أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود رشيد - في التفسيرات البيولوجية لتقسيم الأدوار الإجتماعية على أساس الجنس















المزيد.....


في التفسيرات البيولوجية لتقسيم الأدوار الإجتماعية على أساس الجنس


محمود رشيد

الحوار المتمدن-العدد: 5803 - 2018 / 3 / 2 - 01:06
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


مدخل : إن الأثر الذي أحدثته أبحاث تشارلز داروين لم تقتصر فقط على الصفعة التي وجهتها نظرية التطور إلى نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى موقعه من الكون ولهذه الصفعة من التأثير ما يماثل إكتشاف حقيقة أن الأرض ليست مركز الكون , فنظرية التطور لم تجهز فقط على أي تصورات غائية للحياة أو للوجود ككل بل أنها كذلك أحدثت ولا تزال تحدث فرزاً واضحاً بين إتجاهين في الفلسفة المادية ..
فمن حيث كون الفلسفة المادية كما هو شائع تقر بأن الواقع المادي هو وحده الوجود الحقيقي القابل للإدراك مستعينة في ذلك بالعلم . إلا أن الصدع الذي أحدثته أبحاث داروين وما بني عليها من إكتشافات بيولوجية تم تبنيها من قبل الإتجاهات الأيديولوجية الراديكالية التقدمية والفاشية الرجعية على السواء حيث يتم وضع الحقائق والفرضيات العلمية في سياقات منحازة مسبقاً وسيتم تفسيرها أيديولوجياً وفلسفياً وفق الإتجاه الفلسفي أو الأيديولوجي .
فمن ناحية تبدو تأثيرات نظرية التطور واضحة في الماركسية فيما يتعلق بالصراع الطبقي وتصور الدور التاريخي لطبقة تقدمية ما وإفلاس وتجاوز التاريخ لطبقة رجعية ما , ومن جهة اليمين فإن التفسيرات اليوجينية والمالتوسية وما تلا ذلك من الأيديولوجيا العرقية النازية وأيضاً فلسفة فريدريك نيتشة كتعبير فلسفي عن الداروينية اليمينية وهي كلها كأيديولوجيات يمينية تعتنق مبدأ البقاء للأقوى المعبر عن مصالح الطبقات السائدة.
لكن المحدد الأساسي هنا ليس فقط تفسير النظرية العلمية من قبل فلسفات وأيديولوجيات مرتبطة بقوى إجتماعية متباينة تفسيراً براجماتياً فحسب , لكن المحدد الرئيسي هنا هو إعتماد اليمين على تفسير التمايز أو التطور بالتطور نفسه بل والإنطلاق منه كعلة لتثبيت وتكريس ماهو سائد . أي أن إنسان الهوموسابينس متطور مقارنة بالرئيسيات والأجناس البشرية المنقرضة بمعزل عن تاريخ تطوره وتكيفه وتأثره بالبيئة المحيطة وتأثيره فيها .
فيصبح الإنسان أرقى من الرئيسيات لأنه أرقى من الرئيسيات وإن أردنا نقل هذه الآلية في التفسير لعلم الجينات فتصبح هذه الجماعة الإثنية متقدمة مقارنة بجماعة إثنية أخرى نظراً لإختلاف الجينات أو بحسب مقولة ريتشارد داوكينز " نحن جيناتنا Genes Are Us " فيصبح التطور أو التأخر صفة كامنة ومحايثة للكائن الحي أو الجماعة الإثنية بل ومسبباً وليس محصلة تطور تاريخي مما قدم الحجج للأطروحات المالتوسية واليوجينية والنازية كما ذكرنا . وفي المجال الفلسفي سنجد هذه السمات واضحة في النظرة الإجتماعية لدى فريدريك نيتشة ونظرته الغير واضحة المعالم للإنسان الأعلى الذي لا يخضع لـ " أخلاقيات العبيد " و " فضيلة العاهرات " .
إن الداروينية اليمينية حين تفسر الظاهرة بذاتها وتنطلق من ذات الظاهرة لتكريسها وذلك بعزل معطىً علميا ما إنما هي بذلك تنسف أهم المبادئ العلمية وهو شمولية التفسير العلمي لكافة الظواهر الجزئية بل وربما إمكانية تفسيرها أصلاً .
لكي نتجنب التشعب في أمثلة مختلفة فإننا سنركز على فرضيتين بيولوجيتين في تفسير الفروق الإجتماعية بين الجنسين أو ما يعرف بالهيمنة الذكورية

• الفرضية الأولى :
تتلخص الفرضية الأولى في أن كبر حجم الدماغ بالنسبة إلى حجم الجسم لدى البشر بالإضافة إلى إنتصاب القامة سيؤديان إلى بطء تطور الوظائف الحركية لدى الطفل وبالتالي طول فترة إعتماده على رعاية الأم مقارنة بباقي الرئيسيات مما أدى إلى حصر وجود المرأة داخل المنزل .
هذه الفرضية وهي منطقية من الناحية الصورية تعني بالضرورة حتى في ظل المجتمعات الليبرالية إبقاء الجزء الأكبر من قورة عمل المرأة في إطار تقسيم العمل داخل الأسرة نفسها وأنه من البديهي في هذه الحالة أن ينخفص إسهام النساء في العمل الإجتماعي مقارنة بإسهام الرجل وبالتالي يتم تقييم إنتاجية وفعالية المرأة بناءً على هذا التمييز وسينتقل التمييز من التقييم إلى الأجور والترقي داخل المؤسسات .
في كتابه " بوصلة المتعة , كيف تستجيب أدمغتنا للمتعة " يطرح جون ليندن هذه الفرضية في الفصل الرابع قائلاً إن تطور البشر عن سائر الرئيسيات والمتمثل بشكل أولي في إنتصاب القامة وكبر حجم الدماغ مقارنة بحجم باقي الجسم وتطور إستخدام اليد قد كلف المرأة بمهمة الرعاية بالطفل خلال فترة الحضانة الطويلة مما ألزمها بالإعتماد إقتصادياً على الرجل .
التركيز على هذه الفرضية بشكل منعزل عن سياق تطورها التاريخي هو كما قلنا يعني تفسير العلاقة بين ظاهرة وأخرى بصورة ميكانيكية أي كإنتاج حركة ما من حالة السكون فيتبادر للمخيلة وفقاً لهذا التفسير أن الأسرة الذكورية نشأت تلقائياً مع إنتصاب قامة الإنسان الأول في حين أن شتى أنواع الرئيسيات المعروفة حالياً لدينا طورت أشكالاً مختلفة من العمل الإجتماعي لتأمين إحتياجات الجماعة ترتب عليه تقسيم المهام داخل الجماعة بصورة لا تكون فيها بالضرورة وظيفة الأم مقترنة بالأم البيولوجية بل تكون مسئولية رعاية الصغار مسئولية جماعية . وإذا إنتقلنا بالملاحظة من الرئيسيات إلى البشر فإن نمط الأسرة الأبوية القائم على قيام الأب بمهمة تأمين إحتياجات الأسرة أي النشاط الإنتاجي في حين ينحصر دور الأم في العمل الطفيلي أو الخدمي الذي يضمن الإبقاء على قدرة الأب على تقديم قوة عمله مقابل تأمين إحتياجات الأسرة , هذا النمط يعتبر حديثاً بالنسبة للتاريخ الإنساني وربما أتى في مراحل لاحقة على ممارسة الزراعة .
الدراسة المقارنة للرئيسيات والبشر تبين أن التطور ليس محض سمة بيولوجية موجودة بذاتها بل هو محصلة تطور قدرة الجماعة أو القطيع على العمل الإجتماعي في بيئة ملائمة ومع الوقت يصبح التقدم البطيء للوظائف الذهنية والحركية شرطاً لتقدم العمل الإجتماعي مما يضمن بقاء النوع ثم يغدو كلاً من تطور الوظائف الذهنية والحركية وتطور العمل الإجتماعي متضافرين في علاقة عضوية يعيد كلاً منها إنتاج الأخر .
وإذا قمنا مثلاً بملاحظة المجتمعات البدائية في غينيا الجديدة القائمة على الجمع والإلتقاط أو السكان الأصليين بأستراليا أو حتى ما ذكرته جيرمين جرير في كتابها " الخصاء المؤنث " في ملاحظتها للريف الإيطالي أو بالنسبة للريف المصري في بدايات القرن العشرين حيث كانت الملكية الزراعية تحمل بقايا سمات المشاعية الأسرية الأمر الذي تطلب أسر كبيرة العدد لا تقتصر فقط في تكوينها على الشكل المعروف لدينا في المدن ( أب – أم – أبناء ) بل كانت الأسرة بحكم الضرورة تمثل شبكة من الأخوة وأبناءهم " أبناء العمومة " الذين كان يتم تربية الصغار منهم وسط نساء الأسرة بشكل قريب إلى حد ما إلى الأمومة الجماعية ليس بالطبع كما في حالة المجتمعات البدائية لكن هذه السمة وجدت طريقها عبر التاريخ من الأسر الماترياركية إلى الأسرة التي يمثل محل سكنها جزءاً من بيئة النشاط الإقتصادي سواء سكان الكهوف أو الغابات أو البادية أو الريف بدرجات وصور متفاوتة وفي حين كان النشاط الإنتاجي يستلزم تجنيد أكبر عدد ممكن من القوى الإنتاجية لتأمين إحتياجات الجماعة وحتى مع وجود نظام أسرة أبوية قد يتضمن تعدد الزوجات فإننا قد نرى نمطاً يحمل كلاً من التربية شبه المشاعية للأطفال و قلة فترة إعتماد الطفل على الأم مقارنة بالمدن مثلاً وبحكم أن قسماً مهماً من النشاط الإنتاجي يتم داخل المنزل بمعرفة النساء بدرجات متفاوتة فإن الأسرة الأبوية بمفهومها السابق ذكره ( قيام الأب بالنشاط الإنتاجي والأم بالدور الطفيلي الذي يساعده على الإبقاء على قوة عمله ) لم تأخذ شكلها الواضح إلا مع تطور المدن حيث كان يتحتم على الطفل في خلال مراحل نموه أن يستوعب كافة مراحل التطور مما يستلزم قدراً أكبر من السلطة الأبوية سواء بواسطة الأم أو الأب .
بدرجات متفاوتة بالنسبة لأوروبا الإقطاعية وآسيا وشمال أفريقيا فقد إرتبطت الديانات الإبراهيمية بالمدن وبإخضاع الريف للمدن المركزية بالنسبة للمسيحية ( روما – بيزنطة وغيرها ) وفي حالة الإسلام كان إخضاع البدو لسلطة المدن التجارية في الحجاز وسواء بالنسبة لبيزنطة أو يثرب ومكة فإن إزدهار حركة التجارة وتطور الزراعة يعني بالضرورة التركز في ملكية وسائل الإنتاج ونمو المدن وضعف مساهمة البيت وبالتالي المرأة في النشاط الإنتاجي وزيادة إعتمادها على الرجل مما ساعد في تكريس تقسيم المهام الإجتماعية على أساس الجنس على المدى الطويل مما يفسر بقايا السمات السابق ذكرها بالنسبة للأسرة في الريف .
التفسير التاريخي الإجتماعي هذا يفسر لنا لماذا تميزت العلاقة بين الجنسين في حضارات وادي الرافدين ووادي النيل بقدر كبير من التكافؤ بشكل لم تقضي عليه ملكية الأرض الزراعية بالكامل بل كان التاريخ في هذين الإقليمين منذ بداية الزراعة وحتى المسيحية أشبه بمرحلة إنتقالية .
وهذا يفسر كذلك كيف أن العبرانيون والعرب في مراحل ماقبل اليهودية وماقبل الإسلام قد عرفوا الكهانة كوظيفة دينية نسوية تماماً كالإغريق والجرمان قبل المسيحية في حين أنه يفترض أن ما يسمى بالنزعة العسكرية لهذه المجتمعات أن تمحق أي صورة لهيمنة أو وظيفة إجتماعية نسوية
• الفرضية الثانية :
التفسير البيولوجي الآخر لمسألة التقسيم الجنسي للأدوار الإجتماعية يتمثل بما ذكره بول فريشاور في كتابه "الجنس في العالم القديم " أن ميزة إنتصاب القامة التي تميز بها الإنسان عن باقي الرئيسيات تحملت تبعتها المرأة فيما يخص الممارسة الجنسية حيث أن إنتصاب القامة سيؤدي بالضرورة إلى تمكن الذكر من إرغام الأنثى على ممارسة الجنس الأمر الذي أفرز في وعي الذكر البدائي إرتباط الممارسة الجنسية بالفاعلية والتفوق ,, الطرح يتشابه إلى حد ما الإنطباع الذي يثيره فرويد في تناوله للمسألة الجنسية من كون القضيب رمزاً للفاعلية الجنسية وأن إدراك الأنثى في مرحلة الطفولة لغياب القضيب عن تكوينها يؤثر عليها تأثيراً صادماً وقد يزرع لديها إحساساً بالدونية .
فكلاً من الطرح بول فريشاور وطرح سيجموند فرويد يركز على رمزية العملية الجنسية أو رمزية القضيب للفاعلية والتفوق الذكوريين . في المقابل يركز الخطاب الليبرالي النسوي المستحدث في العادة على ما إصطلح على تسميته لدى بعض الأدبيات النسوية بـ " الثقافة الذكورية كمرادف للسلطة أو الإعتداء " مما يعني قبول الطرح النسوي هذا ضمنياً لإقتران الذكورة بالفاعلية والأنثوية بالإنفعال دون محاولة تفسير هذا الإقتران بين الرمو والدلالات وهو الإتجاه الذي يتقاطع مع التبرير اليميني للهيمنة الذكورية في نقطة تصوير العلاقة السطحية بين الرمز ودلالته مما يساعد في تثبيت الرمز الدال على دلالة ما فيثبت التركيز على " الثقافة الذكورية كرمز للتسلط " إلى تثبيت رمزية الذكورة للفاعلية .
في حين أن التفسير التاريخي للعلاقة بين الرمز ودلالته يوضح كيف تتطور العلاقة بينهما وذلك يتطلب توضيح معالم العملية التاريخية التي أدت إلى ما يعرف لدى كثير من الأنثروبولوجيين بـ" الإنقلاب الذكوري"
وقد تتبادر إلى المخيلة عند قراءة مصطلح الإنقلاب الذكوري باللغة العربية أن التبدل في تقسيم الأدوار الإجتماعية على أساس الجنس قد تم على نحو إنقلابي مفاجئ كأن يدرك الذكر في عشيرة الصيد والجمع البدائية أن بإمكانه أن يطرح الأنثى أرضاً ويرغمها على ممارسة الجنس فيتبع ذلك أن يعتقد الذكر بحقه في السيادة الإجتماعية وبالتالي أن تنحصر مهامها فقط داخل خدمة المنزل والعناية بالصغار.
إن ذلك التفسير ليبدو صحيحاً في حالة الإعتماد على السببية الصورية (أ تؤدي إلى ب ) الميكانيكية وسيبدو في هذه الحالة علاقة الرمز ( الجماع – القضيب ) بالدلالة (الهيمنة – السلطة – الدور الإجتماعي ) علاقة منطقية صورية يقف كلاً من الرمز والدلالة فيها مقابلاً للآخر , بالطبع فإن الصورية أو الميكانيكية تجد تعبيراً عنها لدى بعض الماركسيين في إعتبار الوعي مجرد إنعكاس شرطي للمادة .
ولكي نعمل على تصويب التخيل الصوري للمسألة موضوع البحث وهي كيف تم تثبيت التمايز الجنسي كأول تناقض طبقي في التاريخ يجب أولاً ملاحظة أنه بداية من نزول أسلافنا الأوائل من على الأشجار وحتى تداعي نظام الرق وبداية الإنتاج الصناعي المعقد لم يشهد التطور الإنساني هذه الطفرات والتراكمات التي شهدها البشر منذ القرن السابع عشر والثامن عشر مثلاً . فمثلما إستغرق تفكك الإقطاع الأوروبي الفترة التي تبدأ من نهاية الحروب الصليبية ومروراً بغزو الأمريكتين وحتى الثورة الفرنسية فمن البديهي أن أنماط الإنتاج والنظم الإجتماعية الأقدم والأقل تطوراً إستغرقت فترات أطول ولم يكن تصفية النظام القديم يتم بشكل نهائي بل كان يتم إستمرار بعض صور وأعراض القديم داخل النمط الجديد , وإذا إنطلقنا من هذه النقطة فمن البديهي كذلك أن تطور أنماط وعلاقات الإنتاج والبنى الفوقية السابقة على الزراعة قد إستغرقت مساراً زمنياً أطول وأشد بطئاً , لذلك فإنه من الجائز القول أن التطور البطيء للإنسان من الإقتيات من جمع وإلتقاط الثمار ثم الصيد والذين تم ممارستهما من قبل ساكني الكهوف إرتبطا بأشكال متباينة متفاوتة زمنياً من مجتمعات حق الأم وحينها لم يكن الإنسان البدائي يعرف العلاقة بين التكاثر والممارسة الجنسية فكانت الأم هي السلف الأول للعشيرة والمحدد للنسب وحقيقة إنتصاب القامة التي أوردها بول فريشاور لا تنفي أن المرأة كانت تختار الشريك الجنسي القادر على تأمين متطلبات البقاء وبالرجوع لما ذكرناه سابقاً أن المجتمع الماترياركي (حق الأم ) لم يتلاشى بصورة آلية أمام المجتمع الباترياركي (الأبوي) بل بقيت آثاراً منه في المجتمعات الباترياركية حتى في المجتمعات الأفريقية قبل الكولونيالية فإن العاملين البيولوجيين موضوع البحث ( طول فترة العناية بالطفل – إنتصاب القامة وتاثيره على كيفية الممارسة الجنسية ) لم تكن لتدفع بوعي الذكر إلى إقصاء الأم عن موقعها إلا حين صار مطالباً بتأمين الجانب الأكبر من الإحتياجات المعيشية للأنثى مقابل الحق في ممارسة الجنس , فشكل ذكور الصيادون الذين إرتبطت في أذهانهم البدائية الكفاءة في النشاط الإقتصادي ( الموقع الإجتماعي ) بالنجاح في الحياة الجنسية , شكل هذا الإرتباط الشرطي لديهم ما يشبه الوعي الطبقي فكأنما أصبح الذكور في مجتمعات حق الأم يشكلون طبقة واعية بموقعها وقدرتها على قيادة علاقة الإنتاج وواعية بمصالحها في تولي زمام القيادة لكن نشدد على أن هذا التحول لم يتم بطريقة سريعة حتى لا نقع في شبهة المعالجة السطحية حيث أن ذلك " الإنقلاب الذكوري" إستغرق تقدمه في التاريخ مئات الآلاف من السنين حيث أنه حتى عشرة آلاف إلى إثني عشر ألف عام مضت كانت عبادة ما يعرف بالـ "فينوسات" هي العبادة السائدة في ديانة الإنسان البدائي وأحد أوضح الشواهد على ذلك معابد الفينوسات الموجودة في منتقة شاتال هايوك في الأناضول والتي تعود إلى تجمعات سكانية مارست الرعي والصيد وعرفت البناء الحجري إستوطنت المنطقة قبل 12000 عام .
فالإنتقال البطيء من نمط إنتاج لآخر إرتبط بتطور الإنسان ذهنياً وبيولوجياً في عصر كان الإعتماد الأكبر فيه على القوى العضلية للإنسان وهذا الإنتقال أوجد التناقض الأول داخل المجتمعات الماترياركية متمثلة في الإعتماد على الذكور لتأمين إحتياجات الجماعة الأمر الذي قوض الماترياركية ببطء شديد .
فتضافرت المهام البيولوجية الجديدة لكلاً من الجنسين مع الأنماط الإنتاجية الجديدة ليؤدي تضافر هذين العاملين إلى فرض المزيد من التعقيد في تقسيم المهام بناءً على النوع الجنسي الأمر الذي أنتج تكيف أجساد كلاً من الجنسين بإستمرار مع تقسيم العمل ذلك أن أجساد وأذهان الأطفال تتكيف منذ النشأة مع الأدوار الإجتماعية المفروضة عليهم فالنوع الجنسي لم يعد مجرد فوارق جسمانية بل هو كذلك مركب بيولوجي إجتماعي ( يمكن الرجوع إلى أبحاث البروفسيرة أورزولا تشوي المتخصصة في علم نفس الطفل في هذا الشأن في كتابها نحن لا نولد إناثاً بل يجعلون منا كذلك ) ويمكن كذلك أن نلفت النظر إلى ملاحظة أن الفوارق بين الجنسين في مجتمعات لم تبتعد كثيراً عن الأنماط الأقدم سواء في غينيا الجديدة مثلاً أو الأمازون ليست شديدة التمايز بالنسبة للتكوين العضلي أو توزيع الدهون في الجسم مثلاً كما هو الحال بالنسبة لمجتمعات أكثر تطوراً .
لعل الكائن البشري إذن يختلف عن بقية الرئيسيات في هذه النقطة أيضاً أي نقطة الفروق الواضحة وظيفياً (تكوينياً وإجتماعياً) بين الجنسين .
تطور الأدوار الجنسية من سبب مباشر لتقسيم العمل إلى شرط ضروري لإستمرار تقسيم العمل إلى الدخول في علاقة عضوية بين الأدوار الجنسية وتقسيم العمل :
إن العلاقة السببية البسيطة المباشرة لا يمكنها أن تعيد إنتاج نفسها في نفس الصورة السببية البسيطة الميكانيكية , حيث أن الحدث المتمثل في إنتاج سبب أو علة لشيء ما غير كاف لبقاء هذا الشيء وإستمراره بالصفات المحددة لوجوده إذ أن ذلك بتطلب وجود شروط إستمرار هذه الظاهرة وبعض هذه الشروط يكون متواجداً في البيئة المحيطة بهذا الشيء أو الظاهرة وباقي هذه الشروط يتعين على هذه الظاهرة أياً كانت أن تحقق شروط بقاءها وإستمرارها تفاعلاً مع الواقع أو البيئة المحيطة بها أي أن ظاهرة ما حدثت لسبب ما يتطلب بقاؤها وإستمرارها أن تعيد إنتاج شروط بقاءها .
مثلاً كأن ينتج عن التزاوج ولادة طفل فهذه علاقة سببية بين التلقيح والإنجاب لكن الشروط الموضوعية فهي مستقلة عن الوجود البيولوجي للطفل فلكي تستمر وظائفه الحيوية لابد من توفر ظروف موضوعية محيطة كالغذاء , رعاية الوالدين إلخ .
ومع إستمرار نمو وتطور الطفل الحركي والذهني يكتسب الفرد القدرة على أداء الوظائف الحيوية والإجتماعية ( الوظائف الإجتماعية بمعنى العمل والتعلم وكل ما يتطلبه وجود الإنسان الإجتماعي ) وبطبيعة الحال فإن إكتساب الإنسان القدرة على أداء الوظيفة الإجتماعية يكن بغرض إيجاد وتحسين شروط بقاؤه لكن هل الوظائف الإجتماعية وقدرة الإنسان على إيجاد شروط بقاءه هذه موضوعية بمعنى أنها مستقلة عن الإنسان كتوفر الغذاء ورعاية الوالدين أم أن الإنسان يكتسبها طوال فترة الإعتماد على الأبوين ثم تصبح هذه الوظائف جزءاً من تكوينه الشخصي ؟ إن الإجابة هنا هي أنها وظائف مكتسبة أي أنها تغدو ذاتية حيث أنتقلت عملية إيجاد شروط البقاء من كونها شروطاً موضوعية إلى كونها في علاقة عضوية مع وجود الإنسان أو لنقل أن العلاقة هنا إنتقلت من " الشرط " إلى " الضرورة " فالوجود الإجتماعي للإنسان " التعلم – العمل – النسق الأخلاقي " ليست خارجة عن الإنسان وإن بدت كذلك بل هي في علاقة عضوية ضرورية لوجوده نفسه .
إن قمنا بتفسير علاقة الأدوار الجنسية بتقسيم العمل الإجتماعي في ضوء صيغة الإنتقال من العلاقة السببية للعلاقة الشرطية للعلاقة العضوية فنتتبع أولاً التطور في قدرة الجماعة البشرية التي إنتقلت من الغابات إلى السهول على القيام بعملها الإجتماعي هذا التطور شكل علة أو سبباً مباشراً لتطورات حركية وذهنية وبيولوجية للبشر الأوائل في إطار تشكيل إجتماعي تقوده الأم ( لم يكن البشر قادرين على الربط بين الجنس والولادة فإعتبرت الأم ذات الرحم بطبيعة الحال مصدر وجود العشيرة ) لكن هذا التشكيل الإجتماعي الماترياركي خلق نقيضه المتمثل في الحاجة للرعاية بالأطفال لمدة أطول لإكسابهم المهارات الإجتماعية الجديدة و تقدم العمل الإجتماعي فأصبح تقسيم العمل أكثر تعقيداً وذلك بالتضافر مع التغيرات البيولوجية مما سبب البدء في المسيرة البطيئة لتقسيم العمل الإجتماعي على أساس الجنس .
عند هذه النقطة تقف العلاقة السببية بين التطور البيولوجي وتقسيم العمل على أساس الجنس لكن لكي يستمر تقسيم العمل هذا كان لا بد له أن ينتج شروط بقاءه وإستمراره وتطوره , يفرض تقسيم العمل مزيداً من التطور ومزيداً من تقسيم المهام ومزيداً من الحاجة لإكساب الأطفال مهارات إجتماعية متزايدة مما يعني إلتفات المرأة بالتدريج للعناية بالطفل وبالتالي الإحتكار المتزايد لمزاولة الذكور للنشاط الإنتاجي وإلزام المرأة بالنشاط الخدمي فأصبح التطور البيولوجي والإجتماعي نتيجة لتطور تقسيم العمل ولكنه يعمل في الوقت ذاته عمل الشرط الموضوعي الذي يعمل على بقاء تقسيم العمل بل وتطور العمل الإجتماعي القائم على تقسيم العمل .
مع إضمحلال الماترياركية ببطء شديد عبر التاريخ يدخل كلاً من توزيع الأدوار الإجتماعية الجنسية وتقسيم العمل في علاقة عضوية أو علاقة ضرورة يعتمد كلاً منهما على الآخر في إعادة إنتاج كلاً منهما للآخر والذي بدوره أنتج المزيد من تكيف الجسم لدى الجنسين مع العلاقة العضوية هذه ومع إزدياد تعقد تقسيم العمل تصبح العلاقة بين الجنوسة والطبقية تبدو كأنها علاقة لا يمكن فضها .
وحيث أن هذه العلاقة العضوية " العلاقة بين الأدوار الإجتماعية الجنسية وتقسيم العمل " تعد أحد أقدم مكونات البناء الفوقي التي إنتقلت من نمط إنتاج إلى آخر ومن تاريخ إلى آخر فبدت بذلك مستقلة عن أي نمط إنتاجي اي أن ما كان ناتج العمل الإنساني في الزمن السحيق صار مستقلاً عنه وعن الإدراك الإنساني كحقيقة موضوعية ثابتة لا يمكن تجاوزها .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,362,555,291
- في جدل الإستعمار والتخلف


المزيد.....




- النيابة الفرنسية تحقق في انفجار ليون كـ-هجوم إرهابي-.. وتعزي ...
- قطر: المعالجة الناجعة لتحديات المنطقة تتطلب صدق النوايا وتوف ...
- الشرطة الفرنسية تبحث عن مشتبه بتنفيذه تفجير ليون
- سيدة تسخر حياتها لإنقاذ دجاجات الشوارع!
- إدارة ترامب ترتب مبيعات أسلحة بالمليارات للسعودية والإمارات ...
- من يقنع المعتصمين؟ إرهاصات تسوية حول مجلس السيادة بالسودان
- بعد زيارة حميدتي للرياض.. المجلس العسكري يعلن بقاء القوات ال ...
- لتجاوز معارضة الكونغرس.. إدارة ترامب تلجأ إلى ثغرة قانونية ل ...
- مع اتهام طهران بتنفيذ -حملة-.. ترامب يرسل تعزيزات للمنطقة
- إليسا ترد على سخرية جورج وسوف منها


المزيد.....

- الصورة والخيال / سعود سالم
- في مفهوم التواصل .. او اشكال التفاعل بين مكونات المادة والطب ... / حميد باجو
- فلسفة مبسطة: تعريفات فلسفية / نبيل عودة
- القدرةُ على استنباط الحكم الشرعي لدى أصحاب الشهادات الجامعية ... / وعد عباس
- العدمية بإعتبارها تحررًا - جياني فاتيمو / وليام العوطة
- ابن رشد والسياسة: قراءة في كتاب الضروري في السياسة لصاحبه اب ... / وليد مسكور
- الفلسفة هي الحل / سامح عسكر
- مجلة الحرية العدد 4 2019 / كتاب العدد
- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود رشيد - في التفسيرات البيولوجية لتقسيم الأدوار الإجتماعية على أساس الجنس