أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعيمة محمد شكر - البعد المقاوم في شعر عزالدين المناصرة قصيدة (قفا... نبك) نموذجا















المزيد.....



البعد المقاوم في شعر عزالدين المناصرة قصيدة (قفا... نبك) نموذجا


نعيمة محمد شكر

الحوار المتمدن-العدد: 5901 - 2018 / 6 / 12 - 15:12
المحور: الادب والفن
    


البعد المقاوم في شعر عزالدين المناصرة
قصيدة (قفا... نبك) نموذجا

• الدكتورة نعيمة محمد شكر (الجامعة اللبنانية)

تهدف هذه الدراسة إلى الكشف عن طبيعة الهموم التي حملها الشاعر المعاصر عزالدين المناصرة، ونوعيتها، في نص من نصوصه الشعرية، واستجلاء النفَس المقاوم الذي يتجلى بأشكال متعددة. وقد وقع اختيارنا على قصيدته: "قفا.. نبك"، وهي إحدى قصائد المجموعة الشعرية "يا عنب الخليل" التي نُشرت في العام 1968، والتي استحضر فيها الشاعر العربي القديم امرؤ القيس الكندي، لما بينهما من جوامع مشتركة، آخذين بالحسبان الفوارق المتعددة، على غير مستوى. وتنهض هذه الدراسة على توطئة نظرية تتناول الشعر وقراءة الوجود، وأدبيّة الأدب، والوظيفة الشعرية. وتتضمن خمسة محاور رئيسة تتناغم وتتكامل، من أجل تسليط الضوء على جانب من نتاج هذا الشاعر، وتكشف عن رؤية الشاعر الفلسطيني المعاصر إلى الصراع العربي/ الصهيوني. وانطلاقاً من الخروج من الحقيقة الواقعية إلى الحقيقة النصية، تكون فيه اللغة ساحة التوضع، لا بد من التوقّف أمام تلك اللغة من خلال فهم محدّد. "وإذا افترضنا أن مكوّنات النص: هي (المكوّن الإيقاعي، والمكوّن المعجمي، والمكوّن النحوي، والمكوّن البلاغي، والمكوّن الرمزي)، فإنه لا ضير في أن نقارب النص من خلال هذه المكونات، في ضوء تكافئها مع البنية الدلاليّة الكبرى".
ومن الطبيعي أن يكون لكل مستوى من المستويات المذكورة أعلاه وظيفة يؤديها، تعبيراً عن الصراع الذي يخوضه الشاعر، على المستوى النفسي أو الخارجي. وعلى هذا يعالج المحور الأول المستوى الايقاعي في القصيدة، والثاني يدرس المستوى المعجمي، والثالث المستوى الصرفي، والرابع المستوى النحوي، والمحور الخامس المستوى التصويري، والسادس والأخير يتضمن البعد المقاوم في قصيدة المناصرة.

توطئة نظرية
يشكل النتاج الشعري عند شاعر ما نزوعا إنسانيا نحو مجموعة من القيم المعرفية والجمالية، ويومىء إلى قراءة في الوجود، تكون متفردة بمقدار تفرد الشاعر. ويشير هذا النتاج إلى حيز معرفي تمتلكه الذات الشاعرة، وهذا الحيز مرتبط، بشكل أو بآخر، بالأفكار الجمعية أو مهتديا بهديها. هذه الأفكار المتراكمة قد تخضع الشاعر لتوجهاتها أحياناً، وعندما يستجيب لها فإنه يحتذي نمطا معيناً. وهذا يقودنا إلى ضرورة البحث في علاقة الشاعر المبدع بالجماعة التي ينتمي إليها. إذ "إن الفن لبنة في الصرح الاجتماعي، ومكوّن متعالق مع المكونات الأخرى، مكون متغير، لأن دائرة الفن وعلاقاتها بالقطاعات الأخرى تتغيران جدلياً بدون انقطاع"(2). يضاف إلى ذلك، البحث في علاقة الشاعر باللغة التي يعبر بوساطتها عمّا يريد التعبير عنه. وقد يكون مرد ذلك إلى أن اللغة تتورط تورطاً عميقاً مع السلطة، مهما كانت إيديولوجيتها، سواء كانت اجتماعية أم سياسية.
ولقد تعددت الاتجاهات والمذاهب النقدية التي تسعى إلى تأصيل مفهوم الشعر، وإلى البحث في طبيعة الدور الذي ينهض به، في التعبير عن التجربة الإنسانية، منذ القديم إلى اليوم، ومع ذلك، نستطيع التوقف أمام بعض الاتجاهات التي خلصت إليها الدراسات المستحدثة التي أولت النتاج الشعري عناية معمقة، ومنها:
أ. الشعر وقراءة الوجود :
عندما يقدّم الشاعر قراءة في جانب من جوانب الوجود، فهذا يعني "إعادة إنتاج ذلك الجانب، وإعادة تشكيله في ضوء الرؤية والانفعال. يحذف منه ما يحذف، يضاف إليه ما يضاف، يصغر هذا الأمر يضخم ذلك"(3)، بشكل يتناسب مع ذات الشاعر، ومع ما امتلك من ثقافة، وهموم، وتطلعات. وبهذا يكون الفن "كامن في استخدام خاص للمادة الخام (الوجود والحياة)(4). وتكون هذه القراءة ناجحة بمقدار ما تتجاوز العرضي والمؤقت وردّات الفعل، لتنفذ إلى أعماق المسائل الجوهريّة، ترى فيها ما لم يُر من قبل. ينطوي النص الشعري على جملة من القيم الجمالية والثقافية ، فهو يمثل عنصراً أساسياً في علية التواصل الاجتماعي والفكري، ويسعى جاهدا إلى محاولة التوفيق بين ما هو ممكن وما هو غير ممكن"(5). ويتحقق جانب من جوانب الإبداع في الشعر، عندما يبتدع الشاعر أساليب جديدة في التعبير، تمكنه من تحقيق الجمالية وامتعة في آن معاً. كما تحمل وجهة نظر متميزة إلى الكون والإنسان من جهة أخرى. وهذه الأساليب تعضدها الرؤية العميقة التي قد تتمرد على بعض الممارسات الاجتماعية التي تتعارض مع ما تشكل لدى الشاعر من قيم وتوقعات. ويمكن الإشارة إلى ثلاث ركائز أساسية، لدراسة طبيعة النتاج الشعري، هذه الركائز هي استيعاب للتوجهات الثقافية الريئسة، وتميّز البنية الداخلية بالانسجام والتناغم، والنقاء للمعارف المتعددة.
ب. أدبية الأدب
إن الآثار الأدبية هي التي ينبغي أن تستأثر بجهود الناقد، وفق ما جاء به كبار المنظرين من الشكليين الروس، أي النتاج الأدبي "بعيداً عن كل ما هو خارجي"(6). وذلك انطلاقاً من القول "إن هدف علم الأدب ليس هو الأدب في عمومه، وإنما (أدبيته)، أي تلك العناصر المحددة التي تجعل منه عملاً أدبياً"(7).
رفض (الشكلانيون الروس) نظرية الانعكاس في الأدب، بما تحتوي من مضامين نفسية أو اجتماعية، وقالوا إن الشرائح الفردية أو الجمعية التي يعبر عنها بوساطة الأدب، تخضع للصرف الجمالي الذي يكسرها، وفق نظرية الضوء، لا أن يعكسها، والشريحية الحياتية "حين تصير مادة للأدب، تتبدل بنيتها وطبيعتها وانتماؤها، تصبح شيئا مختلفاً توجب على الناقد أن يحدد زاوية الانكسار التي حدثت؛ لكي يستطيع تحديد الأبعاد الجمالية"(8). وقد أدى هذا إلى إنهاء غربة الأدب عن نفسه وعن طبيعته، وهذا ما أوصل إلى القول إن الشكل جزء من المضمون، والأدب نظام لغوي سيميولوجي، والبعد الثوري في نظرتهم إلى الفن أوصلتهم إلى القول إن الأعراف الاجتماعية والتقاليد لا تحظى بالخلود، وليست طبيعية، بل "هي تاريخية ممكنة التغيير عبر الجهد البشري"(9).

ج. رومان ياكوبسون والوظيفة الشعرية:
لعل الإنجاز الكبير الذي قدمه هذا الباحث يتمثل في اكتشاف العلاقات العمودية واستثمارها في الصور البلاغية، فقد رأى أن التشبيه والاستعارة يستثمران العلاقات العمودية، في حين أن الكناية والمجاز المرسل يستثمران العلاقات الأفقية.
والنظر في حركة النص الأدبي، يجب أن تتم انطلاقاً من مصدره اللغوي، واعتمادا على كون عملية الاتصال تتم بين مرسل ومرسَل إليه، ورسالة، يرفدها السياق، والاتصال )القناة)، والشيفرة (السنن). إذا ما كانت الرسالة بنية لفظية، فهذا يعني أنها تؤدي غير وظيفة، فهناك وظيفة مهيمنة، وهناك وظائف ثانوية، كما أن هناك وظائف غائبة. قد يكون السياق هو المهيمن عندما تكون المعلومات غير شعرية، كما قد يكون المرسل هو المهيمن، عندما تؤدي البنية اللفظية وظيفة الفعالية، أما إذا كانت الهيمنة للمرسل إليه، فإن البنية اللفظية تؤدي وظيفة إفهامية. وقد تكون قناة الاتصال هي المهيمنة، وقد نجد كذلك هيمنة للشيفرة.

المحور الأول: المستوى الإيقاعي في قصيدة (قفا.. نبك):
الإيقاع مرتبط بالموسيقى، وبالأنغام الموقعة وفق انتظامات معينة، فهو "يدل على أوزان النغم، والوزن انقسام عمل موسيقي إلى أجزاء، جميعها ذات مدة واحدة، فهو تعاقب مطرد لأزمان قوية أو ضعيفة"(10). ويخضع الإيقاع في الشعر إلى تعديلات؛ لكي يتلاءم مع طبيعته. ويمكن القول "إن الإيقاع تكرار للفواصل الزمنية المقتطعة، ضمن مساحة زمنية محددة، وهذه تنقل إلى الفضاء الأدبي"(11)، تبعا للجنس الأدبي الذي يحتويها. بناء على هذا، فإن تحليل البنية الإيقاعية، يؤدي إلى الكشف عن الكثير من الأسرار التي يختزنها النسيج النصي، في بنيتيه السطحية والعميقة، وتستكشف مدى انسجام الإيقاع مع هذه البنية الدلالية، يضاف إليها إضفاء القيمة الجمالية التي تحرض على متابعة القراءة والتذوق.
تتكون هذه القصيدة من (مئة وعشرين سطراً شعرياً)، موزعة على أحد عشر مقطعاً شعرياً متفاوتة الطول، بعضها لا يتجاوز الأسطر الشعرية الثلاثة، كما في مستهل القصيدة، وبعضها يصل إلى أربعة وعشرين سطراً شعرياً، كما في المقطع الثاني.
وقد بنى الشاعر المناصرة هذا النص الشعري على غير نسق من أنساق بحور الشعر العربي، ووظفها في خدمة الغرض الإيقاعي الذي يريد. فالمقاطع (1، 3، 4، 5، 6، 7، 9، 11) قد بنيت إيقاعاتها على النسق (متفاعلن أو متفاعلن) فاعلن الذي يبدو فيه التفوق واضحاً للمقاطع الصوتية الطويلة. وبني المقطعان الشعريان الثاني والثامن على النسق (فعولن) الذي يشترك النسق السابق تفوق المقاطع الصوتية الطويلة. أما المقطع الشعري العاشر فقد بني على النسق (فاعلاتن) الذي يظهر أيضاً تفوقاً في المقاطع الصوتية الطويلة. وبهذا، فإن الأنساق الإيقاعية المتعددة التي استخدمها المناصرة قد أظهرت تفوقاً واضحاً لصالح المقاطع الصوتية الطويلة.
وإذا شئنا الدخول في عملية إحصاء دقيقة للأنساق الشعرية في القصيدة، نجد أن النسق (مستفعلن) قد ورد تسعين مرة، في حين أن (متفاعلن) قد ورد خمساً وعشرين مرة. أما أجزاء الأنساق (فعلن، فاعلن، فعلن) فقد بلغ عددها عشرين جزءاً، وورد النسق (فعولن) مئة وسبعاً وخمسين مرة والنسق (فاعلاتن) تسعاً وثلاثين مرة.
1. دلالة المقاطع الصوتية الطويلة:
يحسن الشاعر المناصرة استثمار ظاهرة الإيقاع في قصيدة "قفا... نبك"، من خلال اعتماده على التشابه والمغايرة في آن معاً. وهو في تعامله مع المادة الصوتية بطريقة تركيبية، "تخرجها عن الطبيعة الحرة العالمة التي تمتلكها في الاستخدام النثري لها، وتضعها في بنية ينشأ فيها بينها وبين الوجود الحر للغة النثر فجوة تمنحها تميزها"(12).
إن الارتفاع الأساسي في هذه القصيدة قائم على النفس الطويل الذي يتلاءم مع حال الحزن التي عصفت بالشاعر، وهو يرى إلى الواقع العربي الذي ينتقل من تراجع إلى آخر. "ولعل الانتقال إلى تجليات الإيقاع داخل جسد النص، يكشف أبعاداً ترتبط بسير الحدث، وتوضح دور المقاطع الصوتية في البنية الإيقاعية لهذا النص"(13).
والتفوق في عدد المقاطع الصوتية الطويلة، في قصيدة "قفا... نبك"، جعل متساوقاً مع التيار الشعوري الوجداني، إذ يرى الشاعر إلى قضية العرب المركزية في تراجع متواصل. ومعمارية لمفرداته معانٍ خارج البناء الذي يضمها"(14).
لقد أشَّرت بنية النص الإيقاعية، مع ما فيها من انتقال من نسق إلى آخر، إلى مقدرة فنية رفيعة لدى الشاعر المناصرة، وإلى إدراك عمق الدور الذي يؤديه الإيقاع في تحقيق شعرية القصيدة وجمالياتها، وكذلك في التأثير في المتلقي، وذلك لأن المستوى الإيقاعي في النص الشعري لا يطيع إلا موهبة الشاعر الفذة، لأن الشعر "تعبير عن فعالية الإنسان الشاعر وثمرتها"(15).



المحور الثاني: المستوى المعجمي في قصيدة "قفا... نبك"
تنهض لغة الشعر الحديث على نظام لغوي يتسم بالتركيب والتعقيد، من خلال الطريقة التي ترصف فيها المفردات المكونة للنسيج النصي، وهذا النظام هو "طريقة الكاتب في التعبير عن فكره ووجدانه"(16). وإنتاج الدلالة ناجم عن صياغة المفردات، وكيفية تتابعها، لأن "الأساس يكمن في النص، وبالذات في تشكيله"(17).
لقد سخَّر الشاعر المناصرة الإمكانات اللغوية في تقديم قصيدة "قفا... نبك" التي تتسم بالجمالية والفنية، وذلك من خلال الحيد الذي طاول كثيراً من مفردات النص، عبر الانتقال إلى المستوى السميولوجي، "وهكذا يغدو مفهوم الشعر ذاته، مفهوم خطاب نوعي، تسهم عناصره جميعها في خاصيته الشعرية"(18).
1. التكرار ودوره في تحقيق (الحيد) في القصيدة
للتكرار غايات متنوعة، وتكون "إما للتعبير عن همّ وحاجة متعلقين بالكلمة المكررة، وإما للتلذذ، أو التعظيم، أو ما شاكل ذلك"(19). وهذا التكرار ينتقل بالدلالة الوضعية للمفردة المكررة إلى النظام السيمائي. وهذا يؤدي إلى التفكير بوساطة العلامات، "وانطلاقاً من فكرة أن الأفكار يحدد بعضها بعضاً، ومن البداهة بمكان أننا لا نستطيع التفكير إلا بالعلامات"(20). وقد عمد (المناصرة) إلى استخدام التكرار في قصيدته بشكل ملحوظ. ومن النماذج التكرار قول الشاعر:
رحلت وحملتني عبء هذا النبأ.
رحلت وحملتني عبء هذا الفراقْ
رحلت وحملتني عبء أرض تريد العناقْ
رحلت وحملتني يا أبي ما يطاقْ
وما لا يطاقْ(21)
لقد كرر الشاعر الفعلين (رحلت، حملتني) أربع مرات في هذا المقطع الشعري، وهذا يعني حضورهما الاستثنائي في النص. فلم يعد يعني القارئ الفعل بقدر ما يعنيه التكرار، والمسألة ليست في (رحل، حمّل) معزولين عن السياق، بل في الدلالة الأساسية المكتسبة. وعلى هذا، يخرج الرحيل من دلالة الانتقال إلى مكان آخر؛ ليغدو قدراً لهذا الراحل الذي أسقطته بيد الغدر. وإغفال تعدية الفعل إلى مكان ما، إنما هو علامة دالة على المصير المتربص بالفلسطيني المقتلع من أرضه ووطنه. والأمر ذاته بالنسبة إلى الفعل (حمّل) الذي بات قدر الفلسطيني الذي لم يبق أمامه سوى النضال وتقديم التضحيات.
وتتسع المعاناة وتعمق في السطرين الآخرين؛ لتبلغ ما يطاق وما لا يطاق، في محاولة للتعبير عن حجم مأساة الفلسطيني الذي لم ينتصر له الأشقاء. (إنا غريبان بوادي الغرباء).
ويمكن القول، من خلال النموذج أعلاه، إن التكرار كان واضخ الوظيفة والدور في القصيدة، وقد نجح في مقاومة سلطة اللغة، والخروج من تصنيفها وتحديدها إباها، إلى تصنيف وتحديد يتناسبان مع ذات الشاعر، في رؤيته إلى الوجود، وإلى الصراع مع العدو الصهيوني.
2. الترادف ودوره في تحقيق الحيد في القصيدة
لقد تحقق الحيد = (وهو انزياح الكلمة عن دلالتها الأساسية) في الترادف كما تحقق في التكرار في القصيدة.
ومن نماذج (الترادف) في القصيدة قول المناصرة:
ملأنا جدار الصحاري ضجيجاً لنادلةٍ،
وزَّعتْ بعض آهاتها للسيوف التي صدئتْ ﻓﻲ قِباءْ
ملأنا كؤوس البكاءْ
لنادلةٍ بعثرتْ نصف خطواتها ﻓﻲ ارتعاش سكون الخلاءْ(22)
نلحظ هنا ترادفاً بين الضجيج والبكاء، مع ما بينهما من تباعد، فالضجيج مسموع والثاني مرئي، هذا الترادف أقامه الشاعر بفنية رفيعة المستوى، ليس للتعبير عن ضياع القضية الفلسطينية والتراجع عن النضال فحسب، ولكن للانحراف عن المسار الصحيح الذي ينبغي أن تسلكه الأمة عندما تُمتهن كرامة أبناءها، والسعي وراء الجواري، والركض وراء المتع الجسدية الرخيصة، والتخلي عن نصرة شعب مظلوم طًرد من وطنه، واقتلع من أرض آبائه وأجداده. وكذلك نجد الترادف ذاته بين آهات النادلة وخطواتها، أي بين المسموع والمرئي، "إنه الخروج من النظام اللغوي، بقوانينه وقواعده، والدخول في النظام السيمائي"(23).
3. التضاد ودوره في تحقيق (الحيد) في القصيدة
يكشف تأمل أسطر القصيدة عن إسهام التضاد في تحقيق الحيد، على مستوى الأفعال والأسماء. وبداية القصيدة تتضمن نموذجاً من التضاد الذي أسقط، يقول المناصرة:
يا ساكناً سِقْطَ اللِّوى
قد ضاع رَسْمُ المنزلِ
بين الدَّخولِ فَحَوْمَلِ(24).
يتوجه الشاعر بندائه إلى ساكني سقط اللوى، والمقصود هنا أهل الشاعر وأحبته، فإذا برسوم المنزل قد امّحت وزالت آثارها. وقد أسقط الشاعر التضاد بين الساكن، وهو اسم فاعل، واسم الفاعل يدل على من قام بالفعل، من غير أن يرتبط بالزمان، وبين الفعل (ضاع) الدال على التلاشي والاندثار، مع ارتباطه بالزمن الماضي.
ونجد سلسلة من التحولات التي تندرج في إطار التضاد، إذ يقول المناصرة:
عادتْ إليك مزارعُ التفّاح من فرحٍ صبيّةْ
كانت على النبع الذي أحببتَهُ،
بعُصارةِ الحنّاءِ تصبغُ وجهَها ... تُسقى السُلافْ
وتنام حتى تحرق الشمسُ الصباحيةْ
خَدَّ البُنيَّةْ.
تبكي على خلٍّ مضى،
نسيتْهُ، فاختطفتهُ منها النائحات
يا حلوتي: جسدٌ ... وفات(25).
يتحدث الشاعر عن المزارع التي تحولت إلى صبية حسناء، تغير من لون وجهها، من غير أن تغير في ملامحه، فإذا بها تُسقى روح الخمرة، لتغيب عن وعيها، وتنام حتى تحرق الشمس الصباحية خدها. إنه النوم في وقت الانطلاق إلى العمل، فهو إذاً بقصد التعطيل والتحويل. والصبية تبكي (الخليل) الذي افتقدته، ثم نسيته... فاختطفته النائحات. هذه التحولات الحاسمة تشير إلى الواقع الععربي المترنح في صلب مأساة الأمة المنكوبة. والتغييرات البلهاء التي تحدث على السطح أعجز من أن تنفذ إلى عمق المأساة، فتتلمس السبيل الصحيح إلى استعادة الكرامة المهدورة. وعندما لا يبقى سوى الجسد، تكون الخوانيم المعدة سلفاً قدنجحن في تحقيق الغاية من الطلاء بعصارة الحناء.
وهنا نلحظ التحولات المتتابعة: من الفرح الذي يطفو على السطح، إلى محاولات التجميل المصطنعة، فالشرب والسكر، فالنوم في غير وقته، فالبكاء... وصولاً إلى الأمر المطلوب المتمثل في النسيان، ولا يبقى عندئذ إلا الجسد، بعد أن تضيع القضية برمتها في أدراج الحكام والقادة.
لقد استخدم الشاعر التضاد، وأسقط مظاهره البارزة في هذه السلسلة من التحولات التي اعتمدها الشاعر، ومع ذلك، لم تسلم منها زمنية الأفعال، في الانتقال من الماضي (عادت، كانت، أحببت)، إلى الحاضر (تصبغ، تسقي، تنام، تبكي)، ثم العودة مجدداً إلى الماضي (نسيته، اختطفته، فات)، وذلك كله في إطار من الترميز الناجح الذي يهدف إلى تفريغ الطاقات المختزنة، من عاطفة أو فكرة شعورية، فتتركز في الرموز تلك الشحنات المختزنة. عندئذ يكون للشاعر الحق "في أن يعامل الرمز من المنظور الذي يخدم هاجسه الشعري وتجربته الجمالية، إذا ما كان الرمز يحمل الطاقة الإيحائية في ذلك"(26).
4 الحقول الدلالية ووظيفتها
عندما تأتلف المفردات ضمن موضوع محدد، مع مراعاة السياق، فإنها تشكل حقلاً دلالياً، "وكلما ترددت بعض الكلمات، بنفسها، أو بمرادفها، أو بتركيب يؤدي معناها، كوّنت حقلاً أو حقولاً دلالية"(27). وقد يلحظ المتلقي أن (المناصرة) يتخذ لمفرداته طابعاً رمزياً، أكثر منها كلمات عادية. ويمكن تصنيف مفردات القصيدة في ثلاثة حقول رئيسة، هي:
أ. حقل الحزن والأسى، ومن مفرداته: ضياع، يذهب، الليل، صدأت، البكاء، بعثرت، ارتعاش، انتظار، النعش، قتيل، عجاف، تبكي، مضى، النائحات، بكيت، صرخت، يأسي، السفر، مات، أدفن، الموت، المنفى، المطرود، خجلى، مُرّة، عبء، الفراق، مطعون، أتعثر، العويل... وغيرها كثير.
ب. حقل المكان: ومن مفرداته: المنزل، سقط اللوى، الدخول، حومل، حانة، رأس المجيمر، الصحارى، الخلاء، تلة، غابة، بيت، البلاد، جبل الخليل، الكرمل، الجليل، الشآم، القدس، الجسر، المنفى، بلاد الروم، كوخ، القبر، السهوب، دار، اليمامة... وغيرها.
ج. حقل التفاؤل: ويتضمن مفردات مثل: الخير، فرح، تعبر، ابتهاجات، هيئ، سلاح، علِ، أمدد، يمتد، المطر، تخضر، واجه، مشرع، السيف، شروق.
إذا ما أمعن المتلقي النظر في هذه الحقول، يجد أن الغلبة واضحة لصالح الحقل الأول الذي يدل على ما يعتمل في نفس الشاعر من مشاعر الألم، وهو يرى إلى الأوضاع السياسية والثقافية العربية في تدهور مستمر. لقد عبّر المناصرة عن هذا الواقع بصدق وشفافية، والرموز التي استخدمها جاءت متلائمة مع تلك الرؤية المتميزة التي امتلكها.
نهضت مفردات الحقل الثاني المتعلق بالمكان بالتعبير عن قيمة هذا الأخير ومكانته بالنسبة إلى الفلسطيني المقتلع من أرضه، فلم يعد المكان مرتبطاً بالذكريات فحسب، بل غدا الوجود برمته.
لقد حشد المناصرة في هذا الحقل مجموعة كبيرة من الأسماء الدالة على المكان، منها ما هو مرتبط بفلسطين، كالقدس، والكرمل والجليل، وجبل الخليل، وهذه الأسماء أدت دورها غي ترسيخ المكان في الذاكرة الفلسطينية، لكي تبقى فلسطين المغتصبة في الحياة اليومية للفلسطيني المنفي والمشرد.
ومنها ما هو مرتبط بالواقع العربي، كالصحارى، والشآم. ولها المناصرة يسعى إلى استنهاض الهمم التي اتسمت بالتراجع والتخاذل، وإلى الرغبة في أن ينهض الأشقاء العرب في الدور المطلوب، وهنا نلحظ أن الشاعر قد استخدم السخرية أحياناً، للتدليل على بؤس الواقع العربي، كالحانة، وزق الخمر، والنوم.
عبّرت مفردات الحقل الثالث عن بصيص من الأمل، ما زال يراود مخيلة الشاعر، فهو يشير إلى طريق الخلاص، من خلال تهيئة السلاح وإعداده للمعركة القادمة مع العدو الغاصب. كما يشير إلى التواصل والتلاقي بين أبناء الشعب الواحد؛ لأن هذه المعركة تتطلب توحيد الجهود.
لقد أدت الحقول الدلالية دورها في حمل رؤية الشاعر والتعبير عنها، وذلك دليل على دور الشاعر في عملية الاستنهاض المطلوبة.

المحور الثالث: المستوى الصرفي في قصيدة "قفا... نبك"
تبقى مفردات اللغة – أية لغة – قاصرة ومحدودة عندما تُلغى آليات الصرف، وفي هذه الحال، يتبدى عجز اللغة عن التعبير عن خلجات النفوس ومشاعرها. وتتوسع آليات عن خلجات النفوس ومشاعرها. وتتوسع آليات الصرف عبر استخدام الأدوات والوسائل الصرفية، بشكل يتناسب مع طبيعة اللغة ونظامها، اعتماداً على تاصياغات الجديدة التي قد تساعد على اختزال التراكيب النحوية. وهذه التراكيب تؤلف بمدلولاتها "نظاماًيستخدم لاتصال، أي تؤلف اللغة"(28). فالصرف يوسع استعمالات الكلمة، ويسهم في عملية التأويل الدلالي.
ومن الضروري في هذا المحور، أن نولي المفردة بعض العناية، كونها تسهم مع أخواتها في تأليف الجملة، وإعطائها معنى ما، "لأن البحث عنها، وهي مفردة، لتكون على وزن خاص وهيئة خاصة، هي موضوع علم الصرف"(29). والهدف من دراسة المستوى الصرفي، هو الإحاطة بمدى تحقق الحيد في القصيدة، كون البحث في هذا المستوى يتناول المفردة، مع ما يطرأ عليها من تعديل أو اشتقاق، والدور الذي تنهض به.
أ. دور الأفعال في تحقيق الحيد في القصيدة
حظيت الأفعال بأزمنتها المتعددة بنصيب كبير في قصيدة "قفا... نبك"، إذ بلغ عددها مئة وثلاثين فعلاً، مما مجموعه ست مئة وتسعون مفردة، وإذا أضفنا إليها المصادر وأسماء الفاعلين لبلغت نسبة مرتفعة. وهذه النسبة تؤشر إلى دور الحدث في بنية القصيدة. وعندما يصل عدد الأفعال المضارعة إلى ثمانية وأربعين فعلاً، فهذا يدل على ما للزمن الحاضر من أهمية في نظر الشاعر، كونه النقطة التي يمتحرق فيها البعدان النفسي والفكري، وكونه أيضاً واحداً من الهواجس التي تسيطر على الشاعر، وذلك لأن الزمن الماضي موت الفعل، ونهاية له. لم يعد الزمن الحاضر يجري في خط مستقيم، إنما اتخذ منحنى متعرجاً، كون بعض الأفعال الحركية تنطوي علي التمدد والانتشار (تأتي، يعلو، تنمو، تخضر). "والحركة الحقيقية هي تلك النابعة من ذات الشاعر ورؤيته هو لما يراه حركة أو موتاً، مع ما قد يبدو عليه من حركية ظاهرة"(30). وهذه الأفعال تنهض بوظيفة تقريب المشهد الشعري إلى المتلقي، وتجعله على تماس مع حال الشاعر النفسية المؤثرة.
نلحظ شيئاً من الوفرة في حضور أفعال الأوامر في القصيدة، والتي تتضمن الرغبة في تحقيق ما هو مطلوب. والقسم الأكبر من هذه الأفعال حركي: (جهّز، أمدد، واجه، انتصر، أرسل). وورود مثل هذا العدد من أفعال الأمر يكشف عن الصراع الذي يخوضه المناصرة، وعن التوتر الذي يعتريه، فأفعال الأمر "تحقق نوعاً من الدرتمية التي تظلل المستقبل، إذ يظل الأمر قائماً حتى يتحقق، ويظل الشاعر في حال ارتقاب وتوتر"(31).
وعلى هذا، يمكن القول أن الأفعال قد أدت الدور المطلوب، وأسهمت في تحقيق الحيد في قصيدة المناصرة، وهذا عائد إلى ثقافة الشاعر، وموهبته، وحسن اختياره للمفردات.
2. دور الأسماء في تحقيق الحيد في القصيدة
يمكن تصنيف (الأسماء) في القصيدة في غير مجموعة، منها أسماء الأعلام. وما يلفت النظر هو هذا الحشد من الأسماء التي دلت على الأشخاص (الملك الضليل، امرئ القيس)، والأصنام (يغوث). والقبائل (حجر: وهي بطن من بطون كندة قبيلة امرئ القيس)، والمدن (القدس، أنقرة)، والبلدان (الروم، الشآم)، والأمكنة (جبل عسيب)(32).
وهذا الحشد من أسماء الأعلام ينطوي على غير دلالة، منها ارتباط الفلسطيني بعامل المكان، والتعبير عن جوده من خلاله، ومنها وضع الحدث في إطاره التاريخي الملائم، ولعل أكثرها أهمية هو التعبير عن القلق النفسي والتوترـ على غرار ما أصاب الشاعر الكبير امرأ القيس، مع الفارق في نوعية الهموم والتطلعات.
أورد (المناصرة) مجموعة من الأسماء المنكرة، ومن نماذجها: (حانة، نادلة، قباء، خل، جسد، شاعر، تلة، زاد، حمامة، محتل). وربما قصد الشاعر الدلالة على الكثرة من خلال إيراد بعض تلك الأسماء، فمفردات مثل (حانة، نادلة، قباء، جسد، محتل)، قد تشير إلى التعميم الي بات يشكل ظاهرة غير مألوفة في الواقع المعيش. فالحانة هي المكان المخصص للسكر، وهي منتشرة في مدننا بكثرة. و(نادلة) تشير إلى مكانة المرأة الاجتماعية، وطبيعة عملها، وإقبال العابثين والالهين على كسب رضاها، وفي هذا إشارة إلى التدهور الأخلاقي المتزايد الذي أصاب بعض مجتمعاتنا العربية، خصوصاً في المدن والعواصم.
لقد أسهمت الأسماء شأنها شأن الأفعال، في التعبير عن الهموم التي حملها الشاعر المناصرة، وهي هموم وطنية وقومية بامتياز، هدف الشاعر بوساطتها إلى التحريض على مقاومة العدو الغاصب، وتجنيد طاقات الأمة، من أجل إحقاق الحق والعودة إلى الوطن.
3. دور الضمائر في تحقيق (الحيد) في القصيدة
تتوزع الضمائر في قصيدة "قفا... نبك" ما بين متكلم، ومخاطب، وغائب. وقد بلغ عدد هذه الضمائر الإجمالي مئة وعشرين ضميراً. وكان نصيب الضمائر الدالة على المتكلم خمسين ضميراً، أربعة عشر منها للفاعلية، وستة وثلاثين للمفعولية، وإن دل هذا الرقم على شيء، فإنما يدل على أن الشاعر في موقف المنفعل، أكثر مما هو في مواقف الفاعل، كيف لا، وهو يرى التردي العربي يتفشى أكثر فأكثر، ويرى الأرض الفلسطينية السلبية تبتعد وتبتعد، وهو لا يملك وسيلة سوى التحريض حيناً، والسخرية المرّة حيناً آخر.
ونجد واحداً وعشرين ضميراً دالاً على الجماعة، وهم آل حجر مرة، وقوم الشاعر مرّات. ويكشف الشاعر خجله من آل حجر – وهم قوم امرئ القيس – بطريقة مباشرة، إذ يقول:
"أيا حجر واخجلي منك واخجلي"
وإذا ما تخلت حجر عن امرئ القيس، فإن إحساس الشاعر بالعجز جعله يكشف عن خجله، وهو لا يستطيع نصرة قومه الذي هُجّروا من وطنهم. أما لإشارة التي تضمنت السخرية المرّة فتتراى بقوله:
"ملأنا جدار الصحارى ضجيجاً لنادلة..."
كنا نظن أن ما يسمعه الشاعر هو ضجيج المعركة التي تعيد الحق إلى أهله، فإذا به ضجيج الذي يتعالى من أجل امرأة! ويبلغ اليأس بالشاعر مداه الأوسع عندما يقول:
"دعوني على زقِّ خمر، أنامُ وخلّوا يدي تحمل الكأس"
وتحاول بعض ضمائر المخاطب التخفيف من قنوط الشاعر وإحباطه، يقول في المقطع الخامس:
"يا ساكناً جبل الخليلْ
جَهِّزْ سلاحكَ من عَلِ
وامددْ ذراعكَ للجليلْ
يشتاقُ قلبُ الكرملِ"
ههنا، يستيعد الشاعر روعه، ويكشف عن الحقيقة التي يبحث عنها: إنها المقاومة واستخدام السلاح في وده المحتل الغاضب، ولا سبيل إلى العودة إلى فلسسطين، بغير اعتماد القوة والتلاقي بين أبناء الوطن الواحد. لقد أدت الضمائر في القصيدة الدور المطلوب، وكشفت عن رؤية الشاعر إلى طبيعة الصراع مع العدو الصهيوني، وتلمست الطريق إلى العودة.

المحور الرابع: المستوى النحوي في قصيدة "قفا... نبك"
يسعى الشاعر الحداثي إلى تقديم قصيدة جديدة يُظهر فيها فرادته، عبر تجاوز الأعراف الشعرية التقليدية، والسعي إلى بناء أعراف بديلة تحقق له التمايز والتفرد. وهذه البنى الجديدة "تشي بطاقة النحو المشعرنة"(33)، من أجل تحقيق جمالية النص الشعري، في غير مستوى من المستويات.
والتراكيب النحوية، وطرق صوغها، تؤدي دروها في عملية الخروج على سلطة اللغة، انطلاقاً من تمرد الشاعر على القوانين اللغوية المفروضة، كونها قاصرة عن التعبير عما يريد. وبهذا، يتجاوز الشاعر المبدع علاقة المفردة بالسياق، ويخرق التمثيل المنطقي المعتاد في أحيان كثيرة.
ولم يشذ (الشاعر المناصرة) عن هذا التوجه، فقد اختط لنفسه طرائق تعبير تتناسب مع ما امتلكه من موهبة وثقافة. وتشكيل المستوى النحوي في القصيدة عنده جاء وفق هذا التوجه.
1. الحذف ودوره في قصيدة المناصرة
ليست طاهرة الحذف جديدة في الشعر العربي، فقد استخدمها الشعراء منذ أقدم العصور. وإذا كان الإيقاع يلزم الشاعر أحياناً اعتماد هذا الحذف، فإن غايات أخرى جمالية تقف وراء تفسير المحذوف بعد إضماره، إذ "الشيء إذا أضمر ثم فًسر كان ذلك أفخم له من أن يُذكر من غير تقدم إضمار"(34).
وقد استخدم الشاعر المناصرة الحذف في غير مكان من قصيدة "قفا... نبك" استخداماً يدل على تمكنه من اللغة. يقول الشاعر:
"مقيم هنا أشرب الخمر في حانةٍ"
يُدرك المتلقي أن الشاعر هو المقيم الذي يشرب الخمر في الحانة. وإذا ما كانت الجملة اسمية مؤلفة من مسند ومسند إليه، فإن المسند هو مفردة (مقيم). والمسند إليه ه الضمير المنفصل المحذوف (أنا). وقد حقق هذا الحذف غايتين: الأولى هي الحفاظ على الإيقاع الشعري الذي يختل إذا ما ذكر هذا الضمير، والثانية هي بلاغة التعبير ةفخامته كا يقول الجرجاني.
ومن نماذج الحذف أيضاً قول الشاعر في بداية المقطع التاسع:
"الروم لا يأتون
إلا إذا ظلوا"
ومن الواضح هنا أن (المناصرة) قد أسقط مفعول الفعل (يأتون)، وكذلك مفعول الفعل (ظلّ)، وترك للمتلقي تقديرهما، تماشياً مع العامل النحوي الذي يعرف الشاعر كيف يفيد منه.
2. النفي ودوره في قصيدة المناصرة
استخدم الشاعر المناصرة بطريقتين اثنتين:
الأولى هي إدخال حرف النفي على الجملة المثبتة، ومن نماذجه قوله:
"رحلت وحملتني يا أبي ما يطاق
وما لا يطاق"(35).
يتحدث الشاعر في ما يشبه العتاب، عن التركة الثقيلة التي أعقبت مصرع الوالد، وقد وضع الشاعر نفسه في موقف امرئ القيس، فلا هو قادر على الثأر لأبيه، ولا هو قادر على نسيان الأمر. ويظهر النفي هنا باستخدام (لا) التي أجخلت على الفعل المضارع المجهول.
والثانية هي إدخال (لم) على الفعل المضارع، فتنفيه، وتقلبه، وتحوله إلى الماضي. ومن نماذج ذلك قول الشاعر:
"لم أدخل الحرب مرة!!"(36).
يتحدث الشاعر هنا بلسان الشعوب العربية التي بقيت مغلوبة على أمرها طيلة عقود من الزمن، فهي قد وُضعت في موضع المتفرج الذي عليه أن يتحمل تبعات الهزائم، الواحدة تلو الأخرى. هي صرخة الضمير العربي الذي رفض الكأس والنادلة، كما رفض الاحتلال والاغتصاب، في الوقت الذي يرى فيه كثيرين من القادة يفاوضون العدو الصهيوني، ويعقدون معه الصفقات السرية والعلنية، في حين أن الطلائع المثقفة الواعية تتقلب بين القتل والتفي والتشريد.
"لم أدخل الحرب مرة"
هي صرخة الفارس الشجاع الذي رفض الهزيمة، كما رفض الخضوع للحكام والسماسرة... هي صرخة الأمة التي تثور لكرامتها، وفي الوقت ذاته تبطن الاستعداد للبذل والعطاء، والعمل بكل الوسائل المتاحة، من أجل دحر الغزو الاستيطاني، وعودة الأرض إلى أصحابها الشرعيين.
3. التقديم والتأخير في قصيدة المناصرة
إن التقديم والتأخير في تركيب الجملة معروف في الشعر العربي، قديماً وحديثاً، ويستخدم لأغراض متعددة، إذ "هو باب كثير الفوائد، جمّ المحاسن، واسع التصرف، بعيد الغاية، لا يزال يفتر لك عن بديعه، ويُفضي بك إلى لطيفه، ولا تزال ترى شعراً يروقك مسمعه، ويلطف لديك موقعه، ثم تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك أن قُدّم فيه شيء، وحُوّل اللفظ عن مكان إلى مكان"(37).
ولا تخلو قصيدة "قفا... نبك" من حالات التقديم والتأخير، من نماذجها قول الشاعر:
"عادت إليك مزارع التفاح من فرح صبية
كانت على النبع الذي أحببته
بعصارة الحناء تصبغ وجهها... تُسقى السلاف"(38).
من الواضح هنا أن خبر الفاعل الناقص (كان) هو الجملة الفعلية (تصبغ وجهها)، ويأتي هذا الخبر بعد أن يتقدم عليه اسم الفعل في الترتيب النثري العادي، إلا أن الشاعر الثاني، إذ رأى أن الكلام الذي تقدم عليه يفوقه ذاته، يحافظ هذا التقديم والتأخير على الإيقاع وفي الوقت ذاته يحقق شيئاً من الجمالية المطلوبة دائماً في الشعر.
4. الأمر والنهي في قصيدة المناصرة
تضمنت قصيدة المناصرة بعض جمل الأمر التي يطلب قيها عادة القيام بعمل مفيد، أما في القصيدة فنجد الشاعر يأمر قومه الذين سماهم آل – حجر وهو قوم امرئ القيس – بالقيام بعمل مغاير. يقول المناصرة:
"دعوني على زقِّ خمر، أنامُ وخلّوا يدي تحمل الكأسَ،
حتى تُطاولَ رأس المجرّةْ
ولا تطلبوا الثأر يا آل حُجْرٍ ..."(39)
يرغب الشاعر في شرب الخمر حنى الانطفاء، في محاولة يائسة للتخلص من الهموم التي يحملها، وهذا الأمر المتمثل في الفعل (دعوني) دليل على إحساسه بالعجز. وإذا كانت اليد هي العضو الأكثر قدرة على تنفيذ الأعمال، فإن الشاعر يرغب في أن تطال يده ما لا يطال، ولعل في هذا تعويضاً عن القصور الذي آلم الشاعر وعذبه.
وينتقل الشاعر من الأمر إلى النهي في السطر الشعري الأخير من المقبوس، طالباً إلى قومه الكف عن طلب الثأر للمليك المقتول، والسبب في ذلك هو انشغاله بالخمر والنساء.
هذا للنهي صرخة موجعة، تكشف عن بؤس الواقع العربي، وقد تناسى فيه القادة والحكام الغدر الصهيوني، وشردوا الفلسطينيين من أرضهم، من أجل إقامة دولة يهودية على التراب العربي. ويمكن أن نجد في هذه الصرخة دعوة، لا إلى الكف عن طلب الثأر، وإنما إلى مواجهة العدو الغاصب ومقاومة مشاريعه الاستيطانية. وقد أفاد الشاعر المناصرة من المستوى النحوي بشكل عام، ومن الأمر والنهي على وجه الخصوص، ووضعهما في خدمة رؤيته إلى الصراع العربي / الصهيوني.

المحور الخامس: المستوى التصويري في قصيدة المناصرة
إذا ما كانت اللغة قاصرة عن التعبير عن أشياء العالم جميعها، من خلال الإسناد الموضوعي العادي للغة، كان لا بد من خلق الوسائل التي تعوض عن هذا القصور، من خلال البنى اللغوية التي يمكن خلقها عبر استخدام المجاز. وبهذا تقوم الدلالة هنا "على التمثل الذي هو ظهور الصور الذهنية وحصولها عند كل مستعمل للدلالات، ويتعلق التمثل هنا بدرجة التجريد التي تكون لمختلف طبقات المعاني، مما يقتضيه اللفظ المعجمي"(40). وتكون الدلالة عندئذ ليس بحسب مادة الدال، ولكن، بتعدد الجوانب التي يتشكل منها كيان المتلقي.
إذا أمعنا النظر في المجاز بوصفه حداً معيارياً، في هذه الحال يمكن وصفه بالفعل الدينامي الذي يؤدي إلى بنية دائمة التجدد، ويحد من سيطرة الحقيقة على اللغة، وهذا يجعل بمقدور الباحث مقاربة الصور البلاغية بأكثر أنواعها أهمية: أي بالتشبيه والاستعارة والكناية.
1. التشبيه ودوره في قصيدة المناصرة
لم يعبأ الشاعر المناصرة بالتشبيه في قصيدة "قفا... نبك"، ولعل السبب في ذلك عائد إلى أن شعراء الحداثة العربية قد ركزوا جهودهم على الصور الاستعارية والكنائية، وعلى عناقيد الصور التي تتشابك فيها الصور البلاغية وتتفاعل، وتغدو جزء من النسيج النصي.
يقول المناصرة في القصيدة
"الرومُ لا يأتونْ
إلاّ إذا ظلّوا
كالرمل كالطاعونْ
ﻓﻲ العشب قد حلّوا"(41)
اعتمد الشاعر المناصرة التشبيه في إطار من الترميز الذي يوحي بالفكرة، تاركاً للمتلقي فرصة الوقوف على الغرض من الرمز والتشبيه في آن معاص. فليس المقصود بالروم تلك الإمبراطورية الكبرى التي بسطت سيطرتها على أجزاء واسعة من العالم القديم، إنما هي الدولة الصهيونية التي أنشئت على أرض فلسطين.
نلحظ هنا، على المستوى التصويري، أن المشبه به هو الروم، والمشبّه هو الرمل والطاعون، وأداةالتشبيه هي (الكاف)، ووجه الشبه محذوف، يستطيع القارئ تقديره بيسر وسهولة. وإذا ما وضع الشاعر المشبه والمشبه به أمام عيني القارئ، فقد أشار إلى اليباس الذي يتصف به الرمل، والمرض المعدي الذي يتصف به الطاعون، وكلاهما يفتك بالعشب، ويقضي على اخضراره. لقد جمع الشاعر بين الحسي والمعنوي في المشبه به، ليظهر شراسة العدو الصهيوني، ويكشف عن خطته القائمة على تدمير الوجود الفلسطيني على أرضه، وطمس تاريخه وحضارته، وإحلال وجود جديد مصطنع، وثقافة غريبة مصطنعة. وبهذا يشكل التشبيه عامل استنهاض منأجل مقاومة الغزو القادم، والسعي إلى إحباطه وإفشاله.
2. الاستعارة ودورها في قصيدة المناصرة
يسعى الشاعر عبر استخدام الصور الاستعارية إلى تحقيق الشاعرية والجمالية في النص الشعري في آن معاً. ويتمثل دور الاستعارة في عملها على تحرير الدوال من النظام الدلالي المألوف في اللغة، من غير أن يكون هناك وظيفة تؤديها، فالاستعارة في الأصل "هي نقل دلالة اللفظ من المعنى الذي وُضع له، إلى معنى استعاري آخر"(42)، باستنادها على عامل تماثلي، من بين العناصر التي تدخل في إنجازها. ويحدث هذا العامل التماثلي نوعاً من التقاطع بين الكيانات المتغايرة، لوجود مقوم دلالي مشترك، ينهض على المحور الاختياري للغة. ويتم هذا، انطلاقاً من القول إن الاستعارة "هي، بوجودها المجرد، عملية إدراك واكتشاف، لعلاقات التشابه والتضاد بين أشياء الوجود: فهي تكتشف لا التطابق المطلق، بل التشابه – عبر – التمايز"(43).
تفرض الصورة الاستعارية غياب الطرف الثاني من التماثل، وتحتفظ بإحدى لوازمه، والصور الاستعارية التي تبعث على الإمتاع والإدهاش، تنهض على حسن استثمار تلك اللوازم من الطرف المغيب، من خلال الخلق على غير مثال. وهنا، يؤدي الخيال دوراً فعالاً في اختيار تلك اللوازم. وبناء على هذا، "عُدت الاستعارات، وأيضاً الرموز، مخطات، أي أمكنة، أو محال معدولية، وأنها تربط بين عالم الواقع، وعالم الرؤيا، ويفسرها سنن النص وحديثه، وليس فقط منطقية الإسناد، أو صنفية المفردات، في التراكيب والجمل"(44).
- أولى الشاعر المناصرة الاستعارة عناية كبيرة في قصيدة "قفا... نبك"، ويظهر ذلك في تقديمه مجموعة من الصور الاستعارية التي لا يكاد مقطع يخلو منها.
يقول المناصرة في المقطع السادس من القصيدة:
"تنمو وتخضر العظام
فأدفن عظامي... وانتظر"(45)
يحمل هذان السطران الشعريان، مع ما فيهما من غُصّة ومرارة، شيئاً من التفاؤل والثقة بالغد القادم. ويستثمر الشاعر المناصرة بعث السيد المسيح، وكيف بُعث حياً. ويؤكد عودة الشعب الفلسطيني إلى ممارسة دوره المقاوم، والنهوض بمهمات المواجهة، لأنها السبيل الوحيد لتحرير الأرض والإنسان.
على المستوى البلاغي، نلحظ أن السطر الشعري الأول ينهض على استعارة ناجحة، فالعظام أشياء جامدة لا حياة فيها، ولكنها، في هذا الصورة الحية، قد استعارت من النبات النمو والاخضرار، دلالة على بعض الأمة بعد الركود والتراجع. لقد جمع المناصرة في هذه الصورة بين حقيقتين متباعدتين متجهتين نحو الوحدة، "وكلما كانت العلاقة بين الحقيقتين المتجهتين نحو الوحدة بعيدة وصحيحة، كانت الصورة قوية، وشاعريتها أرفع، وقدرتها التعبيرية والشعورية أعم"(46).
ونقرأ قول المناصرة في مكان آخر:
"رحلت وحملتني عبء أرض تريد العناق"
لم تعد الأرض ذلك المكان الذي يشكل وجود الشاعر، ويكشف عن جانب من حلمه، إنما غدت الأرض امرأة تريد العناق وتسعى إليه، والمرأة في الضمير الجمعي هي الإقبال على الحياة، وهي علة الاستمرارية في الكون. وهنا ينطلق المناصرة من ذاته نحو الآخرين، في نوع من التحريض الخفي، مستعيناً بصورة شعرية. وهذه الصورة "لا تخضع لقوة دفع خارجية، كما أنها ليست صدى للماضي، بل العكس هو الصحيح"(47).
3. الكناية ودورها في قصيدة المناصرة
إذا كانت الصور التشبيهية والاستعارية تقوم على قاعدة التماثل، كما أشير في فقرات سابقة، فإن الصور الكنائية، تقوم على قاعدة المجاورة. وتعرّف الكناية بأنها مشتقة من الستر، فيقال: كنّيت عن الشيء إذا سترته. وقد أُجرى هذا الحكم في الألفاظ التي يُستر فيها المجاز بالحقية"(48). وتتضمن الكناية دلالة أولى حقيقية، ولكنها تبقى قاصرة عن إعطاء التعبير حقه، ودلالة ثانية مستورة، هي غاية المبدع. "والكناية كلام وصفي، يحيل إلى الدلالة بطريقة غير مباشرة، عن طريق الإيحاء بها"(49). وتقسم الكناية، بحسب المدلول الثاني، إلى نوعين:
النوع الأول، هو الكناية عن الصفة، عندما يكون المكنّى عنه حال تتعلق بالموصوف. والنوع الثاني، هو الكناية عنه الموصوف، عندما يكون المكنّى عنه اسماً موصوفاً.
وقد استخدم الشعراء العرب الكناية منذ القدم، ولا تزال الصور الكنائية تحتفظ ببريقها،بمقدار ما يوفق الشاعر في ستر المعنى المقصود. وفي قصيدة "قفا... نبك" يجد القارئ بعض الصور الكنائية، منها:
"دعوني على زق خمرٍأنام،
وخلّوا يدي تحمل الكأس حتى تطاول رأس المجرّة"(50).
من الواضح هنا أن المعنى القريب ليس هو المقصود، إذ من غير المعقول أن ينام الرجل على وعاء الخمرة، والمعنى المطلوب هو التعبير عن رغبة الشاعر في متابعة الشرب ليلاً، حتى يفقد الوعي. وتتضمن هذه الصورة الكنائية الدلالة على مقدار الإحباط الذي أصاب الشاعر، وهويرى النظام الرسمي العربي يتقاعس عن واجبه في الإسهام في معركة العرب القومية، ويتجاهل مأساة العصر الإنسانية التي تجلت في تشريد الشعب الفلسطيني من أرض أجداده.
ونقرأ قول المناصرة في المقطع الثاني ذاته:
"وحتى تدق المسامير في النعش
لا تزعجوا الشعراء"(51).
يرسي السطر الشعري الأول مناخ الموت، مع ما يرافقه من حزن وأسى، ابتعثته مفردتا (المسامير، النعش)، وجاءت الصورة الكنائية لتسهم في تعزيز هذه المشاعر وتعميقها، بوصفها الغياب الذي لا بد من استحضاره، وهذا التركيز على الغياب هو المطلوب من الشاعر الحداثي التركيز عليه، "فالكلمات تتضمن غياب الأشياء، تماماً مثلما أن الرغبات تمثل المرغوب فيه"(52).
يمكن القول إن الشاعر المناصرة قد أفاد من الصور الشعرية، بأنواعها المتعددة، ووظفها في خدمة استراتيجية القصيدة القائمة على التحريض على مواجهة المحتل، وحشد الطاقات والإمكانات، من أجل خوض معركة الكرامة والعزة القومية.

المحور السادس: البعد المقاوم في قصيدة "قفا... نبك"
إن قراءة متأنية في نتاج الشاعر عزالدين المناصرة، وفي قصيدة "قفا... نبك" على وجه التحديد، تكشف عن الهموم الوطنية والقومية والإنسانية التي حملها الشاعر، وتُظهر نقمته على الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية السائدة. لقد أدرك الشاعر المناصرة أن العودة إلى فلسطين تتطلب الكثير من نكران الذات والتضحيات، كما تتطلب توحيد الجهود العربية والفلسطينية وتوجيهها نحو الوجهة الصحيحة، كي لا تذهب التضحيات سدى. والشاعر المناصرة أدرك الأخطار التي تتهدد مصير الأمة رفع لواء المقاومة من خلال:
1. البعد الأخلاقي
يثور الشاعر على جملة من الممارسات التي انحرفت بالأمة عن مسارها الصحيح، ونجده يكشف عن هزالة الحكام وأصحاب النفوذ، وهم يلهثون وراء النساء. يقول المناصرة:
ملأنا جدار الصحاري ضجيجاً لنادلةٍ
وزَّعتْ بعض آهاتها للسيوف التي صدئتْ ﻓﻲ قِباءْ،
ملأنا كؤوس البكاءْ
لنادلةٍ بعثرتْ نصف آهاتها ﻓﻲ ارتعاش سكون الخلاءْ(53)
يشير الشاعر هنا إلى الانحدار الأخلاقي الذي طاول كثيرين من ضعاف النفوس،أولئك الذين انساقوا وراء شهوات الجسد، وتخلّوا عن الدور المنوط بهم، وعن الآمال التي كانوا يجسدونها. وإذا ما كانت السيوف رمزاً للقوة والمنعة، فإن الصدأ قد غطاها وهي في مخابئها. لقد تخلى كثيرون من العرب عن الاستعداد للمعركة، وانصرفوا إلى معاشرة الإماء والنساء العاهرات، وباتوا أسرى المواقع السياسية التي امتلكوها.
وينتقد (المناصرة) في مكان آخر من القصيدة افتقار بعض المسؤولين إلى المصداقية، يقول مخاطباً الفلسطيني الذي شرّد من أرضه، وتتابعت الوعود بالوقوف إلى جانبه:
"احذر غيوم الخمر ثم احذر سحابات الكذب"(54)
إنه يحذر من الكلام المعسول الذي يشتري به كبار المسؤولين والقادة السكوت الفلسطيني، ثم تأتي النتيجة تراجعاً مستمراً وتنازلات لا يعرف أحد متى تنتهي، وأين تنتهي.
2. البعد التحريضي
لقد عرف المناصرة كيف يحذر الفلسطينيين من مراوغة السياسيين وكذبهم، لأنه يدرك – بحس الفنان المرهف – ماذا يخفي هؤلاء السياسيون والقادة من مواقف مشبوهة تضرّ بالعمل الفلسطيني، وتحرفه عن الهدف. ونلحظ أيضاً أن قصيدة المناصرة تضمنت دعوات إلى النضال والكفاح، في سبيل تحقيق الأهداف السامية، يقول المناصرة:
"يا ساكناً جبل الخليلْ
جَهِّزْ سلاحكَ من عَلِ
وامددْ ذراعكَ للجليلْ
يشتاقُ قلبُ الكرملِ"(55)
هذه هي دعوة الشاعر الثائر، ودعوة المشرد المنفي من وطنه ودياره، يطلقها إلى بني قومه الذين عانوا الأمرّين من بطش قوات الاحتلال وتعسفها. والشاعر الذي رأى ما رآه، وسمع ما سمعه، لا يسعه إلا توكيد أهمية الكفاح المسلح وضرورته.
وإذا ما آمن المناصرة بالقوة سبيلاً إلى تحقيق الحلم الفلسطيني، فإنه يدعو أبناء فلسطين إلى التكاتف والتلاقي، ولا يتم الانصهار بغير توحيد الإرادات والعزائم، ووضعها جميعاً في خدمة الهدف السامي الذي يسعى إلىتحقيقه.
ويقول المناصرة في مقطع آخر:
"واجه رمال العاصفة
يا أيها المطرود"(56).
يجد الفلسطيني نفسه في أزمة متعددة الأبعاد، فهو يعاني ظلم الاحتلال الصهيوني وبشاعته، وتجاهل العالم لقضيته التي هي قضية إنسانية بامتياز. وفي الوقت ذاته يعاني مراوغة الأشقاء العرب، وتخليهم عن القضية. ومن أجل ذلك، نجد الشاعر يصرخ بالفلسطيني المُقتلع من أرض وطنه: "واجه رمال العاصفة". وإن انطوت هذه العبارة على ترميز، إلا أنها تحمل بعداً تحريضياً لا يخفى على المتلقي، وتحيل قصيدة المناصرة إلى عالمين مترابطين:
الأول هو عالم الشاعر الخاص، هو ذات الشاعر التي عانت التشرد والاقتلاع والخوف والعذاب، والثاني هو عالم خارجي قوامه الامة العربية في واقعها المتخلف. وما بين هذا وذاك، تتفظر روح الشاعر أسىً، وقد تبدى ذلك في غير مكان من القصيدة.
3. ترسيخ الانتماء
يحرص الشاعر المناصرة على ترسيخ انتمائه إلى الوطن، لأن الانتماء يجسد الخطوات الأولى على طريق تحقيق الهدف. والشاعر الذي يتبدى في النص يفقد شخصيته الواقعية، ليتحول إلى جزء من العالم الفني. والدليل على ذلك كثرة الضمائر المرتبطة بالشاعر الذي غدا إنسان الأمة. يقول المناصرة:
"فادفِنْ عظامي ... وانتظرْ
يوماً من الوادي، شُروقي
إنّي لأخشى الموت ﻓﻲ المنفى ... فَمَنْ
يروي عُروقي؟!(57)
الشاعر لا يخشى الموت، ولكنه يخشاه في المنفى، بعيداً من الأرض التي أنجبته، بعيداً من مرابع الطفولة والصبا. وتنهض هذه الأسطر الشعرية على ترسيخ الانتماء وتثبيته. وإذا ما كان الموت هو النهاية الحتمية للإنسان، فإن الشاعر يرغب في أن تكون نهايته على أرض وطنه. هذا هو الانتماء، وقد أجاد (الشاعر المناصرة) في التعبير عنه بفنية رفيعة المستوى.

كلمة أخيرة
يتطلب التعامل مع (نص عزالدين المناصرة الشعري) محاولة استكناه الذات المبدعة، كون هذا النص لا يكشف عن نفسه بيسر وسهوله، إنما يتخفى وراء غير قناع. ولعل ما يلفت الانتباه في دراسة النص الشعري المعاصر هو صياغته القائمة على الاحتمالات والتجاوز المستمر. ومن الضروري مقاربة فضاء النص اللامحدود، "واستجلاء ما بداخله من حقائق مصير الإنسان المستمدة من وجود مستوى الخبرة الإنسانية"(58).
والانطلاق من النص الشعري الذي يعبر عن تجربة الشاعر، كونه يعكس الضمير الجمعي حاولنا وضع اليد على الحياة الخفية التي حدت بالشاعر إلى استشراف المستقبل، هذا الواقع، بما ينطوي عليه من أبعاد أثبتت فشلها وعجزها عن تحقيق إنسانية الإنسان المعاصر.
انطوت قصيدة المناصرة "قفا... نبك" على قراءة جديدة في جوانب من الوجود، عبّر الشاعر من خلالها عن نقمته على الأوضاع العربية السائدة منذ خمسين عاماً، وتضمنت في الوقت نفسه دعوات إلى مواجهة العدوّ المحتل ومقاومة مشاريعه التوسعية. ولحظنا أن هذه الدعوات كانت ظاهرة معلنة حيناً، وكانت مبطنة خفية في أحيان أخرى.
توقفنا أمام غير مستوى، في أثناء مقاربة هذه القصيدة، بدءاً بالمستوى الإيقاعي، والمعجمي، والصرفي، والنحوي، فالتصويري، وصولاً إلى قراءة العالم. وقد تبين لنا، أن هذه المستويات جميعها، قد وضعت في خدمة استراتيجية القصيدة.
والشاعر عزالدين المناصرة، وهو الفنان الذي عرف معنى التشرد والضرب في المنافي، والحرمان من الهوية، وعاش فصولاً متلاحقة من الضياع والاغتراب، هو شاعر مقاوم، تحتم عليه ثقافته، وموقعه الفكري والأدبي، والتزامه قضايا الأمة والوطن. وعندما يصرخ الشاعر بمرارة: "أضاعوني"، فإنه يعبر عن الهم الجمعي الذي رافقه في ارتحاله بين المدن والعواصم. وعندما يهيب بالفلسطيني قائلاً له: "واجه رمال العاصفة"، فإنه يؤكد قدرة ذلك الإنسان على البذل والعطاء، والفلسطيني لم يبخل يوماً، ولن يبخل في الأيام القادمة.
أجاد الشاعر المناصرة في اختيار موضوع قصيدته، كما أجاد التعبير عن ذلك المضمون. وإذا ما كان هم امرئ القيس ذاتياً فردياً بامتياز، فإن الشاعر المناصرة قد عرف كيف يجمع بين الجمعي والفردي، بين العام والخاص، وكيف يقدم للقارئ العربي قصيدته، ويحملها رؤيته المتميزة إلى العالم من حوله.

قصيدة (قفا... نبك)، 1965

يا ساكناً سِقْطَ اللِّوى
قد ضاع رَسْمُ المنزلِ
بين الدَّخولِ فَحَوْمَلِ.
- مقيمٌ هنا أشربُ الخمر ﻓﻲ حانةٍ
قرب (رأس المُجَيْمرِ) ... كلَّ مساءْ
هنا ينعَب البومُ ﻓﻲ سقْفها،
تستريحُ ثعالبُها من ثُمول الرخاء
هنا حيث نأوي مع الليل،
لو يسمعُ الرملُ وقْعَ خُطى النُّدَماءْ
نجومُ السماءِ تُراقبنا ﻓﻲ السماءْ
ملأنا جدار الصحاري ضجيجاً لنادلةٍ،
وزَّعتْ بعض آهاتها للسيوف التي صدئتْ ﻓﻲ (قِباءْ(
ملأنا كؤوس الصفاءْ
لنادلةٍ بعثرتْ رقْصَ أجزائها
ﻓﻲ ارتعاش سكون الخلاءْ
فكيف ستصمُتُ غزلانُ (وَجْرَةَ)،
إن سمعتْنا مع الكاس نهذي،
لنشوي على التلِّ أضلاعها وتلافيفها والصدورْ
على التلِّ يعلو دخانُ النذورْ.
مقيمٌ هنا ﻓﻲ انتظارِك ﻓﻲ غابةٍ من سماء الغدير
قليلٌ من العشبِ، تأتي إليك مع الحَدْسِ غزلانُ وَجْرةْ
وحتى تُدَقُّ المساميرُ ﻓﻲ النعشِ،
لا تزعجوا الشعراءْ
دعوني على زقِّ خمر، أنامُ وخلّوا يدي تحمل الكاسَ،
حتى تُطاولَ رأس المجرّةْ
ولا تطلبوا الثأر يا آل حُجْرٍ ... فإنّي
قتيلُ العذارى وكأسٍ من الراحِ،
ﻟﻢ أدخل الحرب مَرَّةْ!!!

لو كان يسأل ما الدَّوا
من خمرتي ... داويتُهُ.
يا ساكناً سِقْطَ اللِّوى
قُربَ اليمامةِ بيتُهُ.

الخيرُ ينتظمُ البلاد: (بلاد كنعان) السخيّةْ
من بَعْدِ أعوامٍ عِجافْ
عادتْ إليك مزارعُ التفّاح من فرحٍ صبيّةْ
كانت على النبع الذي أحببتَهُ،
بعُصارةِ الحنّاءِ تصبغُ وجهَها ... تُسقى السُلافْ
وتنام حتى تحرق الشمسُ الصباحيةْ
خَدَّ البُنيَّةْ.
تبكي على خلٍّ مضى،
نسيتْهُ ، فاختطفتهُ منها النائحات
يا حلوتي: جسدٌ ... وفات
فوق الأكفِّ ﻭﻓﻲ النعوش العابرات
فلتعبري نحو ابتهاجات الحياة.
يا ساكناً جبل الخليلْ
جَهِّزْ سلاحكَ من عَلِ
وامددْ ذراعكَ للجليلْ
يشتاقُ قلبُ الكرملِ
وبكيت فوق الجسر بين القدس، فالوادي السحيقْ
وصرختُ من يأسي، ومن طول السفرْ
لو مات فارسك المجيد ومات ناطور الشجر
فادفِنْ عظامي، يا حبيبي، تحت كرمتنا، على الجبل العتيقْ
تتعتَّقُ الأيامُ والأعوامْ
ويسحّ ﻓﻲ الشام المطر
تنمو، وتخضرُّ العظامْ
فادفِنْ عظامي ... وانتظرْ
يوماً من الوادي، شُروقي
إنّي لأخشى الموت ﻓﻲ المنفى ... فَمَنْ
يروي عُروقي؟!
لو كان مَشْدودَ الفؤاد لما انكسر
لو كان يهذي للرياح
لو كان رَفْرافَ الجناح
لو كان كأسك فيه وعدٌ أوْ غيومْ
واجِهْ رمالَ العاصفة
يا أيها المطرودْ
احذرْ غيومَ الخمر يا هذا
وَمَسْعاكَ القديمْ.
* * *
أتاني، أتاني، أتاني
وَحقِّ يغوثَ، أتاني
وخبأتِ عنّي طويلاً ... وما خبَّأ الأصدقاء
أيا حُجْرُ ... واخَجَلي منك، واخجلي،
حين جاء النبأْ
قضيتُ الليالي،
أفرّق بين الصواب ... وبين الخطأْ
ولا زادَ ﻓﻲ جَعْبتي
غيرُ ما صنعتْهُ يدي الآثمهْ
وما أرسَلتْهُ مع الفجر ﻟﻲ فاطمة
تقول: انتصرْ لأبيكَ، انتصرْ لأبيكْ.
سأشربُ حتّى ولو كانت الكأسُ مُرَّةْ
فمن أجل غزلان وَجْرةْ
غداً أدخل الحرب أوَّلَ مَرَّةْ
رحلتَ وحمَّلتَني عبء هذا النبأ.
رحلتَ وحمَّلتني عبءَ هذا الفراقْ
رَحَلْتَ وحمَّلتَني عبءَ أرضٍ تريدُ العناقْ
رحلتَ وحمَّلتَني يا أﺑﻲ ما يُطاقْ،
وما لا يُطاقْ !!!

الرومُ لا يأتونْ
إلاّ إذا ظلّوا
كالرمل كالطاعونْ
ﻓﻲ العشب قد حلّوا
هل جاء مُحْتَلُّ
كي يمنح الليمونْ
لشاعرٍ مطعونْ
أصحابه مَلّوا
والروم لا يأتون
إلاّ إذا ظلّوا.
ضاع مُلكي

ﻓﻲ ذُرى رأس المُجَيمِرْ
ضاع مُلْكي، وأنا ﻓﻲ بلاد الروم،
أهذي، ثُمَّ أمشي، أَتدعثَرْ
مَنْ تُرى منكمْ يُغيثُ الملكَ الضِلِّيلَ،
يا صخر يَغوثْ
أرسل الجَمْرَ لكوخ الندماء
ضيَّعوني ... ومضوا ﻓﻲ دربهمْ
يشربون الخمر ﻓﻲ هذا المساءْ
قرب غَنْجات الإِماءْ .
ضاع مُلْكي
أكلتني الغربةُ السوداء، يا قَبْرَ عَسيبْ
جارتي، إنَّا غريبان بوادي الغرباء
أيها الوادي الخصيبْ
ربّما مرَّتْ على القبر هنا يوماً حمامة
يا حماماتِ السهوب
أَبلغي عنّي التحيةْ
قبل موتي، للحبيبْ
دارهُ السمراءُ شرقيَّ اليمامة.
رغم موتي سأغنيك ﺇﻟﻰ يوم القيامة
مُشْرِعاً صوتي وسيفي
ورصاصَ الفقراء الرائعينْ
ﻓﻲ وجوه الطامعينْ.

يا أيُّها المهزومْ
يا سيِّدَ الشِعْرِ
قُلنا: ... تخونُ الرومْ
ﻓﻲ ثوبك المسمومْ
وأنت لا تدري
وربّما تدري.
1965، القاهرة

الهوامش
1. علي مهدي زيتون، النص الشعري المقاوم في لبنان، بيروت، منشورات اتحاد الكتاب اللبنانيين، ط 1، 2001، ص 125.
2. رومان ياكوبسون، قضايا الشعرية، تر. محمد الولي ومبارك حنون، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، ط 1، 1988، ص 19.
3. علي مهدي زيتون، النص الشعري المقاوم في لبنان، ص 83.
4. صلاح فضل، نظرية البنائية في النقد الأدبي، القاهرة، مؤسسة مختار، 1992، ص 46-45.
5. سي-دي لويس، الصورة الشعرية، تر. أحمد نصيف الجنابي، بغداد، منشورات وزارة الثقافة، 1982، ص 98.
6. ترنس هوكز، البنيوية وعلم االشارة، تر. مجيد الماشطة، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة، 1986، ص 27.
7. صلاح فضل، نظرية البنائية في النقد الأدبي، ص 60.
8. علي مهدي زيتون، النص الشعري المقاوم في لبنان، ص 84.
9. ترنس هوكز، البنيوية وعلم االشارة ، ص 58.
10. مراد وهبة، المعجم الفلسفي، القاهرة، دار المأمون للطباعة، ط 3، 1979، ص 67.
11. محمد محي الدين، لغة الشعر الفلسطيني الحديث، أطروحة دكتوراه اختصاص في اللغة والعربية وآدابها من الجامعة اللبنانية، مستنسخة، 2007، ص 42.
12. كمال أبو ديب، في الشعرية، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، ط 1، 1978، ص 89.
13. محمد محي الدين، لغة الشعر الفلسطيني الحديث، ص 74.
14. D.T.Q in Emile Beveniste, Problems in General Linguistics, Coral Cables, U of Miami, 1971, p 41.
15. محمد الأسعد، بحثا عن الحداثة، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، ط 1، 1986، ص 46.
16. عدنان بن ذريل، اللغة والباالغة، دمشق، منشورات اتحاد الكتاب العرب، لا طبعة، 1983، ص 20.
17. سيد البحراوي، في البحث عن لؤلؤة المستحيل، بيروت، دار الفكر الجديد، لا طبعة، 1988، ص 21.
18. جاكبسون وآخرون، نظرية المنهج الشكلي، تر. إبراهيم الخطيب، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، ط 1، 1982، ص 55.
19. علي مهدي زيتون، النص الشعري المقاوم في لبنان، ص 236.
20. C. s. Pierce, Selected Writings, ed by Phillip Wiena, N.Y., 1985, p34
21. عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص 37-36.
22. عز الدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص 32.
23. علي مهدي زيتون، النص الشعري المقاوم في لبنان، ص 238.
24. عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص 32.
25. م. ن.، ص 34.
26. سعدالدين كليب، وعي الحداثة، دمشق، منشورات اتحاد الكتاب العرب، لا طبعة، 1997، ص 81.
27. محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري، بيروت، دار التنوير/ الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ط 1، 1985، ص 58.
28. Winfred Lehman, De-script-ive Linguistics, New York, Random House, 1976, P 20.
29. مصطفى الغلاييني، جامع الدروس العربية، بيروت، المكتبة العصرية، ط 33، 1997، ص 8.
30. سيد البحراوي، البحث عن لؤلؤة المستحيل، ص 120.
31. ناصر علي، بنية القصيدة في شعر محمود درويش، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط 1، 2001، ص 115.
32. يقال أن امرؤ القيس توفي في بقعة قريبة من جبل عسيب، بعد أن استبد به المرض. وفي هذا يقول امرؤ القيس:
أيا جارنا إنا غريبان ههنا وكل غريب للغريب نسيب
33. جان كوهان، بنية اللغة الشعرية، تر. محمد الولي، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، ط 1، 1979، ص 175.
34. عبد القاهر الجرجاني، دلائل الاعجاز، تح. رضوان الداية وفايز الداية، دمشق، دار قتيبة، ط 1، 1982، ص 95.
35. عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص 37.
36. عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية ، ص 33.
37. عبدالقاهر الجرجاني، دلائل الاعجاز، ص 79.
38. عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص 34.
39. م. ن.، ص 33.
40. تودوروف، وآخرون: المرجع والدلالة في الفكر اللساني الحديث. ترجمة وتعليق عبدالقادر قنيني، المغرب، أفريقيا الشرق، ط 2، 2000، ص 27.
41. عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص 37.
42. عدنان بن ذريل: اللغة والبلاغة. ص 55.
43. كمال أبو ديب: جدلية الخفاء والتجلي. ص 255.
44. عدنان بن ذريل: النقد والأسلوبية. دمشق، منشورات اتحاد الكتاب العرب، لا. ط، 1989، ص 207.
45. عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص 35.
46. Pierre Revenerdy, La Gant De Crin, P. 30.
47. Gaston Bachelard, La Poetique De L.espace, P U F, Paris, 1974, P. 10
48. صبحي البستاني: الصورة الشعرية في الكتابة الفنية. ص 161.
49. علي مهدي زيتون، النص الشعري المقاوم في لبنان، ص 177.
50. عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص 33.
51. م. ن.، ص 33.
52. Junathan Culler, Structralist Poetics, P. 109
53. عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص 32.
54. عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص 36.
55. عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص 34.
56. م. ن.، ص 35.
57. عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، ص 35.
58. عبدالقادر فيدوح، الاتجاه النفسي في نقد الشعر العربي، دمشق، منشورات اتحاد الكتاب العرب، لا ط، 1992، ص 8.
59. عزالدين المناصرة، الأعمال الشعرية، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط 5، 2001، ص 927، وما بعدها.

المصادر
المناصرة، عزالدين، الأعمال الشعرية، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط 5، 2001.

المراجع
أبو ديب، كمال: في الشعرية، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، ط 1، 1978.
أبو ديب، كمال: جدلية الخفاء والتجلي، بيروت، دار العلم للملايين، ط 2، 1981.
الأسعد، محمد، بحثاً عن الحداثة، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، ط 1، 1986.
البحراوي سيّد: في البحث عن لؤلؤة المستحيل، بيروت، دار الفكر الجديد، لا طبعة، 1988.
البستاني، صبحي: الصورة الشعرية في الكتابة الفنية، بيروت، دار الفكر اللبناني، ط 1، 1986.
بن ذريل، عدنان: اللغة والبلاغة، دمشق، منشورات اتحاد الكتاب العرب، لا طبعة، 1983.
بن ذريل، عدنان: النقد والأسلوبية. دمشق، منشورات اتحاد الكتاب العرب، لا ط، 1989.
تودوروف، وآخرون: المرجع والدلالة في الفكر اللساني الحديث. ترجمة وتعليق عبدالقادر قنيني، المغرب، أفريقيا الشرق، ط 2، 2000.
الجرجاني، عبدالقاهر: دلائل االعجاز، تح. رضوان الداية وفايز الداية، دمشق، دار قتيبة، ط 1، 1982.
دي لويس، سي: الصورة الشعرية، تر. أحمد نصيف الجنابي، بغداد، منشورات وزارة الثقافة، 1982.
زيتون، علي مهدي: النص الشعري المقاوم في لبنان، بيروت، منشورات اتحاد الكتاب اللبنانيين، ط 1، 2001.
جاكبسون وآخرون، نظرية المنهج الشكلي، تر. إبراهيم الخطيب، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، ط 1، 1982.
جاكبسون، رومان: قضايا الشعرية، تر. محمد الولي ومبارك حنون، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، ط 1، 1988.
علي، ناصر، بنية القصيدة في شعر محمود درويش، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط 1، 2001.
الغلاييني، مصطفى: جامع الدروس العربية، بيروت، المكتبة العصرية، ط 33، 1997.
فضل، صلاح: نظرية البنائية في النقد الأدبي، القاهرة، مؤسسة مختار، 1992.
فيدوح، عبدالقادر: الاتجاه النفسي في نقد الشعر العربي، دمشق، منشورات اتحاد الكتاب العرب، لا ط، 1992.
كليب، سعدالدين: وعي الحداثة، دمشق، منشورات اتحاد الكتاب العرب، لا طبعة، 1997.
كوهان، جان: بنية اللغة الشعرية، تر. محمد الولي، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، ط 1، 1979.
محي الدين، محمد: لغة الشعر الفلسطيني الحديث، أطروحة دكتوراه اختصاص في اللغة العربية وآدابها من الجامعة اللبنانية، مستنسخة، 2007.
مفتاح، محمد: تحليل الخطاب الشعري، بيروت، دار التنوير/ الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ط 1، 1985.
هوكز، ترنس: البنيوية وعلم االشارة، تر. مجيد الماشطة، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة، 1986.
وهبة، مراد: المعجم الفلسفي، القاهرة، دار المأمون للطباعة، ط 3، 1979.

المراجع الأجنبية
C. s. Pierce, Selected Writings, ed by Phillip Wiena, N.Y., 1985.
Winfred Lehman, De-script-ive Linguistics, New York, Random House, 1976.
Pierre Revenerdy, La Gant De Crin, Paris
D.T.Q in Emile Beveniste, Problems in General Linguistics, Coral Cables, U of Miami, 1971.
Gaston Bachelard, La Poetique De L.espace, P U F, Paris, 1974.
Junathan Culler, Structralist Poetics.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,390,169,621





- التنديد بالوضع -اللاإنساني الخطير- السائد في مخيمات تندوف أم ...
- السلفادور تبلغ غوتيريش رسميا بسحب اعترافها بـ-الجمهورية الصح ...
- الانتقاد الفني التشكيلي باللون والشكل والمعنى
- وقفة مع..عقيل مهدي وسيرة مسرحية في ملتقى الخميس
- كاريكاتير العدد 4451
- كاريكاتير العدد 4452
- أيام قرطاج السينمائية، كنتُ أتمنى أن تطول شهوراً
- درّة: أنا الفنانة الوحيدة التي لم تخضع لجراحة تجميل
- الثقافة تعلن عزمها على ترشيح موصل 980 للمشاركة بجوائز الأو ...
- كاريكاتير العدد 4453


المزيد.....

- مسرحيات (برنارد شو) توجهات لتوعية الإنسان / فواد الكنجي
- الملاكم / معتز نادر
- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعيمة محمد شكر - البعد المقاوم في شعر عزالدين المناصرة قصيدة (قفا... نبك) نموذجا