أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خوسيه ميغيل بويرتا - فيديريكو غرثيا لوركا وعمر الخيّام















المزيد.....


فيديريكو غرثيا لوركا وعمر الخيّام


خوسيه ميغيل بويرتا
الحوار المتمدن-العدد: 5914 - 2018 / 6 / 25 - 08:30
المحور: الادب والفن
    


إحساس بالمأساة
بشكل مغاير للرومانسيين الأوروبيين الذين "اكتشفوا الشرق" ولو كان بعمق أمثال غوته، وريمبو وغيرهما، الشرق بالنسبة للوركا متواجدٌ في أرضه نفسها، ولذلك وقّع هذه التعليقات حول عمر الخيام باسم "أبو عبدالله" أي تقمصًا لشخصية آخر ملوك غرناطة الاسلامية!! ولهذه المبادرة الطريفة لاستعمال كنية أبي عبدالله "المملك الصغير" دلالة أخرى، تؤدي بنا إلى إحساس لوركا الدائم بالمأساة والفقدان، إن كان حيال الاندلسيين الذين فقدوا وطنهم، أو إلى المهمشين من الغجر والسود والنساء وسواهم أينما كانوا،

فردوس غرناطة
في شهر تشرين الاول من عام 1926 ألقى لوركا بمدينته محاضرة أخرى ذات معنى بعنوان "غرناطة فردوس مقفل للكثيرين"، يبحث فيها عن النغمة "الأكثر حسًا للمدينة ووجده فيما يسميه "جمالية الأشياء الصغيرة" التي عزاها مؤلفنا إلى ماضي غرناطة العربي، حيث كان بناة الحمراء يبنون قصورًا صغيرة كأنها مرئية "بالناظور مقلوبًا " ويصف أهل غرناطة بأنهم عشاق التصغير في الفنون والكلام، ومتذوقو غروب الشمس يحبون تأمل الحدائق والنوافير المنزلية كأن الزمن لم يتحرك منذ تألق الاندلس .




على الرغم من أن الشاعر والمسرحي الإسباني الكبير فيديريكو غرثيا لوركا (1898-1936) بات مشهورًا عالميًا إلا أن النقاد غربًا وشرقًا، لم يتوقفوا كما ينبغي على سبر الروح الشرقية التي تحلى بها مؤلف "شاعر في نيويورك" منذ كتاباته الأولى وحتى آخرها التي صدر بعضها بعد ان فارق الحياة مغتالًا في ريعان شبابه.
كان لوركا يقرأ بنهم منذ طفولته مهما شاعت خرافة عصاميته الكاملة، إلى درجة أن أباه انزعج منه لكثرة نفقاته في مكتبة لبيع الكتب في غرناطة، المدينة الصغيرة التي انتقل إليها من قرية "نبع رعاة البقر" مسقط رأسه، لمتابعة الدراسة، فمن بين القراءات التي آثرها لوركا لتكوين شخصيته ورؤيته للعالم منذ مراهقته، احتل محلًا مركزيًا إلى جانب ثرفانتس وشكسبير واوسكار وايلد وريمبو وطاغور وغيرهم، ما أسماه الشعراء المشارقة وهم سراج الوراق وابن الزيات وحافظ الشيرازي وعمر الخيام الذين اطلع على حفنة من أشعارهم مترجمة في كتاب "منتخبات من الشعر الآسيوي للكُنت دي نورونيا، الصادر في باريس عام 1833.
وأصبح انبهار غرثيا لوركا باستعارات وفضاء هؤلاء الشعراء لا سيما عمر الخيام، إلى ذروة الاندفاع إلى الكتابة لأول مرة في حياته، ففي مطلع أول قصيدة نظمها لوركا " اغنية حلم والتباس" (مؤرخة في 29 يونيو 1917) يتخيل الشاعر المبتدئ الغرناطي ذاته في جو عمر الخيام المثير: "كانت ليلة شبقية كاملة / ليلة ذهبية في الشرق العتيق / ليلة قُبلات ونور ومداعبات / ليلة ملتفة بتول العشق / أوجاع وورود على جسدك/ وعيناك هما الموت والبحر / وفمك ! وشفتاك وقفاك وعنقك/ ...وانا كظلّ عُمرَ (خيام) قديم ... // حلم أقمشة الجزائر ودمشق // كان يعطر فاترًا قلبنا ..".
وفي شهر تشرين الاول من السنة نفسها كتب الشاب لوركا أول مقالة له " تعليقات حول عمر الخيام" ونشرها في مجلة letras (آداب) التي أصدرها مع فئة من الأصدقاء في جامعة غرناطة، لقد اقتنى لوركا قبلئذ بايام نسخة عن ترجمة لرباعيات الخيام مطبوعة في مدريد عام 1916، تتصدرها مقدمة للشاعر النيكاراغوي روبين داريو، رائد الحداثوية الشعرية باللغة الإسبانية، لا تزال بحوزة أسرة لوركا مع تسطير مؤلفنا على بضع رباعيات استرعت اهتمامه، في هذه المقالة المكتوبة فعلًا بحماس وبروح التمرد على سلطة الكنيسة الخانقة للحياة في نظره، يختفي القارئ- الكاتب لوركا بـ "عمر الخيام البديع والبعيد"، "الساحر الضبابي للتردد الموجع واللذيذ!"، حسبما يصفه معتبرًا إياه إنسانًا على مستوى أعلى من أغلبية البشر لأنه تجرأ على القبول بماهية الحياة وعيشها في الحاضر والتعاطف مع كل الموجودات: "لا ريب في أن عقيدة وحدة الوجود عندك تنبع من تأملك اللانهائي في الأشياء، للأشياء جمعيها روح إذا أثارت انفعالنا"؛ وهذا ما يدفع إلى المحبة المطلقة:
"المحبة! الكثير من المحبة، الإحترام لمواقف الوجود برمتها" يصرخ هنا الشاب لوركا وسوف يلتزم بهذا المبدأ مدى حياته .
وبشكل مغاير للرومانسيين الأوروبيين الذين "اكتشفوا الشرق" ولو كان بعمق أمثال غوته، وريمبو وغيرهما، الشرق بالنسبة للوركا متواجدٌ في أرضه نفسها، ولذلك وقّع هذه التعليقات حول عمر الخيام باسم "أبو عبدالله" أي تقمصًا لشخصية آخر ملوك غرناطة الاسلامية!! ولهذه المبادرة الطريفة لاستعمال كنية أبي عبدالله "المملك الصغير" دلالة أخرى، تؤدي بنا إلى إحساس لوركا الدائم بالمأساة والفقدان، إن كان حيال الاندلسيين الذين فقدوا وطنهم، أو إلى المهمشين من الغجر والسود والنساء وسواهم أينما كانوا، ففي نثر آخر له معنون "قول صوفي عن الألم الذي سيأتي" (ربما كتبه أيضا في عام 1917) يعود لوركا إلى الألم الكوني الذي يواجهه الخيام بكأسه وشعره: "الخلود بأكمله ألمٌ . لذا تتألق في تاريخ العوالم الكأس العجيبة لعمر الخيام وأرواحه الصديقة، كأس يمسكها هذا الثمل الكبير من الخمر المؤلمة بيديه الرائعتين".
وكما لم يكن يفعله الكُتاب الاوروبيون، طبعًا، ربط لوركا مباشرة "الغناء العميق" (الفلامينكو) بالشعر الشرقي خصوصًا برباعيات الخيام، ففي محاضرته الشهيرة حول هذا الغناء الإسباني المكتوبة في عام 1922، يقارن بين مغني الفلامينكو بأندلسيا وبين قصائد هولاء الشعراء المشارقة في شأن معالجتهم موضوع الخمر، ويخلص إلى أن مغني الفلامينكو وشعراء الشرق يغنون للنبيذ النقي الذي يزيح الهموم ويذكر بشفاه الفتيات، ذلك النبيذ المفرح البعيد جدًا عن خمرة بودلير المرعبة" وبعد ذكر اغنية شعبية أندلسية حديثة تثني على الخمر بفرح وابتهاج، يستدعي لوركا عمر الخيام قائلا إن مغني الفلامينكو "كان مثلما كان عمر الخيام الرائع على معرفة بأن حبسي سينتهي /وبكائي سينتهي /وعذابي سينتهي / وكل شيء سينتهي ( كلمات أغنية فلامينكو شعبية) ويضع على جبينه - يواصل الكاتب الغرناطي - إكليل ورود اللحظة العابرة ويتأمل كأس الرحيق ليبصر نجمة سارية في قعرها ...ومثل شاعر نيسابور العظيم يشعر بالحياة وكأنها رقعة شطرنج".
في لعبة الحياة العابرة، حلمَ لوركا أيضا بإنعاش الشعر الأندلسي، شعر شرقي في موطنه، الذي بدأ المستعربون الإسبان بترجمته إلى اللغة الإسبانية، وكان من بينهم مستعربون متعلقون شخصيًا بشاعرنا ومنتمون الى "مجلس الزاوية الصغيرة" التي كان لوركا من نشطائه، وقد شرح في رسالة بعث بها عام 1922 إلى صديق له عضو في هذا المجلس مشروع انشاء "زاوية" مع قبة وحديقة على الطراز الأندلسي، في قرية مجاورة لغرناطة تكريمًا لابن طفيل، صاحب رسالة "حي بن يقطان" الرواية الفكرية المشهورة المخصصة "للفلسفة المشرقية" وذكرى لـ "علماء غرناطيين مسلمين آخرين" تكون كذلك ملتقى للمثقفين الإسبان و"العرب المعاصرين" على حد قوله، للأسف لم يتم تنفيذ هذا المشروع الجميل الذي سبق نصف القرن مشاريع أخرى مماثلة طبقتها بعض مؤسسات حديثة لاحقًا.
في شهر تشرين الاول من عام 1926 ألقى لوركا بمدينته محاضرة أخرى ذات معنى بعنوان "غرناطة فردوس مقفل للكثيرين"، يبحث فيها عن النغمة "الأكثر حسًا للمدينة ووجده فيما يسميه "جمالية الأشياء الصغيرة" التي عزاها مؤلفنا إلى ماضي غرناطة العربي، حيث كان بناة الحمراء يبنون قصورًا صغيرة كأنها مرئية "بالناظور مقلوبًا " ويصف أهل غرناطة بأنهم عشاق التصغير في الفنون والكلام، ومتذوقو غروب الشمس يحبون تأمل الحدائق والنوافير المنزلية كأن الزمن لم يتحرك منذ تألق الاندلس .
إذًا، قراءة لوركا للخيام وشرقه الأندلسي لم تكن قراءة "اكسوتيكية " ساعية إلى اكتشاف الغريب الجذاب، او إلى ايجاد مهرب للأوجاع الشخصية والاجتماعية في اسبانيا ما قبل الحرب الأهلية المكتظة بالاضطربات والحرمان، كما لم يتعامل لوركا مع رباعيات الخيام بنظرة المستشرق او اللغوي المختص، ولا مع الفلامينكو والآثار الأندلسية بأسلوب الفولكلوريين الناجحين في أيامه، وإنما قام بقراءة مشتعلة لعلامة نيسابور كتجربة تفكير في مسائل خالدة كفوات الوقت والحاضر وتقدير الجسدي والحسي إلى جانب الروحاني والانسجام بين الذات وكافة المخلوقات.
وكان هذا المعجب بعمر الخيام في صدد تصحيح روعته "ديوان التاماريت" الذي حرره نظرًا إلى الشعر الشرقي والعربي الأندلسي، والذي ينبض في رونق وغموض" غزلياته" وقصائده الشعور بفناء الوجود، عندما اندلعت الحرب وقرر مغادرة مدريد للجوء إلى غرناطته حيث قتله الانقلابيون الفاشيون يوم 18 آب من عام 1936.
فلنعد إلى مستهل تعليقاته حول الخيام، وهو مستهل مشواره الأدبي: "وفكرتُ مليًا في الحاضر، الماضي أعجوبة الموت، أما المستقبل، آه المستقبل ! إنه محبة وألم على زجاج ما لم يُخلق بعد ... لكن الحياة هي الحاضر، ماذا يعنينا ما قد مضى وما سيأتي؟ متى نتمتع؟ الآن، متى نموت؟ الآن".




///تَعْلِيقَاتٌ حَوْلَ عُمَر الخَيّام؛ لوركا؛ غرناطة، 1917

إلى صديقي العزيز لورينثو مَرْتينيز فويست1
يوم أمس، انكشفت شمس أمام عينيّ. وفكّرتُ مليًا في الحاضر. الماضي أعجوبة الموت. أما المستقبل، آه المستقبل! إنه محبة وألم على زجاج ما لم يُخلق بعد. اصغوا إلى صوت اشعياء، ذلك المعزي الإلهي المعسول: الأسد سيأكل العلف كالثور والذئب سوف يقبّل الخروف. لكن الحياة هي الحاضر. ماذا يعنينا ما قد مضى وما سيأتي؟ متى نبكي؟ الآن. منى نتمتع؟ الآن. متى نموت؟ الآن. آه، يا عمر الخيام البديع والبعيد، الراغب في أن تصير حجرًا نفيسًا في نبيذ روحك! آه، أيها الساحر الضبابي للتردد الموجع والملذ! ماذا نظرت إليه في الخمر؟ أي عالم كنت تحياه حين عشقت الخمر؟ لا ريب في أن عقيدة وحدة الوجود عندك تنبع من تأملك اللانهائي في الأشياء. للأشياء جميعها روح إذا أثارت انفعالنا. والخمر تملك بألوانها الأريستقراطية روح حقيقة ومحبة. وحينما يستقر الظلام في قعر الليل، ستبددها الخمر. لقد تعمّق عمر الخيام، متصوف الغموض، في أسرار الخمر أكثر من أي إنسان آخر، ونجح في مشاهدة الجمال الكامن في خمار الروح والراح... وراح يرويه مفاخرًا: في الريف، وعلى العشب، احتسوا النبيذ الياقوتي الذي تسكبه الحبيبة، وادعى أنه كان يفكّر في السماء...!
وإذا لدينا نفس عظيمة – وهذا أمر نادر جدًا في أيامنا – ولو بوسعنا أن نجعلها تتغلب على كافة دناءات الجسد، ولو (...)2 روحها الإلهية وارتشفنا الراح، لشعرنا في طيات أنفسنا بكهارب المحبة، المحبة العملاقة، أي محبة اللاشيء وكلّ شيء. وفي ذلك الحين سوف نمتلئ جمالًا. إنّ الجمال برهة من الزمن. والخمر المسكوبة في كؤوس قلوبنا، الخمر التي تمت مناغمتها في أوتار عواطفنا العجيبة، تمنح لنا، لا محالة، أوضح رؤية عن وجودنا. المحبة! الكثير من المحبة. الاحترام لمواقف الوجود برمتها. ما يهم أن يهدد بعض الأشخاص بالعقاب الأزلي، فضلًا عن عقاب العيش؟ ما يهم أن تقتحمنا الآراء؟ ولو استطعنا مشاهدة بعضنا البعض في حميميتنا، لربما نتحابّ جميعنا. لكن هناك توجد المذاهب الفلسفية للأسف. والأشخاص مسجلون في مذهب من المذاهب منذ الولادة ويظلّ معظمهم يدافعون عنه حتى الموت دون أن يدروا ما يدافعون عنه. أين الحقيقة؟ ماذا يخبئ في صميمه هوى الإيمان المعرّض دائمًا لسوء المعاملة؟ ثم ينبت الغضب والحقد والموت. وتقاتل بنو آدم بعضهم بعضًا حتى الدمار مناقضين معتقدات أنفسهم. آه،
لو همست روح الاستفهام في آذانهم ليل توجعهم، لسكبوا كلهم أكيدًا نبيذ محبتهم في كأس الإنسانية.
لماذا العقاب المؤبد مع كل هذه المشاق المحزنة؟ يا عمر النيسابوري الروحاني، الإلهي، أنت الذي شاهدت الإنسان مغلولًا في الصراع مع الأمس والغد وأعلنت انتصار اليوم! لقد تأملتَ العالم غارقًا في خضم التباسه وقلت قولًا بديعًا:
اليوم، اليوم! قرّبوا لي الراح وشفتَيْ عشيقتي.
إنما الورد زهر الزهور وفيها يكمن النبيذ المعطر.
اليوم، اليوم، يقترب الليل
لكنني أشعل سراجي من الخمر والهوى.
لقد كنت أنت من لحظ حقيقة اليوم الهائلة. وكيف لا، أيها البصّار الجليل للون الياقوتي! اليوم هو الحياة. الدهور هي اليوم. والماضي هو اليوم الميت. أما المستقبل، فهو اليوم الآتي. نحن دومًا في اليوم.
أيها الشرقي الرائع ذو البهاء القمري! ألم ترَ أننا بني آدم نعجز عن تصوُّر الخلود بذاته؟ حين نفكّر في سعادة النفس القصوى نفعله تكهّنًا بيومها الأبدي. وحين نطمح إلى الخلود نطمح إليه حقًا لأن التفكير به يسبب فينا إحساس اليوم. إن الشيء العظيم الوحيد الذي نمتلكه نحن بني آدم هو الخيال، أي تلك القوة التي تسلينا بفكرة اليوم الأزلي. الإنسان هو دائمًا حاضرٌ ما. آه، أيها السكران المطلق من المتعة الهادئة! لقد اكتشفت في الخمر حاضرها من المحبة ومن ضباب غسقي. آه، يا متنشق أريج الغيوم المنفرد جدًا، رأيتَ مواكب المذاهب الفلسفية وفتحتَ بوابة يومك السرمدي الذهبية. إنك أضفيت على الخمر معناها الحقيقي. لكن شعبك، وهو أكثر الشعوب عبقرية لكونه ابن الخيال المُشرِق، مُنع عليه اجتراع أكواب ذلك العرق المميت.
لقد كان محمد عبقريًا رائعًا عرف كيف يقرأ في قلوبكم. ومثلما ابتكر نعمة الجسد الأزلية كي تُحبّوه فوق كل الأشياء، حرم عليكم المسكر كي تكرهوه من أعماق أنفسكم، إنه كان يعلم أن الخمر هي أكبر مدمّر للنظم الدينية... ورغم ذلك، لم تكف الخمر من التغلغل أكثر فأكثر في صدوركم المتحمسة، الحارة، المتدفقة... والمقصود هنا هو، بالطبع، تأثير الخمر في الأرواح، إذ أن فعلها في الأجساد لا معنى له.
كان بودلير يسمي الخمر "ابن الشمس الثاني". وأنت، يا عُمَر، تسميها "الوحيد"، "الحقيقة"... إن الشعراء يعشقون الخمر بذاتها، بينما أنت تعشق نفسك عبر الخمر، لا ريب في ذلك، وتعبّر عن ذلك في تأوهاتك. كانت العامة المتعصبة تحتقرك، وأنت تدمع في خمارك: "ماذا أفعل؟" أجل، "ماذا أفعل؟"، يصرخ الدونكيشوتيون الذين يتسكعون الدروب خالين من المغامرات لأن احتقار الآخرين نزعها عنهم. "ماذا أفعل؟" يصبح القباح، أولئك الذين ولودوا مشوهين، بشعين، بل بروح كبرى. "ماذا أفعل؟"، تعوي السجون صوتًا واحدًا. "ماذا أفعل؟"، يتنهد الحمقى والضعفاء. "ماذا نفعل نحن؟"، تصرخ الشعوب لحظة اندحارها. ومن الخلف، طلعت الآلات المسرحية والأنظمة والعاطفيات، وأنت، يا عمر الخيام، يا مرتكب إثم الروحانية، جهرت قائلًا: يا خمر! يا خمر!... ودخلت مملكة رفيعة. أيها الشرقي الرائع ذو البهاء القمري! نودّ في أعماق أفكارنا لو قلّدناك... لكننا مقيدون على وقائع الحياة، تعساء من جراء تفاهاتها، ومع ذلك نظل نتتبع دروبها المذهلة...
كنت رؤوفًا إلى أبعد مدى حين اعتبرت نفسك واحدًا من بين الكثيرين في هذا الدوران اللا متناهي.
للناس نقيصة ضخمة هي اعتبار أنفسهم أعلى من أعمال الشخصيات الكبرى.
لهذا السبب احتقروك، يا عمر! وكما ترى، لا زالوا يمارسون الاحتقار منذئذ. ثم، غسلت اللطخات بمرور العصور، إلا أن الإنسانية غدت إنسانية مختلفة ومنفصلة جسديًا عن الإنسانيات التي انقضت. حتى الأشخاص الذين أحاطوا بدونكيشوت أشفقوا عليه متكبرين. الأمر الذي حدث أيضًا لسيخيسموندو3 وهملت وفيرتر...
إنما العظيم يفتح فينا دومًا هوة عدم تفهم مؤقت.
صبت خمرًا على الأرض لردم أوجاع العشق الذين كانوا، الذين بقوا نائمين على التراب.
لقد جعلتك الأزهار النادرة، والقصور، وألوان بلادك، والخمور، تهرم لمجرد إفراطك في الصبا...
تخالجك رؤى عن جنات مفقودة وألوان محمومة. تعرب وتؤكد أشياء تثير عواطف غريبة للغاية ومُحسِنة. إنك شاعر سامٍ، كما لقبك روبين داريو4، توجد بعيدًا جدًا عن الجماهير.

أبو عبد الله 5

تعقيب المترجم:
لا شك أن قراءة رباعيات الخيام أثرت تأثيرًا هامًا في تكوين فضاء لوركا الشخصي والأدبي. فبالإضافة إلى المقال الرقيق الذي نشره بعنوان "تعليقات حول عمر الخيام" في المجلة Letras (آداب) اليوم 17/10/1917، حين كان مؤلفا يصدر هذه المجلة مع فئة من الأصدقاء بغرناطة ولا زال في التاسعة عشرة من عمره، نجد إشارات أخرى إلى الشاعر والعلامة النيسابوري خليقة بالذكر مبعثرة في قصائد ومحاضرات مختلفة تنتمي عمومًا إلى بداية مشوار لوركا الأدبي.
وأهم دليل على ذلك هو أن لوركا ارتمى بنفسه إلى روض الشاعر الشرقي الكبير منذ الأبيات الأولى لما تعتبر بأنها أول قصيدة خطها لوركا في حياته، وهي قصيدة "أغنية: حلم والتباس" المؤرخة في 29/6/1917، ونقرأ في مطلعها:

أغنية: حلم والتباس.
كانت ليلة شبقية كاملة.
ليلة ذهبية في الشرق العتيق،
ليلة قبّلات ونور ومداعبات،
ليلة ملتفة بتول العشق.

أوجاع وورود على جسدك،
وعيناك هما الموت والبحر
وفمك! وشفتاك، وقفاك،
وعنقك...
وأنا كظلّ عُمَر (خيام) قديم...

حلم أقمشة الجزائر ودمشق
كان يعطر فاترًا قلبنا.
وضفائرك تبث لحنًا.
على نجوم هواك العظيم.
]...[6

وعاد لوركا إلى عمر الخيام مرة أخرى في ثر له بعنوان "قول صوفي عن الألم الذي سيأتي"7 (يعتقد أنه مكتوب في عام 1917 أيضًا) حيث كتب يقول: "الخلود بأكمله ألمٌ. لذا تتألق في تاريخ العوالم الكأس العجيبة لعمر الخيام وأرواحه الصديقة، كأس يمسكها هذا الثمل الكبير من الخمر المؤلمة بيديه الرائعتين". وليس هذا وحسب، إنه ألف قصيدة طويلة بعنوان "أغرودة النبيذ" (مؤرخة في 14/3/1918)8 مستوحاة من خمريات الخيام دعا فيها من ينعتهم بـ :شاربي الدم الإلهي الشواحب"، وقد يعني بهذه التسمية المسيحيين الذين فقدوا تعلقهم بالدنيا، إلى الإصغاء صامتين لـ "الأغنية الضبابية" التي يغردها عمر الخيام، وهو باك في البعد9. ويتجلى اهتمام لوركا المباشر بمؤلف الرباعيات من جديد في محاضرته الشهيرة حول ما يعرف بـ "الغناء العميق" (الفلامينكو) المكتوبة في عام 1922 التي دام المؤلف يراجعها عدة سنوات. ففي قسم هذه المحاضرة المطولة المخصص لسبر نقط الاتصال الجوهرية بين أبيات الفلامينكو والشعر العربي والفارسي، نرى لوركا يقارن بين مغني الفلامينكو بالأندلس الحديثة وبين هؤلاء الشعراء المشارقة في شأن معالجتهم موضوع الخمر: "تغني المجموعتان (أي مغني الفلامينكو وشعراء الشرق) - في نظر لوركا- للنبيذ النقي الذي يزيح الهموم ويذكر شفاه الفتيات، ذلك النبيذ المفرح البعيد جدًا عن خمرة بودلير المرعبة". وبعد ذكر أغنية شعبية أندلسية تثني على الخمر بفرح وابتهاج، يستدعي لوركا عمر الخيام قائلًا إن معنى الفلامينكو الشعبي" كان، مثلما كان عمر الخيام الرائع، على معرفة بأن:
حبـــــــي سينتهي
وبكــــائي سينتهي
وعــــذابي سينتهي
وكل شيء سينتهي.
(أغنية فلامينكو شعبية)
ويضع على جبينه – يواصل المؤلف الغرناطي- إكليل ورود اللحظة العابرة ويتأمل كأس الرحيق ليبصر نجمة سارية في قعرها... ومثل شاعر نيسابور العظيم يشعر بالحياة وكأنها رقعة شطرنج".10
ما هي إذن عناصر رباعيات الخيام التي لفتت أساسًا اهتمام لوركا؟ إلى أي مدى كان لوركا "خياميا"، أو بكلام آخر، كيف تعشش رؤية العالم "الخيامية"، حسبما نعرفها من خلال الرباعيات التي وصلتنا، في بؤرة لوركا الأدبية والشخصية؟ للإجابة على هذا السؤال، الذي يتطلب القيام بدراسة متكاملة للإحاطة به، سأقتصر هنا على طرح بعض الاحتمالات انطلاقًا من نصوص لوركا التي سبق ذكرها وتعريبها في هذه الصفحات. في بادئ الأمر، يتبين من قراءة كتابات لوركا أن نظرته إلى رباعيات الخيام لم تكن أبدًا نظرة "اكسوتية"، كما كان، ولا يزال، متداولًا بين الكثير من المثقفين الغربيين الذين يبحثون في الشرق عن الغريب الجذاب، أو عن مكان للرحلة والسياحة، أو حتى عن مهرب مثير لما يعاونه من مشاكل شخصية أو اجتماعية، كما لم يتعامل صاحب "شاعر في نيويورك" مع الرباعيات بروح المستشرق أو اللغوي المتخصص، وإنما قرأها قراءة وجودية ومتعمقة مقيمًا علاقة حميمية بالنص الخيامي. وتتمثل هذه العلاقة الخاصة بالرباعيات، التي قد يجوز لنا وصفها بأنها علاقة تبني روح الرباعيات والانصهار بها، في تجربة تفكير مشتعلة ركزها الشاب لوركا في مسائل خالدة كمسألة فوات العمر وأهمية الحاضر الحاسمة، علاوة على قضية تباين المذاهب الفلسفية والدينية والرجوع إلى المحبة المطلقة لتجاوز مفارقات النظم البشرية أيًا كانت والاتكاء عليها كموقف وجودي11. وليس من العسير أن نتخيل الانشداد الهائل الذي لا بد أنه زعزع ذلك الشاب الغرناطي المربى في إطار مسيحي ضيق وصارم لحظة اطلاعه على أبيات عمر الخيام الداعية دون مواربة إلى الاستماع بلذات الأوان الحالي وارتشاف الخمر متجاهلًا الوعود بحياة أخرى مزعومة، ومديرًا الظهر لرياء أصحاب الفلسفات والمعتقدات، والتالي لكل السلطات لما فيها من ضيم وتفاهة. ويتضح من قراءة نصوص لوركا المتعلقة بعمر الخيام أن سلوك مؤلف الرباعيات لمواجهة قضية استقرار المأساة والتعاسة في حياة الإنسان، يعني ممارسة الحب ولذات الجسد البسيطة وتعبئة روحانية تأملية خاصة تتلخص في تقييم الفرد بذاته وإعادة البشر إلى بعده المادي الطبيعي والانسجام مع بقية مخلوقات الكون، أصاب الكاتب الغرناطي المبتدئي بصدمة قوية لأن موقف عمر الخيام الوجودي، بكل بساطته وعمقه، ينافي تمامًا التقاليد المسيحية الطالبة بالتخلي عن اللذات الجسدية، بوصفها من أقبح الخطايا، والاستسلام للاعتراف ولانتظار مجيء حياة ثانية بعد الممات. وعلى الرغم من تربية لوركا المسيحية، إلا أنه أطرى على موقف الخيام كموقف العباقرة والعقول الكبرى واستقبله بجرأة، ولكن بخلاف واحد، هو أن لوركا مال أكثر من معجبه الشرقي إلى تناول الزاوية المأساوية للحياة، وهو عامل فاعل دائمًا في تاريخ الأدب الإسباني، وإلى فكرة المحبة المطلقة والتسامح الكوني، حتى أن هذين العنصرين أضحيا يشكلان عمودين رئيسيين في مؤلفات لوركا الخالدة. صحيح أن مصادر لوركا ومشاربه تعدت رباعيات الخيام بكثير وأنه طوّر ونوّع شعره ومسرحه ونثره إلى أبعد الحدود في شتى الجوانب من غناء اللغة وإبداع الصور وتعدد المواد، غير أنه احتفظ في قلبه بدرس عمر الخيام وأجاب عليه على طريقته طوال مسيرته الأدبية والإنسانية سواء أكان عبر ارتباطه بالثقافة الشعبية أم من خلال انغماسه في تيارات زمنه الطليعية. وحتى اغتياله قد يمكن اعتباره على ضوء البعد المأساوي للوجود النابض في أعماله الأدبية، إذ انهالت على رأسه سلطة التقاليد والفاشية العمياء بضرب قاض أباد مبدعا يفيض في حياته وكتاباته عشقًا ومحبة إلى المهمشين والصغار والكائنات بأسرها. وإذا كان لوركا يرى نفسه، حينما خط أول أبياته الشعرية في ذلك الحلم – الأغنية السابق الذكر، كـ "ظلّ عمر خيام قديم"، فلنرحّب به بعد أن تلقينا إنتاجه الكامل، والمبتور في آن، كعمر خيام حديث، أو بالأحرى كأوفى المريدين الذين كثروا لصاحب الرباعيات في عصرنا المعقد والقاسي هذا.





* بروفيسور في جامعة غرناطة





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,061,701,011
- فيديريكو غرثيا لوركا وعمر الخيّام


المزيد.....




- قانون المالية يدخل الشوط الثاني الخميس بمجلس المستشارين
- تنويه بالتصويت الإيجابي على الاتفاق الفلاحي داخل لجنة الشؤون ...
- أخنوش يفتتح المقر الجديد للأحرار ببني ملال
- جدل علني نادر بين الرئيس الأميركي ورئيس المحكمة العليا
- إيطاليا: فنان الشارع بانكسي يعرض أعماله في مدينة ميلانو
- إيطاليا: فنان الشارع بانكسي يعرض أعماله في مدينة ميلانو
- لماذا تنتج إيران بعض أفضل أفلام السينما العالمية؟
- حوار جرئ لـ-سبوتنيك- مع بطلة الفيلم السعودي بمهرجان القاهرة ...
- على هامش مهرجان القاهرة السينمائي... أصغر ممثلة سعودية تكشف ...
- الطلاب السوريون في تركيا.. مخاطر المحافظة على اللغة الأم


المزيد.....

- المرأة بين المقدمة والظل، عقب أخيل الرجل والرجولة / رياض كامل
- الرجل الخراب / عبدالعزيز بركة ساكن
- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم
- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج
- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خوسيه ميغيل بويرتا - فيديريكو غرثيا لوركا وعمر الخيّام