أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - راندا شوقى الحمامصى - وحدةُ العالمِ الإنساني 2-2















المزيد.....

وحدةُ العالمِ الإنساني 2-2


راندا شوقى الحمامصى

الحوار المتمدن-العدد: 5859 - 2018 / 4 / 29 - 05:26
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


منذ أكثر من ستين عاماً خاطب حضرة بهاء الله في لوحِ الملكة فيكتوريا جمهورَ حكامِ أهلِ الأرض بقوله العظيم :
" تَدَبَّرُوا وَتَكَلَّمُوا فِي ما يَصْلُحُ بِهِ العالَمُ وَحالُهِ .....فَانْظُرُوا العالَمَ كَهَيْكَلِ إِنْسانٍ إِنَّهُ خُلِقَ صَحِيحاً كَامِلاً فَاعْتَرَتْهُ الأَمْراضُ بِالأَسْبابِ المُخْتَلِفَةِ المُتَغايِرَةِ وَما طابَتْ نَفْسُهُ فِي يَوْمٍ بَلْ اشْتَدَّ مَرَضُهُ بِما وَقَعَ تَحْتَ تَصَرُّفِ أَطِبَّاءَ غَيْرِ حَاذِقَةٍ الَّذِينَ رَكِبُوا مَطِيَّةَ الهَوَى وَكَانُوا مِنَ الهَائِمِينَ، وَإِذا طابَ عُضْوٌ مِنْ أَعْضائِهِ فِي عَصْرٍ مِنَ الأَعْصارِ بِطَبِيبٍ حاذِقٍ بَقِيَتْ أَعْضاءٌ أُخْرَى فِي ما كَانَ..." 14

وأيضاً في نفس اللوح يتفضل بقوله الجليل:

"...إِنَّا نَرَاكُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ تَزْدادُونَ مَصَارِفَكُمْ وَتُحَمِّلُونَها عَلَى الرَّعِيَّةِ إِنْ هذا إِلاَّ ظُلْمٌ عَظِيمٌ، اتَّقُوا زَفَرَاتِ المَظْلُومِ وَعَبَرَاتِهِ وَلا تُحَمِّلُوا عَلَى الرَّعِيَّةِ فَوْقَ طاقَتِهِمْ ....أَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ إِذاً لا تَحْتاجُونَ بِكَثْرَةِ العَساكِرِ وَمُهِمَّاتِهِمْ إِلاَّ عَلَى قَدْرٍ تَحْفَظُونَ بِهِ مَمَالِكَكُمْ وَبُلْدَانَكُمْ..... أَنِ اتَّحِدُوا يا مَعْشَرَ المُلُوكِ بِهِ تَسْكُنُ أَرْياحُ الاخْتِلافِ بَيْنَكُمْ وَتَسْتَرِيحُ الرَّعِيَّةُ وَمَنْ حَوْلَكُمْ .... إِنْ قَامَ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَلَى الآخَرِ قُومُوا عَلَيْهِ إِنْ هذا إِلاَّ عَدْلٌ مُبِينٌ." 15

"إِنَّ المغزى الذي يكمنُ في هذه الكلماتِ الخطيرة هو أَنَّها تشير إٍلى أَنَّ كَبْحَ جِماحِ المشاعرِ المتعلقةِ بالسّيادة الوطنيّة المتطرِّفة أَمرٌ لا مناص منه كإجراءٍ أوَّلي لا يمكنُ الاستغناءُ عنه في تأسيسِ رابطة الشّعوب المتّحدة التي ستَنْتَمي إليها مُستقبلاً كلُّ دولِ العالم. فلا بُدَّ من حدوث تطورٍ يَقودُ إلى قيام شَكْلٍ من أشكال الحكومة العالميّة تخضع لها عن طِيبِ خاطرٍ كلُّ دولِ العالم، فتتنازلُ لصالحِها عن كلِّ حقٍّ في شنِّ الحروب، وعن حقوقٍ مُعيَّنة في فرضِ الضّرائب، وعن كلِّ حقٍّ أَيضاً يُسمَحُ لها بالتّسلُّح، إِلاَّ ما كان منه يَكفي لأغراضِ المحافظةِ على الأمنِ الدّاخلي ضمنَ الحدودِ المَعْنيَّة لكلِّ دولة. ويدورُ في فَلَكِ هذه الحكومةِ العالميّةِ قوّةٌ تنفيذيّةٌ دوليّة قادرةٌ على فرضِ سلطتِها العليا التي لا يمكن تحدِّيها من قِبَلِ أيّ مُعارضٍ من أَعضاءِ رابطة شعوبِ الاتِّحاد. يُضافُ إلى ذلك إِقامةُ بَرلَمانٍ عالميّ يَنتخِبُ أعضاءَه كلُّ شعبٍ ضمن حدودِ بلادِه، ويَحْظَى انتخابُهم بموافقةِ حكوماتِِِِهم الخاصّة، وكذلك تأسيسُ محكمةٍ عُليا يكون لقراراتِها صِفَةُ الإِلزام حتى في القضايا التي لم تكنْ الأطرافُ المَعنيَّةُ راغبةً في طرحِها أمامَ تلك المحكمة... إِنَّها جامعةٌ عالميّة تزول فيها إلى غير رجعةٍ كلَّ الحواجزِ الاقتصاديّة ويقوم فيها اعترافٌ قاطعٌ بأنَّ رأسَ المال واليدَ العاملةَ شريكان لاغِنَى للواحدِة منهما عن الآخر، جامعةٌ يتلاشى فيه نهائيّاً ضجيجُ التّعصّباتِ والمُنازعاتِ الدّينيّة، جامعةٌ تنطفئ فيها إِلى الأبد نارُ البغضاء العرقيّة، جامعةٌ تَسُودها شِرْعَةٌ قانونيّة دوليّة واحدة تكون تعبيراً عن الرّأي الحصيف الذي يَصِلُ إليه بعنايةٍ مُمثِّلو ذلك الاتِّحاد، ويجري تنفيذُ أحكامها بالتّدخُّل الفوريّ من قِبَل مجموع القواتِ الخاضعة لكلِّ دولةٍ من دولِ الاتِّحاد. وأخيراً إِنَّها جامعةٌ عالميّة يتحوَّلُ فيها التّعصّبُ الوطني المتقلِّبُ الأهواءِ، العنيفُ الاتِّجاهات، إلى إِدراكٍ راسخٍ لمعنى المواطِنيَّةِ العالميّة – تلك هي حقّاً الخطوطُ العريضةُ لصورةِ النّظامِ الذي رَسَمَه مُسبَقاً بهاء الله، وهو نظامٌ سوف يُنْظَر إليه على أنَّه أَينعُ ثمرةٍ من ثمراتِ عصرٍ يكتمل نُضْجُه ببطء". 16

يخاطب حضرة بهاء الله أهلَ العالم بقوله العظيم :

" قَدِ ارْتَفَعَتْ خَيْمَةُ الاتِّحَادِ لاَ يَنْظُرْ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ كَنَظْرَةِ غَرِيبٍ إِلَى غَرِيبٍ. كُلُّكُمْ أَثْمَارُ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَوْرَاقُ غُصْنٍ وَاحِدٍ.... يُعْتَبَرُ الْعَالَمُ فِي الْحَقِيقَةِ وَطَنَاً وَاحِدَاً وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ أَهْلُهُ.... لَيْسَ الْفَخْرُ لِمَنْ يُحِبُّ الْوَطَنَ بَلْ لِمَنْ يُحِبُّ الْعَالَمَ. " 17

لكي لا يكـون هنـاك أدنى شـكٍ أو ريب في الهـدفِ والغايـةِ النضـرةِ لرســالةِ حضــرة بهاء الله العالمي النطاق فإن الدينَ البهائي يكون : "بعيداً عن أيّة محاولة لتقويض الأُسُسِ الرّاهنة التي يقوم عليها المجتمعُ الإنسانيّ، يسعى مبدأُ الوحدة هذا إلى توسيعِ قواعدِ ذلك المجتمع، وإعادةِ صياغةِ شكلِ مؤسّساتِه على نحوٍ يَتَناسَقُ مع احتياجات عالمٍ دائمِ التّطوّر. ولن يتعارضَ هذا المبدأُ مع أي ولاءٍ من الولاءاتِ المشروعة، كما أنه لن ينتقِصَ من حقِّ أي ولاءٍ ضروريِّ الوجود. فهو لا يستهدفُ إطفاءَ شُعْلَة المحبّةِ المتَّزنة للوطنِ في قلوبِ بني البشر، ولا يسعى إلى إزالةِ الحكمِ الذّاتيّ الوطنيّ، الذي هو ضرورةٌ ملحَّةُ إِذا ما أُرِيدَ تجنُّبَ الشّرورِ والمَخاطر النّاجمةِ عن الحكمِ المركزيّ المُبالََغ فيه. ولن يتجاهلَ هذا المبدأُ أو يسعى إِلى طَمْسِ تلك الميّزات المتَّصلة بالعِرق، والمناخ، والتّاريخِ، واللّغةِ والتّقاليد، أوالمتعلّقةِ بالفكرِ والعادات، فهذه الفوارقُ تُميِّزُ شعوبَ العالمِ ودُوَلََه بعضها عن بعض. إِنَّه يدعو إلى إقامةِ ولاءٍ أَوسع، واعتناقِ مطامحٍ أسمى، تَفُوق كلَّ ما سَبَقَ وحَرَّك مشاعرَ الجنسِ البشريّ في الماضي. ويؤكِّدُ هذا المبدأُ إِخضاعَ المشاعرِ والمصالح الوطنيّةِ للمتطلَّباتِ الملحَّة في عالم مُوحَّد، رافضاً المركزيّةَ الزائدةَ عن الحدِّ من جهة، ومُستنكِراً من جهةٍ أخرى أيّةَ محاولةٍ من شأنِها القضاءُ على التّنوّع والتّعدّد. فالشِّعارُ الذي يَرْفعه هو: "الوحدةُ والاتِّحاد في التّنوّعِ والتّعدّد". 18

كما تفضل حضرة عبد البهاء بقوله الكريم :

" لاحظوا أزهارَ الحدائقِ : فمهما اختلفَ نوعُها وتفاوتت ألوانُها وتباينت صورُها وتعدّدت أشكالُها إنّها لمّا كانت تُسقى من ماءٍ واحد، وتنمو من هواءٍ واحد، وتترعرع من حرارةِ وضياءِ شمسِ واحدةٍ فإنّ تنوّعَها واختلافَها يكون سببًا في ازديادِ رونقها وجمالِها. وكذلك الحال إذا برز إلى حيّز الوجودِ أمرٌ جامع – وهو نفوذُ كلمةِ الله – أصبح اختلافُ البشرِ في الآدابِ والرّسومِ والعاداتِ والأفكار والآراءِ والطّبائعِ سببًا لزينةِ العالمِ الإنسانيّ.
أضف إلى هذا أنّ هذا التّنوّعَ والاختلافَ سببٌ لظهورِ الجمالِ والكمال، مثلُه في ذلك مثلُ التّفاوتِ الفطريّ والتّنوّعِ الخَلْقيّ بين أعضاءِ الإنسان الواقعةِ تحت نفوذِ الرّوحِ وسلطانِها. فإذا كانت الرّوحُ مسيطرةً على جميعِ الأعضاءِ والأجزاء، وكان حكمُها نافذًا في العروقِ والشّرايين كان اختلافُ الأعضاءِ وتنوّعُ الأجزاءِ مؤيّدا للائتلافِ والمحبّةِ وكانت هذه الكثرةُ أعظمَ قوى للوحدةِ.
ولو كانت أزهارُ الحديقةِ ورياحينها وبراعمُها وأثمارُها وأوراقُها وأغصانُها وأشجارُها من نوعٍ واحد ولونٍ واحد وتركيبٍ واحد وترتيبٍ واحد لما توفر لمثلِ تلك الحديقةِ أيّ رونق ولا جمال بأيّ وجه من الوجوه. أمّا إذا تعدّدتْ ألوانُها واختلفت أوراقُها وتباينت أزهارُها وتنوّعت أثمارُها تسبّب كلُّ لون في زينةِ سائرِ الألوان وإبرازِ جمالِها وبرزتْ الحديقةُ في غايةِ الأناقةِ والرّونقِ والحلاوة والجمال. كذلك الحالُ في تفاوتِ الأفكار، وتنوّعِ الآراء والطّبائعِ والأخلاق في عالمِ الإنسان. فإنّها إذا استظلّتْ بظلِّ قوّةٍ واحدة، ونَفَذَتْ فيها كلمةُ الوحدانيّةُ تجلّتْ وهي في نهايةِ العظمة والجمال والعلويّة والكمال. ولا شيء اليوم يستطيع أن يجمعَ عقولُ بني الإنسان وأفكارُهم وقلوبُهم وأرواحُهم تحت ظلّ شجرةٍ واحدةٍ غيرَ قوّةِ كلمةِ الله المحيطة بحقائقِ الأشياء." 19
إن نداءَ حضرةِ بهاء الله وتعاليمَه في المقامِ الأول يخالفُ كلَّ أنواعِ الانعزالِ وضيقَ الأفق , النزعةَ الإقليمية والتعصبَ. متى تصبح المثلُ التي طالما تشبثتْ بها المؤسساتُ العريقةُ، فرضياتٌ دينيةٌ معينة، والنظمُ الدينيةُ غيرَ قادرةٍ على ترويجِ رفاهيةَ وسعادةَ الجنسِ البشري قاطبةً وخدمةِ احتياجاتِ عالمٍ بشري دائمِ التطور، فلا بد أن تزالَ وتُهمَلَ وتتنزَّلَ إلى درجةِ الأفكارِ والعقائدِ المندثرةِ المنسية؛ لماذا يجبُ أن تُستثنى من التدهورِ الذي يلحقُ بأي أنظمةٍ إنسانية، في عالمٍ يخضعُ لقانونِ التغييرِ والتبديلِ الدائم؟ لأنه حسب المعاييرِ القانونية فإن أيَّ قانونٍ أو مكتبٍ سياسي واقتصادي خُلِقَ لكي يحافظَ على المنافعِ البشريةِ وليس لأن تُضطََهَدَ الإنسانيةُ من أجلِ الحفاظِ على سلامةِ ذلك القانونٍ أوالعقيدة .

"إن مبـدأَ وحــدةِ الجنس البشـري وهو المحـورُ الذي تـدورُ حولَه جميـعُ تعاليـمِ حضـرة بهاء الله ليس مجردَ إحساسٍ متدفقٍ أو تعبيرٍ مبهمٍ أو أملٍ زائف.." مناشدتُه ليس لإحياءِ روحِ الأخوةِ البشرية أو رغبةً لبذلِ الخير للآخرين فحسب أو أنه يسعى ويطمحُ لحصول تعاونٍ وتعاضدٍ بين أفرادِ البشرِ والمللِ والأقوامِ, بل هدفُه أكثرُ عمقاً ودعواه أكثرُ عظمة " ويتعلق أساسًا بطبيعةِ العلاقاتِ الرئيسيةِ التي يجبُ أن تربطَ بين الدولِ والأممِ باعتبارِهم أعضاءَ في عائلة إنسانية واحدة." إنه لم يُعلِن مُثَلاً وأهدافا عاليةً فحسب بل يقف متلازما وجنبا إلى جنب مع مؤسساتِ تُجسِّدُ الحقيقةَ الذاتيةَ لأصلِ وحدةِ العالمِ الإنساني وتُظهِرُ جليا شرعيتَها و ثبوتَها وتُخَلِّد تأثيرَها ونفوذَها. " وإنه يتطلب تغييرا عضويا في هيكلِ المجتمع الحاضر على نحو لم يشهدْ العالمُ مثلَه من قبل.",,أصلُ وحدةِ العالم الإنساني يتضمنُ تحديا جريئا , مقداما وعالميا مع المعاييرِ والشعارات الباليةِ لعقائدَ ومبادئَ قوميةٍ وطنيةٍ والتي كانت موضعَ إجراءٍ وإلزام في زمانِها ولكن الآن مع التقديرِ والعنايةِ الإلهية فقد منحَ مكانَه لعقائدَ ومبادئَ جديدةٍ والتي في الأساسِ هي متفاوتةٌ مع العقائدِ السابقة وأفضلُ منها جميعا ," انه يدعو إلى إعادةِ بناءِ العالمِ المتحضر برمّتِه ونزعِ سلاحِه.." 20... عالمٌ يكون بمثابةِ هيكلٍ متحدٍ عضويا و متناسقِ الأجزاءِ في جميعِ الجوانبِ الجوهريةِ لحياتِه ونُظُمِه السياسية وآمالِه الروحانية وتجارتِه واقتصادِه , خطِه ولغتِه وفي نفسِ الوقت تحتفظُ الدولُ الممثلةُ لتلك الحكومةِ المتحدةِ العالمية والتي تُعتبَرُ عضواً فيها بخصائصِها المركزية بكلِّ حرية.
أصلُ وحدةِ العالم الإنساني يمثلُ قمةَ تطورِ وتكامل بني الإنسان الذي بدأ بداياتِه الأولى بحياةِ العائلة ثم تطوَرَ حينما حققَ اتحادَ القبيلةِ الذي أدى إلى تأسيسِ الحكومة المدنية ثم توسَعَ ليؤسسَ حكوماتٍ وطنيةً مستقلةً ذاتَ سيادة. إن مبدأَ وحدةِ الجنس البشري كما أعلنه حضرةُ بهاء الله يقوم على تأكيدٍ شديد بأن الوصولَ لهذه المرحلةِ النهائية من هذا التطورِ العظيم ليس ضروريًا فحسب بل حتمي الوقوع وان ميقاتَ تحقيقِه أخذ يقتربُ بسرعة ولا يمكن تحققه بغير قوةٍ إلهيةِ المصدر. 21
لا أحد يدري كم ستشهدُ البشرية من المصائبِ والآلامِ التي لم يسبقْ لها مثيلٌ وذلك من أجل يتحققَ هذا المفهومُ وهذه الفكرةُ الساميةُ أي تشكيلُ جامعة عالمية. وهل كان لغيرِ نارِ الحربِ الأهلية بكلِّ عنفِها , قسوتِها وشدتِها والتي كادت أن تمزِّقَ جمهوريةَ أمريكا الشمالية العظمى أن تذيبَ دولَ أمريكا الموجودةِ في ذلك الزمان في لهيبِها وتوحـدَهم لكي يلتئموا ليس كوحداتٍ مستقلـة في اتحاديـةٍ بل وعلى الرغم من الاختلافِ العرقي, أن تجمعَهم كشعبٍ وأمةٍ تحت ظلِّ وطنٍ واحد ؟ من المستبْعَدِ للغايةِ أنَّ يكون بالإمكان إحرازُ تحولٍ أساسي عظيمٍ و تغيرٍ جوهري يشملُ بنيانَ المجتمعِ الأمريكي بوساطةِ الطرق الدبلوماسيةِ المعتادة أو عن طريقِ تعليم وتنميةِ الأفكار. يكفي أن ننظرَ إلى التاريخِ الدموي للبشر حتى ندركَ بأنه لم يكنْ هناك عاملٌ إلا العذابَ والمصائبَ والآلامَ الشديدةَ الجسمانية والمعنوية استطاعَ أن يُُعجِّلَ في حدوثِ تغييراتٍ عظيمة في تاريخِ البشرية والذي يشَكِّلُ أكبرَ و أجلَّ الوقائعِ في تاريخِ الحضارةِ الانسانية .
إن هذه التغييراتُ والتحولات ذات الأهميةِ الكبرى والبعيدةِ المـدى كما تمَّــتْ في الماضي ، عندما يُنظََرُ إليها في سياقِها الصحيح لم تكنْ إلا وسائلَ ووسائطَ هي بمثابةِ مقدِّمةٍ لذلك التحولِ الذي لم يسبق له مثيلٌ في جلالِه, وفخامتِه وقدْرِه وكان لابد للجنسِ البشري أن يخضعَ له في هذا العصر. إن القوى الكارثيةَ والنكبةَ العالميةَ والتي يمكنها وحدها أن تعجِّلَ مرحلةً جديدةً من الفكرِ الإنساني أصبحت للأسف متجليةً بصورةٍ متزايدة. لا شيء غيرُ نيرانِ محنةٍ شديدة لا مثيلَ لها في حدتِها يمكن أن تذيبَ العواملَ المتباينةَ والمتعارضة التي تشكِّلُ عناصرَ الحضارةِ القائمة اليوم, إلى عناصرَ لا تتجزأُ في جامعة ديمقراطيةٍ عالمية للمستقبلِ وهي حقيقةٌ سوف تثبتُها الأحداثُ في المستقبل بشكلٍ متزايد.

يتفضل ُحضرة بهاء الله في الفقرات الأخيرة من الكلمات المكنونة بقوله العظيم :

" قل يا أهلَ الأرضِ
اعلموا علمَ اليقين أنّ من ورائِكم بلاءً مباغتاً وأن في أعقابِكم عقاباً عظيماً يتعقّبكم ....." 22

لعل هذا الإنذارَ يُلقي بالضوءِ الساطعِ على المصيرِ الراهنِ للبشريةِ الكئيبة الحزينة. فليس هناك غيرُ المحنةِ المتّقِدةِ الملتهبةِ, والتي سوف تنبثقُ منها البشريةُ طاهرةً ومستعِدَّة, تستطيعُ أن تغرُسَ الإحساسَ بالمسئوليةِ لهذا العصرِ الحديث والذي يجب على رؤساءِ العالم أن يحملوه على عاتقِهم.

مرة أخرى أُشير إلى بيان حضرة بهاء الله حيث يتفضل :

" إذا تمت الميقاتُ يظهر بغتةً ما ترتعدُ به فرائصُ العالمِ ..."


كلمةٌ أخيرةٌ في نهاية المقال . إن إعلانَ وحدةُ العالم الإنساني ـــ والذي هو أسُ أساسِ السيادة والسلطنةِ الشاملة الروحانية لحضرة بهاء الله ـــ لا يمكن تحت أي ظرفٍ من الظروف أن يقارَنَ بتعابيرٍ تفوه بها السابقون من ذوي الآمالِ الحكيمةِ المخلصة. إن دعوةَ حضرة بهاء الله لم تكن نداءً أعلنه وهو منفي وسجينٌ , وحيدٌ وبلا ظهيرٍ أونصيرٍ في مواجهةِ سلطانين مستبدين ومقتدرين في الشرق فحسب بل أن دعوتَه شملَتْ في نفسِ الوقت إنذاراً و وعيداً من جهةٍ وبشارةً و وعداً من جهةٍ أخرى , وعيدٌ تكمنُ فيه العواملُ الوحيدةُ لخلاصِ ونجاة العالمِ المعذَّب المتألمِ إلى حدٍ كبير, وبشارةٌ بأن تحقيقَ ذلك هو في متناولِ اليد.

ارتفعَ نداءُ وحدةِ العالمِ الإنساني في وقت لم يكن بإمكانِ أحدٍ تخيلُه وتصورُه بجديةٍ في أي بقعةٍ من بقاعِ العالم, ولكن حضرة بهاء الله بفضلِ القوةِ السماوية نفخَ فيه روحاً جديداً مما أدى في نهايةِ المطاف أن يُجَلَّ ذلك النداءُ ويُنظَرُ إليه من قِبَل عددٍ متزايدٍ من رجالِ الفكرِ والمعرفةِ بأن احتمالَ تحقُقِه ليس وشيكاً فحسب بل إنه نتيجةٌ حتميةٌ وضروريةٌ للقوى التي تعملُ في العالمِ اليوم .
بلا ريب أن العالمَ في هذه الآونةِ قد تقلصَ وتحوَّلَ إلى كائنٍ حي واحدٍ متشابكٍ إلى حدٍ بعيد, وذلك نتيجةَ التقدمِ السريع الرائعِ للعلومِ الماديةِ الطبيعيةِ وبسببِ التوسعِ الصناعي والتجاري على مستوى العالم , وهو الآن يكافحُ تحت وطأة الاقتصادِ العالمي فيقفُ وسط خطرِ ومأزقِ الحضارةِ المادية وهو بحاجةٍ ماسةٍ إلى إعادةِ النظر في الحقيقةِ المكنونةِ في هويةِ الأديانِ السابقة بلغةٍ تناسبُ احتياجاتِه وضروراتِ هذا الزمان.
وأيُ نداءٍ غيرُ نداءِ حضرة بهاء الله المظهرِ الإلهي لهذا العصرِ قادرٌ على إحداثِ تحولٍ جذري في المجتمع كالذي أوجده في قلوبِ هؤلاء الرجالِ والإماء الذين كانوا فيما يبدو مختلفين ولا يمكن التوفيق بينهم وهم الآن يشكِّلون زمرةَ أتباعِه المؤمنين في أرجاءِ العالم ؟

قليلون هم الذين يمكن أن يشكوا بأنَّ وحدةَ العالمِ الإنساني ــ أي هذا المفهومُ العظيم ــ بدأت تظهرُ براعمُه في أذهانِ الناس وبأن الأصواتَ ترتفعُ لحمايتِه والخواصَ المتميزةَ له تتبلورُ وتتجسَّدُ في وعي وشعورِ المسئولين من أصحابِ السلطة. فقط هؤلاء الذين أفسَدَ التعصبُ قلوبَهم يمكن أن يفشلوا في تصورِ المفهومَ العظيمَ لوحدةِ العالمِ الإنساني في مراحلِه البسيطةِ والابتدائية والذي أخذ يتبلورُ في قالبِ المؤسساتِ العالميـةِ لأتباعِ حضرة بهاء الله. (نداء لأهل العالم-شوقي افندي)






المراجع


14-15- ألواح حضرة بهاء الله إلى الملوك والرّؤساء من منشورات دار النّشر البهائيّة في البرازيل رضوان 140, نيسان 1983.
16- بَيْتِ العَدْلِ الأعْظَمِ , السّلامُ العَالميُّ وَعْدٌ حَقٌّ , تَرْجَمَةُ البَيَانِ الصَّادِرِ والموجَّه إلى شعوب العالم, الطّبعة الثّانية (عربي), من منشورات دار النّشر البهائيّة في البرازيل, شهر الشّرف 152 بديع, كانون الثّاني 1996م. ص 31-32.
17- حضرة بهاء الله, مجموعة من ألواح حضرة بهاء الله (نَزَلت بعد الكتاب الأقدس), ص 144-147-148.
18- بَيْتِ العَدْلِ الأعْظَمِ , السّلامُ العَالميُّ وَعْدٌ حَقٌّ, ص 29.
19- حضرة عبد البهاء, خطبُ عَبد البَهَاء في أوروبا وأمريكا, الطّبعة الثّانية,
من منشورات دار النّشر البهائيّة في البرازيل, شهر النور 155 بديع تمّوز
1998م. ص 18-19.
20- 21- ما بين الأقواس مأخوذ من , الكنوز الإلهية, مبادئ وتعاليم وأحكام الدين البهائي إعداد وترجمة عبد الحسين فكري , من منشورات دار النشر البهائية في البرازيل شهر المشيئة162بديع, تشرين الأول 2005 م. ص 492- 493.

22- حضرة بهاء الله , الكلمات المكنونة الفارسية, رقم 63.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,356,229,376
- وحدةُ العالمِ الإنساني 1-2
- العالمِ الإنساني ومصائبه
- ثلاث شخصيات محورية يدور حولها الدين البهائي
- ما يعتقد به البهائيون
- روحانية الإنسان ووحدته الإنسانية 3-3
- روحانية الإنسان ووحدته الإنسانية 2-3
- روحانية الإنسان ووحدته الإنسانية 1-3
- النظام العالمي الجديد....ماهيته ( 6 والأخير)
- النظام العالمي الجديد....ماهيته (5)
- النظام العالمي الجديد....ماهيته (4)
- النظام العالمي الجديد....ماهيته (3)
- النظام العالمي الجديد....ماهيته (2)
- النظام العالمي الجديد....ماهيته (1)
- العالم الجديد
- رسالة سماوية عالمية
- بهاءالله - ميثاقُ اللهِ مَعَ بَني البَشَر( 13 والأخيرة)
- بهاءالله - السَّلام العَالميّ (12)
- بهاءالله - الدِّينُ نورٌ وظَلام (11)
- بهاءالله - الوُصُول إلى الأراضِي المقَدَّسَة (10)
- بهاءالله -إعْلان لِملُوك الأرْض (9)


المزيد.....




- الشرطة الإسرائيلية تخلي المسجد الأقصى من المعتكفين بالقوة
- السودان.. أنصار الشريعة يحتجون ضد اتفاق الخرطوم -الإقصائي-
- فلسطينيون يفشِلون حلم إسرائيل وسعوديون يتنكرون للفتوحات الإس ...
- مخاوف من تهديد دولة الإسلاميين -العميقة- للثورة السودانية ...
- الشرطة الإسرائيلية تعتقل برلمانيا هولنديا لحمله علم فلسطين ب ...
- الشرطة الإسرائيلية تعتقل برلمانيا هولنديا لحمله علم فلسطين ب ...
- عضو في الكونغرس الأمريكي: لماذا نصف الهجمات بـ -الإرهابية- ف ...
- الممنوعون من الصيام.. الموريسكيون قديما والتتار والمسلمون ال ...
- 13 قتيلا نتيجة هجوم لـ -بوكو حرام- في تشاد
- القوات الشيعية في العراق تعطي الأولوية لبلادها حال اندلاع نز ...


المزيد.....

- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - راندا شوقى الحمامصى - وحدةُ العالمِ الإنساني 2-2