أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد صبحى منصور - كتاب ( البرزخ ) : الكتاب كاملا















المزيد.....



كتاب ( البرزخ ) : الكتاب كاملا


أحمد صبحى منصور
الحوار المتمدن-العدد: 5957 - 2018 / 8 / 8 - 22:00
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


كتاب ( البرزخ ) : الكتاب كاملا

هذا الكتاب
هو تجميع لما كتبت عن موضوع ( البرزخ ) . بدأ هذا فى كتاب الموت الذى صدر بالقاهرة عام 1990 ، وقد روعى فيه الخوف من المصادرة والملاحقة الأمنية . ثم جاءت كتابات أخرى عن البرزخ فى كتب منشورة هنا ثم فى مقالات ، أنتهت يوم 6 فى شهر أغسطس الحالى 2018 .
لم يسبقنا أحد بالكتابة فى موضوع ( البرزخ ) من منظور قرآنى وعلمى ، وقد جاءت الكتابة فى هذا الموضوع الجديد على مراحل مختلفة ، لذا توجد تكرار وإضافات ، نرجو أن يغفرها لنا القارىء .
ننشر هذا فى كتاب ، ونرجو أن فاتحة لدراسات أكثر تعمقا وتخصصا .
والله جل وعلا هو المستعان
أحمد صبحى منصور .
الثلاثاء 7 أغسطس 2018


الفهرس :
الباب الأول : ( البرزخ ) فى كتب سبق نشرها
الفصل الأول : ( البرزخ ) من كتاب الموت ( حقائق الموت فى القرآن الكريم )
الفصل الثانى : ( البرزخ ) من كتاب ( ليلة القدر هى ليلة الاسراء )
الفصل الثالث : ( البرزخ ) من كتاب : ( الغرب والاعجاز العلمى فى القرآن الكريم )
الفصل الرابع : ( البرزخ ) من كتاب العذاب والتعذيب

الباب الثانى : ( البرزخ ) فى مقالات متصلة منفصلة
الفصل الأول : برزخ المقتول فى سبيل الله جل وعلا
الفصل الثانى : البرزخ بين الموتى ومن يُقتل فى سبيل الله جل وعلا
الفصل الثالث : الأحياء فى البرزخ
الفصل الرابع : علاقتنا بالبرزخ
الفصل الخامس : البعث وانتهاء علاقتنا بالبرزخ
الفصل السادس : معضلة الزمن فى اليوم الآخر
الفصل السابع : البرزخ ويوم الجمع ( يوم القيامة )
الخاتمة :








الفصل الأول
من كتاب الموت ( حقائق الموت فى القرآن الكريم )

لنا موتتان وحياتان وبرزخان
من حقائق القرآن الغريبة عن الموت أننا نموت مرتين ونعيش مرتين .
وذلك ما سنعرفه يقيناً عند القيامة : "{قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ }غافر11" . وفى آية أخرى يقول لنا ربنا : "{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }البقرة28"
إذن كنا موتى قبل أن نولد ثم دخلت النفس في الجنين وبدأنا الحياة الدنيا أو الحياة الأولى ، وبعدها خرجت النفس من الجسد فعدنا إلى الموت أو الموتة الثانية فبعدها كان البعث في دخول النفس ثانية إلى الجسد لنحيا الحياة الثانية وفيها يكون الحساب أو الجنة أو النار . وفى الجنة والنار . لا موت .. وذلك مفهوم في حالة الجنة ، وفى حالة النار فالعذاب أبدي لكن أصحاب النار تنبت جلودهم كلما نضجت ليذوقوا العذاب إلى مالا نهاية . والموت لن يرحمهم من ذاك العذاب الأبدي . يقول تعالى : {يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ }إبراهيم17 ) ( الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى{12} ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى{13} الأعلى 12 : 13) ( {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى }طه74 ) ( {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ } فاطر36 )
البرزخ
ومن خلال إشارات القرآن يمكن أن نقترب من فهم ماهية النفس في البرزخ قبل إن نولد في هذه لدنيا.
في عالم البرزخ خلق الله البشر جميعاً من نفس واحدة كلية ثم انشقت منها أنفس البشر وكانت البداية نفس آدم ومنها جاءت نفس حواء ، ثم يتم نفث كل نفس في الجنين الخاص بها ، في الوقت المحدد لها سلفاً .
أقرأ عن خلق النفس الأولى آدم وتسلسل الأنفس البشرية منها : ( يا أيها الناس أتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً " النساء 1 ) ( {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا" الأعراف 189 ) ( خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا " الزمر 6 ) .
وعن عملية الخلق لكل الأنفس مرة واحدة في وقت واحد يقول تعالى : {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ " الأنعام 98 ) أي في كل نفس بعد آدم مستقر لما مضى ومستودع للآتي .
وحيث أنها أنفس صدرت عن النفس الأولى : آدم وخلقت معها في نفس الوقت ؛ فإن بعثها سيكون بنفس الطريقة : {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } لقمان28 "
وحين خلق الله هذه الأنفس فطرها على أن تعبد الله وحده لا شريك له . وأخذ عليها العهد والميثاق وهى في عالم الأثير – عالم البرزخ – أن تؤمن بالله وحده : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ{172} أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ{173} الأعراف )
في عالم البرزخ كان العهد على كل الأنفس – ثم تدخل كل نفس في جنينها ، وتدخل تجربة الحياة الأولى في هذه الدنيا ، وتظل تحت سيطرة الزمن طيلة العمر المقرر لها ، ثم تفارق الجسد وتموت للمرة الثانية ، حيث ترجع للبرزخ الذي أتت منه – ويأتي يوم القيامة ويكون البعث ، أي تعود الأنفس لترتدي أجساداً جديدة لا تبلى ولا تموت تتحمل اللذة في الجنة أو العذاب في النار ولا يكون هناك موت . بل خلود أبدى .
الموت بالنسبة للنفس أن تكون بلا جسد كما في البرزخ الأول أو أن تفارق الجسد الذي كان لها كما يحدث لنا في العالم . وفى الحالين تعود النفس لعالم البرزخ الغامض .
إذن هناك موتتان الأولى قبل أن نولد والثانية بعد أن نموت في هذه الدنيا ، وفى الموتتين نكون في البرزخ أو نعود إليه ، ولنا حياتان الأولى في هذا العالم والأخرى في العالم الآخر في يوم الدين وما يتلوه من جنة أو نار .
البرزخ
بالنسبة لعالمنا الأرضي الذي يدور في إطار الزمن نقول برزخ أول وبرخ ثان .
ونضرب مثلاً لتقريب معنى البرزخ الأول والثاني . أو الموتة الأولى والموتة الثانية :- والدي المتوفى هو الآن في البرزخ الثاني في موتته الثانية لأنه سبق له أن عاش على هذه الأرض، وقبل أن يكون على الأرض كانت نفسه ميتة في البرزخ ، ثم بعد أن قضى عمره في الأرض مات الموتة الثانية وعاد للبرزخ ثانية .
أما ابني الذي لم أرزق به بعد أو حفيدي الذي لم أره بعد فلا يزال نفساً ميتة في البرزخ الأول .. لم يولد بعد . ولأن هذا البرزخ عالم من الموت والموتى فيستحيل أن يتعرف والدي في البرزخ على ابني أو حفيدي الذي لم يأت الدنيا بعد ، وإذا أمكنك أن تحادث حفيدي الذي لم يولد بعد في البرزخ الأول أذن يمكنك أن تحادث الموتى في قبورهم أو في البرزخ الثاني ، في واقع الأمر إن الموتى لا يسمعون في أي حال : ( وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمعٍ من في القبور (22) )) فاطر 22 )
وهذا غير الشهادة التي اثبتها الله تعالى لوحدانيته في عالم البرزخ وهى لأنه يسمع من يشاء ويسمع من في القبور .
هل هناك إحساس في البرزخ
من الخرافات الدينية أن بعض الأموات في البرزخ يتميز بخاصية غريبة وهى قدرته على التخاطب مع البشر وتلبية مطالبهم ، لذا يحج الناس إلى قبورهم متوسلين ويلقون إليهم بالشكاوى والمشاكل يطلبون منهم الحل .. ويقول القرآن في ذلك : {إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ }فاطر14
وعلى أية حال فهى مفارقة مضحكة ، كيف يكون ميتاً ويكون سميعاً في نفس الوقت ؟ والموت يعنى أنه لا سمع ولا شيء هناك : {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ }النمل80 )
{فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ }الروم52 ) ( إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين (194) ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم ءاذان يسمعون بها" الأعراف 194 ، 195 ) (( والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون (20) أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون )) النحل 20 : 21 )
لقد تحول جسد الميت إلى تراب وذلك حكم إلهي تصير أعضاء الميت جزءاً من التربة سواء تحللت أو بقيت بعض أجزائها : ( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى " طه 55 )
لقد انتقل الكائن الحقيقي داخل الجسد – وهو النفس – إلى عالم البرزخ ، ودخل فترة كمون أو موت حيث لا يحس بأحد ولا يحس به أحد ، إن آخر لحظة إحساس للميت تكون ساعة الاحتضار في حواره مع ملائكة الموت ، وحين البعث في العالم الآخر يستعيد الإنسان ذكرياته سريعاً ويكون أول ما يتذكر هو لحظة موته ويتخيل أنها كانت بالأمس القريب ، يظن أنه مر عليه يوم أو بعض يوم .. وينسى أنه مكث في البرزخ آلاف السنيين، ولكن فترة البرزخ للميت لازمن فيها ، يستوى الزمن من ملايين السنين إلى يوم واحد فقط .. إن آدم أبا البشر وآخر إنسان من أولاد آدم سيحسان نفس الشعور حين البعث .. أنهما قضيا يوماً أو بعض اليوم من موعد الموت إلى موعد البعث.
يقول تعالى : ( َأوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ {259} البقرة )
حين استيقظ أو بعثه الله بعد مائة عام ظن أنه لبث يوماً أو بعض يوم فقط ، أي فقد الإحساس بما حوله لمدة مائة عام . وأصبحت المائة عام مجرد نوم استمر يوماً أو بعض اليوم .
ويقول تعالى عن أهل الكهف حين استيقظوا بعد ثلثمائة سنين و تسع سنوات : ( وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ {19} الكهف )
أصبح البرزخ في منامه مجرد يوم أو بعض يوم وهو في الزمن الأرضي 309 سنوات كاملة . وخلالها لم يحس أهل الكهف بما جرى لمدينتهم من تقلب الأيام وموت أجيال وحياة أجيال وانقراض حكام وقيام حكام . وحين استيقظوا كانوا يخافون من نفس المدينة التي تركوها بالأمس فقط في اعتقادهم ، فقالوا لمن أرسلوه ليشترى لهم الطعام : ( فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً{19} إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً{20} " الكهف 19 : 20 )
ويتكرر نفس الموقف ساعة البعث يوم القيامة أي حين ينتهي البرزخ ، يظن أحدهم انه مات أو نام منذ ساعة ، والساعة في التعبير القرآني تعنى بعض اليوم :( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ{55} وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ{56 الروم 55 ،56 ). واقرأ قوله تعالى عنهم : َ( ويومَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً{102} يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً{103} نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً{104} طه 102 : 104")
وللقرآن أسلوبه في الربط بين آخر إحساس للميت قبل دخوله البرزخ وأول إحساس له بعد وخروجه من البرزخ كي يبين أن البرزخ للموتى فترة بلا زمن ولا إحساس ولا شعور فيها
فالقرآن لا يجعل فاصلاً بين المرحلتين فيما يخص الشعور والحوار فيقول تعالى : ( وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ{93} وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ{94} الأنعام 93 : 94 ) . فالذي يقال عند الموت لهم ينتهي بقوله " وكنتم عن آياته تستكبرون " والذي سيقال لهم يوم القيامة " ولقد جئتمونا فرادى ." وما بينهما برزخ لا حوار ولا شعور فيه .
ويقول تعالى : ( وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ{19} وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ{20} ق 19 : 20 )
فمن الإحساس بسكرة الموت لا يأتي الإحساس بعدها إلا في بالنفخ في الصور. وفيما بينهما برزخ لا إحساس ولا شعور فيه .
وما سبق من أدلة تدحض ما قيل من أن الميت في قبره يستيقظ ويأتي له ملكان : ( منكر ونكير ) فيحاسبانه ويستجوبانه ، وكل ما نعرفه أن الحساب يكون أمام الله يوم الحساب ، وأن قصة حساب القبر مستوحاة من التراث الفرعوني حيث يمثل الميت أمام أوزوريس الذي يسأله عن أعماله .. ثم وهذا هو الأهم أن البرزخ فترة موت أو كمون لا إحساس فيها يظل فيها الميت إلى يوم البعث . يقول تعالى : ( حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ{99} لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ{100} المؤمنون 99 : 100 )
والبرزخ في اللغة يعنى الحاجز بين الشيئين الذي يمنع أحدهما من الوصول للآخر وبهذا المعنى جاء قوله تعالى : ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ{19} بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ{20} فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ{21} "
الرحمن 19 ، 20 ) ( وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراًالفرقان 53 )
فالبرزخ حاجز بين الموت بين الحياة الدنيا الأولى والحياة الآخرة ولا يستقيم أن يتخلل البرزخ حياة أو حساب .
ولكن ماذا عن عذاب القبر أو نعيمه ؟
لم يرد في القرآن شيء من عذاب القبر أو نعيمه ، وإنما ذكر القرآن أن من في القبور :
" موتى لا يسمعون ولا رجاء فيهم " فاطر 22 الممتحنة 13 " ، " وأن موعدهم البعث " الحج 7 ، الانفطار 4 ، العاديات 9 .
ولكن ورد في القرآن أن بعض البشر سيعذب بعد موته وبعضهم سيحظى بالنعيم بعد موته وبالطبع فإن ذلك في غير العالم الأرضي وفى غير البرزخ الذى للموتى .
يقول تعالى عن الذين قتلوا في سبيل الله : ( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ " البقرة 154 ) . إذن من البداية ينهانا الله تعالى أن نعتبر المقتول في سبيل الله ميتاً أو أن نقول عنه أنه مات . بل هو حي ولكن كيف ؟ لا نشعر .. لأنه حي في عالم أثيري لا يمكن أن نراه أو نحس به ويعطى القرآن . إشارات على قدر ما تسمح به أفهامنا عن نوعية هذه الحياة التي لا يمكن أن نشعر بها ، فيقول : )وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ{169} فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ{170} يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ{171} " آل عمران 169: 171 ) .ففي الآيات تكرار للنهى عن أن نحسبهم موتى .. بل هم أحياء في عالم آخر " عند الله " ويتمتعون بالرزق من الله ، ثم هم سعداء فرحون بنعيم الله وفضله وينتظرون مجيء ضيوف آخرين من الذين يهبون حياتهم في سبيل الله ليكافئهم الله بالحياة الأكرم عنده ، وهناك لا خوف ولا حزن ولكن استبشار وحمد لله الذي لا يضيع أجر المؤمنين ..
إذن نحن أمام نوعية فريدة من الحياة في مكان لا نعرف عنه شيء ، حيث يحس أولئك بالآخرين ممن لا يزالون في العالم الأرضي ويتمنون لهم أن يلحقوا بهم في ذلك النعيم الإلهي .
وفى القصص القرآني حكاية ذلك الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى ليؤيد الرسل الثلاثة الذين أرسلهم الله إلى القرية فكذبوهم وهددوهم بالرجم ، ودفع الرجل حياته ثمناً لكلمة الحق التي تطوع بقولها ، وحين قتله قومه جاء تبشيره بالجنة : )قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ{26} بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ{27} يس 26 : 27 ) . فذلك الرجل المقتول في سبيل الله أحس بقومه وتمنى أن يكون منهم من يلحق به في دار النعيم عند الله .
هذا بينما تظل الحقيقة القرآنية ماثلة أمامنا . إننا لا نشعر بهم وإن كانوا يشعرون بنا .
أولئك أناس دفعوا حياتهم ثمناً لرضا الله وفى سبيله فاستحقوا أن يكتب الله لهم الحياة حيث يتوقع الآخرون لهم الموت ، وحيث أراد أعداء الله لهم الموت .
وهناك من البشر من تطرف في الكفر إلى درجة أدعاء الربوبية الكبرى وإنكار وجود الله والتساؤل بسخرية عنه تعالى ، وإلى درجة قتل وصلب المؤمنين ، ثم بذل حياته وهو يطارد نبي الله موسى لا لشيء إلا لكي يجعل قومه تحت سيطرته وعذابه الدائم .. إنه فرعون الذي جعله الله إماماً لكل المشركين إلى يوم القيامة " القصص 4 : 38 : 42 " ، " غافر 36 : 37 " " النازعات 21 : 25 "
وكوفىء فرعون على تطرفه في الكفر بخصائص منها أنه يظل في عذاب بعد غرقه في سبيل الشيطان إلى أن تقوم الساعة : " وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ{45} النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ{46} غافر 45 : 46
فطالما هناك دنيا وليل ونهار وغدو وعشي يعرض فرعون وآله على النار وذلك هو سوء العذاب ، ثم يوم القيامة له نوع آخر يتميز به وهو أشد العذاب، ويكون فيه " زعيماً" لقومه في دخول النار يقدم قومه يوم القيامة : ( فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ{98} وَأُتْبِعُواْ فِي هَـذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ{99} هود )




الفصل الثانى
( البرزخ ) من كتاب ( ليلة القدر هى ليلة الاسراء )

الفصل السادس : نبذة عن ليلة القدر فى ضوء العلم الحديث

أولا : العلم الحديث والاقتراب من المجهول
1ـ كاتب هذه السطور ليس متخصصا إلا فى القرآن والتراث . وبالتأكيد فان المتخصص فى العلم الحديث يستطيع أن يعيد كتابة الصفحات السابقة بصورة علمية تربط بين الآيات القرآنية وما وصل إليه العلم الحديث . مع الأخذ فى الاعتبار إن الإعجاز القرآني متجدد , وأن هناك مناطق فى القرآن لم يصل إليها العلم الحديث بعد ..
ولكن كاتب هذه السطور فى محاولته المتواضعة إنما يقدم دعوة للمتخصصين فى العلم ليقدموا اجتهاداتهم حول ليلة القدر ، وبنفس الإخلاص يقدم دعوة أخرى لكل مسلم لكي يعطى القرآن العظيم بعض حقوقه علينا فى التدبر والتقدير والتقديس والاهتمام ..
2 ـ والذي لا شك فيه أن ثورة المعلومات وثورة الاتصالات قد أشعرت الإنسان بقدرة الله تعالى أكثر ، بحيث تضاءل عدد الذين انبهروا قديما بمنجزات الثورة الصناعية , فقد اتضح أن الجزء الخفي الغيبي فى مجال ادراكاتنا البشرية يمكن استخدامه . ونرى تكنولوجيا هذا الاستخدام فى التليفون المحمول والتليفزيون والأقمار الصناعية والانترنت ، وكلها يؤكد أن مجال التقدم العلمي القادم سيكون أكثره فى العالم الخفي عنا الذي يقع فى مجال ادراكاتنا البشرية . وذلك يؤكد أيضا أن عالم الغيب الذي يقع خارج ادراكاتنا البشرية مثل عوالم البرزخ والملائكة والجن والشياطين سيكون من السهل الإيمان بها علميا ، بعد أن اتضح أن عالمنا المادي الظاهر ليس إلا قمة جبل الثلج الطافي .
ثانيا : العلم الحديث يقترب من تخوم البرزخ
على إن بعض الحقائق العلمية التي اكتشفها الإنسان واستخدمها تكنولوجيا قد جعلته يلامس بعض مظاهر عوالم البرزخ . ونعطى لذلك بعض الأمثلة المتصلة بموضوعنا عن ليلة القدر وملامحها من الملائكة ونزول الوحي ونزول الأقدار ..
1 ـ أعلن اينشتاين نظرية النسبية الخاصة سنة 1905 ، وأكد أن الكون المادي رباعى الابعاد يغلفه الزمن : ( المادة + الزمن ) وان سرعة الضوء فى الفراغ هي الثابت المطلق والحد الأقصى للسرعة الكونية فى هذا العالم المادي , وكل المقادير الفيزيائية تنسب لهذه السرعة ( 286 ألف ميل/ ثانية ) أو ( 299792.5 كم / ثانية ) ..
2 ــ وفى مقال للدكتور منصور حسب النبي فى الأهرام ( 11/5/1995 ) قام بتفسير علمي لقوله تعالى " يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ : السجدة : 5" , " وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ : الحج : 47 " فقال إن العبارة القرآنية " مما تعدون " أي بالحساب البشرى , أي بالزمن الارضى وعليه فإن المسافة التي يقطعها الأمر الكوني في زمن يوم أرضي تساوي فى الحد والمقدار المسافة التي يقطعها القمر فى مداره حول الأرض فى زمن ألف سنة قمرية بحساب أهل الأرض . وبحل هذه المعادلة القرآنية ينتج لنا أن سرعة هذا الأمر بالحساب الارضى يساوى بالضبط سرعة الضوء فى الفراغ أي 286 ألف ميل فى الثانية أو 299792.5كم /الثانية .
وفى نفس المقال يقول د. منصور حسب النبي أن معادلات اينشتاين تنبأت قبل نظرية الأوتار الفائقة باحتمال تجاوز سرعة الضوء لجسيمات افتراضية غيبية ذات كتلة تخيلية تسمى التاكيون .
كما تنبأت نظرية الأوتار الفائقة بوجود كون آخر سداسي الأبعاد متداخل مع كوننا الرباعي الأبعاد والسرعة فيه تفوق سرعة الضوء ولكنها لا تخضع لقياسنا .
3 ـ وعليه أقول انه عالم البرزخ الذي تحدث عنه القرآن والذي تشكل ليلة القدر نقطة اتصال بينه وبين عالم الشهادة ..
ثالثا : الرؤية الصادقة بين عالمنا وعالم البرزخ
1 ــ ـ ولنفترض أن فلانا يعيش فى القاهرة وله أخ يعيش فى الإسكندرية وكان قدر أخيه فى الإسكندرية أن يموت فى الساعة العاشرة من صباح أول مايو فى حادثة فى المكان الفلاني . ولنفرض أن فلانا هذا يريد السفر إلى أخيه فى الإسكندرية فى توقيت مقارب للحادث الذي سيحدث لأخيه وهو لا يعلم بالضبط ، وان كان ذلك الحادث قد تم تضمينه ضمن الأقدار وذلك ليلة القدر فى شهر رمضان الحالي والتي ستحدث فى العام التالي .
والمهم أن صاحبنا يسافر إلى أخيه فى الإسكندرية والمسافة بين القاهرة والإسكندرية ( 250كم ) ونريد أن نجعله يصل إلى أخيه فى نفس اللحظة التي ستحدث له فيها حادثة موته . فإذا ركب قطارا سيصل إلى أخيه بعد الحادثة بعدة ساعات . فإذا ركب طائرة وصل بعد الحادثة بأقل من ساعة ولكنه إذا سافر بسرعة الضوء فقد يصل عند الحادثة بالضبط ، أي أن الزمن يتضاءل حسب السرعة ، فإذا سافر الإنسان بسرعة الضوء انمحى الزمن . ولكن يبقى أن الضوء فى حد ذاته مادة . فإذا سافر الإنسان فرضا بسرعة تفوق سرعة الضوء فإنه حينئذ يرى الحادثة قبل وقوعها . أي يراها فى عالم الغيب.. وهذا يحدث .. فى الأحلام التي تنبئ عن المستقبل ..
2 ــ ففي المنام تتحرر النفس البشرية من الجسد وتظل على صلة خفية به . ولأنها تنتمي إلى عالم البرزخ حيث السرعة فيه تفوق سرعة الضوء فى عالمنا المادي فإن النفس فى تجوالها بهذه السرعة قد تصطدم ببعض الأحداث المستقبلية وهى فى صورة معنوية لم تتجسد واقعا ماديا فى دنيانا . ولهذا ترى هذه المعاني فى صورة تحتاج فى اليقظة إلى تأويل وتفسير وتحقيق.
3 ـ وقصة يوسف خير مثال على ذلك , إذ أنها قامت على أربعة منامات صادقة : رؤيا يوسف ، ورؤيا صاحبي يوسف فى السجن ، ورؤيا الملك . والأنفس الأربعة لهم جالت فى البرزخ ورأت أحداثا مستقبلية . ودارت الأيام وتحققت هذه المنامات . وهذا يعنى أن هناك مستويات مختلفة للملائكة وسرعاتها وتعاملها مع الأوامر الإلهية .
4 ــ وفى سورة المعارج يقول تعالى عن الروح والملائكة العلويين " تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ : المعا رج : 4" ، أي أن الأمر الالهى يأخذه جبريل والملائكة العلويون فى زمن مختلف عند العروج لله تعالى , ثم يأخذ هذا الأمر مقياسا آخر فى مستوى اقل فى التعامل بين الملائكة حيث يساوى ألف سنة بحسابنا الارضى . والنفس البشرية فى المنام قد تتجول فتصطدم بنبأ فى مستوى الألف عام ، وقد تصطدم بنبأ فى مستوى اعلي .
5 ــ ولكن ليلة القدر تتنزل فيه الأوامر والأقدار التي للعام التالي .. والله تعالى أعلم.
رابعا : عوالم البرزخ تتداخل فينا وفى عالمنا المادى
1ـ والدكتور حسب النبي تحدث عما أشارت إليه نظرية النسبية ونظرية الأوتار الفائقة من وجود عالم سداسي الأبعاد متداخل مع عالمنا الارضى الرباعي الأبعاد , والسرعة فيه تفوق سرعة الضوء . وهو هنا يشير إلى اكتشاف آخر أكثر غرابة ، هو التداخل بين عالمنا المادى ( الضعيف ) وعوالم برزخية أعلى وأقوى .
2 ـ فقد اتضح إن ذرات المادة الأرضية تدور بسرعة تتراوح بين 400 مليار دورة إلى 750 مليار دورة فى الثانية الواحدة , وإذا استطاعت ذرة مادية أن تدور فوق 750 ألف مليون دورة فى الثانية فإننا لا نستطيع أن نراها . وهذا يفسر لنا السبب فى أن مروحة الطائرة إذا اشتد دورانها فإننا لا نراها مع أنها موجودة .. وهكذا بالنسبة لذرات الهواء والذرات المتطايرة من المواد الأخرى والتي نحس بها عن طريق الرائحة دون الرؤية ..
وذرات العالم السداسي الأبعاد أسرع دورانا وبهذا تخرج عن المستوى الاهتزازي لعالمنا المادي فلا نستطيع أن نراها . ومن العالم الذي لا نراه الجن والملائكة والشياطين , وحتى النفس البشرية خارجا عن الجسد . وقد دل علم الميكانيكا الموجية على أن الأساس فى تداخل الأجسام أو عدم تداخلها يرجع إلى اختلاف المستوى الاهتزازي لهذه الأجسام أو تطابقه . فإذا كان المستوى الاهتزازي لهما واحدا لانتمائهما إلى نفس العالم فان تداخلهما يكون مستحيلا , فلا يستطيع الإنسان أن يخترق بجسده الحائط لأن المجال الاهتزازي بينهما واحد . أما إذا اختلف المجال الاهتزازي فيستطيع الكائن الأكثر اهتزازا أن يخترق الكائن الأقل اهتزازا . فالجن والملائكة تستطيع اختراق الجسد الإنساني والعالم المادي . ويكون التداخل بينهما طبيعيا . وعلى ذلك فان وجود جسمين أحدهما أرضى والأخر برزخي متداخلين ويشغلان مكانا واحدا فى وقت واحد يعتبر ظاهرة طبيعية يؤيدها العلم . وجهاز الراديو أبرز مثال على ذلك فالكون ممتلئ بموجات لاسلكية تخترق الجدران لأن ذبذباتها اعلي من نظيرتها فى العالم المادي وهى فى نفس الوقت مختلفة الذبذبات لذلك تتداخل فى جهاز الراديو ولا يحس بعضها ببعض ولا يؤثر بعضها على بعض , وكلها فى نفس جهاز الراديو , فإذا استقر مفتاح الراديو على موجة معينة التقطها دون أن يعوقه وجود موجة أخرى فى نفس المكان أو نفس المحطة لأنها ذات ذبذبة أخرى . فإذا أردنا التشويش على محطة بعينها استخدمنا نفس الذبذبة ..هذا مع العلم بأن عالمنا المادى تتدرج إهتزازاته من 400 مليار دورة إلى 750 مليار دورة فى الثانية الواحدة ، المواد الصلبة من أجساد وكواكب ونجوم ومجرات مادية إهتزازاتها 400 مليار دورة فى الثانية . تكون أسرع لو تحولت المادة الى بخار ، لذا يصعب رؤيته ، ثم تستحيل رؤيته لو تحول الى طاقة ، وفى كل تزداد سرعة الاهتزازات الى أن تصل الى 750 مليار هزة فى الثانية ، وفى هذه المجالات العليا من عالمنا المادى تقع انواع الطاقة غير المرئية والتى يمكن إستخدامها مثل أشعة إكس وجاما والبنفسجية وتحت الحمراء ، وهى تخترق أجسامنا والأجسام الصلبة التى فى مستوى أقل منها ، ومنها مستوانا السفلى 400 مليار دورة . ونتذكر أن الطاقة هى مادة متحولة ، وأن الطاقة والمادة وجهان لعملة واحدة . فإذا كان هناك كائن تزداد إهتزازاته فوق 750 مليار دورة فى الثانية الواحدة فهو فى عالم البرزخ ، ومن الطبيعى أن يتخللنا ، وأن يتخلله من هو أعلى منه من عوالم البرزخ المتدرجة .
3 ــ إذن فالإنسان يعيش فى عالمين متداخلين ولكل منهما مستوى اهتزازي يغاير الآخر . ويتداخل الجسمان : الجسد الارضى والنفس البرزخية فى كائن واحد ومكان واحد . والإنسان أيضا لا يرى الملائكة بعين جسده , ومن الملائكة رقيب وعتيد , وهما مقترنان بكل إنسان يحفظان أعماله , ومع اقترانهما به ومعرفتهما به فإنه لا يدرى عنهما شيئا . ولا يكشف ذلك إلا عندما يموت لحظة الاحتضار وعند البعث عندما ينكشف عنه الغطاء ..
والنبي محمد فى ليلة القدر انكشف عنه الغطاء فرأى جبريل والعالم البرزخي ورأى من آيات ربه الكبرى . ومنها سدرة المنتهى وجنة المأوى التي يعيش فيها من يقتلون فى سبيل الله ويعيشون فيها متنعمين حيث لا نشعر بهم نحن فى عالمنا المادي , وان كانوا يحسون بنا ( البقرة : 154 , آل عمران ـ 169 ـ ) ..
4 ــ أي أن العالم البرزخي يحيط بنا بكل من فيه من ملائكة وشياطين وجان . وبكل ما فيه من أخبار وأنباء ومستويات ، والله تعالى يقول " لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ : الأنعام : 67" . كل اخباره مستقرة فيه، إما تم تسجيلها فى كتاب أعمال أولئك الذين عاشوا وماتوا ، أو أقدار لم تحدث بعدُ ينزل بها الملائكة والروح بإذن ربهم من كل أمر ، فى ليلة القدر كل عام،والتى قال فيها جل وعلا : (إنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ ﴿١﴾ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ ﴿٢﴾ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌۭ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍۢ﴿٣﴾ تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍۢ ﴿٤﴾ سَلَـٰمٌ هِىَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ﴿٥﴾ )
5 ــ ودائما : صدق الله العظيم.



الفصل الثالث :
( البرزخ ) من كتاب : ( الغرب والاعجاز العلمى فى القرآن الكريم )


المقال السابع :
البرزخ والأكوان الموازية
القرآن الكريم سبق العلم الحديث فى موضوع السماوات والأرض
لو تدبّر الغرب القرآن لتغير تاريخ العالم فى الرقى الحضارى والتقدم العلمى
أولا :
معنى البرزخ فى القرآن الكريم
هو الحاجز الفاصل بين شيئين . وقد جاء ثلاث مرات فى القرىن الكريم . مرتين عن الفاصل أو الحاجز بين ماء البحر المالح وماء النهر العذب إذا إلتقيا ، وهما يلتقيان عندما يصب النهر فى البحر ، يقول جل وعلا : ( وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (53) الفرقان ) ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ (20) الرحمن ). ومرة عن البرزخ الفاصل بين الحياة الدنيا والحياة الأخرى يوم البعث . يقول جل وعلا : ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) المؤمنون )
البرزخ والحجر المحجور
1 ـ هذا البرزخ لا يمكن إقتحامه ، أو بالتعبير القرآنى ( حجرا محجورا ) . وقد جاء هذا التعبير عن البرزخ الذى يفصل بين ماء البحر وماء النهر : ( وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (53) الفرقان ) فالبرزخ هنا موصوف بالحجر المحجور ، مع أنه ( مرج البحرين يلتقيان ) ، مع المرج والالتقاء فلا مجال للمزج . وهذا شىء عجيب ، ونشهده حاليا فى الفصل بين الماء العذب والماء المالح فى مصب الأنهار فى البحار .
2 ـ الذى لا نشهده ونحن أحياء هو دخولنا البرزخ عند الموت . النفس قبل أن تدخل فى جنينها كانت ميتة فى البرزخ ، ثم فى موعدها يتم نفخها فى جسد جنينها ، فيكون إنسانا بعد أن كان ( مشروع إنسان ) أو كتلة من اللحم الحى بلا نفس . ثم يولد هذا الانسان ، ويأخذ الفترة المكتوبة له فى حياته الأرضية ، وعند ( الأجل ) أو موعد موته المحدد أزلا ، يأتيه الموت ، أو تأتيه ملائكة الموت . عندما يراهم لا يمكن أن يعود الى الحياة الدنيا ، فقد دخل البرزخ ، وستبقى فيه نفسه بلا إحساس بالزمن كشأنها قبل أن تلبس جسدها ، ثم تستيقظ عند البعث ، تتصور أنها لبثت يوما أو بعض يوم . المؤمنون عند البعث يعلمون هذا ، أما المجرمون فيقسمون انهم ما لبثوا ساعة ، يقول جل وعلا : (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (55) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ (56) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (57) الروم ) . نفس الموقف عند الاحتضار ، فالمجرم يصرخ طالبا فرصة أخرى قائلا لملائكة الموت :( أرجعون ) : (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) المؤمنون ) . إذا رأى الملائكة الموت فلا مجال للخروج منه إلا يوم البعث للجميع . ولهذا فعندما طلب الكافرون أن يروا رب العزة أو الملائكة جاء الرد : بأنهم يوم يرون الملائكة فلا بشرى لهم : ( وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدْ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً (21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً (22) الفرقان). هنا يقال : ( حجرا محجورا ) . أى فاصل حاجز منيع .
ثانيا :
عن عوالم أو برازخ السماوات والأرض وما بينهما
1 ـ لقد خلق أو ( فطر ) الله جل وعلا السماوات والأرض معا بأنفجار هائل . عن الانفجار الكونى يقول جل وعلا:(أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا)( الأنبياء 30 ) ، الجزء المادى الثقيل الأسفل يتكون منه الأرض المادية التى نعيش فيها ، والكون المادى الذى تسبح فيه الأرض والذى يتكون من كواكب ونجوم ومجرات . والأرض المادية التى نحيا عليها تتخللها ستة أرضين أو ستة برازخ . تتخللها السماوات السبع ، أو برازخ سبع .
2 ـ ، الفارق بين المستوى المادى للأرض التى نعيش عليها ( ومحيطها من النجوم والمجرات ) وبين الأرضين الست والسماوات السبع هو سرعة الاهتزازات . إهتزازات المستوى المادى لعالمنا الثقيل الأسفل بطيئة، بينما تتدرج سرعة الاهتزازات فى البرازخ الأرضية الست أو الأرضين الست ، وتعلوها فى السرعة إهتزازات السماوات السبع ، وبالترتيب . الأرض الثانية ذبذباتها أو إهتزاز ذراتها أسرع من أرضنا المادية ومحيطها من النجوم والمجرات ، والأرض الثالثة ( البرزخ ) الثانى أعلى من الأرض الثانية، والأرض الرابعة ببرزخها الثالث أعلى ممن دونه ، وما فوقه أعلى منه ، وهكذا الى الأرض السابعة ببرزخها السادس ، وفوقها تكون السماء الدنيا ببرزخها الأول ثم السماء الثانية ، وهكذا الى السابعة . وبعده لا نعلم .
3 ـ وقلنا فى( كتاب الموت ) وهو منشور هنا ، وسبق نشره فى مصر عام 1990 : ( الثابت علمياً أن ذرات المادة الأرضية تدور بسرعة تتراوح بين 400 ألف مليون دورة إلى 750 ألف مليون دورة في الثانية الواحدة ، أما ذرات العالم العلوي الأثيري فإنها أسرع دوراناً وبهذا تخرج عن المستوى الاهتزازي لعالمنا المادي ولا نستطيع أن نراها ، ومن العالم غير المرئي لنا الجن والشياطين والملائكة والنفس البشرية بعد الموت وفى حالة النوم . وقد دل علم الميكانيكية الموجية على أن الأساس في تداخل الأجساد أو عدم تداخلها راجع إلى اختلاف المستوى الاهتزازي لهذه الأجساد أو تطابقه . فإذا كان المستوى الاهتزازي واحداً لإنتمائهما إلى نفس العالم فإن تداخلها يكون مستحيلاً ، فالإنسان بجسده الأرضي لا يستطيع أن يخترق الجدران لأن مجال المستوى الاهتزازي بينها واحد . أما إذا أختلف المجالان فإن التداخل يكون طبيعياً ، وعلى ذلك فإن وجود جسمين " أحدهما أرضى والآخر سماوي " متداخلين وشاغلين مكاناً واحداً في آن واحد يعتبر ظاهرة طبيعية يؤيدها العلم . وجهاز الراديو أبرز مثال لذلك ، فالكون ممتلىء بموجات لاسلكية تخترق الجدران وهى في نفس الوقت متداخلة لا يحس بعضها ببعض ولا يؤثر بعضها على بعض ، وكلها يتخلل جهاز الراديو ، فإذا استقر مفتاح الراديو على موجة معينة ألتقطها دون أن يعوقه وجود موجة أخرى في نفس المكان ذات اهتزاز أو ذبذبة مخالفة . )
ونحن نرى مروحة الطائرة إذا كانت لا تتحرك ، فإذا بدأت فى الدوران حول نفسها بدأت تغيب عن ناظرينا شيئا فشيئا الى أن تغيب عن ناظرينا. هى موجودة لا تزال فى مكانها ولكن لأن سرعة إهتزازها زاد عن سرعة الأشياء المادية لم تعد مرئية لنا .
وهناك فى إطار العالم المادى موجات ضوئية ، ولكنها تهتز بأسرع من إهتزاز ذراتنا ، فنحن إهتزازاتنا فى الأسفل ، أى 400 ألف مليون هزة او دورة فى الثانية الواحدة. فإذا زادت دورة مروحة الطائرة عن ذلك لا نستطيع رؤيتها . ولكن كوننا المادى تتراوح السرعة الاهتزازية فيه من 400 ألف مليون لتصل 750 ألف مليون دورة فى الثانية الواحدة . هنا تقع الموجات غير المرئية لنا بما فيه الضوء وهو ينتمى أيضا الى عالمنا المادى .
بعد 750 ألف مليون هزة أو دورة فى الثانية تبدأ العوالم البرزخية بترتيب سرعاتها ، وفيها تعيش عوالم الجن والشياطين والملائكة ، والأعلى فى سرعة الدوران يتخلل ما هو أقل منها . وبهذا نفهم تكوين الأرض من سبع أرضين ، اضعفها المستوى السفلى المادى الذى نعيش فيه ، وهناك ست مستويات متوالية من الأرض التى قال عنها رب العزة أنها تتكون من سبع طرائق كالسماوات السبع ، ويتنزل الأمر الالهى بين طبقات السماوات والأرض : (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (12) ) الطلاق)
وفى أحد المستويات البرزخية للأرض يعيش الجن ، يقول أحدهم : ( وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (12) الجن ) . أى هم يعيشون فى مستوى برزخى للأرض . لا يستطيعون الخروج منه الى المستوى الأعلى الذى تقع فيه السماء الدنيا . وفى مستويات مختلفة من الأرضين الست التى تعلو مستوى الأرض المادية تعيش الملائكة المكلفة بتسجيل أعمالنا ، هى تتداخل مع جسدنا المادى وتسجل ما نفعل ، يقول جل وعلا (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَاماً كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) الانفطار ) ، ولكل فرد منا إثنان من الملائكة مختصون بتسجيل عمله : (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) ق ).
والنفس البشرية تنتمى الى هذا العالم البرزخى ، هى موجودة فيه قبل خلق صاحبها ، أى إن نفسى كانت موجودة من آلاف السنين فى البرزخ قبل ميلادى ، ثم عندما جاء الوقت المحدد لها لبست الجنين الخاص بها فى رحم والدتى ، ونزلت إنسانا فى موعد مولدى ، ودخلت فى تجربة هذه الحياة الدنيا ، وخلالها تعود نفسى الى نفس البرزخ فى النوم لتستريح من هذا العالم المادى الثقيل ، فالنفس البشرية تقضى حوالى ثلث عمرها الأرضى المادى فى نوم تعود به الى منبعها البرزخى . ثم فى النهاية تعود نهائيا الى هذا البرزخ بالموت ، الى أن يحين موعد البعث ، بعد أن تأخذ كل نفس فرصتها وإختبارها فى هذه الحياة الدنيا . أى فى هذا البرزخ توجد الأنفس التى لم تدخل إختبار الحياة ، كأنفس أحفادى وأحفاد أحفادى ، كما توجد فى نفس البرزخ أنفس أجدادى الموتى . والى جانب النفس توجد الشياطين التى ( تقترن ) بالنفس ، وهو القرين ، وهو الذى يختص بغواية من شاء الضلال ، فيظل هذا القرين الشيطانى يزين للنفس التى إختارت الضلال أنها على الحق ، ويظل الضال متصورا أنه على الهدى والحق الى أن يرى ذلك القرين فى الاخرة ويعرف أنه خسر كل شىء ، يقول جل وعلا : (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) الزخرف ).
فى عوالم البرزخ توجد أيضا عذاب البرزخ لفرعون وقومه ، وهم فيه أحياء تحت العذاب الى أن تقوم الساعة ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)غافر ) وكذلك قوم نوح ( مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَاراً (25) نوح ). كما توجد جنة الذين يٌقتلون فى سبيل الله ، وهم فيها أحياء لا يموتون ، ولا يجوز أن نقول أنهم موتى ، يقول جل وعلا : (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ (154) البقرة ) هم أحياء يتمتعون برزق الله جل وعلا حيث يشعرون بنا ولا نشعر بهم ، يقول جل وعلا ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) آل عمران ).
ثالثا :
سبق القرآن للعلم البشرى :
1 ـ تركز على الحجم المادى لكوكب الأرض ، وهو مجرد حبة رمل فى صحراء هذا الكون الملىء بالنجوم والمجرات والأبعاد بينها تُقاس بملايين السنوات الضوئية ، وتطلعت أحلام العلماء الى حضارات فى الكواكب والنجوم ، تستبعد أن يكون هذا الكون الفسيح يخلو من حضارت .
2 ـ حتى الآن لم تصل حضارة الانسان الى ما أخبر به رب العزة جل وعلا فى القرآن الكريم . غاية ما هنالك أن الانسان وصل الى الطرق على أول أبواب البرزخ أو ما يسميه بالعالم الموازى ، وعرف ( الأوتار الفائقة ) التى تتخطى المعروف من نظرية النسبية . وبدأت نظريات مؤسسة على نظرية الأوتار الفائقة تتحدث عن أكوان موازية ( أو برازخ ).
3 ـ كما إن إكتشاف الفمتوثانية فتح بابا جديدا يمكن به الدق على أبواب البرزخ الأدنى لنا وهو الأرض الثانية . العالم المصرى أحمد زويل إكتشف الفمتوثانية ، وهى جزء من مليون مليار جزء من الثانية. والنسبة بين الثانية والفيمتو ثانية كالنسبة بين الثانية و32 مليون سنة. وإنفتح الباب لوحدات زمنية أقصر ، هى ( أتوثانية هي وحدة زمنية تخضع لنظام الوحدات الدولي وتعادل 10󔼚 من الثانية، (واحد كوينتليون من الثانية ، ولسياق الموضوع فإن أتوثانية إلى الثانية يعادل ثانية إلى 31.71 مليار سنة أو ضعف عمر الكون ، تتشكل لفظة "أتوثانية" من البادئة آتو والوحدة ثانية. وتساوي أتوثانية 1000 زبتوثانية أو 1/1000 من فمتوثانية. لأن الوحدة الزمنية التالية الأعلى هي الفمتوثانية (10󔼗 ثانية)، وتحدد عادة الفترة من 10󔼙 ث و10󔼘 ث بالعشرات أو المئات من أتوثانية.) . الذى يهمنا هنا أن العلم بأجهزته المادية وصل الى ما يعتبره أقل وحدة قياس للزمن ، وهذا فى إطار عالمنا المادى الذى نستطيع إخضاعه بالتجربة وبأجهزتنا العلمية ، أى فى إطار سرعة الاهتزاز التى نعيش فى محيطها (400 ألف مليون دورة إلى 750 ألف مليون دورة في الثانية الواحدة )، فماذا عن العوالم الأخرى الزمنية فيما بعد الأوتوثانية والزبتو ثانية وأخواتها ؟ هنا الاقتراب من باب البرزخ .
4 ـ المعضلة الكبرى التى تواجهها النظريات الحديثة فى تفسير الكون والأكوان الموازية ليس فقط فى الربط بين نظرية النسبية وما تلاها من نظريات ، أو محاولة الوصول الى نظرية شاملة كاملة ، ولكنها فى تقديرى هى الجمع بين حقييتين : إنفجار خلق الكون والذى أنشا الكون والكون النقيض ، والذى تعرضنا له من قبل ، والحقيقة الأخرى هى البرازخ للأرضين الست والسماوات السبع .
أخيرا :
1 ـ يقول جل وعلا : (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعْ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (4) الملك ). لو أرجع الانسان بصره ومناظيره التيليسكوبية فى الكون المرئى رجع بصره حسيرا . هذا فى العالم المادى فقط من نجوم ومجرات . هناك قرابة 170 مليار مجرة فى الكون المنظور لنا حتى الان . وتقدر المسافة من كوكب الأرض إلى حافة الكون المرصود بحوالي 46 مليار سنة ضوئية. تتراوح أحجام المجرات وكميّة النجوم فيها ما بين بضعة الآف النجوم للمجرات القزمة, وحتى تلك العملاقة التى تضم مائة تريليون نجم . وهى ذات أشكال مختلفة : إهليلجى ، حلزونى ، وغير منتظم .والكثير منها يحتوى على ثقوب سوداء . أبعد مجرة عن الأرض : حتى مايو 1915 كانت المجرة جى اس زد 8 ـ 1 . وبينها وبيننا مسافة حوالى 13. 1 مليار سنة ضوئية . وكتلتها حوالى 15 % من كتلة مجرتنا درب التبانة . يبلغ قطر درب التبانة 100 الف سنة ضوئية، وفيها ما يربو على مئتي مليار نجم ، ومتوسط المسافة بين كل نجم وآخر خمس سنوات ضوئية، وتستغرق الشمس التي تبعد حوالي 30 الف سنة ضوئية عن المركز قرابة 250 مليون سنة مما نعُد لكي تكمل دورة واحدة حولها.
2 ـ ماذا عن عوالم البرازخ للارضين الست السماوات السبع ؟
3 ـ ثم .. ألا يخجل المحمديون حين يقرآون القرآن والكريم وآياته فى إبداع خلق السماوات والأرض ثم يصممون على وضع إسم محمد الى جانب إسم الخالق جل وعلا ؟ . صحيح أنهم ما قدروا الله جل وعلا حق قدره .!!


الفصل الرابع :
( البرزخ ) من كتاب العذاب والتعذيب

المكان والزمان والسرعة والعُلُوّ فى هذه الدنيا
مقدمة : فى محاولة لتصور مكان النعيم والعذاب فى اليوم الآخر نعطى لمحة عن المكان والزمان والسرعة والعلو فى هذه الدنيا ، وهى ( اليوم الأول ) الذى ينتهى بقيام الساعة ومجىء ( اليوم الآخر ). وقد تعرضنا فى مقالات سابقة لموضوع السماوات والأرض والاعجاز العلمى فى القرآنى والذى لم يتعرض له الغرب فى مكتشفاته العلمية ، ونتمنى أن يعيد كتابة هذه الموضوعات عالم متخصص يكون أقدر منا على إستخلاص الحقائق العلمية من الإشارات القرآنية . ونعطى بعض التفصيلات
أولا : سبع سماوات تتخلل سبع أرضين
يقول جل وعلا : (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ ) 12 ) الطلاق ). سبع سماوات الأعلى منها يتخلل الأدنى ثم السماء الدنيا تتخلل الأرض السابعة والأرض السابعة تتخلل السادسة وهكذا الى ارضنا المادية الأثقل والأبطأ فى سرعة إهتزازات ذراتها ، والتى تتخللها وتتخللنا الأرضين الست والسموات السبع . ويمكن أن نطلق على ما دون أرضنا ( البرازخ ) . وفيها تعيش مخلوقات الجن والشياطين ـ وهى ممنوعة من ولوج السماء الدنيا ، وتعيش الملائكة فى برازخ السماوات والأرض ، وأعلاها قدرا وهم ( الملأ الأعلى ) يعيشون فى السماء السابعة .
ثانيا : الزمن يتخلل الجميع
1 ـ مادة السماوات والأرض يتخللها الزمن . لا نعرف شيئا عن مادة السماوات السبع والأرضين السّت ، لأنها برازخ تتخللنا ولا نراها . نعرف أن المادة فى ارضنا وما حولها من كواكب ونجوم ومجرات تتكون من ثلاثة أضلاع يتخللها الزمن. ونعرف أن مادة السماوات السبع والأرضين السبع تنطلقان عبر زمن متحرك بسرعات مختلفة الى نقطة التلاشى .
2 ـ ونلاحظ أن رب العزة يعبر عن ( مواد ) الخلق فى السماوات والأرض بتعبيرات زمنية مثل ( اليوم ) و (الساعة ) و (الأجل ) أى الوقت المحدد سلفا. بل إن التعبير عن قيام الساعة وتفجير وتدمير السماوات والأرض يأتى بالسرعة التى تفوق سرعة الضوء ، أو سرعة لمحة بصرنا ، لم يقل جل وعلا ( لمح البصر ) أى سرعة الضوء ، بل إستعمل ( كاف التشبيه ) قال جل وعلا : (وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ(50) القمر). بل هو أقرب أى أسرع ، قال جل وعلا : (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ )(77) النحل ).
ثالثا : السرعة فى الاهتزازات
1 ـ الثابت علمياً أن ذرات المادة الأرضية تدور بسرعةتتراوح بين 400 ألف مليون دورة إلى 750 ألف مليون دورة في الثانية الواحدة ، أماذرات العالم البرزخى فإنها أسرع دوراناً وبهذا تخرج عن المستوى الاهتزازي لعالمنا المادي ولا نستطيع أن نراها ، ومن العالم غير المرئي لنا الجن والشياطين والملائكة والنفس البشرية بعد الموت وفى حالة النوم . وقد دل علم الميكانيكية الموجية على أن الأساس في تداخل الأجساد أو عدم تداخلها يرجع إلى اختلاف المستوى الاهتزازي لهذه الأجساد أو تطابقه . فإذا كان المستوى الاهتزازي واحداً لإنتمائهما إلى نفس العالم فإن تداخلها يكون مستحيلاً ، فالإنسان بجسده الأرضي لا يستطيع أن يخترق الجدران لأن مجال المستوى الاهتزازي بينها واحد . أما إذا أختلف المجالان فإن التداخل يكون طبيعياً .
2 ـ فالأبطأ هو سرعتنا نحن فى الأرض الأولى ، وكلما تداخلنا فى البرازخ زادت السرعة ، حتى نصل الى الملائكة فى برازخ السماوات ، وسرعاتهم فوق التصور ، قال جل وعلا : (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) فاطر ) . ( الجناح ) هنا كناية عن سرعة الطيران . والمفهوم أن سرعات طيران الملائكة تتفاوت حسب البرزخ الذى تعيش وتسبح وتطير فيه ومن دونه من البرازخ، الى أن نصل الى أعلى الملائكة قدرا، وهم (الملأ الأعلى).
3 ـ و( الروح ) جبريل والملائكة معه ينزلون بالأقدار المحتمة ليلة القدر فى رمضان ، وتحدث هذه الأقدار الحتمية فى موعدها من موت وولادة ورزق ومصائب للبشر فى العام التالى .
4 ـ الكائنات التى تعيش فى المجال: (Dimension ) الخاص بها تكون لها السرعة المتاحة فى هذا المجال . نحن سرعتنا فى التحرك دون سرعة الضوء ، من هو أعلى منا سرعتها أكبر، وما هو أعلى هو الأعلى فى السرعة واقل ممن هم فوقه . وهكذا.
رابعا : العلو يعنى سرعة إهتزازات الذرات
هنا يكون ( العلو ) فى العالم الدنيوى ليس بمفهومنا أى ما فوقك هو الذى يعلوك مكانا، هذا خطأ . فالذى يعيش فى فى المحيط المتجمد الجنوبى ليس أسفل الذى يعيش أسفل من رفيقه فى المحيط المتجمد الشمالى . كلاهما يرى السماء فوقه ، فالأمر نسبى هنا ، ولكن العلو هو حسب سرعة المخلوقات . سرعتنا محصورة فيما هو دون سرعة الضوء لذا فنحن أثقل ونحن أسفل ،وهناك سرعات الأوتار الفائقة التى تتجاوز سرعة الضوء ويقترب الانسان حاليا من التعامل معها ، وهى فى برزخ الأرض الثانية التى تتخلل أرضنا ، وبالتالى فهناك الأعلى منها فى برزخ الأرض الثالثة التى تتخلل الأرض الثانية وأرضنا المادية الأولى ، وهكذا حتى السماء الأولى الى السماء السابعة وملائكة الملأ الأعلى ( الأعلى سرعة ) والذين ينتقلون بسرعات لا يمكننا تصورها من مكانهم الأعلى الى أرضنا المادية( السفلى ) .
خامسا : الكون يجرى نحو النهاية ( قيام الساعة )
ويسير هذا الكون بأراضيه وسماواته الى الأجل المسمى مسبقا ، وهو المحدد لتدميرة بقيام الساعة . قال جل وعلا : ( مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ(3)الاحقاف) ولأن الكافرين مُعرضون فهم لم يتفكروا بأنفسهم أن الله جل وعلا ما خلق السماوات والأرض وما بينهما من نجوم ومجرات إلا بالحق والى أجل مسمى ، وهى الساعة نهاية هذا اليوم وبداية ( اليوم الآخر) ، قال جل وعلا : ( أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ(8)الروم ).
سادسا : تغير المكان الى الأمام فى الانطلاق نحو الأجل المسمى
1 ـ بإنطلاق هذا الكون بأراضيه وسماواته الى الأمام دائما حتى نقطة النهاية فإنك أيها الانسان يتغير مكانك نحو الأمام مع كل ثانية أو ( فمتو ثانية ) تمر . تخيل أنك تركب قطارا ينطلق بك الى الأمام ، ويتغير مكانك مع كل ثانية تمر ، كل هذا وأنت فى داخل هذا الكوكب الأرضى ، ولكن هذا الكوكب الأرضى نفسه ينطلق بك يدور حول الشمس ، أى أن مكانك يتغير فى نفس الوقت حول الشمس ، ثم إن هذه الشمس تدور بما حولها من كواكب واقمار حول مركز بمجرة درب التبانة ، أى يتغير مكانك أيضا فى نفس الوقت فى داخل درب التبانة الى الأمام ، ثم إن هذه المجرة نفسها تنطلق فى مدار لها وبالتالى يتغير مكانك الى الأمام فى نفس الوقت فى مجال مجهول يشمل مركز المجرات . هذا والجميع ينطلقون أيضا فى هذا العالم المادى الذى يشمل هذه الأرض وما حولها من نجوم ومدرات ،وفى نفس الوقت تنطلق الى الأمام دائما برازخ الأرضين الست التى تتخلل أرضنا وبرازخ السماوات السبع التى تتخلل برازخ الأرضين السّت . السماوات السبع والأرضين السبع كلها تنطلق الى الأمام الى نقطة التلاشى أو قيام الساعة ، حيث يعود الكون الى الصفر او اللاشىء الذى بدأ منه .
2 ـ لا سبيل لوقف هذا التقدم ، لا سبيل لوقف الزمن ، لأنه الذى يغلّف المادة سواء كانت مرئية لنا أو لم تكن .
سابعا :( فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لا تُبْصِرُونَ (39) الحاقة )
1 ـ نحن لا نرى عوالم البرزخ . بالسرعة التى تتحرك بها ذراته يستحيل على العين البشرية رؤيته . أنت ترى مروحة الطائرة وهى ساكنة فإذا تحركت بسرعة هائلة لم تعد تراها ، مع أنها تنتمى الى نفس عالمك المادى الثقيل ، فما بالك بمخلوقات برزخية تطير بسرعات خيالية ؟
2 ـ يقول جل وعلا:( فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لا تُبْصِرُونَ (39) الحاقة ). هناك ما يقع فى مجالنا البصرى ولا نراه ، وهناك ما لا يقع فى مجالنا البصرى وهو قريب منا ولا نراه ، مثل ملائكة تسجيل الأعمال التى تنتمى الى عالم البرزخ ، ومثل القرين الشيطانى الذى يتحكم فى نفس الضّال ولا يراه ، ولن يراه إلا فى اليوم الآخر .
3 ـ ويتحدثون عن ( المادة المظلمة ) غير المرئية ، وهناك سقف الأوزون الذى يحفظ غلاف الأرض الجوى المشار اليه فى قوله جل وعلا : (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (32) الأنبياء ).
ثامنا : لا نرى بناء السماء :
الله جل وعلا يصف السماء ( وهى كل ما يعلو ) بأنها مبنية أو أنها ( بناء )
1 ـ يقول جل وعلا : (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) البقرة 22 )( اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً)غافر 64 ). ( وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ) الشمس 5)
2 ـ وتأتى تفصيلات أخرى بالإضافة الى هذا البناء للسماء والسماوات:
2 / 1 : فهى مزينة وما لها من فروج أو ثقوب أى محكمة البناء ، قال جل وعلا : (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ ) ق 6 ).
2 / 2 : وهى مبنية بقوة ، قال جل وعلا عن السماوات السبع : (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا) النبأ 12 )،
2 / 3 : وهى بقوتها تتمدد وتتوسع ( توسع المجرات ) وتوسع السماوات ، قال جل وعلا : ( وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ) الذاريات 47 ).
2 / 4 : وهى محكومة بتوازن دقيق ، قال جل وعلا : ( وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ) الرحمن 7 ). وهى قوانين للجاذبية لا نراها، قال جل وعلا : (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ ) الرعد 2 ).
أخيرا : ما هى مدة هذه الدنيا ومتى تنتهى وتقوم الساعة ؟
ويأتى السؤال الهام . نحن فى هذا (اليوم الدنيوى ) نجرى مع السماوات والأرض الى الأجل المسمى وهو تدمير كل هذا الكون . فما هو طول هذا اليوم ؟
1 ـ كانوا يستعجلون العذاب ، وهو مؤجل الى يوم القيامة . وجاء أن الأمر بقيام الساعة قد صدر، ولكن تنفيذه سيأتى طبقا للموعد المحدد له بزمننا . قال جل وعلا : (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) النحل ). هنا إشارة الى إختلاف الزمن الالهى عن الزمن الأرضى . ولهذا يقول جل وعلا فى نفس الموضوع :( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47)الحج ) . فاليوم الالهى يساوى ألف عام بحسابنا .
2 ـ وهو نفس التقدير فى تدبير الأمر الالهى فى صدوره وعروجه بين السماء والأرض ، قال جل وعلا :( يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) السجدة )
3 ـ أما عن مدة هذه الدنيا فهى خمسون ألف عام ، بتقدير الرحمن وليس بتقدير زمننا . قال جل وعلا : ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) مِنْ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4)المعارج ) . لا نعرف متى بدأت ِ ولا نعرف متى ستنتهى وتقوم الساعة . كل ما نعرفه أنها إقتربت ، وأول علامة لاقتراب الساعة هو نزول القرآن الكريم الرسالة الالهية الخاتمة للعالم والباقية الى آخر الزمان .



( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) ابراهيم )

أولا : ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ )
1 ـ القوانين الفيزيائية التى نعرفها والتى لا نعرفها فى المُتاح لنا فى عالمنا المادى ( الأرض المادية والنجوم والمجرات ) تختلف عن القوانين الفيزيائية فى عوالم البرزخ من الأرضين الست والسماوات السبع . والقوانين الفيزيائية للسماوت السبع والأرضين السبع ستتبدّل مع تدميرها وخلق أرض بديلة وسماوات بديلة . ونفهم من قوله جل وعلا : ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ ) أنه تغيير بنسبة 100 % . التبديل يعنى وضعا متناقضا تماما . فالأرض القادمة تتناقض فى قوانينها الفيزيائية مع أرضنا الحالية ، وكذلك السماوات . وبالتالى فإن كُنّا لا نعلم سوى اليسير والظاهرى من أرضنا ومحيطاتها والنجوم والمجرات فنحن أجهل بالعالم القادم ، قال جل وعلا : (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) الروم ) وما نعلمه عنه هو بمقدار ما نفهمه من القرآن الكريم فى الحديث عن أحوال الآخرة .
2 ـ وممّا نفهمه فى موضوع الزمن أنه فى هذه الدنيا متحرك يسير بنا الى الأمام الى قيام الساعة ونقطة الصفر والتلاشى ، وفى تناقض لذلك سيكون الزمن فى اليوم الآخر راهن حاضر خالد ، ليس فيه الأمس أو الغد . هذا وضع يستحيل علينا فهمه لأن معارفنا مستمدة من بيئتنا ، ولا سبيل الى تخيل ما يخرج عن مدركاتنا .
3 ـ التعبير القرآنى عن أحوال اليوم الآخر يأتى بالفعل الماضى ـ مع إنه لم يحدث بعدُ ، مثل قوله جل وعلا : (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِوَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) وَأَشْرَقَتْ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (69) الزمر ). هذا بينما تأتى ملامح اليوم الآخر متتالية من البعث الى الحشر الى العرض أمام الله جل وعلا الى الحساب الى دخول الجنة أو النار . هذا التتالى والتتابع كيف يتسق مع الزمن الخالد الحاضر الراهن الذى لا يتحرك وليس فيه ماضى أو مستقبل ؟ المعضلة هنا أنه لكى تدخل الجنة أو النار فلا بد من المرور بمراحل ( سابقة ) أو ( ماضية )، فكيف يتأتى ( الماضى ) مع زمن ساكن ساكت متجمد خالد ؟ نعجز عن الاجابة وعن التخيل لأننا محكومون بمدركاتنا . ومدركاتنا اليوم لا تزال عاجزة عن فهم البرازخ وما يخرج عن الفيزيقا ويدخل فى الميتافيزيقا فى عالمنا فكيف بعالم لم يأت بعدُ ولمّا يأتنا تأويله أو تجسيده واقعا . حين نرى ذلك ونشهده فسنعرف . هذا بينما هو معلوم للخالق جل وعلا ، لأنه عالم الغيب والشهادة . ولهذا يتحدث عنه رب العزّة جل وعلا بصيغة الماضى بإعتباره أمرا تقرّر وانتهى ، ثم سيأتينا فى وقته وموعده ، كقوله جل وعلا عن قيام الساعة (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) النحل )
4 ـ بدأ الخلق للسماوات والأرض بالانفجار العظيم المُشار اليه فى قوله جل وعلا : ( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (30) الأنبياء ) ، ونتج عنه خلق كونين متناقضين ، قال جل وعلا : (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49) الذاريات ) (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (36) يس ) ، وكل منهما يسير مبتعدا عن الآخر فى شكل بيضاوى ، عن توسع الكون قال جل وعلا :(وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) الذاريات ) ثم يلتقيان كما قال جل وعلا فى تشبيه مُعجز : (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104) الأنبياء ) بإصطدامهما يتفجران ويفنى كل منهما الآخر ويعود العالم الى نقطة الصفر . وهذا معنى قيام الساعة .
5 ـ وبحساب رب العزة جل وعلا فإن خمسين ألف عام تفصل بين بدء الخلق للسماوات والأرض وتدميرهما وقيام الساعة . نحن لا نعرف مقدار السنة فى حساب الرحمن ، ولا نعرف ماذا إنقضى من هذه الخمسين ألف سنة ، وما هو المتبقى . قال جل وعلا : ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) مِنْ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (6) وَنَرَاهُ قَرِيباً (7) المعارج ) . كل ما نعرفه إنه إقتربت الساعة ، قال جل وعلا من 14 قرنا : (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) الأنبياء )
6 ـ نستعمل الآن (السنة الضوئية ). تبلغ سرعة الضوء 300 ألف كيلومتر/ثانية، وبهذه السرعة فان الضوء يقطع 18 مليون كيلومتر في الدقيقة وهذه تسمى الدقيقة الضوئية. تبلغ المسافة التي يقطعها الضوء في سنة واحدة 9,460,730,472,580,800 متر أي أنها تبلغ 9.461 تريليون كيلو متر.المسافات في الكون شاسعة جداً بحيث تقاس ببلايين السنين الضوئية . فماذا عمّا فى البرازخ من سرعات ومسافات و قياسات لا يعلمها إلا الخالق جل وعلا ؟ . قال جل وعلا : ( لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (57) غافر )
ثانيا : ( وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) ابراهيم )
1 ـ الله جل وعلا يدير هذا الكون بملائكته ، ويعبر جل وعلا عن ذلك بالزمن الأرضى فيقول : ( يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6)السجدة ) . نلاحظ إستعمال الزمن المضارع المستمر فى التدبير للأمر الالهى فى إرساله وفى عروجه اليه جل وعلا وهذا فى يوم إلهى قدره ألف سنة بتقديرنا . وهو فوق الزمان والمكان ، لذا فهو جل وعلا عالم الغيب والشهادة . بالنسبة لنا فالمستقبل غيب ، بالنسبة له جل وعلا فهو يعلم الغيب والشهادة . قال جل وعلا عن إحطة علمه : (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2) سبأ )، وكل شىء يحدث معلوم له جل وعلا ومكتوب ، قال جل وعلا : (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59) الانعام )
2 ـ الملائكة الذين يدبر بهم رب العزة الأمر منهم جبريل الروح وملائكة معه كانوا ينزلون بالوحى الالهى على الأنبياء ، وإنقطع هذا بإكتمال نزول القرآن الكريم ، ولكن لا يزال جبريل والملائكة معه ينزلون بالأقدار الحتميات ليلة القدر من شهر رمضان كل عام . وهناك ملائكة الموت وملائكة تسجيل الأعمال . وفى اليوم الآخر يتعرض الناس والملائكة الى الحساب ، قال جل وعلا عن حساب الملائكة : (وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )(75) الزمر ) (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً (38) النبأ ) . هذا لأن الملائكة يتمتعون بحرية القول والعمل ، ونتذكر أن إبليس كان من الملأ الأعلى من الملائكة ثم عصى فجوزى باللعن والطرد خارج السماوات والى برازخ الأرض مع الجن .
3 ـ يختلف الوضع فى اليوم الآخر ، لأنه يوم لقاء الله جل وعلا . والمؤمن يرجو لقاء ربه يحقق ذلك بالتقوى ، والكافر غافل عن لقاء الله جل وعلا غير مؤمن به .
4 ـ والله جل وعلا يستعمل اسلوب المشاكلة:
4 / 1 : فيصف اللقاء بالمجىء ، قال جل وعلا : ( كَلاَّ إِذَا دُكَّتْ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً (22) الفجر ) .
4 / 2 : أو أن الناس يُساقون الى ربهم ، قال جل وعلا : ( إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) القيامة ) (إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30) القيامة )
4 / 3 : أو يبرزون اليه جل وعلا : ( وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً ) (21) ابراهيم ) ( وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) ابراهيم )
4 / 4 : أو يُعرضون عليه صفّا ( وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً ) (48) الكهف )
فى كل هذا لا يمكن لنا أن نتخيل المكان كما لا يمكننا أن نتخيل الزمان .
5 ـ يأتى رب العزة يوم لقائه فى اليوم الآخر ومعه ملائكة اليوم الأخر، صفا صفا . قال جل وعلا : ( وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً (22) الفجر ) . ونتصور أن هذه الملائكة الذين سيأتون معه هم خلق جديد لا يتعرضون للحساب لأنهم خُلقوا على الطاعة المطلقة . وهم أنواع مختلفة :
5 : 1 : منهم أصحاب الأعراف ، وهم ( رجال ) أى مترجلون على حاجز بين أهل الجنة وأهل النار ، قال عنهم جل وعلا : (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمْ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49) الاعراف ). والتفصيل فى كتابنا ( المسلم العاصى ) المنشور هنا .
5 / 2 : ومنهم الصّافون الذين يقومون بصف الناس وزجر من يخرج منهم عن الصّف ، وذكرهم رب العزة جل وعلا : (وَالصَّافَّاتِ صَفّاً (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً (2) الصافات )
5 / 2 / 1 : ومن الملائكة الصّافين أولئك الذين يوزعون أهل النار يحشرونهم الى جهنم ويذكرونهم بالكتاب الالهى الذى كذبوا به ، قال جل وعلا : (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) النمل ) ويؤنبونهم : ( حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (84) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنطِقُونَ (85) النمل )( وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) فصلت ) .
5 / 2 / 2: ومنهم الذين يسوقون أصحاب النار الى أبواب النار يؤنبونهم على تكذيبهم بآيات الله : (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) الزمر)، وهم الذين يلقون بهم من أبواب الجحيم كأكياس الزبالة ، قال جل وعلا : (وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ (37)الانفال )(فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) الشعراء )
5 / 3 : ومنهم الذين يسوقون أصحاب الجنة الى أبواب الجنة يسلمون عليهم ، قال جل وعلا : ( وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) الزمر )
5 / 4 : منهم ملائكة النار داخل النار، قال جل وعلا عنهم : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) التحريم )
5 / 4 / 1 : هم خزنة جهنم الذين سيسألون الواردين اليها عن تكذيبهم بآيات الله جل وعلا : (إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنْ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (9) الملك )).
5 / 4 / 2 :وفى خضم العذاب سيرجو أهل النار من خزنة جهنم أن يدعوا لهم رب العزة أن يخفف عنهم يوما من العذاب ، وتأيتيهم الاجابة تبكيتا ولوما ، قال جل وعلا : ( وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنْ الْعَذَابِ (49) قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (50)غافر).
5 / 4 / 3 : ومنهم ( مالك ) خازن النار الذى سيرجونه أن يدعو الله جل وعلا أن يقضى عليهم بالموت هروبا من العذاب ويرد عليهم يذكرهم بالحق القرآنى الذى كذّبوا به ، قال جل وعلا : (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (78) الزخرف ) . هل يتعظ بهذا المحمديون المؤمنون بأحاديثهم الشيطانية الكافرون بالقرآن ؟
5 / 4 / 4 : ومنهم ملائكة العذاب الذين يلاحقون أهل النار حين يريدون أن يخرجوا منها يضربونهم بمقامع من حديد ، قال جل وعلا : (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22) الحج ) (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20) السجدة )
5 / 5 : ومنهم ملائكة الجنة الذين يدخلون على أهلها يحيُّونهم ، قال جل وعلا : (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)الرعد )
6 ـ ويأتى معه جل وعلا الجنة والنار . قال جل وعلا : ( وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) الشعراء )( وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) النازعات )( وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) الفجر ). الجنة والنار ليس لهما وجود الآن .
أخيرا :
1 ـ يقول جل وعلا عن تمام تحكمه يوم القيامة : ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِوَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) وَأَشْرَقَتْ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (69) الزمر ) . هنا أسلوب المبنى للمجهول ، إذ يفقد البشر حريتهم التى كانت ممنوحة لهم فى الدنيا . يفقدونها من لحظة الاحتضار ، ويظلون فاقدين لحريتهم فى البعث والحشر والعرض والحساب . ثم يختلف الوضع ، فأصحاب الجنة يستعيدون حريتهم خالدين فى الجنة وهى مُفتّحة لهم الأبواب ، أما الكافر فيظل فاقدا حريته أبد الآبدين فى النار . أى إن الذى يسىء إستعمال الحرية فى الدنيا يعيش عاصيا منتشيا بحريته فى الكفر والظلم والعدوان مصيره أن يتمتع بهذه الحرية أوقات يقظته فى الدنيا وأوقات صحته وسطوته ، ثم يفقد حريته بالموت ويظل فاقدا لها فى البعث والحشر والحساب وفى جهنم حيث العذاب الأبدى .
2 ـ فهل يتعظ الكافرون بهذا ؟


معضلة ( المكان ) فى الآخرة
مقدمة :
هذا تدبر قرآنى فى موضوع المكان فى الآخرة حيث الجنة والنار ، هما غيب مستقبلى لم يحدث بعدُ ، ولكن جاءت عنه إشارات قرآنية نتدبرها ،وقد نخطىء وقد نصيب . وفى النهاية فإن ما جاءت به الآيات القرآنية سيأتى تأويله ( بمعنى التجسيد والتحقق ) يوم القيامة .
أولا : علمنا القليل ورؤيتنا المحدودة فى هذه الدنيا :
1 ـ نحن لا نرى طاقات وأشعة نستفيد بها ، أى ضمن عالمنا المادى ، ولا نرى بأعيينا المجردة دواب حية فى أعماق المحيطات ، ودواب حية تعيش داخلنا وعلى جلودنا ونستنشقها ، وبعضهما نافع وبعضها ضار . قال جل وعلا عنها أنها ( أٌممُّ أمثالنا ) : ( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) الانعام ) . نستخدم المناظير والتيليسكوبات فى رؤية الدقيق القريب والضخم البعيد من الذرة الى المجرة، وكلما إكتشفنا شيئا أدركنا مقدار ما نجهله من بديع صنع الرحمن جل وعلا .
2 ـ العلم الحديث الآن يدق أبواب عوالم البرزخ فيما يعرف بنظرية أو نظريات الأوتار الفائقة ، وفيها إختلافات وعليها إعتراضات ـ شأن بداية أى علم يدق أبواب المجهول . وعرفوا من نظرية الأوتار الفائقة أن الأبعاد في الكون الذي نعرفه؛ 3 أبعاد رئيسية وهي (الطول، العرض، الارتفاع)، بالإضافة إلى البُعد الرابع (الزمن). أما نظرية الأوتارفتقول أن الكون مُكوّن من «11 بُعداً»، منها الأبعاد الثلاثة الرئيسية، والبُعد الرابع (الزمن)؛ بالإضافة الى 7 أبعاد كونية أخرى. وقالوا إن نظرية الأوتار الفائقة تفسر ما حدث وماكان موجودا قبل الانفجار العظيم حين كان الكون كلة مركزا فى نقطة واحدة إنفجرت ، وهو المُشار اليه فى قوله جل وعلا يخاطبهم :( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا )(30)الأنبياء ). وقالوا إن الأبعاد لهذا الكون تتحرك ضمن قوانين جديدة . وتؤكد نظرية الأوتار على أن الوحدات الأساسية المكوِّنة للعالم هي الأوتار، وهي خيوط اهتزازية من الطاقة متناهية الصغر. يهتز كل وتر على تردد معين ويمثل قوةً محددة. وتعتبر الجاذبية وجميع القوى الأخرى نتاجاً لاهتزازات أوتار محددة.وكل شيء في الكون (فيرميونات، كواركات وليبتونات، هادرونات، بوزونات، وحوامل القوة كالفوتونات) يعرف بنمط الاهتزاز لأوتاره.وأن هذه هذه الأوتار المهتزة هى الوحدة الأساسية لتشكيل المادة ، وليس الذرات أو الجسيمات النقطية الصغيرة . وقالوا أنه إذا صحت هذه الفرضية الخاصة بالأبعاد الـ11، فإن معنى هذا أن الكون ليس وحيدًا، وإنما هناك أكوان عديدة متصلة ببعضها، ويشير العلماء إلى أن هذه الأكوان متداخلة ولكن لكل كون قوانينه الخاصة، فالحيز الواحد من العالم من الممكن أن يكون مشغولًا بأكثر من جسم لكن من أبعاد مختلفة أى متداخلة .
3 ـ حسنا . لقد سبق القرآن الكريم العلم الحديث فى موضوع البرازخ للسماوات السبع والأرضين السبع ، والمتداخلة فى نفس المكان . فما يقولون أنه ( أبعاد ) هو البرازخ للأرضين الست والسماوات السبع . وبالتالى فالأبعاد هى 13 وليس 11 كما يقولون .
4 ـ وسبق القرآن الكريم فى أن هناك مخلوقات حية فى السماوات والأرض ، قال جل وعلا : ( وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (49) النحل ) ( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (29) الشورى ) ومفهوم انها الجن والإنس والشياطين والملائكة .
4 ـ ما نعرفه قليل فى عالمنا المادى ( الأرض والنجوم والمجرات ) وما نعرفه أقلُّ وأقلّ عن برازخ الأرضين الست والسماوات السبع . ومصدر العلم هو ما جاء من إشارات عنها فى القرآن الكريم الذى يسبق علم البشر . بالتالى فإن مصدرنا الوحيد هو القرآن الكريم فى معرفة ما سيحدث فى المستقبل فى قيام الساعة وتدمير هذا الكون وتبديله بارض بديلة وسماوات بديلة ومجىء الرحمن ليحاكم الخلق من بشر وجن وملائكة وشياطين . وما ينتج عن الحساب من نعيم أو جحيم .
5 ـ المشكلة فى توصيل المعلومات عن اليوم الآخر بطريقة نفهمها ، ونحن لا نفهم إلا ما ندركه بحواسّنا ، وما نكتشفه فى عالمنا المادى نصنع له تعبيرات وصفات جديدة . وبالتالى فإن رب العزة جل وعلا يصيغ لنا معرفة جديدة نستطيع بها الاقتراب من هذا العالم المختلف الذى لم يأت بعد . ومن هنا أيضا تبدو معضلة الزمان والمكان فى اليوم الآخر .
6 ـ القائلون بنظرية الأوتار الفائقة يتصورون مادة مختلفة فى الأبعاد أو الأكوان ، ليست ثلاثة أضلاع بالاضافة الى الزمن . بالتالى فهناك مكان مختلف فى هذه الأكوان فى هذه الدنيا ، وبالتالى أيضا فالمكان مختلف بل متناقض تماما فى اليوم الآخر ، ولا يمكننا تصوره على حقيقته .
ثانيا : السماوات والأرض فى اليوم الآخر
1 ـ للأرض الحالية معانى مختلفة عرضنا لها فى باب القاموس القرآنى . ومنها ( الأرض ) بمعنى أرض الجنة فى قوله جل وعلا : ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ (105) الانبياء )، وقول أهل الجنة : ( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74) الزمر ).
2 ـ وتأتى ( الأرض ) مرادفة للسماوات فى قوله جل وعلا : ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) الزمر ) ، ويأتى بعدها قوله جل وعلا : ( وَأَشْرَقَتْ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (69) الزمر ) . أى أن يوم الحساب ولقاء الرحمن سيكون على أرض الآخرة . وعليه قد تكون الارض والسماوات متداخلة .
3 ـ ويقول جل وعلا عن إتساع الجنة : ( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) آل عمران ). أى إن عرضها هو السماوات والأرض . والمفهوم هنا ان الجنة ستكون مفتّحة الأبواب ( جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمْ الأَبْوَابُ (50) ص ) بحيث يجوب أصحاب الجنة كل مكان بما فيها النار يرون أهلها ، وحكى رب العزة جل وعلا مشهدا فى ذلك حيث إطّلع واحد من أهل الجنة على واحد من أهل النار كان قرينا له فى الدنيا يحاول إضلاله وخاطبه مؤنبا له : ( فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (50) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنْ الْمُحْضَرِينَ (57) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59) الصافات ) . وهم فى هذا لا تضرهم نارها ولا يسمعون حسيسها ، قال جل وعلا عن أصحاب النار: ( لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ (100) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) الأنبياء )
ويقول جل وعلا : ( سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ )(21) الحديد ) ، هنا إستعمال التشبيه ( كعرض السماء والأرض).

الباب الثانى : ( البرزخ ) فى مقالات متصلة منفصلة
الفصل الأول
برزخ المقتول فى سبيل الله جل وعلا

برزخ المقتول فى سبيل الله جل وعلا
1 ـ فى مايو 1985 كُنتُ متهما أمام لجنة تحقيق بسبب كتابى ( الأنبياء فى القرآن الكريم ) وأربعة كتب أخرى . حسبما أتذكر سألنى المحقق عن قولى فى الكتاب إن النبى مات ، واتهمنى المحقق بأننى أجعل ( الشهيد ) أعلى مكانة من النبى ، فأجبت بأننى لستُ من قال إن النبى ميت ، بل من قال هذا هو رب العزة جل وعلا ، قال له يخاطبه وهو حى وقتئذ ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) الزمر ) ومن ينكر موت النبى الآن فهم يكفر بهذه الآية ، وقلت أن الشهيد يوم القيامة هو من يشهد على قومه يوم الحساب . أما الذى يكون حيا ولا يصح أن نقول عنه إنه ميت فهو من يُقتلُ فى سبيل الله . والله جل وعلا هو الذى قال ذلك : ( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ (154) البقرة ) ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) آل عمران ) . وطالما قال رب العزة عن النبى إنه ميت فأنا أومن أنه ميت ، وطالما نهى رب العزة عن وصف من يُقتل فى سبيل الله بالموت فأنا ملتزم بهذا . و لا دخل للتفضيل فى هذا .
2 ـ أتذكر الآن هذا الحوار بعد اكثر من ثلاثين عاما ، وأتخيل إمتداده ليشمل أسئلة هامة عن برزخ من يُقتلُ فى سبيل الله جل وعلا . أتخيله على النحو التالى :
قال : أين يوجد برزخ من يُقتل فى سبيل الله جل وعلا ؟
قلت : البرزخ الذى يوجدون فيه ـ حسب تصورى ـ هو جنة المأوى ، وهى المذكورة فى سورة النجم : (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) النجم ).
قال : إذن رآها النبى محمد عليه السلام ؟
قلت : نعم . وهذه آية له حين رأى جبريل للمرة الثانية ينزل من الأفق الأعلى الى جنة المأوى .
قال : وكيف رآها النبى ؟
قلت : لم يرها بعينيه . رآها بفؤاده . والفؤاد هو النفس . حين تجردت نفسه عن جسده المادى. لأن هذا الجسد المادى غطاء يحول بيننا وبين رؤية عوالم البرزخ . رأى جبريل يهبط من برزخ علوى ــ حيث ينتمى جبريل الى ( الملأ الأعلى ) ــ الى برزخ اسفل ، فيه جنة المأوى . فغاية رؤية النبى عليه السلام بفؤاده ـ أى قلبه ـ أى نفسه ـ هى عندئذ ، سدرة المنتهى ، عند جنة المأوى . ولأنه رأى بعين قلبه أو فؤاده ما يعجز عن التعبير عنه فإن بصره المادى تجمد كما لو كان ميتا ، يقول جل وعلا (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) ) ولأنه عالم برزخى ( علوى بالنسبة لنا ) لا نستطيع وصفه ولا التعبير عنه فقد جاء التعبير القرآنى عنه بالتهويل : (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)).
قال : ولماذا يكون برزخ من يُقتل فى سبيل الله جل وعلا فى جنة المأوى بالذات ؟
قلت : فى تصورى أنها الجنة التى كان فيها أبوانا آدم وزوجه . ومن يقتل من أبناء آدم يرجع اليها ليتنعم فيها .
قال : وكيف تتصور جنة آدم ؟
قلت : كانا يعيشان فيها وسط أشجار وأنهار وثمار ، وكان جسدهما المادى مغطى بأنوار هذه الجنة لا يعلمان عنه شيئا . وكان يريان عوالم البرزخ الأخرى بدليل أنهما كانا يريان الشيطان الذى خاطبهما ودلهما على الشجرة المحرمة ، واقسم لهما أنه من الناصحين ، يقول جل وعلا فى قصة آدم وزوجه : (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) الاعراف ). حين بدا لهما جسدهما المادى السوأة بعد اكلهما من الشجرة ، أخذا يغطيانه بورق شجرة الجنة النورانى ، بينما إنتهز الشيطان محنتهما فأخذ يكشف لهما عن معالم جسدهما السوأة . يقول جل وعلا يحذر أبناء آدم ويؤكد أننا لا نرى عوالم البرزخ بينما هم يروننا : (يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (27) الاعراف )
قال : وكيف كان يعيش آدم وزوجه في جنة الخلد ؟
قلت :هى بعكس الحياة فى أرضنا المادية . فى أرضنا المادية جوع وعطش وعُرى وشقاء . لم يكن آدم وزوجه يعرفان هذا وهما فى جنة المأوى ، وقد قال لهما رب العزة يحذرهما من الشيطان : (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى (119) طه ).
قال : هل تتصور انّ من يُقتل فى سبيل الله عز وجل يحيا بنفس حياة آدم وزوجه ؟
قلت : نعم ، ويكفى قوله جل وعلا : (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ). هم احياء يتمتعون برزق ربهم بلا تعب فى الحصول عليه فقد جاء من فضل رب العزة جل وعلا عليهم .
قال : هل يأكلون ويشربون ؟
قلت : نعم . فطالما هم احياء فلا بد من طعام يُعين على الحياة . والله جل وعلا هو وحده فاطر السماوات والأرض وهو وحده الذى لا يُطعم ، وهو الذى يطعم غيره ، يقول جل وعلا : ( قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ )(14) الانعام ). فى إستمرار الحياة لدى المخلوقات لا بد لها من طعام ، هذا يسرى على كل المخلوقات المادية والبرزخية . ومن يُقتل فى سبيل الله ، هم أحياء وهم يُرزقون إذن هم يأكلون ويشربون ، وطبعا يختلف الطعام والشراب عما نعرف .
قال : وماذا يحدث لهم عند الموت ؟
قلت : يذوقون الموت ولكن هم لايموتون ، وممنوع أن نقول عليهم اموات . هل نسيت ؟
قال : ولكن كل إنسان يتوفاه الله جل وعلا . أى لا بد لمن يُقتل فى سبيل الله من الوفاة . والله جل وعلا يقول : (( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (32) النحل ) ( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوْا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29) النحل )
قلت : الوفاة أعمّ من الموت . الوفاة هى توفية الرزق وتوفية كتابة العمل ثم يوم القيامة توفية الحساب على العمل . من يُقتل فى سبيل الله جل وعلا يُوفّى عمله ورزقه عند قتله وحلول أجله ، وعندها تأتيه الملائكة تبشره بالنعيم وتصحبه الى جنة المأوى .
قال : وما هو الفارق بينه وبين المؤمن العادى الذى تبشره الملائكة بالجنة ؟.
قلت : أن المؤمن العادى بعد لقاء الملائكة يغوص فى البرزخ ميتا لا يحسُّ بشىء الى أن يأتى البعث ، ولا يحسُّ بالزمن ، أما من يُقتل فى سبيل الله فهو يعيش حيا يرى أحبته فى الدنيا ، ويتمنى لو يلحقون به ، كما قال جل وعلا : ( بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) آل عمران ). الزمن هو الفارق الأساس . الموت فى البرزخ هو عدم الاحساس بالزمن. أما المقتول فى سبيل الله جل وعلا فهو يحس بالزمن ويعايشه يرى أهله ومن بعدهم. وأتصور أنه فى منطقة من البرزخ تهيىء له هذا ، ويكون مختلفا عن بقية الأنفس الميتة فى برزخ آخر .
قال : ألا ترى تناقضا بين قوله جل وعلا : ( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ (154) البقرة ) وقوله جل وعلا (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ) (185) آل عمران ) (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ) (35) الانبياء) (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (57)العنكبوت ). هل لديك شك فى أن من يُقتل فى سبيل الله جل وعلا سيذوق الموت ؟ .
قلت : الحديث هنا عن تذوق الموت ، وهذا سيحدث لكل نفس بشرية حين يأتيها الأجل وتُفى رزقها فى هذه الدنيا ويوف ويغلق كتاب أعمالها ، كل نفس تذوق الموت أى تدخل بوابته وتشعر برهبة لقاء الملائكة ، هذا هو معنى تذوق الموت والاحساس به فى الانتقال من عالم المادة الى عالم البرزخ . ولكن الموت نفسه بمعنى فقدان الاحساس لا يكون من نصيب من يُقتل فى سبيل الله جل وعلا ، إذ يستعيد حياته متنعما فى البرزخ ، هو مجرد انتقال من مستوى أرضى مادى الى مستوى أرفع وأعلى . بينما يموت الآخرون يغوصون فى قاع البرزخ لا يشعرون ولا يحسون بشىء الى أن يأتى يوم البعث .
قال : وماذا سيحدث لمن يُقتل فى سبيل الله جل وعلا يوم القيامة ؟
قلت : هو نفس ما سيحدث للجميع . سيتم تدمير الأرض والسماوات والبرزخ بكل مستوياته ، يقول جل وعلا : (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) ابراهيم). الأرض بمستوياتها السبع ( أرضنا المادية والست أرضين المتداخلة فيها ـ أو البرازخ الست المتداخلة فينا وفى الأرض ، ثم السماوات السبع التى تتداخل فى السبع ارضين) كلها يتم تدميرها فى لمح البصر أى بسرعة الضوء أو أقرب أى أسرع . وهذا هو الانفجار الأول ، أو بالتعبير القرآنى ( نفخ الصور ) وبه يعود العالم بسماواته وأرضينه وما بينهما الى نقطة الصفر التى بدأ منها . ثم يأتى إنفجار آخر ( أو نفخ الصور ) قيتم خلق أرض جديدة أزلية وسماوات جديدة ازلية ، ثم إنفجار آخر فيتم البعث ، سواء من كان حيا من قبل فى البرزخ ( منعما مثل من يُقتل فى سبيل الله جل وعلا ، أو مُعذبا فى البرزخ مثل فرعون وآله وقوم نوح ) . ويدخل الجميع فى دوامة البعث والحشر والعرض والحساب ، ثم الى جنة أو الى نار . هنا يفنى الزمن الأرضى العادى المتحرك وندخل فى زمن خالد لا ماضى فيه ولا مستقبل ، ولا يمكن لنا تصوره.
قال : يقول جل وعلا : (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِوَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) وَأَشْرَقَتْ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74) وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِلاَّ (75) الزمر).
قلت : ودائما .. صدق الله العظيم .

الفصل الثانى : البرزخ بين الموتى ومن يُقتل فى سبيل الله جل وعلا

مقدمة :
1 ـ فى شهر مايو 1985 كانت محاكمتى داخل جامعة الأزهر بسبب كتبى الخمسة ، وأهمها كتاب ( الأنبياء فى القرآن الكريم : دراسة تحليلية ) . وكان الذى يتولى محاكمتى عميد كلية أصول الدين بأسيوط وقتها وهو : د محمد سيد طنطاوى. كنت قد كتبت فى ( كتاب الأنبياء فى القرآن الكريم ) أن " جسد النبى فنى وانتهى ولا عبرة بالزيف القائل بأن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء ، فكيف للارض أن تعلم بالصالح أم الطالح ". وجدها المحقق فرصة لكى يتهمنى بأننى أفضّل ( الشهداء ) فى رأيه على النبى محمد لأنهم أحياء عتد ربهم يرزقون . قلت إن الله جل وعلا هو الذى نهانا عن أن نقول على من يُقتل فى سبيل الله أنهم أموات ، وهو الذى قال إن النبى (ميت ) ، ولا بد أن أطيع ما جاء فى القرآن .
2 ـ وقلنا فيما بعد فى ( كتاب الموت ) : ( في بداية الدعوة في مكة والنبي في صراع مع كفار قريش قال تعالى للنبي:( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) الزمر). ولنتأمل في الآيتين : حين نزل قوله تعالى للنبي " إنك ميت " كان في بداية الأربعينات .. ولا يزال أمامه عمر طويل قضاه بين مكة والمدينة ، ومع ذلك جاءت الصيغة بالجملة الاسمية "إنك ميت " ولم تقل له مثلاً " إنك ستموت " والجملة الاسمية تفيد الثبوت أي أن الموت ثابت في حقك مهما عشت من عمر . ثم تقول " وإنهم ميتون " وتقصد أن أعداءك المشركين ميتون أيضاً . وهذا ما نفهمه من الآية التالية : (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) الزمر). ولن يختصم مع النبي يوم القيامة إلا أعداؤه ، أبو جهل ، عقبة بن معيط ، أمية بن خلف ، أبو لهب .. الخ . والنظرة السريعة لقوله تعالى :( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) الزمر) تفيد المساواة بين النبي وأعدائه في استحقاق الموت ، والتأكيد هنا بأن واسمية الجملة حسب المفهوم من فصاحة اللغة العربية ، أي لاشك في أنك ستموت وفى أنهم سيموتون . والنظرة المتعمقة في قوله تعالى :( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) تجعل التأكيد لموت النبي يزيد عن نظائرها في تأكيد موت المشركين من أعدائه ، فالآية بدأت بالنبي وخاطبت النبي مباشرة فقالت " إنك ميت " ثم ثنّت بالمشركين وتحدثت عنهم بضمير الغيبة وليس بضمير المخاطب ، وضمير المخاطب أعرف من ضمير الغائب . والتركيب القرآني غاية في الدقة والفصاحة ولم يأت عبثاً ـ سبحان الله عن العبث ـ وإنما جاء ذلك التركيب اللغوي ليرد على دعاوى علم الله أنها ستظهر بعد القرآن تشيع أن النبي حي في قبره فأراد الله تعالى أن يكون كتابه حجة عليهم إلى يوم القيامة . لن يدعى أحد أن أبا جهل حيُّ في قبره .. وإنما يدعى الكثيرون أن النبي حيُّ في قبره .. لذا كان لابد من زيادة جرعة التأكيدات في استحقاقه الموت له عليه السلام أكثر من التأكيد على موت أعدائه الذين لا خلاف على استحقاقهم الموت ، وقد ذكرت الآية موتهم لتزيد من يقين المؤمن بأن محمداً (ص) ميت لا محالة وأن موته سيكون طبيعياً شأن كل إنسان . وعطاء هذه الآية " إنك ميت وإنهم ميتون " لم ينفذ بعد .. إن الآية ببساطة أخبرت النبي والمؤمنين معه في مكة أنه لن يقتل في سبيل الله ولكن سيموت على فراشه موته طبيعية لأن القرآن ينهى أن نقول على من قتل في سبيل الله بأنه ميت:( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ (154)البقرة)، بل ينهانا ربنا جلا وعلا أن نحسبهم ضمن الأموات فيقول بلهجة التأكيد الشديد:( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) آل عمران ). المقتول في سبيل الله ـ فقط ـ هو الذي يستحق الحياة عند الله وإذا وصفناه بأنه ميت فقد عصينا أمر الله في القرآن .. ولكن في نفس الوقت فالقرآن يخبر النبي بأنه ميت . وعلينا أن نؤمن بذلك وإلا فقد كذبنا آيات الله ..).
3 ـ ماذا عن البرزخ بين الموتى ومن يُقتل فى سبيل الله جل وعلا ؟.
أولا : البعث للموتى وليس للمقتول فى سبيل الله جل وعلا
1 ـ قلنا إن هناك سبع أرضين ، أرضنا المادية يتخللها بالترتيب ست أرضين أخرى ، مستويات أخرى أو برازخ ، ثم بالترتيب أيضا هناك سبع سماوات يتخللن السبع أرضين. نفس الحيّز ولكن بأبعاد وأعماق متوالية ، يتخلل الأعلى ما هو دونه من السماء السابعة وما يليها حتى الأسفل وهو هذه الأرض والكون المادى من نجوم ومجرات.
2 ـ فى برازخ الأرض توجد الجن والشياطين والملائكة الموكلة بالانسان ، مثل ملائكة تسجيل العمال وملائكة الموت. وهى تتحرك فى عوالمها بسرعات لا ندركها. والنفس البشرية تنتمى الى البرزخ ، تعود اليه مؤقتا بالنوم ، وتعود اليه نهائيا بالموت حيث تترك جسدها المادى يتحلل ويبلى فى الأرض المادية .
3 ـ وعند الموت يرى الانسان ملائكة الموت البرزخية ، وإذا رآهم فلا رجوع الى هذه الحياة، إن كان عاصيا صرخ فى الملائكة راجيا أن يرجعوه ، وإستغاث بربه جل وعلا : ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) المؤمنون ). هذا العاصى تموت نفسه فى البرزخ شأن كل الموتى ، وعند قيام الساعة يصحو يظم أنه مات أو نام من ساعة أو لبث يوما أو بعض يوم قال جل وعلا : ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (55) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ (56) الروم ). يعلم المؤمنون أولو العلم الحقيقة ولا يعلمها المجرمون. قال جل وعلا عنهم (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46) النازعات ).
4 ـ بهذا يكون البعث للموتى فقط . قال جل وعلا : ( وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36) الانعام )(ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16) المؤمنون )، وعن (يحيى ) قال جل وعلا :( وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً (15)مريم) ، ونطق عيسى فى المهد فقال : ( وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً (33)مريم). هما ماتا وسيبعثان. هو نفس الحال مع ( محمد ) عليه السلام الذى خاطبه ربه جل وعلا وهو حىّ مؤكدا أنه (ميّت ). بالتالى سيكون من المبعوثين. ستمر على الجميع فترة الموت فى البرزخ بلا أى إحساس ، ثم يبعثهم الله فكأنما ناموا أو ماتوا من ساعة أو يوما أو بعض يوم ، شأن البشر حين يستيقظون من النوم.
5 ـ يختلف الحال مع المقتول فى سبيل الله جل وعلا. فهو فى برزخ لا يموت فيه ، بل يعيش متنعما ، ويظل هكذا فى برزخه الأرضى الذى يتخللنا يرانا ولا نراه ، يشعر بنا ولا نشعر به الى أن تقوم الساعة فينتقل من حياته فى هذه الدنيا الى اليوم الآخر ، بلا بعث من موت ـ لأنه لم يكن ميتا .
ثانيا : البرزخ الدنيوى وقيام الساعة
1 ـ قال جل وعلا : ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) ابراهيم ). يتم تدمير الأرضين السبع والسماوات السبع ويتم خلق بديل لها وخالد يصلح لمجىء الواحد القهار.
2 ـ فى تدمير الأرض وبرازخها الست تتخلى عن ما فيها من نفوس ميته ، تُلقيها الى العالم الآخر ، يوم البعث ، هذا يعنى أن يحق عليها قول الرحمن، يقول جل وعلا :( إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5)الانشقاق ) فقد جاء يوم الحساب ، قال جل وعلا فى الاية التالية :( يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (6)الانشقاق ).
3 ـ ويقول جل وعلا : (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55) طه ). خلقنا الله جسدا من هذه الأرض المادية ونفخ فينا نفسا من عالم البرزخ. بالموت يعود الجسد المادى الى الأرض المادية وتعود النفس الى أرضها البرزخية ، ثم يكون البعث من هذه الأرض البرزخية ، حيث تأتى كل نفس تحمل جسدا آخر ترتديه هو عملها ، وبه يكون حسابها ، ونعيمها أو عذابها. ويقول جل وعلا : ( قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) عبس ).
ثالثا: هناك قبران لكل ميّت : قبر مادى وقبر برزخى
1 ـ وعليه فهناك للميت قبران قبران : قبر فى هذه الأرض يتحلل فيها جسده المادى ، ويفنى مع فناء هذه الأرض المادية ، وهناك لهذا الميت قبر برزخى ، منه تصحو نفسه ويتم بعثها فى اليوم الآخر.
2 ـ غير الانسان من الأحياء فى هذه الأرض المادية تموت ، ويتم بعثها ثم حشرها ، وينتهى أمرها بالحشر ، إذ لا تكليف عليها ولا ينتظرها حساب ولا جنة ولا نار. قال جل وعلا : ( وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) التكوير )( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) الانعام ). بالتالى فهذه المخلوقات تموت فتدخل البرزخ ، ثم منه الى البعث ثم الحشر .
3 ـ أى إن هذه الأحياء تترك جسدها المادى بالموت فى الأرض وتنتقل كينونتها الى البرزخ . أى لها كالبشر جسد مادى ، وكينونة فى البرزخ. أى لها قبران ، قبر مادى يتحلل فيها جسدها ، وقبر برزخى.
4 ـ أهمية هذا فيمن تأكله الوحوش من ابناء البشر . لنفرض أن وحشا إلتهم بشرا وهضم جسده . تحول بطن الوحش الى قبر لجسد هذا الانسان الضحية . فى البعث سيكون هذا الوحش قبرا برزخيا لهذه الضحية البشرية . قال جل وعلا عن النبى يونس : ( فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) الصافات ). لو لم يكن يونس من المسبحين لمات فى بطن الحوت. وسيظل فيه الى يوم البعث . أى مع كينونة الحوت البرزخية.
رابعا : عن القبر البرزخى يقول جل وعلا :
1 : ( إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5) الانفطار ). تدمير العالم بمجراته وحيث ينسف رب العزة الجبال نسفا لا ذكر للقبور المادية . أى إن الحديث هنا عن القبور البرزخية حيث الأنفس ، لذا قال جل وعلا بعدها : (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5) الانفطار ).
2 : ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7) الحج ) . إحياء الموتى ، أى إحياء الأنفس فى برزخها ، أو بعثها من البرزخ الذى إنتقلت اليه. ليس الكلام هنا عن القبور المادية فى هذه الدنيا.
3 : ( أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11) العاديات ). هنا بعثرة القبور البرزخية ، ويتم تحصيل ما فى الأنفس من عمل وإعتقاد . وهذا يوم تُبلى السرائر ، يوم الرجوع للواحد القهار : (إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ (10) الطارق )
4 : ( مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنْ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ (51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53) يس ). الصيحة الأولى فى الاية ( 49 ) عن تدمير العالم . الصيحة التالية ( نفخ الصور ) فى الآية ( 51 ) كناية عن البعث ، حيث يخرجون من القبور البرزخية ( الأجداث ) ينسلون منها ، ثم الصيحة التالية فى الآية ( 53 ) عن الحشر.
5 : ( يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) القمر ) . تخرج الأنفس من البرزخ تطير كالجراد أسرابا منتشرة، تخرج لا تستطيع عصيان الأوامر .
6 : ( فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ (42) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (44) المعارج ). هذا عن الكافرين . كانوا فى الدنيا يأتون أفواجا الى قبورهم المقدسة ، سيكون هذا حالهم وهم رغم أنوفهم يخرجون من قبورهم البرزخية فى ذلّة .
7 : ( الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) القارعة ). تخرج النفس من قبورها البرزخية تطير كالفراش المنتشر المبثوث.
8 : ( إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتْ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) الزلزلة ). يبدأ تدمير هذه الأرض وبرازخها بزلزال هائل ، قبيل تدميرها تقوم بتسليم ( عُهدتها ) أو ( أثقالها ) ، وهذا بوحى الرحمن لها ، تنتهى وتتحول الى خبر . وفى يوم البعث يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم.
أخيرا: الى متى تتخذون القرآن مهجورا أيها المحمديون ؟ !!


الفصل الثالث : الأحياء فى البرزخ

أولا : لا نشعر بهم ولا نراهم وهم يشعرون بنا ويروننا
لا نشعر بهم ولا نراهم.
1 ـ الأحياء فى البرزخ لا نشعر بهم ، يقول جل وعلا عمّن يُقتلون فى سبيل الله جل وعلا : ( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ (154) البقرة )
2 ـ هم يروننا ولكننا لا نراهم ، يقول جل وعلا عن الشيطان : ( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ) (27) الاعراف ), ( وقبيله ) يعنى الأحياء فى البرزخ .
هم يشعرون بنا ويروننا
1 ـ يقول جل وعلا :( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) آل عمران ). المقتولون فى سبيل الله يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من إخوانهم ، يعنى يشعرون بهم ويرونهم .
2 ـ وعن مثل تطبيقى يقول جل وعلا عن رجل جاء يدعو قومه لإتباع المرسلين : ( وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِي لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنقِذُونِ (23) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) يس ). قتلوه فبشرته الملائكة بالجنة فى البرزخ فتمنى لو كان قومه يعلمون بالنعمة التى صار فيها : ( قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ (27) يس )
ثانيا : المعذبون فى البرزخ
بالاضافة للمنعمين فى البرزخ هناك المعذبون فيه ، وهم قوم نوح وفرعون وقومه.
قوم نوح :
1 ـ يقول جل وعلا : ( وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39) هود ) .
2 ـ كانوا يسخرون من نوح وهو يصنع السفينة فقال لهم إنهم سيعملون من سيأتيه عذاب يخزيه ويحلُّ عليه عذاب مقيم. وتفسير ذلك فى قوله جل وعنهم : ( مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَاراً (25) نوح ). بمجرد غرقهم دخلوا نارا . الفاء فى ( فأُدخلوا ) تفيد الترتيب والتعقيب السريع. بمجرد غرقهم وجدوا أنفسهم فى نار البرزخ ، وتحقق فيهم ما قاله لهم نوح ، وعلموا أنه قال لهم الحق.
ما بين قوم نوح وقوم فرعون :
1 ـ يجمع بينهما العقاب غرقا .
2 ، وأن قوم نوح كانوا أئمة للكفرة بعدهم لأنهم أول قوم كافرين . وهم بداية المرحلة الأولى ، وجاء فرعون إماما للكافرين فى المرحلة الأخيرة حتى قيام الساعة، يقول جل وعلا : ( فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ (42) القصص ) هم أئمة أهل النار لكل من أتى بعدهم .
2 / 1 ـ ولهذا وصف الله جل وعلا الكافرين بعد فرعون أنهم يسيرون على ( دأب) فرعون ، قال جل وعلا : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11) آل عمران ) ( كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) الانفال ) ( كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54) الانفال) .
2 / 2 ـ وجعل الله جل وعلا فرعون وقومه سلفا للكافرين ، قال جل وعلا :(فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ (56) ( الزخرف ). هم ( السلف الصالح للسلفيين ).!
2 / 3 ـ أيضا كانت رسالة موسى بداية عهد جديد ، قال جل وعلا :( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43)القصص). برسالة موسى التى تلقاها فى جبل الطور بدأ عهد جديد ليس فيه إهلاك شامل للكافرين. بل تم فرض القتال على المؤمنين الذين يقع عليهم العدوان من الكافرين الذين يسيرون على دأب فرعون. نزل هذا فى التوراة والانجيل والقرآن ، قال جل وعلا : (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) ) التوبة )
وهناك خصائص لفرعون
1 ـ بينما هو ( بنفسه ) يتعذب فى البرزخ أنجى الله جل وعلا جثته ليكون عبرة، قال له جل وعلا حين اعلن إسلامه وهو يغرق : ( فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92) يونس ). هذا دليل على نفى عذاب القبر الذى يؤمن به المحمديون .
2 ـ وبعد عذابه فى البرزخ سيأتى يوم القيامة يقود قومه الى النار ، يقول عنه جل وعلا : ( يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99) هود )
3 ـ قال جل وعلا عن غرق فرعون وقومه : ( فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136)الاعراف). وقال جل وعلا عمّا حدث بعد غرقهم :( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137) الاعراف ). ورث بنو اسرائيل مصر وتم تدمير آثار فرعون موسى .
عن عذاب فرعون وقومه فى البرزخ جاءت إشارات وهو فى أوج طغيانه ، يقول جل وعلا : ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) القصص ) . تمكين موسى وبنى اسرائيل فى أرض مصر حدث بعد غرق فرعون وقومه . أى رأى فرعون وقومه هذا التمكين لبنى اسرائيل فى مصر وهم فى عذاب البرزخ. ويقول جل وعلا بعدها : ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) القصص ) . إلتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا . وكونهم يشعرون به عدوا وحزنا لم يحدث إلا وهم فى البرزخ.
4 ـ ثم عن عذاب البرزخ لفرعون وقومه يقول جل وعلا : ( وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46) غافر). حاق بهم سوء العذاب فى البرزخ . ثم ينتظرهم أشد العذاب يوم القيامة حيث سيقود فرعون قومه الى النار ( هود 98 )
5 ــ فرعون فى برزخه يقاسى التعذيب من وقت غرقه الى أن تقوم الساعة. وفرعون فى برزخه يرى الناس يعيشون ويموتون، ويرى الطُّغاة عبر القرون وهم على دربه ودأبه يسيرون . ماذا يقول فرعون موسى عن الفراعنة المستبدين من المحمديين ؟
ثالثا : الملائكة أحياء فى برازخ السماوات والأرض
1 ـ فى هذه الدنيا يقوم جل وعلا بتصريف شئون البشر ( من الحتميات والقضاء والقدر ) عن طريق الملائكة. كما يسجل أعمالهم بالملائكة. وهناك ملائكة الموت . بقيام الساعة يأتى رب العزة جل وعلا بذاته ليلقى البشر ويحاسبهم . الأوامر الالهية للملائكة تتنزل بين السماوات السبع والأرضين السبع ، أو بين برازخ السماوات السبعة وبرازخ الأرض الستة قال جل وعلا : ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (12) الطلاق ) . وتتوالى الأوامر صاعدة نازلة ، قال جل وعلا :( يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) السجدة )( يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2) سبأ )
2 ، بالإضافة الى ذلك تقوم الملائكة بالعبادة. وتتنوع هذه العبادة الى :
2 / 1 : التسبيح ، يقول جل وعلا: ( تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً (44) الاسراء )، ( من فيهن ) يشمل الملائكة. ويقول جل وعلا : ( وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ )(13) الرعد) ( وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ (20) الانبياء )
2 / 2 : التسبيح والاستغفار للمؤمنين ، يقول جل وعلا : ( تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (5) الشورى ) ، ويقول جل وعلا : ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا ) (7) غافر ).
3 ـ السجود ، يقول جل وعلا : ( وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِوَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (49) النحل ). ( دابة ) تعنى المخلوق المتحرك الذى ( يدب) ، ينطبق هذا على أحياء الأرض وبرازخها الستة وأحياء السماوت وبرازخها السبعة. ويقول جل وعلا : ( وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (15) الرعد ).
رابعا : الجن
1 ـ يعيشون فى برازخ الأرض الستة ، وكانوا ممنوعين من الاقتراب من برزخ السماء الدنيا حين نزول الوحى القرآنى ، فقد أحسوا بنبضات وتداخلات آتية من السماوات تمر عبر برازخ الأرض الستة الى الأرض المادية فإقتربوا من السماء الدنيا يستطلعون الخبر فسلّط الله جل وعلا عليهم شُهبا محرقة ، قالوا عن ذلك : ( وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعْ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً (9) وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (10) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً (11) الجن ) .
2 ـ عن معيشتهم فى برازخ الأرض قالوا : ( وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (12) الجن ) وقالوا أيضا : ( وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (32) الاحقاف )
خامسا : الليل والنهار فى البرزخ
مما جاء عن أحياء البرزخ نفهم أن هناك ليلا ونهارا ، مع إختلافات لا نعرفها. ونحن نتدبر من خلال القرآن ولا نستطيع أن نتجاوزه وإلا وقعنا فى الكلام فى الغيبيات بالخرافات. ونعطى أمثلة :
1 ـ يقول جل وعلا : ( فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46) غافر). هنا عرضهم على النار فى الصباح وفى العشاء . وهذه مواقيت عندنا مع إختلاف الزمن. ، ويقول جل وعلا : ( وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) الروم) ( وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (15) الرعد )
2 ـ ويقول جل وعلا عن الملائكة : ( وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ (20) الانبياء ). أى هناك ليل ونهار .

الفصل الرابع : علاقتنا بالبرزخ
مقدمة :
1 ـ لا نرى البرزخ ولا نهتم به فنحن مشدودون الى العالم المادى الذى ننتمى له جسديا . ومع هذا فإن علاقتنا بالبرزخ أقوى من علاقتنا بهذه الأرض المادية وما حولها من كواكب ونجوم ومجرات. العلم الحديث تأسّس على إنكار الميتافيزيقا ، ثم بتقدمه الآن بدأ يكتشف أبعادا لأكوان أخرى غير مادية . الله جل وعلى يسميها البرزخ ، وهو تسمية دقيقة تعنى الحاجز ، إذ بيننا وبين العوالم الأخرى أو الأكوان الأخرى حواجز بحيث لا نراها ولا نحسُّ
2 ـ حتى لا نكرر ما سبق ننصح القارىء بالرجوع الى ما قلناه سابقا عن البرازخ . ونبنى عليها هذا المقال عن علاقتنا بالبرزخ . والتى هى أكبر وأعمق من علاقتنا بهذه الأرض المادية .
3 ـ ونعطى تفصيلا :
أولا : كنا فى البرزخ قبل أن نأتى الى هذا العالم :
1 ـ نحن فى الأصل كائنات برزخية . ذواتنا الحقيقية وهى النفس تنتمى الى عالم البرزخ. هبطنا من البرزخ خلفاء فى هذه الأرض مزودين بهذه النفس وبما علّمه الله جل وعلا لأبينا آدم ، وقد سخّر الله جل وعلا لنا هذه الأرض وغيرها. جسدنا المادى الأرضى تشريحيا يقترب من القردة العليا ، ولكن النفس البرزخية التى فيه جعلت الانسان يتحكم فى مخلوقات هذه الأرض ، وهى أقوى منه. خطأ دارون أنه إعتبر الانسان مجرد جسد وفقط ، ولم يعترف بالنفس ، مع إن النفس التى كانت مسيطرة على دارون هذا هى التى جعلته عالما مرموقا .
2 ـ خلق الله جل وعلا الأنفس جميعا مرة واحدة فى البرزخ ، وأعطى كل نفس صورتها ، ثم بعد ذلك نفخ الروح ( جبريل ) نفس أدم فى جسده المخلوق من عناصر الأرض المادية ، ثم كان فى البرزخ إختبار الملائكة بالسجود لآدم . قال جل وعلا : (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ (11) الاعراف )
3 ـ فى نفس البرزخ خلق الله جل وعلا زوج آدم من نفس آدم ، قال جل وعلا : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) (189) الاعراف ) ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) (1) النساء ) ( خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا )(6) الزمر )
4 ـ برفض ابليس السجود لآدم طرده الله جل وعلا من الملأ الأعلى ، وأصبح إسمه الشيطان ، ولم يعد بإمكانه الصعود الى برازخ السماوات ، وتعين عليه وذريته العيش فى برازخ الأرض مع الجن ، أى اصبح من الجن .
5 ـ فى برزخ من برازخ الأرض عاش آدم وزوجه مخلوقات برزخية يتمتعان بجنة برزخية ، وكانا مأمورين بالأكل من كل شجرها عدا شجرة واحدة. كانا فى نفس البرزخ يريان الشيطان ويتعاملان معه . أقنعهما بالأكل من الشجرة المحرمة ، وصحبهما اليها ، وأخذ يقسم لهما أنه من الناصحين . كانا فى الجنة البرزخية يرتديان رداءها البرزخى النورانى يستر جسديهما المادى . بمجرد أكلهما من الشجرة المحرمة ظهر جسدهما المادى ، ففزعا وأخذا يغطيانه بورق الجنة النورانى ، هذا بينما يتشفى فيهما الشيطان حال فزعهما يريهما أجزاء جسديهما المادى . وبعصيانهما هبطا الى الأرض المادية . قال جل وعلا : (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ) (22) الاعراف) (يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ )(27) الاعرف )
6 ـ الله جل وعلا لم يخلق آدم وزوجه للعيش قى جنة البرزخ ، بل خلقهما للعيش فى الأرض المادية . لذا كان جسدهما أرضيا يغطية لباس برزخى . ومن البداية قال جل وعلا للملائكة : ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) أى يكون وذريته خليفة فى الأرض بعد أن أفسد فيها يأجوج ومأجوج وسفكوا فيها الدماء ، لذا قالت الملائكة : ( قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ (30) البقرة )
7 ـ لم يهبط آدم وزوجه فقط بل هبط من خلالهما ذريتهما . قال جل وعلا لهما: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً ) (123) طه ). ما بعدها خطاب لبنى آدم : ( بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) طه ) . وفى آية أخرى يأتى الخطاب بالجمع (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) ) ( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) البقرة ) ( قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25) الاعراف ). أى هو خطاب لبنى آدم من خلال آدم وزوجه . هم هبطوا معهما الى الأرض.
8 ـ وفى الأرض المادية وبجسدهما المادى حدث الاتصال الجنسى بينهما وولدت حواء أول مولود ، قال جل وعلا : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ (189) الاعراف ) ، ومنهما تناسل أبناء آدم ذكورا وإناثا وتعمرت بهم الأرض ، قال جل وعلا :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً ) (1) النساء )
ثانيا : علاقتنا مستمرة بالبرزخ
1 ـ فى برازخ الأرض الست يعيش أحياء من غير البشر ولكن لهم علاقة بالبشر ، لا يراهم البشر ولكنهم يتخللون البشر بإعتبارهم مخلوقات برزخية . وهم :
1 / 1 : الشيطان وذريته ، ومهمته الايقاع بنا كما أوقع من قبل بأبوينا . وجاء تحذير الرحمن لنا ، قال جل وعلا : ( يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (27) الاعراف ). والذى يعشى ويعمى ويُعرض عن ذكر الرحمن يقترن به شيطان يضله عن السبيل ، يزين له الحق باطلا والباطل حقا ، قال جل وعلا : ( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) الزخرف ) لا يراه فى هذه الحياة الدنيا ، ثم سيراه فى الآخرة : ( حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) الزخرف ). يسيطر هذا القرين الشيطانى على النفس البشرية وهى تنتمى مثله الى عالم البزخ ، ويتحكم فى المُخّ والحواس. يسمع الانسان الحق بأذنيه ولكن الشيطان المسيطر على النفس يحول بينها وبين وصول الحق اليها . أى يجعل حجابا مستورا برزخيا يمنع وصول الهداية ، قال جل وعلا : (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (198) الاعراف )
1 / 2 : الجن ، وبعضهم كافر يشارك الشياطين فى إضلال بنى آدم بالوحى الشيطانى المفترى ، وينسبونه الى الوحى الالهى ، وهو الذى تقوم عليه الأديان الأرضية المناقضة للدين الالهى ، قال جل وعلا : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) الانعام )
1 / 3 : الملائكة : وهم أنواع :
1 / 3 / 1 : الروح جبريل ومن معه من الملائكة من الملأ الأعلى .كانوا من قبل ينزلون بالوحى الالهى على الأنبياء وهم الذين ينزلون بالقضاء الالهى والقدر من ميلاد ووفاة ومصائب و رزق . ينزلون بها ليلة القدر من كل عام لتحدث فى العام التالى . تنزل ليلة القدر بموعد الميلاد وموعد الموت للعام القادم. بالنسبة للولادة فكل نفس قد تم سلفا تحديد موعد دخولها فى الجنين الخاص بها ، وحين يأتى الموعد المُسمّى تدخل جنينها قيصبح إنسانا . قبله كان مشروع إنسان . يولد ويبدأ العد التنازلى لموته ، فإذا جاء أجله غادرت نفسه جسدها وعادت ميته الى برزخها الذى أتت منه. جدير بالذكر إن الله جل وعلا سبق ان حدد فى البرزخ ملامح كل نفس ، قال جل وعلا : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ (11) الاعراف ). ثم على نفس الملامح يكون خلق الجنين وتطوراته فى حياته ، قال جل وعلا : (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6) آل عمران ). بالموت يفنى الجسد المادى بملامحه ، وبالبعث ترجع النفس تحمل ملامح جسدها ، بحيث يتعارف الناس على بعضهم ويفر الفرد من أخيه وامه وأبيه وزوجته وأهله.
1 / 3 / 2 : الملائكة الموكلة بتسجيل او حفظ الأعمال ، الذين يحفظون عمل كل فرد ، بحيث إذا مات كان له كتاب أعمال يحمله يوم القيامة بديلا عن جسده الأرضى الذى فنى .
1 / 3 / 3 : ملائكة الموت التى تقبض نفس الانسان عند الموت .
2 ـ فى برزخ أرضى تعيش أنفس البشر وهى :
2 / 1 : أنفس ميتة لا تشعر بنا :
2 / 1 / 1 : أنفس ميتة فى برزخها ، لم يأت بعدُ أوان دخولها فى جنينها ، مثل أنفس أحفادى واحفاد أحفادى .
2 / 1 / 2 : أنفس ميتة فى برزخها دخلت إختبار الحياة الدنيا ، وعاشت الزمن أو العُمر المقدر لها سلفا ، ثم ماتت . مثل أنفس والدىّ وأجدادى .
2 : أنفس حية :
2 / 1 : تعود أنفسنا مؤقتا الى البرزخ بوفاة النوم ، وهو توفية عملها عما عاشته فى يقظتها. وتظل على صلة بجسدها ، ويستيقظ الانسان ، وقد رأى مشاهد مشوشة من البرزخ ، بعضها قد يكون رؤيا صادقة ، تعثرت النفس فى برزخها بحدث آت فى المستقبل. وقد يكون الحُلُم أضغاثا.
2 / 2 : أنفس من يُقتل فى سبيل الله . وهم يشعرون بنا ولا نشعر بهم.
2 / 3 ، أنفس قوم نوح وفرعون وقومه . وهم يشعرون بنا ولا نشعر بهم.



الفصل الخامس : البعث وانتهاء علاقتنا بالبرزخ
مقدمة :
بالبعث تنتهى علاقتنا بالبرزخ . ولكن ما هى آلية البعث ؟
نحاول تدبر هذا من القرآن الكريم ، ونحتاج الى تكرار بعض ما قلناه من قبل لتوضيح الصورة .
أولا : من البرزخ الى البعث
1 ـ جئنا من البرزخ ، ونعود اليه مؤقتا بالنوم ، ثم نعود اليه نهائيا بالموت. نهائيا ليست كلمة دقيقة لأننا لن نبقى فى البرزخ خالدين فيه ، بل سنغادره بالبعث. ندخله بالموت ونغادره بالبعث. كلمة ( نهائيا ) عن الموت تأتى مقارنة بدخول البرزخ مؤقتا بالنوم.
2 ـ قال جل وعلا :( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)المؤمنون) . قوله جل وعلا : (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) يعنى إننا سنظل فى هذا البرزخ ثم سنغادره بالبعث .الموت يكون لكل نفس إذا جاء أجلها ، ولكن البعث يكون لجميع الأنفس البشرية فى وقت واحد .
3 ـ بالموت تدخل النفس البرزخ ، وتبقى فيه ميتة لا تحس بغيرها ، حتى لا تعرف متى سيكون بعثها ، قال جل وعلا : ( أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) النحل ). وحين البعث يتصور المجرمون أنهم ماتوا يوما أو بعض يوم ، أو ساعة شأن يقظتهم من النوم ، قال جل وعلا : ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (55) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ (56) الروم ). وهذا ينفى خرافة عذاب القبر ونعيمه .
4 ـ البعث لا يكون من الأرض المادية التى نحيا عليها الآن ولكن من واحدة من الأرضين الستة ، أو البرازخ الستة . الأرض المادية التى نعيش عليها وما حولها من كواكب ونجوم ومجرات سيتم تدميرها ليعود الكون الى نقطة الصفر التى بدأ منها .
ثانيا : تقديم أمثلة واقعية للبعث
1 ـ يحدث البعث فى مسيرة الانسان . الإنسان يأكل طعام الأرض فيتحول فى داخله الى طاقة وبروتينات وحيوانات منوية وبويضات . ثم باللقاء الجنسى يتقابل الحيوان المنوى بالبويضة ، ويحدث الحمل ، ويولد الانسان من هذا الطعام الميت ، ويكبر بالغذاء من الطعام ، وتخرج فضلاته فتكون ترابا وماءا ، وتتكرر الدورة ، يأكل وينجب ، ثم يموت فيتحول جسده الى تراب فى الأرض . من الأرض الميتة كانت الحياة ثم كان الموت ثم الحياة . هذا نموذج للبعث يتكرر فينا .
ثم هناك نموذج آخر فى الأرض ؛ تكون ميتة ثم ينزل عليها الماء فتنبض بالحياة من كائنات دقيقة ونبات ، ويأتى الجفاف فتموت الأرض ومن عليها ثم ينزل الماء فيتكرر إخراج الحى من الميت والميت من الحى ، قال جل وعلا للناس يقرّب لهم فكرة البعث : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً ( وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7) الحج )
2 ـ وقال جل وعلا : ( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) يس ) . هنا شخص منكر للبعث يتساءل عن من يحيى العظام الرميم . ويأتيه الرد بأن الذى خلق هو الذى أنشأها من لا شىء. ثم برهان آخر ، هو الشجر الأخضر وهو مادة يتحول الى طاقة بالحرق ، ثم يكون ترابه سمادا ، تنبت فيه الشجر الأخضر مرة أخرى.
ثالثا : آلية البعث
الأمثلة السابقة عن البعث تحدث فى هذه الأرض المادية ، ولكن البعث الذى نتكلم عنه للبشر سيحدث فى البرزخ .
1 ـ من البرزخ تدخل نفس الشخص فى الجنين الخاص بها. يولد الانسان ومعه وعاءان ، أحدهما ممتلىء ، وهو وعاء الزمن المحدد فيه العُمر الذى سيحياه فى هذه الدنيا ، والوعاء الآخر هو وعاء العمل . ويبدأ العد التنازلى للإنسان من لحظة ولادته . وكل لحظة تمر تنزلق من وعاء الزمن ( العُمر ) تحمل ما عمله الانسان. وبالتالى يتناقص وعاء العمر بمرور الزمن ويتصاعد تسجيل العمل بنفس المقدار . وعندما ينتهى تماما وعاء الزمن يكون الموت ، ويفنى الجسد وتعود النفس الى برزخها التى أتت منه ومعها وعاء عملها . أو كتاب عملها.
2 ـ تستمر العملية ، أى كل نفس فى البرزخ تأتى لترتدى جسدها وتظل فيه الى أن تغادرة عائدة الى البرزخ بالموت ، ومعها كتاب أعمالها. يستمر هذا الى أن تدخل كل النفوس البشرية فى إختبار الحياة الدنيا ، بعدها تكون الساعة وتدمير هذا العالم ومجىء اليوم الآخر.
3 ـ قبيل تدمير هذه الأرض ببرازخها ــ وفى عصر اللازمن ـ يتم بعث الأنفس من البرزخ الأرضى .
4 ـ النفس لها ملامح جسدها ، وإذا كان للجسد المادى الفانى خصوصيته التى تميزه من البصمات المختلفة وال ( دى إن إيه ) فلكل نفس البصمات الخاصة بها وال دى إن إيه الخاصة بها. قال جل وعلا : (أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4) القيامة )
4 ـ يتم البعث بإنفجار هائل فى البرزخ قال جل وعلا : ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68 ) الزمر ) . الانفجار الأول هو عن تدمير العالم وقيام الساعة. الانفجار الآخر عن البعث .
5 ـ ينتج عن إنفجار البعث سقوط ( ماء الحياة ) الذى يتم به بعث الأنفس . والله جل وعلا يذكر دور المطر فى إحياء الأرض فى هذا العالم ، ويقول إنه نفس الطريقة فى البعث والنشور .
5 / 1 : قال جل وعلا :( وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (9) فاطر ) . نتدبر قوله جل وعلا : ( كَذَلِكَ النُّشُورُ ).
5 / 2 : قال جل وعلا : ( وَالَّذِي نَزَّلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (11) الزخرف ). قوله جل وعلا : ( كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ)، يعنى البعث والخروج من القبور البرزخية.
5 / 3 : قال جل وعلا عن الماء : ( رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11) ق ) : ( كَذَلِكَ الْخُرُوجُ) يعنى البعث.
5 / 4 : قال جل وعلا فى نفس المعنى : ( يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَيُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19) الروم )
6 ـ بين البعث والخلق الأول : قال جل وعلا : ( مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) (28) لقمان ). الله جل وعلا خلقنا من نفس واحدة هى نفس آدم، قال جل وعلا : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً ) (1) النساء) .
حتى نفهم هذا نتصور طاقة الضوء . يقولون عن الضوء الذى نراه أنه حزم صغيرة منفصلة متصلة هى الفوتونات. نتخيل النفس الأولى هى الفوتون الأول الذى تتابعت منه الفوتونات أو الأنفس التالية ، غير إن كل نفس تخرج من برزخها فى موعد محدد وتدخل جنينها فى موعد محدد ، ثم تموت فى الأجل المحدد ، ثم بعد أن تدخل آخر نفس فى جنينها تقوم الساعة ، وحينئذ لا مجال للحمل أو الولادة . قال جل وعلا يحذرنا ونحن فى آخر الزمان : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2) الحج ).
وكل نفس بشرية تحمل فى داخلها مستقرا ورثته من الأنفس السابقة لها من أسلافها ، كما تحمل فى داخلها مستودعا للفوتونات أو النفس التى ستنحدر منها. قال جل وعلا :( وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) الانعام ).
7 ـ البعث عملية عكسية للخلق
7 / 1 : قال جل وعلا : ( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) الاعراف ) . والعود يعنى عملية عكسية للخلق . وهو نفس المعنى فى قوله جل وعلا : ( يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104) الانبياء ) وفى قوله جل وعلا عن الخلق والبعث : (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) ) الروم )
7 / 2 : وبتعبير آخر يقول جل وعلا : ( وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21) العنكبوت )
7 / 3 : يترتب على هذا أن تبرز النفس فى البعث ليس برأسها بل بساقيها ، ينكشف عنها تراب البرزخ ، قال جل وعلا : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (42) القلم ) ، ويتم سوق الجميع فى الحشر الى رب العزة جل وعلا : ( وَالْتَفَّتْ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30) القيامة)

الفصل السادس : معضلة الزمن فى اليوم الآخر

أولا : الزمن بين يوم الدنيا الحالى واليوم الآخر
1 ـ الملائكة فى الملأ الأعلى كانوا يعرفون بأن هذا العالم من السماوات السبع والأرضين السبع هو مؤقت ، ومصيره الى الفناء ، وأن يوما آخر قادم يتم فيه البعث بعد الفناء . لذلك فإن ابليس حين طرده رب العزة من الملأ الأعلى طلب مهلة الى يوم البعث ليُضلّ فيها بنى آدم : ( قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنْ الْمُنظَرِينَ (15) الاعراف )
2 ـ هناك الملائكة يتزعمهم الروح ( جبريل ) ، وهم ( حملة العرش ) أى الملكوت ، وهم الذين ينفذون أوامر الله جل وعلا فى ملكوته . وقد أعطاهم رب العزة جل وعلا مدة زمنية لهذا العالم هى خمسون ألف سنة بالحساب الالهى. فيها يعرجون أو يصعدون بهذا العالم بسماواته وأرضيه ومخلوقاته الى رب العزة جل وعلا من نقطة البداية الى نقطة النهاية، من بداية خلق العالم بأراضيه وسماواته الى تدميره وفنائه ، وعند إنتهاء هذه المدة يكون لقاء الرحمن ، حين يبرز الناس لرب العالمين ويبدأ اليوم الآخر بيوم البعث الذى يقوم فيه الناس للقاء رب العالمين ،قال جل وعلا : ( تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (6) وَنَرَاهُ قَرِيباً (7) المعارج ) . بنزول القرآن خاتم الكتب الالهية نفهم إقتراب القيامة ، قال جل وعلا من 14 قرنا : ( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) الانبياء ). بل إن الأمر الالهى قد صدر فعلا بقيامها بالزمن الالهى و سيتم تنفيذه بزمننا ، قال جل وعلا : ( أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) النحل ).
3 ـ هذا يعنى إن هناك يوما لهذا العالم مدته خمسون ألف سنة بتقدير الرحمن جل وعلا . هذا يختلف عن اليوم الالهى الذى خلاله يتم تدبير الأمر بين السماوات والأرض فى هذا اليوم الدنيوى ، قال جل وعلا : (يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) السجدة ) ، وقال جل وعلا عن إستعجالهم العذاب : (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) الحج ) .هو ألف سنة بحسابنا وبزمننا المتحرك ، يعقبه تدمير هذا الكون بسماوته وأراضيه ومجىء ( يوم آخر / اليوم الأخر ) وهو يوم أزلى خالد أبدى ، عكس اليوم الأول الذى هو يوم متحرك له بداية وله نهاية .
4 ـ حسب السرعة تختلف الأزمنة فى الكواكب والنجوم والمجرات فى هذا ( اليوم الدنيوى) الحالى الذى يسير فيه الزمن الى الأمام بلا توقف. فى اليوم الآخر نقرأ عن يوم البعث ويوم الحشر ويوم الحساب ثم الجنة والنار ، وهى متعاقبة ، ولكن لا نستطيع تصورها فى زمن خالد راهن ليس فيه ماض ولا مستقبل . هنا تبرز معضلة الزمن فى اليوم الآخر .
ثانيا : العظة هى أساس منهج القرآن الكريم فى عرض أحوال اليوم الآخر
1 ـ الزمن فى يومنا الدنيوى الحالى لا يزال معضلة ، إقترب منه إينيشتاين بنظرية النسبية ففتح بابا من الألغاز سار فيه آخرون لم يخرجوا منه بعد. معضلة الزمن فى اليوم الآخر أكبر وأعمق . لا تقتصر الصعوبة فى مجرد أن نتخيل هذا الزمن الخالد الذى لا ماض فيه ولا مستقبل ، ولكن تكمن الصعوبة فى التعبير عنه لعقليتنا وإدراكاتنا المحصورة فى زمننا وعالمنا هذا ، ولا نعرف العالم الآخر أو اليوم الآخر . وحين نعرفه أو نعيشه سيكون عالمنا الدنيوى قد إنتهى وزال .
2 ـ لهذا فإن رب العزة جل وعلا فى كتابه الميسّر للذكر يقرّب لنا فهم أحوال اليوم الاخر فى معرض الهداية والعظة والدعوة للتقوى . هو نفس منهج القرآن الكريم فى القصص ، فالقصص القرآنى يختلف عن المنهج التأريخى الذى يذكر أسماء الأشخاص ويحدد الزمان والمكان. القصص القرآنى لا يهتم بهذا بل يركز على العبرة والعظة والهداية. وهو نفس منهج القرآن الكريم فى إيراد الحقائق العلمية ، يشير اليها فى سياق الدعوة للهداية، بل هو نفس المنهج القرآنى فى التشريع حيث يكون تذييل آيات التشريع بالدعوة للتقوى .
3 ـ وطبقا لمنهج القرآن فى الدعوة للهداية فإن عرض أحوال اليوم الآخر يأتى حسب السياق فى الآيات . وهذا هو المناسب أيضا لعقلية البشر فى هذا العالم والتى يستحيل عليها أن تدرك مفهوم الزمن الخالد فى اليوم الآخر .
ثالثا : البرزخ والبعث :
1 : يقول جل وعلا عن يوم البعث : ( وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) المؤمنون ) السياق هنا عن حال الكافر العاصى عند الاحتضار ، وهو يرجو الرجوع للحياة كى يعمل صالحا : ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) المؤمنون ).
2 ـ فى موضعين ليس مذكورا فيهما البرزخ فاصلا بين الموت والبعث :
2 / 1 : يقول جل وعلا فى ترتيب للأحدث يبدأ بتسجيل الأعمال للفرد فى حياته : ( إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) ق ) ثم معاناة سكرة الموت : ( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) ق ) . ثم البعث بالنفخ فى الصور هو تعبير مجازى عن قيام الساعة : ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) ق ) . لا ذكر هنا للبرزخ الحاجز أو الفاصل بين الحياة الدنيا ويوم البعث لأن البرزخ للنفس الميتة هوعدم الاحساس وعدم تسجيل الأعمال .
2 / 2 : فى ترتيب للأحدث يبدأ بإحتضار أظلم البشر وهم الذين يفترون الأحاديث الضالة يزعمونا وحيا إلاهيا يقول جل وعلا :(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) الانعام ) هذا آخر ما يسمعونه قبيل دخولهم بوابة الموت أى البرزخ . بعدها يسمعون عند البعث : ( وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (94) الانعام )
رابعا : الوعظ أساس عدم ترتيب الأحداث فى سورة ( المطففين )
1 ـ فى بدايتها تحذير وعظى للمطففين الذين يستخدمون سُلطتهم فى فرض السعر فى البيع والشراء وتطفيف الميزان ومصادرة العدل ، يقول جل وعلا : (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3)
2 ـ بعده تحذيرهم وعظا باليوم الآخر : ( أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)
3 ـ ثم ذكر لليوم الآخر فيه حجبهم عن رحمة رب العالمين : ( كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (9) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (13) كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ (16) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (17)
4 ـ وحديث عن أصحاب النعيم : ( كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21) إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ (26) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28)
5 ـ ثم إلتفات الى إستهزاء الكافرين فى الدنيا بالمؤمنين وما سيحدث للكافرين والمؤمنين فى الجنة والنار : ( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ انقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) )
خامسا : ترتيب للأحداث
فى اليوم الآخر ربما يحدث البعث والحشر والعرض والحساب ونعيم الجنة وعذاب الجحيم معا . إذ لا ماض ولا مستقبل بل زمن راهن حاضر متوقف ، لا ندرى كنهه. وربما يحدث هذا بالترتيب بلا ماض أو مستقبل. علم ذلك عند خالق الزمن مالك يوم الدين جل وعلا. لذا فإن منهج العبرة والعظة والدعوة للهداية هو سبيلنا الوحيد فى فهم معضلة الزمن فى اليوم الآخر .
نعطى أمثلة لترتيب الأحداث : يمكن ترتيب الموضوع كالآتى :
1 : أخر جيل من البشر يشهد قيام الساعة : قال جل وعلا يحذرنا ونحن فى آخر الزمان : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2) الحج )
2 : نحن خلفاء فى هذه الأرض بعد يأجوج ومأجوج ، وهم أصحاب حضارة تتكشف آثارها ، وقد عرضنا لهم من قبل. سلّط الله جل وعلا عليهم ذا القرنين فحبسهم فى باطن الأرض ، ولا يزالون فيه ، ويرسلون أطباقهم الطائرة لتستطلع أحوالنا ، واحيانا يأسرون بعض البشر لإجراء تجارب عليهم. هذه المخلوقات بتقدمها الذى يسبقنا بقرون منتظر أن يحسوا بزلزال قادم من جوف الأرض ، ومنتظر أن يخرجوا منه يختلطون بالبشر ، قال جل وعلا : (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ (96) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (97) الانبياء ) ، قال جل وعلا عن يأجوج ومأجوج : (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً (94) قَالَ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (96) فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً (98) الكهف )، بإختلاطهم بالبشر يحدث إنفجار الساعة ، قال جل وعلا :(وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً (99) الكهف )
3 : يقول جل وعلا عن البعث : ( وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (41) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (43) يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (44) ق ). ( وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87) النمل )
4 : البعث يعقبه حشر ، قال جل وعلا : ( يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (102) طه ) بعده العرض : ( يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً (103) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً (104) طه ) ثم الحساب ، قال جل وعلا :( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) ق ) هذا عن البعث ، يليه مباشرة ( وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) ق )
5 : وفى ترتيب الانفجارات ( النفخ فى الصور ):
5 / 1 . قال جل وعلا : ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68 ) الزمر ) . الانفجار الأول عن تدمير العالم وقيام الساعة. الانفجار الآخر عن البعث .
5 / 2 : وقال جل وعلا : ( وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (48) مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنْ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ (51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (54) يس ). الصيحة هى إنفجار قيام الساعة وتدمير العالم. النفخ فى الصور بعدها عن البعث . ثم هناك إنفجار ثالث يتم به الحشر .
سادسا : أمثلة لعدم ترتيب الأحداث :
1 ـ يقول جل وعلا عن يوم البعث : ( وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ (101) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) المؤمنون ). هنا البعث بنفخ الصور ويوم الحساب بالوزن . ثم معاناتهم من جهنم ، مع إغفال ما بينهما من حشر وعرض .
2 ـ يقول جل وعلا عن يوم الفصل يعنى به يوم الحساب : ( إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً (17) يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً (18) النبأ ) هذا عن البعث والحشر معا . بعدها عن قيام الساعة ( وَفُتِحَتْ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً (19) وَسُيِّرَتْ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً (20) النبأ ) ثم بعدها عن العذاب :( إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً (21) لِلْطَّاغِينَ مَآباً (22) النبأ )
3 ـ ويقول جل وعلا عن قيام الساعة وتدمير العالم :
3 / 1 :( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) التكوير ) ثم بعدها لقطات سريعة ومتفرقة: ( وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (14) التكوير ).
3 / 2 : ويقول جل وعلا : ( إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5) الانشقاق ) بعدها حديث عن يوم الحساب : ( يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً (8) وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً (11) وَيَصْلَى سَعِيراً (12) الانشقاق )
3 / 3 : ويقول جل وعلا : ( الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4)) هذا حديث عن الحشر ، بعده إشارة لإحدى مظاهر تدمير العالم وقيام الساعة : ( وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ (5) ثم يوم الحساب :( فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11) القارعة )
3 / 4 : ويقول جل وعلا : (إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتْ الأَرْضُ رَجّاً (4) وَبُسَّتْ الْجِبَالُ بَسّاً (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً (6) الواقعة ) هذا حديث عن قيام الساعة وتدمير العالم . بعده مباشرة حديث عن أصناف البشر يوم الحساب :( وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) الواقعة )
3 / 5 : ويقول جل وعلا : ( يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (8) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9) المعارج ) ، هذا حديث عن قيام الساعة وتدمير العالم . بعده مباشرة حديث عن يوم الغعرض امام الرحمن جل وعلا : ( وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (10) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ (13) وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ (14) المعارج )
3 / 6 : يقول جل وعلا عن إنفجار قيام الساعة وتدمير هذا العالم : ( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتْ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ (15) وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) الحاقة ) بعدها مجىء الرحمن وملائكة تسيير العرش والملكوت :( وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) الحاقة ) بعدها يوم العرض : ( يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18) الحاقة ) ثم الحساب :( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) الحاقة ) . هنا لا ذكر ليوم البعث ويوم الحشر .

الفصل السابع : البرزخ ويوم الجمع ( يوم القيامة )
مقدمة :
1 ـ مقالات ( البرزخ ) احدثت ردود فعل إيجابية ، أشعلت التفكير والتدبر ، وابانت أننا لا زلنا على حافة التدبر القرآنى ، وأن هذا الكتاب الكريم العزيز لم يقدره المحمديون حق قدره ، كما لم يقدروا رب العزة جل وعلا حق قدره . إتخذ المحمديون القرآن مهجورا ، يتغنُّون به فى ليالى السمر ، ويرفعون فوقه خرافات أديانهم الأرضية ومفترياتها ويتلاعبون بآياته يزعمون نسخها وإلغاء تشريعها.
بدأت الكتابة في موضوع البرزخ فصلا فى كتاب ( حقائق الموت فى القرآن الكريم ) والذى صدر عام 1990 فى مصر . ثم عدت اليه بإضافات فى كتب أخرى لاحقة ثم فى هذه السلسلة من المقالات.
ومنذ بدأت الاحتكام الى القرآن الكريم عام 1977 ، وحتى الآن وأنا أكتشف فى القرآن ما لم أكن أعلمه ، ولازلت أحتفظ بالدهشة من عظمة القرآن ، ويتأكد لى أننى لو عشت ألف عام فسأظل فى حالة دهشة من هذا الكتاب العظيم الذى لا يحيط أحد بعلمه ، وبالتالى تتعاظم الحسرة على المحمديين الذين إتخذوا كتاب رب العالمين لهوا ولعبا ، ثم فى أوقات فراغهم من اللعب واللهو يتساءلون عن مصير الذين لم تبلغهم دعوة الاسلام ؟
2 ـ أعتبر كل التعليقت إيجابية حتى لو إختلفت معى، فلا زلنا فى مرحلة الحوار. وبعض الاسئلة التى تحتج لا تخلو من الإيجابية لأنها تدفع الى المزيد من التدبر ، وبالتالى المزيد من لتعلم من القرآن العظيم .
3 ـ من هذه الأسئلة إستشهاد بعضهم بحديث ( إذا مات أحدكم قامت قيامته )، بمعنى أن القيامة قائمة اليوم ، وبمجرد موت الفرد يدخل فى القيامة مباشرة . هذا الحديث الهابط أورده الغزالى فى كتابه (إحياء علوم الدين ) والذى ملأه بخرافات وإفترءات آمن بها المهووسون به ، فزعم ( الإمام النووى ) أنه ( كاد الإحياء أن يكون قرآنا ) وردد هذا الإفك الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر فى عهد السادات.
هذا الحديث الهابط ( إذا مات أحدكم قامت قيامته ) يمكن الرد عليه بأن النبى لا يعلم الغيب ، وليس له أن يتكلم فيه من عنده ، خصوصا فيما يتعلق بالساعة. ولكن هذا السؤال إستدعى كتابة هذا المقال لتوضيح وظيفة البرزخ فى موضوع اليوم الآخر .
ونرتب الموضوع كالآتى :
أولا : ( البرزخ ) فى منهج القرآن
1 ـ فى المقال السابق ( معضلة الزمن فى اليوم الآخر) عرضنا لمنهج القرآن الكريم فى ايراد أحداث اليوم الآخر ، وهو التركيز على الهداية والعظة والعبرة وما يترتب عليه من تقديم وتأخير وإغفال لبعض أحداث اليوم الآخر.
وفى مرة واحدة جاء ذكر البرزخ الذى تدخل فيه نفس الميت وتمكث فيه الى يوم البعث للجميع فى قوله جل وعلا :( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) المؤمنون ).
وأنه جاء فى موضعين إغفال البرزخ بوصل الحديث من الاحتضار الى البعث مباشرة فى سورتى (الأنعام ) و ( ق ). ومع إغفال البرزخ فيهما فالسياق فى الآيات يشير الى قيام الساعة ويوم القيامة على الجميع . يقول جل وعلا عن معاناة سكرة الموت : ( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) ق ) بعده أحداث عامة كونية من نفخ الصور أى الانفجار الذى يتم به تدمير هذا العالم كله ، ثم مجىء كل نفس للحساب : ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) ق ). وهو نفس الحال فى سورة الأنعام ، إذ بعد الحديث عما يقال للظالمين المفترين على الله جل وعلا كذبا ـ وهم يموتون ـ سيقال لهم وللجميع من الكافرين يوم القيامة : ( وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (94) الانعام ).
2 ـ حقيقة الأمر أن البرزخ هو فاصل بين اليوم الدنيوى واليوم الآخر . وهو بهذا ( برزخ ) بمعنى الحاجز بين يومين مختلفين . الناس فى اليوم الأول الدنيوى يولدون ويموتون أفرادا ، ومن يموت تدخل نفسه البرزخ تبقى فيه الى قيام الساعة واليوم الآخر ، ولكن قيام الساعة واليوم الآخر هو للجميع ومرة واحدة ، وفيه لقاء رب العالمين بالبشر جميعا ، يقول جل وعلا : ( كَلاَّ إِذَا دُكَّتْ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) الفجر )
3 ـ أكذوبة إذا مات الانسان قامت قيامته تتعارض مع عمومية أحوال القيامة ومع تسمية يوم القيامة بأنه ( يوم الجمع ) .
ثانيا : عمومية أحوال يوم القيامة فى أمثلة سريعة :
1 ـ فى الخلق لجميع البشر مرة واحدة وكذلك بعثهم جميعا ، قال جل وعلا :(مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (28) لقمان )
2 ـ فى قيام الساعة وتدمير هذا العالم الكونى بسماواته وأراضيه وبرازخه وتبديله بسماوات أخرى وأرضين أخرى ن ويبرز الناس جميعا للواحد القهار ، قال جل وعلا : ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) ابراهيم ).
3 ـ فى البعث للجميع حيث يقوم الناس لرب العالمين ، قال جل وعلا : (أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6) المطففين )
4 ـ فى الحشر للجميع ، قال جل وعلا : ( وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (47) الكهف )
5 ـ فى العرض أمام الله جل وعلا للجميع، قال جل وعلا:( وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً (48)الكهف )(وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18) الحاقة )
6 ـ رؤيتهم جميعا لأعمالهم : ( يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه (8) الزلزلة ) ( وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49) الكهف )
7 ـ إنتظار الحساب يتم تقسيم الناس الى ( أُمم ) أى جماعات عاشتت معا فى نفس الزمان والمكان وتفاعل أفرادها وتعاملوا مع بعضهم بالخير والشر ، وتم تسجيل هذا فى كتاب أعمال خاص بهم ، ويتم نسخ نسخة فردية منه لكل شخص من هذه الأمة أو هذا المجتمع .يؤتى بكل (أمّة ) جاثية تنتظر الأمر بالمثول امام الله جل وعلا للحساب ، قال جل وعلا : ( وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (29) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (31) الجاثية )
8 ـ طبقا لما سبق يتم تسليم كتاب الأعمال لكل فرد فى مجموعته ، قال جل وعلا : ( يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (71) وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (72) الاسراء ) (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) الحاقة ) (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (14) الاسراء ) ( يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً (8) وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً (11) وَيَصْلَى سَعِيراً (12) الانشقاق )
9 ـ وزن الأعمال للجميع ، قال جل وعلا : ( يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ (5) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11) القارعة )( وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9) الاعراف )(فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ (101) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) المؤمنون )
10 ـ لا يتخلف عن هذا فرد من المخلوقات من البشر والجن والانس والملائكة ، قال جل وعلا : ( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً (95) مريم ) ، وحيث يقف جبريل ( الروح ) والملائكة صفا لا يتكلمون، قال جل وعلا: (رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً (37) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً (38) النبأ )
11 ـ ثم الحساب لكل نفس ، حيث تأتى تدافع وتجادل عن نفسها وتُوفّى ما كسبت دون ظلم ، قال جل وعلا : ( يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (111) النحل ) ، لا فارق هنا بين الأنبياء المرسلين وأقوامهم : ( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7) الاعراف )
12 ـ القول بأن من يموت تقوم قيامته يعنى أن الأب الذى يموت قبل إبنه لن يلتقيا يوم القيامة طالما ان يوم القيامة فردى وليس جماعيا . هذا ينافى قوله جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33) لقمان ) (فَإِذَا جَاءَتْ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) عبس ).
13 ـ المحمديون لم يقدروا رب العزة جل وعلا حق قدره ، وسيرونه الواحد القهار يوم القيامة ، قال جل وعلا : (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) وَأَشْرَقَتْ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70) الزمر) هنا عمومية قيام الساعة وعمومية البعث وعمومية الحساب أمام الكتاب الواحد . بعده عمومية الجزاء للكافرين جهنم يدخلونها زمرا أى جماعات ، وللمتقين الجنة يدخلونها زمرا أو جماعات ، قال جل وعلا : (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) الزمر ) ثم حساب الملائكة : (وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )(75) الزمر )
ثالثا: يوم القيامة هو للجميع ، أى لمجموع البشر
1 : تجميع الناس يوم القيامة هو أمر لا ريب فيه . فى ذلك يقول جل وعلا:
1 / 1 : ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ ) (7) الشورى ) . هنا وصف يوم الجمع بأنه لا ريب ، مثل وصف القرآن الكريم بأنه لا ريب فيه.
1 / 2 : ( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثاً (87) النساء ). ألا يكفى أنه جل وعلا أصدق حديثا ؟ أنترك حديث الله جل وعلا من أجل حديث كاذب إفتراه الغزالى ؟ الإشارة هنا قبل مولد الغزالى بقرون فيها آية علمية تشير الى كذب سيأتى فى العصر العباسى الثانى.
1 / 3 : ( فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (25) آل عمران ). فى يوم الجمع هذا ستُوفّى كل نفس بشررية عملها بلا ظلم .
1 / 4 : ( قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ) (12) الانعام ). هنا التأكيد باللام ونون التوكيد :( ليجمعنكم )
1 / 5 : ( قُلْ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (26) الجاثية )
2 ـ الله جل وعلا هو الذى يقوم بتجميع الجميع ، وهذا ما جاء فى الآيات السابقة ، ومنه أيضا قوله جل وعلا :
2 / 1 :( يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ) (9) التغابن )
2 / 2 : ( ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) هود )
2 / 3 : ( إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40) الدخان )
3 ـ فى يوم الجمع يجتمع الأولون والآخرون ، اى الأوائل من القرون ومن جاء بعدهم حياة وموتا . فى ذلك يقول جل وعلا :
3 / 1 ـ ( قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50) الواقعة )
3 / 2 ـ ينطبق هذا على الرسل ، قال جل وعلا : ( يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (109) المائدة )
3 / 3 : سيكون الناس ثلاثة أقسام : السابقون واصحاب اليمين ( أهل الجنة ) والخاسرون. أصحاب الجنة أقلية من الأولين والآخرين، قال جل وعلا:( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنْ الآخِرِينَ (14) الواقعة ) ( لأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنْ الآخِرِينَ (40) الواقعة )
أخيرا : أهمية البرزخ هنا :
1 ـ لولم يكن برزخ لكانت القيامة فردية لكل فرد بمجرد موته. ولكن التأكيد على يوم واحد لكل البشر يستدعى أن يوجد البرزخ الذى تسكن فيه الأنفس الميتة الى أن يموت الجميع ثم يكون قيام الساعة ويوم القيامة للجميع فى نفس الوقت .
2 ـ وجود الأنفس ميتة فى البرزخ يعنى إنها عند البعث ستظن أنها قضت يوما أو بعض يوم أوساعة مثل الاحساس بالنوم. قال جل وعلا : ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (55) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ (56) الروم ) ( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46)النازعات). يلفت النظر وهم يتعرفون بينهم يوم الحشر يتخيلون أن حياتهم الدنيا كانت مثل ساعة من النهار تعارفوا فيها بينهم، قال جل وعلا: ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ) (45) يونس)
3 ـ هذا يعنى :
3 / 1 : أن شخصا مات من مائة الف عام عند البعث سيظن أنه مات من يوم أو بعض يوم ، وهو نفس شعور آخر شخص سيموت وقت نهاية وتدمير العالم. سيظن هو الآخر عند البعث أنه نام يوما أو بعض يوم .
3 / 2 ، بالنسبة لنا نحن الأحياء فإن الباقى على يوم القيامة هو ما تبقى لنا من عُمر نحياه زائد يوما أو بعض يوم. لنفترض أننى سأموت بعد عام واحد إذن يتبقى لى على يوم القيامة عام واحد فى الدنيا زائد يوم أو بعض يوم فى البرزخ . أى إن اليوم الآخر قريب منك جدا . هو أن تموت ثم تستيقظ بالبعث معتقدا أنك كنت نائما أو ميتا من يوم أو بعض يوم .
ولهذا قال وعلا لكفار قريش فى عهد النبى محمد عليه السلام :
3 / 2 / 1 : ( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46) سبأ ) . هنا تهديد لهم بأنهم بين يدى عذاب شديد ) أى هم على شفا عذاب شديد . أى بقى عليه ما تبقى من عُمر أحدهم ثم يوم أو بعض يوم .
3 / 2 / 2 (إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا ) (40) النبأ ) . هذا العذاب القريب لا يقاس بموعد موتهم من 14 قرنا ، ولكن عن حالهم وقتها ، وقد بقى لهم من عُمر بضع سنوات ، ثم برزخ يستيقظون منه وقد أحسوا أنه مرّ عليهم يوم أو بضع يوم .
3 / 3 : أولئك المجرمون الذين يستغلون حريتهم فى العصيان يبقى لهم من إستعمال حريتهم بضع أيام أو بضع شهور أو بضع سنوات ، أى ما تبقى لهم من عُمر وهو قليل . ثم يفقدون حريتهم وهم على فراش الاحتضار ، ويفقدونها الى الأبد فى يوم البعث ويوم الحشر ويوم الحساب وفى الخلود فى النار. مجرد بضع سنوات من إساءة الحرية فى هذه الدنيا يعقبة فقدان لهذه الحرية ، مع خلود فى النار.
4 ـ ألا يفكّر المستبد الشرقى وقومه فى هذا ؟!!

الخاتمة
نعتبر هذا المقال هو الخاتمة ، خصوصا السؤال الأخير : ألا يفكّر المستبد الشرقى وقومه فى هذا ؟!!





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,097,883,058
- البرزخ ويوم الجمع ( يوم القيامة )
- القاموس القرآنى : ( الأرحام )
- معضلة الزمن فى اليوم الآخر
- البعث وانتهاء علاقتنا بالبرزخ
- علاقتنا بالبرزخ
- ( وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) يعنى : تبليغ ال ...
- تدبر القرآن ليس مهمة النبى عليه السلام
- الأحياء فى البرزخ
- لا جديد تحت شمس المحمديين: من بجكم التركى الى معمر القذافى
- البرزخ بين الموتى ومن يُقتل فى سبيل الله جل وعلا
- هل كان النبى محمد يعلم كل ما فى القرآن الكريم ؟
- رسالة من قارىء ، أكرمه الله جل وعلا :
- الحاكم إن عذّب قومه ، فليسوا قومه .!
- يسألونك عن الوصية
- ( العذاب والتعذيب : رؤية قرآنية )، الكتاب كاملا.
- خرافة الامام المعصوم
- الاحتضار
- مصر بين المرض والاحتضار
- رسالة غاية فى الدهاء
- دردشة مع الذات ..للعبرة والعظة .!!


المزيد.....




- بين سام وعمار - الأقباط: مواطنون وغرباء في الشرق الأوسط
- احتفالات أعياد الميلاد بالبصرة في غياب المسيحيين
- بعد انسحابها من تحالف -الشرعية-.. هل تنجو الجماعة الإسلامية ...
- آلية عربية إسلامية إفريقية مشتركة لدعم قضية فلسطين
- بابا الفاتيكان يقيم أول قداس من نوعه في شبه الجزيرة العربية. ...
- منظمة ADFA بـ سوديرتالية تقف وراء قرار ترامب بحماية الأقلية ...
- بابا الفاتيكان يدين بشدة هجوم -ستراسبورغ- الإرهابي
- هيكل أورشليم كمركز مالي عند اليهود القدماء وهيكل الاقتصاد ال ...
- وزير خارجية تركي أسبق يدعو أنقرة عدم اعتماد الطائفية في السي ...
- في مصر، لا يزال ثلث الشعب يميل إلى جماعة -الإخوان المسلمين- ...


المزيد.....

- كتاب انكي المفقود / زكريا سيشن
- أنبياء سومريون / خزعل الماجدي
- لماذا الدولة العلمانية؟ / شاهر أحمد نصر
- الإصلاح في الفكر الإسلامي وعوامل الفشل / الحجاري عادل
- سورة الفيل والتّفسير المستحيل! / ناصر بن رجب
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(2) / ناصر بن رجب
- في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم / هاشم نعمة
- البروتستانتية في الغرب والإسلام في الشرق.. كيف يؤثران على ق ... / مولود مدي
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1) / ناصر بن رجب
- فلسفة عاشوراء..دراسة نقدية / سامح عسكر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد صبحى منصور - كتاب ( البرزخ ) : الكتاب كاملا