أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مسار غازي - الموازية النصية في رواية بوصلة القيامة للروائي العراقي -هيثم الشويلي-















المزيد.....


الموازية النصية في رواية بوصلة القيامة للروائي العراقي -هيثم الشويلي-


مسار غازي
الحوار المتمدن-العدد: 5876 - 2018 / 5 / 18 - 13:29
المحور: الادب والفن
    


النص الروائي هو النص الأدبي الأقدر على التقاط الأنغام المتباعدة ،المتنافرة المركبة، المتغايرة الخواص لإيقاع عصرنا ورصد التحولات المتصارعة في الواقع الراهن.ذلك أنه من النصوص الأدبية التي تتمتع بفضاء واسع قادر على استيعاب كل ما يتصل بحياة الإنسان وبفكره من تاريخ ودين وسياسة وثقافة وفلسفة وأسطورة ، ما يجعله فسيفساء من تلك الحقول المتجاورة والمتداخلة والمنسجمة رغم تعارضها أحيانا ويجعلها في الوقت نفسه فنا أدبيا مهيمنا على المرسل والمتلقي معا(1).والنص الروائي يُدرس في مستويين .
المستوى الأول : يجسده النص الرئيسي الذي يشكل مادة الكتاب وموضوعه وله عدة عناصر تميزه عُني النقاد بدراستها أهمها عنصر السرد ولغته والزاوية التي يرى الراوي بوساطتها الأحداث والزمن في بعديه من حيث زمن القص وزمن الوقائع ، والوصف المتعلق برؤية المبدع للأماكن والأشياء وأنماط الشخصيات التي تتحرك في المكان والزمان والموقف من هذه الشخصيات وغيرها من عناصر المتخيل السردي(2).
أما المستوى الثاني فيتمثل بالموازية النصية (Le Paratexte) وهي الخطاب الأدبي المواكب الذي يصاحب كل نص(3).فالنص في الواقع لا يمكن معرفته وتسميته إلاّ بمناصه ذلك أنَّ العمل الأدبي بصورة عامة والروائي بصورة خاصة يكمن بصورة شمولية أو جوهرية في نص ما بمعنى "التعريف في حده الأدنى" في متتالية طويلة إلى حد ما من ملفوظات لفظية ذات دلالة إلى حد ما .على أن هذا المعنى نادرا ما يقدم ذاته في حالة عارية بدون دعم ومصاحبة عدد ما من الانتاجات التي تكون عينها لفظيه أو غير لفظية مثل اسم المؤلف والعنوان ، والتمهيد ، والتوضيحات ، والتي لا نعرف دائما ما إذا كان يتعين علينا أو لا يتعين اعتبارها منتهية إليه ، لكنها على أية حال تحوط به وتمدده من أجل تقديمه بالمعنى العادي للتقديم ، ولكن أيضا بمعناه الأشد قوة ، من أجل جعله حاضرا، وتأكيد حضوره في العالم و"تعليقه" واستهلاكه فيصورة كتاب كما يبدو لنا اليوم على الأقل هذه المصاحبة ،أي مصاحبة الاتساع والوتيرة تشكل(...)النص الموازي للعمل الادبي .من ثمة فالمناص هو ما يجعل من الكتاب كتابا ، ويقترح نفسه على هذا النحو للقراء وبشكل عام على الجمهور(4) فالموازية النصية هي تلك العناصر الموجودة على حدود النص ، داخله وخارجه في آن تتصل به اتصالا يجعلها تتداخل معه إلى حد تبلغ فيه تعين استقلاليته ، وتنفصل عنه انفصالا يسمح للداخل النصي ، كبنية وبناء أن يشتغل وينتج دلالته (5).
وتؤدي الموازية النصية وظيفتان، وظيفة جمالية تتمثل في تزين الكتاب وتنميقه ، ووظيفة تداولية تكمن في استقطاب القارئ واستغرائه(6). وبهذا فهي تمدنا بزاد ثمين لتفكيك النص ودراسته (7) ،فالفضاء العلاماتي ليس سديما أو عماء ، إنه الأيديلوجيا التي اختارت ظاهرة أو شيئا لتلعب دور الدال الذي ينظم عالم الفكرة المتعمية غير المحددة التفاصيل والحدود ، وعندما يستخدم هذا الدال ليوحي للمتلقي دون أن يحدد الدلالة بصورة مباشرة ، يتحول هذا الواقع إلى فضاء أو سديم دلالي ، تاركا لذات قادرة على الابداع ( المتلقي النموذجي) تحفيز الدال وتوجيهه ليقوم بمهنته في استنكاه المدلول ، وكشف مخبوءاته(8).
فالموازية النصية ليست حلية أو زينة بل هي خطاب مُفَكر فيه من قبل المؤلف وهو المفتاح الأول الذي يمكن للمتلقي بوساطته سبر أغوار النص لذلك أصبح اهتمام النقاد والكتاب به على السواء لوعي اهميته، ولاسيما اختيارهم عناوينهم التي أصبحت تكسر هيمنة العنوان الحرفي الشمولي وتؤسس بدلا منه عناوين تلميحية ،وكما أنهم التفتوا أيضا إلى صور أغلفتهم واهداءاتهم ومقدماتهم وعناوينهم الداخلية(9).
وبوصلة القيامة من النصوص الروائية التي لاقت عناية فائقة من لدن كاتبها منذ أن تقلد عنوانها باللون الأسود قلب صفحة بيضاء الى جوار أسمه. الحاصلة على المركز الثاني لجائزة الشارقة للعام 2014م ، ولد كاتب الرواية هيثم جبار عبد علي طاهر الشويلي في مدينة الكوت من العام( 1974م) وهو حاصل على بكالوريوس في الرياضيات ، عضو في العديد من النقابات والاتحادات الثقافية والأدبية ، له مؤلفات عديدة بين منشورة مثل مجموعة قصصية بعنوان(للحب وجه آخر) وقد حصدت قصته (وشم في ذاكرة الأجيال) المركز الأول في مسابقة "محمد شمسي" عام 2008م ، ورواية (اعترافات شبه مشبوهه) ، ومؤلفات مازالت قيد النشر.
والروائي الشويلي من أصحاب الرؤيا التي تنظر إلى الواقع بوصفه صيرورة إنسانية قابلة للتشكل في نص أبداعي وهو ما تكشف عنه (بوصلة القيامة) التي اختطت بوصفها عنوانا باللون الأسود الداكن ليتوسط صفحة بيضاء وان لم تكن الصفحة خالصة البياض ومفارقة اللون هذه تمنح العنوان بعدا ايحائيا علاماتيا يدخل المتلقي في حيرة من أمره منذ البداية في محاولة لاستنكاه دلالاته وفك غموضه.
بوصلة القيامة بوصفها عنوانا سيميائيا يجسد أعلى اقتصاد لغوي مغرٍ تتسع دلالاته ، والعنوان بوصفه بنية لها دلالاتها الخاصة ثمة حق للمتلقي في التساؤل عن مكنوناته ، وبتعبير "امبرتو ايكو"العنوان قاعدة عليها أن ترن دائما وتخلخل الأفكار لدى المتلقي(10) بحسب معرفته وثقافته، وتختلف افق التوقع من شخص لآخر فمن كان ذا معرفة ودراية بالواقع العراقي وما عايشه أبنائه على مدى خمسٍ وثلاثين عاما سوف ينصرف ذهنه إلى أن اللون الأسود الذي وسم به العنوان ما هو إلا علامة سيميائية أراد بها الروائي الحياة الصعبة القاسية حياة الحروب والدمار والسجون والموت بكل تفاصلها وآلامها. حياة سوداء وزمن أسود خط على صفحة بيضاء ،فتوسط الشويلي بالوصلة لتكون وسيطا سيميائيا يوصلنا إلى أن العراقيون يؤسسون إلى قيامات جديدة متعددة غير القيامة الإلهية ، قيامة الحرب العراقية الإيرانية ، وقيامة المقابر الجماعية، وقيامة الحصار الاقتصادي، قيامات سُيق إليها الإنسان العراقي مرغما،ومكرها لها وهي تفتقر إلى كل بواعث الرحمة والعدالة.
على حين سينصرف من كان جاهلا بحال العراق والعراقيين إلى أن لفظة (القيامة ) لا تستحضر سوى ذلك اليوم الموعود الذي تنتظره الإنسانية لينال كل ذي حق حقه بمنتهى الحق والأحقية الإلهية.
فالروائي لم يضع عنوانه اعتباطا بل تقصد من ورائه مزيدا من الدلالات والأضاءات التي تساهم في فك رموز نصه سواء أكان ذلك في صياغته أم تركيبه أم في دلالته وتعالقه بالنص اللاحق.
تحملنا بوصلة الشويلي للولوج في حياة طفل يعاني من السوداوية والمرارة وتبدأ هذه السوداوية منذ أن كان نطفة في رحم أمه ليبدأ السرد في صراع بينه وبين أمه داخل الرحم، ويستنبت الكاتب سرده الروائي بطريقة المزج بين ما هو أدبي تخييلي وبين ما هو واقعي وهذا مرده إلى أن الروائي لا يخرج عن أطار مجتمعه بل هو فرد من أفراده ومن هنا اجتمعت الفلسفة مع البيئة فتكون لنا هذا الفيض المملوء بالأحاسيس التي ترتبط بالألم والأمل ، ذلك أن النص الروائي ما هو إلا معطى جمالي فني يحمل في جسده كما من الفيض الدلالي اللغوي وكما من المحمولات العاطفية المشحونة بالبيئة فيأتي الإبداع وفقا لتصور ما تمليه مخيلة المبدع (مقدس/مدنس) والشويلي لا يخرج عن هذا الإطار فقد واجه المتلقي بإحداث خلخلة في ذهنه تلك المفارقات فحاول تصوير ذلك الواقع المتهرئ بل قام بفضح كل الممارسات اللاإنسانية والعقوبات التي كانت تقام سرا بحق الإنسان العراقي فجمع الروائي بين ما هو مدنس( السلطة) وبين ما هو مقدس( الشعب)، فجاءت الأحداث وقد نسجت بطريقة موجعة صادمة للمتلقي صياغة ومعنى بنسيجٍ آسر متجرد من كل الأنماط التقليدية منذ الوهلة التي بدأ قلم الروائي يخط كلمات حكايته على ورقة السارد بطل روايته وهو ما زال نطفة في رحم أمه وقد أضفى عليه صفات الفهم والإدراك لكل ما يدور حوله وما يعانيه والديه من مصائب ومحن وكيف بدأ يتفاعل معهما ويصف وجوده في رحم أمه ونبؤته بأن الحياة ليست عادلة معهم.
بدأ السارد / البطل سرد الأحداث كاملة قبل أن يشق الظلام إلى ظلام أوسع خارج رحم أمه ، فيهله بمطاردة والديه من قبل أزلام النظام الشمولي الحاكم آنذاك ، والملفت للنظر هو تكلمه وسرده للأحداث وكأنه يعيش فيها ويعرف كل ما يجري لوالديه ومن ثم ينقلنا الروائي إلى شخصية (أحمد جبار عبد عطيه ) بعد الولادة ليتولى هو مهمة السرد ونقل قصة مرضه وكيفية تعلق والدته به ولكن نظرا للخطر المحدق بوالديه من قبل السلطة الفاشية تُرك (أحمد ) عند القابلة (سهيلة) التي أبصر الوجود على يديها لينمو بعدها طفلاً مريضاً، وصبيا يافعا، وشابا معدما، وسجينا ، ومتشردا ، لتعزف الغربة أخر ألحانها في معزوفة وجوده .وكأننا بهذا النمو في حياة أحمد نلتمس نمو الابداع الذي ولد بفكرة في ذهن الروائي بألم ويتواتر بكلمات ألم حتى يخلق كإبداع . هي عينها مراحل نمو الجنين في رحم المرأة بعد ألم ومخاض بألم ليولد بألم موعود بالحياة.
ولم يكتف الشويلي في اختراقه المألوف من السرد عند حدود ظاهرة السارد بل يتعداها إلى تلاعبه بقضية هامة آلا وهي قضية الحياة والموت فكان يتتبع الحدث بنكهة الألم ليفارقه في كل مرة فتنتهي أزمة بطله أحمد بالحياة . أحمد الذي شق الألم الطريق إليه منذ أن شق جدار رحم والدته ليلاقي مصيره الذي بات ينتظره مع والديه اللذان كانا يرزحان تحت وطأة المطاردة من قبل رجال الأمن بتهمة الانتماء إلى احزاب معارضة لنظام الحكم القائم حينها والعمل ضده (( وقد اشتد المخاض بوالدتي التي بدأت تصارع طلقات الولادة في وضح النهار... كانت أمي تصارع الألم وأنا أحاول أن اضج منتفضا عليها ، لم أكن فضوليا لهذه الدرجة الكبيرة لأحاول استراق بصيص أمل لأرى النور...كان أبي يطلب من أمي الصبر حتى غروب الشمس لئلا يقعان فريسة سهلة بيد الجلادين الذين يبحثون عنهم ...يعتلي صراخ أمي ويشتد،وأنا أحاول تمزيق أحشائها شاقا طريقي باحثا عن هموم جديدة اشارك فيها أبي وأمي واشاطرهما الهم والحزن...كان أبي يتوسل بالزمن أن يتقدم بأسرع من الضوء ، وهو ينتظر قدوم الليل أكثر مني))(11)، ويمضي احمد في حكايته التي هي في الواقع تمثل حكاية جميع العراقيين ولا سيما الجنوبيين منهم وهم يرزحون تحت نير السلطة الحاكمة المستبدة ظلما وجورا بحقهم في الحياة على مدى خمسٍ وثلاثين عاما. يمضي احمد في بيان حال والدته قبل وبعد الولادة في ظل أجواء الرعب والخوف التي يعيشانها وكيف انه سيولد ويترك عند امرأة اخرى غريبة عنه من جهة الدم والنسب لكلا الأبوين لتصبح بعد حين أمه بالتبني التي تغدق عليه بحبها وعطفها وحنانها كأمه (سعاد) التي كانت سبب تواجده في هذه الحياة ،وقد حمَلّته سهيلة اسم اخيها (جبار عبد عطيه) بصفة أب له لتستطيع ان تسجله في الدفاتر الرسمية لتمنحه هويته الضائعة كحال معظم ابناء جلدته ،فيعيش بهوية اب لا يحس بالانتماء إليه وهذا ما يكشف عنه تساؤله المتكرر على أمه سهيلة من أنا؟((وفي يوم من الأيام حينما كنت فرحاً تاركا خلف ظهري كل أحزاني ، وراكلا بقدمي كل ضبابيتي ،وكالمعتاد نخرج لنلعب أثناء الدروس الشاغرة أو الفرصة ما بين الدرسين الأولين، توجه أحدهم شاتما لي، أيها الغريب لا تلعب بعد اليوم معنا ، ولم أكن أعرف ما فحوى هذه الكلمات التي تلفظ بها ، وأردف قائلاً : ابحث عن أبيك وعائلتك ولا تعد مرة أخرى لتنغص علينا ساعة فرحنا ....يا ترى هل ما تحدث به الطالب كان صحيحا...من أنا؟))(12)هذا السؤال الذي لم يحظى بأجابته إلا بعد أن بلغ منه ألم الحرمان سنينا.
أحمد وهو يتداول هذا السؤال وغيره ومما يخالج روحه من توق لإيجاد هويته الضائعة تتحرك شخصيته ويتحرك معها السرد بأسلوب شيق يثير الرغبة عند المتلقي بمتابعته للأمساك بالتفاصيل الدقيقة لهذه الشخصية التي هي في الواقع تجسيد دقيق لشخصية الفرد العراقي الذي عاش مضطهدا على مدى عقود طويلة، حرم من أبسط حقوقه في حياة حرة كريمة . كيف له ذلك وهو يزج في حروب ليس له فيها ناقة ولا جمل سوى أرضاء غرور النظام المتعطش لإراقة دماء الابرياء ولا سيما الحرب مع ايران ، وحرب الكويت ليدفع ضريبتها أجمل سنين عمره وهو يعاني الفقر والعوز طيلة سنوات الحصار الاقتصادي الذي كان ثمرة تلك الحروب ، ليكون الهروب من جحيم الوطن إلى جحيم الغربة كحال معظم أبناء وطنه هو الخيار الوحيد الذي لا ثاني له ولاسيما بعدما لاقاه من حياة السجون والتعذيب الطاغي والمميت في التاجي وخانقين ، ومديرية الأمن العامة والحاكمية وسجون أبي غريب التي عبر عنها أحمد بقوله(( ما كنت أتوقع أني سأخرج على قيد الحياة بحسب التهم الموجه لي ، لأن عميلا لي كما يقولون هم بالتأكيد مصيره الإعدام لا محالة ...ولم أصدق إنني سأنجو من الموت إلا بعد أن حكم علي القاضي بالسجن لسنين ثلاث))(13) .
وتتيح الحياة لأحمد أن يحظى بفرصة السفر خارج أسوار القهر والتعذيب والعوز والفقر بجواز سفر مزور بأسم (حميد حسن قاسم ) إلى الأردن وقد تمكن من الحصول على عمل فيها لينعم براحة مؤقتة ويبدأ على أثرها بإرسال المال إلى أسرته الساكنة في أهوار الجبايش اطراف مدينة الناصرية ((كنت أبعث رسائلي والأموال لأمي سهيلة في بغداد لتوصلها إلى أهلي في الأهوار الذين انهكهم الفقر والعوز والحرمان )) (14).كل ما عاشه أحمد من ألم وفقر وعوز هو وعائلته حتى بعد مغادرته ارض الوطن شكل صورة واحدة هي تلك الصورة السوداوية التي هيمنت على مجريات السرد الروائي الذي جاء مثقلا بعبارات الحزن والمرض والمطارة والتشرد والخوف والرعب ورائحة الدم هيمنة تامة، وحتى بعد خروجه من السجن في العام 2003م تلك اللحظة التي كان من الممكن أن تكون مبعث فرح في نفسه ذلك أن الشكوك بعدم مصداقيتها كانت قد تمكنت منه ((كنت حتى اللحظة أشعر بالخوف ، لأن ثمة أحساسا غريبا كان يراودني بأننا سنجمع كلنا سويا في قبر واحد انفتحت الأبواب كلها ، السجون الثقيلة والخفيفة بما في ذلك السجن الخاص ، وخرجت من باب السجن اتلفت يمينا ويسارا، لم تراودني لحظة صدق وقتها أبداً)) (15).
وإذ ما أردنا أن نستوعب مضمون عمل فني تشكيلي، استخدمت فيه الفرشاة والألوان والخطوط والأشكال ، ولكن إذا كان العمل الفني هو نص مكتوب وبدئ بعتبة غلافه برسم تشكيلي فأننا أمام تساؤل مهم لا مناص منه ألا وهو هل الرسم يعطينا مضمون النص؟ أم أن النص المكتوب هو الذي يعطي معنى للرسم؟ الغلاف هو ((أول ما يواجه القارئ قبل عملية القراءة والتلذذ بالنص.لأن الغلاف هو الذي يحيط النص الروائي، ويغلفه ويحميه ، ويوضح بؤره الدلالية من خلال عنوان خارجي مركزي أو عبر عناوين فرعية تترجم لنا أطروحة الرواية أو مقصديتها أو تيمتها الدلالية العامة . وغالبا ما نجد على الغلاف الخارجي أسم الروائي وعنوان روايته وجنس الإبداع وحيثيات الطبع والنشر علاوة على اللوحات التشكيلية وكلمات الناشر أو المبدع أو الناقد تزكي العمل وتثمنه إيجاباً وتقديماً وترويجاً))( 16).
وبالنظر إلى رواية (بوصلة القيامة) نجد أن الخطوط والأشكال والألوان على غلافها لم تكن مجرد رسوما حدد معناها النص المكتوب فقط ، بل حملت الكثير من مضامين الرواية وهذه الحالة من الانسجام بين الغلاف والنص يخلق حالة ايجابية عند القارئ ويفك التشفير الذي ميز نص الشويلي.اللوحة تجمع بين نغمتي الألوان الحارة النارية المتواترة المتمثلة باللون الأحمر و الأسود واللون الصافي المتمثل باللون الأبيض لتخرج بذلك دلالات الألوان عن مألوفها ، فيمتزج طهر الأبيض وصفاؤه وقداسته بالحرية الرامز إليها انتشاره الواسع في أرجاء الصورة ويتعانق في الأحمر الدماء - دماء الأبرياء التي كانت تراق على يد النظام الشمولي الصدامي دون رحمة - مع الحزن في اللون الأسود الذي يعكسه الإضطراب الخفي في درجاته ، وهذا التعانق اللوني في اللوحة (( يحمل رؤية لغوية ودلالية بصرية .ومن ثم يتقاطع اللغوي المجازي مع البصري التشكيلي في تدبيج الغلاف وتشكيله وتبئيره وتشفيره))( 17 ) فجاء مكتنزا بمشاعر وأحاديث وأدوات تحريك منسجمة متقابلة تنافس الكلمات على أستنطاق الواقع واستحضار حقبة زمنية معينة وتفعيل الذاكرة على مختلف المستويات .
وعلى الرغم من أن النص كان يخلو من العنوانات الفرعية لعل هذا مرده أن الروائي أراد أن تأتي ألاحداث متواصلة ومنسجمة ومنسابة كإنسياب الوجع والقهر والعوز في حياة أحمد . لكنها لم تخلو من الاقتباسات بين طياتها. كإقتباسه بعض السور القرءانية ومنها قوله على لسان والده وهو يخاطب أمه (سعاد) ليصبرها على تحمل ألم المخاض ((أن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين))( 18) فكما أن الله سبحانه وتعالى ((ابتلى مريم واصطفاها بالمسيح ...ابتلاك أنتِ أيضاً بــ (أحمد) )) (19) ، ومن المقتبسات الأخرى التي أثرت الوقوف عندها أقتباسه للعبارات التنويرية التي توضع عند مفارق الطرق منها ((محافظة ذي قار ترحب بكم)) (20) التي وطأتها عينا أحمد وهو ذاهب للقاء بأسرته في قضاء الجبايش والحصول على هويته التي فقدها مرغما وهو مازال نطفة في رحم الحياة، وكأننا بالروائي يريد توثيق علاقة القارئ بالنص كما هي علاقة أحمد بأهله الجنوبيين ، وكذلك اقتباسه ((مواجهو سجن أبي غريب ))(21) التي نقشت على ختم (سجن أبي غريب) التي تمثل ترميز شفيري لمرحلة صعبة ومهمة في حياة أحمد وهي مرحلة السجن وما لاقاه من تعذيب وألم وظلم كما هو حال جميع السجناء أنذاك.وهذا الحوار النصي بين نص الروائي والنص المقتبس لم يأتي به الروائي ليشغل حيزا جماليا في النص أو ليستعرض بوساطته أطلاعه الواسع وقراءته التي تؤكد ثقافته المتنوعة، إنما مثل جدالا خلاقا وتوترا ايجابيا لتتمكن الصورة التي يقصدها النص من ذهن المتلقي.
وأخيرا نخلص إلى أن الشويلي يتمتع بقدرة كبيرة على التعامل مع الموازية النصية واستطاع أن يوظفها في خدمة النص توظيفا مبنيا على قصدية محكمة قائمة على قراءة راكزة مما دلل على ثقافة واسعة تميز بها الروائي هيثم الشويلي بين الروائيين العراقيين المعاصرين وقدرة كبيرة على الإستعارة من تلك الموازية بما يخدم النص لأن عتبة الغلاف والعنوان والمقتبسات التي أكدت أهمية الموازية النصية وأنها ذات فائدة جمة تسهم في فهم النص والتحليل وتقربه إلى ذهن القارئ ليفك شيفراته وطلاسمه.
الهوامش:
1- المرأة في الرواية الفلسطينية (1985-1995)، حسان رشاد الشامي ، منشورات اتحاد الكتاب العرب،دمشق ،1998م.:15
2- شعرية الرواية: فانسون جوف ، ترجمة لحسَن أحمامه،دار التكوين ، دمشق، ط1، 2012م:44-73
3 - م.ن:20
4- Gerad Genatte,Seuils,Paris,Ed.du.seuil,coll,poctiaue,1987,p:7
5- الشعر العربي الحديث بنياته وإبدالاتها ،1،التقليدية، محمد بنيس، دار توبوقال، الدار البيضاء، المغرب،ط1، 1989م.:76
6- عتبات النص الروائي في رواية المجوس لإبراهيم الكوني، أ.أمنة محمد الطويل، مجلة الجامعة ،مج3،ع16، 2014م.:51.
7- دينامية النص، محمد مفتاح ،المركز الثقافي العربي، بيروت ط1، 1990م.:72.
8- العنوان وسيموطيقيا الاتصال الادبي، محمد فكري: الهيئة العامة المصرية للكتاب ، القاهرة ،1998م.: 9
9 -السيموطيقيا والعنونة جميل حمداوي ، مجلة عالم الفكر ، الكويت ، مج25، ع 34، 1997م:107
10- النص الموازي للرواية (استراتيجية العنوان)، شعيب حليفي، الكرمل، بيسان للصحافة والنشر، قبرص،ع 46، 1992م.:82.
11- رواية بوصلة القيامة:.
12- م.ن:57.
13 - م.ن : 125.
14- م.ن : 125.
15 - م.ن : 125.
16- السيموطيقا والعنونة:107.
17- م.ن: 107
18-سورة آل عمران :42
19- رواية بوصلة القيامة :7
20- م.ن:51
21-م.ن:72





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,008,088,284
- الدين بجانبه المظلم -داعش- وتمثلاته السردية في رواية (سبايا ...


المزيد.....




- السيناتور الأمريكي الجمهوري غراهام: تساورني الشكوك حيال الرو ...
- ترامب: الرواية السعودية عن وفاة خاشقجي جديرة بالثقة
- السيناتور الأمريكي الجمهوري غراهام: تساورني الشكوك حيال الرو ...
- اللجنة الأوروبية للديموقراطية من خلال القانون تشيد بإصلاحات ...
- مهرجان الفيلم الأوروبي الأول ينطلق بالدوحة
- فايا السورية أول مطربة عربية تدخل موسوعة غينيس للأرقام القيا ...
- -ليل خارجي-.. فيلم مصري يكشف فساد السينما
- -افتح ياسمسم-... وفاة الفنان السوري توفيق العشا
- بالفيديو.. عمرو دياب ينفعل على الجمهور خلال حفل في مصر
- السياحة الإيكولوجية.. طريقة جديدة لقضاء العطلة والإجازات


المزيد.....

- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مسار غازي - الموازية النصية في رواية بوصلة القيامة للروائي العراقي -هيثم الشويلي-