآن الكريم. اقرأ قوله تعالى عن السابقين ممن ورثوا القرآن وعملوا بمقتضاه (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ. جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ. الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) فاطر 32 ـ ) فمن أوصاف الجنة هنا أنها المقام المحمود.
3- وقد نزلت آيات تعالج نواحي الخلل ويظهر من أسلوب القرآن فيها أنه يكلم أناسا يعرفون الصلاة ويمارسونها قبل نزول الآيات ولكن حدث خلل من ناحية ما فجاءت الآيات تنبه على الخلل ولا تشرع شيئا جديدا بالنسبة للصلاة.
* فالآذان للصلاة كان معروفا وحدث أن المشركين كانوا يستهزئون ويتلاعبون وقت الآذان فنزل قوله تعالى " وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ) المائدة 58) فليس هنا تشريع للآذان عند الصلاة وإنما احتجاج على خلل أحدثه المشركين عند الآذان.
* ومنذ عهد إسماعيل وأبيه إبراهيم عرف العرب يوم الجمعة الذي يجتمعون فيه لأداء صلاة جماعية أسبوعية، ومنها اشتق اسم يوم الجمعة. وكان اهتمام المشركين قبيل صلاة الجمعة ينصب على البيع والتجارة. وبعد الهجرة لم يتخلص بعض المسلمين من هذه العادة السيئة، وحدث إن أقبلت قافلة تجارية للمدينة في يوم الجمعة أثناء وقوف النبي للخطبة، وكان وقتا عصيبا فسارع بعضهم للخروج من المسجد وترك النبي قائما يخطب الجمعة، فنزل قوله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ . فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ). الجمعة 9-)
لم تنزل هذه الآيات الكريمة لتشريع صلاة جديدة هي صلاة الجمعة، وإنما لتنبه على خلل وقع فيها ولا يزال يقع، إذ ينبغي أن يبادر المسلم للذهاب إلى المسجد حين يؤدى صلاة الجمعة وأن يترك البيع ثم إذا انتهت الصلاة يعود إلى بيعه وتجارته كالمعتاد في بقية أيام الأسبوع فليس يوم الجمعة أجازة من العمل، المهم ألا يفتر المسلم عن ذكر الله. ثم يأتي اللوم لأولئك الذين انفصلوا عن الرسول وتركوه في المسجد قائما يخطب.
4- وبمناسبة ذكر القرآن ليوم الجمعة نقول لأولئك الذين لا يفهمون معنى تبيين القرآن أن أيام الأسبوع من الجمعة للسبت معروفة ولم يحدث أن اختلف الناس في يوم ما هل هو يوم الأربعاء أم الخميس، ولأن أيام الأسبوع شيء بين واضح فلم يأت عدد أيام الأسبوع في القرآن لان تبيين القرآن يكون لما يستلزم التبيين من الأشياء الغامضة، وتخيل جدلا- ونستغفر الله- لو جاءت أيام الأسبوع في القرآن لكان الأمر مدعاة للاستهزاء بآيات الله تعالى وكتابه، ونستغفر الله العظيم.
وهكذا كان العرب يعرفون أيام الأسبوع ويعرفون عدد ركعات الصلاة ومواقيتها فلم يأت ذكر لبعض الفرائض إلا في سياق الحديث عن خلل ما أو في سياق تشريع أخر...
لم يأت ذكر لأيام الأسبوع إلا يوم الجمعة في مناسبة خلل حدث في صلاة الجمعة، وذكر القرآن الكريم يوم السبت بمناسبة الخلل الذي أحدثه اليهود في يوم السبت يقول تعالى: (إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ) النحل 124) (وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ) (أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ)النساء 154؛47) . لم يذكر القرآن من أيام الأسبوع إلا يوم الجمعة والسبت فهل معنى ذلك أن نلغى باقي الأيام ؟ أو نجعل الأسبوع يومين فقط. أو أن نتهم الله تعالى بالكذب والتفريط لأنه لم يعرفنا أيام الأسبوع ؟
5ـ ونفس الحال بالنسبة للأشهر وعدتها في السنة. لم يذكر القرآن الحكيم ذلك إلا بمناسبة النسيء الذي كان يرتكبه العرب الجاهليون ({إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ..}( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } التوبة 36 ـ37 }
وذكر القرآن الكريم شهر رمضان لارتباطه بتشريع الصيام، فهل معناه أن بقية الأشهر غير معروفة أو غير معترف بها ؟ أو يدور خلاف هائل حولها أو حول ترتيبها ؟
لقد سئل خاتم النبيين محمد عليه وعليهم السلام عن سؤال يعرف إجابته يقينا، وكالعادة لم يرد بما يعرف وانتظر الإجابة من الوحي ونزل الوحي يقول " (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) البقرة 189 ). أي كانوا يعرفون الأهلة ( جمع هلال ) ويتخذون منها تقويما قمريا للحج ولبقية الأغراض التي يحتاجها الناس. والإجابة القرآنية لم تأت بجديد لا يعرفه العرب، ولكن الجديد فيها لنا هو أن نعرف ونؤمن بأن النبي محمدا لم يكن له أن يفتى في الدين حتى فيما كان يعرفه، وأن نؤمن أن تفصيلات القرآن لم تترك شيئا يحتاج إلى تبيين بدون توضيح، وأن كل سؤال وجّهه الناس للنبي جاءت إجابته في القرآن الكريم، حتى الأسئلة المكررة جاءت الإجابات القرآنية عليها مكررة ولكن تحمل نفس المعنى وبتفصيلات أخرى في نفس الموضوع. وللمزيد لمن يريد: ارجع إلى المصحف المفهرس وراجع كلمة " يَسْأَلُونَكَ " وَ " يَسْتَفْتُونَكَ ".
6- ولأن فرائض الصلاة وركعاتها معروفة للعرب مثل معرفتهم لأيام الأسبوع فإن القرآن يذكر بعض الفرائض مثل الفجر والظهر والعشاء ليس لتشريع جديد يفرض صلاة الفجر والعشاء ولكن في سياق حديثه عن تشريع أخر هو تشريع الاستئذان، يقول تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاء ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). النور 58)
لم يخترع المسلمون ساعة زمنية يعرفون بها الوقت، ولأنهم يقيمون الصلاة في أوقاتها ويحافظون عليها في غير أوقاتها فإن مواعيد الصلاة كانت مقياس الوقت لديهم، لا يقولون الساعة الثالثة مثلا وإنما يقومون قبل صلاة الظهر أو بعد صلاة العصر، وهذه لغة خاصة بمن يقيم الصلاة في قلبه وجوارحه وحياته. وهذه اللغة لا تزال حتى الآن بين المحافظين على الصلاة في مواعيدها.
لذا يتحدث القرآن إليهم بلغتهم هذه حين يشرع آداب الاستئذان، وعليه فالأطفال والموالى عليهم الاستئذان عند الدخول على البالغين في أوقات الراحة بعد صلاة العشاء وقبل صلاة الفجر، إذ أن عادة المسلمين هي الراحة بعد صلاة العشاء ثم الاستيقاظ لصلاة الفجر، والقيلولة بعد صلاة الظهر، وهذا التشريع ليوجب استئذان الأطفال والخدم عند الدخول على الآباء والأمهات والكبار في أوقات الراحة والنوم. أما الكبار البالغون فعليهم الاستئذان في كل وقت وفقا لما جاء في الآية التالية: (وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) النور 59 )
هذا بيان الله تعالى لاستئذان الصغار والكبار، وقد جاء بالتفصيل، وهو مسألة اجتماعية ليست في منزلة الصلاة، فهل يا ترى يهمل الله تعالى كيفية الصلاة ومواقيتها بينما يشرح "آداب الاستئذان" داخل البيوت ؟ القضية أن العرب كانوا لا يعرفون هذه الآداب الراقية الحضارية فنزل تعليمهم لها بالتفصيل في سورة النور وغيرها. أما الصلاة فقد كانوا يعرفونها ويؤدونها بنفس الكيفية والعدد ، لذا كان عبثا توضيح ما هو واضح لهم.
إن الآية لم تنزل لتشريع صلاة الفجر أو صلاة العشاء وإنما لتشريع الاستئذان قبل صلاة الفجر وبعد صلاة العشاء وبعد صلاة الظهر، ومعناه الواضح أن المسلمين قبل نزول الآية كانوا يعرفون صلاة الفجر وصلاة العشاء، بل كانوا يضبطون إيقاع الحياة على أوقات الصلاة. ولأن معرفة أوقات الصلاة وركعاتها من البديهيات لم يتعرض لها بيان القرآن، ويكفى أن الآية ختمت بقوله تعالى " كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). النور 58) . فهذا تبيين الله العليم الحكيم لما ينبغي تبيينه وتوضيحه، أما الواضح المبين البيّن فلا يوضحه أو يبينه القرآن الكريم. وهذا ما ينبغي أن نفهمه قبل أن نبادر باتهام المولى عز وجل بأنه فرط في كتابه.
7- ولم يأت التشريع القرآني بجديد خاص بالصلاة في مكة وإنما جاء في المدينة وحين نزل ذلك التشريع الجديد نزل مفصلا يوضح كل شيء في هذا التشريع الجديد .
* وأول تشريع جديد في الصلاة هو الخاص بالقبلة، وكان في حقيقته اختبارا في الطاعة، فالعرب كانوا يتوجهون في الصلاة إلى الكعبة، وبتوالي القرون بعد أبيهم إسماعيل ترسب فيهم الشعور بتقديس بناء الكعبة، وزاد ذلك وقوعهم في الشرك وعبادة الأضرحة والأنصاب والأصنام وزرعها حول الكعبة، فإذا كانوا يقدسون حجارة القبور والأنصاب والأوثان والأضرحة والأصنام فحجارة الكعبة أولى بالتقديس. وبمجيء النبي محمد خاتما للنبيين ورجوع كثيرين إلى الحنيفية الإبراهيمية الحقيقية تم تنظيف قلوبهم من الاعتقاد في الأوثان والأنصاب والأصنام والقبور المقدسة. لكن لا يزال هناك تقديس في داخلهم لبناء الكعبة خصوصا وهم يتجهون إليها في صلاتهم اليومية. وازداد الأمر بعد هجرتهم من مكة إلى المدينة إذ اختلط لديهم الحنين للوطن ( مكة ) وبيت الله تعالى الحرام بمشاعر التقديس للكعبة. وكان لا بد لهم من مواجهة مع النفس بامتحان يتضح لهم فيه أن التوجه للكعبة لا يعنى تقديسا لها على الإطلاق وإنما هو طاعة للآمر رب العزة جل وعلا. تماما مثلما أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم ، فلم يكن تقديسا لأدم ، بل كان اختبارا للطاعة. نفس الحال هنا؛ امتحنهم الله تعالى بأن أمرهم بالتوجه إلى مكان آخر. وأطاع النبي والمؤمنون معه وصبروا على أقاويل السفهاء بتغيير القبلة، وبعد أن نجح النبي والمؤمنون في الاختبار نزل الوحي يجيب رجاء الرسول لله بالعودة إلى التوجه للبيت الحرام، فقد تعلموا الدرس.
وتفصيلات الموضوع جاءت في سورة البقرة(142؛150)
* ثم نزل تشريع الوضوء والطهارة والغسل والتيمم، ولم يكن معروفا من قبل، وجاء بيانه في آيتين في المدينة " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ }. النساء 43) ومع هذا البيان المحكم المفصل فقد تكرر في سورة المائدة وبتفصيلات جديدة عن الوضوء يقول تعالى . " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ. المائدة 6) وتأمل كلمة الصلاة في " لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاةَ " " إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ " أي الصلاة المعروفة لديكم وعليكم قبل أن تقومون لها أن تتطهروا لها، أو بالمصطلح الفقهي "الوضوء " فالصلاة معروفه أما الغسل والطهارة قبل الصلاة فهو شيء جديد نزل تشريعه لأول مرة.
* وفرض الله تعالى القتال على المؤمنين في المدينة بعد الهجرة.
والهجرة نفسها نوع من الجهاد، إذ أنه سفر فيه مطاردة وضرب في الأرض شديد، والمؤمن في حال الهجرة والقتال مطالب بالصلاة لأن الصلاة كانت على المؤمنين ـ قديما وحديثا ت كتابا موقوتا أي فرضا يؤدى بتوقيته كل يوم. وعليه كان لابد أن ينزل تشريع خاص للصلاة في وقت الخوف أثناء الهجرة والقتال.
وحين نزل تشريع صلاة الخوف نزل مفصلا يتحدث لأناس يعرفون الصلاة معرفة اليقين، وجاء الحديث عن صلاة الخوف في سورة النساء (100؛103) ويبدأ بالهجرة وما فيها من مشاق وإمكانية الموت أثناءها { وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا }.
ثم يتحدث المولى تعالى عن نوعية السفر التي تستلزم قصر الصلاة { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا) ثم توضح الآيات التالية طريقة الصلاة في الركعة الواحدة والتعديل الذي يلازم ظروف المواجهة مع العدو حين الصلاة " وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا " النساء 100، 101، 103، 102.
واضح في الآيات أن قصر الصلاة يكون فقط في حالة السفر المرتبط بالخوف " إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ " وان القصر من الصلاة الكاملة المعتادة المعروفة، وأن مقدار الركعات التي تقصر من الصلاة متروك حسب ظروف المواجهة . والتفصيلات كافية هنا في توضيح ذلك التشريع الجديد بحيث لا يحتاج إلى إضافة أو استفهام، فمثلا لا بد من كتبية حراسة تحمل السلاح وتحمى الفريق الذي يصلى خصوصا عند السجود، وبعد أن تنهى صلاة القصر يتبادلون المواقع فيصلى الحراس ويقوم الآخرون بالحراسة، ولابد من التمسك بالسلاح إلا في حالة الضرورة في المطر أو المرض. وبعد انتهاء صلاة القصر هذه ينبغي أن يعوض القصر فيها بالاستمرار في ذكر الله قياما وقعودا ونياما، ثم إذا زالت حالة الخوف تقام الصلاة الكاملة في أوقاتها المعروفة.
ثم تأتى آية أخرى في سورة البقرة تضيف تفصيلا آخر لصلاة الخوف " حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } البقرة 238)
ففي حالة الخوف من العدو أو الخوف من ضياع وقت الصلاة أو عندما تتعذر الصلاة بالطريقة المعتادة وأنت راكب على بعير أو طائرة أو سيارة ـ يأتي تشريع جديد آخر بالتفصيل، فتصلى كيفما اتفق مترجلا أو راكبا، فإذا ذهب الخوف فلابد من ذكر الله قياما وقعوا ونياما وإقامة الصلاة لذكره تعالى فالله تعالى هو الذي علمهم ذلك التشريع الجديد الذي لم يكونوا يعلمونه.
8 ـ لقد شملت تفصيلات القرآن كل شيء يحتاجه المؤمن في حياته حتى من الآداب الراقية الحضارية أو ما يعرف الآن بالاتيكيت.من آداب الكلام و التحية والسلام إلى آداب المشي أو السير والطعام.
في آداب الطعام
قال تعالى : (لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون ) النور 61 )
وفى آداب دخول البيوت قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ. لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ) النور 27 ـ 29 )
وفى آداب الكلام والاستماع والحديث مع الغير
تجد تفصيلات سامية الخلق: (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا) البقرة 83 ) (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا) الاسراء 36 & 53 ) (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) القصص 55 ) (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) الفرقان 72 ) (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) المؤمنون 3 )
وحتى في رفع الصوت أو خفوته تأتى التفصيلات في العبادة والدعاء:
فلا بد أن يكون الدعاء خفيا بدون صوت مسموع مثلما فعل زكريا عليه السلام: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا) مريم 3 ) أما نحن فلا يقنصر الأمر على الصياح بالدعاء بل يتعداه الى السخرية بالله تعالى فبدلا من أن يكون الدعاء بكاءا وتضرعا نجعله غناء ورقصا، أي نتعدى على جلال الله تعالى بتحويل عبادة الدعاء إلى لهو ولعب متناسين قوله تعالى في تشريع الدعاء: (ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) وفى تشريع ذكر الله تعالى (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ ) الأعراف 55 & 205 ) أما الصلاة فلا مجال فيها للجهر كما نفعل باستخدام الميكروفونات ، يقول تعالى : (وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً ) الإسراء 110 )
وحتى في الحديث العادي لا يصح أن ترفع صوتك: (وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) لقمان 19 )
وفى المشي والسير هناك آداب قرآنية:
فلا يصح التعاظم والسير بخيلاء، ومصطلح المرح يعنى تلك النوعية من الاستكبار في السير والغرور في الحركة كان يقول تعالى: (وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً) الإسراء 37 ) وقال تعالى عن بعض المستكبرين من مدعى العلم: (ثَانِيَ عِطْفِهِ) الحج 9 ) وهو وصف حركي يصور الذي يتحدث مع الناس متعاليا عليهم. ونحوها قوله تعالى: (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) لقمان 18 )
أما شان المؤمن فهو السير على الأرض هونا معرضا عن الجاهلين محسنا لهم ما استطاع : (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ) الفرقان 63 ) او أن يمشى بقصد أي باعتدال عارفا أين يذهب محتسبا خطاه في سبيل مولاه جل وعلا : (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) لقمان 19 )
آداب التحية
لا تقتصر على المحسن من الناس بل تشمل أيضا الرد على صاحب اللغو بإلقاء كلمة السلام وهى تحية الإسلام. على أنه إذا حياك احد بأي لغة أو أي مصطلح فالواجب عليك رد التحية بأحسن منها سواء كان الذي حياك مسلما أم غير مسلم، تعرفه أو لا تعرفه. : (وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ) النساء 86 )
والتحية ليست فقط من القادم الواقف على الجالس القاعد بل هي أيضا يقولها الجالس للقادم عليه ن وهذا أمر وجهه الله تعالى للنبي محمد عليه السلام في تعامله مع المؤمنين: (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) الأنعام 54 )
9 ـ ما سبق هو مجرد أمثلة لتفصيلات القرآن الكريم في الآداب العامة في الحياة الاجتماعية، لم يكن للعرب معرفة بها فجاءت تفصيلاتها واضحة، والصلاة أعظم فريضة إسلامية، يكفى في بيان قدرها أن يقال عن الخاسر يوم القيامة: (فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى) القيامة 31 ) فالتصديق هو الإيمان، أما العمل الصالح فقد جاء التعبير عنه بالصلاة.
إذا كانت الصلاة بهذه الأهمية فهل تتناساها تفصيلات القرآن وتذكر الآداب الاجتماعية في السير والحديث والتحية والاستئذان ؟
وهكذا تأتى تفصيلات القرآن تشرح التشريع الجديد وتنبه على ما يحدث من خلل في أداء الصلاة. أما ما هو واضح من ركعات الصلاة وأوقاتها فمن الهزل تشريعه لمن يعرفونه ويؤدونه. أما أولئك الذين يحاولون تكذيب المولى عز وجل في قوله تعالى مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ " فلن تنفع معهم حجة ولا برهان لأنهم يسعون في آيات الله معاجزين وموعدنا معهم أمام الله تعالى يوم القيامة:" وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ... سبأ 38) .


( الباب الثانى ) ( الخلفاء الفاسقون وصلاتهم الشيطانية )
تمهيد منهجى عن الصلاة فى تاريخ المسلمين وفى تشريعاتهم (المشكلة المنهجية فى بحث التراث ـ منهج البحث فى هذا الكتاب ـ الخلفية التاريخية للمصادر التراثية ـ لمحة عن الكتابات التاريخية والطبقات الكبرى لابن سعد ــ التسجيل التاريخى للصلاة عند المسلمين ـ لمحة عن أنواع الكتابات الفقهية )
أولا :المشكلة المنهجية فى بحث التراث
1 ـ أهم مشكلة منهجية فى الدراسات الاسلامية هى التعامل مع المصادر. أغلبية الباحثين يخلط بين الحقائق القرآنية المطلقة وبين روايات التراث وأحاديثه التى كانت تسميتها الأصلية : أخبار وروايات. هذه التسمية: ( أخبار وروايات )هى فصل الخطاب فى موضوعنا.
2 ــ فى عصر الازدهار العلمى لحضارة المسلمين كان علماء الحديث يطلقون على تلك الأحاديث مصطلح ( الخبر) والخبر عندهم هو الذى يحتمل الصدق والكذب، ولأن الأصل فيه الشك وليس اليقين فقد كانوا يجعلون له اسنادا عبر أجيال من الرواة ليحاول أن يؤكد صحته. وهذا الاسناد لا يعطى ذلك الحديث صفة اليقين لأن هناك مطاعن ضد الرواة واختلافات فى مدى صدقيتهم وحفظهم وأمانتهم فى النقل. ولا يوجد اتفاق عام على توثيق راو أو تضعيف راو آخر حسبما قال الامام الذهبى فى كتابه ( ميزان الاعتدال ). ولذلك كان علماء الحديث يقولون ان تلك الأحاديث تفيد الظنّ ولا تفيد اليقين. أى مجرد أخبار تحتمل الصدق والكذب ، وبالتالى ليست جزءا من الدين لأن الدين لا بد أن يكون يقينيا من عند الله تعالى ، وهذا لا يتأتى الا فى القرآن فقط . وقد قالوا ايضا ان العقائد أوالسمعيات لا تؤخذ الا من القرآن لأنها تدخل ضمن الايمان ولا بد للايمان أن يكون مصدره يقينيا.
3 ـ وفى عصر الازدهار الفكرى بعد موت النبى محمد بقرنين وأكثر ـ اى فى العصر العباسى الأول ـ عاش أئمة الحديث والفقه. لم يكونوا يقولون مباشرة ( قال رسول الله ) وانما يقولون ( روى فلان عن فلان عن .. ان رسول الله قال .. ) أى يؤكدون انها رواية بشرية وليست قولا مباشرا مؤكدا قاله النبى بنفسه لمن كتب ذلك الحديث. وبعضهم كان يختصر فيقول بطريقة المبنى للمجهول ( روى أن رسول الله قال ..) هو يؤكد نفس المعنى من أنها مجرد رواية متناقلة عبر رواة متعددين مختلفين فى الزمان والمكان.
4 ـ وفى عصر التقليد والجمود بدءا من القرن السابع الهجرى عكف اللاحقون على كتب السابقين يشرحونها ويلخصون الشرح ويجعلونه مختصرا موجزا ثم يحولون المختصر الى متن ثم يعيدون شرح المتن. وبذلك تقهقرت الحركة العلمية من تقليد الى جمود الى تأخر ، وذلك من بداية العصر المملوكى الى أواخرالعصر العثمانى. وبالتالى تحولت كتب العلماء السابقين الى أسفار مقدسة ـ مع اختلافها والشقاق بين مؤلفيها ـ وتحول أولئك الأئمة الى أنصاف آلهة لا يجوز الاعتراض عليهم أو مناقشة آرائهم. والأهم من ذلك أن روايات الأخبار عن النبى أصبحت بالتقليد الأعمى وغيبة العقل والنقد جزءا أساسا من الدين . وأصبح لا يقال ( روى فلان عن فلان عن أن رسول الله قال ) بل يقال على وجه التأكيد ومباشرة ( قال رسول الله ) او يقال : (روى البخارى أن رسول الله قال) كما لو أن البخارى كان صاحبا ملازما للنبى محمد عليه السلام وسمع منه مباشرة. والبخارى اكتسب قدسية مرعبة ترهب من يفكر فى مناقشة أحاديثه.
5 ــ ثم جاء عصر الصحوة التى بدأها الامام محمد عبده وحملها فى رحلاته الى تونس والجزائر وغيرها ، واقترنت هذه الصحوة الدينية بتوجهات سياسية وفكرية ليبرالية فى مصر وغيرها ، وكان مأمولا أن تثمر هذه الحركة نهضة اصلاحية تعيد الاسلام الى المسلمين وتعيد المسلمين الى الاسلام لولا ظهور الدولة السعودية بفكرها الوهابى الذى استرجع أردأ انواع الفكر السلفى وأشده تعصبا وتخلفا وجمودا وظلامية. وقام قطار النفط بنشر الوهابية على أنها الاسلام ، وأيدته ظروف محلية واقليمية ودولية فانتشر وساد ، واسفر فى النهاية عن اتهام الاسلام بالارهاب والتخلف والجمود. وهذا ما نعانيه الآن وما يستوجب الاصلاح.
5 ـ ومن ملامح هذا التخلف الوهابى المسيطر أنه أعاد منهج العصر العثمانى فى التفكير، وهو العصر الذى عاش فيه محمد بن عبد الوهاب، فلم يعد يقال : روى فلان عن فلان عن أن رسول الله قال ، بل أصبح أحدهم يقول بجرأة : قال رسول الله، كما لو كان جالسا مع النبى للتو واللحظة .. ولم يعد يقال انها " اخبار " أو انه (خبر ) عن النبى ، بل أصبح يعرف بأنه حديث تحدث به النبى على وجه اليقين فأصبح جزءا من الدين.
6 ـ بناء على هذه البلوى فاننا نعانى :
6 / 1 : من خلط مستمر فى المنهج بين حقائق القرآن وأقاويل التراث المنسوبة للنبى. فالعلماء التقليديون ومن سار على نهجهم من محترفى الكتابة فى الدين ـ بدون علم ولا هدى ولا كتاب منير ـ يخلطون بين حقائق القرآن وأكاذيب التراث وأقاويله، يخلطون بين الحقيقة القرآنية المطلقة وأخبار التراث البشرية التى ـ ان صدقت ـ فالصدق فيها احتمال كما أن الكذب فيها احتمال آخر ، وكلاهما وارد.
6 / 2 : وزاد الطين بلة ـ كما يقولون ـ أنهم ألحقوا التاريخ بالأحاديث، مع أن كل دارس للتاريخ لا بد ان يبدأ بمنهجية الأحكام النسبية لكل روايات التاريخ ووقائعه، سواء كانت اقوالا أو كانت أحداثا بسيطة أو مركبة ، وسواء كان الراوى أو المؤرخ معاصرا للحدث ناقلا عنه من واقع المشاهدة والرؤية العيانية أو كان ناقلا عن السابقين من المؤرخين .
6 / 3 :تتضح البلوى أكثر لدى من يكتب فى الاسلاميات بدون علم ، أو بمجرد الهواية والجرأة الهائلة على الابحار فى هذا المحيط دون استعداد عقلى وثقافة ومعرفة وعلم بالمناهج البحثية . ترى أحدهم لا يكتفى بالكتابة فيما لا يعرف وفيما لا يفقه بل ويتصدى لنا مناطحا صائحا ويجد خلفه الأتباع وسقط المتاع يؤيدونه ويزايدون على جهله جهلا. وأساس الجهل عندهم هو ذلك الخلط بين حقائق القرآن المطلقة وأخبار التراث ، ورفعهم أخبار التراث الى مستوى حقائق الاسلام القرآنية. قد أكتب بحثا أستشهد فيه بآيات القرآن الكريم وببعض أخبار التراث وأحداث التاريخ فترى هؤلاء وقد تراءى لهم اننى وقعت فى مأزق فيتساءلون : اذا كان ينكر الأحاديث فلماذا يستشهد بها ؟ أواذا كان ينكر التراث فلماذا يستشهد بأحداثه ؟
7 ـ أننى انكر نسبة تلك الأحاديث للنبى محمد عليه السلام. انكرها ايمانيا كمسلم يكتفى بالله تعالى ربا وبالقرآن كتابا ،ومعى أدلّتى من القرآن الكريم ، وقد فصّلت القول فى ذلك فى كتاب ( القرآن وكفى )، وانكر نسبة هذه الأحاديث للنبى محمد كباحث متخصص فى التراث وفى البحث التاريخى . وقد فصّلت نقد الاسناد ( أى اسناد الحديث للنبى محمد ) فى بحث منشور عن الاسناد. انكارى نسبة تلك الأحاديث للنبى محمد يعنى أنها ليست جزءا من الاسلام الذى اكتمل بالقرآن. ومعنى انكارى نسبتها للنبى محمد اننى أراها معبرة فقط عن ثقافة المسلمين فى العصر الذى تمت كتابتها فيه، وأراها معبرة عن ثقافة مؤلفها ، فصحيح البخارى يعبر عن عقلية البخارى بمثل ما يعبر كتابى هذا عن ثقافتى وعصرى وعقليتى. وفى النهاية فهو جهد بشرى يؤخذ منه ويردّ عليه.
8 ـ وهذا الأخذ والرد والقبول والرفض ليس عشوائيا أو انتقائيا أو بمجرد الهوى او بدافع التحامل أو الجهل . بل له منهج علمى فى البحث، وقد شرحته بالتفصيل فى كتبى التى كانت مقررة فى جامعة الأزهر قسم التاريخ والحضارة الاسلامية ، ومنها كتب :( البحث فى مصادر التاريخ الدينى: دراسة عملية) ( اسس البحث التاريخى ) ، و(التاريخ والمؤرخون : دراسة فى تاريخ علم التاريخ) ( والتاريخ والمؤرخون : دراسة فى المادة التاريخية ).
هناك منهج يستطيع به الباحث قبول رواية تاريخية ورفض أخرى ، يستطيع به فحص الروايات اذا كانت متشابهة أو متعارضة أو متداخلة، ومنهج يستطيع به فحص الرواة والمؤرخين ومدى مصداقية أحدهم اذا كان ناقلا عن الغير أو ناقلا بنفسه عن عصره .. والحديث يطول فى منهجية البحث التاريخى وطبيعة المادة التاريخية ومناهج المؤرخين السابقين ومصطلحاتهم.. وفى النهاية فان مصداقية الباحث التاريخى والتراثى ترتبط بمدى كفاءته العلمية ومدى حياده ونزاهته وتقواه. وفى النهاية أيضا فان ما يتوصل اليه الباحث من بحثه التاريخى ( فى تلك الأخبار التراثية والتاريخية التى تحتمل الصدق والكذب ) ليس سوى وجهة نظر شخصية ، وليس أبدا حقائق مطلقة، لأن الحقائق المطلقة لا توجد الا فى القرآن الحكيم وحده.
9 ـ ما نستنبطه من القرآن الكريم وما نختاره من ( اخبار ) التراث والتاريخ هو عمل بشرى غير معصوم من الخطأ ، تكون جودته بقدر ما فيه من جهد عقلى وابداع بحثى واستدلال علمى . ولأنه عمل بشرى فانه يحمل اسم المؤلف، سواء كان المؤلف هو البخارى او أى فلان من الناس. أما القرآن العظيم فليس له مؤلف من الناس .أنه كتاب رب العالمين جل وعلا ، لذا فلا يصح مساواته بكتب البشر.
10 ـ هذا عن المناهج عامة ، فكيف بتطبيقها فى هذا الكتاب عن الصلاة بين القرآن الكريم والمسلمين ؟
ثانيا : منهج البحث فى هذا الكتاب
1 ـ بدأ الكتاب فى بابه الأول ببحث الصلاة فى القرآن الكريم أساسا، أى لا بد أن يكون القرآن الكريم هو مرجعيته حين نبحث عن ملامح الصلاة فى القرآن الكريم. ولهذا البحث عن الصلاة فى القرآن منهجية ، أذ أن للقرآن الكريم منهجه الخاص فى ايراد القصص وفى الاشارات العلمية وفى الدعوة وفى الحوار، وله منهجه الخاص فى التشريع عموما ، و فى تشريع ملة ابراهيم خصوصا، وهذا ما أوضحناه فيما سبق فى هذا الكتاب.
2 ـ بعده هذا المبحث الذى يتتبع الصلاة فى تراث المسلمين وفى تاريخهم بعد نزول القرآن الكريم. هنا لا بد من الاعتماد على المصادر البشرية من كتب الفقه والحديث، وكتب التاريخ التى أرّخت للقرنين الأول والثانى بعد الهجرة . وكلها موجودة ومنشورة ومشهورة. بالطبع ليست سوى روايات وأخبار وأحداث وآراء بشرية لأفراد تحتمل الصدق والكذب . بعضها قالها أصحابها بأنفسهم أو نسبوها كذبا للنبى محمد عبر الاسناد الذى نرفضه دينا وعلما، ونرى ان تلك الأحاديث انما هى آراء لأصحابها حملت اسم النبى بعد موته بقرن وأكثر زورا وبهتانا.
3 ـ هذه المصادر الفقهية والحديثية والتاريخية نحتكم فيها للقرآن الكريم ، ومروياتها تخضع للمنهجية العلمية الصارمة ، فهى روايات ورؤى بشرية تحتمل الخطأ والصواب والصدق والكذب وهى مقطوعة الصلة بالاسلام لأنها جهد لمؤلفيها من المسلمين ومعبرة عنهم وليس عن الاسلام العظيم الذى اكتمل بالقرآن الكريم. وما نصل اليه من آراء واجتهادات ليست هى الأخرى معصومة من الخطأ ، مهما تعاظم المبذول فيها من الجهد.
ثالثا : الخلفية التاريخية للمصادر التراثية
1 ـ الفتوحات أو الغزو العربى وتكوين امبراطورية عربية تحمل اسم الاسلام ، هو المفتاح لفهم الخلفية التاريخية لتراث المسلمين.
2 ـ انشغل العرب بالفتوحات والنزاع السياسى والعسكري خلال فترتى الراشدين والأمويين ، ولم يكونوا فى الأصل أصحاب حضارة سابقة أو من الأمم ذات الشهرة فى الكتابة والتدوين. كانت الأمم المفتوحة ذات ارث حضارى متصل ومكتوب، وقد تعامل العرب معهم ـ خصوصا فى الدولة الأموية ـ على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية ، فكان لقبهم السائد ( موالى ) أى الأتباع والخدم والعبيد، سواء منهم من كان رقيقا أو كان حرا فى بلاده، اذ كان يدفع الجزية حتى لو أسلم.
3 ـ فى وقت انشغال العرب بالفتوحات والفتن والحروب الأهلية والفتن والمكائد السياسية نشأ جيل جديد من الموالى خدم كبار الصحابة ونقل حكاياتهم ، وكانت لهم خلفية علمية لم تكن موجودة لدى العرب ، وكان العلم سبيلهم فى التميز الاجتماعى فى مواجهة أسيادهم العرب كما كانت المبالغة فى التدين بالاسلام وترك الدنيا بدعوى الزهد طريقة بعضهم فى المزايدة الدينية على العرب المسلمين الذين تنازعوا وسفكوا فى سبيل حطام الدنيا الدماء البريئة التى حرمها الله تعالى.
4 ـ أولئك الموالى وأبناؤهم كانوا قادة الحركة العلمية فى العصر الأموى، خصوصا بعد موت المتأخرين من الصحابة مثل خادم النبى الصحابى أنس بن مالك الذى توفى بالبصرة سنة 92 عن عمر يناهز 99 عاما،وهو آخر من توفى من الصحابة بالبصرة ، وعبد الله بن أوفى ت 86 وعبد الله بن الزبير 73 وابن عمرو 65 وابن عمر 74 وابن عباس 68 . جاء بعدهم من خدمهم من الموالى مثل سالم مولى عبد الله بن عمر 106، و عكرمة مولى ابن عباس الذى اخترع حديث : (من بدّل دينه فاقتلوه ) والتفاصيل فى كتابنا : ( حد الردة ).
5 ـ ينقل إبن الجوزى عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قوله ) لما مات العبادلة " عبد الله بن عمر وعبدالله بن عمرو و عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير" صار الفقه فى جميع البلاد الى الموالى ، فكان فقيه أهل مكة عطاء بن رباح ، وفقيه أهل اليمن طاووس ، وفقيه أهل اليمامة يحيى ابن كثير ، وفقيه أهل البصرة الحسن البصرى ، وفقيه أهل الشام مكحول ، وفقيه أهل خراسان عطاء الخراسانى ، إلا المدينة فان الله تعالى خصها بقرشى فكان فقيه أهل المدينة سعيد بن المسيب غير مدافع ) ( تاريخ المنتظم 6 : 319 ـ 320 ). ونقول تعليقا على هذه الرواية :
5 / 1 : هذه الرواية تجاهلت مشاهير الفقهاء من الموالى مثل سعيد بن جبير ت 95 والشعبى ت 104 و مجاهد بن جبر 104 وابن سيرين 110 ومالك بن دينار 130 وكلهم من العراق ، كما أنها تجاهلت مصر تماما ، و قد قاد الحركة الفقهية فيها بعد سالم ( مولى ابن عبد الله ابن عمرو بن العاص ) فقيه مشهور من الموالى هو الليث بن سعد المتوفى 175 وكان مولى لخالد الفهمى ، وكان الليث معاصرا لأبى حنيفة وأستاذا لمالك بن أنس فى المدينة. وعن مدرسة المدينة فقد كان فقيهها سعيد بن المسيب الذى ولد بعد سنتين من مقتل عمر ابن الخطاب ، ثم عاش ليدرك الدولة الأموية معارضا سلميا لها الى أن مات فى خلافة الوليد بن عبد الملك سنة 94 ، وكان من أشهر تلامذته الزهرى ت 124الذى كان أستاذا لمالك ابن أنس ت 179. كما أن مالك بن أنس كان أستاذه فى المدينة مولى ، وكان أعرف بالفقه والعلم منه ، إذ جمع بين الرأى والحديث إنه فروخ ، أو ربيعة الرأى المتوفى سنة 136 . إلا أن العصبية العربية أشهرت مالك وتجاهلت فروخ ، أو ربيعة الرأى الذى كان أستاذا أيضا لأبى حنيفة فى مدرسة الرأى والاجتهاد.
5 / 2 : ابن الجوزى نقل الرواية السابقة عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم المتوفى سنة 182 ، أى كان معاصرا لأولئك الأعلام الذين تجاهلهم. وقد يكون هذا التجاهل مبعثه اختلاف الرأى أو الحسد ، إذ لم تبلغ شهرة إبن أسلم أو علمه مبلغ أولئك الأعلام.
6 ـ جاء العباسيون للحكم بسيوف الفرس المسلمين من أتباع أبى مسلم الخراسانى ومساعدة من قبائل العرب القحطانية ، فتحولت الكفة الراجحة للموالى فتطرف بعضهم الى درجة الشعوبية وانتقاص العرب بل والطعن فى الاسلام واصطناع الالحاد والزندقة التى أصبحت ( موضة ) المثقفين وكتبة الدواوين العباسية ، ولا بأس بها لدى الخلافة العباسية طالما يظل ولاء الزنديق للدولة العباسية، فاذا كان متهما فى ولائه عوجل بتهمة الزندقة وقتلته الدولة بحد الردة الذى اخترعوه لقتل خصوم الدولة باسم الشرع، على نحو ما أوضحنا فى كتب ( حد الردة ) و( الحسبة ) وغيرها.
7 ـ واذا كان العصر الأموى قد شهد بداية الحركة العلمية فى بساطتها وسذاجتها و شفهيتها فان العصر العباسى الأول هو الذى شهد ازدهارها وتدوينها وتشعبها وتنوعها وتعقيدها من العمومية الى التخصص . وبدا واضحا أن الحضارات السابقة فى الرافدين والنيل قد تم بعثها وتلقيحها برؤي مستمدة من الاسلام وناطقة بالعربية. وكان لهذا التطور تأثيره فى الجزيرة العربية الموطن الأول للرسالة الاسلامية الخاتمة.
8 ـ لقد تعقدت الحياة فى العصر العباسى خصوصا فى بيئات الأنهار مثل العراق والشام ومصر ، بل ان دخول أبناء الأمم المفتوحة ـ أو الموالى ـ فى الاسلام ومعيشة بعضهم فى الجزيرة العربية جعل الحياة الصحراوية البسيطة فى مكة والمدينة أكثر تطورا. والبيئات الصحراوية بالذات منغلقة رتيبة الحركة تعيش على التقليد وتنأى عن التطور، والمدينة ومكة كانتا معا أهم الحواضر فى صحراء الجزيرة العربية.
9 ــ وبينما ظلت أهمية مكة سارية بالمسجد الحرام وظلت علاقتها بالتطور متجددة بالحج والعمرة فان المدينة لم تعد عاصمة المسلمين بعد مقتل عثمان ، اذ تحولت العاصمة الى الكوفة ثم دمشق ، ثم بغداد ، وأنحسرت عن المدينة الأضواء وتحول المال والقوة والاهتمام الى العراق والشام ومصر. ولم يعد للمدينة الا أن تعيش على ماضيها حين كانت عاصمة النبى محمد ومركز القوة والسيطرة فى عهد الخلفاء ( الراشدين ) وكبار الصحابة. من هنا تخصصت المدينة فى (حكى ) أو رواية تاريخ النبوة ،اذ هو تاريخ الآباء والأجداد لمن عاش من ذرية الصحابة فى المدينة فى العصر العباسى.
10 ـ ولأنها بيئة ماضوية تعيش على الماضى المجيد وتنسب نفسها للنبى محمد وعصره فقد واجهتها مشكلة التأقلم مع التطورات الجديدة الآتية من البيئات النهرية ذات الحضارة القديمة من مصر والعراق وفارس والشام. لم يكن متاحا الاجتهاد العقلى الصريح لأن البيئة تنكره وتنتصر للتقليد والاحتكام للماضى. كان المتاح هو تغطية ذلك الاجتهاد بنسبته للنبى محمد عليه السلام ، أو لكبار الصحابة ، او لما كان يعرف بعمل أهل المدينة. أى يقول أحدهم رأيا فلا يجرؤ على نسبته لنفسه ، خشية السخط عليه فيسارع بنسبته للنبى أو لأحد كبار الصحابة.
11 ـ هذا هو منهج الامام مالك الذى منع (أن يقول أحد فى الاسلام برأيه )، وتلك مدرسة الحديث الحجازية التى واجهت مدرسة الرأى فى العراق التى أنشأها أبوحنيفة . ثم ما لبثت مدرسة الحديث أن انتقلت الى العراق ومصر بالتطور الذى أحدثه فيها الشافعى.
رابعا : لمحة عن الكتابات التاريخية والطبقات الكبرى لابن سعد
1 ـ لسنا هنا فى معرض التحليل والشرح ، لكن نقرر بسرعة أن الكتابات التاريخية الأساسية وهى (الحوليات) ـ التى تسجل الأحداث بالحول أو بالسنة ـ ركّزت اهتمامها على الصراع السياسى دون اهتمام كاف بالتطورات الاجتماعية والدينية والتى تشمل أخبارا عن كيفية تأدية العبادات ومنها الصلاة. الا أن هذا النقص تداركته ـ نسبيا ـ كتب ( الطبقات ) وهى التى تترجم أو تؤرخ أساسا للعلماء والفقهاء والمشاهير. وبدأ الفقيه المؤرخ محمد بن سعد ( ت 222 ) ـ المعروف بكاتب الواقدى ـ هذا الفن التاريخى بكتابه الأشهر ( الطبقات الكبرى ) وهو عمدة هذا الفن وأقدم تاريخ متخصص ومفصّل لطبقات الصحابة والتابعين وتابعيهم. ثم تنوعت بعده كتب الطبقات للفقهاء عموما ولفقهاء المذاهب وللأدباء والنحويين و المغنيين والشعراء والمفسرين ... الخ. واذا كان تاريخ الطبرى هو أهم كتب الحوليات على الاطلاق فان طبقات ابن سعد قد سبق الطبرى نفسه بنحو قرن من الزمان ، وعنه أخذ الطبرى ( ت 310 ) ثم ابن الجوزى ( ت 597 ) نظام العنعنة فى اسناد الروايات التاريخية .وقد اعتمدنا أساسا على طبقات ابن سعد فيما جاء من اشاراته عن الصلاة كما اعتمدنا على كتب الفقه النظرى وكتب الحديث فى اعطاء لمحة عن الصلاة فى تاريخ المسلمين بعد عصر النبوة الى صدر العصر العباسى .
2 ـ وتاريخ ابن سعد ( الطبقات الكبرى ) مؤسس وفق تنظيم زمنى ( طبقى ) ، يبدأ بالطبقة الأولى من الصحابة المهاجرين ثم الأنصار حسب أسبقية الدخول فى الأسلام ، ثم يتتبع تواجدهم فى الأمصار من الكوفة والبصرة ودمشق والفسطاط ثم من جاء بعدهم من التابعين وتابعيهم حسب ترتيب الرواة فى الحديث المنسوب للنبى محمد عليه السلام .
3 ـ وكالعادة اتبع محمد بن سعد تسجيل الروايت التاريخية بالسند والعنعنة وفق منهج المحدثين حتى فى تأريخه لأشخاص من التابعين وتابعيهم .وابن سعد هو المصدر الأصلى والأساسى لمعظم من جاء بعده من المؤرخين الذين كتبوا فى نفس الفترة من عصر النبوة الى مطلع العصر العباسى ..
4 ـ وقد عاش ابن سعد فى خلافة المأمون ، وكان من زعماء الفقهاء والمحدثين الذين رفضوا رأى المعتزلة بأن القرآن مخلوق وكان ضمن المضطهدين فى هذه الفتنة ، واضطر الى التراجع بينما ثبت على رأيه ابن حنبل وابن نوح . ومع أنه كان فقيها محدثا صاحب رأى وموقف إلا أنه كان ــ فى الأغلب ــ منصفا فيما يكتب ، خصوصا وأنه لم يتعرض فى طبقاته للتركيز على موضوع خلق القرآن.
5 ـ وقد دون ابن سعد الروايات المتداولة فى عهده – فى خلافة المأمون العباسى ـ عن أجيال الصحابة والتابعين الذين ماتوا فى عصر النبوة والخلفاء الراشدبن والأمويين والعباسيين حتى عصره . وبعض هذه الروايات تشير إلى بعض انشطة الذين يؤرخ لهمم وأقوالهم والأقاويل التى قيلت عنهم. وخلال هذه الروايات يرد بين السطور إشارات عن الصلاة والزكاة والحج والثياب واللحى وتخضيبها وتنتهى بموت وجنازة من يؤرخ له .
6 ـ وبعض الإشارات التى ذكرها ابن سعد ( وغيره ) عن الصلاة هى تصوير للواقع التاريخى لتأدية الصلاة من حيث الشكل ومن خلالها نفهم كيف تم استغلال الصلاة سياسيا لصالح الحكم الأموى . وكيف كانت صلاة القوم وسيلة فى العصيان والبغى والعدوان ، وجمعت بين المعاصى الأخلاقية من إنحلال خلقى و التطرف فى العبادة السطحية المظهرية . أى كانت ( صلاة شيطانية ) . الصلاة إسلامية هى وسيلة للتقوى وتنهى عن الفحشاء والمنكر والبغى ، أما الصلاة الشيطانية فهى تبرير وتشجيع مقدما على العصيان والظلم وسفك الدماء ، وهذا ما بدأه الخلفاء الفاسقون ( أبو بكر وعمر وعثمان وعلى ) ثم إتبعهم الأمويون ثم العباسيون والفاطميون والمماليك.
7 ـ وبعض الروايات الأخرى عن الصلاة وغيرها كانت انعكاسا لاختلافات فقهية ، فحاول كل فريق تأييد رأيه وتدعيمه بإسناده للنبى محمد أو أحد كبار الصحابة ، خصوصا عمر وعلى ، أو بعض التابعين مثل الحسن البصرى ومكحول وعمر بن عبد العزيز.
خامسا : التسجيل التاريخى للصلاة عند المسلمين
1 ـ ودائما تتناقض كتب الحديث و التاريخ والفقه فيما بينها . وحتى فى داخل الكتاب الواحد وربما فى الصفحة الواحدة ، ومثلا فإن ابن سعد فى طبقاته الكبري يقول : عن عبد الله ابن عمر انه كان يصلى الصلوات الخمس بوضوء واحد ، ثم يروى رواية اخرى تقول ان ابن عمر اعتاد فى منزله الوضوء لكل صلاة والمصحف بينهما ( الطبقات الكبرى 4 – 119، 125) . ومهمة الباحث أن يرجح الرواية الصحيحة بين الروايات المتناقضة بنقد المتن و السند ، وبالنظر الى روايات اخرى فى نفس الموضوع، وفى النهاية فإن كل ما يصل اليه الباحث هو مجرد وجهة نظر،والعلم الحقيقى بهذا الغيب عند الله تعالى وحده.
2 ـ ومن الطبيعى أن التسجيل التاريخى للصلاة يختلف عن الكتابة الفقهية عن الصلاة وغيرها . الكتابه الفقهية تكتب فى الفراغ نظريا وتضع أحكاما لأحداث تفترض وقوعها على نسق من فعل كذا فهو واجب أو مكروه أو حرام . أما الكتابه التاريخية عن الصلاة وغيرها فهى فى الأغلب تسجيل ما كان يحدث وكتابة ما كان يقال دون إعطاء حكم فقهى له .
3 ـ وفى هذا البحث التاريخى عن الصلاة فإن المادة التاريخية التى جمعناها هى التى تحدد مسار البحث لأن الباحث التاريخى لا يفرض أمنياته على البحث ولا يؤلف روايات من خياله ولا ينتقى من الروايات ما يحلو له ، بل هو يدخل إلى الموضوع المراد بحثه فى العصر التاريخى دون حكم مسبق ودون هوى أو غرض ، ليبحث كل الروايات الخاصة بموضوعه ، والقريبة منه والتى تعطى خلفية للأحداث والقضايا الأساسية فى بحثه، ويقرن ذلك بفهم عميق لكل نواحى العصر التاريخى الذى يأخذه مجالا لبحث تلك الجزئية . وعموما فالروايات تتحدث عما هو كائن بالفعل وبالتالى فليس على الباحث سوى أن يجمع ما اتصل منها فى موضوعه ثم يقوم بنقده وتحليله ، وإذا إستلزم عرضه على القرآن الكريم فلا بد أن يفعل طالما هو يؤرخ لشعيرة دينية هى الصلاة .
سادسا : لمحة عن أنواع الكتابات الفقهية
بعد تلك اللمحة التاريخية نعطى القارىء فكرة سريعة على أنواع الكتابات الفقهية وصلتها بالواقع التاريخى الذى عاشه المسلمون لنتمكن من أن نتتبع ـ تاريخيا ـ كيف أدّى المسلمون فريضة الصلاة بعد انتهاء عصر النبوة.
الفقه النظرى والشافعى
الكتابات الفقهية الكلاسيكية تأثرت بمنهج الشافعى ت 204 فى كتابه الضخم (الأم ) وبالقواعد التى وضعها فى " الرسالة ".
منهج الشافعى فى كتاباته الفقهية ( الفقه النظرى )
كان يبدأ بفكرة مسبقة ويحاول الاستدلال عليها بإنتقاء الآيات القرآنية وتحريف معناها وبصناعة أحاديث تعضدها ، وبالرد مقدما على خصومه المخالفين لرأيه. ونعطى بعض التفصيل :
1 ـ الاعتماد على تأليف الأحاديث المنسوبة للنبى محمد عليه السلام ، وجعلها تحمل الرأى الذى يريده دون الحاجة الى استدلال عقلى .
2 ـ ظهرت الكتابة الفقهية الجدلية على يد الشافعى، ويبدو فيها كأنه فى مناظرة أو مناقشة مع خصم له ، مثل قوله : فإن قلت كذا فالجواب كذا. ومع أنه بهذا جمع منهج أهل الحديث مع منهج أصحاب الرأى إلا إن الشافعى قد قام بتطويع الرأى للحديث. ونفس الحال قام بتطويع المنهج الصورى للحديث.
3 ـ ظهر أبو حنيفة ( ت 150 ) زعيما لمدرسة الرأى فى العراق فكان ( مالك بن أنس ) خصما لهذه المدرسة بإفتراء الأحاديث. إنحاز الشافعى لشيخه ( مالك ) فى ( المدينة ) ( ت 179 ) وقام بتقعيد مدرسة ( الحديث ) فى رسالته المشهورة . وفى هجرته للعراق تعلم من البيئة العراقية غرامها بالمنهج الصورى ( التصورى ) الاستقرائى فجاء كتابه (الأم ) مزيجا من الحديث المخترع المنسوب للنبى محمد عليه السلام والفقه التصورى النظرى .
لمحة عن المنهج الصورى ( التصورى ) الذى بدأه الشافعى فى الكتابة الفقهية :
1 : أن ( يتصور الفقيه فى خياله ) :
1 / 1 : رأيا مخالفا لرأيه فيرد عليه . والشافعى هو الذى بدأ هذا المنهج الصورى فى كتاباته التى يغلب عليها طابع الجدل والمناظرة ، خصوصا وأنه واجه من ينكر الأحاديث فى عهده ، فقام بالرد عليهم مقدما دون أن يستفيض فى ذكر أدلّتهم.
1 / 2 : حدثا ثم يضع له حكما فقهيا ، مثل قوله : أن فعل كذا فالحكم فيه كذا.
2 ـ هذا المنهج التصورى نشأ وتطور فى الحضارة السريانية قبل الغزو العربى ، ثم عاد للظهور فى العراق فى العصر العباسى مع النهضة الفكرية وقتها .
2 : وهذا المنهج الصورى أو التصورى له بالطبع أصل نسبى فى الواقع الذى عاشه الفقيه. فالفقيه كان تتأثر أفكاره بمعطيات عصره.
3 ـ الا أن الفقه السّنى بالغ وأوغل فى التنظير والتصورات مبتعدا عن ذلك الواقع. ثم انتقل من التنظير الى الاستقراء أى محاولة تعميم الحكم بالبناء عليه والتوسع فيه الى درجة تغطية كل الصور العقلية الممكنة التى يفترضها افتراضا . وأقرب مثل لهذا المنهج بعد الشافعى وكتابه ( الأم ) هو الفقيه الحنفى علاء الدين أبو بكر القاشانى المتوفى سنة 587 فى كتابه الضخم : ( بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع )
4 : كان هذا مقبولا نوعا ما فى عصر الازدهار العلمى والنضج العقلى فى العصر العباسى الأول . الا أنه تحول الى بلوى فى العصور اللاحقة التى سيطر فيها التصوف وانتشرت فيها خرافات الكرامات والمنامات وانقطع الاجتهاد وحل محله الجمود والتقليد والتأخر والتخلف بالتدريج . التنظير الفقهى فى هذا العصر وصل الى افتراضات مضحكة بذيئة كقولهم ( من اضطر الى أكل لحم نبى هل يجوز له ) ( من حمل قربة فُساء هل ينتقض وضوؤه ) ( من كان لذكره فرعان ونكح زوجته فى قبلها ودبرها هل يجب عليه غسل واحد أو غسلان ) ( من زنى بأمه فى نهار رمضان فى جوف الكعبة عامدا ماذا عليه من الاثم ). وقد كان ابتلاؤنا فظيعا بهذا الفقه فى التعليم الأزهرى. وهو مع خيالاته المريضة البعيدة عن الواقع فقد كان انعكاسا أمينا للذهنية الفقهية ومستواها الهابط الى الحضيض . ولا يزال هذا الفقه فى مناهج الأزهر ، وبدأنا الإنكار عليه من ربع قرن وطالبنا بمحوه بإجتهاد جديد يستنبط الأحكام الشرعية من القرآن الكريم ، وتعرضنا للإضطهاد كالعادة .
بين الفقه النظرى والواقع المُعاش :
1 ـ يتكون الفقه النظرى من ( أحاديث ) مصنوعة ، ومن ( تصورات ) بالمنهج الصورى المشار اليه.
2 ـ وقلنا إن هذا الفقه النظرى الصورى أو التصورى لم يكن ـ فى أغلبيته العظمى ـ شديد الالتصاق بحركة المجتمع ولم يكن قوى التأثير فيها ، وان كان نابعا منها ومن خيالات الفقيه وتصوراته ومعبرا عن مستواه الثقافى والعقلى..
3 ـ ونفس الحال مع الأحاديث التى إفتراها مالك والشافعى ومن جاء بعدهما من أعمدة الحديث السُّنّى مثل ابن حنبل والبخارى ومسلم. والذين راعوا الأبواب الفقهية فى كتبهم ( الحديثية ) . معظم الأحاديث الفقهية فى الفقه النظرى كان انعكاسا لبعض المظاهر الحياتية وقتها . فقد كانت تلك الأحاديث رد فعل للمتطلبات الحياتية وانعكاسا للتطور السائد حتى فى البيئة المحافظة التقليدية كالمدينة. وكان الأمر أكثر وضوحا فى البيئات النهرية خصوصا فى العراق حيث التنوع الثقافى والعنصرى والجنسى والاختلافات السياسية والمذهبية والدينية ، وتحولها الى أحزاب متصارعة بالبنان واللسان والسنان. وكان اختراع الأحاديث أهم سلاح فى الخلافات الفقهية والمذهبية والسياسية والحزبية والطائفية والقبلية ( نسبة للقبيلة ) والقطرية( نسبة للقطر).
فقه الحيل
1 ـ أنتج العراق هذا النوع الفقهى الذى يريد الالتفاف على الفرائض الشرعية بأنواع من الحيل متناسيا أن تلك الأوامر التشريعية هى مجرد وسائل للتقوى، واذا كنا نتحايل على شرع الله تعالى فلا مجال للتقوى فى القلوب.
2 ـ فقه الحيل كان تعبيرا أمينا على التلون الذى ساد العصر العباسى ، فقد أعطى فقه الحيل مشروعية زائفة للجمع بين المظهر الدينى والانحلال الخلقى والعقيدى. كان النتاج الطبيعى للتدين المظهرى السطحى الشكلى الذى أعادته الى حياتنا المعاصرة الحركة الوهابية فى الصحراء العربية وربطته بالاسلام زورا وبهتانا. كان المجون على أشده فى القصور العباسية والحانات الشعبية ، وكان على الجانب الآخر حركات دينية فاعلة ومساجد مأهولة وثقافة دينية يختلط فيها الصحيح بالفاسد مع ظلم اجتماعى وقهر سياسى وخلافة كهنوتية تنتسب للنبى عليه السلام وتشجع الرواية عنه وعن ابن عمه ابن عباس وهو جد الخلفاء العباسيين. وظهر (فقه الحيل ) يعقد الصلح شكليا بين الواقع المُشين والتدين السطحى المظهرى ، فيعطى حُجة زائفة للمعاصى أن تستمر وتعلو برأسها متمتعة بدليل من فقه الحيل ( أو التحايل ) على شرع الرحمن جل وعلا.
3 ـ بدأ فقه الحيل داخل مدرسة الرأى التى تزعمها الفقيه الثائر ابو حنيفة (ت 150)، وهذا فيما يروونه عنه ، لأن أبا حنيفة ظهر مبكرا قبل عصر التدوين ولم يؤلف كتبا .
4 ـ تطور فقه الحيل فى العصر العباسى الثانى ليصبح منهجا متكاملا يتطرف فى استعمال الحيل بذكاء فى مقابل مدرسة الحديث الفقهية المحافظة التى تطورت بعد الشافعى بظهور ابن حنبل الذى جعل كتاباته الفقهية أحاديث خالصة فيما يعرف ب(مسند أحمد ).
5 ـ واستمر فقه الحيل حتى صدر العصر المملوكى ، فكتب ابن القيم الجوزية ( 691 : 751 ) يرد عليه فى كتابه (إغاثة اللهفان من مكايد الشيطان ) .
الفقه الوعظى
1 ـ واذا كان فقه الحيل استجابة طبيعية للبيئة العباسية ومعبرا عنها بصورة غير مباشرة فان الفقه الوعظى ــ الذى بدأ فى العصر العباسى الثانى ــ كان الأكثر تعبيرا عن عصره والأكثر قربا من علم التاريخ .
2 ـ (الفقه الوعظى ) هو تعبير من إختراعنا ، ونعنى به الكتابة الفقهية التى تتوخى الوعظ تعليقا بالنقد والانكار على بعض ما يقع فيه الناس من أخطاء ، والحكم عليها فقهيا بالحرام أو المكروه.
3 ـ واذا كان الفقه النظرى يتخيل مسبقا حدوث فعل ثم يعطيه حكما فقهيا كقولهم ( ان فعل كذا فهو حرام أو حلال او مندوب أو مكروه) فان الفقه الوعظى يحكى الواقعة الحقيقية التى تحدث أو اعتاد الناس فعلها ثم يعلق عليها بالانكار معطيا ما يراه حكما فقهيا لها.
4 ـ هنا يتحول الفقيه ـ دون أن يدرى ـ الى مؤرخ . بل ومؤرخ موثوق به لأنه ـ دون أن يدرى ايضا ـ قد ذكر ملامح تاريخية اجتماعية ثمينة بدون تهويل أو تضخيم. والعادة أن المؤرخ المعاصر للحدث لا يهتم بالتفصيلات الاجتماعية الحياتية العادية، ويركز على الأحوال السياسية ويلون الأحداث برؤيته الشخصية.
5 ـ ميزة الفقه الوعظى من الناحية الفقهية أنه يصاحب تطور المجتمع بالنقد والتعليق، يجرى معه وخلفه يطلب الاصلاح من وجهة نظر الفقيه المؤلف بالطبع.
6 ـ نشأ هذا الفقه الوعظى مع ابى حامد الغزالى ( ت 505 ) بين ثنايا كتابه ( احياء علوم الدين). ثم أفرد له الفقيه المؤرخ الحنبلى عبد الرحمن بن الجوزى ( ت 597 ) كتابا خاصا هو ( تلبيس ابليس ) . ثم سار على أثره ابن القيم الجوزية الحنبلى 751 فى كتابه ( اغاثة اللهفان من مكائد الشيطان ) ، والفقيه المغربى الصوفى ابن الحاج العبدرى ( ت 737 ) فى كتابه ( المدخل ). ثم جاء الشعرانى973 فى نهاية العصر المملوكى وبداية العصر العثمانى ليكتب كثيرا من المؤلفات فى الفقه الوعظى منها ( تنبيه المغترين ) و ( لطائف المنن ) و( المنن الصغرى ) ( الأنوار القدسية فى معرفة قواعد الصوفية ) ( ألأنوار فى صحبة الأخيار ) ( آ داب العبودية ) ( البحر المورود فى المواثيق والعهود ) ( لواقح الأنوار ). وقد مزج الشعرانى فقهه الوعظى بالحديث عن كراماته وكرامات أشياخه المزعومة .
أخيرا :
بعد هذه اللمحة التاريخية والفقهية ندخل فى موضوعنا عن الصلاة ، وكيف أضاعها ( المسلمون ) فى تاريخهم وفى تشريعاتهم .

مقدمة الباب الثانى : (الخلفاء الفاسقون وصلاتهم الشيطانية )
أولا :
1 ـ كان العرب ( يؤدون ) الصلاة تأدية حركية بلا خشوع وبلا تقوى . أضاعوا الصلاة بعصيانهم وبإنغماسهم فى الشهوات الحرام والمنكر والبغى والعدوان وبعبادة الأولياء والقبور المقدسة التى ألحقوها بمساجدهم ، كما يفعل المحمديون اليوم. لذا كان التركيز فى القرآن الكريم على إقامة الصلاة وليس على تأدية الصلاة ، وجاء ذكر ( الصلاة ) ب ( أل ) أى ( الصلاة ) التى تعرفونا. ( أل ) هنا بمعنى ( العهد ) أى الصلاة المعهودة المعروفة.
2 ـ لم تكن عندالعرب ولا أهل الكتاب ــ وقتها ــ مشكلة على الاطلاق فى عدد ركعات الصلاة وتوقيت الصلوات الخمس أو الفاتحة ، وكل هذا متوارث من ملة ابراهيم شأن الحج والصيام فى رمضان والأشهر الحرم .
3 ـ لو كانت الصلاة تشريعا جديدا جاء به القرآن الكريم :
3 / 1 : لنزلت تفصيلاته فى الكيفية وفى المواقيت ، لأن رب العزة ما فرّط فى الكتاب من شىء يكون السكوت عنه تفريطا ، بل أنزل الكتاب تبيانا لكل شىء يحتاج الى بيان . ولم تكن كيفية الصلاة ومواقيتها تحتاج الى بيان. هى حقيقة يكفر بها المحمديون الذين يسعون فى آيات الله جل وعلا مُعاجزين .!.
3 / 2 لو كانت الصلاة تشريعا جديدا لا يألفه العرب كانوا سيكفرون به ويتعجبون منه كما فعلوا مع :
3 / 2 / 1 : دعوة ( لا إله إلا الله ) فقالوا :
3 / 2 / 1 / 1 : ( أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَـٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴿٥﴾ ص ).
3 / 2 / 1 / 2 : وقال جل وعلا عنهم : (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ﴿٢﴾ يونس ) .
3 / 2 / 2 : مع دعوتهم الى الايمان بالبعث قالوا ساخرين :
3 / 2 / 2 / 1 :(هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿٧﴾ أَفْتَرَىٰ عَلَى اللَّـهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ ۗ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ ﴿٨﴾ سبأ )
3 / 2 / 2 / 2 : ( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴿٧٨﴾ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴿٧٩﴾ يس ).
3 / 2 / 3 : لو كانت عندهم مشكلة فى كيفية الصلاة ومواقيتها لأزعجوا النبى محمدا بأسئلة متكررة عنها . لكنهم لم يسألوا مطلقا عن كيفية الصلاة ومواقيتها ، لأنها ببساطة معروفة لديهم ويؤدونها .
3 / 2 / 4 : ونعطى نماذج من أسئلتهم فى مكة عن موعد الساعة والرد الالهى عليها :
3 / 2 / 4 / 1 : حقيقة قرآنية مؤكدة كررها رب العزة جل وعلا فى القرآن ، وهى أن النبي لا يعلم الغيب ولا يعلم موعد قيام الساعة ولا ما سيحدث له أو للناس ، واقرأ في ذلك قوله جل وعلا :
3 / 2 / 4 / 1 / 1 : ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ (الأنعام 50) ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (25) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ..﴾ (الجن 25: 27)
3 / 2 / 4 / 1 / 2 : ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ (الأنبياء 109)
3 / 2 / 4 / 1 / 3 : وهل هناك أوضح من قوله تعالى ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ..﴾ ؟(الأحقاف 9).
3 / 2 / 4 / 2 : وهناك آيات أخرى كثيرة تؤكد أن علم الساعة عند الله وحده . قال جل وعلا :
3 / 2 / 4 / 2 / 1 : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾ (لقمان 34)
3 / 2 / 4 / 2 / 2 : ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (فصلت 47) ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ (الزخرف 85).
3 / 2 / 5 : كلها آيات تؤكد أن النبي لا يعلم الغيب وأن علم الساعة لله وحده وكانت تكفى آية واحدة ولكنهم سألوا النبي ــ عنادا ــ مرة ومرات عن الساعة ، ومع ذلك لم يبادر بالإجابة بأن يقرأ عليهم الآيات السابقة ، وإنما انتظر الوحى ، وكان الوحى ينزل دائماً بنفس الإجابة وهى أن علم الساعة لله وحده وأن النبي لا يعلم الغيب.
3 / 2 / 6 : انتظر النبي الإجابة ونزل قوله تعالى :
3 / 2 / 6/ 1 : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ ...﴾ (الأعراف 187: 188) وهذا توضيح فيه أكثر من الكفاية.
3 / 2 / 6 / 2 : ولكنهم سألوه أيضاً عن الساعة ونرى النبي عليه السلام أيضاً ينتظر الإجابة فنزل قوله تعالى يجيب ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ﴾ (النازعات 42: 45) والآيات الأخيرة ملئت بأسلوب الاستفهام الإنكاري ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا ﴾ وجاء أسلوب القصر يقصر علم الساعة على رب العزة ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا ﴾ ويقصر وظيفة النبي على الإنذار ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ﴾.
3 / 2 / 7 : لو كانت الصلاة تشريعا جديدا لبادروا بالأسئلة لمجرد العناد . وكانوا يفعلون هذا فى طلبهم المتكرر لأن تنزل على النبى آية حسية كراهية فى القرآن الكريم.
ثانيا :
1 ـ لم تكن كيفية الصلاة ومواقيتها مشكلة بعد موت النبى محمد عليه السلام وإنتهاء الوحى القرآنى نزولا . كانت المشكلة مع الخلفاء الفاسقين ( ابو بكر وعمر وعثمان وعلى ) ، وقد كانوا أئمة بتضييعهم للصلاة بأفظع ما كانوا يفعله العرب فى الجاهلية . وتبعهم الأمويون بتضييع الصلاة ثم تحريفها . وفى العصر العباسى إكتملت فيه أديانهم الأرضية من سنة وتشيع وتصوف ، وبدأ التشريع لها بتحريفات أسّسوها على أحاديث كاذبة ينسبونها للنبى محمد بعد موته بقرون .
2 ـ ومنها فى موضوع الصلاة حديث : ( صلوا كما رأيتمونى أصلى ). لو كان هذا صحيحا
2 / 1 : فليست الصلاة واجبة على الأجيال التى جاءت بعده ولم تره كيف يُصلّى ، ومنها نحن .
2 / 2 : ستكون واجبة على من رآه فقط يصليها . وكان عليهم أن يسجلوها بالضبط . ولكن هذا لم يحدث إذ إنشغل الصحابة وخلفاؤهم بالفتوحات وبالفتنة الكبرى ، ثم سار على سُنّتهم الأمويون والعباسيون .
3 ، ظهرت الكتابات الفقهية فى تشريعات الصلاة مع موطأ مالك . وسنعرض لهذا ، ثم تابعه الشافعى وغيره . فهل هذا يعنى أن السابقين لم يكن لديهم علم بالصلاة ؟
أخيرا :
1 ـ سنعرض ـ بعون الرحمن جل وعلا ـ للصلاة عند ( المسلمين ) تاريخيا وتشريعيا . لنرى كيف أضاعوها تاريخيا وكيف زيفوها وحرفوها تشريعيا .
2 ـ وردّا على سعى خصومنا فى آيات الله جل وعلا مُعاجزين يسألون أين عدد الصلوات وكيفيتها ومواقيتها سنعرفهم من خلال تاريخهم وتشريعاتهم جناية ( سلفهم الصالح ) على الصلاة الاسلامية .
3 ــ والله جل وعلا هو المستعان .










الباب الثانى :
الفصل الأول : بين الصلاة الاسلامية والصلاة الشيطانية للخلفاء الفاسقين
1 ـ تحدثنا فى الباب الأول عن إقامة الصلاة الاسلامية وتضييعها لدى العرب والقرشيين الذين أهملوا ملة ابراهيم ، ونزل القرآن الكريم بالاصلاح وفق ملة ابراهيم الحقيقية بإخلاص الدين والعبادة والدعاء لرب العالمين وحده . ننصح بالرجوع الى الباب الأول منعا للتكرار.
2 ـ ولكن نعيد التأكيد والتركيز على النقاط الآتية :
أولا : القيام للصلاة غير إقامة الصلاة
1 ـ القيام للصلاة يعنى الاستعداد لتأديتها بالطهارة ( المائدة 6 ) كما جاء فى قوله جل وعلا
2 ـ بالاستعداد لتأديتها فى ظروف الخوف ( النساء 102 ) .
3 ـ وكان المنافقون يؤدونها كسالى ز ( النساء 142 )
ثانيا : إقامة الصلاة بالاسلام الحقيقى :
الاسلام الحقيقى هو (السلام ) مع الناس و( التسليم ) للخالق جل وعلا. أى أن يكون الانسان مسالما فى تعامله مع الناس وأن يُسلم قلبه ودينه وعبادته للخالق جل وعلا. أى يجمع بين الاسلام الظاهرى السلوكى بالسلام وبين الاسلام القلبى بالايمان الخالص والعمل الصالح والابتعاد عن الظلم والفسوق والبغى والعدوان ، أى تكون إقامته للصلاة فى هذا الإطار من السلام مع الناس والإخلاص فى عبادة الله جل وعلا وعمل الصالحات .
فى هذا المعنى جاءت آيات القرآن الكريم عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بمعنى التزكى والتطهر :
1 : فى الخطاب العام للبشر : ( المؤمنون 1 : 11 ) ( المعارج 19 :35 ) ( النور 37 ) ( الحج 34 : 35 ) ( ابراهيم 31 ) ( فاطر 29 : 30 )( الشورى 36 : 39 )( الرعد 19 : 25 )( البقرة 2 : 3 ) ( النمل 1 : 3 ) ( لقمان 2 : 5 ) ( الاعراف 170 ) ( البقرة 277 ) ( الانعام 92 ) ( الانفال 2 : 3 ) ( الحج 40 : 41 )
2 : فى ملة ابراهيم : ( ابراهيم 35 : 40 ) ( الأنبياء 73 ) ( الحج 78 )
3 : فى أهل الكتاب : ( طه 14 )( يونس 87 ) ( البقرة 43 ، 83 ) ( النساء 162 )( المائدة 12 ) ( البينة 4 : 5 ) ( البقرة 45 )
4 : اهل القرآن :
4 / 1 : نزل للمؤمنين فى مكة الأمر ليس بتأدية الصلاة لأنها معروفة ولكن بإقامة الصلاة التى تنهى عن الفحشاء والمنكر :( العنكبوت 45 ) ( الروم 30 : 32 )( هود 114 ) ( الاسراء 78 : 79 ) ( فاطر 18 ) ( الانعام 71 : 72 )
4 / 2 :ونزل فى المدينة : ( النور 56 ) ( البقرة 153 ، 177 ، 238 ) ( النساء 77 ) ( المجادلة 12 : 13 ) ( الأحزاب 33 ) ( المائدة 55 ) ( التوبة 71 ).
ثالثا: إقامة الصلاة بالاسلام السلوكى الظاهرى ، بالسلام :
1 ـ كل مسالم هو إنسان مسلم بغض النظر عن عقيدته .
2 ـ ومن الصحابة من كان مسلما من حيث إختيار السلام ومؤمنا من حيث إختيار الأمن والأمان . دخلوا فى صحبة النبى وهاجروا معه ، ونزلت آيات فى السور المدنية تدعوهم الى أن يعززوا إيمانهم السلوكى ( بمعنى الأمن والأمان ) بإيمان قلبى بأنه ( لا إله إلا الله ) . جاء هذا فى قوله جل وعلا لهم :
2 / 1 : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّـهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴿١٣٦﴾ النساء )
2 / 2 :( آمِنُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴿٧﴾ وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ ۙ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿٨﴾ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚوَإِنَّ اللَّـهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿٩﴾الحديد )
3 / كانوا عاكفين على عبادة الأوثان متمتعين بالحرية المطلقة فى الدين فى دولة النبى محمد الاسلامية ، والتى تمتع فيها المنافقون أيضا بحريتهم الدينية والسياسية ( السلمية ) نزلت آيات مدنية تدعوهم لنبذ الرجس من الأوثان ، قال لهم جل وعلا :
3 / 1 : ( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴿٣٠﴾ الحج )
3 / 2 : لم يستجيبوا ، وظل هذا ساريا ، فكان من أواخر ما نزل فى المدينة قوله جل وعلا لهم : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٩٠﴾ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّـهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ﴿٩١﴾ وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴿٩٢﴾ المائدة )
4 ـ إذا كان هذا هو حال بعض الصحابة فى المدينة فالحال خارجها أكبر. بمعنى أن الاستجابة للاسلام القلبى فى الجزيرة العربية لم تكن هائلة . هذا بينما كانت الاستجابة للاسلام السلوكى عامة ، إذ دخل فى الاسلام السلوكى بمعنى السلام والأمن والأمان العرب أفواجا . قال جل وعلا فى أواخر ما نزل من القرآن عن النصر والفتح : (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّـهِ وَالْفَتْحُ ﴿١﴾ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّـهِ أَفْوَاجًا ﴿٢﴾ النصر ). النبى محمد لم ير قلوب الذين دخلوا فى دين الله جل وعلا أفواجا ، فهو لم يكن يعلم الغيب وخصوصا غيب ما تخفيه الأنفس ، فقد كان من أصحابه من مرد على النفاق ، ولم يكن يعلمهم ئئئئز قال جل وعلا : ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴿١٠١﴾ التوبة ) ؟ لم ير النبى محمد الاسلام القلبى ولكن رأى الاسلام الظاهرى السلوكى . رآهم يدخلون أفواجا فى الاسلام بمعنى السلام. آثروا العيش فى سلام ونبذ الغارات والحروب القبلية ( نسبة للقبيلة ) .
5 ـ دخولهم فى السلام ( دين الله جل وعلا السلوكى ) جعلهم متمتعين بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة السلوكية . فهناك (إقامة للصلاة وإيتاء للزكاة قلبيا وسلوكيا ) وتعرضنا لها سابقا ، وهنا إقامة للصلاة وإيتاء للزكاة سلوكيا وظاهريا بإختيار السلام والأمن وعدم الإعتداء.
6 ـ بعد أن دخل العرب فى دين الله جل وعلا أفواجا وعقدوا العهود والمواثيق على إلتزام السلام نكث العهد متطرفون من قريش ، إعتدوا على المؤمنين فى مكة وهمُّوا بإخراج النبى والمؤمنين ، وهذا ضمن المسكوت عن تفصيلاته فى أول كتاب للسيرة وضعه محمد بن إسحاق تقربا لبنى العباس ، بما يوحى أن من الناكثين للعهد من كانت ذريته صاحبة سلطان وقت تأليف ابن إسحاق لسيرته التى ملأها بأكاذيب جعل فيها شخصية للنبى تخالف القرآن وتتشابه مع شخصية أبى جعفر المنصور المشهور بالغدر والاسراف فى سفك الدماء.
جاءت تفصيلات نكث العهد هذا فى صدر سورة براءة ، وكما يدل إسم السورة فقد بدأت ببراءة الله جل وعلا ورسوله فى لهجة شديدة ، قال فيها جل وعلا : ( بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١﴾فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّـهِ ۙ وَأَنَّ اللَّـهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ﴿٢﴾ وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّـهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ ۚفَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّـهِ ۗ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٣﴾ التوبة ) . لم تبدأ السورة بالبسملة التى توحى بالرحمة بل بإنذار وإعطائهم مهلة الأشهر الألاربع الحرم الأربعة يتوبون فيها ، فإن لم يتوبوا بعد الأشهر الحرم فيجب على النبى والمؤمنين قتالهم بكل ما يستطيعون ، قال جل وعلا : (فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٥﴾ التوبة ). وكان نكثهم للعهد ذا أثر هائل أغاظ المؤمنين المسالمين ، لذا قال جل وعلا فى تحريض المؤمنين على قتالهم : ( قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّـهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ﴿١٤﴾ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ اللَّـهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿١٥﴾ التوبة ) .
7 ـ ومع هذا :
7 / 1 : فإن الجندى المعتدى منهم إذا إستجار فيجب على المؤمنين إجارته وضمان سلامته ، وإسماعه القرآن الكريم ثم إلرجاعه الى مأمنه . ( وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّـهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ ﴿٦﴾ التوبة )
7 / 2 : إن تابوا ورجعوا الى السلام أو الاسلام السلوكى فقد عادوا الى دين الله الذى دخل فيه الناس أفواجا ، ويكونون بهذا قد حققوا ( ظاهريا وسلوكيا ) إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ويجب تخلية سبيلهم ، قال جل وعلا : ( فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٥﴾)( فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿١١﴾ التوبة ).
رابعا : الحكم للبشر فى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة سلوكيا
1 ـ عرفنا إن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة سلوكيا تعنى الإلتزام بالسلام ونبذ الاعتداء على الغير.
2 ـ ليس للبشر الحكم على إقامة الصلاة قلبيا فذلك مرجعه لله جل وعلا يوم الدين وهو الذى يحكم على البشر بهذا الخصوص . ولكن للبشر الحكم على الاسلام الظاهرى السلوكى طبقا للتصرفات . فالذى يبغى ويقتل ويقاتل معتديا يكون كافرا بسلوكه وبغيه . فإذا تاب عن البغى والعدوان وعاد الى طريق السلام فقد أصبح أخا فى دين الله بمعنى السلام . ولهذا نزلت التشريعات الاسلامية صالحة للتطبيق حسب تصرفات البشرية الظاهرة .
3 ـ ينطبق هذا على أولئك المعتدين الذين نزلت فيهم آيات تشريع بخصوصهم فى سورة التوبة ، قال جل وعلا عنهم : ( لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ﴿١٠﴾ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿١١﴾ التوبة ). هم المعتدون أى الكافرون سلوكيا والمشركون سلوكيا. وهذا وصفهم فى الآيات الثلاث الأولى من السورة . ولكن إذا تابوا عن الإعتداء أصبحوا أخوة فى الاسلام السلوكى الذى به تتأسس المواطنة فى الدولة الاسلامية ، ويتمتع فيها المواطنون بالحرية الدينية المطلقة والحرية السياسية المطلقة تحت مظلة السلام ، وهو الاسلام السلوكى. وبهذا الاسلام السلوكى الظاهر يكون المعتدى حربيا على المواطنين المسالمين فى الداخل محاربا لله جل وعلا ورسوله ، ونزلت فيهم عقوبة الحرابة ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴿٣٣﴾ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٣٤﴾ المائدة ) . أما الذى يعتدى على الدولة من الخارج فيجب على المؤمنين القتال الدفاعى ردا على هذا المعتدى .
خامسا : تشريعات القتال الدفاعى فى الاسلام
1 ـ دولة الاسلام مؤسسة على الاسلام بمعنى السلام ، والدعوة فيها أن يدخل الناس فى السلم كافة : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴿٢٠٨﴾ البقرة )
2 ـ وقد عرضنا كثيرا لتشريعات الاسلام الدفاعية ، ومنها:
2 / 1 : أن القتال فى سبيل الله هو الدفاعى فقط ، لأن الله جل وعلا لا يحب المعتدين ، قال جل وعلا : ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴿١٩٠﴾ البقرة ) .
2 / 2 : وأن المؤمنين المسالمين حين يتعرضون لهجوم باغ معتد عليهم أن يدعو الله جل وعلا أن ينصرهم على المعتدين الكافرين قائلين : ( أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴿٢٨٦﴾ البقرة ) . فالكافرون سلوكيا هم الذين يشنُّون حربا هجومية على قوم مسالمين لم يبدأوهم بالاعتداء .
2 / 3 : ردُّ الاعتداء على هذا الهجوم يتوقف بتوقف الهجوم : (فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿١٩٢﴾ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّـهِ ۖ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ﴿١٩٣﴾ البقرة ) . بل يمنح الله جل وعلا المغفرة للكافرين المعتدين إذا تابوا عن إعتدائهم زكفوا عنه ، قال جل وعلا : ( اقُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ ﴿٣٨﴾ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّـهِ ۚ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّـهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴿٣٩﴾ لأنفال ). هذا مع القوم المعتدين المهاجمين .
2 / 4 : أما الدولة التى لم تشنُّ على المسلمين حربا ولم تخرجهم من ديارهم ولم تظاهر وتؤيد إخراجهم من ديارهم فيجب على المؤمنين التعامل معهم بالبر وبالقسط . قال جل وعلا : ( لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿٨﴾ الممتحنة )
3 ـ وفى هذا كله يكون قتل الانسان المُسالم جريمة فظيعة .
3 / 1 : إذ لا يمكن التصور إسلاميا أن يقتل مسلم مسالما إنسانا مُسالما إلا عن طريق الخطا. وإذا حدث فعليه دية مغلّظة ، قال جل وعلا : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ) ﴿٩٢﴾ النساء )
3 / 2 : أما الذى يتعمد قتل مؤمن مسالم فمصيره الخلود فى النار مع اللعنة والغضب الالهى والعذاب العظيم ، قال جل وعلا فى ألاية التالية : ( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّـهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴿٩٣﴾ النساء )
3 / 3 : يسرى هذا على الجندى فى جيش معتد وفى أرض المعركة، إذا ألقى هذا الجندى السلام ( شعار الاسلام السلوكى ) عندها يجب حقن دمه ، قال جل وعلا فى الآية التالية ينهى ويحذّر : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّـهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّـهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴿٩٤﴾ النساء ).
سادسا : بالتالى :
1 ـ دولة الاسلام السلمية تطبق هذا فى تعاملها مع غيرها. تتعامل بالبر والقسط من لم يعتد عليها . ولا يمكن أن تعتدى على دولة أخرى ، وفى داخلها لا يمكن السماح بقتل إنسان مؤمن مسالم. ومن يخرج على هذه الدولة من داخلها فجزاؤه ما نزل فى سورة المائدة ( آية 33 : 34 ).
2 ـ بالتالى فالدولة الكافرة هى التى تشنُّ هجوما باغيا على دولة أخرى لم تقم تلك الدولة بالاعتداء عليها.
3 ـ تلك الدولة الكافرة نوعان :
3 / 1 : دولة علمانية تهاجم دولا أخرى بلا شعار دينى ، وهذا ما كانت قبائل العرب تفعل فى غاراتها على بعضها بلا شعارت دينية. وهذا ما فعله سفاكو الدماء فى تاريخ العالم من جنكيزخان الى هتلر وستالين ..الخ .. هنا ظلم للناس فقط .
3 / 2 : دولة ترفع إسم الله ودينه الاسلامى وهى تعتدى على دول أخرى تقتل المدافعين عنها وتسبى نساءهم وأطفالهم وتنهب كنوزهم وتستبقى الفلاحين والعوام لتسترقهم فى العمل وترغمهم على دفع الجزية والخراج . وتحتل بلادهم ، ثم بسبب الاختلاف على المسروقات يتقاتلون فيما بينهم ، وينشرون فى كل ما يفعلون الفساد فى الأرض .
3 / 3 : وهذا ما بدأه الخلفاء الفاسقون ( أبو بكر وعمر وعثمان وعلى ) . فى إستغلالهم للإسلام العظيم لم يظلموا فقط مئات الملايين بل ظلموا رب العالمين . وسار على سنتهم اللاحقون . ولا يزالون .! الخلفاء الفاسقون أشرُ من هتلر وستالين .!
سابعا : صلة موضوع الصلاة بتشريعات القتال الاسلامية :
1 ـ هناك الصلاة الاسلامية التى هى ضمن العبادات الاسلامية وسيلة للتقوى ، قال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿٢١﴾ البقرة ).
2 ـ إقامة هذه الصلاة الاسلامية تعنى أن يجتنب المؤمن الفحشاء والمنكر : (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّـهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴿٤٥﴾ العنكبوت ).
3 ـ صلاة الخلفاء الفاسقين كانت تحثهم على الفحشاء والمنكر ، وتجعلهم يهتفون ( الله أكبر ) وهم يرتكبون البغى والعدوان ويسبون النساء وينهبون الأموال . وهم لم يتذكروا قول الله جل وعلا : ( إنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿٩٠﴾ النحل ) . وعظهم الله جل وعلا لعلهم يتذكرون ، فلم يتذكروا . ليس هذا مجرد تضييع للصلاة ، هو أفظع .!
ثامنا : هناك أنواع من تضييع الصلاة :
1 : هناك من وصفهم رب العزة بالمكذبين بالدين الذين يسيئون معاملة اليتيم ولا يحضون على طعام المسكين ، وهم بذلك عن الصلاة التى يصلونها ساهون ، اضاعوها بهذا بل وكانوا يؤدون الصلاة رياءا . لذا توعدهم رب العزة جل وعلا بالويل. قال جل وعلا : ( أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴿١﴾ فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴿٢﴾وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴿٣﴾ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ﴿٤﴾ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴿٥﴾ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ﴿٦﴾ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴿٧﴾ الماعون ).
2 : هناك من العرب القرشيين من كان يصُدُّ عن المسجد الحرام ومع هذا يؤدون الصلاة ، وصفها رب العزة بالمُكاء والتصدية ، قال جل وعلا يتوعدهم بالعذاب : ( وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّـهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ۚ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴿٣٤﴾ وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ۚ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿٣٥﴾ الانفال )
3 : هناك من اضاع صلاته بالمعاصى وإتباع الشهوات وتوعدهم الله جل وعلا بالعذاب إن لم يتوبوا ، قال جل وعلا عن الأجيال اللاحقة : ( فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴿٥٩﴾ إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ﴿٦٠﴾ مريم )
4 ـ نحن هنا أمام وضع فريد فى جنون العصيان أسّسه الخلفاء الفاسقون : إنها ما نسميه بالصلاة الشيطانية ، وهى أن تتعبد بالصلاة وتتديّن مستغلا دين الله جل وعلا وإسم الله جل وعلا فى البغى والعدوان بقتل الملايين ونهب الشعوب وإحتلال البلاد والسبى والإسترقاق للصغار والكبار. نتذكر أن قتل مؤمن مسالم واحد يعنى الخلود فى النار مع غضب الله جل ولعنته فكيف بقتل الملايين ؟، ثم كيف بقتلهم بشعار الاسلام إفتراءا على الله جل وعلا ورسوله ؟ كل المطلوب أن تتهم الغير بالكفر وتستحل دماءهم وأموالهم وأعراضهم وتجعل ذلك دين الله جل وعلا.! ترتكب كل هذا الفجور وأنت تصلى الصلوات الخمس وأنت تهتف ( الله أكبر ) .
5 ـ المعبود الأكبر لهم ليس رب العزة جل وعلا بل هو المال الذى تأتى بالحرب وسفك الدماء ، وفى سبيل معبودهم الأكبر يؤدون الصلاة . من حيث الشكل هى الصلاة الاسلامية ( فى الأغلب بسبب وجود تحريفات لاحقة ) ومن حيث المضمون هى وسيلة ليس للتقوى ولكن للحث على البغى والعدوان والفساد والظلم .
أخيرا : فى الفصول القادمة نتتبع الصلاة تاريخ الخلفاء بإستغلالها فى الإثم والعدوان مع تأديتها بنفس المعهود من توقيتها وكيفيتها .

الفصل الثانى : الدين الشيطانى للخلفاء الفاسقين : حرب الردة والفتوحات
مقدمة :
1 ـ دين الخلفاء الفاسقين يناقض دين رب العالمين . يقوم دين رب العالمين على السلام والايمان بالله جل وعلا واليوم الآخر ، وبه تكون إقامة الصلاة تقوى وخشوعا والجهاد فى سبيله إبتغاء مرضاته . أما دين الخلفاء الفاسقين ومن تبعهم ومن خرج عليهم فإلاههم الأكبر هو المال ، وللحصول عليه يؤدون الصلاة ويؤمنون بالاستحلال ؛ إستحلال الدماء والأموال والأعراض وإحتلال البلاد.
2 ـ نبدأ هنا بلمحة قرآنية عن طوائف الصحابة وهم فى المدينة حول النبى محمد عليه السلام. ثم بعدها مع لمحة تاريخية عنهم فى عصر الخلفاء الفاسقين بعد موت خاتم النبيين.
أولا : دعوة الجهاد فى سبيل الله جل وعلا تأتى مقرونة بالايمان بالله واليوم الأخر
1 ـ النفس والمال هما أحرص ما يحرص عليه الانسان فى حياته الدنيا . المؤمن بالله جل وعلا يعلم إن حياته المؤقتة فى هذه الدنيا الفانية هى فرصته ليفوز بالخلود فى الجنة . ولهذا فهو يبادر بالتضحية بحياته وماله فى سبيل الله جل وعلا .
2 ـ لذا إحتوى خطاب الدعوة للقتال فى سبيل الله جل وعلا على أن الجنة تنتظر من يجاهد صابرا فى سبيله جل وعلا . قال جل وعلا : ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّـهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴿١٤٢﴾ آل عمران )
3 ـ وبعضهم كان يتثاقل عن الخروج دفاعا عن المدينة ، قال جل وعلا يلومهم على إيثارهم الحياة الدنيا الفانية على الخلود فى الجنة : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴿٣٨﴾ التوبة ) وأوضح لهم رب العزة جل وعلا أن القتال الاسلامى هو الخير لهم لو كانوا يعلمون : ( انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٤١﴾ التوبة ).
4 ـ وجاء الخطاب الالهى لهم فى شكل صفقة تجارية بالبيع والشراء . بيع الدنيا وشراء جنة الآخرة . قال جل وعلا :
4 / 1 : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿١٠﴾ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿١١﴾ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١٢﴾ وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّـهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٣﴾ الصف )
4 / 2 : ( إِنَّ اللَّـهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚيُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّـهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١١١﴾ التوبة ).
5 ـ القتال الدفاعى فى الاسلام هو رد الاعتداء بمثله بلا أى تجاوز ، قال جل وعلا : ( الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّـهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴿١٩٤﴾ البقرة ) . ولكن هذا القتال الدفاعى يستوجب تكلفة مالية ، أو الإنفاق فى سبيل الله ، لذا جاءت الآية التالية تحث عليه لأنه بدونه تكون التهلكة على يد عدو لا يرقب فى مؤمن إلّا ولا ذمّة . قال جل وعلا : ( وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛوَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿١٩٥﴾ البقرة ).
6 ـ وتكررت الدعوة الى الإنفاق فى سبيل الله جل وعلا بصورة غاية فى التأثير:
6 / 1 : تجعله إقراضا لرب العزة الغنى الحميد. قال جل وعلا : ( مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّـهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّـهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٢٤٥﴾ البقرة ) ( مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّـهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴿١١﴾ الحديد )( إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّـهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴿١٨﴾ الحديد )( وَأَقْرِضُوا اللَّـهَ قَرْضًا حَسَنًا ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّـهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّـهَ ۖ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٢٠﴾ المزمل ).
6 / 2 : وتحذّر المؤمنين من الندم حين يأتى الأجل ويتمنّى أحدهم أن يعود ليتبرع بالمال فى سبيل الرحمن جل وعلا : ( وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴿١٠﴾ وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّـهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ۚ وَاللَّـهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿١١﴾ المنافقون )
ثانيا : تطبيق الصحابة لهذه الأوامر الالهية
1 ـ فى بداية سورة البقرة ( المدنية ) اشار رب العزة الى أن البشر ثلاثة أصناف :
1 / 1 : المتقون : ( ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴿٣﴾وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿٤﴾ أُولَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٥﴾)
1 / 2 : الكافرون الصُّرحاء : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴿٦﴾ خَتَمَ اللَّـهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖوَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٧﴾).
1 / 3 : المنافقون :
1 / 3 / 1 : وصفهم رب العزة بأنهم يزعمون الايمان بالله جل وعلا وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين : ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّـهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴿٨﴾ يُخَادِعُونَ اللَّـهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿٩﴾فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّـهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴿١٠)﴾ .
1 / 3 / 2 : وذكر رب العزة جل وعلا جانبا من مكرهم وقلبهم الحقائق :( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴿١١﴾ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ ﴿١٢﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ ﴿١٣﴾ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴿١٤﴾ اللَّـهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿١٥﴾ البقرة ) .
1 / 3 / 3 : وقال جل وعلا عن خداعهم : ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّـهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّـهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿١٤٢﴾ النساء ).
2 ـ وتنوعت إستجابة الصحابة حسب الايمان والتقوى والكفر والنفاق :
2 / 1 : الصحابة المتقون الصادفون فى إيمانهم . منهم مهاجرون تركوا أموالهم وبيوتهم وهاجروا فى سبيل الرحمن جل وعلا ، وفى المدينة وجدوا من أهل المدينة من أكرمهم وأثرهم على أنفسهم حتى لو كانوا فقراء ذوى خصاصة. قال جل وعلا يصف أوائك الصحابة المهاجرين الصادقين : ( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّـهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَـٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴿٨﴾ الحشر ) ,فى الآية التالية قال جل وعلا عن الصحابة الأنصار الصادقين : ( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٩﴾ الحشر )
2 / 2 : مصطلح ( صاحب ) فى القرآن يعنى الصُّحبة فى نفس الزمان والمكان. بالتالى كان كفار العرب الذين عاشوا فى عصر النبى وتعاملوا معه هم ضمن أصحابه . وقد كانوا يهاجمون المؤمنين بعد الهجرة حتى فى الأشهر الحُرُم ، وتحرّج بعض المؤمنين من القتال الدفاعى فى الشهر الحرام ، وسألوا النبى فنزل قوله جل وعلا : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّـهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٢١٧﴾ البقرة ). هنا تاكيد إلاهى أن أولئك سيستمرون فى الهجوم الحربى حتى يردوا المؤمنين المسالمين عن دينهم. وأن الذى يرتد عن الاسلام ويموت كافرا فمصيره الخلود فى النار. ( هنا دليل على ان من يرتد يظل حيا حتى موته ، اى ليس هناك : حدّ الرّدّة ).!
3 ـ الصحابة المنافقون :
3 / 1 : كانوا يرفضون القتال الدفاعى .قال جل وعلا عنهم :( وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّـهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ ﴿٨٦﴾ التوبة )
3 / 2 : فى الإنفاق المالى :
3 / 2 / 1 : كانوا يقبضون أيديهم عن الإنفاق فى سبيل الله.قال جل وعلا عنهم :( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نسُوا اللَّـهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿٦٧﴾ التوبة )
3 / 2 / 2 : كانوا يتزعمون حملة لمنع التبرعات ، قال جل وعلا عنهم :( هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّـهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا ) ﴿٧﴾ المنافقون )
3 / 2 / 3 : كانوا يسخرون ممّن يتطوع بماله من المؤمنين الأتقياء ، قال جل وعلا :( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّـهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴿٧٩﴾ التوبة )
ثالثا : عقد مقارنات :
1 ـ بين المتقين والكافرين :
لا يخلو المشركون من أعمال صالحة ، وكذلك كان كفار قريش ، وكانوا يعتقدون أن أن سقايتهم للحجاج وتعمير البيت الحرام بالبناء والتشييد يرفع مكانتهم عند الله جل وعلا ، كما هو الحال مع الأسرة السعودية الآن. قال جل وعلا يعقد مقارنة بينهم وبين المؤمنين المتقين المجاهدين فى سبيل الله جل وعلا بأموالهم وأنفسهم: ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ ۚ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّـهِ ۗ وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿١٩﴾ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّـهِ ۚ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴿٢٠﴾ التوبة )
2 ـ بين المتقين والمنافقين :
2 / 1 : فى حصار الكفار للمدينة فى موقعة الأحزاب وعد الله جل وعلا أهل المدينة بالنصر . وتباينت مواقف المؤمنين الصادق والمنافقين .
2 / 1 / 1 : عن المنافقين قال جل وعلا : ( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّـهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴿١٢﴾ وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ﴿١٣﴾ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا ﴿١٤﴾ وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّـهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ ۚوَكَانَ عَهْدُ اللَّـهِ مَسْئُولًا ﴿١٥﴾ الاحزاب ) .
2 / 1 / 2 : وقال جل وعلا عن موقف المؤمنين المتقين :(وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴿٢٢﴾ِّ منَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّـهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴿٢٣﴾ الاحزاب )
2 / 2 : فى موقعة ذات العسرة والتى كانت وقت قيظ شديد تباينت المواقف :
2 / 2 / 1 : كان هناك منافقون يستأذنون النبى فى التخلف عن القتال وهم كاذبون ، ويحلفون كذبا يهلكون أنفسهم ، عنهم قال جل وعلا : ( لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّاتَّبَعُوكَ وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ۚوَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّـهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿٤٢﴾ التوبة )، بعدها عاتب رب العزة النبى محمدا على قبول إعتذارهم الكاذب ، فقال له : ( عَفَا اللَّـهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ﴿٤٣﴾ التوبة ).
2 / 2 / 2 : بعدها قال جل وعلا فى المقارنة بينهم وبين المؤمنين : ( لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۗوَاللَّـهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴿٤٤﴾ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴿٤٥﴾ التوبة )
2 / 3 : وفى مقابل أولئك المنافقين قال جل وعلا عن النبى والمؤمنين : ( لَـٰكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ وَأُولَـٰئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ ۖ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٨٨﴾ التوبة ) وقال جل وعلا عن مثوبتهم : (أَعَدَّ اللَّـهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿٨٩﴾ التوبة ).
2 / 4 : كان هناك مؤمنون متقون تمنعهم ظروف قهرية من الجهاد فى سبيل الله جل وعلا بالنفس والمال ، قال جل وعلا : ( لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّـهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ۚ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٩١﴾ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ ﴿٩٢﴾ التوبة ) فى المقابل قال جل وعلا عن المنافقين الذين يستأذنون وهم أصحّاء أغنياء : ( إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ ۚ رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّـهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴿٩٣﴾التوبة)
رابعا : لا إجبار ولا إكراه فى الجهاد :
1 ـ هو عمل تطوعى يقوم به من يؤمن بالله جل وعلا واليوم الآخر . وعقاب من يتخلف هو حرمانه من شرف الجهاد بالنفس والمال ، وينتظره العذاب الأليم فى الآخرة.
2 ـ عن المنافقين الرافضين للجهاد فى سبيل الله جل وعلا بأموالهم وأنفسهم قال جل وعلا : ( فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّـهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴿٨١﴾ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿٨٢﴾ التوبة ) . عقابهم هو حرمانهم متقبلا من شرف الجهاد الاسلامى ، ثم عذاب أليم فى الآخرة . قال جل وعلا : ( فَإِن رَّجَعَكَ اللَّـهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ۖإِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ ﴿٨٣﴾ وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴿٨٤﴾ وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴿٨٥﴾ التوبة ).
3 ـ وليست تبرعاتهم المالية مقبولة ، وينتظرهم عذاب أليم فى الآخرة ، قال جل وعلا : ( قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ۖ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴿٥٣﴾ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّـهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴿٥٤﴾ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴿٥٥﴾ التوبة )
4 ـ : بل كان بعضهم يأمر بالبخل تحديا لرب العزة جل وعلا . قال جل وعلا :
4 / 1 : ( الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّـهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴿٢٤﴾ الحديد )
4 / 2 : وتوعدهم رب العزة جل وعلا بأن يهلكهم فى الدنيا ويستبدل بهم قوما آخرين . قال جل وعلا : ( هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّـهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم ﴿٣٨﴾ الحديد )
4 / 3 :وتوعدهم رب العزة جل وعلا بالعذاب فى الآخرة . قال جل وعلا :
4 / 3 / 1 : ( وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖسَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّـهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿١٨٠﴾ آل عمران )
4 / 3 / 2 : ( الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ﴿٣٧﴾ النساء )
5 ـ وعن الذين كانوا يسخرون ممّن يتطوع بماله من المؤمنين الأتقياء ، قال جل وعلا: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّـهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ ۗ وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿٨٠﴾ التوبة ) .
خامسا : النوع الأخطر من المنافقين :
1 ـ أولئك المنافقون فضحوا أنفسهم بأقوالهم وأفعالهم ونزل القرآن الكريم يخبر بأمرهم. الأخطر هم الذين مردوا على النفاق ، إذ لم يصدر منهم قول أو فعل ينبىء ويشير ويشى بما فى قلوبهم من كُفر ،وبالتالى أحاطوا بالنبى محمد ، وكانوا الأقرب اليهم ، ومنهم مهاجرين بعثت بهم قريش جواسيس حول النبى ليختطفوا ( الاسلام ) حين تُتاح لهم الفرصة فيستغلونه لصالح قريش . وهم الذين أصبحوا ( الخلفاء الراشدين ) ومن تبعهم . قال عنهم رب العزة جل وعلا : ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴿١٠١﴾ التوبة ). أنبأ رب العزة مقدما أنهم لن يتوبوا عن كفرهم بل سيرتكبون عظائم الكبائر بحيث سيستحقون عليها عذابا دنيويا مرتين ، ثم عذاب عظيم فى الآخرة . ونرجو الرجوع الى كتابنا عن المسكوت عنه من تاريخ الخلفاء الراشدين ، وهو منشور هنا ، وفيه التفصيل.
2 ـ أولئك الخلفاء الفاسقون هم الذين ذكرهم التاريخ ، بينما أهمل التاريخ المؤمنين الصادقين السابقين بعملهم وبإيمانهم . إذ يكفيهم الخلود فى الجنة ، قال جل وعلا عنهم : ( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّـهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١٠٠﴾ التوبة )
سادسا : لا ننتظر من التاريخ أن يذكر أولئك الصحابة المؤمنين الصادقين . لماذا ؟:
1 : لا يهتم التاريخ بالفقراء المغمورين . منهم من لم يكن ثريا غنيا أو صاحب جاه. يكفى وصف رب العزة جل وعلا لهم : ( لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّـهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ۚ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٩١﴾ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ ﴿٩٢﴾ التوبة )
2 : العادة أن ( عباد الرحمن ) لا يتصدرون المواكب ، ولذا لا تطفو أخبارهم الى التسجيل التاريخى ، قال جل وعلا : ( وَعِبَادُ الرَّحْمَـٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴿٦٣﴾ الفرقان ).
3 / 3 : وهم أبعد الناس عن الصراع على ( العُلُوّ ) فى الدنيا وحطامها الزائل. قال جل وعلا عن المتقين أصحاب الجنة : (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴿٨٣﴾ القصص ).
4 ـ فى المقابل نعيد التذكير بقوله جل وعلا عن مشاهير التاريخ بعد موت خاتم النبيين : ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴿١٠١﴾ التوبة ).
4 ـ نعيش مع تاريخهم المكتوب فى الحلقة القادمة.

مقارنة بين دين الرحمن ودينهم الشيطانى فى حرب الردة :
1 ـ ابو بكر حاربهم لأنهم طالبهم بدفع الصدقات فرفضوا ، فقال كلمته المشهورة التى ارودها الطبرى : ( لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه ).
2 ـ عرفنا أن الله جل وعلا جعل تقديم الصدقة والانفاق عملا تطوعيا لا إلزام فيه ، بل منع النبى محمدا من قبول نفقات المنافقين. المنافقون كانوا لا يعترفون بذنوبهم بل يصممون عليها يتخذون الحلف الكاذب برب العزة وسيلة. ( المنافقون 1 : 6 ) . وهناك صحابة مؤمنون إعترفوا بذنوبهم فأمرهم رب العزة جل وعلا أن يقدموا صدقة تطهرهم مقابل أن يستغفر لهم النبى ( التوبة 102 : 104 ).
3 ـ وعرفنا أن العرب دخلوا أفواجا فى الاسلام السلوكى بمعنى السلام والأمن ، وأن إختيارهم السلام ونبذ الحرب وإحترام العهود والمواثيق تعنى إقامتهم الصلاة وإيتاءهم الزكاة سلوكيا وظاهريا . وهذا هو الذى للبشر الحكم عليه . أما من حيث الايمان القلبى وتزكية النفس بالتقوى ( أى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة قلبيا ) فهذا مرجعه لرب العزة جل وعلا يحكم به على البشر جميعا. بالتالى فإن العرب الذين دخلوا فى الاسلام السلوكى أفواجا فوجئوا بنظام حكم جديد يتسلط عليهم ويأمرهم بدفع الصدقات له ، وكانوا من قبل يتولون هم جمع الصدقات وتوزيعها. لذا رفضوا فأعلن ابو بكر الحرب عليهم .
4 ـ عرفنا أن الاسلام القلبى وما فيه من عبادات ليس فيه إلزام فى دولة الاسلام القائمة على الحرية المطلقة فى الدين وأنه لا إكراه فى الدين ، لأن الحساب فى حق الله جل ( فى الدين ) وعلا مؤجل الى ( يوم الدين ) . وعرفنا انه كان من الصحابة الموصوفين بالذين آمنوا من كان يعبد الأنصاب مع تكرار الأمر الالهى لهم بالإيمان القلبى . بالتالى فإن أبا بكر صادر هذه الحرية الدينية ، خصوصا فى موضوع الصدقات.
فى الفتوحات :
1 ـ عرفنا ان الله جل وعلا دعا المؤمنين فى الدخول فى السلم كافة وألّا يتبعوا خطوات الشيطان ( البقرة 208 ) وأنه جل وعلا حصر القتال فى الدفاع فقط وأن يكون قصاصا بالمثل ( البقرة 190 : 194 ) وأنه جل وعلا أمر بمعاملة من لا يعتدى على المسلمين بالبر والقسط ( الممتحنة 8 )، وأن من ينكث العهود السلمية كل مرة فعلى النبى أن يتعامل معهم بإستقامة ( الانفال 56 : 58 ) ، وأنه جل وعلا حرّم القتال والظلم فى الأشهر الحُرُم وإعتبر النسىء زيادة فى الكفر ( التوبة 36 : 37 )، والنسىء يعنى إستحلال شهر من الأشهر الحرم وتأجيله الى شهر آخر .
2 ـ أبو بكر فى دينه الشيطانى فعل عكس ذلك . بعد أن أخمد حركات الردة بصعوبة رأى ومعه قريش أنه لا بد من شغل الأعراب المرتدين بحرب خارجية تفاجأ بها الحكام من حوله . هذا يستدعى دينا جديدا بدأ أبو بكر بتطبيقه عمليا بالحديد والنار ، وهو أن يصف الأقوام الأخرين بالكفر ويستحل دماءهم واموالهم وأعرضهم ويحتل بلادهم . يقف على أبوابهم مستعدا للهجوم ، ويخيّرهم ــ أو بمعنى أصحّ ــ يرغمهم على قبول الاسلام او الجزية او الحرب . هو يعلم أنه يتعامل مع أمم قوية لا ترضى بهذه الإهانة ، وقد إعتادت الاستهانة بالعرب ، بالتالى فلا بد من ان يدافعوا عن أوطانهم وكرامتهم. أى لا بد من الحرب ، وهى حرب بين عرب ( جوعى متلهفين على الثروة ويعتبرون حربهم دينا كما أفهمهم ابو بكر وقريش ) وبين أمم مترفة يحكمها مستبدون فاسدون.
3 ـ لذا كانت تأدية الصلاة فى مواقيتها وبكيفيتها أمرا ضروريا لإقناع العرب أنهم على الحق وأن الآخر هو كافر يستحلون دمه وماله وعرضه وبلاده.
4 ـ ونستشهد ببعض ما جاء فى الطبرى :
4 / 1 : يقول الطبرى عن حملة خالد : ( .. أن أبا بكر رحمه الله وجه خالد بن الوليد إلى أرض الكوفة وفيها المثنى بن حارثة الشيباني فسار في (المحرم) سنة اثنتي عشرة فجعل طريقه البصرة وفيها قطبة بن قتادة السدوسي ) أى سار خالد يغزو باسم ابى بكر فى شهر حرام هو شهر المحرم . واستمرت الحروب لا تعرف توقفا فى الشهور الحُرُم . والهدف هو إلاههم الأعظم : المال والكنوز .
4 / 2 : يذكر الطبرى أنه قبيل موقعة القادسية عام 14 قابل وفد من العرب كسرى ( فأذن لهم وأحضر الترجمان وقال له: سلهم ما جاء بكم وما دعاكم إلى غزونا والولوع ببلادنا؟ أمن أجل أننا تشاغلنا عنكم اجترأتم علينا؟ فقال لهم النعمان بن مقرن إن شئتم أجبت عنكم ومن شاء آثرته فقالوا بل تكلم ..فتكلم النعمان فقال إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولا يدلنا على الخير ويأمرنا به ويعرفنا الشر وينهانا عنه ووعدنا على إجابته خيرالدنيا والآخرة فلم يدع إلى ذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين فرقة تقاربه وفرقة تباعده ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث ثم أمر أن ينبذ إلى من خالفه من العرب وبدأ بهم وفعل فدخلوا معه جميعا على وجهين مكره عليه فاغتبط وطائع أتاه فازداد فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق ثم أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف فنحن ندعوكم إلى ديننا وهو دين حسن الحسن وقبح القبيح كله فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه الجزاء فإن أبيتم فالمناجزة فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله وأقمناكم عليه على أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم وإن اتقيتمونا بالجزاء قبلنا ومنعناكم وإلا قاتلناكم قال فتكلم يزدجرد فقال إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي فيكفونناكم لا تغزون فارس ولا تطمعون أن تقوموا لهم فإن كان عدد لحق فلا يغرنكم منا وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتا إلى خصبكم وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم فأسكت القوم فقام المغيرة بن زرارة بن النباش الأسيدي فقال أيها الملك إن هؤلاء رؤوس العرب ووجوههم وهم أشراف يستحيون من الأشراف وإنما يكرم الأشراف الأشراف ويعظم حقوق هذا الرجل كلامنا فتكلم النعمان فقال إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولا يدلنا على الخير ويأمرنا به ويعرفنا الشر وينهانا عنه ووعدنا على إجابته خيرالدنيا والآخرة فلم يدع إلى ذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين فرقة تقاربه وفرقة تباعده ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث ثم أمر أن ينبذ إلى من خالفه من العرب وبدأ بهم وفعل فدخلوا معه جميعا على وجهين مكره عليه فاغتبط وطائع أتاه فازداد فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق ثم أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف فنحن ندعوكم إلى ديننا وهو دين حسن الحسن وقبح القبيح كله فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه الجزاء فإن أبيتم فالمناجزة فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله وأقمناكم عليه على أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم وإن اتقيتمونا بالجزاء قبلنا ومنعناكم وإلا قاتلناكم قال فتكلم يزدجرد فقال إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي فيكفونناكم لا تغزون فارس ولا تطمعون أن تقوموا لهم فإن كان عدد لحق فلا يغرنكم منا وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتا إلى خصبكم وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم فأسكت القوم فقام المغيرة بن زرارة بن النباش الأسيدي فقال أيها الملك إن هؤلاء رؤوس العرب ووجوههم وهم أشراف يستحيون من الأشراف وإنما يكرم الأشراف الأشراف ويعظم حقوق الأشراف الأشراف ويفخم الأشراف الأشراف وليس كل ما أرسلوا به جمعوه لك ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه وقد أحسنوا ولا يحسن بمثلهم إلا ذلك فجاوبني لأكون الذي أبلغك ويشهدون على ذلك إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالما فأما ما ذكرت من سوء الحال فما كان أسوأ حالا منا وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات فنرى ذلك طعامنا وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم ديننا أن يقتل بعضنا بعضا ويغير بعضنا على بعض وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامنا فكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك فبعث الله إلينا رجلا معروفا نعرف نسبه ونعرف وجهه ومولده فأرضه خير أرضنا وحسبه خير أحسابنا وبيته أعظم بيوتنا وقبيلته خير قبائلنا وهو بنفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها أصدقنا وأحلمنا فدعانا إلى أمر فلم يجبه أحد قبل ترب كان له وكان الخليفة من بعده فقال وقلنا وصدق وكذبنا وزاد ونقصنا فلم يقل شيئا إلا كان فقذف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه فصار فيما بيننا وبين رب العالمين فما قال لنا فهو قول الله وما أمرنا فهو أمر الله فقال لنا إن ربكم يقول إني أنا الله وحدي لا شريك لي كنت إذ لم يكن شيء وكل شيء هالك إلا وجهي وأنا خلقت كل شيء وإلي يصير كل شيء وإن رحمتي أدركتكم فبعثت إليكم هذا الرجل لأدلكم على السبيل التي بها أنجيكم بعد الموت من عذابي ولأحلكم داري دار السلام فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق وقال من تابعكم على هذا فله مالكم وعليه ما عليكم ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية ثم امنعوه مما تمنعون منه انفسكم ومن أبى فقاتلوه فأنا الحكم بينكم فمن قتل منكم أدخلته جنتي ومن بقي منكم أعقبته النصر على من ناوأه فاختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر وإن شئت فالسيف أو تسلم فتنجي نفسك )
آثرنا نقل هذا النّص بكامله ، ومنه نفهم الآتى :
4 / 1 ـ إحتقار كسرى للعرب ودهشته من غزوهم بلاده ، ووصفه لهم بالجوع .
4 / 2 ـ كذبهم بأن الله جل وعلا قال ( .. وإن رحمتي أدركتكم فبعثت إليكم هذا الرجل لأدلكم على السبيل التي بها أنجيكم بعد الموت من عذابي ولأحلكم داري دار السلام فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق وقال من تابعكم على هذا فله مالكم وعليه ما عليكم ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية ثم امنعوه مما تمنعون منه انفسكم ومن أبى فقاتلوه فأنا الحكم بينكم فمن قتل منكم أدخلته جنتي ومن بقي منكم أعقبته النصر على من ناوأه )
4 / 3 ـ تخيير كسرى بين ( الاسلام ) أو ( الجزية ) أو ( الحرب ) . (فاختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر وإن شئت فالسيف أو تسلم فتنجي نفسك ).!. والنتيجة معروفة مقدما.
5 ـ أى نحن أمام دين شيطانى جديد يناقض الاسلام ، ويطبقه بالحديد والنار. والإله الأعظم فيه هو الثروة والمال . يقول الطبرى عن ( الدهاقين ) أى الذين كانوا يجمعون الأموال لكسرى: ( كان الدهاقين يتربصون بخالد وينظرون ما يصنع أهل الحيرة فلما استقام ما بين أهل الحيرة وبين خالد واستقاموا له أتته دهاقين ... فصالحوه على ما بين الفلاليج إلى هرمز جرد على ألفي ألف ..وأن للمسلمين ما كان لآل كسرى .. وضرب خالد رواقه في عسكره وكتب لهم كتابا : " بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من خالد بن الوليد لزاذ بن بهيش وصلوبا بن نسطونا : لكم الذمة وعليكم الجزية وأنتم ضامنون لمن نقبتم عليه من أهل البهقباذ الأسفل والأوسط ... على ألفي ألف ثقيل في كل سنة ... ) .
ثانيا : مقارنة بين المنافقين الذين فضحهم سلوكهم والذين مردوا على النفاق :
1 ـ المنافقون الظاهرون كانوا ساذجين عكس الماكرين الذين مردوا على النفاق وكتموا كفرهم وخدعوا النبى محمدا فكانوا الأقرب اليه فتولوا الأمر بعد موته ، وأحدثوا تغييرا هائلا على مستوى العالم ، ذكرهم التاريخ ولكن فى ميزان القرآن هم أكابر المجرمين ، وحق عليهم قول الرحمن جل وعلا : ( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿١٢٣﴾ الانعام )
2 ـ المنافقون الظاهرون لم يحملوا سلاحا ، وإكتفوا بالإيذاء القولى للنبى والامتناع عن القتال الدفاعى وعن التطوع بالصدقات . ومع أن من يموت منهم على نفاقه فمصيره فى الدرك الأسفل إلا إن من يتوب منهم توبة مقبولة سيكون ( مع المؤمنين ) . قال جل وعلا : ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ﴿١٤٥﴾ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّـهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّـهِ فَأُولَـٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ۖوَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّـهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿١٤٦﴾ النساء ). أما الذين مردوا على النفاق فقد أخبر رب العزة جل وعلا ــ وهو علّام الغيوب ــ أنهم لن يتوبوا وأنهم سيرتكبون جرائم يستحقون عليها العذاب الدنيوى مرتين ثم ينتظرهم فى الآخرة عذاب عظيم . قال جل وعلا عنهم : ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴿١٠١﴾ التوبة ).
3 ـ إذا كان المنافقون الظاهرون المسالمون فى الدرك الأسفل من النار ، فما هو مصير الخلفاء الفاسقين وأنصارهم ومعارضيهم الخارجين عليهم ، وقد بلغ بغيهم غايته ثم ألصقوا هذا البغى بالاسلام دين السلام والعدل والحرية والرحمة ؟
ثالثا : مقارنة بين الخلفاء الفاسقين والعرب الجاهليين
1 ـ العرب فى الجاهلية كانت تنشب بينهم الغارات طلبا للسلب والنهب والسبى . وعدا ذلك إشتهر ما يعرف ب ( أيام العرب ) وهى حروبهم المحلية ، ومنها : ( داحس والغبراء بين عبس وذبيان ) ( البسوس بين بكر وتغلب ) ( حليمة بين الغساسنة والمناذرة ) ( الفجار قريش وكنانة ضدغطفان وهوازن ). كانت حروبا ( علمانية ) بلا مزاعم دينية . ولهذا كانت تنتهى ويتم نسيانها . ثم كان ضحاياها بضع آلاف .
2 ـ حروب الخلفاء الفاسقين كانت عالمية ، وبها حازوا الكنوز والثروات وكونوا إمبراطوية ضخمة إمتدت ما بين حدود الصين الى جنوب فرنسا ، تضخّم عدد ضحاياهم من القتلى والسبى والاسترقاق ليصل الى ملايين . ووصل سفك الدماء الى الداخل فى حروب أهلية .
3 ـ لم يكن الخلفاء الفاسقون أول من أسس أمبراطوريات بالاحتلال والقتل والظلم ، ولكنهم يفترقون عن غيرهم بزعمهم أن هذا هو الاسلام . ترتب على هذا :
3 / 1 : تشويه الاسلام .
3/ 2 :الإستمرار فى هذا الظلم بعد أن إكتسب أرضية دينية وتكونت على أساسه أديان أرضية . المحمديون كرروا ويكررون ما فعله الخلفاء الفاسقون .
3 / 3 : الخلفاء الفاسقون هم شرُّ مكانا من المنافقين الذين هم فى الدرك الأسفل من النار. ومع ذلك فقد أصبحوا آلهة مقدسة لدى المحمديين، بدليل الرهبة التى يشعر بها القارىء حين نصفهم بالخلفاء الفاسقين . هذا مع أننا نستشهد بتاريخهم المكتوب ونحتكم فيه الى القرآن الكريم.
3 / 4 : فى دينهم الشيطانى حافظوا على ( تأدية الصلاة ) لتكون مبررا لهم ووسيلتهم فى إرتكاب الإستحلال والبغى والعدوان والإغتصاب والاسترقاق والسلب والنهب .

الفصل الثالث : ( التكفير ) فى الدين الشيطانى للخلفاء الفاسقين
التكفير وسيلتهم فى إستحلال الدماء والأموال والأعراض
أولا :
1 ـ حرّم الله جل وعلا قتل النفس إلا بالحق : جاء هذا ضمن الوصايا العشر (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّـهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿١٥١﴾الأنعام )، وتكرر فى قوله جل وعلا : (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّـهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا ﴿٣٣﴾الاسراء )
2 ـ أى لا يجوز قتل النفس إلا بالحق ، أى بالتشريع القرآنى الحق ، والله جل وعلا وصف القرآن الكريم بأنه الحق فى تنزيله وفى مضمونه ، قال جل وعلا : ( وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ۗ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴿١٠٥﴾ الاسراء ). وطبقا للتشريع الاسلامى فالمبرر الوحيد لقتل النفس هو القصاص . وهو فى حالتين :
2 / 1 : عقوبة القاتل ، وحتى هنا يمكن تفادى القتل قصاصا بتقديم الدية فى حالات تكون الدية بديلا عن القصاص جاء هذا فى قوله جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١٧٨﴾ البقرة ) هو تخفيف عما فرضه رب العزة جل وعلا على بنى اسرائيل : (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) (٤٥﴾ المائدة ).
2 / 2 : فى القتال الدفاعى ، وهنا يكون رد الإعتداء بمثله قصاصا دون تطرف ، فهذا ما يجب أن يراعيه المسلمون المتقون ، قال جل وعلا : ( الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّـهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴿١٩٤﴾ البقرة )
3 ـ وحتى فيما يسمى بالانتحار هو حرام فى الاسلام إلا إذا كان عن إضطرار قال جل وعلا : (وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴿٢٩﴾ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرًا ﴿٣٠﴾ النساء ).
ثانيا : أحوال البشر فى قتل النفس :
1 ـ المؤمنون عباد الرحمن يؤمنون بحُرمة قتل النفس . قال جل وعلا ضمن صفاتهم : (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّـهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّـهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴿٦٨﴾الفرقان ) . صفات عباد الرحمن تنطبق على الصحابة المسالمين السابقين عملا وتقوى ، والذين لم يذكرهم التاريخ .
2 ـ المجرمون العاديون يقتلون الآخرين ويقتلون حتى أنفسهم فى سبيل المال. وهم نوعان :
2 / 1 : صغار المجرمين من عصابات الإجرام ، تقتل الآخرين وتقاتل البوليس وتتقاتل فيما بينها. ويضحى أفرادها بحياتهم سعيا للمال والنفوذ الذى يأتى بالمال. ضحاياهم بالمئات والالآف .
2 / 2 : أكابر المجرمين ، وهم الحكام المستبدون الذين يعلون فى الأرض بالفساد والعدوان والمؤامرات ، وإذا وصل أحدهم للحكم يضطر للإستمرار فى القتل والتعذيب ليحمى نفسه وسلطانه . هم أكابر المجرمين الذين قال جل وعلا عنهم : (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿١٢٣﴾ الانعام ). نهاية مكرهم خسارة العرش بالقتل أو بالموت أو بالعزل ، ثم عذاب خالد فى السعير. أى هم لا يمكرون إلا بأنفسهم . أكابر المجرمين نوعان :
2 / 2 / 1 : مستبد يقنع بدولته ووطنه . مثل السادات ومبارك وأغلبية المستبدين قديما وحديثا . ضحاياهم من القتلى فى أوطانهم بمئات الألوف وربما بالملايين مثل الخمير الحمر ومستبد بروما الآن الذى يقتل المسلمين الروهينجا.
2 / 2/ 2 : مستبد لا يقنع بدولته وإنما يقيم إمبراطورية بالحروب الهجومية وإحتلال أوطان الآخرين . ضحاياهم بالملايين . هؤلاء المستبدون أكابر المجرمين أيضا نوعان :
2 / 2 / 2 / 1 : أباطرة علمانيون لا يزعمون أن ما يفعلونه دين ، ينطبق هذا على تحتمس الثالث ورمسيس الثانى وقيصر وجنكيزخان وهولاكو ، وهتلر وستالين وموسولينى .
2 / 2 / 2/ 2 : أباطرة يزعمون الخلافة الاسلامية عن الرسول عليه السلام ، ويزعمون أن ما يفعلونه هو دين الرحمن . وحروبهم مؤسسة على دين شيطانى يقوم بتكفير الآخر وإستحلال دمه وماله وبلده وعرضه . وحتى تكون حروبهم مبررة دينيا فلا بد من تأدية ( الصلاة ) . القتال هنا ليس فى سبيل الله جل وعلا بل فى سبيل (المال ) ، وفى سبيل هذا المال يتقربون بالصلاة ( الاسلامية ) من حيث الشكل ، يرجون أن ينصرهم الله على الآخر الذى يعتدون عليه. وبهذا جعلوا رب العزة ( وسيلة ) تقربهم زلفى لمعبودهم الأكبر ، وهو المال ، والنفوذ الذى يأتى بالمال.
2 / 2/ 2/ 3 : هؤلاء إعتبروا المسالمين الذين لم يعتدوا عليهم كفرة يجب غزوهم وإحتلال بلادهم وقتل أبطالهم المدافعين عن الوطن وأهله ، وإستحلال سلبهم ونهبهم وسبى نسائهم وذراريهم. ثم ينسبون هذا لرب العزة جل وعلا.
ثالثا : فى الدين الشيطانى للخلفاء الفاسقين
1 ـ الله جل وعلا جعل الاعتداء الباغى كفرا ، وجعل للبشر تحديد هذا بحسب السلوك الظاهر للغازى المعتدى الباغى . وأيضا فالشعب المُسالم هو الذى لم يعتد ولم يبدأ حربا على شعب مسالم. ولكن الخلفاء الفاسقين قلبوا الوضع ، هم الكفرة المعتدون الباغون ليس فقط على البشر ولكن على رب العزة الذى تمسحوا بدينه وشرعه وإسمه ليرتكبوا هذه الشناعات.
2 ـ تأدية الصلاة ( الاسلامية من حيث الشكل ) تغلّف تاريخ الخلفاء الفاسقين وخصومهم الخوارج . وهذا ما سنتعرض له لاحقا بالتفصيل . ولكن لأن الصلاة وسيلتهم فى عبادة معبودهم الأعظم ( المال ) فسنتوقف هنا مع معبودهم الأعظم وكيف صاغوا له عمليا عقيدة قتالية وعبادة من الصلاة والتكبير ( الله أكبر )، مما جعل الخلفاء الفاسقين ينتصرون ويرتكبون مذابح هائلة ويحوزون على الملايين من الكنوز ومئات الألوف من السبى .
3 ـ مجال البحث هو الفتوحات فى عصر الخلفاء الفاسقين أبى بكر وعمر وعثمان . والمصدر الأساس هو تاريخ الطبرى وما نقله عنه ابن الأثير فى تاريخه ( الكامل ) ، وفيه قام ابن الأثير بإنتقاء رواية واحدة من روايات الطبرى فى الموضوع الواحد وتخفّف من ذكر الاسنادات التى ذكرها الطبرى. والإشارات تأتى بين تفصيلات وسطور الروايات عن ( التكفير ) و ( الصلاة ) و ( التكبير ) و ( السبى والسلب ) . لذا تخفيفا على القارىء لن نذكر تفصيلات الرواية بكاملها ، ونكتفى بذكر ما جاء بين سطورها ما يخص الموضوع. ومن يشاء يمكنه الرجوع الى تاريخ الطبرى وتاريخ ابن الأثير ليتأكد مما ننقله .
4 ـ نبدأ بالتكفير وما يعنيه من إستحلال قتال من لم يقاتل العرب وخلفائهم الفاسقين . ننقل النصوص التاريخية ونتمنى أن يتعقلها القارىء :
رابعا : المدافعون عن بلادهم ضد الغزو العربى هم كافرون مشركون :
1 ( كان عمر إذا اجتمع إليه جيش من المسلمين أمر عليهم أميراً من أهل العلم والفقه، فاجتمع إليه جيش من المسلمين، فبعث عليهم سلمة بن قيس الأشجعي. فقال: سر باسم الله، قاتل في سبيل الله من كفر بالله، فإذا لقيتم عدوكم فادعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوا وأقاموا بدارهم فعليهم الزكاة وليس لهم من الفيء نصيب، وإن ساروا معكم فلهم مثل الذي لكم وعليهم مثل الذي عليكم، وإن أبوا فادعوهم إلى الجزية، فإن أجابوا فاقبلوا منهم وإن أبوا فقاتلوهم.. ).
هنا تشريع يضعه (عمر ) فى قتال من لم يقاتلهم . عمر يجعله ب ( إسم الله ) وفى سبيل الله . ويتهم من لم يعتد عليهم بالكفر . وقبل الهجوم عليه يدعونهم الى الاسلام وإلا دفع الزكاة وإلا فالجزية وإن أبوا فالقتال. هذا تشريع الخلفاء الفاسقين المناقض للقرآن الكريم . طبقا للقرآن فمن حق أصحاب البلاد أن يقاتلوا دفاعا عن بلادهم وأنفسهم من هذا الإعتداء ( الكافر ).
2 ـ أى كان وصف أصحاب البلاد بالمشركين لاستحلال دمائهم وأموالهم وأعراضهم وإحتلال بلادهم . ونعطى أمثلة من بين سطور الروايات :
2 / 1 :( وأتاهم الخبر أن الهرمزان قد لحق بتستر، فساروا نحوه وسار النعمان أيضاً وسار حرقوص وسلمى وحرملة وجزء فاجتمعوا على تستر وبها الهرمزان وجنوده من أهل فارس والجبال والأهواز في الخنادق، وأمدهم عمر بأبي موسى وجعله على أهل البصرة، وعلى الجميع أبو سبر، فحاصروهم أشهراً وأكثروا فيهم القتل.. وزاحفهم المشركون أيام تستر ثمانين زحفاً يكون لهم مرة ومرة عليهم. ). أكثر المعتدون البُغاة القتل فى الأبطال المدافعين عن وطنهم . وأولئك الأبطال المدافعون عن وطنهم وأهاليهم موصوفون بالشرك.
2 / 2 : ( ذكر خبر بيروذ من الأهواز: ... وتقدم المهاجر فقاتل قتالاً شديداً حتى قتل. ووهن الله المشركين حتى تحصنوا في قلة وذلة...)
2 / 3 : ( ذكر فتح همذان والماهين وغيرهما: لما انهزم المشركون دخل من سلم منهم همذان وحاصرهم نعيم بن مقرن والقعقاع بن عمرو... )
2 / 4 : ( ولما عبر يزدجرد النهر مهزوماً أنجده خاقان في الترك وأهل فرغانة والصغد، فرجع يزدجرد وخاقان إلى خراسان فنزلا بلخ، ورجع أهل الكوفة إلى الأحنف بمرو الروذ، ونزل المشركون عليه بمرو أيضاً. ). هرب يزدجر بعد أن هزمه العرب المعتدون ووفد اليه أتباعه ( المشركون ).!!
خامسا : البُغاة يسمون أنفسهم بالمسلمين ، والمعتدى عليهم هم المشركون .
1 ـ ( فجمع عمر الناس واستشارهم، وقال لهم: هذا يوم له ما بعده، وقد هممت أن أسير فيمن قبلي ومن قدرت عليه فأنزل منزلاً وسطاً بين هذين المصرين ثم أستنفرهم وأكون لهم ردءاً حتى يفتح الله عليهم ويقضي ما أحب، فإن فتح الله عليهم صبيتهم في بلدانهم.... فقام عثمان فقال: أرى يا أمير المؤمنين أن تكتب إلى أهل الشام فيسيروا من شامهم، وإلى أهل اليمن فيسيروا من يمنهم، ثم تسير أنت بأهل الحرمين إلى الكوفة والبصرة فتلقى جمع المشركين بجمع المسلمين.. ). هنا وصف الأخرين بالمشركين ووصف أنفسهم بالمسلمين.
2 ـ ( ذكر يوم عماس: .. ثم أصبحوا اليوم الثالث وهم على مواقفهم، وبين الصفين من قتلى المسلمين ألفان من جريحٍ وميتٍ، ومن المشركين عشرة آلاف، فجعل المسلمون ينقلون قتلاهم إلى المقابر والجرحى إلى النساء، وكان النساء والصبيان يحفرون القبور، وكان على الشهداء حاجب بن زيد. وأما قتلى المشركين فبين الصفين لم ينقلوا، وكان ذلك مما قوى المسلمين...ثم حمل على المشركين يقاتلهم حتى خرق صفهم إلى العتيق ثم عاد. وكان المشركون قد باتوا يعملون توابيتهم حتى أعادوها وأصبحوا على مواقفهم.. فحمل وضرب فيهم حتى ستره الغبار وحمل أصحابه فأفرج المشركون عنه بعدما صرعوه.. فبقي الفيل جريحاً متحيراً بين الصفين كلما جاء صف المسلمين وخزوه وإذا أتى صف المشركين نخسوه. وولى الفيل،.... وكتب سعد إلى عمر بالفتح وبعدة من قتلوا وبعدة من أصيب من المسلمين، وسمى من يعرف مع سعد بن عميلة الفزاري. وكان عمر يسأل الركبان من حين يصبح إلى انتصاف النهار عن أهل القادسية ثم يرجع إلى أهله ومنزله، قال: فلما لقي البشير سأله من أين؟ فأخبره، قال: يا عبد الله حدثني. قال: هزم الله المشركين. ). هنا يتردد وصفهم لأنفسهم بالمسلمين ووصف المعتدى عليهم بالمشركين .
3 ـ وقعة أليس.. على الفرات : .. واقتتلوا قتالاً شديداً والمشركون يزيدهم ثبوتاً توقعهم قدوم بهمن جاذويه، فصابروا المسلمين، فقال خالد: اللهم إن هزمتهم فعلي أن لا أستبقي منهم من أقدر عليه حتى أجري من دمائهم نهرهم. ) . وصف شجعان بلد أليس بالمشركين ، ووصف المعتدون أنفسهم بالمسلمين .وخالد المعتدى عليهم بجيشه يقسم لو هزمهم سيجعل نهرهم يجرى بدمائهم . جريمتهم أنهم أبطال يدافعون عن بلادهم.
4 ـ ( وفيها بعث عمر إليها عبد الله بن عبد الله بن عتبان، وكان شجاعاً من أشراف الصحابة ومن وجوه الأنصار حليف لبني الحبلى، وأمده بأبي موسى، وجعل على مجنبتيه عبد الله بن ورقاء الرياحي وعصمة بن عبد الله، فساروا إلى نهاوند... وسار عبد الله فيمن كان معه ومن تبعه من جند النعمان بنهاوند، نحو أصبهان، وعلى جندها الاستندار، وعلى مقدمته شهربراز بن جاذويه، شيخ كبير، في جمع عظيم، فالتقى المسلمون ومقدمة المشركين برستاق لأصبهان، فاقتتلوا قتالاً شديداً ..). ما علاقة أصفهان الفارسية بالعرب فى جزيرتهم ؟ وما الذى جاء بجيوش العرب الى هذه المنطقة ؟. اللهم سوى الغزو والبغى. ثم يسمى العرب البُغاة أنفسهم مسلمين ويصفون من يعتدون عليهم بالمشركين.
5 ـ (فإذا هم بالقعقاع بن عمرو وقد أخذ به، فانهزم المشركون عن المجال يمنة ويسرة فهلكوا فيما أعدوا من الحسك، فعقرت دوابهم وعادوا رجالة واتبعهم المسلمون فلم يفلت منهم إلا من لا يعد، وقتل يومئذٍ منهم مائة ألف، فجللت القتلى المجال وما بين يديه وما خلفه فسميت جلولاء بما جللها من قتلاهم، فهي جلولاء الوقيعة.). قتل العرب المعتدون مائة ألف من المدافعين عن وطنهم ، وهذا بعد أن جعلوهم مشركين.
6 ـ ( ذكر فتح ماسبذان: فأرسل إليهم ضرار بن الخطاب في جيش، فالتقوا بسهل ماسبذان فاقتتلوا، فأسرع المسلمون في المشركين، وأخذ ضرار آذين أسيراً فضرب رقبته. ). نفس الوصف للمعتدين بأنهم مسلمون ، والمدافعين بأنهم مشركون ، وقد قتلوا قائد الجيش بعد أن أسروه .
7 ـ ( فلما التقى المسلمون والمقوقس بعين الشمس واقتتلوا جال المسلمون، فذمرهم عمرو، فقال له رجل من اليمن: إنا لم نخلق من حديد. فقال له عمرو: اسكت، إنما أنت كلب. قال: فأنت أمير الكلاب. فنادى عمرو بأصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، فأجابوه، فقال: تقدموا فبكم ينصر الله المسلمين، فتقدموا وفيهم أبو بردة وأبو برزة وتبعهم الناس، وفتح الله على المسلمين وظفروا وهزموا المشركين ). هؤلاء لم يهاجموا العرب فى جزيرتهم ولكن عمرو بن العاص وعمر بن الخطاب يعتبرونهم مشركين ويعتبرون أنفسهم مسلمين .
8 ـ ( ذكر خبر سلمة بن قيس الأشجعي والأكراد: قال: فساروا حتى لقوا عدواً من الأكراد المشركين فدعوهم إلى الإسلام أو الجزية، فلم يجيبوا، فقاتلوهم فهزموهم وقتلوا المقاتلة وسبوا الذرية فقسمه بينهم، ورأى سلمة جوهراً في سفط فاسترضى عنه المسلمين وبعث به إلى عمر.) . الأكراد هم مشركون مع أنهم لم يسبق لهم الإعتداء على العرب فى جزيرتهم. وجعلوا أنفسهم مسلمين .!.
9 :( فما كانت بين المسلمين والفرس وقعة أبقى رمة منها، بقيت عظام القتلى دهراً طويلاً، وكانوا يحرزون القتلى مائة ألف، وسمي ذلك اليوم الأعشار... وقتل المشركون فيما بين السكون اليوم وضفة الفرات وتبعهم المسلمون إلى الليل ومن الغد إلى الليل.) . هذا تقدير لعدد القتلى من الأبطال المدافعين عن وطنهم وأهاليهم ، وهم مشركون بينما يسمى المجرمون الكفار أنفسهم مسلمين .!!
10 : ( والفرس بالخيار لا يخرجون إلا إذا أرادوا الخروج، فخاف المسلمون أن يطول أمرهم، حتى إذا كان ذات يوم في جمعة من الجمع تجمع أهل الرأي من المسلمين وقالوا: نراهم علينا بالخيار. وأتوا النعمان ... فتكلم النعمان فقال: قد ترون المشركين واعتصامهم بخنادقهم ومدنهم وأنهم لا يخرجون إلينا إلا إذا شاؤوا ولا يقدر المسلمون على إخراجهم، وقد ترون الذي فيه المسلمون من التضايق، فما الرأي الذي به نستخرجهم إلى المناجزة وترك التطويل؟. ) البُغاة هم المسلمون. والضحايا عندهم مشركون .
11 : ( فاقتتلوا. فلما أظلم الليل عليهم انهزم المشركون وذهبوا ولزمهم المسلمون وعمي عليهم قصدهم فتركوه وأخذوا نحو اللهب الذي كانوا دونه بأسبيذهان فوقعوا فيه، فكان الواحد منهم يقع فيقع عليه ستة بعضهم على بعضهم في قياد واحد فيقتلون جميعاً، وجعل يعقرهم حسك الحديد، فمات منهم في اللهب مائة ألف أو يزيدون سوى من قتل في المعركة. ). البُغاة قتلوا من ( المشركين ) أى الأبطال المدافعين عن وطنهم وأهاليهم أكثر من مائة ألف .
12 : ( ذكر فتح قزوين وزنجان: ... ثم غزا قزوين، فلما بلغ أهلها الخبر أرسلوا إلى الديلم يطلبون النصرة فوعدوهم، ووصل المسلمون إليهم فخرجوا لقتالهم والديلم وقوفٌ على الجبل لا يمدون يداً، فلما رأى أهل قزوين ذلك طلبوا الصلح على صلح أبهر؛ وقال بعض المسلمين:
قد علم الديلم إذ تحارب ** حين أتى في جيشه ابن عازب
بأن ظن المشركين كاذب فكم قطعنا في دجى الغياهب ).
قبائل الديلم واهل قزوين لم يكن لهم علم بالعرب أصلا ، ولكنهم مشركون ،بينما المعتدون الذين هاجموهم وقطعوا آلاف الأميال هم مسلمون !!
13 : نفس الحال :
13 / 1 :( ودخل المشركون همذان والمسلمون في آثارهم فنزلوا عليها وأخذوا ما حولها. )
13 / 2 :( ذكر فتح كرمان: ثم قصد سهيل بن عدي كرمان، ولحقه أيضاً عبد الله بن عبد الله بن عتبان، وعلى مقدمة سهيل بن عدي النسير بن عمرو العجلي وحشد لهم أهل كرمان واستعانوا عليهم بالقفص، فاقتتلوا في أداني أرضهم، ففض الله تعالى المشركين وأخذ المسلمون عليهم الطريق...)
13 / 3 : ( وكان أهل إصطخر حيث أخذوا الطريق على المسلمين، فجمعوا أهل فارس عليهم فجاؤوا من كل جهة فالتقوا هم وأبو سبرة بعد طاووس وقد توافت إلى المسلمين أمدادهم، وعلى المشركين شهرك، فاقتتلوا ففتح الله على المسلمين وقتل المشركين وأصاب المسلمون منهم ما شاؤوا.. ).
13/ 4 : ( فاقتتلوا ففتح الله على المسلمين وقتل المشركين وأصاب المسلمون منهم ما شاؤوا.. ).
13 / 5 : ( ودخل المسلمون وألقى المشركون بأيديهم ونادوا: الصلح الصلح. فأجابهم إلى ذلك المسلمون بعدما دخلوها عنوةً، واقتسموا ما أصابوا.)
13 / 6 : ( .. فخرج إليه المغيرة بن شعبة فلقيهم بالمرغاب فاقتتلوا. فقال نساء المسلمين: لو لحقنا بهم فكنا معهم، فاتخذن من خمرهن رايات وسرن إلى المسلمين. فلما رأى المشركون الرايات ظنوا أن مدداً للمسلمين قد أقبل فانهزموا وظفر بهم المسلمون. وكتب إلى عمر بالفتح .. )
13 / 7 :( ذكر يوم أرماث: لما عبر الفرس العتيق جلس رستم على سريره ... وبقيت القنطرة بين خيلين من خيول المسلمين وخيول المشركين، وكان صف المشركين على شفير العتيق، وكان صف المسلمين مع حائط قديس والخندق، فكان المسلمون والمشركون بين الخندق والعتيق، ومع الفرس ثلاثون ألف مسلسل وثلاثون فيلاً تقاتل..وقيل: إن هلالاً لما قصد رستم رماه رستم بنشابة أثبت قدمه بالركاب، فحمل عليه هلال فضربه فقتله ثم احتز وعلقه ونادى: قتلت رستم! فانهزم قلب المشركين. ).
13 / 8 : ( وسار أبو موسى إلى البصرة من السوس وصار مكانه على أهل البصرة بالسوس المقترب بن ربيعة، واجتمع الأعاجم بنهاوند.... فتقطعت السلاسل وتكسرت الأغلاق وتفتحت الأبواب ودخل المسلمون وألقى المشركون بأيديهم ونادوا: الصلح الصلح. فأجابهم إلى ذلك المسلمون بعدما دخلوها عنوةً، واقتسموا ما أصابوا. ).
خامسا : الذين يثورون على الاحتلال العربى كفرة مشركون مرتدون
بعض أصحاب البلاد التى خضعت للعرب ما لبث أن ثارت لتستعيد حريتها ، وهذا حق مشروع فى تشريع الرحمن . ولكن العرب إعتبروه كفرا . وتردد هذا فى روايات كثيرة ، نقتطف منها :
1 : (ذكر فتح همذان ثانيا .. قد تقدم مسير نعيم بن مقرن إلى همذان وفتحها على يده ويد القعقاع بن عمرو، فلما رجعا عنها كفر أهلها مع خسروشنوم .) . كفر أهلها بمعنى ثورتهم على الاحتلال العربى.
2 : بعد هروب كسرى يزدجر ، تقول الرواية : ( وأقام يزدجرد ببلد الترك، فلم يزل مقيماً زمن عمر كله إلى أن كفر أهل خراسان زمن عثمان وكان يكاتبهم ويكاتبونه. ) . كفر أهل خراسان يعنى ثاروا على إحتلال العرب.
3 : ( فلما وقعت الفتنة بعد معاوية كفر الشاه وغلب على آمل ) . هذا حاكم فارسى أذعن للغزو العربى فلما تقاتل على ومعاوية ثار فأصبح عندهم كافرا .

الفصل الرابع : الصلاة الشيطانية للخلفاء الفاسقين فى سبيل المال ــ إلاههم الأعظم
مقدمة
1 ـ الصلاة الاسلامية ليست مجرد حركات قيام وركوع وسجود وكلمات تُقال ، فهكذا كانت تفعل قريش فى تأديتها السطحية للصلاة . وهى بهذا الشكل أقرب ما تكون الى اللهو واللعب ، وهذا وصف رب العزة جل وعلا لصلاتهم عند البيت الحرام، قال جل وعلا يهددهم بعذاب الآخرة : (وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (35) الانفال ). حافظت قريش هلى تأدية صلاة سطحية تؤدى نفس الصلاة الابراهيمية التى نعرفها الآن ، ولكن بلا خشوع وبلا تقوى . الصلاة الاسلامية هى أن تخشع لربك وانت تصلى له ، ثم أن تنهاك صلاتك عن الفحشاء والمنكر ، قال جل وعلا يأمر ويحذّر :( اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّـهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴿٤٥﴾ العنكبوت ). بدون ذلك تصبح الصلاة وسيلة للفسوق والعصيان ، أى فطالما تُصلّى فلا عليك مهما فعلت .
2 ـ بدخول قريش ظاهريا فى الاسلام مالبث أن تولت قيادة المسلمين عبر حواسيسها الذين مردوا على النفاق ثم اصبحوا الخلفاء الفاسقين ، وبهم كان غزو وإحتلال إمتد من أواسط آسيا الى شمال إفريقيا ( من خلافة أبى بكر الى خلافة عثمان ) . فى هذا الغزو إحتاج الغزاة للمبالغة فى ( تأدية ) هذه الصلاة السطحية. أقنعت قريش الأعراب إن الغزو الاحتلال والبغى والسلب والسبى لمن ليس منهم هو فريضة اسلامية ، لذا كان لا بد أن يصاحب جهادهم هذا تأدية لصلاة سطحية تؤكد لهم إقتناعهم بأنهم على الحق . وهنا يبدو التناقض هائلا بين المؤمن الخاشع الذى يصلى ويخاطب ربه فى الصلاة قائلا ( إهدنا الصراط المستقيم ) 17 مرة يوميا ، ثم إذا عرضت له معصية بين الصلوات تذكر دعاءه لربه جل وعلا وقوله ( إهدنا الصراط المستقيم ) فيخجل من نفسه إذ كيف يعصى ثم كيف له فى الصلاة التالية يقول لربه جل وعلا ( إهدنا الصراط المستقيم ) . فكانوا يؤدون الصلاة لتساعدهم على ارتكاب أفظع الظلم ، وجعلوها وسيلة تقربهم الى الحصول على إلاههم العظم ( المال ).
3 ـ من الحُمق الاعتقاد بأن حديث رب العزة عن مسجد الضرار الذى أقامه المنافقون فى المدينة ( التوبة 107 : 110 ) كان مجرد تاريخ انتهى ومضى ولم يتكرر . مسجد الضرار هو الذى يُستخدم فى الاضرار بالناس ، بالتناقض مع دور المسجد الذى يجب أن يكون مكانا آمنا للتقوى والاخلاص فى العبادة لرب العزة وحده لا شريك له . مسجد الضرار يجمع بين الكفر الاعتقادى بتقديس البشر والحجر ( كما كانت تفعل قريش بمساجدها : ( الجن 18 : 23 ) وفى الكفر السلوكى بالاعتداء والظلم ، وهذا أيضا كانت تفعله قريش فى إرهابها المؤمنين ومنعهم من دخول مساجد الله جل وعلا ( البقرة 114 ) . وجمعت قريش بين النوعين فى إستخدامها للبيت الحرام ( التوبة 17 : 18 ) ، ثم أعادت قريش فى خلافة الفاسقين مسيرة مساجد الضرار ، فنشروها فى البلاد إحتلوها ، وما لبث أن اصبحت فيما بعد مراكز للإقتتال الأهلى ، ولا تزال تؤدى نفس الدور. .
4 ـ الصلاة كانت معروفة بمواقيتها وركعاتها ضمن شعائر ملة ابراهيم والتى تشمل الصيام والحج والتسبيح وإخلاص القلب لرب العزة جل وعلا ، بحيث تكون العبادات وسائل للتقوى ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿٢١﴾ البقرة )، والتقوى تنعكس فى السلام والعدل والابتعاد عن الظلم فى التعامل مع الناس ، وعدم تقديس المخلوقات . قريش حافظت على شكل الصلاة وارتكبت فظائع فى إستغلال البيت الحرام مركزا لتقديس آلهة العرب ، وإضطهاد النبى والمؤمنين ، وبهذا أضاعوا ثمرة صلاتهم كما حدث للسلف السىء قبلهم والذين قال عنهم رب العزة جل وعلا : ( فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴿٥٩﴾ إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ﴿٦٠﴾ مريم )
5 ـ المنافقون فى عصر النبى محمد عليه السلام كانوا يؤدون صلاة سطحية بلا تقوى يراءون فيها الناس ، قال عنهم جل وعلا : ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّـهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّـهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿١٤٢﴾ النساء )( وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّـهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴿٥٤﴾ التوبة ). لذا لم تنههم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر ، بل كانوا يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف،قال جل وعلا عنهم : ( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّـهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿٦٧﴾ التوبة ) وقال جل وعلا عن العذاب الذى ينتظرهم : ( وَعَدَ اللَّـهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ هِيَ حَسْبُهُمْ ۚ وَلَعَنَهُمُ اللَّـهُ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴿٦٨﴾ التوبة ). الأسوا منهم هم الذين مردوا على النفاق وأصبحوا الخلفاء الفاسقين بعد موت خاتم النبيين . المنافقون الصُّرحاء لم يرفعوا سلاحا ولم يسلبوا أموال الناس ولم يسبوا الأحرار. الخلفاء الفاسقون إرتكبوا هذا كله وهم يؤدون صلاتهم الشيطانية. لم يعد هناك وحى قرآنى يتنزل يفضحهم كما كان الحال فى حياة النبى محمد عليه السلام فى المدينة ،فإنطلقوا يفعلون ما يشاءون من غزو وأحتلال وسبى وسلب تعززه صلاة مظهرية شيطانية ، حافظوا على تأديتها حتى وقت المعارك ، سواء كانت غزوا للآخرين أو حربا أهلية .
6 ــ الانغماس فى الظلم والبغى مع ( تأدية ) الصلاة تأدية سطحية يعنى أن تتحول الصلاة الى صلاة شيطانية أى وسيلة تبرر الظلم وتؤكده وتساعد عليه، أى بدلا من أن تكون وسيلة للتقوى تصبح وسيلة للإثم والعدوان .
7 ـ ونعرض لتأديتهم الصلاة فى غزوهم .
أولا : التحريض على القتال الباغى بالصلاة الشيطانية
1 ـ : (ذكر غزوة فارس من البحرين: ... فخرجوا في إصطخر وبإزائهم أهل فارس وعلى أهل فارس الهربذ اجتمعوا عليه فحالوا بين المسلمين وبين سفنهم فقام خليد في الناس فقال أما بعد فإن الله إذا قضى أمرا جرت به المقادير حتى تصيبه وإن هؤلاء القوم لم يزيدوا بما صنعوا على أن دعوكم إلى حربهم وإنما جئتم لمحاربتهم والسفن والأرض لمن غلب فاستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين فأجابوه إلى ذلك فصلوا الظهر ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالا شديدا في موضع من الأرض يدعى طاوس ). لاحظ : (والأرض لمن غلب ) هذا تشريع كافر ظالم . ويستعينون على تنفيذه بالصلاة وبالصبر : ( فاستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ) لذا إستجابوا له : ( فأجابوه إلى ذلك فصلوا الظهر ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالا شديدا )
2 ـ ( وخطب الناس يومئذٍ، وهو يوم الاثنين من المحرم سنة أربع عشرة، وحثهم على الجهاد وذكرهم ما وعدهم الله من فتح البلاد وما نال من كان قبلهم من المسلمين من الفرس، وكذلك فعل أمير كل قوم، ... وأمر سعد الناس بقراءة سورة الجهاد، وهي الأنفال، فلما قرئت هشت قلوب الناس وعيونهم وعرفوا السكينة مع قراءتها. فلما فرغ القراء منها قال سعد: الزموا مواقفكم حتى تصلوا الظهر، فإذا صليتم فإني مكبر تكبيرة فكبروا واستعدوا، فإذا سمعتم الثانية فكبروا والبسوا عدتكم. ثم إذا كبرت الثالثة فكبروا ولينشط فرسانكم الناس، فإذا كبرت الرابعة فازحفوا جميعاً حتى تخالطوا عدوكم وقولوا لا حول ولا قوة إلا بالله. فلما كبر سعد الثالثة برز أهل النجدات فأنشبوا القتال.. ... ولما كبر الثالثة لحق الناس بعضهم بعضاً وخالطوا القوم واستقبلوا الليل استقبالاً بعد ما صلوا العشاء، وكان صليل الحديد فيها كصوت القيون ليلتهم إلى الصباح، وأفرغ الله الصبر عليهم إفراغاً، وبات سعد بليلة لم يبت بمثلها، ورأى العرب والعجم أمراً لم يروا مثله قط، وانقطعت الأخبار والأصوات عن سعد ورستم، وأقبل سعد على الدعاء، فلما كان عند الصبح انتمى الناس فاستدل بذلك على أنهم الأعلون، ) لاحظ : ( الزموا مواقفكم حتى تصلوا الظهر، فإذا صليتم فإني مكبر تكبيرة فكبروا واستعدوا، فإذا سمعتم الثانية فكبروا والبسوا عدتكم. ثم إذا كبرت الثالثة فكبروا ولينشط فرسانكم الناس ..) ( .. ولما كبر الثالثة لحق الناس بعضهم بعضاً وخالطوا القوم واستقبلوا الليل استقبالاً بعد ما صلوا العشاء، وكان صليل الحديد فيها كصوت القيون ليلتهم إلى الصباح،)
ثانيا : تأدية الصلاة الشيطانية حتى وقت إشتداد القتال :
1 ـ ( فى معركة جلولاء : .... فاقتتلوا قتالا شديدا لم يقاتلوا المسلمين مثله في موطن من المواطن حتى أنفدوا النبل وحتى أنفدوا النشاب وقصفوا الرماح حتى صاروا إلى السيوف والطبرزينات فكانوا بذلك صدر نهارهم إلى الظهر ولما حضرت الصلاة صلى الناس إيماء حتى إذا كان بين الصلاتين خنست كتيبة وجاءت أخرى فوقفت مكانها ). لاحظ: (ولما حضرت الصلاة صلى الناس إيماء حتى إذا كان بين الصلاتين خنست كتيبة وجاءت أخرى فوقفت مكانها )
2 ـ ( وعطف عليهم النعمان فضرب عسكره ثم عبى كتائبه وخطب الناس فقال إن اصبت فعليكم حذيفة بن اليمان وإن أصيب فعليكم جرير بن عبدالله وإن أصيب جرير بن عبدالله فعليكم قيس بن مكشوح .. فقال النعمان نصلي إن شاء الله ثم نلقى عدونا دبر الصلاة فلما تصافوا قال النعمان للناس إني مكبر ثلاثا فإذا كبرت الأولى فشد رجل شسعه وأصلح من شأنه فإذا كبرت الثانية فشد رجل إزاره وتهيأ لوجه حملته فإذا كبرت الثالثة فاحملوا عليهم فإني حامل .. ) . لاحظ : (نصلي إن شاء الله ثم نلقى عدونا دبر الصلاة )
3 ـ ( وخرج عبدالله بن عامر من البصرة يريد خراسان فسبق سعيدا ونزل أبرشهر وبلغ نزوله أبرشهر سعيدا فنزل سعيد قومس وهي صلح صالحهم حذيفة بعد نهاوند فأتى جرجان فصالحوه على مائتي ألف ثم أتى طميسة وهي كلها من طبرستان جرجان وهي مدينة على ساحل البحر وهي في تخوم جرجان فقاتله أهلها حتى صلى صلاة الخوف فقال لحذيفة كيف صلى رسول الله فأخبره فصلى بها سعيد صلاة الخوف وهم يقتتلون . ) . لاحظ (فقاتله أهلها حتى صلى صلاة الخوف فقال لحذيفة كيف صلى رسول الله فأخبره فصلى بها سعيد صلاة الخوف وهم يقتتلون . ). عبد الله عامر عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس ـ ابن عم الأمويين ، ومولود فى مكة بعد ثلاث سنوات من هجرة النبى محمد الى المدينة . ثم دخل فى الاسلام بعد فتح مكة ، ومالبث أن صار من قادة البغى المسمى بالفتوحات ولصيقا بالأمويين حتى لقد زوجه معاوية ابنته. كان لا يعرف صلاة الخوف لأنها من التشريعات الجديدة فى الصلاة والتى نزلت فى المدينة .
ثالثا : الصلاة الشيطانية إحتفالا بعد إنتصار البغى :
1 ـ ( فتح المدائن عام 16 : .... واتخذ سعد إيوان كسرى مصلى ولم يغير ما فيه من التماثيل. ..ولما دخل سعد الإيوان قرأ: ( كم تركوا من جناتٍ وعيونٍ وزروعٍ) إلى قوله: (قوماً آخرين)؛ وصلى فيه صلاة الفتح ثماني ركعات لا يفصل بينهن ولا يصلي جماعة، وأتم الصلاة لأنه نوى الإقامة، وكانت أول جمعة بالعراق، وجمعت بالمدائن في صفر سنة ست عشرة. ) . هنا إبتداع فى صلاتهم الشيطانية هى صلاة الفتح (وصلى فيه صلاة الفتح ثماني ركعات لا يفصل بينهن ولا يصلي جماعة، وأتم الصلاة لأنه نوى الإقامة، وكانت أول جمعة بالعراق، وجمعت بالمدائن في صفر سنة ست عشرة )
2 ـ ( وكان فتح المدائن في صفر سنة ست عشرة قالوا ولما دخل سعد المدائن أتم الصلاة وصام وأمر الناس بإيوان كسرى فجعل مسجدا للأعياد ونصب فيه منبرا فكان يصلي فيه وفيه التماثيل ويجمع فيه فلما كان الفطر قيل ابرزوا فإن السنة في العيدين البراز فقال سعد صلوا فيه قال فصلي فيه . ). تحول ايوان كسرى الى مسجد ، وتركوا ما فيه من ( تماثيل ) أى ( أصنام ). فكان سعد بن أبى وقاص يصلى فيه ويجمع فيه الناس فى الصلاة وصلاة العيد . ضمن طقوس الاحتفالات بإنتصارهم الباغى.
أخيرا :إغتيال عمر وهو يصلى صلاته الشيطانية :
1 ـ إغتاله أحد ضحاياه ، وهو أبو لؤلؤة المجوسى . وقد كان طفلا من أطفال السبى عاش معاناتهم ، وجىء به للمدينة فرأى معسكرات لأطفال السبى وهم فيها يبكون ، فكان يبكى لبكائهم . وصصم على إغتيال عمر ، فقتله وهو يصلى صلاته الشيطانية ، ثم إنتحر أبو لؤلؤة المجوسى . تقول الرواية ( فلما أصبح خرج عمر إلى الصلاة وكان يوكل بالصفوف رجالاً فإذا استوت كبر، ودخل أبو لؤلؤة في الناس وبيده خنجر له رأسان نصابه في وسطه، فضرب عمر ست ضربات إحداهن تحت سرته وهي التي قتلته، وقتل معه كليب بن أبي البكير الليثي وكان خلفه، وقتل جماعة غيره...) ( ولما احتضر ورأسه في حجر ولده عبد الله قال:
ظلومٌ لنفسي غير أني مسلمٌ ** أصلي الصلاة كلها وأصوم ).
2 ـ عليه وعليهم لعنة الله جلا وعلا والملائكة والناس أجمعين.
3 ـ لا أقصد أبا لؤلؤة المجوسى بالطبع ..



الفصل الخامس : فى دينهم الشيطانى : الخلفاء الفاسقون إستخدموا رب العزة جل وعلا للقتال فى سبيل المال إلاههم الأعظم
مقدمة :
1 ـ نضطر الى القول بأن الخلفاء الفاسقين ( أبو بكر وعمر وعثمان) إستخدموا رب العزة جل وعلا فى إستحلال الدماء والأموال والأعراض ، أى جعلوا رب العزة جل وعلا وسيلة للحصول على المال إلاههم الأعظم . هناك أكابر المجرمين من الغزاة والمحتلين الذين رفعوا شعارات دنيوية شتى ، ولكن هؤلاء الخلفاء الفاسقين جعلوا رب العزة جل وعلا وسيلة للحصول على المال إلاههم الأعظم .
2 ـ فارق هائل بينهم وبين المؤمنين الموصوفين فى قوله جل وعلا : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّـهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) ٢﴾الأنفال ) (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ﴿٣٤﴾ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّـهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) 35 ) الحج). هؤلاء الكفرة الفجرة كانوا يذكرون إسم الله جل وعلا فى أفظع عصيان لله جل وعلا ، بل يعتبرون هذا دينا وعبادة . هو فعلا دين ولكنه دين شيطانى ، وهى فعلا عبادة ولكنها عبادة شيطانية ، ولكن يزينونها زورا وبهتانا بإسم الله العظيم .
3 ـ تلاعب الشيطان بالعرب والقرشيين وقت نزول القرآن الكريم ، فجعلهم :
3 / 1 : ينسبون وقوعهم فى الفاحشة الى أوامر رب العزة جل وعلا. ذكر هذا رب العزة وردّ عليه. قال جل وعلا : (إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٢٧﴾ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّـهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّـهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٢٨﴾ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) ﴿٢٩﴾ الاعراف )
3 / 2 : ينسبون عبادتهم للملائكة الى مشيئة الرحمن جل وعلا ، قال جل وعلا عنهم : ( وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُم ۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴿٢٠﴾ الزخرف )
3 / 3 : ينسبون وقوعهم فى الشرك وتحريم الحلال الى مشيئة الرحمن ، قال جل وعلا : ( وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّـهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ) ﴿٣٥﴾ النحل ). أى هى عادة سيئة فعلها الذين كفروا من قبلها ، وسيفعلها الذين كفروا من بعدهم سيقولون نفس الإفك ، لذا قال جل وعلا بصيغة المستقبل : ( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّـهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴿١٤٨﴾ الانعام ). قالتها قريش وقالها من سبقهم وسيقولها من سيأتى بعدهم لأنهم أولياء الشيطان ، يشاءون الوقوع فى الشرك والكفر ثم ينسبون هذا الى مشيئة الرحمن جل وعلا . هذا مع إنه تكرر فى القرآن الكريم أن الانسان هو الذى يختار الهدى أو يختار الضلال (الاسراء 107) ( الكهف 29 ) ، والله جل وعلا يزيد الضال ضلالا ويزيد المهتدى هدى، ( مريم 75 : 76) ( محمد 17)( البقرة 10)( العنكبوت 68 : 69 ) وهذا بمجرد أن يشاء فتأتى مشيئة الله تؤكد ما شاءه الانسان لنفسه : ( الانسان 29 : 30 ) ( التكوير 26 ـ ).
4 ـ الشيطان جعل الخلفاء الفاسقين الغُزاة البُغاة ينسبون هذا البغى الى رب العزة جل وعلا الذى حرّم الظلم والعدوان والبغى وأمر بالعدل والقسط . قال جل وعلا : (إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ النحل ). وعظهم رب العزة لعلهم يتذكرون ، فلم يتذكروا بل فى تطرف فى الكفر إستخدموا إسم الله جل وعلا فى بغيهم وعدوانهم وظلمهم. أى جعلوا رب العزة جل وعلا وسيلة لتحقيق مطامعهم فى المال : إلاههم الأكبر. عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين .
5 ـ ونستشهد ببعض ما جاء فى الروايات التاريخية عن إستخدامهم رب العزة جل وعلا فى بغيهم وعدوانهم :
أولا : البغى بإسم الله ( تعالى عن ذلك علوا كبيرا )
1 ـ ( كان عمر إذا اجتمع إليه جيش من المسلمين أمر عليهم أميراً من أهل العلم والفقه، فاجتمع إليه جيش من المسلمين، فبعث عليهم سلمة بن قيس الأشجعي. فقال: سر باسم الله، قاتل في سبيل الله من كفر بالله، ). ( لاحظ : سر باسم الله، قاتل في سبيل الله من كفر بالله. ).!
2 ـ القسم بإسم الله على قتل الجميع : فى وقعة أليس.. على الفرات : (.. واقتتلوا قتالاً شديداً والمشركون يزيدهم ثبوتاً توقعهم قدوم بهمن جاذويه، فصابروا المسلمين، فقال خالد: اللهم إن هزمتهم فعلي أن لا أستبقي منهم من أقدر عليه حتى أجري من دمائهم نهرهم. ) نذر لله إن إنتصر على المدافعين عن وطنهم أن يقتلهم جميعأ .
ثانيا : النصر الباغى على ضحاياهم ينسبونه الى الله جل وعلا
1 ـ ( فجمع عمر الناس واستشارهم، وقال لهم: هذا يوم له ما بعده، وقد هممت أن أسير فيمن قبلي ومن قدرت عليه فأنزل منزلاً وسطاً بين هذين المصرين ثم أستنفرهم وأكون لهم ردءاً حتى يفتح الله عليهم ويقضي ما أحب، فإن فتح الله عليهم صبيتهم في بلدانهم.) ( لاحظ: حتى يفتح الله عليهم ويقضي ما أحب، فإن فتح الله عليهم صبيتهم في بلدانهم ).!
2 ـ فى مصر : ( فلما التقى المسلمون والمقوقس بعين الشمس واقتتلوا ... فنادى عمرو بأصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، فأجابوه، فقال: تقدموا فبكم ينصر الله المسلمين، ) لاحظ (فبكم ينصر الله المسلمين )
3 ـ ( ثم مضى حتى قدم جلولاء فحاصرهم في خنادقهم وأحاط بهم.. وأمد سعد المسلمين، وخرجت الفرس .. فاقتتلوا، فأرسل الله عليهم الريح حتى أظلمت عليهم البلاد فتحاجزوا فسقط فرسانهم في الخندق.. ) لاحظ : (فأرسل الله عليهم الريح )
4 ـ ( وكان أهل إصطخر حيث أخذوا الطريق على المسلمين...وقد توافت إلى المسلمين أمدادهم، وعلى المشركين شهرك، فاقتتلوا ففتح الله على المسلمين وقتل المشركين وأصاب المسلمون منهم ما شاؤوا.. ) لاحظ : ( ففتح الله على المسلمين )
5 ـ ( فخرج عمر من الغد يتوقع الأخبار. قال: فأتيته فقال: ما وراءك؟ فقلت: خيراً يا أمير المؤمنين. فتح الله عليك وأعظم الفتح،) (فتح الله عليك وأعظم الفتح)
6 ـ سعد بن أبى وقاص كان مريضا فلم يشارك فى قتال القادسية بنفسه فقال شاعر يهجوه : ( نقاتل حتى أنزل الله نصره ** وسعدٌ بباب القادسية معصم ) لاحظ : (أنزل الله نصره )
7 ـ بزعمهم : الله جل وعلا هو الذى يهزم الضحايا المُعتدى عليهم :
7 / 1 : ( فتقدموا وفيهم أبو بردة وأبو برزة وتبعهم الناس، وفتح الله على المسلمين وظفروا وهزموا المشركين..)
7 / 2 : ( وكان عمر يسأل الركبان من حين يصبح إلى انتصاف النهار عن أهل القادسية ثم يرجع إلى أهله ومنزله، قال: فلما لقي البشير سأله من أين؟ فأخبره، قال: يا عبد الله حدثني. قال: هزم الله المشركين.)
7 / 3 : ( ذكر فتح كرمان: ..فاقتتلوا في أداني أرضهم، ففض الله تعالى المشركين وأخذ المسلمون عليهم الطريق. )
7 / 4 :( ذكر خبر بيروذ من الأهواز: .. وعزم أبو موسى على الناس فأفطروا، وتقدم المهاجر فقاتل قتالاً شديداً حتى قتل. ووهن الله المشركين حتى تحصنوا في قلة وذلة )
7 / 5 :( فتح البصرة .. وألقى الله الرعب في قلوب الفرس فخرجوا عن المدينة وحملوا ما خف وعبروا الماء وأخلوا المدينة ودخلها المسلمون فأصابوا متاعاً وسلاحاً وسبياً فاقتسموه وأخرج الخمس منه،)
7 / 6 : ( ثم قاتلوهم، فهزمهم الله وأصاب المسلمون مغانمهم، وأصابوا في الغنائم سفطاً فيه جوهر،)
7 / 7 : احدهم يقسم على الله أن يهزم المُعتدى عليهم : ( ... فحاصروهم أشهراً وأكثروا فيهم القتل، ... واشتد القتال قال المسلمون: يا براء أقسم على ربك ليهزمنهم لنا. قال: اللهم اهزمهم لنا ... وكان مجاب الدعوة، فهزموهم حتى أدخلوهم خنادقهم ثم اقتحموها عليهم ثم دخلوا مدينتهم وأحاط بها المسلمون. )
7/ 8 :(..فالتقى النعمان والهرمزان بأربك فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثم إن الله، عز وجل، هزم الهرمزان )
7 / 9 : قال أحدهم عن قتل النعمان بن مقرن أحد قادة البغى : ( فلما انهزم المشركون أتيته، ومعي إداوة فيها ماء، فغسلت عن وجهه التراب فقال: ما فعل الناس؟ فقلت: فتح الله عليهم. قال: الحمد لله! ومات.)
ثالثا : القاتل المجرم ( النعمان بن مقرن ) جعلوه شهيدا
( وقال لهم: إني مكبر ثلاثاً فإذا كبرت الثالثة فإني حامل فاحملوا، وإن قتلت فالأمير بعدي حذيفة، فإن قتل ففلان، حتى عد سبعة آخرهم المغيرة. ثم قال: اللهم أعزز دينك، وانصر عبادك، واجعل النعمان أول شهيد اليوم على إعزاز دينك ونصر عبادك. وقيل: بل قال: اللهم إني أسألك أن تقر عيني اليوم بفتح يكون فيه عز الإسلام واقبضني شهيداً. فبكى الناس. .. فلما أقر الله عين النعمان بالفتح استجاب له فقتل شهيداً، زلق به فرسه فصرع. وقيل: بل رمي بسهم في خاصرته فقتله...) ( ودخل المشركون همذان والمسلمون في آثارهم فنزلوا عليها وأخذوا ما حولها. فلما رأى ذلك خسروشنوم استأمنهم، ولما تم الظفر للمسلمين جعلوا يسألون عن أميرهم النعمان بن مقرن، فقال لهم أخوه معقل: هذا أميركم قد أقر الله عينه بالفتح وختم له بالشهادة فاتبعوا حذيفة.)
رابعا : يسلبون وينهبون باسم الرحمن
إسلاميا : الفىء هو ما يفىء الى بيت المال بغير قتال . ( الحشر 6 ) . أما عند الخلفاء الفاسقين فالفىء هو ما يسلبون وما ينهبون وما يسبون من النساء والذرية . وينسبون هذا لرب العزة جل وعلا. ونستشهد ببعض الأمثلة :
1 ـ ( .ذكر فتح الري :.. فانهزموا فقتلوا مقتلة عدوا بالقصب فيها، وأفاء الله على المسلمين بالري نحواً مما في المدائن )
2 ـ ( فأوثقوه واقتسموا ما أفاء الله عليهم، فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف، وسهم الراجل ألفاً. )
خامسا : الحث على البغى والعدوان باسم الرحمن جل وعلا
1 ـ بالدعاء :( وبات سعد بليلة لم يبت بمثلها، ورأى العرب والعجم أمراً لم يروا مثله قط، وانقطعت الأخبار والأصوات عن سعد ورستم، وأقبل سعد على الدعاء، )
2 ـ بالوعظ : ( وأعلم الناس أنه قد استخلف خالداً وإنما يأمرهم خالد، فسمعوا وأطاعوا، وخطب الناس يومئذٍ، وهو يوم الاثنين من المحرم سنة أربع عشرة، وحثهم على الجهاد وذكرهم ما وعدهم الله من فتح البلاد وما نال من كان قبلهم من المسلمين من الفرس، وكذلك فعل أمير كل قوم، )
3 ـ بقراءة القرآن : ( .. وأمر سعد الناس بقراءة سورة الجهاد، وهي الأنفال، فلما قرئت هشت قلوب الناس وعيونهم وعرفوا السكينة مع قراءتها. )
سادسا : الحث على البغى والعدوان بالتكبير ( الله أكبر )
( الله أكبر ) يقولها المؤمن فى صلاته خشوعا، بينما قالها ويقولها الكافرون البغاة وهم يرتكبون مجازرهم . بدأ هذا بالخلفاء الفاسقين ولا يزال مستمرا .
1 ـ ( .ذكر يوم عماس : ... فحين رآهم كبر وكبر المسلمون وتقدموا وتكتبت الكتائب واختلفوا الضرب والطعن والمدد متتابع، فما جاء آخر أصحاب القعقاع حتى انتهى إليهم هاشم فأخبر بما صنع القعقاع، فعبى أصحابه سبعين سبعين، وكان فيهم قيس بن هبيرة ابن عبد يغوث المعروف بقيس بن المكشوح المرادي، ولم يكن من أهل الأيام إنما كان باليرموك، .....فانتدب مع هاشم حتى إذا خالط القلب كبر وكبر المسلمون ) ( وجعل القعقاع كلما طلعت قطعة من أصحابه كبر وكبر المسلمون ويحمل ويحملون، )
2 ـ ( فدخلوا في السرب والناس من خارج. فلما دخلوا المدينة كبروا فيها وكبر المسلمون من خارج وفتحت الأبواب فاجتلدوا فيها .. )
3 ـ فى موقعة القادسية :
3 / 1 (فلما فرغ القراء منها قال سعد: الزموا مواقفكم حتى تصلوا الظهر، فإذا صليتم فإني مكبر تكبيرة فكبروا واستعدوا، فإذا سمعتم الثانية فكبروا والبسوا عدتكم. ثم إذا كبرت الثالثة فكبروا ولينشط فرسانكم الناس، فإذا كبرت الرابعة فازحفوا جميعاً حتى تخالطوا عدوكم وقولوا لا حول ولا قوة إلا بالله. فلما كبر سعد الثالثة برز أهل النجدات فأنشبوا القتال،... والمسلمون ينتظرون التكبيرة الرابعة من سعد، فاجتمعت حلبة فارس على أسد ومعهم تلك الفيلة فثبتوا لهم، وكبر سعد الرابعة وزحف إليهم المسلمون ).
3 / 2 ـ ( ولما اشتد القتال، وكان أبو محجن قد حبس وقيد فهو في القصر فصعد حين أمسى إلى سعد يستعفيه ويستقيله فزبره ورده فنزل، فأتى فقال لسلمى زوج سعد: هل لك أن تخلي عني وتعيريني البلقاء؟ فلله علي إن سلمني الله أن أرجع إليك حتى أضع رجلي في قيدي ..فرقت له سلمى وأطلقته وأعطته البلقاء فرس سعد، فركبها حتى إذا كان بحيال الميمنة كبّر ثم حمل على ميسرة الفرس .. وتعجب الناس منه وهم لا يعرفونه )
4 ـ فى فتح حمص : ( ... فناهدهم المسلمون فكبروا تكبيرة فانهدم كثير من دور حمص وزلزلت حيطانهم فتصدعت، فكبروا ثانية فأصابهم أعظم من ذلك، )
5 ـ ( فأدخلهم الزينبي المدينة ولا يشعر القوم وبيتهم نعيم بياتاً فشغلهم عن مدينتهم، فاقتتلوا وصبروا له حتى سمعوا التكبير من ورائهم فانهزموا فقتلوا مقتلة عدوا بالقصب فيها. )
خامسا : المرتدون عماد جيوش البغى
1 ـ إرتدوا رفضا لجمع ابى بكر المال. ثم أجبرتهم قريش على العودة ، مقابل أن تتوجه قوتهم الحربية للغزو الخارجى فى سبيل إلاههم الأعظم ، وهو المال. وكان قادة المرتدين ضمن قادة الغزو . ونستشهد بهذه الرواية : ( وسار هاشم من المدائن بعد قسمة الغنيمة في اثني عشر ألفاً، منهم وجوه المهاجرين والأنصار وأعلام العرب ممن كان ارتد ومن لم يرتد، ...)
2 ـ طليحة بن عبيد الله كان من زعمار حركة الردة وزعم النبوة ، ثم دخل فى طاعة قريش ، . وكان عمرو بن معد يكرب فارس المرتدين ، وكذا كان الأشعث بن قيس . وترددت إسماؤهم فى روايات الغزو ، منها :
2 : 1 : ( . ومضى طليحة وعمرو ابن معد يكرب. فلما كان آخر الليل رجع عمرو، فقالوا: ما رجعك؟ قال: سرنا يوماً وليلةً ولم نر شيئاً وخفت أن يؤخذ علينا الطريق فرجعت. ومضى طليحة ولم يحفل بهما حتى انتهى إلى نهاوند. وبين موضع المسلمين الذي هم به ونهاوند بضعة وعشرون فرسخاً. فقال الناس: ارتد طليحة الثانية. فعلم كلام القوم ورجع. فلما رأوه كبروا. فقال: ما شأنكم؟ فأعلموه بالذي خافوا عليه. )
2 / 2 :( .ذكر ليلة الهرير وقتل رستم: ..وأخذ طليحة وراء العسكر وكبر ثلاث تكبيرات ثم ذهب وقد ارتاع أهل فارس ..)
2 / 3 :( ... فأرسل إليهم عبد الله: إذا سمعتم تكبيرنا فاعلموا أنا أخذنا أبواب الخندق فخذوا الأبواب التي تلي دجلة وكبروا واقتلوا من قدرتم عليه.وخرج إلى طليحة عظيم منهم، فقتله طليحة،)
2 / 4 :( ..ثم زحف الرؤساء ورحا الحرب تدور على القعقاع، وتقدم حنظلة بن الربيع وأمراء الأعشار وطليحة وغالب وحمال وأهل النجدات، ولما كبر الثالثة لحق الناس بعضهم بعضاً وخالطوا القوم )
2 / 5 :(..وخرج فارسي فطلب البراز، فبرز إليه عمرو بن معدي كرب، فأخذه وجلد به الأرض، فذبحه وأخذ سواريه ومنطقته. )
2 / 6 ( وحملت الفيلة عليهم ففرقت بين الكتائب، فنفرت الخيل، وكانت الفرس قد قصدت بجيلة بسبعة عشر فيلاً، فنفرت خيل بجيلة، فكادت بجيلة تهلك لنفار خيلها عنها وعمن معها، وأرسل سعد إلى بني أسد أن دافعوا عن بجيلة وعمن معها من الناس. فخرج طليحة بن خويلد وحمال بن مالك في كتائبهما فباشروا الفيلة حتى عدلها ركبانها. وخرج إلى طليحة عظيم منهم، فقتله طليحة، )
2 / 7 :( وقام الأشعث بن قيس في كندة حين استصرخهم سعد فقال: يا معشر كندة لله در بني أسد أي فري يفرون واي هذٍّ يهذون عن موقفهم، أغنى كل قوم ما يليهم، وأنتم تنتظرون من يكفيكم، أشهد ما أحسنتم أسوة قومكم من العرب. )
2 / 8 : ( .. وتكلم عمرو بن معد يكرب فقال: ناهدهم وكابرهم ولا تخفهم، ..وقال طليحة: أرى أن نبعث خيلاً لينشبوا القتال فإذا اختلطوا بهم رجعوا إلينا استطراداً فإنا لم نستطرد لهم في طول ما قاتلناهم، فإذا رأوا ذلك طمعوا وخرجوا فقاتلناهم حتى يقضي الله فيهم وفينا ما أحب. )
سادسا : كل شىء فى بغيهم ينسبونه لله جل وعلا ، ومنه :
1 ـ الاسراف فى القتل الباغى يجعلونه بمشيئة الله جل وعلا عن ذلك علوا كبيرا : (... وفتح المسلمون جور ثم إصطخر وقتلوا ما شاء الله، ..)
2ـ إحتمال النصر أو الهزيمة :
2 / 1 : ( ذكر فتح قزوين وزنجان: لما سير المغيرة جريراً إلى همذان ففتحها سير البراء بن عازب في جيش إلى قزوين وأمره أن يسير إليها فإن فتحها الله على يده غزا الديلم منها )
2 / 2 : كتب عمر الى سعد بن أبى وقاص : ( .. وإن هزم الله الفرس فاجعل القعقاع بين السواد والجبل، وليكن الجند اثني عشر ألفاً. )
3 ـ استمرار القتال بمشيئة الله : ( وأنشب النعمان القتال بعد حط الأثقال، فاقتتلوا يوم الأربعاء ويوم الخميس والحرب بينهم سجالٌ وإنهم انجحروا في خنادقهم يوم الجمعة، وحصرهم المسلمون وأقاموا عليهم ما شاء الله..)
4 ـ فى الحصار : ( .ذكر فتح فسا ودارابجرد: وقصد سارية بن زنيم الدئلي فسا ودار ابجرد حتى انتهى إلى عسكرهم فنزل عليهم وحاصرهم ما شاء الله..)
5 ـ وحتى صبرهم فى القتال الباغى : ( وأفرغ الله الصبر عليهم إفراغاً .. )
6 ـ وحتى الرأى الحربى يجعلونه وحيا إلاهيا : ( وكان يوم عماس من أوله إلى آخره شديداً، العرب والعجم فيه سواء، ولا تكون بينهم نقطة إلا أبلغوها يزدجر بالأصوات، فيبعث إليهم أهل النجدات ممن عنده، فلولا أن الله ألهم القعقاع ما فعل في اليومين وإلا كسر ذلك المسلمين. ).
أخيرا :
تطور هذا فى العصر الأموى ، إذ آمن الأمويون بأن الله جل وعلا هو الذى يقوم بالبغى والعدوان . وبرروا بهذا كل فظائعهم . يرتكبون البغى ويقولون هذه مشيئة الله . وعرضنا لهذا بالتقصيل فى بحث عن فلسفة الجبرية فى الدولة الأموية.



الفصل السادس : الخلفاء الفاسقون هم الأكثر وحشية فى التاريخ لأنهم جعلوا القتل دينا
مقدمة :
1 ـ عاشت البشرية كارثتى حربين عالميتين :
1 / 1 : الحرب العالمية الأولى إستمرت أربع سنوات فقط (28 يوليو 1914 : 11 نوفمبر 1918 ) وخلفت ( مليون قتيل وحوالى 21 مليون جريح ).
1 / 2 الحرب العالمية الثانية إستمرت ست سنوات :( سبتمبر 1939 : سبتمبر 1945 ) شارك فيها أكثر من 100 مليون شخص و 30 دولة . وصل عدد القتلى من المدنيين والعسكرين ما بين 50 الى 85 مليون شخص . هذا بسبب المذابح وقصف المدن واستعمال الأسلحة الدمار الشامل ومنها القنبلة الذرية .
2 ـ نرى أن الحرب التى أشعلها الخلفاء الفاسقون ( أبو بكر وعمر وعثمان ) أفظع من الحربين العالميتين للأسباب التالية :
2 / 1 : هى حرب عالمية ولكن من طرف واحد معتد هاجم الآخرين شرقا وغربا ، اسقط الامبراطورية الفارسية وتعدّاها شرقا ، وهزم الامبراطورية البيزنطية وتوسع على حسابها من الشام الى شمال أفريقيا.
2 / 2 : استمرت الحربان العالميتان عشر سنوات فقط ، بينما إستمرت حرب الخلفاء الفاسقين 22 عاما . بدأها أبوبكر فى شهر محرم عام 12 واستمرت هادرة تقيم حمامات دم بلا توقف حتى قبيل مقتل عثمان بعامين.
2 / 3 : كان ضحايا الحربين العالميتين عشرات الملايين من القتلى والجرحى ، أضعاف أضعاف القتلى فى حرب الخلفاء الفاسقين ، ولكن هذا لا يمنع من كون الخلفاء الفاسقين هم الأكثر وحشية ، لأن:
2 / 3 / 1 : نوعية السلاح المستخدم : كان فرديا فى عصر الخلفاء الفاسقين (سيف يقابله سيف ورمح يقابله رمح ). أما السلاح الحديث فهو يقتل الآلاف فى أقل وقت ممكن.
2 / 3 / 2 : حرب الخلفاء الفاسقين لم تعرف الجرحى ، بل كان يتم ( التزفيف ) عليهم أى قتلهم أو تركهم يموتون، ولم تكن تعرف الأسر ، فالقاعدة عندهم قتل كل ( المقاتلة ) وسبى نسائهم وأولادهم وبناتهم ، مع حقن دماء الفلاحين ومن يجمع منهم الخراج أو الضرائب . لم تصل وحشية الحربين العالميتين الى هذا المستوى فى التعامل مع الجرحى والأسرى والنساء والأطفال.
2 / 3 / 3 : لم تتأسّس الحربان العالميتان على دين أرضى ، بل كانت تنافسا (علمانيا ) على حُطام الدنيا بلا أى خلفية دينية . لذا كان سهلا الشعور بالذنب ومحاولة الاصلاح بعد الحرب العالمية الأولى بتأسيس عُصبة الأمم ، ثم بعد الحرب العالمية تم تأسيس الأمم المتحدة ومؤسساتها لمنع تكرار الحروب العالمية . أما حرب الخلفاء الفاسقين فهى ظاهرة لم تنته بموت طُغاتها . توقفت فقط عندما إختلفوا على الغنائم وتحاربوا ، ثم بعدها تأسس حكم الأمويين فإستأنفوا الغزو حتى وصلوا الى مشارف الصين شرقا وأسوار القسطنطينية شمالا وجنوب فرنسا غربا مع إستمرار الأمويين فى حرب أهلية مع خصومهم الخوارج والشيعة وغيرهم. الأسوأ أن تلك الحروب المسلحة الدينية تأسّس عليها دينا السُّنّة والتشيع ، والطغاة من أولئك الخلفاء الفاسقين أصبحوا آلهة معصومة من الخطأ . لذا إستمرت الحروب الدينية مع الخارج والحروب الأهلية فى الداخل . وتتبعناها فى سلسلة مقالات منشورة عن ( مسلسل الدماء ) وفيما كتبنا عن الوهابية والسعودية وداعش.
2 / 4 : نتخيل أن الخلفاء الفاسقين كان لديهم اسلحة عصرية ، وهم يعتبرون قتل الآخر عبادة وجهادا فكم سيكون عدد القتلى ؟
3 : هنا نتذكر قوله جل وعلا لخاتم النبيين عليهم السلام : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) الأنبياء 107 ) . أرسل الله جل وعلا رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين. فأرسل الشيطان الخلفاء الفاسقين لقتل من يستطيعون من العالمين . ولا يزال خلفاؤهم على سُنّة الشيطان سائرين .
4 ـ نعطى نماذج من وحشيتهم فى القتال فيما بين سطور تفصيلات الغزو :
أولا : إحصاءات لعدد القتلى من الأبطال المدافعين عن أوطانهم وأهاليهم
1 ـ ( وقعة البويب: عام 13 .لما بلغ عمر خبر وقعة أبي عبيد بالجسر ندب الناس إلى المثنى.. وكتب إلى أهل الردة فلم يأته أحد إلا رمى به المثنى، وبعث المثنى الرسل فيمن يليه من العرب فتوافوا إليه في جمع عظيم .... حتى هزموا الفرس، وسبقهم المثنى إلى الجسر وأخذ طريق الأعاجم، فافترقوا مصعدين ومنحدرين، وأخذتهم خيول المسلمين حتى قتلوهم وجعلوهم جثاً .فما كانت بين المسلمين والفرس وقعة أبقى رمة منها، بقيت عظام القتلى دهراً طويلاً، وكانوا يحرزون القتلى مائة ألف، وسمي ذلك اليوم الأعشار، أحصي مائة رجل قتل كل رجل منهم عشرة... وقتل المشركون فيما بين السكون اليوم وضفة الفرات وتبعهم المسلمون إلى الليل ومن الغد إلى الليل. وكان قد أصاب المسلمون غنماً ودقيقاً وبقراً فبعثوا به إلى عيال من قدم من المدينة وهم بالقوادس. .. فأغاروا حتى بلغوا ساباط، وتحصن أهله منهم واستباحوا القرى ). شارك فيها المرتدون السابقون ، أرسلهم عمر بن الخطاب مددا للمثنى فجاءوا اليه فى ( جمع عظيم ) . بلغ عدد القتلى 100 ألف ، وجثث القتلى من الفرس ملأت المكان ، وبعدها طارد البُغاة من أفلت من القتل ، وإستباحوا القرى قتلا وسلبا ونهبا وسبيا وإسترقاقا. عليهم اللعنة.
2 ـ ( ذكر وقعة جلولاء وفتح حلوان:
2 / 1 (... وخرجت الفرس وقد احتفلوا، فاقتتلوا، فأرسل الله عليهم الريح حتى أظلمت عليهم البلاد فتحاجزوا فسقط فرسانهم في الخندق، ... فانهزم المشركون عن المجال يمنة ويسرة فهلكوا فيما أعدوا من الحسك، فعقرت دوابهم وعادوا رجالة واتبعهم المسلمون فلم يفلت منهم إلا من لا يعد، وقتل يومئذٍ منهم مائة ألف، فجللت القتلى المجال وما بين يديه وما خلفه فسميت جلولاء بما جللها من قتلاهم، فهي جلولاء الوقيعة. ).
2 / 2 : وفى رواية أخرى : ( وقد أخذ به وأخذ المشركون في هزيمة يمنة ويسرة عن المجال الذي بحيال خندقهم فهلكوا فيما أعدوا للمسلمين فعقرت دوابهم وعادوا رجالة وأتبعهم المسلمون فلم يفلت منهم إلا من لا يعد . وقتل الله منهم يومئذ مائة ألف فجللت القتلى المجال وما بين يديه وما خلفه فسميت جلولاء بما جللها من قتلاهم فهي جلولاء الوقيعة ) فى الروايتين : القتلى 100 ألف.
3 / نهاوند عام 21 :
3 / 1 : (... فاقتتلوا. فلما أظلم الليل عليهم انهزم المشركون وذهبوا ولزمهم المسلمون وعمي عليهم قصدهم فتركوه وأخذوا نحو اللهب الذي كانوا دونه بأسبيذهان فوقعوا فيه، فكان الواحد منهم يقع فيقع عليه ستة بعضهم على بعضهم في قياد واحد فيقتلون جميعاً، وجعل يعقرهم حسك الحديد، فمات منهم في اللهب مائة ألف أو يزيدون سوى من قتل في المعركة.) 100 الف حرقا بالنار سوى من قُتل فى المعركة.!
3 / 2 :وفى رواية أخرى : ( ورجع إلى موقفه فكبر ثلاثاً والناس سامعون مطيعون مستعدون للقتال، وحمل النعمان والناس معه وانقضت رايته انقضاض العقاب والنعمان معلم ببياض القباء والقلنسوة، فاقتتلوا قتالاً شديداً لم يسمع السامعون بوقعة كانت أشد منها، وما كان يسمع إلا وقع الحديد، وصبر لهم المسلمون صبراً عظيماً، وانهزم الأعاجم وقتل منهم ما بين الزوال والإعتام ما طبق أرض المعركة دماً يزلق الناس والدواب. وقيل: قتل في اللهب ثمانون ألفاً وفي المعركة ثلاثون ألفاً سوى من قتل في الطلب، ولم يفلت إلا الشريد، )
4 ـ ( وقعة الثني :... وقتل من الفرس مقتلة عظيمة يبلغون ثلاثين ألفاً سوى من غرق ومنعت المياه المسلمين من طلبهم... ) لولا الماء لإزداد عدد القتلى .!
5 ـ (وقعة أليس.. على الفرات : ..... وبلغ عدد القتلى سبعين ألفاً... )
6 : ( ذكر فتح قيسارية وحصر غزة: .. فسار معاوية إليها فحصر أهلها، فجعلوا يزاحفونه وهو يهزمهم ويردهم إلى حصنهم. ثم زاحفوه آخر ذلك مستميتين، وبلغت قتلاهم في المعركة ثمانين ألفاً وكملها في هزيمتهم مائة ألف وفتحها، )
ثانيا : تقديرات للقتلى الأبطال بدون حساب
1 ـ أغار المثنى على الأسواق التى يتجمع فيها الباعة والمشترون . نقتطف من الرواية : (وجاء إلى المثنى رجلان أحدهما أنباري فدله على سوق الخنافس، والثاني حيري دله على بغداذ قال المثنى: أيتهما قبل صاحبتها. فقال: بينهما مسيرة أيام. قال: أيهما أعجل؟ قالا: سوق الخنافس يجتمع بها تجار مدائن كسرى والسواد وربيعة وقضاعة يخفرونهم. فركب المثنى وأغار على الخنافس يوم سوقها وبها خيلان من ربيعة وقضاعة، وعلى قضاعة رومانس بن وبرة، وعلى ربيعة السليل بن قيس وهم الخفراء، فانتسف السوق وما فيها وسلب الخفراء. ثم رجع فأتى الأنبار فتحصن أهلها منه، فلما عرفوه نزلوا إليه وأتوا بالأعلاف والزاد، وأخذ منهم الأدلاء على سوق بغداذ وأظهر لدهقان الأنبار أنه يريد المدائن، وسار منها إلى بغداذ ليلاً وعبر إليهم وصبحهم في أسواقهم فوضع السيف فيهم وأخذ ما شاء. وقال المثنى: لا تأخذوا إلا الذهب والفضة والحر من كل شيء ... ثم سار بهم إلى الأنبار، وكان من خلفه من المسلمين يمخرون السواد ويشنون الغارات ما بين أسفل كسكر وأسفل الفرات، .. ولما رجع المثنى من بغداذ إلى الأنبار بعث المضارب العجلي في جمع إلى الكباث وعليه فارس العناب التغلبي، ثم لحقهم المثنى فسار معهم، فوجدوا الكباث قد سار من كان به عنه ومعهم فارس العناب، فسار المسلمون خلفه فلحقوه وقد رحل من الكباث، فقتلوا في أخريات أصحابه وأكثروا القتل . )
2 ـ ( وكان خليد قد أمر أصحابه أن يقاتلوا رجالةً فقتلوا من أهل فارس مقتلة عظيمة، ... وكان أهل إصطخر حيث أخذوا الطريق على المسلمين، فجمعوا أهل فارس عليهم فجاؤوا من كل جهة فالتقوا هم وأبو سبرة بعد طاووس وقد توافت إلى المسلمين أمدادهم، وعلى المشركين شهرك، فاقتتلوا ففتح الله على المسلمين وقتل المشركين وأصاب المسلمون منهم ما شاؤوا، )
3 ـ ذكر فتح رامهرمز وتستر وأسر الهرمزان: ( وسار النعمان أيضاً وسار حرقوص وسلمى وحرملة وجزء فاجتمعوا على تستر وبها الهرمزان وجنوده من أهل فارس والجبال والأهواز في الخنادق، وأمدهم عمر بأبي موسى وجعله على أهل البصرة، وعلى الجميع أبو سبر، فحاصروهم أشهراً وأكثروا فيهم القتل، )
4 ـ ( ذكر فتح همذان ثانياً: .. فاجتمعوا وتحصن منهم أمراء المسالح وبعثوا إلى نعيم بالخبر، فاستخلف يزيد بن قيس الهمذاني وخرج إليهم، فاقتتلوا بواج روذ قتالاً شديداً، وكانت وقعة عظيمة تعدل بنهاوند، فانهزم الفرس هزيمة قبيحة وقتل منهم مقتلة كبيرة لا يحصون، )
5 ـ ( وقام الجالينوس على الردم ونادى الفرس إلى العبور، وأما المقترنون فإنهم جشعوا فتهافتوا في العتيق، فوخزهم المسلمون برماحهم فما أفلت منهم مخبر، وهم ثلاثون ألفاً، ... وقتلوا في المعركة عشرة آلاف سوى من قتلوا في الأيام قبله، )
6 ـ هذه رواية تستحق التأمل : ( .. وأمر القعقاع وشرحبيل باتباعهم حتى بلغا مقدار الخرارة من القادسية، وخرج زهرة بن الحوية التميمي في آثارهم في ثلاثمائة فارس، ثم أدركه الناس فلحق المنهزمين والجالينوس يجمعهم، فقتله زهرة وأخذ سلبه، وقتلوا ما بين الخرارة إلى السيلحين إلى النجف، وعادوا من أثر المنهزمين ومعهم الأسرى، فرؤي شاب من النخع وهو يسوق ثمانين رجلاً أسرى من الفرس... ولما اتبع المسلمون الفرس كان الرجل يشير إلى الفارسي فيأتيه فيقتله، وربما أخذ سلاحه فقتله به، وربما أمر رجلين فيقتل أحدهما صاحبه.).
7 ـ ( ... فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس فخرجوا في إصطخر وبإزائهم أهل فارس وعلى أهل فارس الهربذ اجتمعوا عليه .. فاقتتل القوم فقتل أهل فارس مقتلة لم يقتلوا مثلها قبلها )
8 ـ(وقعة الولجة : ... فانهزمت الأعاجم، وأخذ خالد من بين أيديهم والكمين من خلفهم فقتل منهم خلقاً كثيراً.. )
9 ـ ( ذكر فتح شهرزور والصامغان: لما استعمل عمر عزرة بن قيس على حلوان حاول فتح شهرزور، فلم يقدر عليها، فغزاها عتبة بن فرقد ففتحها بعد قتال .. .. وقتل خلقاً كثيراً من الأكراد. وكتب إلى عمر: إن فتوحي قد بلغت أذربيجان. فولاه إياها )
10 ـ ( ثم إن عمراً سار إلى الإسكندرية، وكان من بين الإسكندرية والفسطاط من الروم والقبط قد تجمعوا له وقالوا: نغزوه قبل أن يغزونا ويروم الإسكندرية. فالتقوا واقتتلوا، فهزمهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، )
11 ــ ذكر فتح الري.. ( .. فأدخلهم الزينبي المدينة ولا يشعر القوم وبيتهم نعيم بياتاً فشغلهم عن مدينتهم، فاقتتلوا وصبروا له حتى سمعوا التكبير من ورائهم فانهزموا فقتلوا مقتلة عدوا بالقصب فيها، )
12 ـ ( ذكر الخبر عن فتح توج: ... فقصد مجاشع بن مسعود لسابور وأردشير خرة، فالتقى هو والفرس بتوج فاقتتلوا ما شاء الله، ثم انهزم الفرس وقتلهم المسلمون كيف شاؤوا كل قتلة وغنموا ما في عسكرهم وحصروا توج فافتتحوها وقتلوا منهم خلقاً كثيراً وغنموا ما فيها، )
13 ـ ( ذكر فتح إصطخر وجور وغيرهما: ..وقصد عثمان بن أبي العاص الثقفي لإصطخر فالتقى هو وأهل إصطخر بجور فاقتتلوا وانهزم الفرس وفتح المسلمون جور ثم إصطخر وقتلوا ما شاء الله، ثم فر منهم من فر، )
ثالثا : قتلهم الأبطال غدرا :
( وخرج عبدالله بن عامر من البصرة يريد خراسان .. وضرب يومئذ سعيد رجلا من المشركين على حبل عاتقه فخرج السيف من تحت مرفقه وحاصرهم فسألوا الأمان فأعطاهم على ألا يقتل منهم رجلا واحدا ففتحوا الحصن فقتلهم جميعا إلا رجلا واحدا )
رابعا : قتل جميع الأسرى :
1 ـ هنا رواية تستحق التأمل : (وقعة أليس.. على الفرات : .. واقتتلوا قتالاً شديداً والمشركون يزيدهم ثبوتاً توقعهم قدوم بهمن جاذويه، فصابروا المسلمين، فقال خالد: اللهم إن هزمتهم فعلي أن لا أستبقي منهم من أقدر عليه حتى أجري من دمائهم نهرهم. فانهزمت فارس فنادى منادي خالد: الأسراء الأسراء إلا من امتنع فاقتلوه. فأقبل لهم المسلمون أسراء ووكل بهم من يضرب أعناقهم يوماً وليلةً. فقال له القعقاع وغيره: لو قتلت أهل الأرض لم تجر دماؤهم، فأرسل عليها الماء تبر يمينك؛ ففعل، وسمي نهر الدم ...)
2 ـ (عين التمر : ... وسار عقة إلى خالد فالتقوا، فحمل خالد بنفسه على عقة وهو يقيم صفوفه، فاحتضنه وأخذه أسيراً ، وانهزم عسكره من غير قتال فأسر أكثرهم..فلما بلغ الخبر مهران هرب في جنده وتركوا الحصن، فلما انتهى المنهزمون إليه تحصنوا به، فنازلهم خالد، فطلبوا منه الأمان، فأبى، فنزلوا على حكمه، فأخذهم أسرى وقتل عقة ، ثم قتلهم أجمعين ..).
3 ـلمجرد التذكرة : قلنا من قبل أنه يحرم قتل الأسير فى الاسلام. الأسير هنا هو فى جيش معتدى.
خامسا : قتل الجميع
1 ـ ( فساروا حتى لقوا عدواً من الأكراد المشركين .. فقاتلوهم فهزموهم ، وقتلوا المقاتلة ، وسبوا الذرية فقسمه بينهم.. )
2 ـ ( ذكر فتح تكريت والموصل: ... فلما دخلوا المدينة كبروا فيها وكبر المسلمون من خارج وفتحت الأبواب فاجتلدوا فيها فأناموا كل مقاتل.). أناموا أى قتلوا.!
3 ـ ( ولحق سلمان بن ربيعة الباهلي وعبد الرحمن بن ربيعة بطائفة منهم قد نصبوا راية وقالوا: لا نبرح حتى نموت، فقتلهم سلمان ومن معه. ). هؤلاء أبطال رفضوا الهرب وصمموا على الصمود فكان مصيرهم القتل.
أخيرا :
1 ـ هتلر نفسه لو قرأ هذا لشعر بالخجل .
2 ـ حتى لا ننسى : صلاتهم الشيطانية هى التى شجعتهم على هذا التوحش فى القتل .

الفصل السابع : لأن الخلفاء الفاسقين جعلوا الوحشية فى القتل دينا فقد إستمرت بعدهم
مقدمة :
1 ـ لا بد أن يستمر القتل الوحشى طالما جعله الخلفاء الفاسقون دينا. إرتد سلاح القتل الوحشى الى صدور صحابة الفتوحات من القرشيين والأعراب فيما يعرف بالفتنة الكبرى ، وإستمرت الفتوحات والفتن الكبرى أو الحروب الأهلية فى تاريخ الخلفاء الأمويين والعباسيين والفاطميين والعثمانيين ، وفى عصرنا اعاد الوهابيون السعدويون هذا القتل الوحشى فى إقامة دولتهم الأولى والثانية والثالثة الراهنة ، وإنتشرت الوهابية بين المحمديين ترتكب هذه الوحشية فى القتل على أنه فريضة وعبادة إسلامية أسموها الجهاد الاسلامى وفى حديث إفتره جعلوا هذا الجهاد ( ذروة الأمر وسنامه ) أى أرفع العبادات فى دينهم الأرضى الشيطانى الذى نسبوه الى الاسلام زورا وبهتانا. وفى عصرنا شهدنا ما تفعله داعش ، وهى الانتاج الراهن للوهابية.
2 ـ وحتى لا يضيع منا الخيط نذكّر : أن روّاد هذه التطرف فى الكفر هم الخلفاء الفاسقين الذين وصفوهم بالراشدين ظلما ، وان دينهم الشيطانى إعتمد على ( صلاة شيطانية ) تحثهم على هذا القتل الوحشى للحصول على المال ، وهو إلاههم الأعظم.
3ـ وتاريخ الأمويين ومن جاء بعدهم يعُجُّ بألاف الأحداث عن هذا القتل الوحشى سواء فى غزو الآخرين أو فى حروب أهلية ، وكلها فى سبيل الشيطان أو فى سبيل معبودهم الأكبر ( المال) .
4 ـ نكتفى بمثال واحد حدث عام 98 فى خلافة سليمان بن عبد الملك الأموى حين أعاد القائد يزيد بن المهلب فتح ( جرجان ) وكيف إنتقم من أهلها إنتقاما يفوق ما فعله خالد بن الوليد فى قتله لأسرى (أليس ) العراقية التى عرضنا لها آنفا . فيما فعله يزيد بن المهلب مع أهل جرجان نذكر بعض تفصيلات من روايات الطبرى ورواية ابن الأثير فى تاريخ ( الكامل ) ثم رواية ابن الجوزى فى تاريخه ( المنتظم ) . وفى النهاية نعلق عليها :
أولا : مقتطفات من روايات الطبرى
عام 98
1 ـ ( وفي هذه السنة فتح يزيد جرجان الفتح الآخر بعد غدرهم بجنده ونقضهم العهد .. ثم إن يزيد لما صالح أهل طبرستان قصد لجرجان فأعطى الله عهدا لئن ظفر بهم ألا يقلع عنهم ولايرفع عنهم السيف حتى يطحن بدماءهم ويختبز من ذلك الطحين ويأكل منه . .. وأقبل يزيد حتى نزل عليها وهم متحصنون فيها وحولها غياض ( أى غابات ) يعرف لها إلا طريق واحد ، فأقام بذلك سبعة أشهر لا يقدر منهم على شيء ولا يعرف لهم مأتى إلا من وجه واحد فكانوا يخرجون في الأيام فيقاتلونه ويرجعون إلى حصنهم .. فخرج رجل من عسكره من طيىء يتصيد فأبصر ( وعلا ) ( أى غزال جبلى ) يرقي في الجبل، فاتبعه، وقال لمن معه : "قفوا مكانكم ". ووقل في الجبل يقتص الأثر فما شعر بشيء حتى هجم على عسكرهم فرجع يريد أصحابه ..فانطلق به ابنا زحر حتى أدخلاه على يزيد فأعلمه .. فأمر له بأربعة آلاف ، وندب الناس فانتدب ألف وأربعمائة ، فقال : " الطريق لا يحمل هذه الجماعة لالتفاف الغياض ( أى الغابات ) ، فاختار منهم ثلاثمائة ، فوجههم واستعمل عليهم جهم بن زحر . .. وقال يزيد للرجل الذي ندب الناس معه : " متى تصل إليهم ؟ " قال : " عند العصر فيما بين الصلاتين " قال : " امضوا على بركة الله فإني سأجهد على مناهضتهم غدا عند صلاة الظهر. " . فساروا فلما قارب انتصاف النهار من غد أمر يزيد الناس أن يشعلوا النار في حطب كان جمعه في حصاره إياهم ، فصيره آكاما فأضرموه نارا ، فلم تزل الشمس حتى صار حول عسكره أمثال الجبال من النيران . ونظر العدو إلى النار فهالهم ما رأوا من كثرتها ، فخرجوا إليهم . وأمر يزيد الناس حين زالت الشمس فصلوا فجمعوا بين الصلاتين ، ثم زحفوا إليهم ، فاقتتلوا ، وسار الآخرون بقية يومهم والغد فهجموا على عسكر الترك قبيل العصر وهم آمنون من ذلك الوجه ، ويزيد يقاتل من هذا الوجه، فما شعروا إلا بالتكبير من ورائهم ، فانقطعوا جميعا إلى حصنهم، وركبهم المسلمون فأعطوا بأيديهم ، ونزلوا على حكم يزيد ، فسبى ذراريهم ، وقتل مقاتلتهم ، وصلبهم فرسخين عن يمين الطريق ويساره ، وقاد منهم اثني عشر ألفا إلى الأندرهز وادي جرجان وقال من طلبهم بثأر فليقتل فكان الرجل من المسلمين يقتل الأربعة والخمسة في الوادي ، وأجرى الماء في الوادي على الدم، وعليه أرحاء ( رحى للطحن ) ليطحن بدمائهم ، ولتبر يمينه ، فطحن واختبز . ( أى عمل منه خبزا ) .
2 ـ رواية أخرى : (دعا يزيد جهم بن زحر فبعث معه أربعمائة رجل حتى أخذوا في المكان الذي دلوا عليه وقد أمرهم يزيد فقال إذا وصلتم إلى المدينة فانتظروا حتى إذا كان في السحر فكبروا ثم انطلقوا نحو باب المدينة فإنكم تجدوني وقد نهضت بجميع الناس إلى بابها فلما دخل ابن زحر المدينة أمهل حتى إذا كانت الساعة التي أمره يزيد أن ينهض فيها مشى بأصحابه فأخذ لا يستقبل من أحراسهم أحدا إلا قتله وكبر ففزع أهل المدينة فزعا لم يدخلهم مثله قط فيما مضى فلم يرعهم إلا والمسلمون معهم في مدينتهم يكبرون فدهشوا فألقى الله في قلوبهم الرعب وأقبلوا لا يدرون أين يتوجهون غير أن عصابة منهم ليسوا بالكثير قد أقبلوا نحو جهم بن زحر فقاتلوا ساعة فدقت يد جهم وصبر لهم هو وأصحابه فلم يلبثوهم أن قتلوهم إلا قليلا وسمع يزيد بن المهلب التكبير فوثب في الناس إلى الباب فوجدوهم قد شغلهم جهم بن زحر عن الباب فلم يجد عليه من يمنعه ولا من يدفع عنه كبير دفع ففتح الباب ودخلها من ساعته فأخرج من كان فيها من المقاتلة فنصب لهم الجذوع فرسخين عن يمين الطريق ويساره فصلبهم أربعة فراسخ وسبى أهلها وأصاب ما كان فيها )
3 ( وكتب يزيد إلى سليمان بن عبد الملك : " أما بعد فإن الله قد فتح لأمير المؤمنين فتحا عظيما ، وصنع للمسلمين أحسن الصنع ، فلربنا الحمد على نعمه وإحسانه ، أظهر في خلافة أمير المؤمنين على جرجان وطبرستان ، وقد أعيا ذلك سابور ذا الأكتاف وكسرى بن قباذ وكمري بن هرمز وأعيا الفاروق عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ومن بعدهما من خلفاء الله ، حتى فتح الله ذلك لأمير المؤمنين كرامة من الله له وزيادة في نعمه عليه . وقد صار عندي من خمس ما أفاء الله على المسلمين بعد أن صار إلى كل ذي حق حقه من الفيء والغنيمة ستة آلاف ألف وأنا حامل ذلك إلى أمير المؤمنين إن شاء الله . ) إنتهى .
ثانيا : فى ( الكامل ) لابن الأثير :
( ذكر فتح جرجان الفتح الثاني: قد ذكرنا فتح جرجان وقهستان وغدر أهل جرجان، فلما صالح يزيد أصبهبذ طبرستان سار إلى جرجان ، وعاهد الله تعالى لئن ظفر بهم لا يرفع السيف حتى يطحن بدمائهم ويأكل من ذلك الطحين. فأتاها وحصر أهلها بحصن .. فحصرهم يزيد فيها سبعة أشهر وهم يخرجون إليه في الأيام فيقاتلونه ويرجعون. بينا هم على ذلك إذ خرج رجل من عجم خراسان يتصيد، وقيل: رجل من طيء، فأبصر ( وعلاً ) في الجبل ، ولم يشعر حتى هجم على عسكرهم .. فأتى يزيد فأخبره، فضمن له يزيد دية إن دلهم على الحصن، فانتخب معه ثلاثمائة رجل واستعمل عليهم ابنه خالد بن يزيد وقال له: إن غلبت على الحياة فلا تغلبن على الموت، وإياك أن أراك عندي مهزوماً. وضم إليه جهم بن زحر، وقال للرجل: متى تصلون؟ قال: غداً العصر. قال يزيد سأجهد على مناهضتهم عند الظهر. .. فساروا فلما كان الغد وقت الظهر أحرق يزيد كل حطب كان عندهم، فصار مثل الجبال من النيران، فنظر العدو إلى النيران فهالهم ذلك فخرجوا إليهم، وتقدم يزيد إليهم فاقتتلوا، وهجم أصحاب يزيد الذين ساروا على عسكر الترك قبل العصر وهم آمنون من ذلك الوجه، ويزيد يقاتلهم من هذا الوجه، فما شعروا إلا بالتكبير من ورائهم، فانقطعوا جميعاً إلى حصنهم، وركبهم المسلمون فأعطوا بأيديهم ونزلوا على حكم يزيد، فسبى ذراريهم وقتل مقاتلهم وصلبهم فرسخين إلى يمين الطريق ويساره وقاد منهم اثني عشر ألفاً إلى وادي جرجان وقال: من طلبهم بثأر فليقتل. فكان الرجل من المسلمين يقتل الأربعة والخمسة، وأجرى الماء على الدم وعليه أرحاء ليطحن بدمائهم ليبر يمينه، فطحن وخبز وأكل، وقيل: قتل منهم أربعين ألفاً. .... وقيل: بل قال يزيد لأصحابه لما ساروا: إذا وصلتم إلى المدينة انتظروا فإذا كان السحر كبروا واقصدوا الباب فستجدونني قد نهضت بالناس إليه. فلما دخل ابن زحر المدينة أمهل حتى كانت الساعة التي أمره يزيد أن ينهض فيها فكبر، ففزع أهل الحصن، وكان أصحاب يزيد لا يلقون أحداً إلا قتلوه، ودهش الترك فبقوا لا يدرون أين يتوجهون، وسمع يزيد التكبير فسار في الناس إلى الباب فلم يجد عنده أحدأ يمنعه وهم مشغولون بالمسلمين، فدخل الحصن من ساعته وأخرج من فيه وصلبهم فرسخين من يمين الطريق ويساره، فصلبهم أربعة فراسخ، وسبى أهلها وغنم ما فيها، وكتب إلى سليمان بالفتح يعظمه ويخبره أنه قد حصل عنده الخمس ستمائة ألف ألف.. )
ثالثا : تاريخ ( المنتظم ) لابن الجوزى ) حوادث عام 98 هجرية :
(وفيها‏:‏ غزا يزيد بن المهلب جرجان وطبرستان فى مائة الف مقاتل سوى الموالى والمتطوعين.‏ وجاء فنزل بدهستان فحاصرها ومنع عنهم المواد فبعث إليه ملكهم‏:‏ إني أريد أن أصالحك على أن تؤمنني على نفسي وأهل بيتي ومالي وأدفع إليك المدينة وما فيها وأهلها‏.‏فصالحه ووفى له ودخل المدينة ، وأخذ ما كان فيها من الأموال والكنوز ومن السبي ما لا يحصى ، وقتل أربع عشر ألف تركي صبرًا، وكتب بذلك إلى سليمان بن عبد الملك .ثم خرج حتى أتى جرجان و قد كانو يصالحون أهل الكوفة على مائة ألف ومائتي ألف وثلاثمائة ألف وقد كانوا صالحوا سعيد بن العاص ثم امتنعوا وكفروا، فلم يأت بعد سعيد إليهم أحد ، ومنعوا ذلك الطريق فلم يسلكه أحد إلا على وجل وخوف منهم‏.‏ فلما أتاهم يزيد استقبلوه بالصلح فاستخلف رجلا .......‏ ثم إنهم غدروا بجنده فقتلوا منهم ، ونقضوا العهد ، فأعطى الله عهدًا لئن ظفر بهم لا يرفع عنهم السيف حتى يطحن بدمائهم ويختبز من ذلك الطحين ويأكل ، فنزل عليها سبعة أشهر لا يقدر منهم على شيء ولا يعرف لها مأتى إلا من وجه واحد ، فكانوا يخرجون فيقاتلونهم ويرجعون إلى حصنهم ، فدله رجل على طريق آخر يشرف عليهم ، فبعث معه جندًا ، ونهض هو لقتالهم ، فركبهم المسلمون فأعطوا بأيديهم ، ونزلوا على حكمه ، فسبى ذراريهم وقتل مقاتليهم وصلبهم على الشجر عن يمين الطريق ويساره . وقاد منهم اثني عشر ألفًا إلى الوادي فقتلوا فيه فأجرى فيه دماءهم وأجرى فيه الماء وعليه أرحاء فحطن واختبز وأكل ..... وكتب يزيد إلى سليمان‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏أما بعد فإن الله تعالى ذكره قد فتح لأمير المؤمنين فتحًا عظيمًاوصنع للمسلمين أحسن الصنع فلربنا الحمد على نعمه وإحسانه واظهر في خلافة أمير المؤمنين على جرجان وطبرستان وقد أعيا ذلك سابور ذا الأكتاف وكسرى بن قباد وكسرى بنهزمز وأعيا الفاروق عمر بن الخطاب وذا النورين ومن بعدهما حتى فتح الله سبحانه ذلك لأمير المؤمنين كرامة الله عز وجل له وزيادة في نعمه عليه وقد صار عندي من خمس ما أفاء الله عز وجل على المسلمين بعد أن صار إلى كل ذي حق حقه من الفيء والغنيمة سبعة آلاف ألف وأنا حامل هذا لأمير المؤمنين إن شاء الله‏.‏ )
رابعا : التعليق
1 ـ هذه روايات تختلف فى بعض التفاصيل ، ولكن الأساس فيها واحد ، وهو عن إعادة ( فتح ) جرجان فى خلافة سليمان بن عبد الملك ، وهى الآن جورجيا وما حولها . سكان هذه البلاد لم يعتدوا على المسلمين ـ بل إن الخلفاء الفاسقين هم الذين واصلوا الغزو و الاستيلاء على تلك البلاد والهجوم عليهم فى عقر دارهم بالاثم والعدوان.
2 ـ القائد هنا هو يزيد بن المهلب بن أبى صفرة ، وهو الذى حاصر دولة دهستان ومنع عنها الطعام فاضطر الملك الى الاستسلام والنجاة بنفسه فدخل يزيد بن المهلب المدينة واستولى على ما فيها من أموال وكنوز واسترق ما لا يحصى من أهلها ، وقتل منهم 14 الف انسان ( صبرا ) أى يلقيه فى سجن محكم بلا طعام ولا شراب الى ان يموت بعد ما نتخيله من ألم يعجز الصبر عن تحمله ، وهى من الطرق الوحشية فى القتل ، حيث أن أرحم طرق القتل هو أسرعها وليس أبطأها..وكتب القائد ( المظفر ) الى الخليفة يفتخر بما فعل ..
3 ـ وهاجم يزيد جرجان أو ما يعرف الان بجورجيا ، وقد كانت خاضعة للأمويين من قبل ولكنهم ثاروا على الاحتلال طالبين الحرية ، أو بتعبير الراوى ( إمتنعوا وكفروا ) فذهب يزيد لاخضاعهم بجيشه فاستقبلوه بالصلح ، فلما ولى عنهم بمعظم جيشه عادوا للثورة أو بتعبير الراوى ( غدروا بجنده فقتلوا منهم ونقضوا العهد ) فاقسم يزيد بن بن المهلب بعهد الله تعالى (عهدًا لئن ظفر بهم لا يرفع عنهم السيف حتى يطحن بدمائهم ويختبز من ذلك الطحين ويأكل ) فحاصرهم سبعة اشهر الى أن اقتحم المدينة وفعل باهلها شنائع بربرية ، أو بتعبير الراوى (فسبى ذراريهم وقتل مقاتليهم وصلبهم على الشجر عن يمين الطريق ويساره وقاد منهم اثني عشر ألفًا إلى الوادي فقتلوا فيه فأجرى فيه دماءهم وأجرى فيه الماء وعليه أرحاء فحطن واختبز وأكل) أى شرب دماءهم ..!!
4 ـ كل هذه الوحشية يغلفها الدين الشيطانى للخلفاء الفاسقين ، والذى يتمسح زورا وبهتانا برب العالمين . ونستشهد بما جاء فى الروايات :
4 / 1 : إستعمال إسم الله جل وعلا فى إرتكاب هذه الشنائع :
4 / 1 / 1 : ( وفي هذه السنة فتح يزيد جرجان الفتح الآخر بعد غدرهم بجنده ونقضهم العهد .. ثم إن يزيد لما صالح أهل طبرستان قصد لجرجان فأعطى الله عهدا لئن ظفر بهم ألا يقلع عنهم ولايرفع عنهم السيف حتى يطحن بدماءهم ويختبز من ذلك الطحين ويأكل منه ) ( وعاهد الله تعالى لئن ظفر بهم لا يرفع السيف حتى يطحن بدمائهم ويأكل من ذلك الطحين. ) . أى يعاهد الله على أن يفعل بهم هذا. هو يعاهد الشيطان . وليس رب العزة أرحم الراحمين والذى من ضمن أسمائه الحسنى ( السلام ).
4 / 1 / 2 : ( قال : " امضوا على بركة الله فإني سأجهد على مناهضتهم غدا عند صلاة الظهر)
4 / 1 / 3 : ( فألقى الله في قلوبهم الرعب ) هنا إستخدام حقير لاسم رب العزة جل وعلا .
4 / 1 / 4 : على أن خطاب يزيد بن المهلب الى سليمان بن عبد الملك فى رواية الطبرى يستحق وقفة : ( وكتب يزيد إلى سليمان بن عبد الملك : " أما بعد فإن الله قد فتح لأمير المؤمنين فتحا عظيما ، وصنع للمسلمين أحسن الصنع ، فلربنا الحمد على نعمه وإحسانه ، أظهر في خلافة أمير المؤمنين على جرجان وطبرستان ، وقد أعيا ذلك سابور ذا الأكتاف وكسرى بن قباذ وكمري بن هرمز وأعيا الفاروق عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ومن بعدهما من خلفاء الله ، حتى فتح الله ذلك لأمير المؤمنين كرامة من الله له وزيادة في نعمه عليه . وقد صار عندي من خمس ما أفاء الله على المسلمين بعد أن صار إلى كل ذي حق حقه من الفيء والغنيمة ستة آلاف ألف وأنا حامل ذلك إلى أمير المؤمنين إن شاء الله . ) . نلاحظ هنا أنه :
4 / 1 / 4 / 1 : ينسب الفتح لرب العزة جل وعلا : ( فإن الله قد فتح لأمير المؤمنين فتحا عظيما ، وصنع للمسلمين أحسن الصنع ، فلربنا الحمد على نعمه وإحسانه ) ( حتى فتح الله ذلك لأمير المؤمنين كرامة من الله له وزيادة في نعمه عليه )
4 / 1 / 4 / 2 : يجعل الخلفاء الفاسقين ( خلفاء الله ) : (وأعيا الفاروق عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ومن بعدهما من خلفاء الله ، ).
4 / 1 / 4 / 3 : يجعل المال السُّحت الحرام من رب العزة جل وعلا : (وقد صار عندي من خمس ما أفاء الله على المسلمين بعد أن صار إلى كل ذي حق حقه من الفيء والغنيمة ستة آلاف ألف وأنا حامل ذلك إلى أمير المؤمنين إن شاء الله )
4 / 2 : الصلاة الشيطانية : كانت فى تفصيلات البغى الآثم :
4 / 2 / 1 : ( وقال يزيد للرجل الذي ندب الناس معه : " متى تصل إليهم ؟ " قال : " عند العصر فيما بين الصلاتين " قال : " امضوا على بركة الله فإني سأجهد على مناهضتهم غدا عند صلاة الظهر. " .
4 / 2 / 2 : ( ... وأمر يزيد الناس حين زالت الشمس فصلوا فجمعوا بين الصلاتين ..)
4 / 3 : التكبير :
4 / 3 / 1 : قال لهم : (فإذا كان السحر كبروا واقصدوا الباب فستجدونني قد نهضت بالناس إليه. فلما دخل ابن زحر المدينة أمهل حتى كانت الساعة التي أمره يزيد أن ينهض فيها فكبر، ففزع أهل الحصن.. )
4 / 3 / 2 : ( وكان أصحاب يزيد لا يلقون أحداً إلا قتلوه، ودهش الترك ، فبقوا لا يدرون أين يتوجهون، وسمع يزيد التكبير فسار في الناس ).
أخيرا :
قال جل وعلا : ( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ۙالشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ ﴿٢٥﴾ محمد )
1 ـ الشيطان أنساهم أن الجهاد فى الاسلام لرد الاعتداء و الدفاع فقط وليس للهجوم على من لا يعتدى عليك.
2 ـ الشيطان أنساهم أن الله تعالى لا يحب المعتدين . قال جل وعلا : (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ) ( البقرة 190 )
3 ـ الشيطان زين لهم سوء عملهم فرأوه حسنا . قال جل وعلا : (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) فاطر 8 ) ُ
4 ـ الشيطان أضلهم أكثر فأقنعهم أن ينسبوا جرائمهم لرب العزة الله جل وعلا .
5 ـ تخيل :
5 / 1 : هذا يحدث لبلدك فاذا قمت بثورة على الطغيان ــ وهو ما يجب عليك ــ اعتبر الاخرون ذلك كفرا و غدرا.
5 / 2 : أن يعتبر الاخرون اغتصاب نسائك واسترقاق أهلك وقتلهم وشرب دمائهم جهادا ، وهم يعتبرون دفاعك عن شرفك وكرامتك كفرا و غدرا.
6 ـ الى هذا الحد ينقلب الحق باطلا و الباطل حقا. والى هذا الحد ننسب جرائمنا لله تعالى ـ ونظلم رب الناس بعد أن ظلمنا الناس وقتلنا الناس وشربنا دماء الناس.
7 ـ واذا كتبنا هنا لانصاف الاسلام من المسلمين فان بعضهم يحتج لأنه لا يطيق أن ينتقد أحد السلف الصالح ( المجاهد ) مع أننا نستشهد بواقع تاريخنا المكتوب الذى يعد إقرارا صريحا .
8 ـ ومن عادتنا السيئة أننا نكيل بمكيالين. نهاجم الاستعمار والامبريالية ونقدس ونؤله الخلفاء الفاسقين المحتلين .
9 ـ بل و نفعل ذلك مع الله سبحانه وتعالى . ندافع عن الذين ظلموا رب العزة و نسبوا له جرائمهم. واذا كتب باحث يحاول إنصاف رب العزة والاسلام مما فعله المسلمون أصبح متهما بالخروج عن الاسلام. ..الى هذا الحد شوّهوا الاسلام .!
10 ـ بسيطة.. يوم الدين آت .. ولا مفر منه ولا مهرب.


الفصل الثامن : صلاتهم الشيطانية فى حروبهم الأهلية ( الفتنة الكبرى الأولى )
لمحة تاريخية
1 ـ نبدأ بالفتنة الكبرى الأولى التى ترتبت على الغزو الآثم ، وفيها نهب العرب كنوز فارس ومصر وما بينهما وما بعدهما شرقا وغربا
2 ـ فى خلافة عثمان اختص أهله الأمويين وقريش بالنصيب الأكبر فى توزيع المال المنهوب والأراضى الزراعية ، على حساب الأعراب وهم جند الفتوحات ، فاحتج زعماء الأعراب ـ الذين كانوا مرتدين من قبل ، وواجه عثمان احتجاجهم بالاضطهاد ( عام 33 هجرية ) فتحول الاحتجاج الى ثورة احتل فيها الثوار المدينة وقتلوا عثمان عام 35 .
3 ـ وعينوا عليا خليفة فى المدينة فأعطوا الفرصة لمعاوية للمطالبة بالثأر ، محملا عليا المسئولية .بينما ثار صحابة آخرون وتزعموا ثورة ضد (على ) وقادهم الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وعائشة ، وهزمهم (على ) فى موقعة الجمل ، وهى أول حرب طاحنة بين الصحابة ( عام 36) .
4 ـ ثم اضطر (على ) لحرب معاوية ، وكاد أن ينتصر عليه فى ( صفين ) (عام 37 ) لولا لجوء عمرو بن العاص الى خدعة التحكيم ، أى الاحتكام الى كتاب الله ، وأرغم الأعراب من شيعة (على )(عليا ) على قبول التحكيم ، رغم تحذيره لهم بأنها خدعة ، فأضاعوا الانتصار فى صفين ، ثم أرغموا (عليا ) على أن يعين مندوبا عنه فى مفاوضات التحكيم ، وهو ( أبوموسى الأشعرى ) ليتفاوض مع مندوب معاوية وهو عمرو بن العاص ، فأعطوا بذلك اعترافا صريحا بشرعية معاوية وكونه ندا ( لعلى ). وانتهى التحكيم بمهزلة خداع عمرو لأبى موسى الأشعرى ، فثار نفس الأعراب على (على ) تحت شعار ( لا حكم الا لله ) ، وطلبوا من (على ) أن يعترف بكفره ويتوب لأنه وافق على التحكيم ، كما اعترفوا هم بكفرهم وتوبتهم حين أرغموه على قبول التحكيم . ورفض (على ) فخرجوا عليه وحاربوه فهزمهم فى النهروان ، فقتله أحدهم ( ابن ملجم ) عام 40 . واكتسبوا آخر ألقابهم وهو (الخوارج ) .
5 ـ الخوارج أهم مظاهر ونتائج الفتنة الكبرى الأولى .هؤلاء الأعراب كانوا فى البداية كفارا فأسلموا بالاسلام السلوكى بمعنى السلام ودخلوا فى دين الله جل وعلا أفواجا ، كيدا لقريش ، ثم ارتدوا حين عادت السيطرة لقريش بعد موت النبى محمد ، ولما هزمهم أبوبكر عادوا تحت سيطرة قريش ـ وأفهمتهم قريش أن غزو ما حولهم من البلاد هو جهاد ، لهم به الجنة ولهم أيضا المغانم من سبى وسلب ونهب ، فأصبحوا عماد الفتوحات ، ثم أصبحوا الثوار على عثمان ، ثم شيعة على ، وفى النهاية خرجوا عليه فأصبحوا ( الخوارج ).
ترتب على الفتنة الكبرى الأولى أيضا تأسيس معاوية للدولة الأموية .فبعد قتل (على ) بايع ابنه الحسن معاوية فيما سمى بعام الجماعة (40 هجرية )، وخرج على هذا الاجماع الخوارج فظلوا فى حرب مع معاوية وبقية خلفاء الدولة الأموية الى سقوطها عام 132 هجرية.
6 ـ فى كل هذه الحروب الأهلية حافظ المتحاربون على الصلاة الشيطانية .
7 ـ وبعد هذه اللمحة التاريخية نقتطف من بين آلاف التفصيلات إشارات عن تأديتهم الصلوات الشيطانية التى تبرر لهم حروبهم وصراعهم على المال ( إلاههم الأكبر ) سواء فى الاعتداء على الخارج أو الإقتتال الأهلى فى الداخل.
أولا : إشارات عن الصلاة فى الثورة على عثمان وقتله
1 جاء الثوار الأعراب الى المدينة محتجين عليه ، ودارت مفاوضات إنتهت بإتفاق فعادوا راجعين ، وفى الطريق قبضوا على رسول من عثمان يأمر واليه بقتل وفد الثوار ، كتبه مروان بن الحكم المسيطر على عثمان ، وهو اساس الفتنة. عاد الثوار أكثر غضبا ، فدخلوا المدينة فى غفلة من أهلها. تقول الرواية ( فلم يشعر أهل المدينة إلا والتكبير في نواحيها، ونزلوها وأحاطوا بعثمان وقالوا: من كف يده فهو آمن. وصلى عثمان بالناس أياماً، ولزم الناس بيوتهم ولم يمنعوا الناس من كلامه، وأتاهم أهل المدينة وفيهم "علي" فقال لهم: ما ردكم بعد ذهابكم؟ فقالوا: أخذنا مع بريد كتاباً بقتلنا. ) . الشاهد هنا ان عثمان (صلى بالناس أياما، أى ظل محتفظا بسلطته أياما ، حيث سمح الثوار للناس أن يكلموا عثمان.
2 ـ إختلف الوضع فى صلاة الجمعة التالية ، إذ خطب عثمان وهاجم الثوار يزعم أنهم ملعونون على لسان النبى محمد كما لو أنه عليه السلام كان يعلم الغيب. تقول الرواية : ( ولما جاءت الجمعة التي على أثر دخولهم المدينة، خرج عثمان فصلى بالناس ثم قام على المنبر فقال: يا هؤلاء، الله الله! فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد، صلى الله عليه وسلم، فامحوا الخطأ بالصواب. ) . غضب الثوار : ( وثار القوم بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد، وحصبوا عثمان حتى صرع عن المنبر مغشياً عليه، فأدخل داره ) وتأتى إشارة بعدها عن الصلاة ، تقول الرواية : ( .. وصلى عثمان بالناس بعد ما نزلوا به في المسجد ثلاثين يوماً، ثم منعوه الصلاة، وصلى بالناس أميرهم الغافقي ودان له المصريون، والكوفيون والبصريون، وتفرق أهل المدينة في حيطانهم ولزموا بيوتهم لا يجلس أحد ولا يخرج إلا بسيفه ليمتنع به، وكان الحصار أربعين يوماً ومن تعرض لهم وضعوا فيه السلاح. ). صلى عثمان بالناس ثلاثين يوما ، ثم منعوه الصلاة ، وأصبح الغافقى زعيمهم هو الحاكم الذين يصلون خلفه ، وأصبح عثمان محاصرا فى داره ، وأصبح أهل المدينة تحت رحمة الثوار. وجاءت أخبار للثوار أن جيشا فى الطريق لإنقاذ عثمان فإقتحموا على عثمان داره وقتلوه. تقول الرواية : ( بقي عثمان ثلاثة أيام لا يدفن، ) ثم دفنوه فى (حش كوكب، وهو خارج البقيع، فصلى عليه جبير بن مطعم، وقيل: حكيم بن حزام، وقيل: مروان، وجاء ناس من الأنصار ليمنعوا من الصلاة عليه ثم تركوهم خوفاً من الفتنة.).( الحش) هو موضع قضاء الحاجة .(وقيل لم يغسل وكفن في ثيابه.)
ثانيا : إشارات عن الصلاة فى موقعة الجمل :
كانت عائشة تطعن فى عثمان فلما علمت بقتله وتولى (على ) تزعمت المطالبة بالثأر له ، وأيدها الزبير بن العوام و طلحة بن عبيد الله. خرجوا من الحجاز بجيش واتجهوا الى البصرة وعليها وال الصلاة من قبل (على ) هو عثمان بن حنيف ، ودارت بينهم معارك هزموا فيها ابن حنيف وأسروه وأهانوه. ونقتطف بعض التفصيلات .
1 ـ ( .. فاقتتلوا بدار الرزق قتالاً شديداً إلى أن زال النهار وكثر القتل في أصحاب عثمان بن حنيف وكثر الجراح في الفريقين....فجمع طلحة والزبير الرجال في ليلة مظلمة ذات رياح ومطر ثم قصدا المسجد فوافقا صلاة العشاء، وكانوا يؤخرونها، فأبطأ عثمان، فقدما عبد الرحمن بن عتاب، فشهر الزط والسيابجة السلاح ثم وضعوه فيهم، فأقبلوا عليهم فاقتتلوا في المسجد فقتلوا، وهم أربعون رجلاً، فأدخلا الرجال على عثمان فأخرجوه إليهما. فلما وصل إليهما توطؤوه وما بقيت في وجهه شعرة، ... وقيل: لما أخذ عثمان أرسله إلى عائشة يستشيرونها في أمره، فقالت: اقتلوه. فقالت لها امرأة: نشدتك الله في عثمان وصحبته لرسول الله، صلى الله عليه وسلم! فقالت لهم: احبسوه. فقال لهم مجاشع بن مسعود: اضربوه وانتفوا لحيته وحاجبيه وأشفار عينيه. فضربوه أربعين سوطاً ونتفوا لحيته وحاجبيه وأشفار عينيه وحبسوه ثم أطلقوه وجعلوا على بيت المال عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق. ) . أسروا عثمان بن أبى حنيف وفعلوا به الأفاعيل ، وفازوا ببيت مال البصرة ، وهذا هو بيت القصيد.
2 ـ انهزم جيش عائشة فى موقعة الجمل . وكان مروان ضمن جيش عائشة ، وقد أتته فرصة فإغتال طلحة بن عبيد الله لأن له يدا فى إغتيال عثمان. ، تقول الرواية : ( وكان الذي رمى طلحة مروان بن الحكم، ..) أما الزبير فهرب بعد الهزيمة فلحقه أحد أتباع (على ) وهو ( عمرو بن جرموز ) ، تقول الرواية : ( .. وحضرت الصلاة، فقال ابن جرموز: الصلاة. فقال الزبير: الصلاة، فلما نزلا استدبره ابن جرموز فطعنه في جربان درعه فقتله وأخذ فرسه وسلاحه وخاتمه. )
ثالثا : إشارات عن الصلاة فى موقعة ( صفين )
كان (على ) يتأهب لحرب معاوية ، فشجع الأمويون عائشة وطلحة والزبير على الخروج على (على ) وقتاله إستنفادا لجهده ولإتاحة الفرصة لمعاوية حتى يستعد. وكانت المواجهة بينهما فى حرب صفين. ونلتقط منها بعض إشارات عن الصلاة :
1 ـ عن بأس (الأشتر النخعى ) قائد جيش على تقول الرواية : ( وقاتلهم الأشتر قتالاً شديداً، .. فما زال هو ومن رجع إليه يقاتلون حتى كشف أهل الشام وألحقهم بمعاوية والصف الذي معه بين صلاة العصر والمغرب، ) هنا التوقيت للإقتراب من النصر بما بين صلاتى العصر والمغرب .
2 ـ وتستمر الرواية : ( وانتهى إلى عبد الله بن بديل وهو في عصابة من القراء نحو المائتين أو الثلثمائة قد لصقوا بالأرض كأنهم جثاً، فكشف عنهم أهل الشام فأبصروا إخوانهم فقالوا: ما فعل أمير المؤمنين؟ قالوا: حيٌّ صالح في الميسرة يقاتل الناس أمامه. فقالوا: الحمد لله! قد كنا ظننا أنه قد هلك وهلكتم.).. و ( القُرّاء ) هو لقب من أصبحوا الخوارج فيما بعد. ووصفهم بالقراء يعنى الذين يقيمون الليل قراءة للقرآن وصلاة . وقد تطرف الخوارج فى الصلاة وفى إستحلال دماء الأبرياء ، وسنعرض لهم لاحقا.
3 ـ وتقول الرواية : ( .. فتناهض الناس يوم الأربعاء فاقتتلوا قتالاً شديداً نهارهم كله، ثم انصرفوا عند المساء وكلٌّ غير غالب، فلما كان يوم الخميس صلى "علي " بغلس وخرج بالناس إلى أهل الشام فزحف إليهم وزحفوا معه، وكان على ميمنة علي عبد الله ابن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعلى ميسرته عبد الله بن عباس، والقراء مع ثلاثة نفر: عمار، وقيس بن سعد، وعبد الله بن بديل، والناس على راياتهم ومراكزهم. .. ورفع معاوية قبة عظيمة فألقى عليها الثياب وبايعه أكثر أهل الشام على الموت .. ) . هنا إشارة لصلاة (على ) فى الغلس أى فى الفجر عند إختلاط ضوء الفجر بظلام الليل. وهنا أيضا إشارة الى ( القُرّاء ) الذين صاروا خوارج فيما بعد. وكان منهم (اُبىّ ) تقول عنه الرواية : ( وكان يقال لأبي ابي الصلاة لكثرة صلاته. ).
4 ـ حين إقترب الأشتر من فسطاط معاوية إستشار عمرو بن العاص فأشار عليه برفع المصاحف على الرماح وتحكيم القرآن. وفهم (على ) أنها خدعة ، ولكن ( القُرّاء ) أرغموا عليا على قبول التحكيم وأرغموه على أن يستدعى الأشتر ، وهو على وشك الإنتصار. ووقع الخلاف بين الأشتر والقُرّاء ، فصاح فيهم الأشتر : ( خُدعتم فانخدعتم ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم، يا أصحاب الجباه السود! كنا نظن صلاتكم زهادة في الدنيا وشوقاً إلى لقاء الله، فلا أرى مرادكم إلا الدنيا، ألا قبحاً يا أشباه النيب الجلالة! ما أنتم برائين بعدها عزاً أبداً فابعدوا كما بعد القوم الظالمون! فسبوه وسبهم وضربوا وجه دابته بسياطهم وضرب وجوه دوابهم بسوطه فصاح به وبهم علي فكفوا. وقال الناس: قد قبلنا أن نجعل القرآن بيننا وبينهم حكماً. ). هذا وصف الأشتر لهم بالصلاة وعلامة السجود فى جباههم.
5 ـ وانتهى التحكيم بأن نجح معاوية فى تفريق جيش (على ) وإنقاذ نفسه من هزيمة محققة، ورجع بجيشه الى الشام وهم يسلمون عليه بالخلافة ، ورجع (على ) بخيبة كبرى. فصبّ نقمته على معاوية بأن كان يدعو عليه وعلى أصحابه فى الصلاة. تقول الرواية : (.. ثم انصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية فسلموا عليه بالخلافة، ... وكان علي إذا صلى الغداة يقنت فيقول: اللهم العن معاوية وعمراً وأبا الأعور وحبيباً وعبد الرحمن بن خالد والضحاك بن قيس والوليد! فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت سب علياً وابن عباس والحسن والحسين والأشتر. ) . وبهذا تم إبتداع اللعن فى الصلاة. بدأه (على ) وإستمر فيه معاوية وخلفاؤه.
6 ـ ثم كانت محنة على بالقُرّاء الذين أرغموه على التحكيم ثم بعد أن ظهرت الخدعة إرتدوا بلوم (على ) ، ودار جدل عقيم بينهم . ومن الروايات نرى إشارات الى الصلاة ، تقول الرواية : ( ..فخرج علي في الناس حتى دخل إليهم، فأتى فسطاط يزيد بن قيس فدخله فصلى فيه ركعتين وأمره على أصبهان والري، ثم خرج حتى انتهى إليهم وهم يخاصمون ابن عباس فقال: ألم أنهك عن كلامهم؟ ).
7 ـ بعد التحكيم طمع معاوية فى أن يأخذ ( مصر ) التابعة لخصمه (على ). فاتفق مع عمرو ابن العاص أن يفتحها له عمرو مقابل أن تكون مصر ( طُعمة له ) أى أن يستأثر عمرو بخراجها وجزيتها ، ولا يعطى منه شيئا لمعاوية . تقول الرواية : (.. وذلك أن عمراً كان صالح معاوية على قتال علي على أن له مصر طعمةً ما بقي. ) . وراسل معاوية أعوانه فى مصر وهم مسلمة بن مخلد ومعاوية بن حديج السكوني والمناصرين للثأر لعثمان بن عفان ، وجهز جيشا من ستة آلاف جندى مع عمرو بن العاص . وكان والى مصر من قبل (على ) هو محمد بن ابى بكر المتهم بالمشاركة فى قتل عثمان . وانتهى الأمر بأن هزم معاوية بن حديج جيش محمد بن أبى بكر ، وأسروه ، وجىء به الى معاوية بن حديج ، قال له معاوية ابن حديج : ( أتدري ما أصنع بك؟ أدخلك جوف حمار ثم أحرقه عليك بالنار. .. وقتله ثم ألقاه في جيفة حمار ثم أحرقه بالنار. فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعاً شديداً وقنتت في دبر الصلاة تدعو على معاوية وعمرو وأخذت عيال محمد إليها، فكان القاسم بن محمد بن أبي بكر في عيالهم، ولم تأكل من ذلك الوقت شواء حتى توفيت. ) الشاهد هنا أن عائشة تصلى ، أى صلاة شيطانية تدعو فيها على قتلة أخيها.
8 ـ كان (على ) يخرج من فشل ليدخل فى فشل آخر. وإنتهى فشله بأن قتله الخارجى عبد الرحمن بن ملجم. وعاونه فى الاغتيال شبيب بن بجرة . تقول الرواية : ( وأتى ابن ملجم رجلاً من أشجع اسمه شبيب بن بجرة فقال له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وماذا؟ قال: قتل علي. قال شبيب: ثكلتك أمك! لقد جئت شيئاً إداً! كيف تقدر على قتله؟ قال: أكمن له في المسجد فإذا خرج إلى صلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا فقد شفينا أنفسنا، وإن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا وما فيها. .. فلما كان ليلة الجمعة، .. أخذ سيفه ومعه شبيب ووردان وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي للصلاة، فلما خرج علي نادى: أيها الناس الصلاة الصلاة. فضربه شبيب بالسيف فوقع سيفه بعضادة الباب، وضربه ابن ملجم على قرنه بالسيف، وقال: الحكم لله لا لك يا علي ولا لأصحابك! .. وهرب شبيب في الغلس...). مثل عمر والزبير كان قُتل على فى الصلاة..... الصلاة الشيطانية .



الفصل التاسع : صلاتهم الشيطانية فى حروبهم الأهلية فى العصر الأموى:
( 1 من 2 )
مقدمة : لا زلنا نبحث عن صلاتهم الشيطانية فى حروبهم الأهلية ، وندخل فى العصرالأموى ، نعطى منه بعض النماذج :
أولا : إشارات عن الصلاة الشيطانية فى عهد معاوية
1 ـ إنفرد معاوية بالحكم بعد تنازل الحسن بن على ، وكان مشغولا بالعراق مركز المعارضة ، فجعل واليه على الصلاة فيها زياد بن أبيه ، جمع له البصرة والكوفة . تقول الرواية إن معاوية : ( أرسل إلى زياد، وهو بالكوفة، فأمره بالمسير إلى البصرة، فولاه البصرة وخراسان وسجستان، ثم جمع له الهند والبحرين وعمان، فقدم البصرة آخر شهر ربيع الآخر سنة خمس وأربعين والفسق ظاهر فاشٍ، فخطبهم خطبته البتراء.. ) ،وفيها أعلن فى مسجدها تشريعا جديدا ، قال فيه : (وإني لأقسم بالله لأخذن الولي بالولي، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والصحيح منكم بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: انج سعد فقد هلك سعيد، ..إياكم ودلج الليل فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه، وقد أجلتكم في ذلك بقدر ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع إليكم، وإياي ودعوى الجاهلية فإني لا أجد أحداً دعا بها إلا قطعت لسانه. وقد أحدثتم أحداثاً لم تكن، وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة، فمن غرق قوماً غرقناه، ومن حرق على قوم حرقناه، ومن نقب بيتاً نقبت عن قلبه، ومن نبش قبراً دفنته فيه حياً، فكفوا عني أيديكم وألسنتكم أكفف عنكم لساني ويدي، وإياكم لا يظهر من أحد منكم خلاف ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه... وإن لي فيكم لصرعى كثيرة، فليحذر كل امرىء منكم أن يكون من صرعاي. ). إعترض بعض الخوارج وهو ابو بلال بن مرداس على سياسة معاقبة البرىء إنتقاما من الظالم . تقول الرواية : ( فقام إليه أبو بلال مرداس بن أدية، وهو من الخوارج، وقال: أنبأ الله بغير ماقلت، قال الله تعالى: ( وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرةٌ وزر أخرى وأن ليس للإنسان ما سعى) فأوعدنا الله خيراً مما أوعدتني يا زياد. فقال زياد: إنا لا نجد إلى ما تريد أنت وأصحابك سبيلاً حتى نخوض إليها الدماء. ). أى إعترف زياد بن أبيه بأنه فى تشريعه هذا يخوض فى الباطل خوضا ليثبت سلطان معاوية .
وقام زياد بتطبيق سياسته هذه ، تقول عنه الرواية : ( واستعمل زياد على شرطته عبد الله بن حصن، ... فكان يؤخر العشاء الآخرة ثم يصلي ، فيأمر رجلاً أن يقرأ سورة البقرة أو مثلها يرتل القرآن، فإذا فرغ أمهل بقدر ما يرى أن إنساناً يبلغ أقصى البصرة، ثم يأمر صاحب شرطته بالخروج، فيخرج فلا يرى إنساناً إلا قتله. فأخذ ذات ليلة أعرابياً فأتى به زياداً فقال: "هل سمعت النداء؟ " فقال: " لا والله! قدمت بحلوبة لي وغشيني الليل فاضطررتها إلى موضع وأقمت لأصبح ولا علم لي بما كان من الأمير." ، فقال: " أظنك والله صادقاً ، ولكن في قتلك صلاح الأمة " . ثم أمر به فضربت عنقه.). يهمنا هنا أنه جعل صلاة العشاء موعدا لحظر التجول ، يؤخر صلاة العشاء ، ثم تقتل الشرطة من يسير فى الطريق حتى لو لم يكن يعلم بحظر التجول.
2 ـ وتسبب زياد فى قتل حجر بن عدى كبير الشيعة فى العراق . ويتردد فى هذه الرواية عن قتل حجر بن عدى موضوع الصلاة ، تقول الرواية : ( أن زياداً خطب يوم جمعة فأطال الخطبة وأخر الصلاة، فقال له حجر بين عدي: الصلاة. فمضى في خطبته. فقال له: الصلاة. فمضى في خطبته. فلما خشي حجر بن عدي فوت الصلاة ضرب بيده إلى كف من حصى وقام إلى الصلاة وقام الناس معه. فلما رأى زياد ذلك نزل فصلى بالناس ، وكتب إلى معاوية وكثر عليه، فكتب إليه معاوية ليشده في الحديد ويرسله إليه. فلما أراد أخذه قام قومه ليمنعوه، فقال حجر: لا ولكن سمعاً وطاعة. فشد في الحديد وحمل إلى معاوية. فلما دخل عليه قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين! فقال معاوية: أأمير المؤمنين أنا؟ والله لا أقيلك ولا أستقيلك! أخرجوه فاضربوا عنقه! فقال حجر للذين يلون أمره: دعوني حتى أصلي ركعتين. فقالوا: صل، فصلى ركعتين خفف فيهما. ثم قال: لولا أن تظنوا بي غير الذي أردت لأطلتهما .. )
3 ـ وقد عيّن زياد إبن أبيه (الربيع بن زياد الحارثي ) واليا على خراسان وسخط والى خراسان هذا على قتل حجر بن عدى ، وقال : " لا تزال العرب تقتل صبراً بعده، ولو نفرت عند قتله لم يقتل رجل منهم صبراً، ولكنها أقرّت فذلّت." وفى خطبة الجمعة قال : " أيها الناس إني قد مللت الحياة وإني داعٍ بدعوة فأمنوا! ثم رفع يديه بعد الصلاة فقال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك عاجلاً! " وفى الرواية أنه مات بعدها ، وإستخلف ابنه عبد الله فمات من يومه ، ومات ابن آخر له بعد شهرين . بعدها عيّن زياد واليا جديدا هو خليد بن يربوع الحنفى.
4 ـ واضح أن زياد بن ابيه هو الذى دبر قتل الربيع الحارثى وإبنيه ، وجعلها مؤامرة محكمة حتى لا تثور قبيلته. وإختلف الوضع مع وال آخر لمعاوية هو سمرة الذى أخلص فى طاعة معاوية فعزله معاوية فقال : " لعن الله معاوية! والله لو أطعت الله كما أطعته ما عذبني أبداً. " . كان سمرة هذا جبارا فى الأرض ، تقول الرواية : ( ..وجاء رجل إلى سمرة فأدى زكاة ماله ثم دخل المسجد فصلى، فأمر سمرة بقتله فقتل.. ) . وبسبب كلمته ضد معاوية مات فجأة .
5 ـ وكانت سياسة معاوية التخلص بالسُّم ممّن يتوجس منهم. فعل هذا مع الأشتر النخعى ومع الحسن بن على ومع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد. هذا مع محافظة معاوية على تأديته الصلاة الشيطانية .
ثانيا : إشارات عن الصلاة الشيطانية فى مذبحة كربلاء
تعرضنا لمذبحة كربلاء بالتفصيل فى كتاب منشور هنا. وأثبتنا إنه كان صراعا على المال والسُّلطة ، وأن الحسين هو الذى يتحمل نتيجة فشله ومقتله وأهله فى هذه المذبحة ، وإنها كانت مغامرة خاسرة صمم عليها برغم تكرار النصيحة له . وهنا نعطى لمحة عن وقوع الفريقين فى الصلاة الشيطانية فى ثنايا الأحداث .
1 ـ أرسل الحسين ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبى طالب الى الكوفة ليقوم بتجميع أنصاره ، تقول الرواية : (ثم دعا الحسين مسلم بن عقيل فسيره نحو الكوفة وأمره بتقوى الله وكتمان أمره واللطف، فإن رأى الناس مجتمعين له عجل إليه بذلك. فأقبل مسلم إلى المدينة فصلى في مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وودع أهله واستأجر دليلين من قيس ). هنا الصلاة فى مسجد نسبوه الى بشر وليس الى الله جل وعلا.
2 ـ وكان عبيد الله بن زياد ( والى الصلاة ) على العراق خلفا لأبيه زياد بن أبيه. فلما قدم مسلم بن عقيل الى الكوفة واجتمع اليه الشيعة فى ( المسجد ) بعث عبيد الله بن زياد جاسوسا وأعطاه ثلاثة آلاف درهم ليتحبب بها الى مسلم بن عقيل وينضم اليه ، تقول الرواية : ( ودعا ابن زياد مولى له وأعطاه ثلاثة آلاف درهم وقال له: " اطلب مسلم ابن عقيل وأصحابه والقهم وأعطهم هذا المال وأعلمههم أنك منهم واعلم أخبارهم ." .. وأتى هذا الجاسوس الى المسجد وأخذ يصلى ، ( فسمع الناس يقولون: هذا يبايع للحسين، وهو يصلي، فلما فرغ من صلاته .. ) قال لأحد الشيعة : ( " يا عبد الله إني امرؤ من أهل الشام أنعم الله علي بحب أهل هذا البيت، وهذه ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقد سمعت نفراً يقولون إنك تعلم أمر هذا البيت وإني أتيتك لتقبض المال وتدخلني على صاحبك أبايعه، وإن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائي إياه. ). وبهذه الصلاة فى المسجد زرع ابن زياد جاسوسا مقربا من مسلم بن عقيل.
2 ـ بعدها هدّد ابن زياد رءوس القبائل فى الكوفة بمنع العطاء أو المرتبات ، فبدأت حموع الشيعة تنفض من حول مسلم بن عقيل ، وأصبح تائها يبحث عن ملجأ . وجمع ابن زياد رءوس القبائل وجموع الناس فى المسجد وهدّد من يقوم بإيواء مسلم بن عقيل وأغرى من يقوم بتسليمه بالمكافأة. تقول الرواية : ( .. وأما ابن زياد .. فنزل إلى المسجد قبيل العتمة وأجلس أصحابه حول المنبر وأمر فنودي: ألا برئت الذمة من رجل من الشرط والعرفاء والمناكب والمقاتلة صلى العتمة إلا في المسجد. فامتلأ المسجد، فصلى بالناس ثم قام فحمد الله ثم قال: أما بعد فإن ابن عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما رأيتم من الخلاف والشقاق فبرئت الذمة من رجل وجدناه في داره، ومن أتانا به فله ديته. وأمرهم بالطاعة ولزومها، وأمر الحصين بن تميم أن يمسك أبواب السكك ثم يفتش الدور، وكان على الشرط، وهو من بني تميم. ). هنا المسجد و تجميع الناس للصلاة فيه بغرض سياسى . وانتهى مسلم بن عقيل بالقتل ، وعرف الحسين بمقتله وأن أهل الكوفة أصبحوا خصوما له ، فظل فى طريقه اليهم ، برغم نُصح الناصحين.
3 ــ وأرسل ابن زياد بجيش يقوده الحُرُّ بن يزيد التميمى ليمنع الحسين من التوجه الى الكوفة . ثم أرسل جيشا آخر يقوده عمر بن سعد بن أبى وقاص ، ثم أرسل أيضا شمّر بن ذى الجوشن ليؤكد على قتل الحسين وأهله. وفى مذبحة كربلاء يتردد بين سطورها أن القوم كانوا يصلٌّون وقت الاقتتال ، تقول الروايات :
3 / 1 ( وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي ثم اليربوعي، فوقفوا مقابل الحسين وأصحابه في نحر الظهيرة ... فلم يزل مواقفاً الحسين حتى حضرت صلاة الظهر، فأمر الحسين مؤذنه بالأذان، فأذن ..فسكتوا ، وقالوا للمؤذن: أقم، فأقام، وقال الحسين للحر: أتريد أن تصلي أنت بأصحابك؟ فقال: بل صل أنت ونصلي بصلاتك. فصلى بهم الحسين، ثم دخل واجتمع إليه أصحابه وانصرف الحر إلى مكانه، ثم صلى بهم الحسين ... فلما كان وقت العصر أمر الحسين أن يتهيؤوا للرحيل ثم إنه خرج فأمر مناديه فنادى بالعصر واقام فاستقدم الحسين فصلى بالقوم.. )
3 / 2 : عن جيش الأمويين بقيادة عمر بن سعد : ( .. فلما صلى عمر بن سعد الغداة يوم السبت وقد بلغنا أيضا أنه كان يوم الجمعة وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء خرج فيمن معه من الناس ) ( ثم إن عمر بن سعد نادى : " يا خيل الله اركبي وأبشري "، فركب في الناس ثم زحف نحوهم بعد صلاة العصر وحسين جالس أمام بيته محتبيا بسيفه ..)
3 / 3 : عن جيش الحسين : ( وعبى الحسين أصحابه وصلى بهم صلاة الغداة، وكان معه اثنان وثلاثون فارساً، وأربعون راجلاً، ...ولما حضر وقت الصلاة قال أبو ثمامة الصائدي للحسين: نفسي لنفسك الفداء! أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، والله لا تقتل حتى أقتل دونك، وأحب أن ألقى ربي وقد صليت هذه الصلاة! فرفع الحسين رأسه وقال: ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين الذاكرين ،نعم هذا أول وقتها، ثم قال: سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي. ففعلوا، فقال لهم الحصين: إنها لا تقبل. فقال له حبيب بن مطهر: زعمت لا تقبل الصلاة من آل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتقبل منك يا حمار! فحمل عليه الحصين، وخرج إليه حبيب فضرب وجه فرسه بالسيف فشب فسقط عنه الحصين فاستنقذه أصحابه . ثم صلوا الظهر، صلى بهم الحسين صلاة الخوف، ثم اقتتلوا بعد الظهر، فاشتد قتالهم... فلما أمسى حسين وأصحابه قاموا الليل كله يصلون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون ..)
4 ـ ووصلت الأنباء الى عبيد الله بن زياد بالنصر ، فعقد مؤتمرا فى (المسجد ) ، تقول الرواية : ( ثم نادى: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فصعد المنبر فخطبهم وقال: " الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله، ونصر أمير المؤمنين يزيد وحزبه، وقتل الكذاب ابن الكذاب الحسين بن علي وشيعته." . فوثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي ثم الوالبي،وكان ضريراً قد ذهب إحدى عينيه يوم الجمل مع علي والأخرى بصفين معه أيضاً، وكان لايفارق المسجد يصلي فيه إلى الليل ثم ينصرف، فلما سمع مقالة ابن زياد قال: " يا ابن مرجانة! إن الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك والذي ولاك وأبوه! يا ابن مرجانة أتقتلون أبناء النبيين وتتكلمون بكلام الصديقين..؟ " فقتله، وأمر بصلبه في المسجد، فصلب..) .
المسجد هنا مركز للمكائد السياسية .. بل والصلب أيضا.
وقد قال جل وعلا : (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّـهِ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ ۚ أُولَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴿١٧﴾ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّـهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّـهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَـٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴿١٨﴾ التوبة )
صلاتهم الشيطانية فى حروبهم الأهلية فى العصر الأموى ( 2 من 2 )
1 ـ خلال حكم يزيد بن معاوية حدثت ثلاث فواجع : مذبحة كربلاء فى شهر حرام هو المحرم عام 61 ، وإقتحام المدينة وإستحلالها قتل رجالها وإغتصاب نسائها فى موقة الحرة فى شهر حرام هو ذو الحجة عام 63 ، وإنتهاك حرمة البيت الحرام فى الهجوم على ابن الزبير عام 64. كل هذا عبادة للإله الأعظم عندهم وهو المال والسلطان. ثم مات يزيد موتة غامضة وهو فى ريعان شبابه وقت حصار الكعبة ، وتولى ابنه معاوية بن يزيد فإعتزل الحكم ، وأعلن إعتزاله فى المسجد ، تقول الرواية : ( ولما كان في آخر إمارته أمر فنودي: " الصلاة جامعة " ، فاجتمع الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد فإني ضعفت عن أمركم فابتغيت لكم مثل عمر بن الخطاب حين استخلفه أبو بكر فلم أجده، فابتغيت ستة مثل ستة الشورى فلم أجدهم، فأنتم أولى بأمركم فاختاروا له من أحببتم. " ثم دخل منزله وتغيب حتى مات .! ) . كان المسجد مركز الاعلام وقتها ، عند الأمور الهامة يؤذّن بنداء ( الصلاة جامعة ) فيأتى الناس لسماع الخبر . ومن الطبيعى أن يكون هذا فى المسجد الأكبر ، ومنه إكتسبت بعض المساجد وصف ( الجامع ) .
2 ـ إستفحل نفوذ ابن الزبير وأصبح الخليفة الوحيد ، بينما إختلف وتفرق أتباع بنى أمية . كانت معهم قبائل قيس يتزعمهم الضحاك بن قيس الفهرى والمتولى أمر دمشق ، وقبائل قحطان اليمنية يتزعمهم حسان بن بحدل الكلبة زعيم قبيلة كلب فى الشام وهو خال يزيد بن معاوية ، فلما إعتزل معاوية بن يزيد أعلن الضحاك بن قيس ( زعيم قبائل قيس المضرية فى الشام) خروجه على الأمويين .
تقول الرواية : ( وخرج الضحاك إلى مسجد دمشق فجلس فيه فذكر يزيد بن معاوية فوقع فيه فقام إليه شاب من كلب بعصا معه فضربه بها والناس جلوس في الحلق متقلدي السيوف فقام بعضهم إلى بعض في المسجد فاقتتلوا قيس تدعو إلى ابن الزبير ونصرة الضحاك وكلب تدعو إلى بني أمية ثم إلى خالد بن يزيد ويتعصبون ليزيد ودخل الضحاك دار الإمارة وأصبح الناس فلم يخرج إلى صلاة الفجر وكان من الأجناد ناس يهوون هوى بني أمية وناس يهوون هوى ابن الزبير ) يهمنا فى الرواية أن الضحاك كان معتادا بحكم إمارته على دمشق أن يذهب للمسجد فيها ، فلما بدأ فى تحويل ولائه الى ابن الزبير أعلن سبّ يزيد بن معاوية فى المسجد تمهيدا للخروج من طاعة الأمويين ، وأنه حدث إقتتال فى هذا المسجد وحين عورض إنقطع عن صلاة الفجر فى المسجد . فالمسجد هنا والصلاة فيه هو خلفية الأحداث ، وفى اليوم التالى تخلف الضحاك عن صلاة الفجر فى المسجد دليلا على تدهور الأحوال ووقوع الانقسام . بعض الجنود مع ابن الزبير والبعض الآخر مع بنى أمية ، دون وجود زعيم أموى يلتفون حوله.
2 ـ أصبح موقف الأمويين عسيرا فى الشام ، إذ إختار العرب في مصر الانضمام الى ابن الزبير ، بل إن بعض أنصار الأمويين فى الشام انفضوا عنهم وبايعوا ابن الزبير مثلما فعل النعمان بن البشير فى حمص وزفر بن الحارث الكلابى فى قنسرين وانضموا الى الضحاك وبايعوا ابن الزبير. هذا الوضع المتردى للأمويين جعل كبيرهم مروان بن الحكم يفكر فى البيعة لابن الزبير ، ولكن أثناه عن ذلك عبيد الله بن زياد والى العراق والحصين بن النمير العائد من حصار الكعبة وقتال ابن الزبير. ووقف الى جانب الأمويين فى محنتهم حسان ابن بحدل الكلبى . وكان ابن الزبير بغبائه قد طرد عائلات الأمويين فى الحجاز فأتاح لهم التجمع فى الشام . وعقدوا مع أنصارهم مؤتمر ( الجابية ) واتفقوا فيه على تولى الخلافة مروان بن الحكم شيخ الأمويين وقتها ، ثم يليه خالد بن يزيد بن معاوية ثم عمرو بن سعيد بن العاص ( الأشدق ) . بهذا توحّد الأمويون ومعهم سيوف قبائل كلب ، وبدأ مروان باستخلاص الشام من أتباع ابن الزبير ، فهزم الضحاك بن قيس الفهرى وقتله فى موقعة مرج راهط ، عام 64 ، وإستخلص الشام . وليحمى ظهره بعدها سار مروان بن الحكم لاسترداد مصر من والى ابن الزبير ، وهو عبد الرحمن بن جحدم القرشى فهزمه وقتله .وتملّك مروان بن الحكم مصر والشام .
3 : نقض مروان بن الحكم إتفاق الجابية ، إذ عزل من ولاية العهد كلا من خالد بن يزيد وعمرو بن سعيد الأشدق، وعهد لابنيه على التوالى عبد الملك ثم عبد العزيز. ورضى خالد ابن يزيد بن معاوية مرغما ، ذلك أن مروان تزوج أم خالد ليذل ابنها خالد ، وسبّه بأمّه أمام الملأ التابع للأمويين ، فإشتكى خالد لأمّه وجعلها مسئولة عن الإهانة التى حدثت له ، فما كان منها إلا دبرت قتل مروان بن الحكم خنقا عام 65 ، وتولى ابنه عبد الملك فلم يعاقب أم خالد إكتفاء بإعتزال إبنها خالد بن يزيد السياسة.
4 : بقى عمرو بن سعيد بن العاص حانقا على عزله من ولاية العهد . وجاءته الفرصة عام 69 حين خرج الخليفة عبد الملك بن مروان بن العاص بجيش لمحاربة أتباع ابن الزبير ، وإستخلف عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق على دمشق ، فأسرع الأشدق بالاستيلاء على بيت المال ودمشق وتحصّن بها ، فرجع عبد الملك بجيشه وحاصره . وفى النهاية تم الصلح بينهما وأعطاه عبد الملك العهود والمواثيق ألّا يمسه بسوء . وعاد عمرو بن سعيد بن العاص الى طاعة عبد الملك بن مروان بن العاص . ولكن الخليفة عبد الملك غدر بإبن عمه وذبحه بيده. وفى روايات ذبح عبد الملك لابن عمه يتردد ذكر الصلاة والمسجد.
4 / 1 : فى البداية دعاه عبد الملك الى زيارته ، ومنع حراس عمرو بن سعيد من الدخول معه وأغلق الأبواب ، وإختلى به وجرّده عبد الملك من سيفه ثم قيّده ، ثم جذبه بقيوده ، تقول الرواية : ( ثم اجتبذه اجتباذة أصاب فمه السرير فكسر ثنيته ) أى كسر أسنانه الأمامية . وإسترحم عمرو ابن عمه الخليفة : ( فقال عمرو : " أذكرك الله يا أمير المؤمنين أن يدعوك الى كسر عظم مني أن تركب ما هو أعظم من ذلك " . فقال له عبدالملك : " والله لو أعلم أنك تُبقي علي إن أبقي عليك وتصلح قريش لأطلقتك ، ولكن ما اجتمع رجلان قط في بلدة على مثل مانحن عليه إلا أخرج أحدهما صاحبه "). فلما تيقن عمرو أنه مقتول لا محاله شتم الخليفة، قال له:( أغدرا يابن الزرقاء ؟ ) .
4 / 2 : ترك عبد الملك ابن عمه مقيدا وخرج ( يصلى العصر) وأمر أخاه عبد العزيز بن مروان ( والد عمر بن عبد العزيز ) أن يقتل إبن عمهما عمرو بن سعيد . تقول الرواية : ( ..وأذن المؤذن العصر فخرج عبدالملك يصلي بالناس وأمر عبدالعزيز بن مروان أن يقتله فقام إليه عبدالعزيز بالسيف فقال له عمرو : " أذكّرك الله والرحم أن تلي أنت قتلي وليتول ذلك من هو أبعد رحما منك . " فألقى عبدالعزيز السيف وجلس ، وصلى عبدالملك صلاة خفيفة ودخل وغلقت الأبواب ... )
4 / 3 : رجع عبد الملك من الصلاة فوجد أخاه عبد العزيز لم يقتل ابن العم ، فشتم عبد الملك أخاه عبد العزيز بأُمّه ، تقول الرواية : ( ودخل عبدالملك حين صلى فوجد عمرا حيا فقال لعبد العزيز : " ما منعك من أن تقتله ؟ " قال : " منعني أنه ناشدني الله والرحم فرققت له .! " فقال له عبدالملك : " أخزى الله أمك البوّالة على عقبيها فإنك لم تشبه غيرها ." ) وقام عبد الملك بقتله بنفسه. تقول الرواية : ( ثم إن عبدالملك قال : " يا غلام ائتني بالحربة " ، فأتاه بالحربة فهزها ثم طعنه بها ، فلم تجز ، ثم ثنّى فلم تجز ، ) أى طعنه مرتين بالحربة فلم تفعل شيئا فإكتشف عبد الملك أن عمرا يرتدى درعا تحت ثيابه : ( فضرب بيده إلى عضد عمرو فوجد مس الدرع فضحك ، ثم قال : " ودارع أيضا يا أبا أمية إن كنت لمعدا ، يا غلام ائتني بالصمصامة . " فأتاه بسيفه ، ثم أمر بعمرو فصُرع وجلس على صدره فذبحه .) ثم ألقى براسه لأتباعه ومعها الأموال. تقول الرواية : ( ..وجاء عبدالرحمن ابن أم الحكم الثقفي فدفع إليه الرأس فألقاه إلى الناس، وقام عبدالعزيز بن مروان فأخذ المال في البدور فجعل يلقيها إلى الناس، فلما نظر الناس إلى الأموال ورأوا الرأس انتهبوا الأموال وتفرقوا ). هنا الصلاة وسيلة للغدر ، والمال هو المعبود الأكبر للخليفة وللأعوان أيضا.
5 : دخل العراق فى فوضى وقتئذ ، وكان والى (الصلاة ) عبيد الله بن زياد فى موقف حرج ، وتحت عنوان ( ذكر حال ابن زياد بعد موت يزيد ) تقول الرواية : ( لما مات يزيد وأتى الخبر عبيد الله بن زياد ..، فأمر فنودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس،وصعد المنبر فنعى يزيد وثلبه.. وقال: يا أهل البصرة إن مهاجرنا إليكم ودارنا فيكم ومولدي فيكم،...) أراد ابن زياد التحبب الى أهل البصرة فعقد هذا المؤتمر الجامع فى المسجد ، وفيه شتم يزيد بن معاوية .
6 ـ ثم هرب ابن زياد الى الشام ، ووقعت إضطرابات بين القبائل فى العراق . وفى تفصيلات عديدة يأتى ذكر المسجد ساحة للقتال والحكم والسيطرة بالاضافة للصلاة الشيطانية ، ونقتطف من بين السطور :
6 / 1 : ( وصعد مسعود المنبر وسار مالك بن مسمع نحو دور بني تميم حتى دخل سكة بني العدوية فحرق دورهم ... وجاء بنو تميم إلى الأحنف فقالوا: يا أبا بحر، إن ربيعة والأزد قد تحالفوا وقد ساروا إلى الرحبة فدخلوها. فقال: لستم بأحق بالمسجد منهم. ...)
6 / 2 : ( فسار عبس إلى المسجد، فلما سار عبس جاء عباد فقال: ما صنع الناس؟ فقيل: سار بهم عبس. فقال: لا أسير تحت لواء عبس، وعاد إلى بيته ومعه ستون فارساً. فلما وصل عبس إلى المسجد قاتل الأزد على أبوابه ومسعود على المنبر يحضض الناس.. )
6 / 3 : ( واجتمعت تميم إلى الأحنف فقالوا له: إن الأزد قد دخلوا المسجد. قال: إنما هولهم ولكم. قالوا: قد دخلوا القصر وصعد مسعود المنبر.. )
6 / 4 : ( .. فجاءت عصابة منهم حتى دخلوا المسجد ومسعود على المنبر يبايع من أتاه..)
7 : إنتهز الفرصة مغامر اسمه المختار الثقفى سيطر على معظم العراق ، مرة بزعمه تبعيته لآل البيت ودعوته لمحمد بن على بن أبى طالب ( ابن الحنفية ) أكبر أولاد (على ) والمقيم فى الحجاز تحت سيطرة ابن الزبير ، ومرة بزعمه التبعية لابن الزبير ، ولكن هواه كان أكثر مع الهاشميين . والمختار الثقفى هو الذى تتبع بالقتل كل من شارك فى مذبحة كربلاء بدءا من عبيد الله بن زياد والى العراق للأمويين الى بقية الذين شاركوا فى قتل الحسين وآله ومنهم عمر بن سعد بن أبى وقاص وشمر بن ذى الجوشن . وفى صراع المختار الثقفى مع خصومه فى العراق يظهر دور المساجد . نقتطف هذه السطور :
7 / 1 ـ عن تجميعه الناس ليبايعوه نرى المختار يستخدم المساجد :
7 / 1 / 1 : (. ثم ركب راحلته نحو الكوفة فوصل إلى نهر الحيرة يوم الجمعة فاغتسل ولبس ثيابه، ثم ركب فمر بمسجد السكون وجبانة كندة لا يمر على مجلس إلا سلم على أهله وقال: أبشروابالنصرة والفتح ..)
7 / 1 / 2 : ( ومرّ على حلقة من همدان فقال: قد قدمت عليكم بما تحبون ... ثم أتى المسجد واستشرف له الناس، فقام إلى سارية فصلى عندها حتى أقيمت الصلاة ، وصلى مع الناس ، ثم صلى ما بين الجمعة والعصر ثم انصرف إلى داره، )
7 / 1 / 3 ( واختلف إليه الشيعة، ) أى جاءته الشيعة . وخطب على منبر المسجد ( فحمد الله ثم قال: إن المهدي ابن الوصي بعثني إليكم أميناً ووزيراً ومنتخباً وأميراً وأمرني بقتل الملحدين والطلب بدم أهل بيته والدفع عن الضعفاء، فكونوا أول خلق الله إجابةً. ) فبايعوه .
7 / 1 / 4 : وتجمع معه جيش صلى بهم الفجر : (فلحقوا بالمختار، فتوافى إلى المختار ثلاثة آلاف وثمانمائة من اثني عشر ألفاً كانوا بايعوه، فاجتمعوا له قبل الفجر، فأصبح وقد فرغ من تعبيته وصلى بأصحابه بغلس.)
7 / 2 ـ ابن مطيع كان والى ( الصلاة ) لابن الزبير على الكوفة ، اصبح خصم المختار ، وقد استخدم ابن مطيع المسجد أيضا :
7 / 2 / 1 : إذ أمر أتباعه بالاجتماع بالمسجد الرسمى ، ومن لا يحضر فقد برئت منه الذمة : ( وأرسل ابن مطيع إلى الجبابين فأمر من بها أن يأتوا المسجد، وأمر راشد بن إياس فنادى في الناس: برئت الذمة من رجل لم يأت المسجد الليلة. فاجتمعوا، )
7 / 2 / 2 : وبعث ابن مطيع ( شبث بن ربعي ) في نحو ثلاثة آلاف لحرب المختار، وكان شبث بن ربعى ممن شارك فى جيش الأمويين فى كربلاء .( فسار شبث إلى المختار، فبلغه خبره وقد فرغ من صلاة الصبح .. ) هنا الصلاة أيضا فى وقت الحرب الأهلية .
7 / 3 : وانتصر المختار فدخل قصر الامارة والمسجد الرسمى : ( ودخل المختارالقصر فبات فيه، وأصبح أشراف الناس في المسجد وعلى باب القصر، وخرج المختار فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقال: " الحمد لله الذي وعد وليه النصر، وعدوه الخسر،وجعله فيه إلى آخر الدهر، وعداً مفعولاً وقضاء مقضياً، وقد خاب من افترى.. ")
7 / 4 : وعلى يد المختار تحول المسجد الى مركز للإفتراء :
7 /4 / 1 : إذ وصل التلاعب الدينى عند المختار أن زعم أن معه كرسيا ينتصر به ، فصدّقه الناس . عن الكرسى الذى زعم المختار أن ينتصر به تقول الرواية ان المختار عقد مؤتمرا صحفيا ( فى المسجد ) : ( ثم دعا: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فقال المختار: إنه لم يكن في الأمم الخالية أمر إلاوهو كائن في هذه الأمة مثله، وإنه كان في بني إسرائيل التابوت، وإن هذا فينا مثل التابوت. فكشفوا عنه، وقامت السبئية فكبروا. ). السبئية هم أول فرقة شيعية ، كانت تؤمن برجعة (على بن أبى طالب ).
7 / 4 / 2 : وأراد الشاعر سراقة بن مرداس ــ وهو أسير ـ أن ينجو من القتل فزعم للمختار أن الملائكة كانت تقاتل معه ، فأمره المختار أن يعلن ذلك ( فى مؤتمر صحفى ) فى المسجد : ( وقال سراقة بن مرداس للمختار وقال : " أصلح الله الأمير،أحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت الملائكة تقاتل معك على الخيول البلق بين السماء والأرض ". فقال له المختار: " اصعد المنبر فأعلم الناس " . فصعد فأخبرهم بذلك ثم نزل، فخلا به المختار فقال له: إني قد علمت أنك لم تر شيئاً وإنما أردت ما قد عرفت أن لا أقتلك، فاذهب عني حيث شئت لا تفسد علي أصحابي.. ).
7 / 5 : ونرى الصلاة الشيطانية ركنا أساسيا فى هذه الحرب الأهلية. كان ابراهيم بن الأشتر النخعى القائد العسكرى للمختار، تقول عنه الرواية : ( .. ثم سار ليلته كلها ، ومن الغد فوصل العصر وبات ليلته في المسجد ومعه من أصحابه أهل القوة. ولما اجتمع أهل اليمن بجبانة السبيع حضرت الصلاة، فكره كل رأس من أهل اليمن أن يتقدمه صاحبه،فقال لهم عبد الرحمن بن مخنف: " هذا أول الاختلاف، قدموا الرضى فيكم سيد القراء رفاعة بن شداد البجلي." ، ففعلوا، فلم يزل يصلي بهم حتى كانت الوقعة . ).
7 / 6 : بعد هزيمة ابن مطيع اصبح الوالى للصلاة بعده مؤقتا الحارث بن أبى ربيع . ثم أرسل عبد الله بن الزبير أخاه مصعب بن الزبير واليا على الصلاة فى العراق . وجاء مصعب البصرة فدخل الى مسجدها مباشرة : ( فقدمها مصعب ملثماً ، ودخل المسجد وصعد المنبر، فقال الناس: أمير أمير! وجاء الحارث بن أبي ربيع،وهو الأمير، فسفر مصعب لثامه فعرفوه، وأمر مصعب الحارث بالصعود إليه فأجلسه تحته بدرجة ، ثم قام مصعب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال.. ). حين رأى الناس مصعب يصعد المنبر عرفوا أنه الأمير الجديد. والوالى الجديد ( مصعب ) يجعل الوالى السابق يجلس تحته بدرجة على المنبر .
7 / 7 : وهزم مصعب بن الزبير المختار ، وجىء له برأس المختار : ( وأمر مصعب بكف المختار بن أبي عبيدة فقطعت ، وسمرت بمسمارإلى جانب المسجد، فبقيت حتى قدم الحجاج فنظر إليها وسأل عنها عقيل: هذه كف المختار،فأمر بنزعها ). المسجد معرض للرءوس المقطوعة الأيدى المقطوعة. هى مساجد ضرار. ولا ننسى أنه فى السعودية حتى الآن يتم القتل وقطع الرءوس فى ساحة المسجد. والقتل هناك بالشريعة السنية الوهابية المناقضة لشرع الله جل وعلا .
8 ـ : من على المنبر أعلن عبد الملك بن مروان هزيمة التوابين الشيعة : ( ولما سمع عبدالملك بن مروان بقتل سليمان وانهزام أصحابه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: " أما بعد فإن الله قد أهلك من رؤوس أهل العراق ملقح فتنةٍ ورأس ضلالةٍ سليمان بن صرد،"..)
9 ـ فى النهاية هزم الحجاج عبد الله بن الزبير وقتله عام 73 وإخماد حركته ، وكافأ عبد الملك بن مروان الحجاج فولاه الحجاز ثم ولاه العراق وما بعد العراق شرقا. وحكم الحجاج العراق بالحديد والنار وكان يقتل من يشتبه فيه ، بإعتباره ( والى الصلاة ). تقول الرواية عن عدد ضحاياه من المدنيين الذين كان يشُكُّ فيهم : ( بلغ ما قتل الحجاج صبرا مائة وعشرين أو مائة وثلاثين ألفا ). وفى نفس الوقت واصل الحجاج الفتوحات فى الشرق. وجاءت فرصة لأهل العراق فى الثورة عليه فيما يُعرف بموقة ( دير الجماجم )، بسبب أن جماجم القتلى أصبحت أهرامات هناك. وموجزها أن الحجاج بعث بجيش للغزو يقوده عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس زعيم قبائل اليمن فى الشرق . وضم هذا الجيش كثيرين من (القُرّاء ) أى الخوارج المتعبدين وغيرهم من الناقمين على الحجاج. وكان الناقمون على الحجاج متعاطفين مع من أسلم من الموالى ، وكان الحجاج طبقا للسياسة الأموية يضطهد الموالى ويأخذ منهم الجزية حتى لو أسلموا . تقول الرواية عنهم : ( فجعلوا يبكون وينادون : يا محمداه يا محمداه ). لم يعرفوا أن المال هو الإله الأعظم للخلفاء الفاسقين. الناقمون على الحجاج ما زالوا بالقائد عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث حتى إستدار بالجيش ليحارب الحجاج.! ، ودارت موقعة ( دير الجماجم ) التى إنتصر فيها الحجاج ، واسرف فى قتل الأسرى بعد أن أعطاهم عهدا بالأمان . تقول الروايات : ( قتل الحجاج يوم الزاوية أحد عشر ألفا ... ) ( ..وإنما خدعهم بالأمان ، .. فلما اجتمعوا أمرهم بوضع أسلحتهم ، ثم قال : " لآمرن بكم اليوم رجلا ليس بينكم وبينه قرابة. " فأمر بهم عمارة بن تميم اللخمي فقربهم فقتلهم . .). وعدهم بالأمان وبنى من جماجمهم أهرامات. وفى ثنايا المعركة نلمح إشارات لصلاتهم الشيطانية . تقول الرواية عن قائد جيش الحجاج : ( .. فانطلق القائد بعد صلاة العصر والتقى عسكر الحجاج وعسكر ابن الأشعث حين فصل القائد بمن معه وذلك مع صلاة العصر فاقتتلوا إلى الليل.. ) .


الفصل العاشر : معالم الصلاة الشيطانية للخلفاء الفاسقين

أولا : إمام الصلاة ( الشيطانية ) هو الحاكم الباغى
1 ـ فى تبرير إستحقاق أبى بكر بالخلافة زعموا أن النبى محمدا فى مرضه الأخير أمر أبا بكر أن يصلى بالناس . روى ابن سعد أن عمر فى فى التشاور على خلافة النبى فى سقيفة بنى ساعدة قال للإنصار : (يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله أمر أبا بكر أن يصلي بالناس قالوا بلى قال فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر قالوا نعوذ الله أن نتقدم أبا بكر ). وفى مرض أبى بكر الأخير كان (لا يخرج إلى صلاة وكان يأمر عمر بن الخطاب يصلي بالناس ).
2 ـ وحرص أبو بكر على إمامة الصلاة حتى حين كان يسكن خارج المدينة. تقول الرواية : ( يغدو على رجليه إلى المدينة وربما ركب على فرس له وعليه إزار ورداء ممشق فيوافي المدينة فيصلي الصلوات بالناس فإذا صلى العشاء رجع إلى أهله بالسنح فكان إذا حضر صلى بالناس وإذا لم يحضر صلى عمر بن الخطاب وكان يقيم يوم الجمعة في صدر النهار بالسنح يصبغ رأسه ولحيته ثم يروح لقدر الجمعة فيجمع بالناس ). أى كان يحافظ على (تأدية ) صلاته الشيطانية بنفس محافظته على إرسال جيوشه للقتل والبغى والسلب والنهب والاغتصاب. أى هى ( صلاة شيطانية ) تأمر بالفحشاء والمنكر.
3 ـ ونفس الحال مع عمر وعثمان وعلى فى إمامة الصلاة تأكيدا على أن إمامة الصلاة ( الشيطانية ) هى عمود دينهم الشيطانى القائم على البغى والظلم والعدوان والسلب والنهب والقتل والإغتصاب .
4 ـ وكانت الصلاة ( الشيطانية ) خلف الحاكم تعنى الاعتراف به حاكما .
4 / 1 : معاوية فى خلافته جعل مروان بن الحكم والى الصلاة ( الشيطانية ) على المدينة عدة مرات فكان هو الذى يصلى بالناس . وطبّق مروان سياسة معاوية فى لعن (على بن أبى طالب ) فى صلاة الجمعة. ومع ذلك كان الحسن والحسين يصليان خلفه ولا يعيدان الصلاة مع سماعهما لعن أبيهما ، كان هذا تعبيرا عن الاعتراف بخلافة معاوية وبواليه على الصلاة ( الشيطانية ) وعلى الحكم فى المدينة.
4 / 2 : عام 41 عيّن معاوية المغيرة بن أبى شعبة الى الصلاة ( الشيطانية )على الكوفة ، أى الوالى الحاكم . وأراد معاوية أن يستوثق من ولاء كبار شيعة على ، وكان معظمهم يقيمون فى الكوفة . فأمر المغيرة بن أبى شعبة أن يجبرهم على حضور الصلاة ( الشيطانية ) خلفه ، فكتب اليه معاوية :( خذ زيادا وسليمان بن صرد وحجر بن عدي وشبث بن ربعي وابن الكواء وعمرو بن الحمق بالصلاة في الجماعة . فكانوا يحضرون معه في الصلاة . ) .
4 / 3 : بعد أن هزم الحجاج بن يوسف عبد الله بن الزبير وصلبه عينه عبد الملك بن مروان والى الصلاة ( الشيطانية ) على الحجاز. كان عبد الله بن عمر يصلى خلف كل حاكم متغلب ، كان يصلى خلف عبد الله بن الزبير ، ثم أصبح يصلى خلف الحجاج . وكل هذا إعترافا بشرعية الحاكم المتغلب . وجاء هذا فى ترجمته فى الطبقات الكبرى لابن سعد . ( كان بن عمر يصلي مع الحجاج بمكة فلما اخر الصلاة ترك ان يشهدها معه وخرج منها ) كان الحجاج يؤخر الصلاة ، وخصوصا صلاة الجمعة يظل يخطب حتى المساء ، مما أثار عبد الله بن عمر فإعترض عليه . تقول الرواية : ( الحجاج كان يخطب الناس وابن عمر في المسجد فخطب الناس حتى امسى ، فناداه بن عمر : " ايها الرجل الصلاة ".! فأُقعد ( أى أجلسوه غصبا ) ثم ناداه الثانية فاقعد ، ثم ناداه الثالثة فاقعد ، فقال لهم في الرابعة : "أرايتم ان نهضت اتنهضون ؟ " قالوا : " نعم " فنهض ، فقال : " الصلاة فاني لا ارى لك فيها حاجة " . فنزل الحجاج فصلى . ثم دعا به فقال : " ما حملك على ما صنعت ؟ " فقال : " انما نجئ للصلاة فاذا حضرت الصلاة فصل بالصلاة لوقتها ثم بقبق بعد ذلك ما شئت من بقبقة .! " ). أدى هذا الى أن دسّ الحجاج رجلا وخز عبد الله بن عمر برمح مسموم فى الطواف . وإغتاله بهذه الطريقة.
ثانيا : إمامة الصلاة ( الشيطانية ) للوالى الحاكم فى الولايات
1 ـ كانت العادة أن الذى ينجح فى الغزو تكون مكافأته أن يكون الوالى للصلاة ( الشيطانية ) فى الاقليم الذى فتحه ، ولهذا عيّن عمر بن الخطاب ( سعد بن أبى وقاص ) واليا للصلاة ( الشيطانية )على ما إفتتحه بعد نصره فى موقعة القادسية . وعيّن عمرو بن العاص واليا للصلاة ( الشيطانية ) على مصر بعد أن إفتتحها . والى الصلاة هو الوالى الحاكم ، ويعاونه والى الخراج الذى يجمع الخراج والجزية . وقد يكون هناك قائد للجيش المحلى فى الولاية ، ولكن يظل الأمير الأول أو الوالى الأول هو ( والى الصلاة الشيطانية ) اى الحاكم الفعلى للولاية. وهو كالعادة يمارس الظلم تحت عنوان الصلاة ( الشيطانية )
. 2 ـ مثلا : تقول الرواية
2 / 1 :: ( وكان عامل عثمان على الكوفة أبو موسى على الصلاة، وعلى خراج السواد جابر بن فلان المزني..وسماك الأنصاري، وعلى حربها القعقاع بن عمرو، . ) الوالى الأول للخليفة عثمان على الكوفة هو أبو موسى الأشعرى . وهناك والى الخراج أقل شأنا ، ثم قائد الجيش .
2 / 2 ـ وأصبح الحجاج والى ( الصلاة ) فى العراق ، أى حاكم العراق فى خلافة عبد الملك وابنه الوليد . وكان العراق يشمل العراق ومابعده شرقا. وكان للحجاج أن يعين ولاة فى الأقاليم التابعة للعراق . فكان المقدم فيهم والى الصلاة . تقول الرواية : ( وكان الأمير على العراق والمشرق كله الحجاج ، وعلى الصلاة بالكوفة المغيرة بن عبد الله وعلى البصرة أيوب بن الحكم وعلى خراسان قتيبة بن مسلم‏. ) كل منهم كان واليا للصلاة ( الشيطانية ).!
ثالثا : إمامة الصلاة فى الفتن والحروب الأهلية
1 ـ محمد بن أبي حذيفة عاش فى مصر واصبح خصما لعثمان بعد أن تبين فساد عثمان، وهو الذى بعث من مصر المحتجين على عثمان وكانوا ممن قتلوه يوم الدار. ، تقول الرواية : ( سرب المصريين إلى عثمان بن عفان ، وإنهم لما ساروا إلى عثمان فحصروه وثب هو بمصر على عبدالله بن سعد بن أبي سرح ) ، وهو والى الصلاة والحكم من طرف عثمان . تقول الرواية عنه : ( وهو عامل عثمان يومئذ على مصر فطرده منها وصلى بالناس . ) ( صلى بالناس ) أى حكم الناس.
2 ـ حين خرجت عائشة والزبير وطلحة لحرب ( على ) فى الكوفة لحقهم مروان بن الحكم . تقول الرواية: ( وأذن مروان حين فصل من مكة ، ثم جاء حتى وقف عليهما فقال : أيكما أسلم بالإمرة وأؤذن بالصلاة ؟ فقال عبد الله بن الزبير على أبي عبد الله وقال محمد بن طلحة على أبي محمد ، فأرسلت عائشة رضي الله عنها إلى مروان فقالت : " مالك أتريد أن تفرق أمرنا ليُصلّ ابن أختي " ، فكان يصلي بهم عبدالله بن الزبير حتى قدم البصرة . ). أى إن مروان أراد الايقاع بينهما مبكرا ، فسأل من هو الأمير ؟ هل هو الزبير أو طلحة ؟ فالأمير هو الذى سيؤم الناس فى الصلاة ، وفهمت عائشة قصده ، فجعلت عبد الله بن الزبير هو الذى يؤم الصلاة
3 : حين خرج الخريت بن راشد على ( على بن أبى طالب ) أعلنه بأنه لن يصلى خلفه. تقول عنه رواية الطبرى : (.. فجاء إلى علي في ثلاثين راكبا من أصحابه .. فقال له : والله يا علي لا أطيع أمرك ولا أصلي خلفك . ).
4 ـ البصرة فى خلافها مع على ودخولها مع أهل الجمل جعلوا ( كعب بن سوار ) واليا عليهم ، تقول رواية الطبرى : ( قد كانوا اجتمعوا عليه ورضوا به لصلاتهم )
6 ـ إنعكس الصراع بين (على ) و ( معاوية ) على من يصلى بالناس فى موسم الحج عام 39 ، لأن من يصلى الناس خلفه يكونون معترفين بشرعيته فى الحكم . تقول الرواية : ( يقال إن عليا وجه ابن عباس ليشهد الموسم ويصلي بالناس في سنة تسع وثلاثين وبعث معاوية يزيد بن شجرة الرهاوي ) وحتى لا يتحول الخلاف الى إقتتال فى الحرم تم الاتفاق على أن يصلى بالناس شخص محايد ، هو : شيبة بن عثمان . تقول الرواية : (اصطلحا على شيبة بن عثمان فصلى بالناس سنة تسع وثلاثين )
7 ـ فى الفتنة الكبرى الثانية : ( 61 : 73 )
7 / 1 : بعد استتاب الأمر لمعاوية خطط لتوريث ابنه يزيد الخلافة ، فتولاها يزيد فى شهر رجب عام 60 بقوة السلاح ، فنشبت الفتنة الكبرى الثانية .بدأت بثورة الحسين وقتل الحسين ومعظم اهله فى كربلاء عام 61 هجرية ، مما أدى الى ثورة المدينة فأرسل يزيد حملة عسكرية يقودها مسلم بن عقبة ، استطاعت هزيمة أهل المدينة واستحلالها وقتل معظم اهلها وهتك أعراض نسائها فى موقعة الحرة فى شهر حرام هو ذو الحجة عام 63 .
وكان عبد الله بن الزبير قد استغل مذبحة كربلاء فأعلن نفسه خليفة فى مكة وبايعه أهل مكة والحجاز، ومات مسلم بن عقبة أثناء توجه الجيش الأموى للقضاء على تمرد ابن الزبير فى مكة ، فتولى القيادة الحصين بن نمير ، وحوصرت مكة والكعبة عام 64 ، وأثناء الحصار احترق البيت الحرام يوم السبت 3 ربيع الأول عام 64 ، وجاءت الأنباء بعدها بموت يزيد بن معاوية فى 14 ربيع الأول . وانفض حصار مكة ورجع الجيش الأموى خائبا ، واعتزل الخليفة الجديد معاوية بن يزيد بن معاوية الحكم بعد حوالى شهر من ولايته متبرئا مما فعله أهله الأمويون فقتله أهله بالسم فمات وهو ابن 13 عاما .إستفاد من هذه الفوضى عبد الله بن الزبير، فأعلن نفسه خليفة . وكان الوالى على الصلاة فى مكة هو الحارث بن خالد المخزومى ، منع عبد الله بن الزبير والى الخليفة الأموى على مكة من الصلاة بالناس ، تقول الرواية (.. وكان الحارث بن خالد المخزومي على الصلاة فمنعه ابن الزبير).
7 / 2 : بايع أهل الكوفة عبد الله بن الزبير فبعث لهم ( عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري على الصلاة، وإبراهيم بن محمد بن طلحة على الخراج . ) . وفى البصرة كان يصلى بهم أى يحكمهم عبد الله بن الحارث (فإنه أقام يصلي بهم حتى قدم عليهم عمر بن عبيد الله بن معمر أميراً من قبل ابن الزبير.) ( وقيل: بل كتب ابن الزبير إلى عمر بعهده على البصرة، فأتاه الكتاب وهو متوجه إلى العمرة، فكتب عمر إلى أخيه عبيد الله يأمره أن يصلي بالناس، فصلى بهم حتى قدم عمر، ) وهناك رواية أخرى : ( .. فكتب أهل البصرة إلى ابن الزبير، فكتب ابن الزبير إلى أنس بن مالك يأمره أن يصلي بالناس، فصلى بهم أربعين يوماً،)
7 / 3 : فى كل ماسبق كان الجميع يحافظون على تأدية صلاتهم الشيطانية وهم يسفكون دماء بعضهم البعض.
ثالثا : المدح بالصلاة . نكتفى بعثمان بن عفان مثلا .
1 ـ تميز عثمان على أبى بكر وعمر بالفساد الداخلى. إرتكب الفتوحات مثلهم ولكن إعتبر الأموال ملكية خاصة له يوزعها كيف شاء مخالفا طريقة عمر فى إرضاء الجميع بالعدل فى توزيع الأموال السُّحت عليهم .
2 ـ إقترن فساد عثمان بشهرته بقيام الليل يصلى ويقرأ القرآن ، حتى بالغت الروايات التى ذكرها ابن سعد فى هذا . نكتفى منها بقوله : (أن عثمان كان يحيي الليل فيختم القرآن في ركعة .) ( ..قال .. فنظرت فإذا عثمان بن عفان فتنحيت فتقدم فقرأ القرآن في ركعة ثم انصرف ) ، ( قالت امرأة عثمان حين قتل عثمان لقد قتلتموه وإنه ليحيي الليل كله بالقرآن في ركعة . ) ( عثمان بن عفان صلى بالناس ثم قام خلف المقام فجمع كتاب الله في ركعة . ) 2 ـ وعن فساده المالى روى ابن سعد ما تركه من ثروة ، قال : ( كان لعثمان بن عفان عند خازنه يوم قتل ثلاثون ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم وخمسون ومائة ألف دينار فانتهبت وذهبت وترك ألف بعير بالربذة وترك صدقات كان تصدق بها ببراديس وخيبر ووادي القرى قيمة مائتي ألف دينار )
رابعا : الثورة على من لا يحافظ على تأدية الصلاة
لأن صلاتهم الشيطانية كانت عمود دينهم الشيطانى فلم يرضوا بمن لا يحترمها أو يؤديها . ونعطى أمثلة سريعة :
1 ـ عمر بن الخطاب عزل المغيرة بن أبى شعبة والى الصلاة على البصرة بسبب إتهامه بالزنا . تحت عنوان : ( ذكر عزل المغيرة عن البصرة وولاية أبي موسى:في هذه السنة عزل عمر المغيرة بن شعبة عن البصرة واستعمل عليها أبا موسى وأمره أن يشخص إليه المغيرة بن شعبة في ربيع الأول) وكان السبب أنهم ضبطوه يزنى بإمرأة . ضبطه خصم له هو أبو بكرة وأشهد عليه قوما . تقول الرواية : ( فلما خرج المغيرة إلى الصلاة منعه أبو بكرة وكتب إلى عمر بذلك، فبعث عمر أبا موسى أميراً على البصرة . )
2 ـ الوليد بن عقبة بن أبى معيط عينه عثمان واليا للصلاة ، فكان يسكر ويصلى وهو سكران ، تقول الرواية : ( الوليد سكر وصلى الصبح بأهل الكوفة أربعاً ثم التفت إليهم وقال: أزيدكم؟ فقال له ابن مسعود: ما زلنا معك في زيادة منذ اليوم، وشهدوا عليه عند عثمان، فأمر علياً بجلده، فأمر علي عبد الله بن جعفر فجلده، ..فلما علم عثمان من الوليد شرب الخمر عزله وولى سعيد بن العاص بن أمية. )
2 ـ حاول يزيد بن معاوية إسترضاء زعماء الأنصار فأكرمهم ولكنهم رجعوا الى المدينة حيث أعلنوا شتم يزيد وخلع بيعته ، وقالوا : ( إنا قدمنا من عند رجل ليس له دين يشرب الخمر ويعزف بالطنابير ويضرب عنده القيان ويلعب بالكلاب ويسامر الفتيان وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه )، فاجابهم الناس يقولون عن يزيد ( خلعناه كما نخلع نعالنا ) . وبايعوا عبدالله بن حنظلة الانصارى أميرا عليهم . وكان المنذر بن الزبير ممن يحرض على يزيد ، وكان من قوله : ( إن يزيد والله لقد أجازني بمائة الف درهم وإنه لا يمنعني ما صنع إلي أن أخبركم خبره وأصدقكم عنه ، والله إنه ليشرب الخمر وإنه ليسكر حتى يدع الصلاة . ) .
3 ـ فى فتنة ابن الزبير وظهور المختار بن عبيدة ( ولما اجتمع أهل اليمن بجبانة السبيع حضرت الصلاة، فكره كل رأس من أهل اليمن أن يتقدمه صاحبه، فقال لهم عبد الرحمن بن مخنف: هذا أول الاختلاف، قدموا الرضى فيكم سيد القراء رفاعة بن شداد البجلي، ففعلوا، فلم يزل يصلي بهم حتى كانت الوقعة.)
4 ـ فى ثورة ابن الأشعث على الحجاج والى العراق كانت حجة الثوار أنه طاغية : ( سفك الدم الحرام واخذ المال الحرام وترك الصلاة ) .


الفصل الحادى عشر : الصلاة الشيطانية للخوارج
( 1 ): التطرف فى الصلاة وفى القتل
مقدمة : هيا بنا نرتدى الأحذية وندخل بها سراديب مخ الخوارج نحلل ذهنيتهم المريضة :
أولا : التطرف فى العبادة من الصلاة وقراءة القرآن
نعطى أمثلة :
1 ـ فى ولاية عبيد الله بن زياد ( والى الصلاة فى العراق وما ورائه شرقا ) :
1 / 1 :، يذكر الطبرى لمحة عن أبى بلال مرداس بن أدية زعيم الخوارج يقول : ( ... فكان عابداً مجتهداً عظيم القدر في الخوارج، وشهد صفين مع علي فأنكر التحكيم، وشهد النهروان مع الخوارج، وكانت الخوارج كلها تتولاه، ورأى على ابن عامر قباء أنكره فقال: هذا لباس الفساق! فقال أبو بكرة: لا تقل هذا للسلطان فإن من أبغض السلطان أبغضه الله. وكان لا يدين بالاستعراض ( الإستعراض أى قتل الجميع كما يفعل الخوارج ) ، ويحرم خروج النساء، ويقول: لا نقاتل إلا من قاتلنا ولا نجبي إلا من حمينا. ) أى لا يبدأ بالقتال ، ولا يأخذ خراجا إلا ممن يقوم بحمايتهم.
1 / 2 : وإعتقل عبيد الله بن زياد ( أبا بلال مرداس بن أدية ) فى موجة إعتقالات للخوارج ومن أنصارهم وكل المشكوك فى ولائهم . ورأى السجان عبادة مرداس وقيامه الليل فكان يأذن له كل ليلة ليبيت فى منزله ثم يعود صباحا. وأمر ابن زياد بقتل بعض السجناء ممن الخوارج ، وكان مرداس فى بيته فعرف فأسرع بالمجىء الى السجن حتى لا يؤاخذ السجان . وجىء بمرداس للقتل ، فشفع فيه السجان لدى ابن زياد وكان صهره ، فأفرج ابن زياد عن مرداس. يقول الطبرى : ( ثم إن ابن زياد ألحّ في طلب الخوراج ، فملأ منهم السجن وأخذ الناس بسببهم ، وحبس أبا بلال ، قبل أن يقتل أخاه عروة، فرأى السجان عبادته فأذن له كل ليلة في إتيان أهله، فكان يأتيهم ليلاً ويعود مع الصبح، وكان صديق مرداس إليه فأعلمه الخبر، وبات السجان بليلة سوء خوفاً أن يعلم مرداس فلا يرجع، فلما كان الوقت الذي كان يعود فيه إذا به قد أتى، فقال له السجان: أما بلغك ما عزم عليك الأمير؟ قال: بلى. قال: ثم جئت؟ قال: نعم، لم يكن جزاؤك مني مع إحسانك إلي أن تعاقب. وأصبح عبيد الله فقتل الخوارج، فلما أحضر مرداس قام السجان، وكان ظئراً لعبيد الله، فشفع فيه وقص عليه قصته، فوهبه له وخلى سبيله. ).
1 / 3 : وقتل ابن زياد أخ مرداس ، وهو عروة بن أدية ، وقتل إبنته . يقول الطبرى فى أحداث عام 61 : ( في هذه السنة اشتد عبيد الله بن زياد على الخوارج فقتل منهم جماعةً كثيرة، منهم: عروة بن أدية أخو أبي بلال مرداس بن أدية..) ويذكر الطبرى السبب : ( وكان سبب قتله أن ابن زياد كان قد خرج في رهان له، فلما جلس ينتظر الخيل اجتمع إليه الناس وفيهم عروة، فأقبل على ابن زياد يعظه، وكان مما قال له: ( أتبنون بكل ريعٍ آيةً تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين} الشعراء: 128- 130.) ، فلما قال ذلك ظن ابن زياد أنه لم يقل ذلك إلا ومعه جماعة، فقام وركب وترك رهانه. فقيل لعروة: ليقتلنك! فاختفى، فطلبه ابن زياد فهرب وأتى الكوفة، فأخذ وقدم به على ابن زياد، فقطع يديه ورجليه وقتله، وقتل ابنته. ). هنا رجل يعظ بالقرآن فيكون مصيره تقطيع أطرافه وقتله وقتل إبنته.
1 / 4 : كان مرداس معتدلا بالنسبة لبقية الخوارج ، ويقول بالتقية حتى لا يصطدم بالسلطة الأموية . لكن موقفه تغير عندما قتل عبيد الله بن زياد إمرأة من الخوارج إسمها البثجاء كانت عابدة مجتهدة فى العبادة ولكن تنتقد ابن زياد ، نصحها مرداس بالتقية خوفا عليها فلم تطاوعه ، فقطع ابن زياد أطرافها وعلقها فى السوق لتموت صبرا . ومرّ بها مرداس فتغير موقفه ، وثار خارجا على ابن زياد. يقول الطبرى : ( وكانت البثجاء، امرأة من بني يربوع، تحرض على ابن زياد وتذكر تجبره وسوء سيرته، وكانت من المجتهدات، فذكرها ابن زياد، فقال لها أبو بلال: " إن التقية لا بأس بها فتغيبي فإن هذا الجبار قد ذكرك " . قالت: " أخشى أن يلقى أحدٌ بسبي مكروهاً.". فأخذها ابن زياد فقطع يديها ورجليها، فمر بها أبو بلال في السوق فعض على لحيته وقال: " أهذه أطيب نفساً بالموت منك يا مرداس؟ ما ميتةٌ أموتها أحب إلي من ميتة البثجاء! " .! . ومر أبو بلال ببعير قد طلي بقطران فغشي عليه ثم أفاق فتلا: ( سرابيلهم من قطرانٍ وتغشى وجوههم النار} إبراهيم: 50.).
1 / 5 : لهذا ثار الخارجى ( مرداس أبو بلال ) وغادر العراق الى الأهواز ومعه أربعون رجلا فقط . بعث إليهم ابن زياد جيشا بألفى رجل ، فهزمهم الأربعون خارجيا فى موقعة ( آسك ) ، كانت فضيحة . قال فيها شاعر يمدح الخوارج :
أألفا مؤمن منكم زعمتم ويقتلهم بآسك أربعونا
كذبتم ليس ذاك كما زعمتم ولكن الخوارج مؤمنونا
هي الفئة القليلة قد علمتم على الفئة الكثيرة ينصرونا
1 / 6 : كان لا بد لعبيد الله بن زياد أن يثأر . فأرسل لهم جيشا آخر بثلاثة ألاف ، وإشتد القتال ، تقول الرواية عن أبى بلال : ( ..وحمل عليهم أبو بلال فيمن معه فثبتوا ، واشتد القتال حتى دخل وقت العصر ، فقال أبو بلال : " هذا يوم جمعة ، وهو يوم عظيم وهذا وقت العصر فدعونا حتى نصلي‏.‏ ) وإستجاب له القائد الأموى ابن الأخضر . تقول الرواية ( ..فأجابهم ابن الأخضر وتحاجزوا ، فعجل ابن الأخضر الصلاة ، وقيل قطعها، والخوارج يصلون ، فشد عليهم هو وأصحابه وهم ما بين قائم وراكع وساجد لم يتغير منهم أحد من حاله فقتلوا من آخرهم وأخذ رأس أبي بلال‏.‏ ). لم يتركوا الصلاة ، كان الجيش الأموى يقتلهم وهم فى الصلاة يقولون ( وعجلت اليك ربى لترضى ). ! هنا الوجه المتطرف فى الصلاة لدى الخوارج .
2 ـ عيّن الخليفة الأموى هشام بن عبد الملك ( خالد القسرى ) والى الصلاة على العراق وشرقها. أرسل خالد جيشا قاتل الخوارج فى الموصل ، إنهزم الخوارج وقُتل معظمهم . قال شاعر يرثى قتلى الخوارج :
( فتية تعرف التخشع فيهم ** كلهم أحكم القرآن إماما
قد برى لحمه التهجد حتى ** عاد جلداً مصفراً وعظاماً )
هذا هو المظهر الخارجى للخوارج بسبب الإفراط فى الصلاة والتهجد وقراءة القرآن .
ثانيا : الملمح الثانى : التطرف فى القتل للجميع حتى النساء والأطفال
1 ـ حين خرجوا على ( على بن أبى طالب ) وأقاموا فى حروراء عينوا أميرا على الصلاة ، تقول الرواية :( وأتوا حروراء، فنزل بها منهم اثنا عشر ألفاً، ونادى مناديهم: إن أمير القتال شبث بن ربعي التميمي، وأمير الصلاة عبد الله بن الكوا اليشكري ..) .
2 ـ وأول جريمة لهم كانت قتل رجل مسالم وبقر بطن زوجته ، تقول الرواية : ( لما أقبلت الخارجة من البصرة حتى دنت من النهروان رأى عصابةٌ منهم رجلاً يسوق بامرأة على حمار، فدعوه فانتهروه فأفزعوه وقالوا له: من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: أفزعناك؟ قال: نعم. قالوا: لا روع عليك.. ) وناقشوه فى التحكيم وفى (على ) ولمّا لم يعجبهم رأيه قتلوه وقتلوا زوجته : ( فقالوا: إنك تتبع الهوى وتوالي الرجال على أسمائها لا على أفعالها، والله لنقتلنك قتلةً ما قتلناها أحداً. فأخذوه وكتفوه ثم أقبلوا به وبامرأته، وهي حبلى متم ... فأضجعوه فذبحوه، فسال دمه في الماء، وأقبلوا إلى المرأة فقالت: أنا امرأة ألا تتقون الله! فبقروا بطنها، وقتلوا ثلاث نسوة من طيء، وقتلوا أم سنان الصيداوية ). الخوارج يستبيحون قتل الأجنة فى البطون. !
3 ـ كان شبيب بن بجرة مع ابن ملجم حين قتل علياً، تقول الرواية : ( فلما دخل معاوية الكوفة أتاه شبيب كالمتقرب إليه فقال: " أنا وابن ملجم قتلنا علياً،" ، فوثب معاوية من مجلسه مذعوراً حتى دخل منزله . وبعث إلى أشجع وقال: " لئن رأيت شبيباً أو بلغني أنه ببابي لأهلكنكم، أخرجوه عن بلدكم.!" . وكان شبيب إذا جن عليه الليل خرج فلم يلق أحداً إلا قتله. ). يقتل الناس ليلا قتلا عشوائيا .
4 ـ أثناء خلافته عيّن عبد الله بن الزبير أخاه مصعب واليا للصلاة على العراق وما يتبعه شرقا ، وتعين على مصعب مواجهة الخوارج. فى حوادث عام 68 وتحت عنوان : ( حروب الخوارج بفارس والعراق) يذكر ابن الأثير تفصيلات هذه الحروب نقلا عن الطبرى . ومنها نقتطف أهم ملمح من ذهنية الخوارج ودينهم ، وهو الإسراف فى القتل . تقول الرواية عنهم : ( فشنوا الغارة على أهل المدائن ..ووضعوا السيف فى الناس يقتلون الرجال والنساء والولدان ويشقون أجواف الحبالى .). أى يقتلون الأجنّة فى الاحام.! وهم فى طريقهم عثروا على رجل اسمه سماك بن يزيد ، معه بنت له ، فأخذوها ليقتلوها وأبيها ، فقالت تستعطفهم : (" يا أهل الاسلام .! إن أبى مصاب فلا تقتلوه ، وأما أنا فجارية ، والله ما أتيت فاحشة قط ، ولا آذيت جارة لى ، ولا تطلعت ولا تشرفت قط " ) (أى لم تتجسس على جيرانها ) . تستمر الرواية : ( فلما أرادوا قتلها سقطت ميتة ) أى ماتت من الرعب ، ولم يرحموا جثتها. تقول الرواية : ( فقطعوها بسيوفهم ).! . اما أبوها المريض فإصطحبوه معهم ثم قتلوه وصلبوه. لو قرأ هتلر هذا لإبيضّت عيناه من الحُزن.!!
5 ـ فى عام 69 ، تقول الرواية : ( وفيها حكم رجل من الخوارج بمنى وسل سيفه، وكانوا جماعة، فأمسك الله أيديهم فقتل ذلك الرجل عند الجمرة. ) : (حكّم ) أى صاح ( لا حكم إلا لله ) وهى الصيحة التى يستبيحون بها القتل حتى للأبرياء . وهذا الرجل يقتل الناس حتى فى الحرم.
6 ـ إستمر هذا حتى العصر العباسى ، ورصده الملطى المتوفى عام 377 . فى كتابه ( التنبيه والرد ) يقول الملطى عن الخوارج : ( فأما الفرقة الأولى من الخوارج فهم المحكمة الأولى ( اصحاب شعار : لا حكم إلا لله ) ، الذين كانوا يخرجون بسيوفهم فى الأسواق حين يجتمع الناس ، فينادون : لا حكم إلا لله ، ويضعون سيوفهم فيمن يلحقون من الناس ، فلا يزالون يقتلون حتى يقتلوا. وكان الواحد منهم إذا خرج للتحكيم لا يرجع حتى يُقتل .ولم يبق منهم أحد على وجه الأرض بحمد الله .) . ويقول عن بعض طوائفهم : ( الإباضية : .. خرجوا من سواد الكوفة فقتلوا الناس وسبوا الذرية وقتلوا الأطفال وكفّروا الأمة وأفسدوا فى العباد والبلاد ، فمنهم اليوم بقايا بسواد الكوفة ) . ( السواد يعنى الأرض الزراعية التى تجاور الصحراء فى العراق. ) ـ ويقول عن الحرورية : ( يقولون بتكفير الأمة .. ويسبون ويستحلون الأموال والفروج ..وهم بناحية سجستان وهراة وخراسان ، وهم عالم كثير ..وهم اصحاب خيل وشجاعة .. ) ( الصليدية ..يقتلون ويستحلون الموال على الأحوال كلها ، وهم أشر الخوارج وأقذرهم وأكثرهم فسادا ، ولهم عدد بناحية سجستان ونواحيها .. ).
الملمح الثالث : الجمع بين التطرف فى العبادة والتطرف فى القتل
1 ـ حين كان خالد القسرى والى العراق للخليفة هشام بن عبد الملك ثار الخارجى ( وزير السختياني ) بالحيرة في نفر قليل : ( فجعل لا يمر بقرية إلا أحرقها، ولا يلقى أحداً إلا قتله، وغلب على ما هنالك وعلى بيت المال، فوجه إليه خالد جنداً فقاتلوا عامة أصحابه وأثخن بالجراح، وأتي به خالد، ) أخذ هذا الخارجى يحرق القرى ويقتل من يراه وهو مع ذلك عابد مجتهد فى العبادة.! هو يعظ خالد القسرى المشهور بغلظته وقسوته فيجعل قلب خالد يلين.! أثار إعجاب خالد فإكتفى بحبسه ولم يقتله ، وإتخذه نديما يسمر معه ، وأرسل خصوم خالد الى الخليفة أنه آوى اليه ( حروريا ) أى خارجيا يسامره ، تقول الرواية : ( وأقبل على خالد فوعظه، فأعجب خالداً ما سمع منه فلم يقتله وحبسه عنده، وكان يؤتى به في الليل فيحادثه. فسعي بخالد إلى هشام وقيل: أخذ حرورياً قد قتل وحرق وأباح لأموال فجعله سميراً، فغضب هشام وكتب إليه يأمره بقتله، وكان خالد يقول: إني أنفس به عن الموت، فأخر قتله، فكتب إليه هشام ثانياً يذمه ويأمره بقتله ، فقتله خالد حرقا ونفرا معه . وهو فى الحرق كان يتلو قوله جل وعلا : (قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴿٨١﴾ التوبة ).

( 2 ): بين دين الخوارج ودين قريش
مقدمة :
1 ـ المعروفون بالخوارج أسلموا من قبل فى عهد النبى محمد عليه السلام بالاسلام السلوكى بمعنى السلام وأوقفوا غاراتهم على بعضهم ، وتحرروا من سلطان قريش التى كانت تتخذ من اصنامهم فى البيت الحرام رهينة كى يخضعوا لها ويمتنعوا عن مهاجمة قوافل قريش فى رحلتى الشتاء والصيف. . ثم إستعادت قريش نفوذها بخلافة أبى بكر ( رأس الذين مردوا على النفاق ) فثار الأعراب رفضا لأخذ ابى بكر منهم الصدقات فأصبح إسمهم المرتدين ، وبعد هزيمتهم صاروا جنود الغزو معتنقين دين قريش وخلفائها الفاسقين فتحولت غاراتهم القبلية فى الجزيرة العربية الى حرب عالمية تنتحل إسم الاسلام زورا وبهتانا. عاملهم (عمر ) بالعدل فى توزيع الغنائم ، ثم ثاروا على ( عثمان ) بسبب فساده وقتلوه فأصبح إسمهم الثوار، ثم إنضموا الى (على ) وأصبحوا من شيعته ، ثم خرجوا عليه وكفروا بقريش كلها ، وحاربوه وقتلوه وإلتصق بهم اسم الخوارج. كل هذا فى جيل واحد.
2 ـ كان الخوارج من القوى الفعّالة فى الفتنة الكبرى ، لم يؤثروا فى حسم إلصراع على السلطة بين أجنحة قريش المتصارعة ( أمويون ـ هاشميون ـ زبيريون ) ، ولكنهم ـ فى الأغلب ـ حاربوا الجميع ، من مقتل الحسين الى مقتل ابن الزبير ، ثم إستمروا فى حرب الأمويين ، واستمروا فى العصر العباسى الأول .
3 ـ حملوا لقب ( الخوارج ) بمعنى الخارجين على الحكم القُرشى والدين القرشى الذى أرساه عمليا الخلفاء الفاسقون بغزوهم وإحتلالهم وبغيهم وعدوانهم. إستمر الخوارج يحملون هذا اللقب وهذا الدين مع إستمرار حكم قريش فى عصر الأمويين والعباسيين. إذ لم يتغير الأمر بالنسبة لهم ، الخلفاء جميعا قرشيون ، لا فارق بين الأربعة الأوائل أو الأمويين أو العباسيين ، ولا فارق ايضا بينهم فى التسلط والاستبداد والإستثار بالسلطة وإعتبار القبائل الأخرى مجرد أعوان يقاتلون فى سبيل مجد قرسش وتوسعها . بإستمرار الإستبداد القرشى فى العصر الأموى ثم العباسى إنضم كثير من الناقمين والطموحين للخوارج وإعتنقوا دينهم ، وإنتشر دينهم ما بين أواسط آسيا الى شمال أفريقيا ، بل إن بعض من خدم الأمويين ( خرج ) على الأمويين معتنقا دين (الخوارج ) عندما صارت له قوة ، مثل إبن الأشعث الذى كان قائدا لجيش أموى فوقع تحت سيطرة الخوارج فإستخدم جيشه فى حرب الأمويين ، وتصارع مع الحجاج بن يوسف .
4 ـ رفض الخوارج ( أن تحكم قريش ) وكما إنتحل الخلفاء الفاسقون إسم الاسلام فى غزوهم وإحتلالهم وبغيهم وعدوانهم فإن الخوارج إنتحلوا ( لا حكم إلا لله ) أو حاكمية الله جل وعلا عنوانا لدينهم الجديد حقدا على إنفراد قريش بالحكم ، وجعلوا ( لا حكم إلا لله ) شهادة دينهم وصيحتهم فى جهادهم فى الخروج على الحاكم وفى قتلهم العشوائى للناس.
5 ـ تميز الخوارج بتطرفهم فى العبادة ( الصلاة وقراءة القرآن ) وتطرفهم فى القتل وإستحلال الدماء. ولنا أن نتخيل ــ وهم بوحشيتهم تلك ــ كيف كانوا يتفانون فى قتل جنود البلاد الذين كانوا يدافعون عن أوطانهم . زاد تفانيهم فى القتل والقتال حين تحولوا الى خوارج ، وزادها تطرفهم فى العبادة وإعتقادهم إمتلاك الحق ، أى كانوا مخلصين فى سفك الدماء بنفس إخلاصهم فى تأدية صلاتهم الشيطانية التى تأمرهم بالفحشاء والمنكر.
6 ــ بدينهم المتطرف هذا إختلفوا عن دين الخلفاء الفاسقين ، سواء فى العبادة أو فى إستحلال الدماء . تطرفوا ــ وبكل خشوع شيطانى ــ فى العبادة وقيام الليل ، وتطرفوا ــ وبكل شجاعة ــ فى إستحلال الدماء لكل ( المسلمين ) حتى الأطفال والنساء والذرية وحتى كانوا يبقرون بطون الحوامل ليقتلوا الأجنّة. وكأى دين أرضى إنقسم الخوارج طوائف وشيعا تسمّت بأسماء قوادها أو ببعض سماتها ، وكلها تتفق فى أنه ( لا حكم لله ) إعلانا للثورة على السلطان وقتل الناس جميعا ، ثم يختلفون فى بعض الفرعيات
لم يقع الخلفاء الفاسقون فى التطرف فى العبادة أو التطرف فى القتل. كان همُّهم الأكبر وإلاههم الأكبر هو المال. إذا حصلوا عليه بالجزية وبالصلح بدون حرب فلا داعى للحرب. وإذا حاربوا قتلوا الجنود وإسترقوا ذريتهم وتركوا الباقين يعملون عندهم سواء كانوا فلاحين أو عاملين فى جمع المال . أما الخوارج فقد دفعهم حقدهم على قريش أن قتلوا كل من يقع فى أيديهم ، ولم يكن إهتمامهم بالمال بقدر إهتمامهم بسفك الدماء .
7 ـ ولقد قضى ( على بن أبى طالب ) على معظم الخوارج ، ولكن إستمر الخوارج بعده ، بل قتلوه . ولم يفلح أيضا الخلفاء اللاحقون فى القضاء على الخوارج . إنتشر دين الخوارج لسببين :
7 / 1 : الأصل فى ثورة الخوارج هو إستئثار الخليفة القرشى بالحكم ، وقد إستمر هذا بعد قتل ( على ) ومعززا بالفساد وقوة السلاح ، وبلا أمل فى الاصلاح .
7 / 2 : جاذبية الفكرة وعدم مواجهتها من داخل الاسلام لأن الاسلام أصلا ضد خلفاء قريش كما هو ضد دين الخوارج. بالتالى كانوا يقضون على الأشخاص مع بقاء الإستبداد والفساد دون إصلاح ، ومع عدم مواجهة الفكرة نفسها ، لذا إستمرت الفكرة وأنجبت آلافا مؤلفة فيما بعد قتلوا آلافا مؤلفة من الأبرياء الذين لا ذنب لهم .
7 / 3 : وهذا يؤكد ــ لمن يهمه الأمر ــ أن مواجهة داعش وغيرها من بنات الوهابية ليس بالعسكر ، ولكن بعلاج المرض الذى أنتج داعش ، وأنتج من قبله الخوارج . وهو الاستبداد والفساد وتحكم الملأ والنخبة بالحديد والنار، لذا تشتعل ثورات الناقمين تحت أى شعار ، وأصعبها الشعار الدينى كما فعل الخوارج والدواعش . وسيظل الفشل نصيب كل من يتصدى لحرب ما يسمى بالارهاب بقوة الجيش واسلحة الأمن ، مع الابقاء على الفساد والظلم الذى تنبت فيه وتترعرع الحركات الارهابية من الخوارج الى حركة الزنج الى القرامطة الى الوهابية وبناتها . وسيظل الشرق الأتعس يعايش حركات الارهاب طالما يرتع فيه الاستبداد مصاحبا الفساد ، وطالما يرفض الاصلاح والعدل.
وعن الخوارج نعطى بعض التفصيلات :
أولا : دينهم ( لا حكم إلا لله )
1 ـ تولد هذا الدين فجأة بإعتراض ( القُرّاء ) أو الأعراب المتشددين فى العبادة والمتفانين فى الحرب مع على ضد معاوية فى معركة (صفين ) . تقول الروايات :
1 / 1 : ( وخرج الأشعث بالكتاب ( أى كتاب التحكيم ) يقرؤه على الناس حتى مر على طائفة من بني تميم فيهم عروة بن أدية أخو أبي بلال فقرأه عليهم، فقال عروة: تحكّمون في أمر الله الرجال؟ لا حكم إلا لله! ثم شد بسيفه فضرب به عجز دابة الأشعث ضربةً خفيفة واندفعت الدابة.. ) .
1 / 2 : ( لما أراد (علي ) أن يبعث أبا موسى للحكومة ( التحكيم ) أتاه رجلان من الخوارج: زرعة ابن البرج الطائي وحرقوص بن زهير السعدي فقالا له: لا حكم إلا لله! فقال علي: لا حكم إلا لله. وقال حرقوص بن زهير: تب من خطيئتك وارجع عن قضيتك واخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم حتى نلقى ربنا. فقال علي: قد أردتكم على ذلك فعصيتموني ).
2 ـ ولاحقوا (على بن أبى طالب ) بهذا الشعار الذى صار دينا للخوارج . واصبح تعبيرا وقتها أن يقال ( حكّم ) أى صرخ بشعار ( لا حكم إلا لله ) ، واصبح لقب الخوارج : ( المُحكّمة ) . تقول الرواية عن (على ) وهو يخطب ( فى المسجد ):
2 / 1 ( وخطب (علي ) ذات يوم، فحكّمت المُحكّمة في جوانب المسجد، فقال ( علي ) : " الله أكبر، كلمة حق أريد بها باطل" ! . )
2 / 2 : ( ثم خطب (علي ) يوماً آخر فقام رجل فقال: " لا حكم إلا لله! " ، ثم توالى عدة رجال يحكّمون. فقال علي: " الله أكبر، كلمة حق أريد بها باطل "! )
3 ـ والخارجى عبد الرحمن بن ملجم هتف بهذا الشعار وهو يضرب عليا بالسيف ، تقول الرواية : ( فلما كان ليلة الجمعة، وهي الليلة التي واعد ابن ملجم أصحابه على قتل علي ومعاوية وعمرو، أخذ سيفه ومعه شبيب ووردان وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي للصلاة، فلما خرج علي نادى: أيها الناس الصلاة الصلاة. فضربه شبيب بالسيف فوقع سيفه بعضادة الباب، وضربه ابن ملجم على قرنه بالسيف، وقال: الحكم لله لا لك يا علي ولا لأصحابك! )
4 ـ وتواتر هذا التعبير فى تاريخ الخوارج بعد مقتل (على ) ، فيأتى التعبير عن ثورة فلان من الخوارج بأنه ( حكّم ) . ومثلا فى عام 64 تقول الرواية : ( ذكر خروج سهم والخطيم: وفيها خرج الخطيم، وهو يزيد بن مالك الباهلي، وسهم بن غالب الهجيمي، فحكّما؛ فأما سهم فإنه خرج إلى الأهواز فحكّم بها، ثم رجع فاختفى وطلب الأمان فلم يؤمنه زياد وطلبه حتى أخذه وقتله وصلبه على بابه. )
ثانيا : وصف دينهم بالمروق ( أى مرقوا من دين قريش )
1 ـ بدأ هذا فى روايتين عن (على بن ابى طالب ) :
1 / 1 : (.. قد روى جماعة أن علياً كان يحدث أصحابه قبل ظهور الخوارج أن قوماً يخرجون يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، علامتهم رجل مخدج اليد، سمعوا ذلك منه مراراً، فلما خرج أهل النهروان سار بهم إليهم ( علي ) وكان منه معهم ما كان، فلما فرغ أمر أصحابه أن يلتمسوا المخدج، فالتمسوه، فقال بعضهم: ما نجده، حتى قال بعضهم: ما هو فيهم، وهو يقول: " والله إنه لفيهم، والله ما كذبت ولا كذبت! " ثم إنه جاءه رجل فبشره فقال: يا أمير المؤمنين قد وجدناه.) ( وقيل: بل خرج (علي ) في طلبه قبل أن يبشره الرجل ، ومعه سليم بن ثمامة الحنفي والريان بن صبرة ، فوجده في حفرة على شاطىء النهر في خمسين قتيلاًن ، فلما استخرجه نظر إلى عضده فإذا لحم مجتمع كثدي المرأة وحلمة عليها شعرات سود فإذا مُدّت امتدت حتى تحاذي يده الطولى ثم تترك فتعود إلى منكبيه. فلما رآه قال: " الله أكبر ما كذبت ولا كذبت، لولا أن تنكلوا عن العمل لأخبرتكم بما قص الله على لسان نبيه، صلى الله عليه وسلم، لمن قاتلهم مستبصراً في قتالهم عارفاً للحق الذي نحن عليه.. ) . غنى عن الذكر أن النبى محمدا عليه السلام لم يكن يعلم غيب المستقبل وإذا قاله (على ) ونسبه للنبى عليه السلام فقد إفترى برهانا وإثما عظيما يضاف الى سجل أعماله فى القتل فى سبيل السُّلطة والمال.
1 / 2 : ( وقال (على ) : " إذا حدثتكم فيما بينى وبينكم فإن الحرب خدعة ، وإذا حدثتكم عن رسول الله ، فوالله لأن أخرّ من السماء أحبُّ إلى من الكذب عليه ، وإنى سمعته يقول : يخرج قوم فى آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية ، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، فأينما لقيتهم فاقتلهم فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة ) . يذكر ما سيحدث ( آخر الزمان ) مع أن وقت ظهور الخوارج لم يكن آخر الزمان. هذا إفتراء ، . ولكن يهمنا هنا أن تشريع الدين القرشى يأتى بقتلهم وقتالهم والمثوبة على ذلك ، والمعنى أن الدين القُرشى يواجه دين الخوارج بالاتهام بالمروق ( عن دين الخلفاء الفاسقين ) .
2 ـ ومع إستمرار الخروج فى العصرين الأموى والعباسى راجت صيغ أخرى من أحاديث تتهم الخوارج بالمروق عن الدين القرشى. فقد صاغوا حديثا منسوبا للنبى محمد عن الشاعر الأموى المشهور ( الفرزدق ) يرويه عن أبى سعيد الخدرى يزعم : ( قلت لأبى سعيد الخدرى : قبلنا قوم يصلون صلاة لا يصليها احد ويقرءون قراءة لا يقرؤها أحد " ، وكان متكئا فاستوى جالسا ، وقال : " سمعت رسول الله يقول : " إن قبل المشرق قوما يقرءون قراءة لا تُجاوز حلوقهم ) . لم يذكروا ظهور الخوارج غربا فى شمال أفريقيا .
3( ﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﻫﺮﻳﺮﺓ ﻗﺎﻝ ﺭﺳﻮﻝ ﷲ ﻳﺨﺮﺝ ﻓﻲ ﺁﺧﺮ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ ﻗﻮﻡ ﻳﻘﺮﺅﻭﻥ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻓﺎﺗﺤﺘﻪ ﺇﻟﻰ ﺧﺎﺗﻤﺘﻪ ﻻ ﻳﺠﺎﻭﺯ ﺣﻨﺎﺟﺮﻫﻢ ﻳﻤﺮﻗﻮﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻛﻤﺎ ﻳﻤﺮﻕ ﺍﻟﺴﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﻣﻴﺔ ) ( يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالهم ، يقرآون القرآن ولا يجاوز حناجرهم. يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية تنظر فى القدح فلا ترى شيئا وتنظر فى الريش فلا ترى شيئا .. ) يهمنا هنا تكرار وصف الخوارج بالتطرف فى العبادة من صلاة وصوم وقراءة للقرآن .
( 3 ): لماذا إختار الخوارج الحاكمية دينا ؟
1 ـ رأينا أنه التعصب القبلى ( نسبة للقبيلة ) . وفى الطريق بحث قادم بعون الرحمن جل وعلا عن أثر العصبية القبلية فى الدولة الأموية. ولكن نكتفى هنا بلمحة تخص موضوعنا عن أثر التعصب القبلى فى إختيار الخوارج الحاكمية دينا رفضا لدين قريش .
2 ـ ينقسم العرب الى قسمين كبيرين : عرب اليمن القحطانيون ، والعرب المستعربة من نسل إسماعيل بن ابراهيم ، والمعرون من أقدم أجدادهم هو نزار بن معد بن عدنان . وقد أنجب نزار ثلاثة أولاد هم ( مُضر ) و ( ربيعة ) و ( إياد ) . من مضر تناسلت قبائل كثيرة منها كنانة ومنه فرع قريش . قبائل ربيعة هى أكثرية عرب الشرق وفى نجد بينما تركز معظم قبائل ( مُضر ) فى الحجاز والغرب.
أما عرب اليمن ( قحطان ) فتوزعوا ، ومنهم قبيلة كلب فى جنوب الشام . وتوثقت علاقة قريش بقبيلة كلب التى كانت تسيطر على الطرق التجارية وتحمى رحلتى الشتاء والصيف الى الشام ، وكان الأمويون هم قادة القوافل لذا تأسست علاقتهم بكلب وأصهر معاوية الى زعيم قبية كلب وتزوج ابنته ميسون بنت بحدل فأنجب منها إبنه يزيد.
ولم تكن العلاقة جيدة بين قريش المُضرية وقبائل ربيعة ، وقبيلتا بكر وتغلب من نسل ربيعة بن نزار . ومن بكر بن وائل كان معظم الخوارج .
3 ـ دخل العرب فى الاسلام السلوكى وتناسوا العصبية القبلية وإستبدلوها بالأخوة فى الاسلام الذى يكون فيه الأكرم عند الله جل وعلا هو الأتقى ، وسيكون هذا معروفا يوم القيامة طبقا لقوله جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴿١٣﴾ الحجرات ). أى جعلنا رب العزة شعوبا وقبائل مختلفة فى اللسان والألوان لكى نتعارف سلميا لا لنتقاتل حربيا. الشورى الاسلامية عرضنا لها هنا فى بحث منشور ، وبها تخلص العرب من سيطرة الملأ ، سواء كان من قريش أو من المدينة وهذا بتحجيم سيطرة المنافقين الأكثر ثراءا ونفوذا، ثم هناك الحرية المطلقة فى الدين طالما إلتزم الفرد بالسلام وعدم الإكراه فى الدين وعدم إستغلال الدين فى إكراه الناس على تقديم الصدقات . بالمساواة وبالشورى والسلام والحرية الدينية إستراح العرب من حروبهم مؤقتا بأن دخلوا فى الاسلام السلوكى أفواجا . تغيّر هذا بما فعله رائد الخلفاء الفاسقين ( ابو بكر )، إذ عادت العصبية القبلية قوية وظهرت فى حركة الردة ، وكانت أعتى حركات الردة هى التى تزعمها مسيلمة الكذاب ، وحظى على تأييد قبائل ربيعة مع علمهم بأنه كذاب ، لكن إشتهر قولهم (كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر. ) . النبى محمد عليه السلام ينتمى الى قبائل ( مضر ) ، وقد مات وتولى بعده قرشى مضرى يريد أن يعلو عليهم ، لذا فالمتنبىء الكذاب أفضل عندهم من النبى المضرى القرشى الصادق الذى مات.
4 ـ وأشرنا الى دخول القبائل العربية أفواجا تحت قيادة قريش فى الفتوحات الإجرامية ، وكان منهم قادة المرتدين سابقا. بعد توقف الفتوحات فى عهد عثمان بدأ التذمر من فساد عثمان وإستئثاره بالأموال ، وإنفجر الخلاف بقضية ( السواد ) وهو الأرض الزراعية المتاخمة للصحراء النجدية ، والتى كانت قبائل ربيعة تعتبرها ملكا خاصا لها. إعتبرت قريش هذا السواد ملكية لها ، وأسموه ( بستان قريش ) ، بهذا تحولت نقمة الأعراب الى ثورة على عثمان إنتهت بقتله ، وتعيين (على ) خليفة.
ليزايدوا على (على ) تفانى أولئك الأعراب فى القتال وتفانوا فى العبادة ، وأيضا زايدوا عليه فى الحكم ، يفرضون رأيهم عليه ويعصونه ، لذا كان (على ) يناديهم ( يا أهل العراق ، يا اهل الشقاق والنفاق ) . أرغموه على الرضى بالتحكيم ، ثم أرادوا إرغامه على رفض التحكيم بحجة أن لا حكم إلا لله ، ثم خرجوا عليه بهذا الدين الجديد الذى يعنى كراهية حكم قريش. وأساس هذا هو عصبيتهم القبلية ضد قريش .
5 ـ على أن العصبية القبلية كان لها تأثير خطير آخر بجانب إنتاج الخوارج ودينهم ( لا حكم إلا لله ) . ونستشهد بعام 46 ، وهو أخطر الأعوام ، والذى حدث فيه موت يزيد بن معاوية وتولى معاوية ثم إعتزاله وموته ، وإنضمام الضحاك بن قيس زعيم القبائل القيسية المضرية لابن الزبير ،ومن ثم إستفحال دعوة عبد الله بن الزبير ، وإجتماع الأمويين فى مؤتمر الجابية وإختيارهم مروان بن الحكم خليفة ، ووقوف القبائل اليمنية ( خصوصا قبائل كلب ) الى جانب الأمويين ، وحدثت موقعة مرج راهط ، والتى كانت صراعا قبليا ( من القبيلة ) بين قبائل قيس المُضرية العدنانية وقبائل كلب اليمنية القحطانية . وإنهزمت قيس وقُتل زعيمها الضحاك ، وتأجّجت العداوة بين قيس المضرية العدنانية وكلب اليمنية القحطانية . والجد الأعلى لقيس هو ( مُضر ) : هو ( قيس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ) ، ومن قبائل قيس : هوازن وغطفان وسليم وفهم وباهلة ومازن وغنى .
ومن قادة ( مُضر ) وقتها كان عبد الله بن خازم السلمى أحد قادة الفتوحات البغى فى فارس ، وكان والى فارس فى عهد معاوية . وتولى فارس فى عام 64 ، السبب أن ابن زياد عيّن على خراسان ( المهلب بن أبى صفرة )، وهو من الأزد ، والأزد من قبائل اليمن القحطانية ، وفى مناطق أخرى من خراسان (مرو الروذ والفارياب والطالقان والجوزجان ) كان هناك وال آخر من ( ربيعة ) ينتمى لقبيلة بكر بن وائل هو (سليمان بن مرثد) ، وبالتالى لا وجود لوال من ( مّضر ) . إتخذها عبد الله بن خازم فرصة إذ قال لوالى العراق : ( أما وجدت في المصر من تستعمله حتى فرقت خراسان بين بكر بن وائل واليمن ؟ اكتب لي عهدًا على خراسان‏.‏ ) تقول الرواية : ( فكتب له وأعطاه مائة ألف درهم‏.‏ ). وجرت حروب بين القبائل فى خراسان ، بين قبائل اليمن وقبائل ( مُضر ) ، وبين قبائل مضر وقبائل ( ربيعة ) . وقال عبد الله بن خازم مقالته المشهورة عن حقد قبائل ربيعة على بنى عمومتهم ( مُضر ) : ( إن ربيعة لم تزل غضابًا على ربها منذ بعث نبيه من مضر‏. ).! .
6 ـ وفى مقالته تلك يفضح نفسية الخوارج لأن معظم الخوارج من قبائل ربيعة ، وأشهر قادة الخوارج من قبائل ربيعة خصوصا قبائل بكر بن وائل . ومنهم ( نافع بن الأزرق، ونجدة بن عامر، وعبد الله بن وهب الراسبي، وحرقوص بن زهير، وشبيب بن يزيد. ). وهم جميعا يشتركون فى الحقد على قريش المُضرية.
7 ـ إنتشرت قبائل ربيعة فى العراق وخراسان ، ومنهم خوارج كانت لهم وقائع حربية ضد الدولة الأموية ، وتزايد هذا فى أواخر العهد الأموى فى خلافة مروان بن محمد ، الذى واجه الخوارج وغيرهم ، بل ثار عليه بعض أهله ومنهم ( سليمان بن هشام بن عبد الملك ) الذى إجتمع له أكثر من سبعين ألفا ، ولكن هزمه الخليفة مروان وقتل منهم أكثر من ثلاثين ألفا ، وأمر بقتل الأسرى إلا من كان مملوكا ، فزعم كثيرون أنهم عبيد للنجاة بحياتهم ـ فأمر مروان ببيعهم عبيدا . وهرب سليمان من المعركة ، وحاول حرب مروان مرة أخرى فإنهزم أيضا ، وواصل الفرار .
وقتها سيطر الضحاك الخارجى على الكوفة ، وتحارب مع الوالى الأموى عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ، والذى كان فى حرب أيضا مع ابن عمه الخليفة مروان بن محمد ، ورأى عبد الله بن عمر بن عبد العزيز أن يوقف الحرب مع الضحاك الخارجى وأن يتحالف معه ضد ابن عمه الخليفة مروان بن محمد. ولكن التحالف مع الضحاك الخارجى يستلزم الخضوع له وأن يدخل فى طاعته. وقتها جاء سليمان بن هشام بن عبد الملك هاربا منهزما من مروان بن محمد ، ولحق بابن عمه عبدالله بن عمر بن عبد العزيز ، وذهبا الى الضحاك الخارجى وبايعاه بالخلافة. تقول الرواية : ( حتى صار إلى عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بالعراق فخرج معه إلى الضحاك فبايعه وحرض على مروان؛ فقال بعض شعرائهم:
ألم تر الله أظهر دينه ** وصلّت قريش خلف بكر بن وائل ).
الشاهد هنا أن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وسليمان بن هشام بن عبد الملك بايعا زعيم الخوارج فى العراق بالخلافة نكاية فى الخليفة ابن عمهم ( مروان بن محمد ) وحرّضاه على قتال مروان. لذا قال الشاعر ( ألم تر الله أظهر دينه ** وصلت قريش خلف بكر بن وائل ) . هذا الشاعر يعبر عن ثقافة الخوارج . أى ( قريش ) يمثلها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وسليمان بن هشام بن عبد الملك ( تصلى ) أى تخضع ل ( بكر بن وائل ) ، أى الخوارج لأن معظم الخوارج من قبائل بكر بن وائل بن ربيعة . وقبائل ربيعة كما قال عبد الله بن خازم السلمى : ( إن ربيعة لم تزل غضابًا على ربها منذ بعث نبيه من مضر‏. ).! .
من المشترك بين الخوارج والأمويين
1 ـ تعصب الأمويون للعرب وإحتقروا الموالى ، والخوارج مع رأيهم ( الديمقراطى ) فى الحكم فلم يبثوا دعوتهم بين الموالى فى العراق وفارس وخراسان . وهذا ما تنبهت له دعوة بنى العباس إذ إعتمدت على الخراسانيين ، وإنتشر التشيع فى فارس والعراق ، وكان أعمدته من الموالى.
2 ـ وإشترك الأمويون والخوارج فى موضوع السبى . مارسوا السبى فى حروبهم المحلية ، الخوارج كانوا يستبقون بعض النساء ( المسلمات ) للسبى ، والأمويون كانوا يسبون نساء الخوارج . وجدير بالذكر أن السبى جرى فى حروب الردة قبلها ، أى رجعت قريش والمرتدون الى ما إعتادوه فى حروبهم الجاهلية من سبى النساء ، ثم إرتكبوا نفس الفعل على نطاق عالمى وأوسع فى فتوحاتهم الباغية فى آسيا وأفريقيا .
2 / 1 : فى عهد عبد الملك بن مروان أرسل أخاه عبد العزيز بن مروان لقتال الخوارج الأزارقة ، فهزم الأزارقة ، وسبى زوجة زعيمهم ، تقول الرواية إن عبد الملك بن مروان : ( بعث أخاه عبد العزيز على قتال الأزارقة فهزم ، وأخذت زوجته بنت المنذر بن الجارود فأقيمت فيمن يزيد ، فبلغت مائة ألف . وكانت جميلة فغار رجل من قومها ، كان من رؤوس الخوارج ، فقال‏:‏ " تنحوا ما أرى هذه المشركة إلا قد فتنتكم . " فضرب عنقها‏. ) أى عرضها الأمويون للبيع ، ولأنها جميلة فقد تزايدوا فى ثمنها الى مائة ألف . وكان بين الحاضرين رجل من قومها كان من قبل من الخوارج ثم إنشق عليهم وإنضم للأمويين ، ولما رآهم يتزايدون فى سعرها شعر بالغيرة والعصبية فقتلها، وسماها ( مشركة ) . كان من قبل يصف الأمويين بالكفر والشرك ، فلما تركهم وإنضم للأمويين وصف الخوارج بالكفر والشرك ..
2 / 2 : وفى حروب الحجاج مع الجيش المنشق عنه تحت قيادة ابن الأشعث أسر الحجاج بعض النسوة اللاتى كُنّ فى الجيش المعادى ، فأغار ( بسطام من مصقلة بن هبيرة الشيباني، ) ( قائد الخوارج من قبيلة ربيعة ) على جيش الحجاج ، وإستنقذ ثلاثين إمرأة كن سبايا . وأطلقهن .
3 ـ و كلاهما إستخدم الدين فى حربه ضد الآخر.
3 / 1 : زعم الخوارج أن الحكم ( السياسى ) لله جل وعلا وليس لقريش ، فقد ردّت عليهم قريش بحديث صنعوه يقول ( الأئمة من قريش ) .
3 / 2 ـ وبينما كان الخوارج يؤمنون أن قتلهم ( المسلمين ) جهاد ، فإن عبيد الله بن زياد وهو فى محنته عام 64 برّر كل جرائمه ومنها قتل الحسين ، ولكن قال عن قتاله وقتله للخوارج: (وأما قولك ليتني لم أكن قتلت من قتلت فما عملت بعد كلمة الإخلاص عملًا هو أقرب إلى الله عندي من قتل من قتلت من الخوارج ).!
3 / 3 : وتبادل الخوارج والأمويون إتهام بعضهم بأنه عدو الله .
3 / 3 / 1 : كان المهلب بن أبى صفرة يحارب الخوارج الأزارقة باسم عبد الله بن الزبير فلما هلك ابن الزبير إنضم المهلب الى عبد الملك وظل يحارب الخوارج ولكن بإسم عبد الملك بعد أن كان من قبل يتبرأ من عبد الملك. تقول الرواية : ( اقتتلت الأزارقة والمهلب بسولاف ثمانية أشهر أشد القتال ، فأتاهم قتل مصعب بن الزبير فبلغ ذلك إلى الأزارقة قبل المهلب فنادت الخوارج لعسكر المهلب‏:‏ ما قولكم في مصعب فقالوا‏:‏ إمام هدى قالوا‏:‏ فما قولكم في عبد الملك قالوا‏:‏ نحن براء منه قالوا‏:‏ فإن مصعب قد قتل وستجعلون غدًا عبد الملك إمامكم‏. فلما كان من الغد بلغ المهلب الخبر فبايع لعبد الملك فقالت الخوارج‏:‏ يا أعداء الله أنتم أمس تتبرأون منه وهو اليوم إمامكم‏.‏)
3 / 3 / 2 : فى موقعة دير الجماجم بين الحجاج الوالى الأموى والجيش الخارج عليه نادى الجيش الأموى الخوارج : ( يا أعداء الله قد هلكتم وقد قتل طاغيتكم! ).
4 : ومع كل هذه الحروب ضد الخارج فقد حافظ الفريقان على تأدية الصلاة . وقد تعرضنا للخوارج فى صلاتهم ، ونكتفى بروايتين عن قادة الأمويين :
4 / 1 : تحت عنوان ( ذكر غزوة الغور: عام 47 ) تقول الرواية : ( في هذه السنة سار الحكم بن عمرو إلى جبال الغور فغزا من بها، وكانوا ارتدوا، فأخذهم بالسيف عنوةً ، وفتحها وأصاب منها مغانم كثيرة وسبايا، ...) وتقول الرواية عن الحكم : (.. فشرب وتوضأ وصلى ركعتين، وكان أول المسلمين فعل ذلك ثم رجع.) صلى ركعتين ثم قاتل باغيا وسبى التنساء ونهب وسلب . وهو يحسب أنه يحسن صنعا. ولماذا ؟ لأن أهل الغور ( إرتدوا ) أى ثاروا على الاحتلال العربى والظلم العربى.!
4 / 2 : عبد الله بن خازم الفاتح فى خراسان لحساب الأمويين قيل فيه أنه كانت له:( عمامة سوداء يلبسها في صلاة الجمعة والأعياد والحروب، فإذا أنتصر تعمم بها تبركا بها. )ـ


الفصل الثانى عشر : الصلاة الشيطانية بين الحجاج بن يوسف وشبيب الخارجى
(1 ) عن الحجاج
مقدمة:
1 ـ الحجاج بن يوسف الثقفى ( 40 : 95 ) أشهر والى أموى ، فى بدايته كان معلما للقرآن ، ثم عمل شرطيا لدى عبد الملك بن مروان ، ولفت الانتباه بهمته وحزمه فأصبح رئيس الشرطة ، ثم كان الذى قضى على ابن الزبير ، وصار واليا على العراق وما يتبعه ، فأنقذ الدولة الأموية فى هذا الجزء الذى تأتى منه الفتن . أما شبيب الخارجى فهو : (شبيب بن يَزيد بن نعيم بن قيس الشيباني ( 26 : 77 ) أشهر قادة الخوارج وأشجعهم. وقد تحارب الحجاج وشبيب ، وتشاركا فى أداء الصلاة ، وكان للمسجد منزلة فى هذا الصراع الحربى. 2 ـ وتشارك الأمويون والخوارج الحرص على الصلاة حتى فى الإقتتال بينهما. وفى عام 43 وفى الصراع بين معاوية والخوارج كان قتل (المستورد بن علفة ) الخارحى ، ونقتطف بعض ما جاء فى هذا تحت عنوان : ( ذكر مقتل المستورد الخارجي: ( ..فجعلت الخوارج كلما حملت عليهم انحازوا عنهم، فإذا عاد الخوراج رجع أبو الرواغ في آثارهم، فلم يزالوا كذلك إلى وقت الظهر، فنزل الطائفتان يصلون ثم أقاموا إلى العصر، .. فتقدم حتى وقف مقابل الخوارج ولحقهم معقل، فلما دنا منهم غربت الشمس فصلى بأصحابه وصلى أبو الرواغ بأصحابه وصلى الخوارج أيضاً.. ) . فيما نكتب لا تعنينا التفصيلات ، بل ما جاء بين سطورها إشارة الى الصلاة أو المسجد .
3 ـ وننتاول طائفة من أخبار الحجاج تجمع بين صلاته وإسرافه فى الدماء :
أولا : الحجاج بين الاسراف فى القتل والصلاة
1 ـ عن تولية الحجاج واليا ( للصلاة ) على العراق عام 75 ، تقول الرواية عن دخوله الكوفة : ( فبدأ الحجاج بالمسجد ، فصعد المنبر وهو متلثم بعمامة خز حمراء فقال: علي بالناس ) أى بدأ بالمسجد ليلقى منه بيانه الأول للناس ، فالمسجد لم يعد بيت الله جل وعلا يعمره من يخشى الله جل وعلا ، بل هو بيت الشيطان ومسجد ضرار . وإجتمع الناس فظل ساكتا ملثم الوجه ، فإستخف به بعضهم وكانوا قد تعودوا الاستهزاء بالولاة . تقول الرواية عن الحجاج : ( .. وهو ساكت قد أطال السكوت، فتناول محمد بن عمير حصباء وأراد أن يحصبه بها وقال: " قاتله الله ما أغباه وأذمة! ..." ) وخطب الحجاج خطبة خطيرة على مثال خطبة زياد ابن أبيه من قبل ، فإرتعب ذلك الرجل إبن عمير ، تقول الرواية : ( فلما تكلم الحجاج جعلت الحصباء تنتثر من يده وهو لا يعقل به، )
2 ـ وعن خطبة الحجاج تقول الرواية : ( قال: ثم كشف الحجاج عن وجهه وقال:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ** متى أضع العمامة تعرفوني
.. إنّى لأرى رؤوساً قد أينعت وقد حان قطافها، إني لأنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى قد شمرت عن ساقها تشميراً .. إني والله يا أهل العراق ما أغمز كتغماز التين، ولا يقعقع لي بالشنان، ولقد فررت عن ذكاء، وجريت إلى الغاية القصوى. ثم قرأ: (وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنةً بأتيها رزقها رغداً من كل مكانٍ فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ) النحل: )112 )). وواصل التهديد ، ومنه قوله لهم : (والله لتستقيمن على الحق أو لأضربنكم بالسيف ضرباً يدع النساء أيامى، والولدان يتامى، ) وعن تثاقلهم عن الانضمام لعسكر المهلب بن أبى صفرة المتجه لحرب الخوارج هددهم قائلا : ( وقد بلغني رفضكم المهلب .. وإني أقسم بالله لا أجد أحداً من عسكره بعد ثلاثة إلا ضربت عنقه وأنهبت داره! ). بعدها أمر ( العرفاء ) بجمع الناس لحرب المهلب وإخباره عمّن يتخلف .
3 ـ حاولوا تهديده بالتكبير ( الله أكبر ) فخطبهم مهددا . تقول الرواية : ( فلما كان اليوم الثالث سمع تكبيراً في السوق ، فخرج حتى جلس على المنبر فقال: " يا أهل العراق وأهل الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق! إني سمعت تكبيراً ليس بالتكبير الذي يراد به وجه الله ولكنه التكبير الذي يراد به الترهيب، وقد عرفت أنها عجاجة تحتها قصف، يا بني اللكيعة وعبيد العصا وأبناء الأيامى ألا يربع رجل منكم على ظلعة، ويحسن حقن دمه، ويعرف موضع قدمه! فأقسم بالله لأوشك أن أوقع بكم وقعة تكون نكالاً لما قبلها وأدباً لما بعدها. ) . هنا يصف تكبيرهم أنه ليس لوجه الله ، كما لو كان التكبير الذى يستعمله الأمويون لوجه الله جل وعلا. هو إستخدام سياسى للتكبير ، وكل فريق يزعم إحتكار رب العزة ( جل وعلا ) لنفسه. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
4 ـ وأمر بقتل شيخ طاعن فى السّن هو( عمير بن ضابىء التيمى ) ونهب داره ،عقابا على انه كان ممن إشترك فى قتل عثمان. وأمر مناديا ينادى : ( " ألا إن عمير بن ضابئ أتى بعد ثلاثة وكان سمع النداء فأمرنا بقتله، ألا إن ذمة الله بريئة ممن لم يأت الليلة من جند المهلب. " ) هنا يجعل الذمة ( ذمة الله ) هو أيضا إحتكار لرب العزة ، كما لو أن رب العزة جل وعلا أعطاه تفويضا بالقتل. تعالى الله جل وعلا عن ذلك علوا كبيرا.
5 ـ بعدها ذهب الى البصرة ، تقول الرواية ( خرج الحجاج من الكوفة إلى البصرة واستخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة، فلما قدم البصرة خطبهم بمثل خطبته بالكوفة وتوعد من رآه منهم بعد ثلاثة ولم يلحق بالمهلب، فأتاه شريك بن عمرو اليشكري، وكان به فتق، وكان أعور يضع على عينه قطعةً.. فقال: أصلح الله الأمير، إن بي فتقاً وقد رآه بشر بن مروان فعذرني، وهذا عطائي مردود في بيت المال ، فأمر به فضربت عنقه، فلم يبق بالبصرة أحد من عسكر المهلب إلا لحق به. ) أى كان لديه عُذر للتخلف عن القتال ، وعرض ألا يأخذ عطاءه أو مرتبه مقابل الإعفاء من القتال ، ولكن قتله الحجاج. وبهذا الارهاب تكامل جيش المهلب.
6 ـ كان الحجاج أول من عاقب بقتل من يتخلف عن الاشتراك فى ( الجهاد الأموى ) فى الغزو الخارجى او الحروب ضد الخوارج . إذ كان العرب يتقاضون عطاءا مقابل تجنيدهم فى الحرب ، وبعضهم كان يتخلف فيلحقه العقاب. كان العقاب فى عهد عمر وعثمان وعلى التشهير ، ثم أضاف مصعب بن الزبير عقوبة حلق الرءوس واللحى ، ثم أضاف بشر بن مروان بن الحكم والى الصلاة فى العراق عقوبة التسمير . وجاء الحجاج فجعل عقوبة القتل. قال الشعبى أشهر رواة العصر الأموى : ( كان الرجل إذا أخل بوجهه الذي يكتب إليه زمن عمر وعثمان وعلي نزعت عمامته ويُقام للناس ويُشهر أمره، فلما ولي مصعب قال: ما هذا بشيء، وأضاف إليه حلق الرؤوس واللحى، فلما ولي بشر بن مروان زاد فيه فصار يرفع الرجل عن الأرض ويسمر في يديه مسماران في حائط، فربما مات وربما خرق المسمار كفه فسلم، ..فلما كان الحجاج قال: هذا لعب، أضرب عنق من يخل مكانه من الثغر. ).
7ـ بدأ الحجاج مدينة واسط بين الكوفة والبصرة ،فى عام توليه العراق ( عام 75 )، وجعلها عاصمة له . وحرص فى تخطيطها على أن يتوسطها المسجد ، تقول الرواية ( .. فابتدأ في البناء من سنة خمس وسبعين فبنى القصر والمسجد والسورين وحفر الخندق في ثلاث سنين وفرغ في هذه السنة ) اى عام 78 . وتقول الرواية : ( ثم نقل إليها من وجوه أهل الكوفة وأمرهم أن يصلوا عن يمين المقصورة ، ونقل من وجوه أهل البصرة وأمرهم أن يصلوا عن يسار المقصورة ، وأمر من كان معه من أهل الشام أن يصلوا بحياله مما يلي المقصورة. ) . إبتدع معاوية بناء ( المقصورة ) فى المسجد بعد أن تعرض لمحاولة إغتيال من الخوارج، وصار عادة أن يبنى والى الصلاة مقصورة فى مسجده للحماية إذ صار المسجد موقعا حربيا . وهذا ما فعله الحجاج فى مسجد واسط. بنى المقصورة ثم حدّد مكانا لصلاة أتباعه من الكوفة وآخر لصلاة للبصريين وثالثا لصلاة أتباعه من الشام. ولم ينس أن يبنى فى واسط سجنا يقتل فيه الناس الأبرياء صبرا.
8 ـ إشتهر الحجاج بالفصاحة ، وكان يحلو له أن يطيل فى خطبة الجمعة والتى جعلها الأمويون دعاية سياسية ، وأثار تطويله فى خطبة الجمعة إعتراض عبد الله بن عمر من قبل فإحتج ودفع ابن عمر ثمن إحتجاجه بأن قتله الحجاج غيلة. ومارس الحجاج تطويل خطبة الجمعة فإعترض عليه الحسن البصرى أشهر الزٌّهاد فى البصرة ، تقول الرواية عن الحسن ( البصرى ) : ( أقام الحسن حتى صلى الجمعة خلف الحجاج فرقي الحجاج المنبر فأطال الخطبة حتى دخل في وقت العصر فقال الحسن‏:‏ أما من رجل يقول‏:‏ الصلاة جامعة فقال رجل من تلامذة الحسن‏:‏ يا أبا سعيد أتأمرنا أن نتكلم والإمام يخطب فقال‏:‏ إنما أمرنا أن ننصت لهم إذا أخذوا في أمر ديننا فإذا أخذوا في أمر دنياهم أخذنا في أمر ديننا قوموا الصلاة جامعة ثم التفت إلى جلسائه فقال‏:‏ بعث إليكم أخيفش أعيمش ملعون معذب قوموا الصلاة جامعة فقام الحسن وقام الناس لقيام الحسن فقطع الحجاج الخطبة ونزل فصلى بهم وطلب الحجاج الحسن فلم يقدر عليه‏. ).
9 ـ ولأن الحجاج كان يعلّم الصبية القرآن فقد إشتهر أيضا بحُسن قراءته للقرآن . ( ..وقال ابن عوف: كنت إذا سمعت الحجاج يقرأ عرفت أنه طالما درس القرآن. ) .ولم يغير هذا شيئا فى إسرافه فى الدماء . قال أحدهم : ( سمعت الحجاج يقول: .. والله لو أمرتكم أن تخرجوا من هذا الباب فخرجتم من هذا حلت لي دماؤكم؟، ) أى إستحل القتل لأى مخالفة لأمره.
10 ـ بعد إنتصاره على الخارجين عليه فى معركة دير الجماجم أسرف الحجاج فى قتل الأسرى . فإشترط عليهم أن يبايعوه ولا بد لمن يبايعه أن يشهد على نفسه بالكفر. أى إنه كفر حين (خرج ) على دين الأمويين. تقول الرواية : ( ..وأخذ الحجاج يبايع الناس، وكان لا يبايع أحداً إلا قال له: اشهد أنك كفرت، فإن قال: نعم، بايعه، وإلا قتله، فأتاه رجل من خثعم كان معتزلاً للناس جميعاً فسأله عن حاله فأخبره باعتزاله، فقال له: أنت متربص، أتشهد أنك كافر؟ قال: بئس الرجل! أنا أعبد الله ثمانين سنة ثم أشهد على نفسي بالكفر! قال: إذاً أقتلك. قال: وإن قتلتني فوالله ما بقي من عمري إلا ظمء حمار. فقتله .. وأتي بآخر من بعده، فقال له الحجاج: أرى رجلاً ما أظنه يشهد على نفسه بالكفر. فقال له الرجال: أتخادعني عن نفسي؟ أنا أكفر أهل الأرض وأكفر من فرعون. فضحك منه وخلي سبيله. )
11 ـ وكان يسجن الناس بمجرد الشُّبهة . تقول الرواية فى تاريخ المنتظم لابن الجوزى (وُجد في سجن الحجاج ثلاثة وثلاثون ألفا ما يجب على أحد منهم قطع ولا قتل ولا صلب . ) أى أبرياء لا يستحقون العقاب . وكان سجنهم يعنى تركهم حتى الموت ، أو بتعبير عصرهم ( الموت صبرا ) ، تقول الرواية : ( أُحصي من قتله الحجاج صبراً فكانوا مائة ألف وعشرين ألفاً. ) وقيل فى وصف سجن الحجاج فى عاصمته ( مدينة واسط ) : ( كان سجن الحجاج بواسط إنما هو حائط محوط ليس فيه مآل ولا ظل ولا بيت ، فإذا آوى المسجونون إلى الجدران يستظلون بها رمتهم الحرس بالحجارة . وكان يطعمهم خبز الشعير مخلوطًا به الملح والرماد ، فكان لا يلبث الرجل فيه إلا يسيرًا حتى يسود فيصير كأنه زنجي . فحبس فيه مرة غلام فجاءته أمه تتعرف خبره ، فصيح به لها ، فلما رأته أنكرته ، قالت‏:‏ " ليس هذا ابني كان ابني أشقر أحمر وهذا زنجي .! " فقال لها‏:‏ " أنا والله يا أماه ابنك ، أنا فلان وأختي فلانة وأبي فلان . " فلما عرفته شهقت فماتت‏.)
12 ـ وبهذا نشر الحجاج الارهاب فى العراق. ونأخذ مثلا على ذلك مما ذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى في ترجمة فقيه الكوفة في عهد الحجاج وهو " إبراهيم ألنخعي " الذي عاش حياته في رعب من الحجاج حتى مات دون الخسمين بعد وفاة الحجاج ببضعة اشهر سنة 96 هجرية ، لقد أرسل الحجاج شرطيا للقبض على إبراهيم النخعى ، وكان عنده في البيت رفيقه إبراهيم التيمي فجاء الشرطي للبيت يقول : " أريد إبراهيم "، فأسرع إبراهيم التيمي يقول : "أنا إبراهيم ". وسار مع الشرطي للحجاج وهو يعلم أن المطلوب هو إبراهيم النخعى ، ولكن لم يرد أن يدل عليه، وجيء به للحجاج فأمر بحبسه بدون تهمة ، يقول ابن سعد " ولم يكن لهم ظل من الشمس ولا كن من البرد ، وكان كل اثنين في السلسلة فتغير إبراهيم فجاءته أمه في الحبس فلم تعرفه حتى كلمها ، فمات في السجن " .
وأثرت تلك الحادثة على سلوك الفقيه الشاب إبراهيم ألنخعي فسيطر عليه الرعب من الحجاج ما بقي الحجاج حيا . وظل حينا من الدهر مستخفيا في بيت صديقه أبي معشر تطارده وساوسه ومخاوفه من إرهاب الحجاج . وكان في لقاءاته السرية مع أصحابه يستحل لعن الحجاج مستدلا بقوله تعالي " ألا لعنة الله علي الظالمين " ويتشجع أحيانا فيسب الحجاج . وإذا كان يجلس مع غرباء فإنه يأخذ جانب الحذر والتوجس مخافة أن يكون بينهم أعوان للحجاج ، وهو يتذكر وصية قالها له أحد أصدقائه : ( تذهب إلي المسجد الأعظم فيجلس إليكم العريف والشرطي ؟ ) ،ويكون إبراهيم ألنخعي أكثر حصافة فيقول لهم : ( نجلس في المسجد فيجلس إلينا العريف والشرطي أحب من أن نعتزل فيرمينا الناس برأي بهوي ..). أي كان يخاف من الانزواء ، ويخاف أيضا من إظهار آرائه ، لذلك كان يظهر امام الناس انتقاده للمرجئة ويقول لبعض الشيعة علي مسمع الجالسين : ( أما إن عليا لو سمع كلامك لأوجع ظهرك ، وإذا كنتم تجالسوننا بهذا فلا تجالسوننا .). ولم يتخلص إبراهيم النخعي من شبح الحجاج إلا عندما بشره صديقه حماد بموت الحجاج يقول حماد: ( بشرت إبراهيم بموت الحجاج فسجد ، وما كنت أري أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت إبراهيم يبكى من الفرح .). ومات إبراهيم النخعي بعد موت الحجاج ببضعة أشهر ، وقد اضطر أصحابه إلي دفنه ليلا وهم خائفون. لأن الارهاب الأموى كان سياسة دولة يقوم به ( والى الصلاة ) .
13 ـ وعدا هؤلاء قتل الحجاج آلافا مؤلفة بمجرد الظّن . تقول الرواية : ( وقال الحجاج ليزيد بن أبي مسلم‏:‏ كم قد قتلنا في الظنة قال‏:‏ ثمانين ألفًا‏. )
14 ـ ويقول ابن الجوزى فى المنتظم ، ( وهو عراقى ) : ( وبقي الحجاج في إمرته على العراق تمام عشرين سنة وكان مقدمًا على القتل والظلم ). ( .. ولما حضرته الوفاة استخلف على الصلاة ابنه عبد الله بن الحجاج، واستخلف على حرب الكوفة والبصرة يزيد بن أبي كبشة، وعلى خراجهما يزيد بن أبي مسلم، فأقرهما الوليد بعد موته ولم يغير أحداً من عمال الحجاج. )
15 ـ هذا عن الحجاج ، فماذا عن غريمه ( شبيب ) ؟ وماذا عن حروبهما ؟

(2 ) بين الحجاج وشبيب الخارجى : لمحة عن ( شبيب بن يزيد بن نعيم الشيبانى ) وزوجته غزالة
1 ـ قيل إن أباه ( يزيد بن نعيم أبا شبيب كان ممن دخل في جيش سلمان بن ربيعة إذ بعث به الوليد بن عقبة على أمر عثمان بن عفان إياه بذلك مددًا لأهل الشام إلى أرض الروم ، فلما قفل المسلمون أقيم السبي للبيع ، فرأى يزيد بن نعيم جارية حمراء لا شهلاء ولا زرقاء طويلة جميلة تأخذها العين فابتاعها ، وذلك سنة خمس وعشرين أول السنة . فلما أدخلها الكوفة قال‏:‏ " أسلمي " فأبت ، فضربها ، فلم تزدد إلا عصيانًا ، فأمر بها فأصلحت له ثم أدخلت عليه فلما تغشاها حملت ، فولدت له شبيبًا في ذي الحجة يوم النحر ، وكان يوم السبت ، وأسلمت قبل أن تلده ). أى إشترك يزيد بن نعيم فى حملة فى غزو الروم فى خلافة عثمان، ورجعوا بالسبى من النساء ، وعرضوا نساء السبى للبيع فى المزاد على العادة. فرأى يزيد فتاة أعجبته فإشتراها ، وحملت بشبيب.
وعاش شبيب مع قومه ربيعة الناقمين على قريش ، وسرعان ما أصبح أشهر قواد الخوارج فى العصر الأموى. تزعّم شبيب فرقة الحرورية من الخوارج ، وهزم عشرين جيشا للحجاج وخمسة من قواده فى مدة سنتين فقط .
2 ـ زوجته غزالة مولودة فى الموصل . وشاركت زوجها شبيب فى حروبه ضد الأمويين. كانت غزالة قد نذرت لله جل وعلا أن تصلى فى مسجد الكوفة ، فصاحبت زوجها حين دخل الكوفة غازيا للمرة الثانية ، وكان مع غزالة مائتان من نساء الخوارج مسلحات ، ووصلوا الى المسجد الجامع فقتلوا الحراس ومن يصلى فى المسجد ، وخطبت غزالة على المنبر، هذا بينما هرب منها الحجاج متحصنا فى قصره .
3 ـ سجل هذا الشعراء، ومنهم عمران بن حطان ( ت 84 ) وهو من الخوارج الشراة ،من شيبان بن بكر بن وائل. كان الحجاج يطارد هذا الشاعر الخارجى ، فقال الشاعر يعيّره : أسد علىّ وفى الحروب نعامة ربداء تجفل من صفير الصافر
هلا برزت الى غزالة فى الوغى بل كان قلبك فى جناحى طائر
صدعت غزالة قلبه بفوارس تركت منابذه كأمس الدابر
وصار قوله ( أسد علىّ وفى الحروب نعامة ) مثلا .
ونعطى بعض التفصيل ، وفيها لا نهتم بتحركات القتال فى المعارك بين الحجاج وشبيب. نختار فقط السطور التى جاءت فيها إشارة للصلاة والمسجد وما يتصل بجعل الصراع بينهما دينيا ؛ دين الأمويين ودين الخوارج .
أولا : الصلاة والمسجد فى صراع الحجاج وشبيب :
1 ـ ( دخل شبيب الكوفة : ..... وذلك أنه لما قتل صالح كان قتله يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقين من جمادى الآخرة ، فقال شبيب لأصحابه‏:‏ بايعوني أو بايعوا من شئتم فبايعوه ، فخرج فقتل من قدر عليه . وبعث الحجاج جندًا في طلبه فهزمهم فبعث إليهم سورة بن الأبجر فذهب شبيب إلى المدائن فأصاب منها وقتل من ظهر له ، ثم خرج فأتى النهروان ، فتوضأ هو وأصحابه وصلوا ، وأتوا مصارع إخوانهم الذين قتلهم علي بن أبي طالب فاستغفروا لإخوانهم وتبرأوا من علي وأصحابه ، وبكوا فأطالوا البكاء ثم خرجوا فقطعوا جسر النهروان ونزلوا في جانبه الشرقي ثم التقوا فهزموا سورة.. ) . شبيب قتل ( من قدر عليه ) وقتل من ( ظهر له ) ثم ذهب يحُجُّ وأصحابه الى النهروان حيث كانت معركة النهروان التى قتل فيها (على ) معظم الخارجين عليه ، فتوضأ هو واصحابه وصلُّوا ، وبكوا علي أسلافهم قتلى النهروان واستغفروا لهم. .
2 : ( ...ثم جاء شبيب حتى دخل الكوفة ومعه زوجته غزالة، وكانت نذرت أن تصلي في جامع الكوفة ركعتين تقرأ فيهما البقرة وآل عمران، واتخذ في عسكره اخصاصاً، فجمع الحجاج ليلاً بعد أن لقي من شبيب الناس ما لقوا فاستشارهم في أمر شبيب، فأطرقوا، ) (.. أن غزالة امرأة شبيب نذرت أن تصلي في مسجد الكوفة ركعتين تقرأ فيهما البقرة وآل عمران فدخل بها شبيب الكوفة فوفت بنذرها‏. ). أى هو تمام التحدى للحلاج ، أن تصلى فى جامع الحجاج والأمويين فى الكوفة ( وهو رمز دينى لحكمه )، وأن تقرأ فيهما سورتى البقرة وآل عمران . أى كانت تحفظ أطول سورتين فى القرآن .!
3 : ( .. ذكر قدوم شبيب الكوفة وانهزامه عنها: .. وجاء شبيب فعسكر بناحية الكوفة وأقام ثلاثاً، فلم يكن في اليوم الأول غير قتل الحارث ، فلما كان اليوم الثاني أخرج الحجاج مواليه فأخذوا بأفواه السكك، وجاء شبيب فنزل السبخة وابتنى بها مسجداً .. ). وفى رواية أخرى : ( ..ثم أقبل إلى الكوفة وبعث الحجاج إليه جيشًا فهزمهم وجاء شبيب حتى ابتنى مسجدًا في أقصى السبخة ) فى خضم معاركه شبيب يبنى مسجدأ .
4 : ( .. وحمل عليهم شبيب بجميع أصحابه، فوثبوا في وجهه، وما زالوا يطاعنونه ويضاربونه قدما ويدفعونه وأصحابه حتى أجازوهم مكانهم، وأمر شبيب أصحابه بالنزول، فنزل نصفهم، وجاء الحجاج حتى انتهى إلى مسجد شبيب ثم قال: " يا أهل الشام هذا أول الفتح "، وصعد المسجد ومعه جماعة معهم النبل ليرموهم إن دنوا منه، فاقتتلوا عامة النهار أشد قتال رآه الناس... ) الحجاج إستولى على ( مسجد شبيب ) وإعتبر هذا أول الفتح لأن المسجد مركزا حربيا ، وإعتلى المسجد ومعه فريق من الرُّماة ليرموا جيش شبيب إن إقتربوا من المسجد الذى إبتناه شبيب. المسجد هنا مركز حربى. .
5 : ( .. فخرج الناس يلعنون عنبسة بن سعيد لأنه هو الذي كلم الحجاج فيه حتى جعله من صحابته، وصلى الحجاج من الغد الصبح واجتمع الناس ...) . الحجاج يصلى الصبح ويجتمع اليه الناس فى المسجد.! الصلاة الشيطانية يؤدونها ــ كالعادة ـ فى معاركهم . لأنها أحد طقوس دينهم الشيطانى .
6 ـ عندما إقترب شبيب من جيش الحجاج فى الأنبار لم ينس أن يصلى المغرب. تقول الرواية : ( فخرج في أثره حتى نزل الأنبار، وكان الحجاج قد نادى عند انهزامهم: من جاءنا منكم فهو آمن. فتفرق عن شبيب ناس كثير من أصحابه. فلما نزل حبيب الأنبار أتاهم شبيب، فلما دنا منهم نزل فصلى المغرب ..).
7 ـ وفى رواية أخرى عن شبيب : ( فلما بلغ عتاب سوق حكمة أتاه شبيب، وكان أصحابه بالمدائن ألف رجل، فحثهم على القتال، وسار بهم، فتخلف عنه بعضهم، ثم صلى الظهر بساباط وصلى العصر وسار حتى أشرف على عتاب وعسكره، فلما رآهم نزل فصلى المغرب، ..)
8 : التوقيت التوقيت بوقت الصلوات
8 / 1 : ( .. وخرج الحجاج نحو الكوفة فبادره شبيب إليها ، فنزل الحجاج الكوفة صلاة العصر ونزل شبيب السبخة صلاة المغرب. ) التوقيت هنا بمواقيت الصلاة : الحجاج يصل وقت صلاة العصر فى الكوفة ، وشبيب يصل وقت صلاة المغرب فى موضع آخر.
8 / 2 : ( .. ومضى هو في مائتين إلى الميمنة بين المغرب والعشاء الآخرة حين أضاء القمر.. )
ثانيا : التكبير وإستعمال لفظ الجلالة
1 ـ (ثم إن خالد بن عتاب قال للحجاج: ائذن لي في قتالهم فإني موتور، فأذن له، فخرج ومعه جماعة من أهل الكوفة وقصد عسكرهم من ورائهم فقتل مصاداً أخا شبيب وقتل إمرأته غزالة وحرق في عسكره. وأتى الخبر الحجاج وشبيباً، فكبر الحجاج وأصحابه، وأما شبيب فركب هو وأصحابه، وقال الحجاج لأهل الشام: احملوا عليهم فإنهم قد أتاهم ما أرعبهم. فشدوا عليهم فهزموهم، وتخلف شبيب في حامية الناس. فبعث الحجاج إلى خيله: أن دعوه، فتركوه ورجعوا، ودخل الحجاج إلى الكوفة فصعد المنبر ثم قال: والله ما قوتل شبيب قبلها، ولى والله هارباً وترك امرأته يكسر في استها القصب.). خالد بن عتاب قتل أخ شبيب وقتل غزالة فى هذه المعركة . وعندما عرف الحجاج صاح وأصحابه : ( الله أكبر ). ثم دخل الحجاج الكوفة وصعد منبر المسجد فيها وقال كلمة بذيئة فى حق غزالة (..وترك امرأته يكسر في استها القصب.! ) . نسى الحجاج أنه هرب منها متحصنا بقصره.!
2 ـ وعندما جاء الخبر بغرق شبيب فى نهر دجيل صاح سفيان قائد جيش الحجاج بالتكبير هو وجنوده : ( وكان أهل الشام يريدون الانصراف، فاتاهم صاحب الجسر فقال لسفيان: إن رجلاً منهم وقع في الماء، فنادوا بينهم: غرق أمير المؤمنين! ثم إنهم انصرفوا راجعين وتركوا عسكرهم ليس فيه أحد، فكبّر سفيان وكبّر أصحابه، )
3 ـ ( ثم دعا حبيب بن عبد الرحمن الحكمي فبعثه في ثلاثة آلاف فارس من أهل الشام في أثر شبيب، وقال له: "احذر بياته وحيث لقيته فانزل له، فإن الله تعالى قد فل حده وقصم نابه"...). الحجاج ينسب إنتصاره على شبيب الى رب العزة جل وعلا بقوله : ( فإن الله تعالى قد فل حده وقصم نابه ) .
4 ـ ( .. وحمل شبيب على خالد بن عتاب ومن معه وهو على ميسرة الحجاج فبلغ بهم الرحبة، وحمل على مطر بن ناجية وهو على ميمنة الحجاج فكشفه، فنزل عند ذلك الحجاج ونزل أصحابه وجلس على عباءة ومعه عنبسة بن سعيد، فإنهم على ذلك إذ تناول مصقلة بن مهلهل الضبي لجام شبيب وقال: ما تقول في صالح. فقال له مصقلة: برئ الله منك، وفارقه إلا أربعين فارساً. فقال الحجاج: قد اختلفوا،) . مصقلة الضبى من أتباع شبيب ، وإختلف معه فقال لشبيب : ( برىء الله منك ) . أى طالما تبرأ من شبيب فقد تبرأ الله من شبيب.!
5 ــ ( فاقتتلوا قتالًا شديدًا ، ثم حمل شبيب بجميع أصحابه ، ونادى الحجاج بجماعة الناس فوثبوا في وجهه فما زالوا يطعنون ويضربون ، فنادى شبيب‏:‏ " يا أولياء الله فى الأرض " ، ثم نزل وأمر أصحابه فنزل بعضهم .. ) . شبيب يجعل أصحابه ( اولياء الله ).
‏6 ـ (.. وبلغ شبيب أن عبد الرحمن بالأنبار ، فأقبل بأصحابه فبيتهم فما قدر عليهم بشيء لأنهم قد احترزوا ، وجرت مقتلة وسقطت أيد وفقئت أعين ، فقتل من أصحاب شبيب نحو من ثلاثين ، ومن الآخرين نحو من مائة . فملّ الفريقان بعضهم بعضًا من طول القتال ، ثم انصرف عنهم شبيب وهو يقول لأصحابه‏:‏ " ما أشد هذا الذي بنا لو كنا إنما نطلب الدنيا ، وما أيسر هذا في جانب ثواب الله عز وجل."! ) شبيب يرى أن قتله الناس وقتاله الناس من أجل ثواب الله جل وعلا.
7 ـ ( وقام إليه زهرة بن حوية، وهو شيخ كبير لا يستتم قائماً حتى يؤخذ بيده، فقال له: أصلح الله الأمير أنك إنما تبعث إليهم الناس منقطعين، فاستنفر الناس إليهم كافة وابعث إليهم رجلاً شجاعاً مجرباً ممن يرى الفرار هضماً وعاراً، والصبر مجداً وكرماً. فقال الحجاج: فأنت ذلك الرجل فاخرج. فقال زهرة: أصلح الله الأمير، إنما يصلح الرجل يحمل الدرع والرمح ويهز السيف ويثبت على متن الفرس، وأنا لا أطيق من هذا شيئاً، وقد ضعف بصري وضعفت، ولكن أخرجني مع الأمير في الناس فأكون معه وأشير عليه برأيي. فقال الحجاج: جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله في أول أمرك وآخره، فقد نصحت. .. ). رجل نصح الحجاج فقال له الحجاج : " جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله. ".!!
8 ـ عن شبيب ووصوله الى قصر الحجاج ( ثم دخل الكوفة وجاء حتى ضرب باب القصر بعموده ثم خرج من الكوفة ، فنادى الحجاج وهو فوق القصر‏:‏ يا خيل الله اركبي‏. ). الحجاج يجعل خيوله ( خيل الله ).!! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. .
ثالثا : دين شبيب ضد دين الحجاج :
يتشاركان فى الصلاة الشيطانية ، وفى القتال ، وفى التكبير ، وكلاهما يزعم أن الله جل وعلا فى جانبه. يتشاركان فى عبادة الشيطان الذى أضلّهم وجعلهم يحسبون أنهم مهتدين ، وهما دينان مختلفان متصارعان ، ولكن تأديتهما الصلاة شكلا تجعل كلا منهم يعتقد أنه على الحق. ونعطى أمثلة :
1 ـ ( شبيب ) كان لقبه ( امير المؤمنين ) وكان يطلب من الناس أن يبايعوه ، وإلا قتلهم . وعندما قتل القائد الأموى عتّاب منع قتل الأسرى حتى يبايعوه خليفة ، فبايعوه خوف القتل ثم هربوا منه ليلا.تقول الرواية : (...وتمكن شبيب من العسكر وحوى ما فيه فقال‏:‏ " ارفعوا عنهم السيف" ثم دعا إلى البيعة ، فبايعه الناس من ساعتهم ، وهربوا تحت الليل. )
2 ـ وصيغة البيعة له هى شهادة: ( لاحكم إلا الله ) . تقول الرواية : (.. فرجع إليه ثمانية نفر فقاتلوه حتى بلغوا به الرحبة، وأتي شبيب بخوط بن عمير السدوسي فقال: يا خوط لا حكم إلا الله. فقال: إن خوطاً من أصحابكم ولكنه كان يخاف، فأطلقه؛ وأتي بعمير بن القعقاع فقال: يا عمير لا حكم إلا الله. فقال: في سبيل الله شبابي، فردد عليه شبيب: لا حكم إلا الله، فلم يفقه ما يريد، فقتله. ). شبيب يعرض دينه على عمير ( لا حكم إلا لله ) ينتظر منه أن يردد نفس الشهادة بعده . لم يفعل فقتله.!
3 ـ وكان الخوارج يقاتلون أهلهم الذين هم على دين الأمويين ، يعتبرونهم كفارا. وبعض أتباع شبيب من قبيلة (تيم ) وقد رأوا منه تهاونا فى قتال عشيرته الشيبانيين مع انهم يقتلون ويقتلون عشائرهم من بنى (تيم ) ، فهجموا على عشيرة شبيب يقتلونهم بدون إذن شبيب ، فقال شبيب لقائدهم : ( ما حملك على قتلهم بغير أمري؟ فال: له: قتلت كفار قومي فقتلت كفار قومك، ومن ديننا قتل من كان على غير رأينا، وما أصبت من رهطي أكثر مما أصبت من رهطك، وما يحل لك يا أمير المؤمنين أن تجد على قتل الكافرين. قال: لا أجد ). ( تجد ) من الوجد ، وهو التعاطف . يتهمه بالتعاطف حزنا على قتل قومه ، وشبيب ينفى هذا.
4 ـ شبيب يحزن أن بعض قومه من ربيعة فى جيش الحجاج وهو يراهم كفارا ،ويعلن شعار دينه : ( .. ومضى هو في مائتين إلى الميمنة بين المغرب والعشاء الآخرة حين أضاء القمر، فناداهم: لمن هذه الرايات؟ فقالوا: رايات لربيعة. قال: طالما نصرت الحق وطالما نصرت الباطل، والله لأجاهدنكم محتبساً، أنا شبيب، لا حكم إلا الله، للحكم، اثبتوا إن شئتم! ثم حمل عليهم ففضهم، ) وحزن على قائدهم القتيل : ( .. ثم وقف عليه وقال: ويحك لو ثبت على إسلامك الأول سعدت! )
5 ـ وقبيل قتل ( عتّاب ) القائد للجيش الأموى قال له صاحبه زهرة بن حوية : (أحسنت يا عتاب، فعلت فعلاً لا يفعله مثلك. أبشر، فإني أرجو أن يكون الله، جل ثناؤه، قد أهدى إلينا الشهادة عند فناء أعمارنا ..) يعتبر مقتله شهادة عند الله جل وعلا.
6 ـ وبعد مقتل زهير بن حوية وقف عليه شبيب حزينا : ( .. فانتهى إليه شبيب فرآه صريعاً فعرفه فقال: هذا زهرة بن حوية، أما والله لئن كنت قتلت على ضلالة لرب يوم من أيام المسلمين قد حسن فيه بلاؤك وعظم فيه غناؤك! ولرب خيل للمشركين هزمتها وقرية من قراهم جم أهلها قد افتتحتها! ثم كان في علم الله أنك تقتل ناصراً للظالمين. وتوجع له. فقال له رجل من أصحابه: إنك لتتوجع لرجل كافر. فقال إنك لست أعرف بضلالتهم مني، ولكني أعرف من قديم أمرهم ما لا تعرف، ما لو ثبتوا عليه لكانوا إخواننا ). شبيب يتحسر على صديقه زهير أنه مات كافرا بدين الخوارج ، مات على دين الأمويين مناصرا للظالمين.
7 ـ بلغ الأمويين الذروة فى الظلم ، وظلمهم جعل كثيرين يعتنقون دين الخوارج. بل جعل مطرف بن المغيرة بن شعبة ينضم للخوارج. أبوه المغيرة بن شعبة من أبرز قواد معاوية ، وهو من ثقيف المُضرية ، والى ثقيف ينتمى الحجاج بن يوسف (الثقفى )، لذا إهتم الحجاج بأبناء المغيرة فجعل عروة بن المغيرة واليا على الكوفة وجعل مطرف بن المغيرة واليا على المدائن ، وولى حمزة بن المغيرة على همدان. ومع هذا إنضم مطرف بن المغيرة الى شبيب خارجا على الحجاج. وكان هذا عام 75. تقول الرواية : (في هذه السنة خرج مطرف بن المغيرة بن شعبة على الحجاج وخلع عبد الملك بن مروان ولحق بالجبل فقتل‏...). الذى يعنينا هنا أنه كان خروجا على ( دين الأمويين ) أى كان إقتناعا بدين الخوارج. نفهم هذا حين إقترب شبيب من المدائن التى يحكمها مطرف ، وقبيل الحرب بعث مطرف الى شبيب يطلب منه وفدا من عنده يدارسهم القرآن ، تقول الرواية : ( .. وبعث إلى شبيب‏:‏ " ابعث رجالًا من صلحاء أصحابك أدارسهم القرآن فأنظر ما تدعون إليه.." ... وبعثوا إليه رجالًا..) وترددوا اليه فإقتنع ( .. وما زالوا يترددون إليه حتى وقع في نفسه خلع عبد الملك والحجاج... فخرج وجمع رؤوس أصحابه وقال لهم‏:‏ " إني أشهدكم أني قد خلعت عبد الملك والحجاج فمن أحب فليصحبني ومن أبى فليذهب حيث شاء فإني لا أحب أن يتبعني من ليست له نية في جهاد أهل الجور‏." .).وبعث الحجاج بجيش هزمه وقتله.
وكان إحراجا للحجاج أن يخرج عليه أحد قواده وهو أيضا من أعيان قومه ثقيف وأبن للمغيرة بن أبى شعبه الذى مات على دين معاوية . لذا كان الحجاج يقول : ( إن مطرفاً ليس بولد للمغيرة بن شعبة إنما هو ولد مصقلة بن سبرة الشيباني، وكان مصقلة والمغيرة يدعيانه.. ) يقول صاحب الرواية معلقا : ( قال الحجاج ذلك لأن كثيراً من ربيعة كانوا من الخوارج ولم يكن منهم أحد من قيس عيلان . ). أى نسب مطرفا الى رجل من شيبان قوم شبيب وليس الى المغيرة بن أبى شعبة .
والواقع أن الصحابى ( الجليل ) المغيرة بن أبى شعبة كان زانيا محترفا مدمنا على الزنا مع كثرة نسائه وجواريه . وقد عزله عمر بن الخطاب بسبب إتهامه بالزنا. والحجاج يعتمد على الثقافة العربية المتوارثة . إذ كان متعارفا عليه أن العاهرة حين تلد طفلا تنسبه الى من تشاء من عشاقها. وهذا ما حدث مع الصحابى ( الجليل ) عمرو بن العاص ، إذ كانت أمه من البغايا العاهرات إسمها ( النابغة ) وحين ولدت (عمرا ) تنازعه كثيرون فإختارت أن تنسبه الى العاص من بينهم. وحافظ المغيرة وعمرو بن العاص ومعاوية وغيرهم على الصلاة الشيطانية.

الفصل الثالث عشر : ولاة الصلاة الشيطانية فى مصر ( الأموية )
أولا : لمحة عن ولاة الصلاة فى العصر الأموى
من الروايات التاريخية نعرف أن الوالى الأهم فى الولايات هو ( والى الصلاة ) وقد يكون هو أيضا والى الخراج الذى يجمع المال ، وقد يكون هو القائد للجيش. بما يؤكد أهمية الصلاة ( الشيطانية ) فى دين قريش ، فالصلاة هى وسيلتهم للحصول على المال إلاههم الأعظم . ونعطى أمثلة مما قاله المقريزى فى ( الخطط ) عن ولاة مصر ، يقول :
1 ـ ( قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري‏:‏ ولاه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما بلغه مصاب ابن أبي حذيفة وجمع له الخراج والصلاة ، فدخل مصر مستهل ربيع الأول سنة سبع وثلاثين ). جمع له الخراج والصلاة.
.2 ـ ( .. ثم وليها‏:‏ محمد بن أبي بكر الصديق من قبل علي رضي الله عنه وجمع له صلاتها وخراجها فدخلها للنصف من رمضان سنة سبع وثلاثين ) جمع له الخراج والصلاة.
3 ـ ( ثم وليها‏:‏ عمرو بن العاص‏:‏ ولايته الثانية من قبل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه فاستقبل بولايته شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين ، وجعل إليه الصلاة والخراج جميعًا وجعلت مصر له طعمة بعد عطاء جندها والنفقة في مصلحتها ) : (وجعل إليه الصلاة والخراج جميعًا ). ويقول المقريزى عن نهاية عمرو بن العاص : ( وتوفي ليلة الفطر فغسله عبد الله بن عمرو ، وأخرجه إلى المصلى ، وصلى عليه ، فلم يبق أحد شهد العيد إلا صلى عليه، ثم صلى بالناس صلاة العيد. وكان أبوه استخلفه . وخلّف عمرو ابن العاص سبعين بهارًا دنانير والبهار‏:‏ جلد ثور ومبلغه أردبان بالمصري ، فلما حضرته الوفاة أخرجه وقال‏:‏ " من يأخذه بما فيه " ، فأبى ولده أخذه، وقالا‏:‏ " حتى ترد إلى كل ذي حق حقه. " ...فبلغ معاوية فقال‏:‏ نحن نأخذه بما فيه‏.). هنا يتردد الصلاة على عمرو صلاة الجنازة ، مع ذكر ما سرقه عمرو من المصريين .
4 ـ ( ثم وليها‏:‏ عتبة بن أبي سفيان من قبل أخيه معاوية بن أبي سفيان على صلاتها فقدم في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين ) يقول : ( على صلاتها ).
5 ـ ( ثم وليها‏:‏ عقبة بن عامر بن عبس الجهني من قبل معاوية وجعل له صلاتها وخراجها ) : يقول : (وجعل له صلاتها وخراجها ).
6 ـ ( وكان صرفه ( أى عزله ) فولى مسلمة بن مخلد بن صامت بن نيار الأنصاري من قبل معاوية وجمع له الصلاة والخراج والغزو ). يقول : ( وجمع له الصلاة والخراج والغزو ).
7 ـ ( .. وجعل مروان صلاة مصر عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص أبو الأصبغ ولي من قبل أبيه لهلال رجب سنة خمس وستين على الصلاة والخراج ) ، أى إن مروان بن الحكم ولى إبنه عبد العزيز ( صلاة مصر ) أى جعله الوالى الأساس ، وجمع له ( الصلاة والخراج ). وهو الذى أنشأ حى ( حلوان ) وبنى فيه مسجدا ، فهو ( والى الصلاة ).
8 ـ ( ولي‏:‏ عبد الله بن عبد الملك بن مروان من قبل أبيه على صلاتها وخراجها فدخل يوم الاثنين لإحدى عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة ست وثمانين وهو ابن تسع وعشرين سنة )، ولّى عبد الملك ابنه عبد الله ( الصلاة ) فى مصر وخراجها أيضا.
9 ـ ( فولي‏:‏ قرة بن شريك بن مرثد بن الحرث العبسي للوليد بن عبد الملك على صلاة مصر وخراجها فقدمها يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من ربيع الأول سنة تسعين ).يقول:(على صلاة مصر وخراجها).
10 ـ ( ثم ولي‏:‏ عبد الملك بن رفاعة بن خالد بن ثابت الفهمي‏:‏ من قبل الوليد بن عبد الملك على صلاتها وتوفي الوليد واستخلف سليمان بن عبد الملك فأقر ابن رفاعة) . يقول : (على صلاتها ).
11 ـ ( .. ثم ولي‏:‏ أيوب بن شرحبيل بن أكسوم بن أبرهة بن الصباح من قبل عمر بن عبد العزيز على صلاتها في ربيع الأول سنة تسع وتسعين . ) . يقول :( على صلاتها).
12 ـ ( وتوفي عمر بن عبد العزيز واستخلف يزيد بن عبد الملك فأقر أيوب على الصلاة ‏.). يقول : ( على الصلاة ) ـ
13 ـ ( وولي‏:‏ محمد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم من قبل أخيه هشام بن عبد الملك على الصلاة فدخل مصر لإحدى عشرة خلت من شوال سنة خمس ومائة ) . يقول : ( على الصلاة).
14 ـ ( فولي‏:‏ الحر بن يوسف بن يحيى بن الحكم من قبل هشام بن عبد الملك على صلاتها ، فدخل لثلاث خلون من ذي الحجة سنة خمس ومائة ) . يقول : ( على صلاتها ).
15 ـ ( ولي‏:‏ عبد الملك بن رفاعة ثانيًا على الصلاة ، فقدم من الشام عليلًا لثنتي عشرة بقيت من المحرم سنة تسع ومائة . ) . يقول : ( على الصلاة ) .
16 ـ ( ثم ولي أخوه‏:‏ الوليد بن رفاعة باستخلاف أخيه فأقره هشام بن عبد الملك على الصلاة ). يقول : ( على الصلاة)
17 ـ ( فولي‏:‏ عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي أبو الوليد من قبل هشام بن عبد الملك على صلاتها ) . يقول : ( على صلاتها ).
18 ـ ( ولي حفص بن الوليد الحضرمي ثانيًا باستخلاف حنظلة له على صلاتها ، فأقره هشام بن عبد الملك إلى ليلة الجمعة لثلاث عشرة خلت من شعبان سنة أربع وعشرين فجمع له الصلاة والخراج جميعًا واستسقى بالناس وخطب ودعا ثم صلى بهم ، ومات هشام بن عبد الملك واستخلف من بعده‏:‏ الوليد بن يزيد فأقر حفصًا على الصلاة والخراج ثم صرف عن الخراج بعيسى بن أبي عطاء لسبع بقين من شوال سنة خمس وعشرين ومائة وانفرد بالصلاة ) . يقول : (على صلاتها ) ،( فجمع له الصلاة والخراج جميعا ) (وخطب ودعا ثم صلى بهم ) (فأقر حفصًا على الصلاة والخراج )( وانفرد بالصلاة ).
19 ـ ( ثم قدم حسان لثنتي عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ومائة على الصلاة ، وعيسى بن أبي عطاء على الخراج . ) . يقول : ( على الصلاة ).
20 ـ ( ثم ولي‏:‏ المغيرة بن عبيد الله بن المغيرة الفزاري على الصلاة من قبل مروان فقدم لست بقين من رجب سنة إحدى وثلاثين ) . يقول : ( على الصلاة )
21 ـ ( وولى‏:‏ عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير من قبل مروان على الصلاة والخراج وكان واليًا على الخراج قبل أن يولي الصلاة في جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين ومائة) . يقول : (على الصلاة والخراج وكان واليًا على الخراج قبل أن يولي الصلاة ) .
ثانيا : لمحة عن تطرف الأمويين فى إستنزاف المصريين وفى قتلهم
1 ـ الخليفة الفاسق عثمان بن عفان ( الأموى ) كان فاسدا جشعا ، لم يعجبه المقدار الذى كان يجبيه عمرو بن العاص من المصريين ، فعزله وولى مكانه أخاه من الرضاعة عبد الله بن أبى السرح ، وكان ابن أبى السرح من المرتدين سابقا. يقول المقريزى فى ( الخطط ) : ( وتوفي عمر ..في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وبويع أمير المؤمنين عثمان بن عفان .. فوفد عليه عمرو وسأله عزل عبد الله بن سعد بن أبي سرح عن صعيد مصر ، وكان عمر ولاه الصعيد ، فامتنع من ذلك عثمان ، وعقد لعبد الله بن سعد على مصر كلها فكانت ولاية عمرو على مصر‏:‏ صلاتها وخراجها منذ افتتحها إلى أن صرف عنها أربع ) ( ثم جمع لعبد الله بن سعد أمير مصر صلاتها وخراجها ومكث أميرًا مدة ولاية عثمان ). ويذكر الواقدى أن ابن أبى السرح الذى كان واليا على الصعيد قد إشتكى الى عثمان يتهم عمرو بن العاص بأنه ( كسر الخراج ) أى لم يقم بالواجب فى تحميل المصريين أكبر قدر من السلب والنهب ( الخراج ) فما كان من عثمان إلا أن عزل عمرو بن العاص عن الخراج ، تقول الرواية : ( كتب عبد الله بن سعد الى عثمان إن عمرا كسر الخراج .. فعزل عمرا ، وأضاف الخراج إلى ابن أبي سرح .. ) ( وكان عمرو بن العاص على مصر لعثمان ، فعزله عن الخراج وأقره على الصلاة والجند . واستعمل عبد الله بن أبي سرح على الخراج ... ) . وأسرف ابن سعد فى تحصيل الجباية من الخراج والجزية بالظلم والعسف ، وإفتخر عثمان بهذا فى لوم لعمرو بن العاص.
2 ـ خلال حكم بنى مروان بن الحكم تطرف ولاة ( الصلاة ) فى العسف بالمصريين ، وظهر هذا التطرف بإقتران السلب والنهب بالقتل والتعذيب وقطع الأطراف والإذلال ، وأرهاب المصريين بتعذيب وإذلال رهبانهم وبطركهم وقياداتهم الدينية ، وهم الذين ساعدوا العرب من قبل فى فتح بلادهم وهزيمة الروم. وننقل فقرات مما ذكره المقريزى وهو يؤرخ لبطاركة مصر بعد الفتح العربى . وهى ناحية مجهولة فى تاريخ المصريين فى العصر الأموى ، والمقريزى ــ اشهر مؤرخ لمصر فى العصور الوسطى كان متعصبا ضد النصارى ، ولكنه نقل بعض ما سجله المؤرخون السابقون من سطور الأهوال التى لاقاها المصريون من ولاة ( الصلاة الشيطانية ) فى مصر الأموية .
ثالثا : نماذج من جرائم ولاة الصلاة الشيطانية فى مصر الأموية :
1 ـ يقول المقريزى فى الخطط عن البطرك الاسكندروس الذى استمر فى منصبه حوالى ربع قرن:( ومات سنة ست ومائة . ومرّت به شدائد صودر فيها مرّتين، أخذ منهفيهما ستة آلاف دينار، وفي أيامه أمّر عبد العزيز بن مروان فأمر بإحصاء الرهبان فأحصوا، وأخذت منهم الجزية عن كلّ راهب دينار.) هنا مصادرة للبطرك ( البابا )، وفرض للجزية على الرهبان .
2 وتعصب المقريزى يظهر فى قوله عن(المصريين):( النصارى،القبط ،الأقباط ) إذ لم يكونوا قد دخلوا فى الاسلام بعد، يقول :( ولما ولي مصر عبد الله بن عبد الملك بن مروان اشتدّ على النصارى.. واقتدى به قرّة بن شريك أيضًا في ولايته على مصر، وأنزل بالنصارى شدائد لم يبتلوا قبلها بمثلها.). هنا عبارة رهيبة لم يقم المقريزى بشرحها وتفصيلها ، ولنا أن نتخيلها فى ضوء الاضطهاد الذى عاناه المصريون فى عهد كراكلا ودقلديانوس ، أى باعتراف المقريزى تفسه فإنّ عبد الله إبن الخليفة عبد الملك بن مروان حين ولى مصر أنزل بأهلها شدائد لم يبتلوا بها من قبل حتى فى عهد فرعون موسى.!!.
3 ـ ثم يورد المقريزى بعض التفصيلات ، فيقول ( وكان عبد اللّه بن الحبحاب متولي الخراج قد زاد على القبط قيراطًا في كلّ دينار فانتقض عليه عامّة الحوف الشرقيّ من القبط فحاربهم المسلمون وقتلوا منهْم عدّة وافرة في سنة سبع ومائة.).أى إن والى الخراج هو الذى زاد الخراج أى الضرائب ـ وهو غير الجزية ـ فثار المصريون فيما يعرف الآن بمحافظة الشرقية أو الحوف الشرقى ، فأخمد الأمويون ثروتهم وقتلوا منهم (عدّة وافرة ) عام 107 هجرية .
4 ـ ( واشتدّ أيضًا أسامة بن زيد التنوخيّ ..على النصارى ( أى المصريين )، وأوقع بهم ، وأخذ أموالهم ، ووسم أيدي الرهبان بحلقة حديد فيها اسم الراهب واسم ديره وتاريخه، فكل من وجده بغير وسم قطع يده. وكتب إلى الأعمال بأن من وجد من النصارى وليس معه منشور أن يؤخذ منه عشرة دنانير . ثم كبس الديارات( أى الأديرة ) وقبض على عدّة من الرهبان بغير وسم فضرب أعناق بعضهم وضرب باقيهم حتى ماتوا تحت الضرب . ثم هدمت الكنائس وكسرت الصلبان ومحيت التماثيل وكسرت الأصنام بأجمعها، وكانت كثيرة ، في سنة أربع ومائة ، والخليفة يومئذٍ يزيد بن عبد الملك). ولأنّ مهمة متولّى الخراج هى سلب أموال المصريين بما يملأ خزائن الأمويين ويشبع نهمهم للمال السّحت فقد أعطى والى الصلاة الشيطانية متولى خراج مصر سلطة مطلقة عسكرية وقضائية وسياسية ؛ فهو الذى يقدّر الضرائب ، وهو الذى يقوم بجمعها ، وهو الذى يعاقب ــ بما شاء من عقوبة ـ المصرى الذى يعجز عن دفع المطلوب منه ، أى له مطلق الحرية فى توقيع أقصى العقوبة بلا رادع ، ومعه الجيش العربى يقتل به الفلاحين المصرين العاجزين عن دفع الضرائب . وواضح أن هذا الموظف السادى( أسامة بن زيد التنوخيّ متولي الخراج ) قد أستغلّ سلطته فى معاقبة الرهبان المساكين وإذلالهم بوسمهم بأن يفرض علي كل منهم وضع حلقة حديدية فى يده مدوّن فيها إسمه ومحل إقامته ، ويقطع يد من يضبط منهم بدون هذه الحلقة. ثم كان يغير على الأديرة يمارس ساديته ، فيعتقل من يشاء من الرهبان ، ومن يجده منهم لا يضع فى يده تلك الحلقة الحديدية يضرب عنقه أو يقتله تحت العذاب . ثم يهدم الكنائس ويكسر الصلبان والتماثيل ، ويحظر تنقل المصريين فى بلادهم ، فمن يسافر منهم بغير تصريح يدفع غرامة قدرها عشرة دنانير .
5 ـ ورسم الخليفة هشام بن عبد الملك بإزالة بعض الظلم ، ولكن لم ينفّذها الوالى حنظلة بن صفوان الذى بالغ فى الضرائب وقام بإحصاء المصريين وبهائمهم إحتقارا لهم ، بل ووسم المصريين كما فعل الوالى السابق بالرهبان ، وعوقب من لا يحمل الوسم فى يده بقطع يده . يقول المقريزى :( فلما قام هشام بن عبد الملك في الخلافة كتب إلى مصر بأن يجري النصارى على عوايدهم وما بأيديهم من العهد، فقدم حنظلة بن صفوان أميرًا على مصر في ولايته الثانية فتشدّد على النصارى وزاد في الخراج وأحصى الناس والبهائم وجعل على كلّ نصرانيّ وسمًا صورة أسد ، وتتبعهم فمن وجده بغير وسم قطع يده.). ،
6 ـ وبسبب هذا الظلم المتطرف نشبت ثورات الفلاحين المصريين فى الدلتا والصعيد، وهم المشهورون بالمسالمة ــ فتم إخمادها بكل قسوة . يقول المقريزى : ( انتقض القبط ( أى ثار المصريون ) بالصعيد وحاربوا العمال ( أى جباة الضرائب ) في سنة إحدى وعشرين فحوربوا وقُتل كثير منهم) ، ( ثم خرج بجنس ( قائد مصرى ) بسمنود وحارب وقُتل في الحرب وقُتل معه قبط كثير في سنة اثنتين وثلاثين ، ومات.).
7 ـ وبلغ الظلم مداه بالتنكيل بالبطرك القائد الدينى للمصريين وإذلاله وإهانته بين مواطنيه ، فقد إعتقله الوالى الأموى وفرض عليه غرامة لا يستطيع دفعها ، فإضطره الى أن يسير فى أنحاء مصر ومعه أساقفته يتسوّل منهم دفع الغرامة ، فما إستطاعوا سدادها كلها ، بسبب ما هم فيه من فقر، فعاد البطرك يائسا بائسا الى ذلك الوالى وأعطاه ما جمعه ، فأفرج عنه لأن الغرض كان إذلال البطرك ، وقد حدث ، يقول المقريزى :( وقبض عبد الملك بن موسى بن نصير أمير مصر على البطرك ميخائيل ، فاعتقله وألزمه بمال ، فسار بأساقفته في أعمال مصر يسأل أهلها ، فوجدهم في شدائد ، فعاد إلى الفسطاط ودفع إلى عبد الملك ما حصل له ، فأفرج عنه)
8 ـ وسقطت الدولة الأموية بهزيمة الخليفة مروان بن محمد فى موقعة الزاب أمام الجيش العباسى . وفرّ الخليفة الأموى المهزوم بجيشه الى مصر ، وانتهز المصريون الفرصة فثاروا أملا فى التخلّص من الظلم الأموى ، ولكن الخليفة الأموى المهزوم استخدم جيشه فى التنكيل بالمصريين كما لو كان قد أراد أن يعوّض هزيمته بالانتقام منهم . يقول المقريزى :( ثم خالفت القبط ( أى ثار المصريون) برشيد فبعث إليهم مروان بن محمد لما قدم مصر وهزمهم ) ويقول عما فعله مروان بن محمد وتنكيله بالمصريين وبالبابا أى البطرك المصرى: ( فنزل به بلاء كبير من مروان وبطش به وبالنصارى ) . ويقول عن فظائع ارتكبها مروان بن محمد بالقرى والمدن المصرية : ( وأحرق مصر وغلاتها ) ويقول عما فعله بالأديرة والراهبات من أسر وإغتصاب :( وأسر عدّة من النساء المترهبات ببعض الديارات ، وراود واحدة منهنّ عن نفسها ، فاحتالت عليه ودفعته عنها ـ بأن رغّبته في دهن معها إذا ادّهن به الإنسان لا يعمل فيه السلاح، وأوثقته بأن مكنته من التجربة في نفسها فتمت حيلتها عليه، وأخرجت زيتًا ادهنت به ثم مدّت عنقها فضربها بسيفه فأطار رأسها ، فعلم أنها اختارت الموت على الزنا )، أى أن هذه الراهبة المصرية الشريفة العفيفة أقنعت ذلك الخليفة الأموى الفاسق الفاجر مروان بن محمد الذى يريد إغتصابها بأنّ معها دهنا يقى الرقبة من الذبح فلا يستطيع السيف أن يقطعها،ودهنت رقبتها وطلبت من أن يجرب ضرب رقبتها بالسيف ليتأكد من قولها، فضرب رقبتها بالسيف فقطعها. فعلم أنها إختارت الانتحار والقتل لتحفظ شرفها ..!! لم يعلّق المقريزى محتجّا ..هل من تعليق على هذا .. يرحمكم الله جلّ وعلا ؟!!
9 ـ ويقول المقريزى : (وما زال البطرك والنصارى في الحديد مع مروان إلى أن قُتل ببوصير فأفرج عنهم‏.‏) أى ظل مروان يحتفظ بالبطرك وزعماء المصريين أسرى معه الى أن وصل جيش العباسيين وقاتل مروان وهزمه وقتله . وأفرج العباسيون عن البطرك وصحبه .
أخيرا : بهذا نعرف الوظيفة الحقيقية لوالى الصلاة ( الشيطانية ).!!
الفصل الرابع عشر : عمرو بن العاص والى الصلاة ( الشيطانية ) فى مصر
أولا : عمرو بن العاص ومصر
1 ـ فتح "عمرو " مصر وتولاها أربع سنوات في خلافة " عمر " ثم أربع سنوات في خلافة " عثمان" وبعد أن عزله "عثمان" أعاد " عمرو " فتح مصر لحساب " معاوية أثناء الصراع بين " علي " ومعاوية ، وظل " عمرو " واليا علي مصر سنتين إلي أن مات سنة 42 هـ .
2 ـ وحين بدأ الخلاف بين " علي " و"معاوية " كان " عمرو " معتزلا وقد استشار ولديه " عبدالله " و" محمد" ماذا يفعل في تلك الفتنة ، فأشار عليه ابنه " عبدالله بن عمرو " أن يعتزل الفتنة وأشار عليه ابنه " محمد" أن يشارك فيها، فقال " عمرو " لابنه " عبدالله": ( رأيك أسلم لي في ديني )، وقال لابنه " محمد" : ( رأيك أحسن لي في دنياي، إلا أنه أشر لي في آخرتي،). ثم اختار الانغماس في الفتنة والانضمام إلي "معاوية " وعقد معه عهدا أن تكون له ولاية مصر طعمة له أي ضيعة خاصة به يأكل خيرها لنفسه مقابل أن ينتزعها من ولاة "علي" ويحمي ظهر " معاوية " في صراعه مع " علي".
3 ـ وفي ذلك الوقت كان معاوية قد استطاع أن يقتل والي مصر ابن أبي حذيفة بالمكر والحيلة ، وقتل الأشتر النخعى بالسُّم وهو فى طريقه واليا على مصر لصالح (على ) . وبعث " علي " واليا آخر علي مصر ، هو " قيس بن سعد بن عبادة " المشهور بحنكته وسياسته . ورأي معاوية وعمرو أن ولايته علي مصر ستحبط أمالهما في ضم مصر فأشاع معاوية بأن " قيس " من أنصاره سرا ، وأبلغ جواسيس " علي" ذلك إليه فعزل " قيس " وولي مكانه " محمد بن أبي بكر الصديق " وكان شابا متهورا واستطاع " عمرو " أن يهزمه ، وقتلوه ثم جعلوا جثته في جيفة حمار ميت واحرقوه فيها .وذلك في 14 صفر سنة 38 هـ ، وبدأت بذلك ولاية " عمرو " علي مصر ليكون له وحده ايرادها وخيرها .
ثانيا : ماذ حدث من عمرو بن العاص والى الصلاة ( الشيطانية ) على مصر
بعد فتح مصر عيّن عمر بن الخطاب عمرو بن العاص والى الصلاة ( الشيطانية ) فى مصر . فما الذى فعله والى الصلاة الشيطانية فى مصر :
1 ـ بناء المسجد :
1 / 1 : بناء المسجد كانت مهمة والى الصلاة فى أى بلد إحتله العرب. ينقل المقريزى فى ( الخطط ) ( لما افتتح عمر البلدان كتب إلى أبي موسى وهو على البصرة يأمره أن يتخذ مسجدًا للجماعة ويتخذ للقبائل مساجد ، فإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى مسجد الجماعة‏. وكتب إلى سعد بن أبي وقاص وهو على الكوفة بمثل ذلك ، وكتب إلى عمرو بن العاص وهو على مصر بمثل ذلك . وكتب إلى أمراء أجناد الشام أن لا يتبددوا إلى القرى وأن ينزلوا المدائن ، وأن يتخذوا في كل مدينة مسجدًا واحدًا، ولا تتخذ القبائل مساجد فكان الناس متمسكين بأمر عمر وعهده‏. ).
1 / 2 : المسجد هو التبرير الدينى لإحتلالهم وظلمهم وفق دين قريش وخلفائها الفاسقين. وفى الدين القُرشى الأرضى جعلوا تلك المساجد التى بنوها فى ( الأمصار ) المفتوحة مقدسة ، وذكر المقريزى بعض الأحاديث فى هذا ، قال : ( خرّج الحافظ أبو القاسم بن عساكر من حديث معاوية بن قرة قال‏:‏ " قال عمرو بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ من صلى صلاة مكتوبة في مسجد مصر من الأمصار كانت له كحجة متقبلة فإن صلى تطوعًا كانت له كعمرة مبرورة‏.‏" ) ، وعن كعب‏:‏ ( من صلى في مسجد مصر من الأمصار صلاة فريضة عدلت حجة متقبلة ومن صلى صلاة تطوع عدلت عمرة متقبلة فإن أصيب في وجهه ذلك حرم لحمه ودمه على النار أن تطعمه وذنبه على من قتله‏.‏)
1 / 3 : والمسجد الذى بناه عمرو فى مصر فى ( الفسطاط ) أطلقوا عليه ألقابا دينية ، مثل ( الجامع العتيق ) و ( تاج الجوامع ) ، و ( جامع عمرو بن العاص ). أسموه جامع عمرو بن العاص لأنه أول مسجد أقيم فى مصر بإسم أول والى الصلاة فيها.
2 ـ رفض تحرير نساء السبى المصريات
2 / 1 : بعد فتح مصر على يد عمرو بن العاص إنساح جيش الغزاة فى الريف المصرى المُسالم ينهب ويسبى النساء ويغتصبهن فى كل قرية ، ويبعثون بأربعة أخماس الغنائم ومن السلب والنهب والسبى الى عمر بن الخطاب فى المدينة ، ومنها يتوزع السلب والنهب فى الجزيرة العربية على الأعراب هناك . وتكاثر هذا السبى من الفتيات المصريات حتى ملأ مكة والمدينة واليمن . هذا ما يذكره الطبرى راويا عن جندى كان ممّن حضر فتح مصر .يقول الطبرى:( ... وحدثني القاسم بن قزمان رجل من أهل مصر ، عن زياد بن جزء الزبيدي ، أنه حدثه أنه كان في جند عمرو بن العاص حين افتتح مصر والإسكندرية قال : افتتحنا الإسكندرية في خلافة عمر بن الخطاب في سنة إحدى وعشرين أو سنة اثنتين وعشرين .قال : لما افتتحنا باب اليون تدنينا قرى الريف فيما بيننا وبين الإسكندرية ، قرية فقرية ، حتى انتهينا إلى بلهيب قرية من قرى الريف يقال لها قرية الريش.وقد بلغت سبايانا المدينة ومكة واليمن ).!!.
2 / 2 : وفيما بعد جاء رجلان من المصريين يطلبان إسترجاع السبى فرفض عمرو بن العاص ، طبقا لما رواه الطبرى . تقول الرواية : ( وجاء أبو مريم وأبو مريام إلى عمرو وطلبا منه السبايا التي أصيبت بعد المعركة، فطردهما، فقالا: كل شيء أصبتموه منذ فارقناكم إلى أن رجعنا إليكم ففي ذمة. فقال عمرو لهما: أتغيرون علينا وتكونون في ذمة؟ قالا: نعم. فقسم عمرو ابن العاص السبي على الناس وتفرق في بلدان العرب. ). لنتذكر أن المصريين لم يذهبوا الى الحجاز يحاربون عمر بن الخطاب.
3 ـ فرض الجزية والخراج على المصريين
3 / 1 :يقول المقريزى : ( لما فتح عمرو بن العاص الإسكندرية بقي من الأسارى بها ممن بلغ الخراج وأحصي يومئذ ستمائة ألف سوى النساء والصبيان . ) كان هذا عدد سكان الاسكندرية فقط . تستمر الرواية : ( فاختلف الناس على عمرو في قسمهم فكان أكثر المسلمين يريد قسمها ) أى يريدون تقسيم أهل الاسكندرية سبايا وأرقاء وفق المعمول به فى دين البغى لديهم . تقول الرواية : ( فقال عمرو‏:‏ لا أقدر على قسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين . فكتب إليه يعلمه بفتحها وشأنها وأن المسلمين طلبوا قسمها ، فكتب إليه عمر رضي الله عنه‏:‏ لا تقسمها وذرهم يكون خراجهم فيئًا للمسلمين وقوة لهم على جهاد عدوهم ، فأقرها عمرو وأحصى أهلها وفرض عليهم الخراج . ) ـ أى أمر الخليفة عمر بإستغلالهم يعملون ويدفعون الخراج. لنتذكر أن المصريين لم يذهبوا الى الحجاز يحاربون عمر بن الخطاب.
3 / 2 : هذا بالاضافة التى الجزية على الرءوس التى فرضها عمرو على أهل مصر طبقا للصلح الذى عقده مع المقوقس الحاكم الذى كان على مصر . فألزم المصريين بدفع دينارين سنويا . وبلغت الجزية 12 مليون دينار، فأصبح الوالى بعده عبد الله بن أبى سرح يجمعها 14 مليون دينار فى خلافة عثمان وبتوجيهاته . لنتذكر أن المصريين لم يذهبوا الى الحجاز يحاربون عمر بن الخطاب.
4 ـ : عمرو بن العاص يسلب كنوز المصريين بالقتل والارهاب
4 / 1 ـ وشرهت نفس عمرو لكنوز الآثار المصرية وذهبها المدفون وما يتم الكشف عنه ، فيذكر أبوعبيدة في كتابه " الأموال " والمقريزي في كتابه " الخطط " أن "عمرا " أعلن لأهل مصر: أن من كتمنى كنزاً عنده فقدرت عليه قتلته!!. ونشر عمرو عيونه تتحسّس وتتجسّس عن من لديه كنوز فرعونية .
4 / 2 : ونشر عمرو جواسيسه فى العمران المصرى من الاسكندرية الى الصعيد ، ويذكر المقريزى أن عمرو بن العاص جاءته إخبارية بأن مصريا من الصعيد اسمه بطرس لديه كنز فرعونى، فحبسه عمرو واستجوبه فأصر الرجل على الإنكار، وجعل عليه الجواسيس فى السجن يحصون عليه أنفاسه فعلموا أنه يسأل عن راهب بالطور ، فاستدعي " عمرو" ذلك المصري السجين ونزع خاتمه من يده ، وأرسل بالخاتم إلي الراهب برسالة مزيفة من بطرس تسأله عن الكنز، فصدًق الراهب الرسالة وبعث بمكان الكنز، فعثر عليه عمرو وكان مقداره " 52 أردبا من الذهب أخذه " عمرو " وضرب "عمرو" رقبة " بطرس " وعلق رأسه على باب المسجد ( مسجد عمرو بن العاص والى الصلاة ) ، ليرهب المصريين ، فارتعبوا ،ومن كان منهم عنده كنز أسرع بتسليمه إلى عمرو. لنتذكر أن المصريين لم يذهبوا الى الحجاز يحاربون عمر بن الخطاب.
4 / 2 ـ ويذكر المقريزى أن عمراً اعتقل مصريا آخر اتهمه بممالاة الروم واستجوبه ، وكانت التهمة ملفقة وبهدف إبتزاز الرجل المسكين ، بدليل أن عمرو بن العاص أطلق سراح الرجل بعد أن حصل منه على أكثر من خمسين أردباً من الذهب..!!.نكرّر ( 50 إردبا من الذهب .!!)..وهذا من رجل واحد فقط .. لنتذكر أن المصريين لم يذهبوا الى الحجاز يحاربون عمر بن الخطاب.
أخيرا : ثروة عمرو ( والى الصلاة الشيطانية ) من نهب أموال المصريين
1 ـ في ولايته الأخيرة علي مصر تضاعفت ثروة " عمرو " حتي أثارت حسد معاوية وخشي أن تستخدم تلك الثروة في تحقيق طموحه السياسي. وانتهي الأمر بينهما بالصلح علي أن تتحدد ولاية مصر " لعمرو" سبع سنين فقط ضيعة خاصة، ثم تعود إلي الخلافة الأموية. إلا أن " عمرو " مالبث أن مات وقد ترك الأموال السائلة " 140" أردبا من الدنانير !!
2 ـ وحين حضرته الوفاة عرض علي ابنيه عبدالله ومحمد تلك الأموال المكدسة وقال: من يأخذها؟ فأبي ولداه وقالا : حتي ترد إلي كل ذي حق حقه أي أنهما اعتبراه مالا حراما . وبلغ معاوية الخبر فقال : ( نحن نأخذها ) . ومات عمرو واستولى الخليفة معاويةعلى كل تلك الأموال التى خلفها عمرو فى ميراثه وقال: نحن نأخذه بما فيه .. أى بما فيه من ظلم وسحت..!!
3 ـ ومع ذلك فإن عمرو بن العاص كان أكثرهم ولاة الصلاة رفقاً بالمصريين بالمقارنة بمن جاء بعده .


الفصل الخامس عشر : صلاة الخلفاء الفاسقين العباسيين : صلاة أبى العباس السفاح
مقدمة
1 ـ الخلفاء العباسيون كانوا أكثر جُرأة من سابقيهم فى سفك الدماء الأساس ، لأنهم فى دعوتهم قبل تأسيس دولتهم منحوا دعوتهم شعار ( الرضا من آل محمد ) ونشروا دعايتهم بأنهم الأئمة المنتظرون الذين يقيمون العدل بدلا من جور الأمويين ، ودعموا هذا بالأحاديث التى إفتروها .
2 ـ وقبل تأسيس دولتهم كان قائدهم أبو مسلم الخراسانى يقتل بما يقال عنه التفويض الالهى. يستحل دم شخص برىء بمجرد أن يفترى حديثا . تقول الرواية : ( وكان أبو مسلم قد قتل في دولته ستمائة ألف صبراً. ) أى حبسهم فى سجون وتركهم حتى الموت. وتقول عنه الرواية : ( وكان أبو مسلم قد سمع الحديث من عكرمة، وأبي الزبير المكي، وثابت الناتي، ومحمد بن علي بن عبد الله بن عباس، والسدير؛ وروى عنه إبراهيم ابن ميمون الصائغ، وعبد الله بن المبارك، وغيرهما. ) أى تلقفه أساطين الدعوة العباسية السرية فأعدوه أيدلوجيا بأحاديثهم المفتراة ، وبها كان سهلا عليه أن يسفك الدماء. تقول الرواية : ( خطب يوماً فقام إليه رجل فقال: ما هذا السواد الذي أرى عليك؟ فقال: حدثني أبو البير عن جبابر بن عبد الله أن النبي، صلى الله عليه وسلم، دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه عمامة سوداء، وهذه وثياب الدولة، يا غلام اضرب عنقه. ). سأله رجل سؤالا بريئا عن شعار السواد الذى إتخذه العباسيون فرد عليه بحديث ثم أمر بضرب عنقه.
3 ـ ومن الأساطير التى نشروها أن النبى محمدا قد بشّر العباس بأن ولده سيكونون الخلفاء ، ومع أنه عليه السلام لم يكن يعلم الغيب وليس له أن يتكلم فيه فقد حظيت هذه الأكاذيب الغيبية بالتصديق ، ورواها المؤرخون معتقدين صدقها ، منها قولهم : ( وكان بدء ذلك وأوله أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أعلم العباس بن عبد المطلب أن الخلافة تؤول إلى ولده، فلم يزل ولده يتوقعون ذلك ويتحدثون به بينهم. ) وشاعت أحاديث تؤكد أن مُلك بنى العباس سيستمر الى قيام الساعة وحتى يسلمونه الى المسيح عندما ينزل بزعمهم ، وأحاديث أخرى تبشر بأسماء الخلفاء الباسيين وتشيد بهم ، وقد ذكر السيوطى هذه الأحاديث عن العباسيين بعد سقوط دولتهم ببضعة قرون فى كتابه ( تاريخ الخلفاء ) مما يدل على أن الأحاديث المصنوعة أقوى تاثيرا.
4 ـ وبهذا بدأ الكهنوت العباسى أى المستبد الفرعونى الذى يملك الدين والسياسة ، وهذا ما لم يجرؤ الأمويون على زعمه ، وربما لأنهم كانوا علمانيين مثل أسلافهم الذين عملوا بالتجارة خلافا للهاشميين الذين قاموا على سقاية الحاج ورعاية البيت الحرام.
5 ـ وعليه لم تعد الصلاة وحدها من شعائر عبادة الإله الأعظم ( وهو المال ) بل أضاف لها العباسيون الخطاب الدينى الصريح وتلقيب الخليفة بلقب ينسبه الى الله جل وعلا . وهذه الألقاب بدأت بأول خليفة ، وقد أعطى نفسه لقبا مُرعبا ( السفاح ) الذى يقتل بالتفويض الالهى ، ثم تلاه أخوه فلقّب نفسه بالمنصور ، ثم تلقب إبنه بالمهدى ، وبعده ( الهادى ) والرشيد ، ثم أصبح اللقب للخليفة أكثر جُرأة فتلقب اللاحقون بالمعتصم بالله الى المستعصم بالله ..
6 ـ وخلال هذا الدجل الدينى حاز العباسيون على كنوز الدنيا وسفكوا دماء الملايين . منهم حوالى مليون قتيل فى تأسيس دولتهم . ونعطى بعض التفصيلات فى خلافة السفاح .
أولا : الصلاة والخطبة :
1 ـ تقول الرواية عن الخليفة العباسى الأول ( أبو العباس السفاح : عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ): ( ولما ولي الخلافة خرج يوم الجمعة فصلى بالناس ثم قال في خطبته‏:‏ " الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه وكرمه وشرفه وعظمة واختاره لنا وأيده وجعلنا أهله وكهفه وحصنه والقوام به والذأبين عنه والناصرين له وخصنا برحم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنبتنا من شجرته واشتقنا من نبعته وأنزل بذلك كتابًا فقال فيه‏:‏ قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى ‏"‏ فلما قبض الله رسوله قام بذلك الأمر أصحابه وأمرهم شورى بينهم فعدلوا وخرجوا خماصًا ثم وثب بنو حرب ومروان فابتزوها وتداولوها فاستأثروا بها وظلموا أهلها فأملى الله لهم حينًا فلما أسفوه أنتقم الله منهم بأيدينا ورد علينا حقنا وأنا السفاح المبيح الثائر المبير‏.‏ ). السفاح هنا يصلى ويخطب بالناس ويجعل نفسه السفاح المبير مستبيح الدماء باسم الله ( تعالى عن ذلك علوا كبيرا.) . أى له تفويض الاهى بالقتل والتسلط على الناس ونهب أموالى على هامش القتل .
2 ـ وفى نفس الخطبة قال : ( إنا والله ما خرجنا لنكثر لجينًا ولا عقيانًا ولا نحفر نهرًا وإنما أخرجتنا الأنفة من ابتزازهم لحقنا ولقد كانت أموركم ترمضنا لكم ذمة الله عز وجل وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة العباس أن نحكم فيكم بما أنزل الله ونعمل بكتاب الله ونسير فيكم بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم واعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج منا حتى نسلمه إلى عيسى ابن مريم‏.‏) هنا يكذب بملء فمه . وعد بالعدل وأخلف الوعد ، وزعم أن الخلافة ستظل فيهم الى نهاية العالم ، وكذب .
3 ـ كان هذا هو ( خطاب العرش ) تقول الرواية : ( ثم نزل أبو العباس وداود أمامه حتى دخل القصر فأجلس أبا جعفر وأخذ البيعة على الناس في المسجد ) . وفى رواية أخرى : (ثم نزل أبو العباس وداود بن علي أمامه حتى دخل القصر وأجلس أخاه أبا جعفر المنصور يأخذ البيعة على الناس في المسجد، فلم يزل يأخذها عليهم حتى صلى بهم العصر ثم المغرب وجنهم الليل فدخل. ) هنا الصلاة والخطبة ..والمسجد .! كان هذا فى شهر ربيع الأول عام 132 .
4 ـ وإذا كان الخلفاء الفاسقون الأوائل ( أبو بكر وعمر وعثمان ) أفهموا الأعراب أن غزوهم وقتلهم وسلبهم ونهبهم الأمم الأخرى هو جهاد إسلامى فإن الخلفاء الفاسقين العباسيين سفكوا دماء الأمويين بإتهامهم بالكفر . كان الأمويون فى نهاية عصرهم مثقلين بالاتهامات بالظلم فأرسوا اساسا لبنى العباس تمكنوا به من إستحلال دمائهم وأموالهم ، وصار قتالهم الأمويين جهادا دينيا . فى معركة ( الزاب ) التى إنهزم فيها مروان بن محمد كان القائد العباسى عبد الله بن على ( عم الخليفة السفاح ) يقاتل وهى يقول : ( يار رب حتى متى نقتل فيك؟ .! ) ، وتثاقل العرب من جنود مروان بن محمد عن القتال ، فإذا دعا قبيلة طلبت أن يدعو غيرها ، فأمر رئيس الشرطة بالتقدم فرفض ، فتوعده مروان فتحداه قائلا ( وددت أن تفعل ذلك ) فاضطر الى أن يعطى جنوده الأموال ، نقول الرواية : ( فأمر بالأموال فأخرجت، وقال للناس: اصبروا وقاتلوا فهذه الأموال لكم. فجعل ناس من الناس يصيبون من ذلك، فقيل له: إن الناس قد مالوا على هذا المال ولا نأمنهم أن يذهبوا به. فأرسل إلى ابنه عبد الله: أن سر في أصحابك إلى قوم عسكرك فاقتل من أخذ من المال وامنعهم.) . إنهزم مروان وإستولى عبد الله بن على العباسى على معسكره ، وحاز ما فيه من أموال ( والمال هو غاية المُراد ) تقول الرواية : ( ..وكتب يومئذ عبد الله بن علي إلى السفاح بالفتح، وحوى عسكر مروان بما فيه فوجد سلاحاً كثيراً وأموالاً .. ) ( فلما أتى الكتاب السفاح صلى ركعتين وأمر لمن شهد الوقعة بخمسمائة خمسمائة دينار، ورفع أرزاقهم إلى ثمانين. ) هنا صلاة شكر على النصر وعلى المال ، ومكافأة للمقاتلين المرتزقة برفع أجورهم . تقول الرواية ( وكانت هزيمة مروان بالزاب يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة ..)
5 ـ هرب مروان فطارده العباسيون حتى مصر . وقاد مطاردته فى صعيد مصر صالح بن على العباسى ، وأرسل فرقة يقودها الحسن بن قحطبة . تقول الرواية ( .. ومضى صالح ومن معه في طلبه إلى الصعيد ... وساروا حتى أدركوه بقريه من قرى الصعيد تسمى بوصير في أخر الليل ، وقد نزل الكنيسة ومعه حرمه وولده وثقله ..) ودارت معركة إنتهت بقتل مروان ، تقول الرواية : (.. وأثخنته الجراح وحمل عليه رجل فقتله واحتزّ رأسه رجل من أهل البصرة كان يبيع الرمان ) وأمر الحسن بن قحطبة‏ القائد وقتها بإحضار بنت مروان الكبرى ، فوضع رأس أبيها فى حجرها ، تقول الرواية : ( .. فأجلسها ووضع الرأس في حجرها فصرخت واضطربت فقيل له‏:‏ ماحملك على هذا فقال‏:‏ " كفعلهم بزيد بن علي حين قتلوه فإنهم جعلوا رأسه في حجر زينب بنت علي. )
( وبعث برأس مروان إلى صالح بن علي فنصب على باب مسجد دمشق ، وبعث به إلى السفاح ). بعث القائد ابن قحطبة برأس مروان الى قائده الأعلى ( صالح بن على ) فبعث بها صالح الى الخليفة السفاح فى الكوفة ، وفى الطريق علقوها فى مسجد دمشق ( المسجد الأموى ) إعلانا بنهاية الحكم الأموى . ولم ينسوا إرسال الغنائم من الأموال والسلاح والسبى : ( ورجع صالح إلى الشام وخلف أبا عون بمصر وسلم إليه السلاح والأموال والرقيق. ). وتقول الرواية عن وصول رأس مروان الى السفاح : : ( ولما وصل الرأس إلى السفاح كان بالكوفة، فلما رآه سجد ثم رفع رأسه فقال: الحمد الله الذي أظهرني عليك وأظفرني بك ولم يبق ثأري قبلك وقبل رهطك أعداء الدين! ). أى هو قتال دينى ، يبتغى وجه الشيطان.
ثانيا : الإقٌتتال بالدين يعنى المبالغة فى القتل أو القتل إستئصالا :
1 : إستأصل العباسيون من قدروا على قتله من الأمويين . وكانوا يعطونهم الأمان ثم ينكثون بالعهد. ومن الحوادث المشهورة أن عبد الله بن على الذى تولى الشام إستأمن اليه من كان فى دمشق من الأمويين ، فدعا تسعين رجلا منهم الى طعام وقتلهم ، تحت عنوان : ( ذكر من قتل من بني أمية: ) تقول الرواية : ( ودخل شبل بن عبد الله مولى بني هاشم على عبد الله بن علي وعنده من بني أمية نحو تسعين رجلاً على الطعام.. ) إستنكر هذا الرجل إستضافة أولئك الأمويين فقال شعرا أثار عبد الله بن على فأمر عبد الله بن على بضربهم بأعمدة الحديد حتى ماتوا : ( فأمر بها عبد الله فضربوا بالعمد حتى قتلوا، وبسط عليهم الأنطاع فأكل الطعام عليها وهو يسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جيمعاً. )
2 ـ .وقيل عن عبد الله بن على : ( وتتبع بني امية من أولاد الخلفاء وغيرهم فأخذهم، ولم يفلت منهم إلا رضيع أو من هرب إلى الأندلس وقتل سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس بالبصرة أيضاً جماعةً من بني أمية عليهم الثياب الموشية المرتفعة وأمر بهم فجروا بأرجلهم فألقوا على الطريق فأكلتهم الكلاب..! ) كان هذا عام 132
3 ـ فى عام 133 ( قتل داود بن علي من ظفر به من بني أمية بمكة والمدينة، ولما أراد قتلهم قال له عبد الله بن الحسن بن الحسن: يا أخي إذا قتلت هؤلاء فمن تباهي بملكه؟ أما يكفيك أن يروك غادياً ورائحاً فيما يذلهم ويسؤهم؟ فلم يقبل منه وقتلهم. )
4 ـ أكثر من هذا أن عبد الله بن على هذا إنتقم من الخلفاء الأمويين الموتى فى قبورهم ، تقول الرواية : ( .. وأمر عبد الله ابن علي بنبش قبور بني أمية بدمشق، فنبش قبر معاوية بن أبي سفيان، فلم يجدوا فيه إلا خيطاً مثل الهباء، ونبش قبر يزيد بن معاوية بن أبي سفيان فوجدوا فيه حطاماً كأنه الرماد، ونبش قبر عبد الملك فإنه وجد صحيحاً لم يبل منه إلا أرنبة أنفه، فضربه بالسياط وصلبه وحرقه وذراه في الريح ).
5 ـ ووصل الإسراف فى القتل الى الحروب الخارجية :
5 / 1 : فى عام 133 : حارب أبو مسلم ملك فرغانة المتحالف مع ملك الصين " ( فالتقوا على نهر طراز فظفر بهم المسلمون وقتلوا منهم زهاء خمسين ألفاً وأسروا نحو عشرين ألفاً وهرب الباقون إلى الصين.)
5 / 2 : فى العام التالى : ( ذكر غزوة كش: وفي هذه السنة غزا أبو داود خالد بن إبراهيم أهل كش فقتل الاخريد ملكها، وهو سامع مطيع، وقتل أصحابه وأخذ منهم من الأواني الصينية المنقوشة المذهبة ما لم ير مثلها، ومن السروج ومتاع الصين كله من الديباج والطرف شيئاً كثيراً فحمله إلى أبي مسلم وهو بسمرقند، وقتل عدة من دهاقينهم، ). هذا ملك سامع مطيع ، ولكن جريمته الكبرى أن لديه نفائس يطمع فيها أبو مسلم. والمال هو معبودهم الأكبر .
ثالثا : الإقٌتتال بالدين يعنى نكث العهود والمواثيق
1 ـ قتل السفاح إثنين من الذين قاموا بالدعوة وساعدوا فى إرساء مُلك العباسيين ، وهما أبو سلمة الخلال وسليمان بن كثير ، بل وقتلوا الولاة الذين عينهم أبو سلمة الخلال فى فارس.
2 : وفى عام 133 : قتل سليمان بن على العباسى ( عم السفاح ) زعيم بنى المهلب فى الموصل. أعطاه أمانا ثم قتله. تقول الرواية : ( وفيها قتل عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب بالموصل، قتله سليمان الذي يقال له الأسود بأمان كتبه له. )
3 ـ أما الفاجعة الكبرى فهى ما فعله أخ الخليفة السفاح وإسمه ( يحيى ) بأهل الموصل . تقول الرواية : ( وفي هذه السنة استعمل السفاح أخاه يحيى بن محمد على الموصل عوض محمد بن صول. وكان سبب ذلك أن أهل الموصل امتنعوا من طاعة محمد بن صول، وقالوا: يلي علينا مولى الخثعم، وأخرجوه عنهم. فكتب إلى السفاح بذلك واستعمل عليهم أخاه يحيى بن محمد وسيره إليها في اثني عشر ألف رجل، فنزل قصر الإمارة بجانب مسجد الجامع، ولم يظهر لأهل الموصل شيئاً ينكرونه ولم يعترض فيما يفعلونه، ثم دعاهم فقتل منهم أثني عشر رجلاً، فنفر أهل البلد وحملوا السلاح، فأعطاهم الأمان، وأمر فنودي: من دخل الجامع فهو آمن؛ فأتاه الناس يهرعون إليه، فأقام يحيى الرجال على أبواب الجمع، فقتلوا الناس قتلاً ذريعاً أسرفوا فيه، فقيل: إنه قتل فيه أحد عشر ألفاً ممن له خاتم وممن ليس له خاتم خلقاً كثيراً. فلما كان الليل سمع يحيى صراخ النساء اللاتي قتل رجالهن، فسأل عن ذلك الصوت فأخبر به، فقال: إذا كان الغد فاقتلوا النساء والصبيان. ففعلوا ذلك، وقتل منهم ثلاثة أيام، وكان في عسكره قائد معه أربعة آلاف زنجي، فأخذوا النساء قهراً. فلما فرغ يحيى من قتل أهل الموصل في اليوم الثالث ركب اليوم الرابع وبين يديه الحراب والسيوف المسلولة، فاعترضته امرأة وأخذت بعنان دابته، فأراد أصحابه قتلها فنهاهم عن ذلك، فقالت: له: ألست من بني هشام؟ ألست ابن عم رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ أما تأنف للعربيات المسلمات أن ينكحهن الزنج؟ فأمسك عن جوابها وسير معها من يبلغها مأمنها، وقد عمل كلامها فيه. فلما كان الغد جمع الزنج للعطاء، فاجتمعوا، فأمر بهم فقُتلوا عن آخرهم. ). يضيق الصدر عن تحليل هذا. ففيه التطرف فى القتل ونكث العهد وأن يكون المسجد مركز هذه الفواجع .. هتلر لو قرأ هذا سينفطر قلبه حُزنا.
رابعا : الإقٌتتال بالدين يعنى قتل الذين يأمرون بالقسط من الناس .
فى عام 133 : نقم ( شريك بن شيخ المهري ) ببخارى على أبي مسلم معترضا على الإسراف فى القتل . تقول الرواية : ( ونقم عليه وقال: " ما على هذا اتبعنا آل محمد، أن نسفك الدماء وأن يعمل بغير الحق! " وتبعه على رأيه أكثر من ثلاثين ألفاً، فوجه إليه أبو مسلم زياد بن صالح الخزاعي فقاتله، وقتله زياد. ).
أخيرا : مات السفاح عام 136 ، وتولى بعده أخوه أبوجعفر المنصور الذى قام بتوطيد الدولة العباسية بالحديد والنار وبالدجل الدينى والكهنوت الدينى. وكان مشهورا بجمع المال أو بعبادة المال حتى كان لقبه ( أبو الدوانيق ) . والدانق هو مثل المليم أو السنت .

الفصل السادس عشر : ولاة الصلاة الشيطانية فى مصر العباسية

أولا : نماذج من وصفهم بولاة الصلاة من خلال ما ذكره المقريزى فى ( الخطط ) :
مقدمة : اسلوب المقريزى أن يقول عن الوالى العباسى فى مصر :( فوُلّى ) ( وُلّى ) أى أصدر الخليفة قرار بتعيينه واليا . وحين يقول ( صُرف ) يعنى عزل الوالى. ويذكر إسم الخليفة وتاريخ التعيين وتاريخ عزله او صرفه عن الحكم. ولن نذكر كل التفصيلات ، إكتفاءا بوصف الوالى بأنه على الصلاة والخراج . ونعطى أمثلة ، قال :
1 ـ (‏ أبو عون‏:‏ عبد الملك بن يزيد ... ولي صلاة مصر وخراجها.. في مستهل شعبان سنة ثلاث وثلاثين ومائة.. ).
2 ـ ( فولي‏:‏ صالح بن علي الثانية على الصلاة والخراج فدخل لخمس خلون من ربيع الآخر سنة ست وثلاثين ومائة .. ثم خرج صالح إلى فلسطين..سنة سبع وثلاثين فلقي أبا عون بالفرما فأمره على مصر صلاتها وخراجها ..فولي‏:‏ أبو عون ولايته الثانية من قبل صالح بن علي .. فاستخلف عكرمة على الصلاة وعطاء على الخراج ..).
3 ـ ( فوليها‏:‏ موسى بن كعب ..من قبل أبي جعفر المنصور .. سنة إحدى وأربعين ومائة على صلاتها وخراجها .. ) .
4 ـ ( فولي‏:‏ محمد بن الأشعث بن عقبة الخزاعي من قبل أبي جعفر على الصلاة والخراج ، وقدم لخمس خلون من ذي الحجة سنة إحدى وأربعين ومائة .. ).
5 ـ ( وولي‏:‏ حميد ين قحطبة .. من قبل أبي جعفر على الصلاة والخراج .. سنة ثلاث واربعين ومائة.).
6 ـ ( فولي‏:‏ يزيد بن حاتم .. من قبل أبي جعفر على الصلاة ..) .
7 ـــ ( وولي‏:‏ عبد الله بن عبد الرحمن .. من قبل أبي جعفر على الصلاة ..).
8 ـ ( فولي‏:‏ محمد بن عبد الرحمن باستخلاف أخيه فأقره أبو جعفر على الصلاة .. ) .
9 ـ ( فولي‏:‏ موسى بن علي ..باستخلاف محمد بن خديج فأقره أبو جعفر على الصلاة.. ) .
10 ـ ( وولي‏:‏ عيسى بن لقمان بن محمد الجمحي‏:‏ من قبل المهدي على الصلاة والخراج ..).
11 ـ ( ثم ولي‏:‏ واضح مولى أبي جعفر من قبل المهدي على الصلاة والخراج ..).
12 ـ ( فولي‏:‏ منصور بن يزيد .. على الصلاة فقدم لإحدى عشرة خلت من رمضان سنة اثنتين وستين ومائة وصرف للنصف من ذي الحجة فكان مقامه شهرين وثلاثة أيام‏...).
13 ـ ( ثم ولي‏:‏ يحيى بن داود أبو صالح من أهل خراسان من قبل المهدي على الصلاة والخراج.. ) .
14 ـ ( وقدم‏:‏ سالم بن سوادة التميمي من قبل المهدي على الصلاة.. ).
15 ـ ( ثم ولي‏:‏ إبراهيم بن صالح ..من قبل المهدي على الصلاة والخراج ..)
16 ـ ( ثم ولي‏:‏ موسى بن مصعب بن الربيع من أهل الموصل على الصلاة والخراج من قبل المهدي..)
17 ـ ( ثم ولي‏:‏ علي بن سليمان .. من قبل الهادي على الصلاة والخراج .. فدخل في سنة تسع وستين ومائة ، ومات الهادي للنصف من ربيع الأول سنة سبعين ومائة وبويع هارون بن محمد الرشيد فأقر علي بن سليمان.. ) .
18 ـ ( ثم ولي‏:‏ موسى بن عيسى .. من قبل الرشيد على الصلاة ..)
19 ـ ( ثم ولي‏:‏ مسلمة بن يحيى ..من قبل الرشيد على الصلاة ثم صرف في شعبان سنة ثلاث وسبعين فوليها أحد عشر شهرًا‏.).
20 ـ ( ثم ولي‏:‏ محمد بن زهير الأزدي على الصلاة والخراج. ).
21 ـ ( ‏فولي‏:‏ داود بن يزيد... فولى داود الصلاة ..).
22 ـ ( ثم ولي‏:‏ موسى بن عيسى ..على الصلاة والخراج من قبل الرشيد ... فولي سنة واحدة‏.).
23 ـ ( ثم ولي‏:‏ عبد الله بن المسيب ..من قبل الرشيد على الصلاة .. سنة ست وسبعين ومائة. ) .
24 ـ ( فولي‏:‏ إسحاق بن سليمان .. من قبل الرشيد على الصلاة والخراج ‏.).
25 ـ ( فولي‏:‏ هرثمة بن أعين من قبل الرشيد على الصلاة والخراج.. ).
26 ـ ( ثم ولي‏:‏ عبد الملك بن صالح .. من قبل الرشيد على الصلاة والخراج ..) ‏.
27 ـ ( فولي‏:‏ عبيد الله بن المهدي .. من قبل الرشيد على الصلاة والخراج في يوم الاثنين لثنتي عشرة خلت من المحرم سنة تسع وسبعين ومائة ...فأعاد الرشيد موسى بن عيسى وولاه مرة ثالثة على الصلاة .. وصرف في جمادى الآخرة سنة ثمانين ومائة‏.‏ فولى الرشيد عبيد الله بن المهدي ثانيًا على الصلاة .. وصرف لثلاث خلون من رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة‏. ).
28 ـ ( فولي‏:‏ إسماعيل بن صالح ..على الصلاة .. ) .
29 ـ (.. فولي‏:‏ إسماعيل بن عيسى ..من قبل الرشيد على الصلاة فقدم لأربع عشرة بقيت من جمادى الآخرة وصرف في رمضان‏. ).
30 ـ ( فولي‏:‏ الليث بن الفضل ..على الصلاة والخراج ..).
31 :( فولي‏:‏ أحمد بن إسماعيل ..من قبل الرشيد على الصلاة والخراج.. فولى سنتين وشهرًا ونصفًا‏. ).
31 : ( ثم ولي‏:‏ عبيد الله بن محمد .. على الصلاة ..).
32 ـ ( وولي‏:‏ الحسين بن جميل من قبل الرشيد على الصلاة وقدم لعشر خلون من رمضان ثم جمع له الخراج مع الصلاة في رجب سنة إحدى وتسعين .. وصرف ابن جميل لثنتي عشرة خلت من ربيع الآخر سنة اثنتين وتسعين ومائة‏.).
33 ـ ( فولي‏:‏ مالك بن دلهم بن عمير الكلبي على الصلاة والخراج وقدم لسبع بقين من ربيع الآخر... وصرف مالك لأربع خلت من صفر سنة ثلاث وتسعين ومائة‏. ).
34 : ( فولي‏:‏ الحسن بن التختاح بن التختكان على الصلاة والخراج.. ) .
35 ـ ( فولي‏:‏ حاتم بن هرثمة بن أعين من قبل الأمين على الصلاة والخراج ..) .
36 ـ ( فولي‏:‏ جابر بن الأشعث ..من قبل الأمين على الصلاة والخراج ..) .
37 ـ ( فولي‏:‏ عباد بن محمد .. من قبل المأمون على الصلاة والخراج .. وصرف عباد في صفر سنة ثمان وتسعين ومائة فكانت ولايته سنة وسبعة أشهر‏.).
38 ـ ( فولي‏:‏ المطلب بن عبد الله بن مالك .. من قبل المأمون على الصلاة والخراج .. وصرف في شوال بعد سبعة أشهر‏. ).
39 ـ ( فولي العباس بن موسى . من قبل المأمون على الصلاة والخراج ... ).
40 ـ ( ثم ولي سليمان بن غالب .. على الصلاة والخراج سنة إحدى ومائتين .. ثم صرف بعد خمسة أشهر‏.).
41 ـ ( وأعيد السري بن الحكم ثانيًا من قبل المأمون على الصلاة والخراج .. ).
42 ـ ( فولي ابنه محمد بن السري أبو نصر أول جمادى الآخرة على الصلاة والخراج ..).
43 ـ ( ثم ولي عبيد الله بن السري بن الحكم .. على الصلاة والخراج .. ).
44 ـ ( فولي عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب من قبل المأمون على الصلاة والخراج فدخل يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة إحدى عشرة ومائتين ..).
45 ـ ( ثم ولي عيسى بن يزيد الجلودي باستخلاف ابن طاهر على صلاتها إلى سابع عشر ذي القعدة سنة ثلاث عشرة فصرف ابن طاهر وولي الأمير أبو إسحاق بن هارون الرشيد مصر فأقر عيسى على الصلاة فقط وجعل على الخراج‏:‏ صالح بن شيرازاد ..) .
46 ـ ( فولي عمير بن الوليد ..باستخلاف أبي إسحاق بن الرشيد على الصلاة .. فكانت مدة إمرته ستين يومًا‏.).
47 ـ ( فولي عيسى الجلودي ثانيًا لأبي إسحاق على الصلاة .. ) .
48 ــ ( وولي على مصر عبدويه بن جبلة من الأبناء على الصلاة ..).
49 ـ ( وصرف وولي عيسى بن منصور بن موسى بن عيسى الرافعي ..فولي من قبل أبي إسحاق أول سنة ست عشرة على الصلاة .. ).
50 ــ ( فولي موسى بن أبي العباس ثابت .. على الصلاة .. وصرف في ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ومائتين فكانت ولايته أربع سنين وسبعة أشهر‏. ).
51 ـ ( فولى مالك بن كيدر .. على الصلاة وقد لسبع بقين من ربيع الآخر وصرف لثلاث خلون من ربيع الآخر سنة ست وعشرين فولى سنتين وأحد عشر يومًا ..) .
52 ـ ( فولي علي بن يحيى ..على صلاتها .. فكانت ولايته سنتين وثلاثة أشهر‏. ).
53 ـ ( ثم ولي عيسى بن منصور الثانية .. على صلاتها فدخل لسبع خلون من المحرم سنة تسع وعشرين ومائتين..).
54 ـ ( فولي هرثمة بن نضر الجبلي .. على الصلاة وقدم لست خلون من رجب سنة ثلاث وثلاثين ومائتين ..).
55 ـ ( فولي حاتم بن هرثمة .. على الصلاة وصرف لست خلون من رمضان‏.).
56 ـ ( فولي علي بن يحيى بن الأرمني الثانية .. على الصلاة.. ) .
57 ـ ( فولي إسحاق بن يحيى ..من قبل المنتصر .. على الصلاة والخراج..).
58 ـ ( .. فولي خوط عبد الواحد بن يحيى .. من قبل المنتصر على الصلاة والخراج فقدم لتسع بقين من ذي القعدة سنة ست وثلاثين ومائتين وصرف عن الخراج لتسع خلون من صفر سنة سبع وثلاثين وأقر على الصلاة ثم صرف سلخ صفر سنة ثمان وثلاثين بخليفته عنبسة على الصلاة والشركة في الخراج مستهل ربيع الأول‏. ).
59 ـ ( فولي عنبسة بن إسحاق .. من قبل المنتصر على الصلاة وشريكًا لأحمد بن خالد الضريقسي صاحب الخراج فقدم لخمس خلون من ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين ومائتين ... وأضيف له الخراج مع الصلاة ثم صرف عن الخراج أول جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين وأفرد بالصلاة ... وعنبسة هذا آخر من ولي مصر من العرب وآخر أمير صلى بالناس في المسجد الجامع ..).
60 ـ ( فولي يزيد بن عبد الله بن دينار أبو خالد من الموالي ولاه‏:‏ المنتصر على الصلاة فقدم لعشر بقين من رجب سنة اثنتين وأربعين ..).
61 ـ ( فولي مزاحم بن خاقان . لثلاث خلون من ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين ومائتين على الصلاة من قبل المعتز ..‏. ).
62 ـ ( فاستخلف ابنه أحمد بن مزاحم فولي باستخلاف أبيه على الصلاة إلى أن مات لسبع خلون من ربيع الآخر فكانت ولايته شهرين ويومًا فاستخلف أرجوز بن أولع طرخان التركي على الصلاة فولي خمسة أشهر ونصفًا وخرج أول ذي القعدة بعد أن صرف بأحمد بن طولون في شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين وإليه كان أمر البلد جميعه.. ).
63 ـ ( وولي منهم خمسة أمراء أولهم‏:‏ أحمد بن طولون ولي مصر من قبل المعتز على صلاتها فدخل يوم الخميس لسبع بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين .. ).
64 ـ ( .. فورد كتاب المعتضد بولاية خمارويه على مصر هو وولده ثلاثين سنة من الفرات إلى برقة وجعل له الصلاة والخراج والقضاء وجميع الأعمال على أن يحمل في كل عام مائتي ألف دينار عما مضى وثلثمائة ألف للمستقبل ..).
65 ـ ( ‏ثم ورد كتاب المكتفي بولاية‏:‏ عيسى بن محمد النوشري ..فولي على الصلاة ..) ( .. وأقبل عيسى النوشري ومعه الحسين المادراني ومن كان معهما لخمس خلون منه فعاد النوشري إلى ما كان عليه من صلاتها والمادراني إلى ما كان عليه من الخراج ..) ( وبويع جعفر المقتدر فأقر النوشري على الصلاة ..).
66 ـ ( ‏ثم ولي تكين الخزري أبو منصور من قبل المقتدر على الصلاة ..).
67 ـ ( ثم ولي‏:‏ ذكا الرومي ..من قبل المقتدر على الصلاة .. لثنتي عشرة خلت من صفر سنة ثلاث وثلثمائة ..).
68 ـ ( ثم ولي‏:‏ هلال بن بدر من قبل المقتدر على الصلاة ..) .
69 ـ ( فولي‏:‏ أحمد بن كيغلغ من قبل المقتدر على الصلاة ..) .
70 ـ ( فولي‏:‏ تكين المرة الثالثة من قبل المقتدر على الصلاة . ) .
71 ـ ( ثم ولي‏:‏ محمد بن طغج بن جف الفرغاني أبو بكر من قبل القاهر بالله على الصلاة ... وولي‏:‏ محمد بن طغج الثانية من قبل الراضي على الصلاة والخراج ..) .
ثانيا : ملاحظات :
1 ـ يتكرر قول المقريزى عن الوالى الأساس أنه الوالى على ( الصلاة ) (الشيطانية ) . وفى المقال التالى سنرى ما فعله مجرمو ولاة الصلاة الشيطانية بأهل مصر.
2 ـ لأهمية الخراج كان تعيين واليا للخراج ، وأحيانا يكون والى الصلاة الشيطانية هو والى الخراج.
3 ـ لأن المال هو معبودهم الأعظم فقد كان الحرص على ألا يبقى الوالى فترة طويلة حتى لا يتكاثر ماله من النهب ، ولذا كان يتكرر العزل والتولية ، ولهذا ايضا إشتد العسف بالمصريين بسبب الخراج بالذات ، وسنعرض لذلك فى المقال التالى.
4 ـ فى بداية العصر العباسى كان أكثر ولاة الصلاة ( الشيطانية ) من الأسرة العباسية ، ومن ذرية القادة العرب الموالين للعباسيين ، وبعد سيطرة القادة الأتراك على الخلافة العباسية أصبح ولاة الصلاة منهم.
5 ـ وكان يحدث أن يتولى والى الصلاة مصر سواء كان عربيا أو تركيا فيظل فى بغداد ليحمى نفوذه ويرسل نائبا عنه يحكم مصر بإسمه.
6 ـ توقفنا عند الإخشيد ، وهو الذى أقام ولاية مستقلة فى إطار الخلافة العباسية كما فعل من قبله أحمد بن طولون. وكلاهما من ولاة الصلاة. ثم إحتل الفاطميون مصر .

الفصل السابع عشر : من إجرام ولاة الصلاة الشيطانية فى مصر العباسية
( 1 )
هو موضوع مؤلم وطويل ، نكتفى منه بموجز مما كتبه المقريزى ، وقد كان متعصبا ، وننتظر أن يتجاهل الكثير من الوقائع . ولكنه المصدر التاريخى الهام المعتمد لنا. ونعطى هنا بعض لمحات من التاريخ المجهول للمصريين :
أولا : المقريزى فى تأريخه لولاة الصلاة يلمح الى بعض مظالمهم :
فى المقال السابق ركزنا عن ولاة مصر العباسية بوصفهم بولاة الصلاة. وكان المقريزة يذكر بعض المشهور من ظلمهم . ونعطى أمثلة . قال :
1 ـ ( فولي‏:‏ موسى بن علي بن رباح باستخلاف محمد بن خديج ، فأقره أبو جعفر على الصلاة . وخرج القبط بهبيب في سنة ست وخمسين ، فبعث إليهم وهزمهم . وكان يروح إلى المسجد ماشيًا وصاحب شرطته بين يديه يحمل الحربة وإذا أقام صاحب الشرطة الحدود يقول له‏:‏ ارحم أهل البلاد فيقول‏:‏ أيها الأمير ما يصلح الناس إلا ما يفعل بهم ..!!). هذا فى خلافة المنصور العباسى. ثار الأقباط بسبب العسف وكثرة الضرائب . فهزمهم ( والى الصلاة ). وكان يرفض صاحب الشرطة برحمة الناس ، لأنه يرى أن هذا هو الأصلح للناس ، وهم له مستحقون . الناس هنا هم المظلومون ، وإلّا ما أشفق عليهم صاحب الشرطة . والحدود التى يذكرها المقريزى لا علاقة بتشريعات الاسلام ، ولكنها تشريع العباسيين ووالى الصلاة الذى كان مُطلق اليد فى قتل من يشاء وعقاب من يشاء دون رقيب أو مؤاخذة .
2 ـ ( ثم ولي‏:‏ يحيى بن داود أبو صالح من أهل خراسان من قبل المهدي على الصلاة والخراج فقدم في ذي الحجة وكان أبوه تركيًا وهو من أشد الناس وأعظمهم هيبة وأقدمهم على الدم وأكثرهم عقوبة ... .. وكان أبو جعفر المنصور إذا ذكره قال‏:‏ هو رجل يخافني ولا يخاف الله فولي إلى المحرم سنة أربع وستين‏.). الخليفة المنصور كان من جبابرة الخلفاء أجمعين . و كان من أتباعه ( يحيى بن داود ) وقد وصفه المنصور بأنه لا يخشى الله ولكن يخشى المنصور ، ولذلك قام الخليفة المهدى ابن الخليفة المنصور بتعيينه واليا على الصلاة والخراج فى مصر. لذا كان بمصر كما قال المقريزى : (وهو من أشد الناس وأعظمهم هيبة وأقدمهم على الدم وأكثرهم عقوبة ). ولا نعرف عدد ولا أسماء ضحاياه .. هذا الوالى للصلاة الشيطانية .
3 ـ ( ثم ولي‏:‏ موسى بن مصعب بن الربيع من أهل الموصل على الصلاة والخراج من قبل المهدي ، فقدم لسبع خلون من ذي الحجة المذكور ، فرد إبراهيم وأخذ منه وممن عمل له ثلثمائة ألف دينار ، ثم سيره إلى بغداد ، وشدد موسى في استخراج الخراج ، وزاد على كل فدان ضعف ما يقبل به ، وارتشى في الأحكام ، وجعل خرجًا على أهل الأسواق وعلى الدواب .... وكان ظالمًا غاشمًا ..). هنا يصادر شخصا ، ويتشدد فى سلب المصريين بزعم الخراج ، الى درجة مضاعفة الضريبة على الزراعة وفرض ضرائب على الاسواق والبهائم ، مع أخذه الرشوة .
4 ـ ( فولي‏:‏ إسحاق بن سليمان .. من قبل الرشيد على الصلاة والخراج ، مستهل رجب ، فكشف أمر الخراج ، وزاد على المزارعين زيادة أجحفت بهم فخرج عليه أهل الحوف فحاربهم فقتل كثير من أصحابه، فكتب إلى الرشيد بذلك فعقد لهرثمة بن أعين في جيش عظيم وبعث به فنزل الحوف فتلقاه أهله بالطاعة وأذعنوا فقبل منهم واستخرج الخراج كله ، فكان صرف إسحاق في رجب سنة ثمان وسبعين ومائة‏.). اسحاق هذا زاد فى الخراج فأشعل ثورة الأعراب ضده.
5 ـ ( فولي‏:‏ الليث بن الفضل البيوردي من أهل بيورد على الصلاة والخراج وقدم لخمس خلون من شوال ثم خرج إلى الرشيد لسبع بقين من رمضان سنة ثلاث وثمانين ومائة بالمال والهدايا ، واستخلف أخاه الفضل بن علي ، ثم عاد في آخر السنة وخرج ثانيًا بالمال لتسع بقين من رمضان سنة خمس وثمانين واستخلف هاشم بن عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج وقدم لأربع عشرة خلت من المحرم سنة ست وثمانين ، فكان كلما غلق خراج سنة وفرغ من حسابها خرج بالمال إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد ومعه الحساب ، ثم خرج عليه أهل الحوف وساروا إلى الفسطاط فخرج إليهم في أربعة آلاف ليومين بقيا من شعبان سنة ست وثمانين ومائة واستخلف عبد الرحمن بن موسى بن علي بن رباح على الجند والخراج فواقع أهل الحوف وانهزم عنه الجند فبقي في نحو المائتين فحمل بهم وهزم القوم من أرض الجب إلى غيفة وبعث إلى الفسطاط بثمانين رأسًا وقدم فرجع أهل الحوف ومنعوا الخراج فخرج ليث إلى الرشيد وسأله أن يبعث معه بالجيوش فإنه لا يقدر على استخراج الخراج من أهل الأحواف إلا بجيش ، فرفع محفوظ بن سليمان أنه يضمن خراج مصر عن آخره بغير سوط ولا عصا ، فولاه الرشيد الخراج وصرف ليثًا عن الصلاة والخراج ، وبعث أحمد بن إسحاق على الصلاة مع محفوظ . وكانت ولاية ليث أربع سنين وسبعة أشهر‏. ) هذا الوالى على الصلاة ( الليث ) عرف كيف يرضى الرشيد ، فالإله الأعظم لديهم هو المال، لذا حرص على توصيله للرشيد عاما بعام ، ولكن ثار عليه الأعراب فى شرق الدلتا ( الحوف ) ، وكان واضحا أن التطرف فى جمع الأموال يؤدى الى ثورة الأعراب ، وإقترح محفوظ أنه يضمن دفع الخراج وبدون ثورة ، فكان عزل الليث.
6 ـ ( وولي‏:‏ الحسين بن جميل من قبل الرشيد على الصلاة وقدم لعشر خلون من رمضان ، ثم جمع له الخراج مع الصلاة في رجب سنة إحدى وتسعين ، وخرج أهل الحوف وامتنعوا من أداء الخراج ... وسار جيش الرشيد إلى بلبيس في شوال سنة إحدى وتسعين ومائة فأذعن أهل الحوف بالخراج. وصرف ابن جميل لثنتي عشرة خلت من ربيع الآخر سنة اثنتين وتسعين ومائة‏.). كالعادة أدى التطرف فى جمع الخراج الى ثورة الأعراب .
7 ـ ـ ( فولي‏:‏ مالك بن دلهم بن عمير الكلبي على الصلاة والخراج وقدم لسبع بقين من ربيع الآخر ، وفرغ يحيى بن معاذ أمير جيش الرشيد من أمر الحوف ، وقدم الفسطاط لعشر بقين من جمادى الآخرة فكتب إلى أهل الأحواف أن اقدموا حتى أوصي بك مالك بن دلهم فدخل الرؤساء من اليمانية والقيسية فأخذت عليهم الأبواب وقيدوا وسار بهم للنصف من رجب وصرف مالك لأربع خلت من صفر سنة ثلاث وتسعين ومائة‏.). كالعادة أدى التطرف فى جمع الخراج الى ثورة الأعراب .
8 ـ ( فولي العباس بن موسى . من قبل المأمون على الصلاة والخراج ... وتحامل على الرعية وعسفها وتهدد الجميع فثاروا ). كالعادة أدى التطرف فى جمع الخراج الى ثورة الأعراب .
9 ـ ( وأعيد السري بن الحكم ثانيًا من قبل المأمون على الصلاة والخراج فذمت ولايته )
10 ـ ( ثم ولي عيسى بن يزيد الجلودي باستخلاف ابن طاهر على صلاتها إلى سابع عشر ذي القعدة سنة ثلاث عشرة فصرف ابن طاهر وولي الأمير أبو إسحاق بن هارون الرشيد مصر فأقر عيسى على الصلاة فقط وجعل على الخراج‏:‏ صالح بن شيرازاد ، فظلم الناس وزاد عليهم في خراجهم فانتفض أهل أسفل الأرض وعسكروا ، فبعث عيسى بابنه محمد في جيش فحاربوه فانهزم وقتل أصحابه في صفر سنة أربع عشرة‏.). كالعادة أدى التطرف فى جمع الخراج الى ثورة الأعراب .
11 ـ ( فولي عيسى الجلودي ثانيًا لأبي إسحاق على الصلاة فحارب أهل الحوف بمنية مطر ثم انهزم في رجب فأقبل أبو إسحاق إلى مصر في أربعة آلاف من أتراكه فقاتل أهل الحوف في شعبان ودخل إلى مدينة الفسطاط لثمان بقين منه وقتل أكابر الحوف ). كالعادة أدى التطرف فى جمع الخراج الى ثورة الأعراب .
12 ـ ( .. وولي على مصر عبدويه بن جبلة من الأبناء على الصلاة فخرج ناس بالحوف في شعبان فبعث إليهم وحاربهم حتى ظفر بهم ، ثم قدم الإفشين حيدر بن كاوس الصفدي إلى مصر لثلاث خلون من ذي الحجة ومعه علي بن عبد العزيز الجروي لأخذ ماله فلم يدفع إليه شيئًا فقتله ، وصرف وولي عيسى بن منصور بن موسى بن عيسى الرافعي فولي من قبل أبي إسحاق أول سنة ست عشرة على الصلاة ، فانتقضت أسفل الأرض عربها وقبطها في جمادى الأولى ، وأخرجوا العمال لسوء سيرتهم وخلعوا الطاعة ، فقدم الإفشين من برقة للنصف من جمادى الآخرة ثم خرج هو وعيسى في شوال فأوقعا بالقوم وأسرا منهم وقتلا . ومضى الإفشين ورجع عيسى فسار الإفشين إلى الحوف وقتل جماعتهم . وكانت حروب إلى أن قدم أمير المؤمنين عبد الله المأمون لعشر خلون من المحرم سنة سبع عشرة ومائتين ، فسخط على عيسى وحل لواءه فأخذه بلباس البياض ، ونسب الحدث إليه وإلى عماله وسير الجيوش وأوقع بأهل الفساد وسبى القبط وقتل مقاتلتهم ثم رحل لثمان عشرة خلت من صفر بعد تسعة وأربعين يومًا‏.). هنا إشارة الى سبب مجىء الخليفة المأمون بنفسه الى مصر يحارب أهلها من الأعراب والأقباط معا ، وهذا بعد تكرار الثورات الى درجة خلع الطاعة ، وتحالف الأعراب مع الأقباط ضد ظلم ولاة الصلاة الشيطانية العباسية. وسنتعرض لهذا بالتفصيل لاحقا.
13 ـ ( فولي مزاحم بن خاقان . لثلاث خلون من ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين ومائتين على الصلاة من قبل المعتز وخرج إلى الحوف فأوقع بأهله وعاد ثم خرج إلى الجيزة فسار إلى تروجة فأوقع بأهلها وأسر عدة من أهل البلاد وقتل كثيرًا وسار إلى الفيوم فطاش سيفه وكثر إيقاعه بسكان النواحي وعاد‏. ). هنا تكرار الثورات الحروب بسبب الظلم فى فرض الضرائب.
14 ـ ( وولي منهم خمسة أمراء أولهم‏:‏ أحمد بن طولون ولي مصر من قبل المعتز على صلاتها فدخل يوم الخميس لسبع بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين .. وورد كتاب المعتمد يستحثه في حمل الأموال فكتب إليه لست أطيق ذلك والخراج بيد غيري فأنفذ المعتمد نفيسًا الخادم بتقليد أحمد بن طولون الخراج وبولايته على الثغور الشامية فأقر أبا أيوب أحمد بن محمد بن شجاع على الخراج خليفة له عليه..). تخلص أحمد بن طولون والى الصلاة من والى الخراج ( إبن المدبر ) منتهزا فرصة جشع الخليفة المعتز وطلبه المزيد من المال، فجعله المعتز والى الخراج أيضا. وبهذا تهيأ ابن طولون لأن يستقل بمصر ، ونشبت حروب بينه وبين الدولة العباسية .
15 ـ وتولى بعده ابنه خمارويه فاتفق خمارويه مع الخليفة المعتضد على أن يدفع للمعتضد ما طلب من المال مقابل ...يقول المقريزى : ( وقدم من الشام لست خلون من ربيع الأول سنة ثمانين فورد كتاب المعتضد بولاية خمارويه على مصر هو وولده ثلاثين سنة من الفرات إلى برقة وجعل له الصلاة والخراج والقضاء وجميع الأعمال على أن يحمل في كل عام مائتي ألف دينار عما مضى وثلثمائة ألف للمستقبل ..). المال هو إلاههم الأعظم .
16 ـ وتولى المقتدر بن المعتضد . ( ثم ولي‏:‏ هلال بن بدر من قبل المقتدر على الصلاة فدخل لست خلون من ربيع الآخر وخرج مونس لثمان عشرة خلت منه ومعه ابن حمل فشغب الجند على هلال وخرجوا إلى منية الأصبغ ومعهم محمد بن طاهر صاحب الشرط فكثر النهب والقتل والفساد بمصر إلى أن صرف عنها في ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وثلثمائة وخرج في نفر من أصحابه‏.). هنا يذكر المقريزى إضطراب الأحوال وشغب الجنود وكثرة السلب والنهب والقتل والفساد بمصر.
17 ـ ـ ( فولي‏:‏ أحمد بن كيغلغ من قبل المقتدر على الصلاة وقدم ابنه أبو العباس خليفة له أول جمادى الأولى ، ثم قدم ومعه محمد بن الحسين بن عبد الوهاب المادراني على الخراج في رجب فأحضرا الجند ووضعا العطاء وأسقطا كثيرًا من الرجالة وكان ذلك بمنية الأصبغ فثار الرجالة به ففر إلى فاقوس وأدخل المادراني إلى المدينة لثمان خلون من شوال وأقام ابن كيغلغ بفاقوس إلى أن صرف بقدوم رسول تكين في ثالث ذي القعدة‏. ). إستمرار للإضطراب وما يعنيه من فساد.
18 ـ ـ ( فولي‏:‏ تكين المرة الثالثة من قبل المقتدر على الصلاة وخلفه ابن منجور إلى أن قدم يوم عاشوراء سنة اثنتي عشرة وثلثمائة فأسقط كثيرًا من الرجالة وكانوا أهل الشر والنهب ونادى ببراءة الذمة ممن أقام منهم بالفسطاط وصلى الجمعة في دار الإمارة بالعسكر وترك حضور الجمعة في مسجد العسكر والمسجد الجامع العتيق في سنة سبع عشرة ولم يصل قبله أحد من الأمراء في دار الإمارة الجمعة .. ) . يقول المقريزى عن أتباع ولاة الصلاة انهم أهل الشّر والنهب. والناس على دين ملوكهم.
ثانيا : بالمناسبة : لمحة عن هذا الخليفة المقتدر
1 ـ تولى الخلافة طفلا عام 295 هجرية. وهو مولود عام 282 ، وهذا بنفوذ أمه جارية اسمها ( شغب ) وهى الجارية التى سيطرت على الخلافة العباسية. وقد عرضنا لها فى مقال بحثى منشور فى باب دراسات تاريخية.
2 ـ عن الخليقة المقتدر يقول ابن الجوزى فى تاريخه ( المنتظم ) : (ولما أراد الجلوس للبيعة صلى أربع ركعات وما زال يرفع صوته بالدعاء والاستخارة ، فبويع ولقب المقتدر بالله وهو ابن ثلاث عشرة سنة وشهر واحد وعشرين يومًا ولم يكن ولي الخلافة قبله أحد أصغر منه ‏. ) لاحظ صلاته الشيطانية.
3 ـ وعن أمواله وممتلكاته الخاصة يقول ابن الجوزى : ( .. وكان في بيت مال الخاصة خمسة عشر ألف ألف دينار وفي بيت مال العامة ستمائة ألف دينار ومن غير ذلك ما يتمم عشرين ألف ألف دينار ومن الفرش والآلة والجوهر ما يزيد قيمته على الكل .. ).
4 ـ وإنفرد هذا الخليفة الصبى بصفة فريدة هى الاستهتار بالمال الذى يجمعه ولاة الصلاة الشيطانية بالقتل والعسف . إذ بعثر الكنوز التى آلت للخلفاء العباسيين ممّن سبقهم . الأمويون آلت اليهم جواهر الأكاسرة وغيرهم ، ثم ورثها العباسيون ، وظل الخلفاء العباسيون يزيدون رصيدهم من الجواهر بإعتبارها ( عُدة الخلافة ) ، يشترون الجواهر من المال السُّحت الذى يجمعه ولاة الصلاة الشيطانية . تولى المقتدر فصار يوزع الجواهر على أتباعه مما أثار رءوس ( الدولة العميقة ) العباسية. يقول ابن الجوزى : ( كان جواهر الأكاسر وغيرهم من الملوك قد صارت إلى بني أمية ، ثم صارت إلى السفاح ثم إلى المنصور واشترى المهدي الفص المعروف بالجبل بثلثمائة ألف دينار ، واشترى الرشيد جوهره بألف ألف دينار ، ولم يزل الخلفاء يحفظون ذلك إلى أن آلت الخلافة إلى المقتدر ، وهناك ما لم ير مثله ، وفيه الدرة اليتيمة زنتها ثلاثة مثاقيل ، فبسط فيه المقتدر يده ، ووهب بعضه لصافي الحرمي ، ووجه منه إلى وزيره العباس فرده ، وقال‏:‏ " هذا الجوهر عدة الخلافة ولا يصلح أن يفرق . " وكانت زيدان القهرمانة متمكنة من الجوهر فأخذت سبحة لم ير مثلها ، وكان يضرب بها المثل فيقال‏:‏ سبحة زيدان ، فلما وزر علي بن عيسى قال للمقتدر‏:‏ " ما فعلت سبحة جوهر قيمتها ثلاثون ألف دينار أخذت من ابن الجصاص ؟ " فقال‏:‏ " في الخزانة " . فقال‏:‏ " تُطلب" . فطُلبت ، فلم توجد ، فأخرجه من كمه وقال‏:‏ " إذا كانت خزانة الجوهر لا تحفظ فما الذي يحفظ ؟ " وقال‏:‏ " عُرضت علي فاشتريتها. " فاشتد ذلك على المقتدر ، ثم امتدت يد الخزانة في أيام القاهر والراضي إلى خزائن الجوهر فلم يبق منه شيء ‏.‏).
أخيرا : الأكاسرة والقياصرة والخلفاء الفاسقون وأعوانهم من ولاة الصلاة جمعوا الأموال وإكتنزوها ثم ماتوا وتركوها. وسيأتون يوم القيامة يحملون أوزارهم على ظهورهم ، منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وكل المستبدين .

من إجرام ولاة الصلاة الشيطانية فى مصر العباسية ( 2 )
أولاً:
من بداية الخلافة العباسية إلى سنة 235 هجرية فى خلافة المتوكل على الله العباسى:
فى هذه الفترة واصل الأقباط ثوراتهم على ظلم الولاة العباسيين، وكان الاضطهاد فى أغلبه رسمياً من السلطة الحاكمة التى تريد اعتصار الضرائب بالقسوة، والعنف فلا يجد الأقباط المسالمون طريقة إلا الثورة التى تنتهى بالهزيمة والمذابح.. ونعطى أمثلة سريعة:
1 ـــ فى سنة 150 هجرية ثار الأقباط فى سخا وطردوا ولاة الضرائب فأرسل لهم العباسيون جيشاً يقوده يزيد بن حاتم، وهاجم الأقباط الجيش ليلاً وقتلوا بعض أفراده وهزموا بعض فصائله، إلا أن الإمدادات العباسية تلاحقت وحاصرت الأقباط وهزمتهم، وامتد الانتقام إلى حرق الكنائس. واضطر الأقباط إلى دفع غرامة قدرها خمسون ألف دينار للوالى العباسى سليمان بن على كى يكف عن حرق الكنائس إلا أنه أبى..يقول المقريزى : (,, فاشتد البلاء على النصارى واحتاجوا إلى أكل الجيف وهُدمت الكنائس المحدثة بمصر فهدمت كنيسة مريم المجاورة لأبي شنودة بمصر وهدمت كنائس محارس قسطنطين فبذل النصارى لسليمان بن علي أمير مصر في تركها خمسين ألف دينار فأبى . )
2 ــ وتولى بعده الوالى موسى بن عيسى العباسى فاستمع إلى نصيحة الأئمة المستنيرين من الفقهاء المشهورين بمصر مثل الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة، وقد أفتوا له بأن بناء الكنائس من عمارة البلد، فأذن الوالى بإعادة بناء الكنائس،..يقول المقريزى : ( فلما ولي بعده موسى بن عيسى أذن لهم في بنائها فبنيت كلها بمشورة الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة قاضي مصر واحتجا بأنّ بناءها من عمارة البلاد.)
3 ــ ولكن ظلت المظالم على حالها. فى سنة 156 هجرية عاد الأقباط للثورة فى بلهيت، فأرسل لهم الوالى موسى بن على جيشاً فهزمهم. يقول المقريزى : (خرج القبط ببلهيت سنة ست وخمسين فبعث إليهم موسى بن عليّ أمير مصر وهزمهم . )
4 ـ وفى الفتنة بين الأمين والمأمون يقول المقريزى : ( .. كانت الفتنة بين الأمين والمأمون فانتُهبت النصارى بالإسكندرية ، وأحرقت لهم مواضع عديدة ، وأحرقت ديارات وادي هبيب ونهبت فلم يبق بها من رهبانها إلاّ نفر قليل‏.‏ )
5 ـ وجاء المأمون لزيارة مصر وأنّب ولاة الصلاة واعتبرهم سبب المظالم والثورات، ومع ذلك كان المأمون أكثر ظلما إذ حارب الثوار من العرب والمصريين الأقباط ، وأنزل عقوبة القتل والسبى بحق الأقباط الثائرين ونسائهم وذريتهم، يقول المقريزى : ( وفي أيامه انتقض القبط في سنة ست عشرة ومائتين فأوقع بهم الإفشين حتى نزلوا على حكم أمير المؤمنين عبد اللّه المأمون فحكم فيهم بقتل الرجال وبيع النساء والذرية فبيعوا وسبى أكثره ). وسنتعرض لهذا فى المقال القادم. لكن يهمنا هنا موضوع الصلاة والتكبير ، إذ صدر أمر الخليفة المأمون لجنوده فى هذا العام 216 بالتكبير فى الصلاة ثلاث تكبيرات ، يذكر ابن الأثير : ( وفيها كتب المأمون إلى أسحاق بن إبراهيم يأمره بأخذ الجند بالتكبير إذا صلوأ، فبدأ بذلك منتصف رمضان، فقاموا قياما ، وكبروا ثلاثأ، ثم فعلوا ذلك في كل صلاة مكتوبة.) . هى صلاتهم الشيطانية .!
6 ــ وكانت ثورة 216 هجرية هى آخر ثورات الأقباط الحربية، وبعدها اتبعوا طريق المقاومة السرية، ونحن ننقل معاناة الأقباط عن المقريزى وهو الذى لا يخفى تعصبه ضد النصارى، يقول فى التعليق على ثورة 216 هجرية وآثارها : ( ومن حينئذ ذلت القبط فى جميع أرض مصر ولم يقدر أحد منهم على الخروج على السلطان، وغلبهم المسلمون على عامة القرى، فرجعوا من المحاربة إلى المكيدة واستعمال المكر والحيلة ومكايدة المسلمين..)
ثانياً: فى عصر الخليفة المتوكل
1 ـ شهد عصر الخليفة المتوكل ظاهرة جديدة هى انتصار الفكر الحنبلى المتشدد وهزيمة الفكر المعتزلى العقلانى، وقد استمال الحنابلة ورواة الأحاديث الخليفة المتوكل إليهم، فجعل ( السُّنّة ) الدين الرسمى ، وارسل دعاتها الى الآفاق ، وبتأثيرهم دخلت الدولة العباسية فى اضطهاد مخالفيها فى المذهب والدين، فحوكم شيوخ التصوف وطورد الشيعة وهدم ضريح الحسين فى كربلاء، وصدرت قرارات لاضطهاد اليهود والنصارى، وانتشرت الروايات والفتاوى التى تضع الإطار التشريعى لتلك الممارسات، ومنها الحديث المشهور "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده..." ذلك الحديث الزائف الذى أثبتنا كذبه فى مقالة بجريدة الأحرار من حوالى ربع قرن ، والذى يعتبر الدستور العملى للتطرف حتى الآن..
2 ـ ترتب على هذا أن :
2 / 1 : اصبح إضطهاد الأقباط والمخالفين فى الدين والمذهب دينا أرضيا وفريضة تدعو اليها الأحاديث والفتاوى .
2 / 2 : انتقل الاضطهاد للأقباط من دائرة الحكم والسياسة إلى الشارع والعوام، وساعدت الروايات والفتاوى وجهود الفقهاء والقصاصين وأهل الحديث فى شحن الأفراد العاديين بالكراهية ضد مخالفيهم فى المذهب سواء كانوا صوفية أو شيعة أو كانوا مخالفين لهم فى الدين أى من اليهود أو من النصارى.. وبالتالى تحول الاضطهاد الرسمى العنصرى للأقباط إلى اضطهاد دينى يشارك فيه المصرى المسلم ضد أخيه المصرى القبطى..
3 ـ وبمرور الزمن تعاظم تأثير تلك الروايات والفتاوى وأصبحت ركائز دينية تفرق بين أبناء الشعب الواحد وتباعد بينهم وبين الدين الحق الذى نزل على خاتم الأنبياء عليهم السلام. والمؤسف أن المسلم اليوم - إذا أراد أن يتدين - يجد أمامه كتابات اولئك الأئمة فيما يعرف الآن بكتب الفقه والسنن وقد احتوت على تلك الروايات والفتاوى فيأخذها عنهم كأنها الدين الحق ويصدق نسبتها الكاذبة للنبى محمد ، مع انها – أى تلك الأحاديث – قد كتبوها ونسبوها للنبى بعد موته بأكثر من قرنين من الزمان عبر اسناد شفهى مضحك. الا أن المسلم اليوم يصدق هذه الأحاديث المفتراة ويعتقد أن النبى محمدا عليه السلام قد قالها فعلا ، وعلى أساسها يعتقد أن كراهية المخالفين فى المذهب والاعتقاد من معالم الدين حتى لو كانوا من المسالمين الصابرين. والدليل على ذلك ما نراه فى عصرنا الراهن من اضطهاد للأقباط مع علو لنفوذ التيار الحنبلى السلفى والذى استعادته الدولة السعودية عبر مذهبها الوهابى وأصبح من علاماته التطرف والتعصب والانغلاق واضطهاد المخالفين والحكم بتكفيرهم وما يترتب على التكفير من سفك للدماء واستحلال للأموال..
أعاد ذلك لعصرنا الراهن ما ساد فى عصر الخليفة المتوكل العباسى من سطوة الفقهاء المتزمتين الذين سموا أنفسهم بأهل السنة واستمرت سطوتهم فى عصر من جاء بعده من الخلفاء حتى أصبحت سياسة متبعة . ثم اعاد ا





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,321,245,809
- أهل الذكر هم أهل العلم والايمان وهم أولو الألباب
- القاموس القرآنى : دُبُر ، دبّر تدبر، أدبار إدبار
- الانس والجن فى لمحة قرآنية
- النبى هارون عليه السلام فى لمحة قرآنية
- هناك أرض للجنة وليس للجحيم أرض
- إفتراءات القُصّاص على موسى عليه السلام : ( فَبَرَّأَهُ اللَّ ...
- هل هناك قنوت ( دعاء ) فى صلاة الفجر ؟
- النفخ فى الصور
- خاتمة كتاب ( الصلاة )
- التواتر الشيطانى فى تشريع صلاة الجنازة : هجص ( موطأ مالك ) ن ...
- التواتر الشيطانى فى إختراع صلاة العيدين : أولا : مالك بن أنس ...
- التواتر الشيطانى فى قصر الصلاة وجمعها
- تعقيبات وردود على مقال (كافر بالله جل وعلا من يقول التحيات ا ...
- كافر بالله جل وعلا من يقول التحيات الشيطانية فى صلاته
- التواتر الشيطانى فى تبديل التشهد بالتحيات (3 )
- التواتر الشيطانى فى تبديل التشهد بالتحيات (2 )
- التواتر الشيطانى فى تبديل التشهد بالتحيات (1 )
- مالك بن أنس ( 93 : 179 ) رائد التواتر الشيطانى فى تشريع الصل ...
- تحريف التواتر فى الصلاة بين الفقه والحديث : ( مقدمة )
- التواتر الشيطانى فى : إبتداع صلاة السنن بديلا عن النوافل


المزيد.....




- كنيسة? ?في? ?سوريا? ?شكّلت? ?مصدر? ?إلهام? ?لكاتدرائية? ?نوت ...
- بعد 50 عاما.. الملك محمد السادس يوعز بإجراء انتخابات للهيئا ...
- الصدر يصف السيسي بـ-المتسلط-.. ويهاجم الوهابيين والسلفيين ال ...
- بالصور... قداس -الجمعة العظيمة- في الفاتيكان يسلط الضوء على ...
- باحثون: كنيسة في سوريا شكلت مصدر إلهام لكاتدرائية نوتردام
- شاهد: محاكاة لصلب المسيح في احتفالات الجمعة العظيمة بالفلبين ...
- در الإفتاء غاضبة لإهانة “راسموس بالودان” للمصحف الشريف
- شاهد: محاكاة لصلب المسيح في احتفالات الجمعة العظيمة بالفلبين ...
- طردوه من المسجد وهشموا سيارته... مصلون يهاجمون مساعد البشير ...
- منفذو الهجمات المسلمون يوصمون بـ -الإرهاب- في الإعلام ثلاث م ...


المزيد.....

- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد صبحى منصور - بين الصلاة القرآنية للمسلمين والصلاة الشيطانية للمحمديين : الكتاب كاملا