أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شاهين - عديقي اليهودي 34 * مئات الآلاف في وداع عارف وسارة .















المزيد.....

عديقي اليهودي 34 * مئات الآلاف في وداع عارف وسارة .


محمود شاهين
(Mahmoud Shahin )


الحوار المتمدن-العدد: 5843 - 2018 / 4 / 12 - 18:23
المحور: الادب والفن
    


هل سيسجل التاريخ صفحة جديدة في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بدأ عارف نذير الحق بنسج حروفها، حين خاطر بنفسه لإنقاذ عشرات الأطفال الإسرائيليين من الغرق، ووضعت سارة سليمان بصماتها عليها ، حين دمّرت كل أسوار التابو، وتولهت بحب عارف ، وأوصت أن تدفن إلى جواره في حال رحيلها ، محطمة بذلك اسطورة شمشون ودليلة ، وروميو وجولييت ، وكل أساطير وقصص الحب عبر التاريخ ، لتنقش على جدران الزمن، قصة حب خالدة لن تمحوها العصور وتقلبات الدهر؟!
هل سيسجّل التاريخ صفحة جديدة حقّا ، أم أن الوقائع ستطوى طي الصفحات نفسها ، وأنّها لن تترك أثرا حميدا على واقع الحياة ، لأن كثيرين ممن يظنون أنهم يمسكون أزمّة التاريخ لا يريدون ذلك . هل قدَر داود أن يظل وقودا لصراع دائم مع جليّات ، وهل قدر جليّات أن يظلّ متشبثاً ومطالبا بحقّوقه في بيته الذي اغتصبه داواد ؟ استبدل داود المقلاع بالطائرة والصاروخ ، وجرّد جليّات من سيفه ورمحه ودرعه ، ليمتشق المقلاع ! فهل يصبح المقلاع يوما سيفا ، أو صاروخا يواجه جليّات به صاروخ داود ، لعلّ تكافؤاً ما يطرأ على موازين الصراع ؟ أم أن القدر الذي رسمه الممسكون بالأزمّة يأبى ذلك ؟ وإلى متى ستستمر هذه الحال؟ متى يدرك داود أنّه أعدّ ليكون أضحية شرسة لصانعي الأقدار، كما أدرك جليّات أنّه ضحيّة لهذه الأضحية التي تشرع مخالبها دوما متذرعة بالخوف من الذبح والدفاع عن النفس! . من يكسر الحلقة يا ترى ؟ من يهدم أسوار الدائرة الجهنمية التي وجد الطرفان أنفسهما فيها ، ليتقاسما البيت ويعيشا معا بمحبة وأمن وسلام ؟ لقد ضحّى جليّات بأكثر من نصف بيته لداود ، وقبل القسمة الجائرة ، فهل يعود داود إلى رشده ويقبل القسمة ؟! هل يتحوّل الخيال الأدبي إلى واقع حقيقي ملموس يحيا في ظلّه الجميع ؟؟!! التاريخ يقف متفرّجا وينتظرأن تكون بادرة عارف وسارة الطريق إلى الخلاص ، ليجمل صفحاته بسفرٍ جديد يضاف إلى أسفاره الخالدة.
كان بعض هذه الأسئلة يراود مخيلات الآلاف ممن حضروا مبكّرا للمشاركة في تشييع جثماني عارف وسارة ، حتى يعقوب سليمان نفسه، ورغم كل تشاؤمه، لمعرفته ما لا يعرفه أحد غيره ، كان يصارع في دخيلته ما صمم عليه محاولا أن يجد أملا ما في ما يجري، حتى لا تذهب تضحيات عارف وسارة أدراج الرياح، وتذهب دماؤهما هدرا .. فالدولة أحضرت مروحية لتقل الجثمانين من المستشفى إلى مثواهما . وتكفلت السلطة الفلسطينية بتابوت مزدوج ، أعده صانع التوابيت بحرفية عالية ، مع قاعدة أكبر من ضعف حجمه لتكون نعشاً.
شرعت وفود المشيعين في القدوم منذ الفجر، وكان بعضها قد جاء قبل ذلك . وأعلنت السلطتان الإسرائيلية والفلسطينية يوم التشييع يوم عطلة، وعدم استخدام المركبات الخاصة ليتاح لمركبات المشيعيين القدوم من كافة انحاء اسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزّة. ونظرا للإزدحام الشديد في خطوط السير التي امتدت لعشرات الكيلو مترات ، فقد تم حضورالوفود في باصات كبيرة وشاحنات . وقامت الدولة بنقل آلاف مشاركيها في التشييع بعشرات الحوامات الكبيرة المعدّة للنقل، وسمحت لمائة باص القدوم من غزّة . وثمة عشرات الآلاف الذين ذهبوا سيرا على الأقدام من البلدات والقرى القريبة . وكانت بعض الحافلات تعود لنقل المشيعين، بينما يذهب بعضها للتوقف في مرج كبير، أو ينتشر على الهضاب الممتدة من بيت عارف إلى ما بعد ظهرة المغرة ، على مساحة تقارب ثلاثة كيلو مترات . وحين كانت الساعة تقترب من الثانية بعد الظهر، موعد التشييع ، كان مئات الآلاف قد وصلوا إلى المكان، قدرتهم بعض وكالات الأنباء بأكثر من مليون، فيما قدرتهم أخرى بقرابة مليون ونصف.
أشرف على تنظيم سير الجنازة وأماكن وقوف المشيعين ضابط برتبة لواء من السلطة الفلسطينية وجنرال من الدولة . ونظرا لقصر المسافة بين المنزل و هضبة ظهرة المغرة ، فقد اوقف المشيعون على جانبي الشارع الممتد من أمام بيت عارف إلى مابعد هضبة الظهرة ، ليملأوا سهول ومنحدرات الهضاب المحيطة ، رافعين عشرات آلاف الأعلام الفلسطينية ، فيما اختيرت أماكن خاصة في الشارع للوفود الرسمية التي ستسير خلف الجنازة .
أقبلت المروحية التي تقل الجثمانين يرافقها مروحيتان تقلان كبار المشيعيين من السلطة والدولة ، حطت المروحيات أمام الوفود الرسمية الواقفة في الشارع العريض . أنزل جنود وضباط من السلطة تابوت الجثمانين المزدوج ووضعوه على عربة مكشوفة ، أعد لها روافع خاصة لحمل النعش على ارتفاع يتيح لجميع الناس رؤية النعش يعلو المسيرة . أقلعت المروحيات وشرعت الوفود الرسمية في الإنتظام لتنطلق مسيرة الجنازة .
وضِع عشرات أكاليل الورد فوق التابوت المزدوج وإلى جوانبه وأمامه وخلفه، وقد تقدمه مباشرة أربعون " طفلة " من أطفال كيدار ومعاليه أدوميم ، يحملن أكاليل الورد ، بينما وقف خلفه بانتظام أربعون طفلا من معاليه أدوميم يحملون الأكاليل . أمام الطفلات وقفت فرقة الموسيقى العسكرية الرسمية التابعة للسلطة الفلسطينية . وأمام هؤلاء وقفت فرقة كشافة تمثل كشافة القدس وبيت لحم ورام الله ، وتقدم الجميع فرقة عازفي الأراغيل التي أصرعلي على أن تشارك في المسيرة لأن عمه كان يحبّها .
خلف النعش وبعد الأطفال مباشرة وقفت الوفود الرسمية يتقدمها ذوو الراحلين وممثلو السلطة الفلسطينية والدولة الإسرائيلية . ثم ممثلو التنظيمات الفلسطينية والأحزاب الإسرائيلية وحركة السلام الآن وحركة ميرتس وناطوري كارتا " حرّاس المدينة " واليسار الإسرائيلي ، وممثلو الإتحادات والنقابات والجمعيات والمرأة والطلاب والكنائس والطوائف .. كان الجميع يقفون في صفوف منتظمة خلف الجنازة.
عزفت الموسيقى السلامين الفلسطيني والإسرائلي، لتنطلق المسيرة بتؤدة شديدة على وقع ألحان موسيقية غير جنائزية . وكان المنظمون يشرفون على تناوب عزف الفرق الموسقية التي تتقدم الموكب ، فما أن تفرغ فرقة من عزفها حتى تشرع فرقة أخرى في العزف، غير أن المشرفين وبناء على رغبة علي وبعض أخوة وأخوات عارف ، منحوا فرقة الأراغيل النصيب الأوفر من العزف ، إلى حد دفع كثيرين ممن يقفون على جانبي الشارع الذي يسلكه الموكب، إلى الرقص على أنغامها التي كان رجع صداها يتردد من السفوح المحيطة بالمنطقة .
ما لم يتخيله الجميع، ولم يفكروا فيه ، ولم يتوقعوه على الإطلاق ، أنهم في عالم متخيّل أقرب إلى الأسطورة ، لكن ، وحين ظهر سربان من الطيور ، يقدمان من الشرق بانتظام مهيب ، ويشرعان في مرافقة الموكب على ارتفاع بضعة أمتار فوق الجنازة ، أدرك الجميع أنهم يعيشون في أسطورة ، وأنهم مشاركون فاعلون في صنعها ! السرب الأول كان من طيور الحجل الجميلة ، أما السرب الثاني فكان من حمام أبيض أكثر جمالا .. حلّق سرب الحجل فوق النصف الأول من النعش ، وحلّق سرب الحمام فوق النصف الثاني . حلقا ببطء شديد يتلاءم مع سير الجنازة ، بحيث كانا بالكاد يرفان بأجنحتهما ، فتظل مشرعة لتظلل النعش .
تأوّه مئات الآلاف دهشة وهم يرون ما لم يروه من قبل ، وأنهم حقا يشاركون في صنع اسطورة عارف وسارة ، التي سينجم عنها اسطورة فلسطين وإسرائيل !
******
دقّت الأقدام الأرض على وقع ألحان الأراغيل ، واهتزت الخصور ، وعلت الزغاريد ، ورفرفت البيارق والأعلام ، وارتفعت آلاف اللافتات المطالبة بالسلام ، وصدحت مئات آلاف الحناجر والأصوات منشدة للسلام ، كما لم تنشد من قبل ، وكما لم يحدث من قبل ، إلى حد جعل كثيرين ،يتفاءلون بأن السلام قادم حتما ، ولن تذهب دماء عارف وسارة هدرا ، حين قدّما نفسيهما قربانين على مذبح السلام . إلى حد جعل يعقوب سليمان يفكر بجد أن لا يبوح بسر الحقيقة المؤلمة ، التي تؤرق ضميره وتقض دخيلته ، وهو يسير في مقدمة المشيعين ، إلى جانب راحيل التي كانت تتمسك بمرفقه ، فيما شمعون يتمسك بمرفقه الآخر، أمّا يوئيلا فكانت تتمسك بمرفق راحيل ، وتشجعها على الصبر والتحمل . وكانت مئات محطات التلفزة تنقل موكب التشييع الذي لم يحدث مثيلا له في التاريخ ، إلى كافة أنحاء العالم، ليتمنى العالم ولأول مرة في تاريخه ، أن يحل السلام بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي.
******
بلغ الموكب مكان الدفن . ووري الجثمانان الثرى . وأهيل عليهما التراب ، وسربا الحجل والحمام يحلقان على ارتفع منخفض فوق المكان . ووضعت مئات أكاليل الورد فوق االجدث ، الذي سيقام عليه ضريح كبير خلال أيام ، يليق بالراحلين. سيتحول على مر الأيام والسنين ، إلى مزار، فمقام، تتلى فيه صلوات لخالق عظيم مختلف ، بمفاهيم مختلفة ، تتمثل فيها أسمى قيم المحبة والخير والعدل والجمال ، التي ينشدها الخالق .
شرع بعض المسؤولين في القاء كلمات النعي والعزاء ، مؤكدين على معرفة الجناة ، لينالوا قصاصهم !
وقف يعقوب سليمان حائرا مترددا ، بين الأمل والتشاؤم ، بين أن يقول ما يخفيه أو يبقيه طي الكتمان .. تغلب واعز الأمل بإقامة السلام ، ورجاء راحيل الحزينة ، على واعز التشاؤم ، فلم يقل شيئا ، ووقف إلى جانب أخوة عارف يتلقى التعازي.
تفرق بعض الناس عائدين إلى بيوتهم ، وغادر سربا الحجل والحمام فضاء المكان . وبقي كثيرون من العرب والإسرائيليين يرقصون على وقع الأراغيل في عرس عارف وسارة . وظلوا كذلك حتى ساعة متأخرة من الليل ، أشعلت فيها المشاعل والشموع ، على قمّة الهضبة وكافة السفوح المحيطة بالجدث. وجيء بمئات مناسف الأرز واللحم ليأكل الجميع، والأمل يحدوهم بأن السلام قادم لا محالة.
****
تمّت رواية " عديقي اليهودي " أو، ملحمة عارف وسارة !!





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,569,012,757
- عديقي اليهودي 33 * ما قبل الوداع .
- عديقي اليهودي 32 * قبلات بلا حدود!
- عديقي اليهودي 31 * نوم عذري!
- عديقي اليهودي 30 * يوم الحب والألم!
- عديقي اليهودي 29 * مبروك يا عارف !
- عديقي اليهودي 28 * أبطال تراجيديون ، من جليّات إلى ياسر عرفا ...
- كم أحسد الشعراء ؟ -هلوسات- على هامش السياسة والرواية والشعر.
- عديقي اليهودي 27 * عارف يرفض وسام دولة اسرائيل ويتقبل وسام د ...
- عديقي اليهودي 26 *عارف نذيرالحق يرفض استقبال ممثلي السلطة ال ...
- عديقي اليهودي 25 * فيضان سيل وادي أبوهندي!
- عديقي اليهودي 24 * حب وقلق وشواء وحجل وشاباك !!
- عديقي اليهودي23 * الخالق العظيم !!
- عديقي اليهودي 22 * صباح بطعم القبل!
- عديقي اليهودي الفصل 21 *موسى يبدأ حياته بقتل مصري تشاجر مع ع ...
- عديقي اليهودي الفصل العشرون * القتل لمجرد الرغبة في القتل !
- شاهينيات صعبة وصادمة جدا، في الخلق والخالق!
- عديقي اليهودي . الفصل التاسع عشر . حالة حب !
- عديقي اليهودي . الفصل الثامن عشر
- عديقي اليهودي . الفصل السابع عشر
- عديقي اليهودي الفصل السادس عشر


المزيد.....




- مونيكا لوينسكي تنتج فيلما بعنوان -15 دقيقة من العار-
- مجموعة متنوعة من العروض الفنية بمعرض الشارقة الدولي للكتاب
- أمريكا: الملك محمد السادس يقوم بإصلاحات جريئة
- بوتين يصفع البوليساريو.. انطلاق أول قمة روسية إفريقية
- مرشحان لخلافة العماري على رأس جهة الشمال
- تحصن رجل في متحف جنوبي فرنسا والشرطة الفرنسية تتحدث عن تهديد ...
- رجل يتحصن في متحف بجنوب فرنسا والشرطة تتحدث عن كتابات تهديدي ...
- الحوار الاستراتيجي المغرب- الولايات المتحدة: واشنطن تشيد بري ...
- الولايات المتحدة تؤكد على مؤهلات المغرب كمنصة للشركات الأمري ...
- المالكي وبنشماش يمثلان جلالة الملك في حفل تنصيب الرئيس التون ...


المزيد.....

- عالم محمد علي طه / رياض كامل
- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شاهين - عديقي اليهودي 34 * مئات الآلاف في وداع عارف وسارة .