أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد سلمان - المؤثرات الرئيسة في تشكيل أسلوب الكتابة عند كامو .















المزيد.....



المؤثرات الرئيسة في تشكيل أسلوب الكتابة عند كامو .


سعد سلمان

الحوار المتمدن-العدد: 5998 - 2018 / 9 / 18 - 05:18
المحور: الادب والفن
    


تعد مقالات كامو الاولى البداية الاساسية والمدخل الرئيسي لمشروع الكتابة الادبية عنده ، وقد تأثر كامو في هذا المجال بأستاذه ( جان جرينيه) الذي كانت المقالة وسيلته المفضلة في الكتابة والذي كان له أثر واضح ومباشر في تفكير كامو منذ أن قرأ له كتاب ( الجزر) وهو مجموعة من المقالا ت تصف قيم الحياة والسعادة وتتحدث عن البحر المتوسط ومغزاه واهميته ويقول كامو في هذا الصدد " في الوقت الذي اكتشفت فيه كتاب " الجزر" أعتقدت أنني أريد أن اكتب ، ولكنني لم أقرر الكتابة فعلا إلا بعد نهاية قراءة هذه المقالات" . فكامو يقر بأن هنالك شيئاً دفيناً وملكةً كانت كامنةً في داخله استطاع جرينيه عبر كتابه هذا أن يحركها وان يمهد لتفجيرها ، فله يعود الفضل في أندفاع كامو للتعبير عن دواخله ونقله لتأملاته وأفكاره وتجاربه جميعاً حتى أنه يقول " أنشأ جرينيه في ملكة للتأمل الفلسفي" وبالفعل فان كامو عبر تلك التاملات استطاع أن يتبين تناقضات الوجود وأن يقف فيه على جانب الخير والشر ، الظلمة والنور ،جانب الحياة والموت من خلال مجموعة مقالاته الاولى المعنونة ( الوجه والقفا) وعلى الرغم من أن هذه المقالات قد تشابهت في بعض نواحيها مع كتاب (الجزر) لجرينيه إلا أن هذا الامر لايعد تقليداً من قبل كامو لأسلوب أستاذه ، فقد كتب جرينيه عن تجربة الموت وعرضية السعادة والمتعة في الحياة وهو يقف منها موقفاً فكرياً ، أي أنها لم تكن لديه تجربة واقعية بقدر ما كانت تجربة ذهنية ، أما كامو فأنه عاش التجربة وحيا رعشتها وأنياتها ، لهذا كان أسلوبه خاصاً ومختلفاً عن اسلوب استاذه . وفضلاً عن جرينيه نجد أثر جيد ومونترلان وبروست وشاتو بريان ومارلو وسان اكزوبري واضحاً ايضاً في كتابات كامو الاولى كتب كامو كتابه الثاني (اعراس) متأثراً باسلوب ( أندريه جيد) في ( الاغذية الارضية ) إلا أنه كان مختلفاً عنه جذرياً ، فـ ( جيد ) ملاحق خلال كتابه بروح إلهية أو دينية تجعله يحاول أبداً نسيان الخطيئة الاولى ، بينما كامو وهو الذي لايبدو عليه أي مظهر للتاثر بالمسيحية يبتعد عن صوفية جيد العميقة0 لقد نقل كامو محاولاته الاولى تلك عبر مقالات كتبها في مراحل متعاقبة وان أشتملت جميعها على الموضوعات نفسها تقريباً وأتخذت الطابع والاسلوب نفسه ،فما نجده في الوجه والقفا نجده ايضاً في أعراس وفي الصيف كذلك ، فجميع هذه المقالات قد اتخذت من الانسانية ومن الطبيعة ومن افكار كالموت والسعادة والجمال وحب الحياة الخ أساساً بنائياً لها ، فأعمال كامو جميعها تنبع من أنسانية بسيطة صادقة ، فهي دفاع جريء عن الطبيعة الانسانية وعن حق البشر في السعادة 0 وقد سئل كامو في لقاء صحفي له عن " الكلمات العشر المحببة لديه " التي تعبر عن مجمل إنتاجه الادبي فقال إنها " العالم ، المعاناة ، الارض ، الأم ، البشر ، الصحراء ، الشرف ، البؤس ، الصيف ، البحر " وبالفعل فأن هذه الكلمات هي المفاتيح في مقالاته الاولى ، وقد كانت تلك الكلمات مشحونة كلها بعاطفة مبهمة ، ولئن يصعب تحديد قيمتها في عالم كامو ، فأن عالمه كان يتألف منها، وعنها دون غيرها كان يريد أن يتحدث 0 لقد تداخلت تلك الكلمات في مجمل أعمال كامو الادبية ولاسيما في مقالاته التي لم تخل واحدةِ منها قط من ذكر جميع تلك الكلمات أو بعضها حتى وإن أختلفت في أسلوبها وصياغتها وتعبيراتها ، حتى كانت لدى كامو بمثابة الادوات التي لايمكنه الاستغناء عنها0 كذلك نستطيع أن نلمس من خلال تلك المقالات أمراً بغاية الاهمية ، وهو تأثر كامو المباشر ببيئته وبالحضارة الاغريقية القديمة، فكامو ابن بيئته كما أنه الوريث الحريص على الثقافة اليونانية والتراث اليوناني ، والدليل على ذلك هو أننا نقف في الكثير من أفكاره على طابع واضح مميز هو طابع الاصل الذي يرجع الى أقليم البحر المتوسط ، فهو يعبر في الكثير من مؤلفاته عن موقف من الحياة يرتبط في الذهن ببلاد مثل شمال أفريقيا ( الجزائر) واليونان وايطاليا بما تمتعت به من حضارة مشرقة قبل العصر المسيحي وأهتمام باللذات الحسية والشهوات المادية ، فهو كما يقول " أقرب الى قيم العالم القديم منه ألى القيم المسيحية" 0 وما نفهمه من موقف كامو هذا هو تمسكه الدائم بالطبيعة والحياة ، ومحاولته الدؤوبة لايجاد حلِ لمتناقضاتها ، فهو يعلن بأستمرار عن أن حبه للحياة لايدانيه حب على الرغم من أن الموت يتربص له في نهاية الطريق ، يقول كامو " أفهم أن كل رعبي من الموت يكمن في غيرتي على الحياة ، أنني غيور ممن سيعيشون ، وممن سيكون للازهار والشهوات معنى من لحم ودم بالنسبة لهم ، أنني حسود لأنني احب الحياة حباً جماً لا استطيع معه الا أن اكون أنانياً" ولهذا فهو يؤاخذ من لايفرح بالحياة فيرفضها أو يتنازل عنها كما أنه يؤاخذ من لاينتشي بالطبيعة ويمتلئ من ملذاتها ، لان فيها تكمن السعادة في نظره ، فطالما أنه " ليس عار على الانسان أن يكون سعيداً " فان كامو يعد " أحمق كل من يتخلف عن المتعة" 0 أذن ، ليس خافياً – بعدما تقدم – ذلك الحضور الواضح والتأثير المباشر للحضارة والتراث اليونانيين في عقل كامو وروحه لأن اليونان في نظره " هي العقل والشعور معاً" وقد يتضح تأثر كامو هذا من تمجيده للطبيعة والجسد والنور أو من خلال موقفه من علاقة التضاد بين " الجزع من الموت " و " الغيرة على الحياة" تلك الثنائية الصارخة التي كان اليونان على وعي تامِ بها محاولين – مثلما حاول كامو ايضاً – إيجاد طرائق من التفكير تعمل على التقليل من التقابل العنيف بين الضدين 0 ولشدة اعجاب كامو وتأثره بالفكر اليوناني ،فأنه كتب واصفاً ذلك الفكر ومبيناً عظمته عن كل ما عداه بقوله " ما كان الفكر اليوناني ليتحدد ضمن حدود نهائية ولهذا فهو لم يتطرف في أي شيء تطرفاً قوياً لا بالنسبة لما كان يقدس ، ولا بالنسبة لما هو عقلي ، وذلك لأنه لم ينكر هذا ولا ذاك لقد عني عناية تامة بكل شيء ، وأقام توازناً ما بين الظلمة وبين النور" 0 وقد كان هذا التوازن بين الجانبين محط أعجاب كامو الحقيقي ، الذي اليه يرجع الفضل في ادخال عنصر التلوين المستمر على المقالات الاولى التي كتبها وذلك في بحثه عن موقف وسط بين الرغبة في الحياة والفزع من الموت ، بين الانتشاء الحسي وصرامة العقل ، بين النزعة الغنائية ونزعة التشكك 0 لقد كانت افكار كامو في محاولاته الاولى هذه أفكاراً غير واضحة بصورة كافية أي أنها لم تختط لنفسها خط سير مباشر ، فأمتزجت بالأسلوب الغنائي الشعري الذي بدا طاغياً عليها فأبعدها عن الآسلوب الفلسفي والفكري المجرد على الرغم من أنها لم تخل منه تماماً ، إذ إن العديد من هذه المقالات قد تضمنت او احتوت افكاراً كالعبث والتمرد ظهرت بصورة أو بأخرى عبر سطورها فكانت بمثابة الآسس أو المقدمات الاولى التي بنيت عليها دراسات كامو الفلسفية والفكرية فيما بعد 0 وما دمنا بصدد الحديث عن التدرج الحاصل في أفكار كامو ، فأننا نذهب مع رأيه القائل بأنه " قد تبدو مؤلفات بعض الكتاب وكأنها تشكل كلاً متماسكاً بحيث يستضيء كل مؤلف بالمؤلفات الاخرى ، وحيث كل واحد يرى من خلال غيره من المؤلفات " لأن رايه هذا ينطبق عليه 0 فحتى ولو كانت مؤلفاته اللاحقة اكثر نضجاً ورصانة من مؤلفاته الاولى ، إلا أن هذا لايمنع من وجود أواصر قربى أو خيوط رئيسة تشد تلك المؤلفات الى بعضها 0 فأذا كانت مؤلفاته الفكرية اللا حقة ( أسطورة سيزيف والانسان المتمرد ) قد أستلهمت بعضاً من خطوطها الرئيسة من مؤلفاته الاولى فاننا نجد بالمقابل أنعكاساً لتلك المؤلفات الفكرية عبر الاعمال الادبية ، مثلما سنجد لاحقاً في مجال الرواية والقصة والمسرحية0 وهكذا فأننا نقف على وشائج واضحة تربط بين غالبية أعمال البير كامو التي تجمع في معظمها بين الفلسفة والادب ، حتى يكون الفصل بينها أمراً صعباً0 وطالما أننا في مجال الحديث عن فن المقالة ، فلا بد لنا من توضيح نقطة مهمة وهي سبب لجوء كامو لهذا الضرب من التعبير وأعتماده اسلوباً في الكتابة مع بداية حياته الادبية 0 وربما يكون السبب في ذلك هو أن المقال كان خير واسطة للتعبير عن أراء كامو وتأملاته لأنه قد هيأ له أن يتحدث بلسان المتكلم ، وان يتحدث بصورة مباشرة عما يريده عن طريق اسلوب اختاره كامو لنفسه وهو اسلوب الحوار بينه وبين النفس والارض والعصر الذي عاشه 0 ولو أستطعنا أن نضيف الى ذلك شيئاً فأنه سيكون عمل كامو الصحفي الذي أتاح له فرصة المران وإجادة مثل هذا النوع من الكتابة من ناحية ، أو لكون المقال اكثر سهولة من الانواع الادبية الاخرى التي قد تحتاج الى حبكة درامية وانتقالات مدروسة في الافكار والاحداث يصعب فيها الاسهاب والاسترسال في الوصف أو اطلاق الكلام بصورة مباشرة كيفما أتفق0 لذلك فأن كامو قد أعتمد المقالة اسلوباً كتابياً في بداياته ولم يتخل عنه حتى بعد كتاباته القصصية والروائية ، إلا أنه طور مقالاته فيما بعد حتى أصبحت وفقاً لذلك اكثر نضجاً ورصانة عن سابقها0 وقد جمع كامو مقالاته تلك التي تغنت بالحياة والطبيعة ووصفت الموت والظلام وشباب الانسان وكهولته في ثلاثة كتب أساسية هي( الوجه والقفا ) و(أعراس ) و ( الصيف ) ، وقد كتب كامو كتبه هذه مستقياً مادتها من تجاربه الشخصية والكتب برمتها هي مقتطفات من حياته في الصبا والشباب 0 ولهذا فأن ماجاء فيها من أفكار تكاد تخلو من أي معالجة حقيقية ، إذ إنها مجرد نقل أو سرد لأحداث وتجارب فردية ليس ألا 0 عدا ما تتميز به من أسلوب بلاغي وغنائي وجمالية في نقل تلك الاحداث وصياغتها0 حتى أن كامو نفسه يعترف في مقدمة كتاب ( الوجه والقفا) بين كامو في مقدمة كتابه هذا الاسباب التي كانت وراء رفضه لأعادة طبعه على الرغم من أنه طولب مرات عدة بذلك وعلى الرغم من محدودية نسخ الكتاب وقلتها ، وذلك لأنه لم يكن ينظر بعين الرضا لمحاولته الاولى تلك كونها قد حملت الكثير من الاخطاء سواء من ناحية الشكل أو الفكرة0 بأنه غير راضِ عن عمله الاول هذا تمام الرضا لأن " بناءه كان ضعيفاً شكلاً " كما إن " أبن اثنتين وعشرين عاماً لايحسن الكتابة ، بأستثناء العبقري " وقد يكون كامو محقاً في هذه الناحية لكون مؤلفه الاول هذا لم يكن بمستوى مؤلفاته اللاحقة التي كانت اكثر وعياً وعمقاً من حيث الشكل والمعنى0 وعلى أي حال فأن تلك المقالات قد اكدت لنا أموراً كثيرة ربما يكون على رأسها تناقضات الحياة والموت ، والدعوة الملحة للسعادة ، وحب الحياة والطبيعة ، تلك الطبيعة التي كانت لدى كامو الملاذ الذي يجد فيه القلب أنسجامه ويتعرف المرء فيه على الجانب الحقيقي للنفس ، فالشمس والبحر وحسية الرفقاء الشباب الصافية كانت في نظره دعوة ملحة الى السعادة ، فكل ما يحوطه كان يمجد الحياة المادية على أنها الحقيقة الوحيدة ، كما يعلن قصر أمدها في الوقت نفسه 0 لقد أحب كامو الحياة وتشبث بها وطالب بالسعادة التي كانت هاجسه الدائم على الرغم من وعيه بالنهاية التي لامفر منها ، لذا فأنه كان يردد على الدوام " لنكن سعداء مع رفاقنا ، متفاهمين مع العالم ، ونتكسب سعادتنا بأتباعنا طريقاً يفضي على الرغم من ذلك – الى الموت" 0 وحتى بعد أن أصبح لكامو حظوة في مجال الفكر والادب ، فأنه ظل وفياً ولم ينس الاغريق والطبيعة وجرينيه الذي بقي كامو مديناً له بحبه للحياة فهو الذي علمه "أن الحياة ياس ولكننا مع ذلك يجب أن نتمسك بها وأن لانهرب منها" 0
المحاولات الاولى
1-وجها الحياة ( الوجه والقفا) .
يعد كتاب كامو ( الوجه والقفا ) أولى محاولات كامو في التأليف ، وقد كتبت المقالات التي ضمها هذا الكتاب بين سنتي 1935 –1936 ثم نشرت بعد عام تقريباً أي في عام 1937 0 وقد جاءت بعض مفهومات الكتاب بصورة عشوائية ، فكامو في محاولته الاولى هذه لم يحدد له خط سير معين ، لذا فأن ما جاء فيه كان أشبه بمجرد نقل وسرد لاحداث خاصة مر بها كاتبنا ، أو هو أقرب الى كتب المذكرات والسير الذاتية مع ما تضمنته من تأملات عامة في الحياة والوجود الانساني 0 إلا أن تلك المقالات تبقى على الرغم من هناتها وبساطتها " تحمل من الحب الحقيقي اكثر من كل ما تلاها" فهي على الاقل قد أتاحت لكامو أن يتعرف على معنى الحياة ومعنى السعادة ومعنى الحب ، أو مثلما يؤكد " أنني لا أعلم عن الحياة نفسها اكثر مما قيل ببساطة في الوجه والقفا" 0 وعلى الرغم من التقدم الذي حققه كامو بعد تلك المقالات فهو يقر على الرغم مما فيها من أخطاء ، بأنها جذوره الاولى التي ليس له غنى عنها فهو يقول " أخطائي وجهلي وأمانتي أعادتني دائماً الى الطريق القديم الذي بدأت بفتحه في الوجه والقفا وظهرت أثاره في كل ما كتبت بعدئذِ وأني لأسير عليه دائماً في بعض صباحِ جزائري بنفس السكر الخفيف" 0 ويتكون كتاب كامو هذا من خمس مقالات تشكل مسألة الحياة والموت فكرتها الاساسية مع ما تتضمنه من مسائل أخرى كالحب والسعادة والكهولة والشباب ووصفاً لبعض رحلات كامو ، وتقوم تلك المقالات على مبدأ عقد المقارنة بين الشيء ونقيضه فكامو مثلاً يتكلم عن الحياة بأزاء الموت وعن الكهولة بأزاء الشباب وعن الاستقرار أزاء الترحال000الخ ، وحتى عنوان الكتاب نفسه يوحي بالاشارة الى الجانب السليم والجانب غير السليم في أي أمر من الامور ، وهذه الصورة تؤكد الصلة الوثيقة بين ناحيتي التجربة التي عاشها كامو سواء من خلال عرضه للثنائية القائمة بين الفيض الغزير من الشمس والبحر مقابل عقم الانسان وفقره ، أو للثنائية القائمة بين الاستغراق الممتع في ملذات الحس مقابل الموت الذي يبدو اكثر أيحاءً بالرعب والمأساة 0 ونستطيع القول إن مثل هذه الثنائية التي يذكرها كامو في كتابه البكر هذا تولد الاحساس بعبث الحياة ولا معقوليتها ، وربما يكون هذا الاحساس قد تطور فيما بعد الى فلسفة العبث التي ترأست تفكير كامو بمجمله00 وكانت لها الاولوية وبوقوفنا على هذا الامر نستطيع أن نؤكد ماذكرناه سابقاً من أن هناك ومضات فكرية تضمنها الكتاب وأضحت فيما بعد أفكاراً متكاملة أسست الجانب الفكري عند كامو0 وكما عهدنا كامو دائماً في سعيه الى الحفاظ على التوتر القائم بين ضدين فأنه في ( الوجه والقفا ) يبتدئ خط السير هذا حين يقول " أنني أتمسك بالعالم بكل تعبير لدي ، وبالبشر بكل رحمتي وعرفاني بالجميل 0 وأنا لا أريد أن أنتقي بين وجه العالم وقفاه ، بل ولا أحب أن أنتقي" ومن وجهة نظر كامو فأن أحسن موقف تجاه الناحيتين هو استمرار الوعي بالتناقض بين جمال العالم وعذابات الانسان ، فلا يسمح الانسان لنفسه بأن يغرق في هذا أو ذاك ، بل ينمي التوتر الذي يحدثه فيه الصراع بينهما 0
وأولى مقالات الكتاب مقال بعنوان ( السخرية ) وهو عبارة عن عرض للتناقض بين الشباب والكهولة ، كما إنه يجسد هذا التناقض في بعض الملاحظات المتعاقبة عن الدين والعزلة الانسانية ، وحقيقة الموت 0 من خلال مايشبه السرد القصصي لاحداث تمر بها امرأة عجوز تعاني المرض والوحدة "فهي دائماً صامتة ليس لها من أمل في هذا العالم سوى انتظار موتها ، لهذا فهي تتجه صوب أمل في عالم أخر فتوجه أمرها الى الله لانه العالم الذي وضعت فيه كل أملها ، ويرى كامو أن تمسكها بالدين لم يكن أبداً بدافع الحب وانما بدافع من الخوف، فبعد أن تركها الجميع وأسلموها بكليتها الى فكرة الموت ، لم يعد أمامها سوى التشبث بالصلاة لأنها اصبحت ملاذها الوحيد في شيخوختها وانتظار موتها ، فلو أنها كانت قادرة على التمتع بالحياة مثلما كانت في السابق ،لما لجأت الى الدين ولكنها فعلت ذلك عندما دنت نهايتها" 0 تظهر لنا في هذا المقال من دون أدنى شك – نزعة كامو الالحادية ، وعدم ايمانه المطلق بالله ، كما تظهر لنا ايضاً ذاتيته وخطأه في إصدار الاحكام وتعميمها ، فليس الامر هكذا دائما وإلا خلا العالم من مسحة الايمان وبدأ عالماً ملحداً بأكمله ، فكامو يلغي أي فكرة للدين ، كما أنه يلغي الانسان المتدين من خارطة تفكيره حين يجعل الدين مرتبطاً بشيخوخة الانسان ويجعله رهبةً لا رغبة ، وهذا أحد المأخذ على كامو وأحد متناقضات فكره الذي ينشد الاتزان والا عتدال0 أما الجزء الثاني من المقال نفسه فيتحدث عن الموضوع عينه ولكن عبر شخصية اخرى هي شخصية رجل مسن يحاول أن يجلب إنتباه السامعين بسرده لمغامرات حياته الماضية ، فيلجأ الى المبالغة والتهويل وكأن كل شي قد كان حسناً في زمانه ، لكنه يصبح وحيداً ايضاً على الرغم من جهوده واكاذيبه في أن يجعل روايته جذابة ، حينما ينفض الجالسون من حوله ولا يعود يصغي اليه أحد ، وبهذا فهو يعاني الصمت والوحدة نفسهما عندما يراوده الاحساس بكونه شيخاً لانفع له حينما يكون قريباً من الموت ، لقد كان بحاجة لان يصغوا اليه كي يؤمن بأنه حي ، ولكنه بقي وحيداً أمام الحياة ، محطماً عارياً ، بل ميتاً 0 ويدور الجزء الاخير من المقال على الموضوع نفسه أيضاً من خلال حالة أخرى وشكل مختلف تمثله جدة وابنها وابنتها وحفيداها الذين كانوا يعيشون معاً 0 وقد كانت الجدة تسيطر على عالمهم وتتحكم به على الرغم من بلوغها الخامسة والسبعين فليس هناك دور لأحد سواها ، كما إنها تتسم بالقسوة والتسلط والشكوى الدائمة والتذمر من كل شيء ، وهي لهذا لم تترك أي انطباع طيب في قلب حفيديها ذهبنا الى أن (الوجه والقفا ) قائم على التجربة الذاتية لكامو وربما يكون في هذا الجزء أشارة الى جدته التي كان ألبير واخوه لوسيان يكرهانها لصرامتها وزجرها لأمهم وقسوتها عليهم لقد كانت تربيهم – مثلما يقول كامو – بالسوط ، وواضح أن أثر ذلك لم ينمح من مخيلة كامو ومن نفسه 0 حتى أن أحدهما يتساءل عند وفاتها إن كان يشعر بألم ما ، فما يحس بشيء أطلاقاً ، ولكنه في يوم الدفن فقط وبسبب بكاء الجميع يبكي وهو يخشى ألا يكون مخلصاً وأن يكذب أمام الموت 0 وتعبر هذه السطور عن الاستسلام الذي ينضح بالمرارة للثنائية المؤسية التي اتخذها كامو موقفاً انذاك ، فالوحدة والكهولة والموت عند مكابدتها في الواقع الانساني المباشر تعد حافزاً للشباب في بحثه عن السعادة ، وفي الوقت نفسه تهديداً بانقضاء هذه السعادة 0 وهذه الحقائق تؤكد أن طلب السعادة أمر ملح ، في الوقت الذي تؤكد فيه أن هذه السعادة عرض زائل 0 " فالمرأة التي تركها الجميع وحيدة ، والشيخ الذي لايصغي اليه أحد ، والموت الذي لايفيد في شيء ، من ناحية ، وكل أنوار العالم من ناحية أخرى0أنها ثلاثة أقدار متشابهة ، ولكنها متباينة ، الموت لكل منها ، ولكن لكلِ ميتته ، ومع كل هذا فالشمس تدفئ عظامنا" 0 اما المقال الثاني ( بين نعم ولا ) ففيه استعراض لذكريات كامو عن طفولته من خلال علاقته بوالدته ، أو من خلال حيه الفقير وبيته الاكثر فقراً0 لقد كان تعلقه بوالدته تعلقاً صميمياً وهو في هذا المقال يصور ذلك التعلق بصورة دقيقة تعكس آلامه من قسوة جدته وتسلطها وعجز الام عن فعل أي شيء حيالها حينما تبقى صامتة غير قادرة على تغيير وضعها أو وضع أبنائها الذين كانت تحبهم وتعمل من أجلهم ، ولكنها تظل صامتة خرساء لاتعلن حبها هذا ، وعندما يبدأ الطفل أحساسه بالاشياء يتالم لوضعها ويشفق عليها ، أنه الحب الذي يحس به تجاهها 0 وربما يبلغ ذلك الحب أوجه عندما تمرض الام فيتملك الابن احساساً بالوحدة والغربة أزاء العالم الذي ينهار أمام عينه ، إذ تبدو الحياة بلا قيمة أزاء العذاب والشقاء الذي يكابده فيكون الخلاص هو النهاية الحتمية لكل هذا ، لكن كامو يؤجل الاختيار بين قبول الحياة على علاتها أو رفضها نهائياً فما دامت هذه اللحظة كأنها مسافة بين " نعم ولا " فأنه يترك للساعات الاخرى الأمل أو القرف من الحياة 0 وفي هذه الفقرة بالذات نلتمس فكرة الحياة ومعناها التي تناولها كامو فيما بعد في ( أسطورة سيزيف ) حتى وأن بدت في هذا المقال كومضة فكرية غير واضحة المعالم بعد ، وعلى الرغم من أن أسلوب كامو كان مغرقاً في التشاؤم واليأس ، إلا أنه لايحسم قراره بتسرع بل يؤجل حكمه على قيمة الحياة أو عبثها الى وقت لاحق0 أما المقالان اللاحقان ( موت الروح ) و( حب الحياة ) ففيهما وصف للرحلات التي قام بها كامو لتشيكوسلوفاكيا وإيطاليا وجزر البليار الاسبانية ، ولشعور الانسان المريب بالغربة والوحدة والعزلة في عالم جديد لم يالفه من قبل ، قد يفقد فيه حتى أبسط وسيلة للاتصال ( اللغة ) فيبقى في مواجهة ذاته فقط ، في حياة يومية تضفي قلقها على كل شيء" عندما نكون بعيدين عن ذوينا ولغتنا ، وقد أقتلعنا من دعائمنا وجردنا من أقتنعتنا نصبح عندئذِ على سطح ذاتنا بكليتنا" 0 وقد تولد هذا الشعور عند زيارة كامو لـ ( براغ ) تحديداً ، أما في إيطاليا فقد كان الامر على العكس تماماً ففيها وجد كامو الدفء الذي كان يحتاجه ، لقد كان فيها الشمس والشجر والتلال والعشب وكان كل ذلك يذكره بموطنه فيخفف عليه وطأة الغربة 0 والحال نفسه مع ( بالما ) (سان فرانسيسكو ) و ( أيبيزا ) ، إلا أن ذلك الاحساس لايفتأ أن ينتهي أذ لايمكن له الدوام طالما يواجهنا يأس الحياة وطالما يحاصرنا الزمن بثقله 0 فبين رغبتنا في طلب السعادة وعيشها ، وبين عبث الحياة ويأسها تناقض مستمر يحاول كامو أن يوفق فيه حين يضع أيمانه بفكرة مفادها أنه لايمكن أن يوجد حب للحياة من دون يأس من الحياة 0 وذلك هو سعي كامو للمصالحة بين عبث الحياة وضرورة ان نحياها0 وتتشابه المقالة الاخيرة ( وجها الحياة ) التي جعل منها كامو عنواناً للكتاب مع موضوع المقالين الاول والثاني ، فهي تدور أيضاً عن الشيخوخة ودنو الموت تلك النهاية المريعة التي تدفع بأمراة مسنة لتحضير قبرها بيدها ، وكأنها على استعداد تام لتلقي الحقيقة التي لامفر منها0 وتدور فكرة المقال بشأن امرأة تدنو من الموت فتشتري لها حجرة في أحدى المقابر تعدها وترتبها وتعتني بها حتى تنتهي بحفر أسمها عليها بحروف مذهبة ، ويبقى هذا المكان هاجسها الوحيد وحبها الحقيقي وملاذها ألامن الذي تزوره كل يوم وتخلو فيه مع نفسها بانتظار أجلها ، حتى تكتشف ذات يوم أنها ماتت بعين الناس حينما تصل في عيد القديسين فتجد عتبة غرفتها مفروشة بالزهور ، ويبدو أن مجهولين تنبهوا لهذا القبر الذي ترك بلا زهور فقاسموه زهورهم وفاءً لذكرى الميت الذي لم يعن به أحد 0 ولكن أزاء هذا الموت ، أزاء وجه الحياة اليائس هذا ، يبقى في كل مكان جزء صغير من الشمس يلبس كل شيء حلة أبتسام خالد 0 وذلك هو وجه الحياة الاخر، فالفرق بين إنسان يتامل واخر يحفر قبره ، هو الفرق نفسه بين وجها الحياة0 لقد أنصبت محاولة كامو في هذا الكتاب في التوفيق بين ثنائيات مختلفة إنعكست بين الموت والحياة تارة ، والشباب والكهولة ، أو التفاؤل واليأس تارة أخرى عبر مقالات إتخذت من الروح والجسد أو اللا والنعم أو من وجه الحياة وقفاها عناوين ومعاني لها0 وإذا كانت هذه المقالات قد عكست لنا الاسلوب النثري الرائع ، والومضات الاولى للافكار والتأملات الفلسفية التي تطورت فيما بعد ، فأنها قد عكست لنا أيضاً تنويهاً بمقدرة كامو القصصية والروائية عبر بعض المقالات التي أعتمدت الاسلوب السردي في نقل الاحداث والافكار0





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,563,738,566
- تنويعات على رسالة المثقفين السوريين لمؤتمر القمة
- النظام العراقي ليس نظاما ديكتاتوريا, ولكنه بربرية بدائية
- اقتحام السفارة العراقية في برلين وإعلام المعارضة العراقية


المزيد.....




- بسبب الإتهامات المتبادلة بين الأغلبية والمعارضة .. دورة أكتو ...
- الوسط الفني والإعلامي اللبناني يشارك في الاحتجاجات ويهتف ضد ...
- فنانون شاركوا في المظاهرات اللبنانية... ماذا قالوا
- أول تعليق للفنان محمد رمضان بعد واقعة سحب رخصة طيار بسببه
- المغرب ينضم إلى الشبكة الدولية لهيئات مكافحة الفساد
- الفنانة اللبنانية نادين الراسي تنفجر غضبا في شوارع بيروت
- العربية: احتراق مبنى دار الأوبرا في وسط بيروت جراء الاشتباكا ...
- الشوباني يعلق أشغال دورة مجلس جهة درعة بسبب تجدد الخلافات
- الموت يفجع الفنان المصري أحمد مكي
- بالفيديو... لحظة سقوط الليدي غاغا عن المسرح


المزيد.....

- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد سلمان - المؤثرات الرئيسة في تشكيل أسلوب الكتابة عند كامو .