أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - شفيق الجندوبي - البوصلة















المزيد.....

البوصلة


شفيق الجندوبي

الحوار المتمدن-العدد: 5919 - 2018 / 6 / 30 - 14:35
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


أبكر طاهرإلى حضيرة البناء...وكان الصّباح قصيرا كأنّه لم يطلّ... عجيبة أيّام الحضيرة في الصّيف! هي تبدأ بلا صباحات، فيلفي نفسه منهكا مصهودا يقضّي ساعات طوالا ثقالا في عزّ القيظ يرفع ملاط الإسمنت بذراعيه السّمراوين المعروقتين. لقد بات يشعر أنّه يحيا لينال عقابه في الدّنيا عن ذنوب كبيرة أتاها أيّام شبابه في حقّ العباد والبهائم، بل لقد صار يلتذّ عذاباته ويستحليها فلعلّها تخفّف لوحه المثقل بسود فعاله كما يعتقد. كان جنّا أرقط قبل أن يغرم فجأة بمنى بنت الهاشميّ عسّاس غابة جبل "المرارات".
عجيب كذلك أمر حبّه فقد كان لا يطيق منى لمّا كانت تدرس معه ، بل كان يؤذيها ويطشّها بماء البرك البارد شتاء عند المسلك الكؤود المؤدّي إلى مدرسته المشنوقة فوق تلّة "الدّائخة". كان قاسيا مع الجميع بدءا بأترابه الذين كان يجبرهم على حمل محفظته وعلى سرقة بعض غلال البساتين ليلتذّ بها وإن كانت حصرما. كما كان يحرم بعض البنات من وجباتنهنّ الهزيلة التي يحصلن عليها من المطعم المدرسيّ ليلتهمها صاحبنا في نهم وهنّ صاغرات. وكانت منى من ضحاياه. ولمّا شبّ امتدّ أذاه إلى أقنان الدّجاج في القرية فلم تسلم ربّة بيت من سطواته الثّعلبيّة الماكرة بمن فيهم أمّ منى بالرّغم من كون زوجها عسّاس ذو خبرة.
وقد كان يفعل فعلاته باعتداد عجيب معلنا لمن يحاول وعظه بكلّ سخريّة:
- ليكن في علمك يا أخي حتّى لا تتعب نفسك أنّي حلفت ألا أذوق الحلال. ومع ذلك لا أنصحك بتذوّق حلاوات الحرام لأنّ فراقها صعب.
غابت منى عن ناظريه بضع سنين، أي منذ أن طردوا من قسم السّادسة كجلّ أطفال القرية. وذات ليلة شاهدها في عرس يوسف ولد "العمدة" فطارت من رأسه مفعولات جميع عبوات البيرة التي احتساها.
ما هذا الذي يحدث لي؟ قال طاهر، لقد سكنت بمخّي واستقرّت بشغاف قلبي وأنا الذي مشى في بالي أن لا قلب لي. فإذا به موجود، لا بل ويتّسع للسّكنى !
منذ أسابيع وأنا أحاول نفضها منه لكنّها عمرته عمارا لذيذا كما يعمر العسل الشّهد. أهذا هو الحبّ إذا؟ ما أحلاه ! وما أبهاه ! لعنة الله على أبيه !

لا بدّ أن يخفّف أوزاره في الدّنيا قبل الآخرة. وهو يتحمّل الآن عذابات الحضيرة في الصّيهد الحارق لأنّه ممتلئ بهذه الحقيقة رغم أنّه يتساءل حين يخور منه العزم: هل تكون جهنّم أشدّ وطأة من هذه الهجيرة التي لا يطيقها الشّيطان؟ فيخيّل إليه أحيانا أنّه يرى إبليس هازئا منه في مقيله الظليل بينما يتبوّأ هو مقعده من حمّارة القيظ. يا دين الرّبّ! ماذا ينتظرني في اليوم الآخر؟
وتعاوده ذكريات طفولته وشبابه مجدّدا فتتعاظم خشيته. خير له أن يخلص في الدّنيا قبل فوت الأوان...أوّاه لما اقترفه من شنيع الفعال !
يذكر أنّ ألعابه لم تكن بريئة براءة الأطفال في مثل سنّه. فكم مرّة حرق معمّرات النّمل، وكم ألقى قطيطات في الوادي بعد أن أحكم شدّ الأحجار إلى جسومها الصّغيرة، وكم هشّم من أعشاش الطّيور وبيوضها. لقد كان آفة محيقة كما تقول جدّته سالمة الّتي اكتوت بسرقاته وكذباته ومقالبه التي لا تنتهي.
يذكر هذا ويردّد: - يا دين الرّبّ ماذا ينتظرني !
لم يشعر طاهر بالإحباط رغم حظه العاثر .لقد فشل في الدراسة وغادرها مطرودا بعد رسوبه المتكرّر في السنّة السابعة أساسي . فودّع المدرسة وهو يشعر أنّه تخفّف من ثقل الآمال الواهمة التي كانت تعمر كيان والديه المعوزين.لقد كان يريانه طبيبا أومهندسا أو طيّارا أو ضابطا في الجيش أو الشرطة وكان والده المرحوم يلحّ عليه أن يجتهد ويضحيّ ليصبح كاتبا عامّا لإحدى البلديّات يرفل في الخير العامّ كما سي فوزي.ولكن هيهات فمع كلّ سنة يقضّيها الفتى في المدرسة يتبخّر أمل وينغلق أفق وتتوطّد الواقعيّة القاتمة حتّى لكأنّ التردّد على المدرسة لم يكن له من غاية غير إقناع أهله بأنّه لم يخلق لتقلّد المناصب السّامية ولا المتوسّطة، وأنّ أقصى ما يمكن أن يرجوه أن يكون حظّه كحظّ أبيه كي لا يكون أتعس ..ولكنّه تأكّد بعد وفاة والده أنّ نصيب عائلته من الدّنيا لم يكن غير فتات، فالجراية التي تتقاضاها أمّه الأرملة تبعث على الضّحك. وقد قرّر أن يخفّف وزرها لتنفقها على أختيه. ومن يومها غادر إلى العاصمة ليعمل في حضائر البناء. على كلّ حال هو لا يحبّ التّأمّل ولا التّألّم... يكفيه التقاط بعض الرّزق كما تفعل الطيّر...وبالقليل يمكنه اختراع السّعادة من دون فلسفة: تكفيه سجائر من أرخص نوع و تمتّعه جلسات لعب الورق المملوءة سبابا مقذعا لذيذا وتراشقا بالشّتائم التي يكرهها المهذّبون لكنّه يحبّها نكالة فيهم. و يغنيه انتصار فريقه المفضّل في كرة القدم عن كلّ شأن عظيم. وهو يبلغ قمّة الهناء و يعيش أروع لحظات الصّفاء حين يحتسي نصيبا من البيرة. ما أعجبها إنّها تجعله سلطانا فوق كلّ السّلاطين وتفكّ ما انعقد من لسانه !
يذكر هذا ويردّد: - يا دين الرّبّ ماذا ينتظرني !
ثمّ تعنّ الخواطر المضطربة برأسه.
- هه فيم أطمع؟ ألم يكن أجدى لو تبعت قلبي المخشوشن وغامرت مثل الرّجال؟ عبد الكريم العقعق صديق الطفولة لم يكن أشجع منّي ولا أجرأ، كان يخاف من ظلّه . وقد نزحنا إلى العاصمة في نفس الفترة تقريبا. ضحكت عليه لمّا باع أوّل كرتونة بيرة لزملائه في حضيرة بناء المركّب التجاريّ العملاق وكنت من زبائنه الأوائل حتّى غادرنا ذات عشيّة وانقطعت أخباره إلى حين سمعت اسمه بعد ثلاث سنوات عندما انتقلت للعمل في حضيرة إقامة الأقحوان وكنّا نحضّر لـ"بلعة" فقال مدبّر أمرنا:
- علينا أن نقتني حاجتنا من عند عبد الكريم العقعق.
دهشت لمّا سمعت اسمه، وعلمت بعد ذلك أنّه باع الخمر والبيرة خلسة ثمّ جهارا بعنوان الخلسة بعد أن اشترى ذمم كلّ الأعين الرّقيبة وكوّن ثروة وسلطة رهيبة.
بعد "الثورة" أعلن العقعق توبته وأطلق لحيته وقلب تجارته التي امتدّت إلى خارج الحدود. و اعتمر وحجّ وتصدّق في سرّ خشية المنّ لولا إخبار المنتفعين عن بيض فعاله بإيعاز ذكيّ منه. ولم يبق عقعقا بل صار حاجّا. والحقّ أنّ اللّقب قد واتاه والوقار قد جلّله وكساه. لم أنس رجولته وموقفه الأصيل. لقد بحث عنّي في كلّ مكان زمن الأحداث التي اندلعت إبّان الثّورة. عانقني الحاجّ طويلا حين التقينا كأنّني أخوه. وسرعان ما بادرني :
- ماذا تفعل هنا؟
- لا شيء..واللّه يا حاجّ الدّنيا حابسة أنفاسنا، وكلّ المشاريع معطلة كما تعلم. وأنا مخنوق وروحي ستطلع إلى ربّي.
ربّت على كتفي ومدّني بمعلوم أشهر تسوّغ المنزل المتخلّد بذمّتي. ودعاني إلى الالتحاق بحضيرة إحدى فيلاته التي سيطلق أشغالها مجدّدا لأجلي كي لا أبقى عاطلا عن العمل. وقد أخبرني أنّه لن يستجلب فريقا للبناء بل سيتعمّد قصر العمل عليّ وعلى إبراهيم البنّاء كي يسترسل الشّغل مدّة أطول تقيه شرّ البطالة. شكرته ولهجت بالدّعاء له.. وكان يرّدّ:
- الحمد لله..الحمد لله ..كلّه من فضل ربّي..
وكنت في سريرتي أقول: شوط من الإثم الذكيّ تعقبها توبة نصوح وتطهير وتطهّر بالصدقات فإذا بالدّنيا مقبلة في الحلال وحسن العاقبة مرجّح بحسن الفعال. الفرق بيني وبين الحاجّ ليس في التوبة فكلانا تائب والحمد للّه...لعلّه الفرق بين الإثم الذكّيّ والإثم الغبيّ.فماذا لو واتتني فرصة إثم مثمر يعقبه انعطاف غفرانيّ ؟
لعنة الله على الشيطان الرّجيم. أين إيمانك يا طاهر ألست قويّا؟ اصبر.. كن خرسانة مسلّحة أو جدارا من الحجر الصّلد ...
هكذا يحدّث نفسه كلّما وهنت وأوشكت تستسلم ...فلا تسمع بعد هنيهة غير خشخشة الرّفش القاسية تملأ السّطل تلو السّطل. ولا ترى غير هامة صامدة تنحني وتنتصب مكتومة الأنين، تمدّ للبنّاء حاجته فوق صقالة الخشب.ومع كلّ رفعة يغمض طاهر عينيه اتّقاء أشعّة الشّمس، فتتغضّن أساريره. وتنفرط من بين الأخاديد حبّات عرق مالحة تقرص جفنيه، عندها يعمد إلى كمّ ثوبه ينشّفهما. وإذا أمهله انشغال البنّاء بسجّ الجدار، اغترف من برميل الماء حفنات يبرّد بها وجهه الملفوح، ويمسح بها على رأسه وقد يستنشق منها و يستنثر، لكنّه يمسك نفسه عن المضمضة كي لا يفسد صومه. وتحضره في تلك اللحظة حكاية جدّته سالمة مع الصّوم في فصل الصّيف حين كانت لا تقوى عليه فتكثر من المضمضة لتختلس قطيرات من الماء تبلّل بها حلقومها...ويسألها خاله :
- ها..أمّي سالمة ..ماذا فعل معك رمضان؟
فتردّ:
- إيه يا كبدي..أميمتك لولا المضمضة لأكلت رأسها !
يبسم طاهر ويستغفر لجدّته سالمة لأنّها بسيطة وطيّبة ولا تقصد التّحيّل على الله. فهي تخشى الإثم غبيّا كان أو ذكيّا. وسرعان ما يقطع عليه صوت البنّاء هنيهات السّرحة و الدّعة :
- هيّا يا طاهر ! ..أينك؟ النّهار راح ولم نعمل شيئا !
فيهرع إليه فزعا ويخشخش الرفش سريعا على حصى الملاط وتنحني الهامة ثمّ تنتصب...وحين توشك ليقة الإسمنت والرّمل على النّفاد ولا تبقى منها غير لقيمات منتثرة خلّفها الرّفش، يتناول طاهر المسيعة الصغيرة من البنّاء ويكشط بها البقايا عن الأرض كشطا حثيثا ثمّ يسدّ بها ثقوبا بين لبنات جدار فرحا بالنّهاية المؤقّتة لعذاب السّعير.
ها هو طاهر في طريق العودة إلى بيته. عليه أن يمرّ من شارع "الكبّانيّة" المزدحم بالباعة المنتصبين في فوضى عارمة ...فوضى كانت لا تلحظ إلا في شهر رمضان وأصبحت الآن تمتدّ على مدار كلّ الشّهور...فالجميع يبيعون ..الباعة ناهز عددهم عدد المشترين..صناديق الكرتون وألواح الخشب الصناعيّ المضغوط غزت كلّ شبر ممكن على الأرض. والشّمسيّات الخلقة المرقّعة وأسمال الملاحف النّاصلة المعلّقة بخيوط من الخرق المقدودة تحتلّ ما أمكنها من سماء كأنّ عناكب عملاقة أحكمت نصب شباكها لصيد ذباب هائم ضئيل لن يشبعها.
عليه أن يتبضّع: ربطة بقدنوس..أربع بيضات..رطلا من البطاطا..ونصف دزّينة من رقاق البريك وكأسا من الشّعير المجروش و شيئا من الزّلابية ثمّ ينتهى.
يصل ..فتستقبله منى استقبال الأبطال وتتناول منه كيس البضاعة فخورة به..وتفرح بنتاه وتتعنّتان في فضّ قرطاس الزّلابية فتنهاهما الأمّ وتقسم أن لا زلابية إلا بعد أذان المغرب...يستحمّ طاهر سريعا تحت خرطوم الماء ويتنشّف ويلبس ثيابه النّظيفة قاصدا "جامع الرّحمة" القريب من بيته.
يدخل طاهر الجامع قبيل صلاة العصر فيجد عموده الحجريّ البارد في انتظاره .. يتناول مصحفا ثمّ يسند إليه ظهره متلذّذا بالظلّ الظليل متأوّها ...يشعر أنّ العمود يبلسم أوجاع القطان في ظهره فتعمّه راحة.. هو لا يجدها في غير هذا المكان المهيب..يتلو بعض الآيات..لا يهمّ إن استغلقت عليه معانيها ألم يتعوّد على هذا الأمر. لقد قضّى بالمدرسة سنينا لم يعرف الفلق ولا الغاسق إذا وقب ولا النّازعات غرقا ولا النّاشطات نشطا.ومع ذلك عرف التقريع وأحيانا العصا إذا لم يحفظ ما طلب منه. على كلّ، لا بأس فتلاوة كلام الله لا بدّ أن تشعره بالرّاحة ، وهو يشعر بذلك فعلا .. لا مشكلة له مع المعاني فهو يحدسها ..لا يعرف بالتّحديد معنى الــ"غاسق" لكنّه شبه متأكّد أنّه شرّ، والعياذ بالله، خاصّة إذا "وقب" وإن لم يكن يدري بالتّحديد معنى "وقب". كلام الله ليس لعبا.. وأمور الدّين ليست في متناوله.. وحتّى بعض أمور الدّنيا بل أغلبها، إذا أمعن النّظر، ليست أيضا في متناول عقله... تكفيه أوجاع البدن ..هو جاء هنا للرّاحة..الحمد لله على كلّ حال.
بدأ المصّلّون يتوافدون...عددهم يزداد في هذا الشّهر المبارك ويسعون في لهفة متأبّطين السّجاجيد الصّينيّة الصّغيرة..ودارت المراوح الكهربائيّة الصّينيّة فأنهت إليه روائح ألفاها خاصّة بهذا المكان المبارك دون سواه من الأمكنة حتّى لكأنّها رائحة المقدّس .. هي مزيج من العرق ومسك تراويح البارحة تضوع ممتزجة بأسدية بلاستيك الحصر الصّينيّة التي تبرّع بها صاحبه الحاجّ للجامع..وضجّ المكان بتحايا السّلام..وما هي إلا هنيهة حتّى أذّن وانتظمت الصّفوف وأدّيت الصلاة فانفضّ العابدون ولم تبقى غير كوكبة قليلة من الشّباب المتحمّسين المهتدين حديثا قرب المحراب.
عاد طاهر إلى عموده وأمسك مصحفه...يتلو حينا وتأخذه هدأة من النّعاس محبّبة أحيانا أخرى..ثمّ يفيق فيعاود التلاوة...الشّباب بأزيائهم الأفغانيّة يلغون ويلغطون ..ويبلغ الحماس أشدّه عند أحدهم فيعلن:
- ألم أقل لكم أنّ اتّجاه القبلة خاطئ في هذا الجامع؟
- بلى ، إخوتي. يردف آخر.
- انظروا..
يسترق طاهر النّظر بين هامات الشّباب ..فإذا أحدهم يفتح علبة صغيرة من الكترون بها بوصلة ...إبرة البوصلة تبيّن بالتّدقيق اتّجاه القبلة. المحراب منحرف عنها ! ويعلن الشّاب متحمّسا:
- لم يبق الآن شكّ.. يا للبلهاء..كلّ صلواتهم باطلة.
يغلق الشّاب علبة الكرتون الصّغيرة ...يقرأ طاهر على غلافها بطرفة نظر عبارات لاتينيّة الحروف: "صنع بالصّين"
اتّفق الشّباب على تصحيح اتّجاه المحراب وفتح باب التبرّع بلوازم البناء واليد العاملة..القيام بالأشغال سيكون ليلا بعد النّوافل..وهمّ طاهر أن يعرض تطوّعه للعمل لولا أنّه تذكّر استحالة قدرته على العمل بالليل متطوّعا وبالنّهار مسترزقا.
انفضّ الشّباب من الجامع..وعاد طاهر إلى عموده ينتظر صلاة المغرب..تلا.. وعاودته الهدأة القصيرة اللذيذة.. فرأى ما يشبه ملاكا أبيض نورانيّا ينسلّ خفيفا من قبّة الجامع ويهبط حذو المحراب يقرأ لوحا وضّاء:
- الحمد لله.. "وإن الله لهاد الذين آمنوا إلي صراط مستقيم" جئت إلى هذا الجامع الطّاهر مبشّرا كلّ مؤمن مخلص طاهر بجنّات عرضها السّماوات والأرض..
أحسّ طاهر بدوخة اختلطت بهدأته..وتذكّر كوكبة الشّباب :
-هنيئا لهم..يا اللّه ! طوبى للصّالحين! ..كانوا سبّاقين للخير..
وعاد إلى نفسه يوبّخها..ألم يكن يهمّ بالتبّرع بجهد ساعديه..ما الذي أقعده عن فعل الخير؟ ما الذي جعله يمتنع عن فعل الخير وقد كان بوسعه؟..ويتذكّر الشّباب مجدّدا فيغبطهم على النّعيم المنتظر..ويرى رؤيا العين وجوههم النّاضرة وهم في قمصانهم البيضاء يمسّحون ذقونهم متلمّظين شهدا لن يذوقه.
يعود النّورانيّ إلى قراءة لوحه ...ويزداد وجيب القلب في صدر طاهر ..فيبتلع ريقه في لطف ويصيخ السّمع:
- جئت مبشّرا " هونغ شو": شابّ صينيّ من قرية "كيشاوا"..شيّد مصنعا للبوصلات تُري القبلة وقد راجت في كلّ أسواقكم..وأقبلتم عليها...

هه ما هذا التّخريف ؟ كيف يدخل الصينيّون الجنّة؟ سقطت من عيني أيّها النّورانيّ رغم هالتك المتوهّجة ! قال طاهر في سريرته.

وواصل النّورانيّ غير آبه.

-...وكلّما ازداد إقبالكم عليها.. انتشل هونغ شو بطّالا وضمّه إلى معمله..مئات من أهل كيشاوا عاشوا ذلّ الاحتياج وها هم اليوم يذوقون على يديه طعم الكرامة..عائلات ترتزق..كبار القرية هانئون ..والصّغار يبسمون..وقلوب رضّيّة كثيرة تلهج له بدعوات خالصات لجميل صنعه وبركة مخّه التي مسّهم منها خير لا يجحد.
عادت جلبة المصلّين للجامع ..أفاق طاهر من هدأته.هذا أذان المغرب، هو لم يسمع بدايته.."حيّ على الفلاح..."...قفز تاركا العمود..أعاد المصحف للرّفّ...اصطفّ مع المصطفّين ورصّت الصّفوف رصّا... تلا الإمام ما تيسّر وفهم طاهر ما تيسّر من سورة القارعة... و خاصّة: "... وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ. نَارٌ حَامِيَهْ " وخطرت في باله هجيرة اليوم المنقضي متذكّرا نار الغد الحامية التي تنتظره في الحضيرة ...رأى أمامه بعيدا في الصفّ الأوّل كوكبة الشّباب المتحمّسين...وقرب المشكاة لاح خيال وجه كأنّه يعرفه.. ..توضّحه.. فإذا هو هونغ شو يبسم في سكينة ورضا ثمّ تغيب صورته فجأة فكأنّما لا يمكنه إهراق نسغ حياته في سعيهم و هو منقطع إلى الصّلاة في محاريب سعيه.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,636,512,753





- اعتقال 6 أشخاص بتهمة الانتماء لبوكو حرام في السودان
- اعتقال 6 أشخاص بتهمة الانتماء لبوكو حرام في السودان
- عمارة ما بعد الحرب في بيروت.. مواطنة السوق النيوليبرالية بدل ...
- إيران: المرشد الأعلى يوافق على اعتبار القتلى في الاحتجاجات - ...
- السودان يعلن القبض على ستة اشخاص يشتبه بانتمائهم لـ-بوكو حرا ...
- هي الأولى من نوعها... رسالة من شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان إل ...
- رئيسة وزراء نيوزيلندا تتعهد بمنع منفذ هجوم المسجدين من نشر ا ...
- السودان يعلن توقيف إرهابيين من «بوكو حرام» وتسليمهما إلى تشا ...
- السودان.. القبض على 6 من عناصر بوكوحرام الارهابية
- الجيش السوداني يعلن القبض على 6 من عناصر تنظيم -بوكو حرام- ا ...


المزيد.....

- العلمانية في شعر أحمد شوقي / صلاح الدين محسن
- ارتعاشات تنويرية - ودعوة لعهد تنويري جديد / صلاح الدين محسن
- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - شفيق الجندوبي - البوصلة