أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - امال الحسين - مأساة يغود - الثورة والثورة المضادة - ج 2















المزيد.....



مأساة يغود - الثورة والثورة المضادة - ج 2


امال الحسين
(Lahoucine Amal )


الحوار المتمدن-العدد: 5748 - 2018 / 1 / 5 - 13:38
المحور: الادب والفن
    


تأثر أبو مولود بوفاته الشيخ حمد، لم تنته الحرب، هو على يقين أن الثورة تمتد على طول البلاد، ثورة الريف، تعطيها نفسا جديدا، الأنظار تتجه إلى الريف، الانتصارات، هزيمة الأعداء، يلتقي الثوار في السرية، أعوان الباشا يتربصون بهم.
انقطع عن زيارة بلدته، لم تعش أمه طويلا بعد وفاة أبيه، فارقت الحياة دون أن يودعها، لم يستطع حضور جنازتها. تمت مصادرة جميع أراضيه، أخوه الوحيد، ذو شخصية ضعيفة، لم يستطع الصمود أمام طغيان أعوان الباشا، سلم أخوه كل ممتلكاته للأعداء، خوفا من بطشهم. عاش غريبا، بعيدا عن مسقط رأسه، لا يفارقه السلاح، في نومه، بالبيت، بالمسجد، بالمدرسة، في كل مكان، ينتظر الموت في كل حين.
أتاه الموت، لكن بشكل مفاجئ، من الأيادي التي لم ينتظر منها ذلك، وضعوا السم في طعامه، عند زيارة بلدته، بعد غياب طويل، تناول الطعام، بيض، زيت زيتون، خبز شعير، خرج من الدار، توجه إلى المقبرة، ترحم على أبيه وأمه ليلا، انطلق عبر الجبال إلى المدرسة. في الطريق، اشتد عليه الألم، في تلك الليلة، من ليالي الشتاء، زينب لم تر النوم، بيض الغدر، آخر طعامه، في الفجر لفض أنفاسه الأخيرة. توفي شهما، واقفا كالشجر، ترك أربعة أطفال صغار، مولود وثلاث بنات.
على مولود أن يدبر أموره، أصبح رب البيت، القائم على حماية أمه وأخواته، مات من كان يواجه شيخ القبيلة، طغيانه، يخاف من الفقيه. الاستعمار على الأبواب، الباشا يسخر شيوخه ضد الفلاحين، تعلم من أبيه مقولة مشهورة لدى السلاطين:
ـ التعيير يأتي دائما من الجنوب.
الباشا رمز سلطة الإقطاع، على عرشه بمراكش، خليفته بالقصبة، ابنه، يتم امتصاص دم، عرق المستعبدين، الطوارق، الأفارقة الأمازيغ، بدعم من الاستعمار الفرنسي:
ـ باسم نشر حقوق الإنسان، مبادئ الجمهورية الديمقراطية، الحرية، المساواة، الأخوة، أخوة بطعم الاستعمار، مساواة باسم الميز العنصري، حرية بلذة عبودية الرأسمال، عصر عبودية الرأسمال، على فوهات المدافع، على جثث الفلاحين.
خمدت المقاومة، تحت رمادها نار مشتعلة، في انتظار رياح الثورة الثانية، لتندلع كالنار في الهشيم. لم تستسغ فرنسا وإسبانيا وجود تجربة ديمقراطية بالريف، تهدد استراتيجية الاستعمار، استغلال الإنسان والطبيعة. لم تستسغ إسبانيا هزيمتها.
من الجنوب إلى الشمال، من الأطلس إلى الريف، انبعثت الثورة من جديد، سي موحند، أسد الريف، قوة خارقة، وحد القبائل، قضى على الخلافات، على الأحقاد، الثورة ضد الاستعمار، هدفه هزيمة الغزاة، قيام الدولة المستقلة.
درس في الثورة، العالم جميعه يصغي، يترقب بلاد يغود من جديد، فنون حرب جديدة، فئة قليلة هزمت فئة كثيرة. جيش منظم ينهار بأكمله، كبار ضباطه، الشمال أنقد ماء وجه الجنوب، الثورة تستمر على طول الثغور، بالأطلس والصحراء، تتألق بالريف.
صحيح أن ثورة الجنوب فشلت، لكنها استنهضت الثورة بالبلاد كلها، قالها الفرنسيون، وضعوا أمامهم رأس الشيخ حمد، لم يستطيعوا الوصول إليه، احتضنه الأطلس والصحراء، موطن الأسود والفهود. ثورة الجنوب أعطت للمقاومة معنى أعمق، معنى الصمود أمام العدو.
ثورة الريف أعطت للمقاومة معنى أرقى، معنى استراتيجية الحرب الجديدة، تدمير دولة القبائل، قيام الدولة الوطنية الديمقراطية الشعبية، جمهورية الريف أساسها الحرب الشعبية، على فواهات المدافع تم بناؤها.
قامت ثورة الريف، سي موحند قائدها، ثائر رفض خدمة المستعمر، استثناء ثوري. ثورة متقدمة، تزامنت مع اتجاه الثورة عالميا، من الغرب إلى الشرق، لكن ثورته لم تتجاوز في أول الأمر حد القومية، المرتكزة على الدين، لم يكن يعرف أسد الريف، أنه يبني أسس ثورة المضطهدين. كل الدول الاستعمارية تجتمع بطنجة، المدينة المستعمرة دوليا، كلها حائرة، تردد على لسان الاستعمار:
ـ لا مفر، إنزال الآلة العسكرية ببلاد يغود، كل قوانا، جيوشنا، يجب تدمير الثورة بالريف، ثورة المضطهدين، لا بد من تدميرها.
الفلاحون متشبثون بالأرض، تناحروا حولها، دافعوا عنها، فشلوا في الثورة الأولى، قامت الثورة الثانية، استمرت المقاومة المسلحة بشكل متطور، طورها القائد عالميا، أسد الريف، أسطورة ثورة الفلاحين المضطهدين، فشلت، لكنها وضعت أسس الحرب الشعبية.
عزيمة الثوار تكبر، تجربة جديدة من المقاومة المسلحة تولد بالريف، درس في المقاومة المسلحة الشعبية، ينتشر خبرها بالعالم، كل قادة التحرر الوطني بالعالم، ينظرون إلى الريف، الثورة الريفية، دولة الريف المستقلة، على فوهات البنادق. بالشمال الثوري، جمهورية الريف، ترفع بنودها عاليا.
ترفع الأعلام، انهزام ثاني أكبر جيش مستعمر، العدو الجار، المؤامرة بطنجة، التحالف الفرنسي الإسباني، ضد دولة الريف، ضد الحرية، الديمقراطية، فرنسا تحاصر الريف من الجنوب، من الشرق، تعقد تحالفا مع إسبانيا، تهاجمان شعب الريف، تدمر تجربته الثورية، تبيد الرجال، النساء، الأطفال، الأسلحة الكيماوية، تحرق الإنسان، الطبيعة، القائد الشهم، يقدم نفسه للعدو الفرنسي.
جميع مناطق مراكش تنتفض، ثورة الجنوب شرارتها، ما زالت جبال الأطلس في غليان، تحمل السلاح في وجه الاستعمار، الباشا يحكم قبضته بالجنوب، سد منيع ضد الثورات، اليوم السلطة بالقصبة في خطر، أعلنها الشيوخ الخونة، وعدهم بزيارتها، لحسم السلطة هناك.
جميع الخونة، عبر التاريخ، أغبياء، بلداء، يقودهم، ضعفهم الفكري، الإدراك، الإرادة، ضعفهما، يقودهم إلى الخيانة، يرون في الخيانة، طريقا سهلا، قصيرا، للوصول إلى السلطة، الوصول إلى الحكم منبطحين، مطأطئ الرؤوس، وصوليون، انتهازيون، يقبلون الأيادي، حتى أخمس أصابع الأرجل، يبيعون كرامتهم، بدون مقابل، ثقافتهم وشاية، جرأتهم كذب، لا يجرؤون على رفع الهامات.
دفعت الخيانة، الشيخ المخلوع، أن يصبح مستعبدا، أمام الباشا، لا يرى في الحياة إلا العبودية، يعجز عن رؤية شهامة الشيخ حمد بالجنوب، ملك في مملكته، شهامة أسد الريف، الشيخ الشهم. بين الثورة والثورة المضادة، بين الحرية والعبودية، يقف الشيوخ الخونة، صامتين، ينتظرون قدوم عميل الاستعمار، إلى القصبة، حيث يقيم خليفة الباشا هناك، بعد تكسير حكم المرأة، مريم اليغودية، بعد اعتقال الشيخ الشهم، الخونة يعبدون العميل.
الشيخ الخائن تقوده غباوته، إلى الاعتقاد أنه ما زالت أمامه فرصة حكم القصبة، ينتظر الإنصاف من كبير الخونة. أخبار ثورة الريف تنتشر، استمرار ثورة الجنوب، معقل تمرد الشيخ الشهم، غير مؤمن، مجال خصب للثورة، يعرف ذلك جيدا، هناك مناصرون للثورة، الخونة، لا يفقهون في الحرية شيئا، مستعبدون ينتظرون.
تم إخماد نار الثورة بالشمال، القضاء على ثورة أسد الريف، القضاء على جمهورية الريف، تدمير تجربة جديدة، تؤسس للدولة الوطنية الديمقراطية الشعبية.
حكم تحالف الاستعمار والإقطاع، كسر الثورة الريفية، أسد الريف وضع السلاح، استقر بالمشرق، بمنفاه، عيونه على الريف، على المقاومة، تكبر رؤيته، تشمل العالم، التحرر الوطني العالمي.
الباشا يتابع هذه الأحداث، المخابرات الفرنسية، تزوده بجميع المعلومات، الأخبار، المخططات، فكرة واحدة أمام المستعمر، يرددها:
ـ يجب تدمير فكرة الثورة ببلاد يغود.
الثورة بالجنوب، ثورة الشيخ حمد، انتشرت كالنار في الهشيم، عمت البلاد ملكت عقول الفلاحين الفقراء، ما زالت فوهات البنادق ترفع عاليا، الباشا يحكم تاوريرت، القصر، القصبة، ثالوث الثورة المضادة، بالأطلس، معقل الاضطهاد، بأيادي الخونة، الشيوخ الخونة، يفتحون الطريق أمام الاستعمار الفرنسي.
هزيمة هاتين الثورتين ليس أمرا عاديا، إنما هو درس من دروس التاريخ العميق. في التناقض:
ـ بين الفكر المادي الذي استغل العلم ضد الإنسانية، والفكر المثالي الذي وظف الدين في السياسة.
ـ بين قوة العلم واستغلالها في التدمير، وفشل أخلاق الدين في الظفر بالانتصار.
ـ بين قوة المشروع الاستعماري، وضعف المشروع القومي.
ـ بين مشروع الوصول إلى الثروات الطبيعية، وانهيار مشروع دولة الإقطاع.
ـ انهار الفكر المثالي أمام الفكر العلمي.
مضمون القومية، يتخذ الفكر الديني قوة غيبية، في قيادة المقاومة ضد الاستعمار، نتيجة قصر النظر في فهم الواقع الموضوعي، تجاهل التحولات الجديدة في مجرى التاريخ، بروز الدولة الحديثة، فصل الدين عن الدولة، تطور القوى المنتجة بفضل تقدم العلم، انهيار علاقات الإنتاج الإقطاعية المرتكزة على الفكر المثالي، صعود البورجوازية، سيطرة الرأسمال على الدولة.
غزو الاستعمار للشعوب المضطهدة، لم يتم فقط بسبب القوة العسكرية، تطور الأسلحة، إنما هو نتيجة قوة الدولة الحديثة المعتمدة على العلم، ضد دولة بقايا الإقطاع المعتمدة على الفكر المثالي.
ـ في الصراع بين العلم والدين، انتصر العلم.
في ظل تحالف الإقطاع والاستعمار، تم إخضاع الشعوب لسيادة المستعمر، اضطهادها، نشر عبودية دولة الرأسمال. تم استعمار البلاد، بقيت الطقوس الدينية، التقاليد، العادات، الأحقاد بين القبائل، طغيان رؤساء العائلات على باقي أفراد العائلة.
ـ يتم استغلال المجتمع والطبيعة.
أسد الريف، مرجع حركات التحرر الوطني عالميا، بالمنفى، موقع المقاومة والتحرر ببيته، قادة العالم يزورونه، يلتمسون نصائحه، توجيهاته، تكتيكاته الحربية، استراتيجية الثورة في البلدان المضطهدة، مات لينين بالشرق، ظهر محرر الشعوب المضطهدة بالغرب، حرب التحرير الشعبية تولد ببلاد يغود.
المقاومة تكبر بالجنوب، تمتد ضد المستعمر الإسباني، الثوار يساندون ثورة الريف. تسير الثورة في اتجاه الصحراء، الجنوب الشرقي، يحقق الثوار ملاحمة تاريخية، ضد تحالف الاستعمار الفرنسي ـ الإسباني والإقطاع.
تنهزم ثورة الريف، يتم محاصرة الثوار بالشمال، تستمر ثورة الجنوب، تتم محاصرة الجيوش الفرنسية ـ الإسبانية بالصحراء، الثوار مرابطون بالجبال، تهدأ فوهات البنادق، في هدوء يسبق العاصفة، استعداد للمرحلة الثالثة من الثورة، بعد نضج نضال الطبقة العاملة بالمدن والبوادي، بالمناجم، المعامل، الضيعات.
قائد الثورة الريفية بالمنفى، يبني حركة التحرر الوطني، الوجه الآخر لتنظيم المقاومة، في إطارها العالمي، الطريق الثوري، الكفيل بتحرر الشعوب المضطهدة.
تابع الباشا تطورات الحرب الاستعمارية على الريف، يرتعد من شرارة ثورة الجنوب، يتحرك إلى القصبة، يتوقف ببلدة أبو مولود، خليفته هناك، مسك المنطقة، بيد من حديد، يقيم ليلة أحواش ن تمغرين، على شرفه، يتآمرون، يتبادلون الحديث عن الشمال الثوري، طلوع رايات الثورة عاليا، جمهورية الريف، أمير ثورة الريف، شرارة الشيخ حمد، ملك ثورة الجنوب، ملك على عرشه، يرفع السلاح عاليا، تستمر الثورة.
يعطي أوامره لخلفائه، حذرهم من الشيوخ الخونة، تشديد الخناق على المناطق، الحرب تستمر بالجنوب، جبال الأطلس تقاوم، نغمات سمفونية الثورة، على ألحان الحرية والديمقراطية، البنادق بالجنوب، بالصحراء، بالجنوب الشرقي، يكرس الباشا اضطهاد السكان بالأطلس، حكم سيطرته، خلفاؤه يضطهدون الفلاحين، بتاوريرت، القصبة، درعة، تفلالت.
بنى قصبته بجانب قلعة مريم، بناية عالية، ضخمة، تعبيرا عن قوة سلطته، خليفته، ابنه بالقصبة، تسلم مفاتيح أكبر منطقة جبلية بالأطلس، شرق سوس العليا، الرافضة للاستعمار في عهد أسد الأطلس، الشيخ الشهم، آخر شيوخ قلعة مريم، الذي عين آخر شيوخ الزاوية.
عدد كبير من العائلات، تعمل بالقصبة، بالمزارع، بالزواية، خدمة الأسياد، الطغاة، بدون أجر، عهد العبودية الإقطاعية، بقايا الإقطاع في ظل الاستعمار. من أجل تركيز عبودية الرأسمال، يشكل القواد الإقطاعيون، شيوخ الزوايا، العمود الفقري للاستعمار، استغلال ثروات البلاد.
بعد رحيل الشيخ الشهم، الخليفة يصول، يجول، بجبالها، وديانها، مزارعها، غاباتها، مياهها، يروي عطش سنوات الحرب، حرب ضد - ثورية، ضد ثورة الجنوب، غاب الأسد عن غابته، الخونة يصولون، يجولون. الأمازيغي اليغودي يهوى الرماية، في الغابة، صيد الأسود بالأطلس، الفهود بالصحراء، الشيخ قائد قلعة مريم يغيب، حتى الأسود تموت بالضعف، الحماية تغلب السبع، قالها العرب.
دار الباشا بمراكش، كل قصباته، في حاجة إلى العمال، إلى التمويل، كل دوار يعطي فرضا، أيام عمل، أموالا، أشياء عينية، غلالا، مواشي. بكل قبيلة شيخ، بكل دوار مقدم، سلطة الإقطاع تنتشر، الرعب يعم، ويل لكل من أشارت إليه أصابع الشيخ، المقدم، المخزني، الجواسيس ينتشرون، حتى في صفوف النساء، في أواسط العائلات.
كان الشيوخ الخونة ينتظرون الفرصة، فرصتهم الضائعة، في الحكم، كبيرهم الشيخ الخائن، الساذج، يسعى إلى عطف باشا مراكش، حاكم الجنوب، عميل الاستعمار. سذاجة الشيخ الخائن، تقوده إلى الحلم بحكم قلعة مريم، بعد غياب الشيخ الشهم، أصبح يحلم بالسلطة في ظل الاستعمار، الباشا، يعرفه جيدا، لا يصلح للحكم، سبق أن أسقطه الشيخ الشهم، ليس أهلا بثقته، نصب خليفته من أقربائه، لا يثق في الشيوخ الخونة، من بين خلفاء القصبة أحد أبنائه، من صلب عرقه، دمه.
عدة أشياء تغيرت بقلعة مريم، خرج منها الأحرار، دخلها الخونة، في فترة الاستعداد لدخول الاستعمار، ما زالت ثورة الجنوب بباب الصحراء، الاستعمار يتقدم من الجهة الغربية إلى الجنوب الشرقي، مركز الثروات المعدية. بعد سقوطها، خليفة الباشا يطوع الفلاحين، عمالا بورشات شق الطرق، بجبال الأطلس، على طولها وعرضها، ليس من أجل عيون الفلاحين، بل لسرقة المعادن، عبر الأطلسي، لتنمية الرأسمال.
خليفته، ابنه، جيل آخر، غير جيل الباشا، تربع على القصبة، مركز السلطة الجديدة، كل الدواوير، رجالا، نساء، دوابا، يؤدون الفرض، أيام عمل بدون مقابل، ويل لمن تخلف عن أداء الفرض:
ـ واجب الفرض، تموين سلطة القصبة.
أثناء زيارة المخزني للعائلة، لأخذ الفرض، يدخل إلى الزريبة، يختار الأجود من كل شيء، حتى في طعامه، ديك بالغ، البيض، الزبدة، السمن، اللوز، العسل، أركًان، الزعفران. سلطة الباشا في حاجة إلى تموين.
الخليفة بالقصبة، يقيم الليالي، ليالي أحواش، الشيوخ الخونة يتنافسون، يتبارون في إقامة أحسن ليلي أحواش، في مساء كل ليلة، يحشدون، الفتيات، الأمازيغيات، الجميلات، يلبسن اللباس التقليدي، ملحاف مطرز، ثوب ناعم على رؤوسهن، ملفوف على شعورهن، متدلي على ظهورهن، الرأس موشوم، بحلي من فضة معادن سيروا، زكندر.
اليهود، إسكاكن، بارعون في صنع الحلي، في مجمعاتهم، الملاح، حرفيون، نشطون، يصنعون جميع الأدوات النفيسة، حتى النقود، من الفضة، الشيوخ الخونة، زبائنهم المفضلون، يحترمونهم يؤدون الثمن جيدا، لا يكلفهم ذلك شيئا، الفقراء هم الذين يؤدون كل هذه الأموال، بالعمل بالمزارع، بالمنازل، بالقصبات، المنتشرة بالقبائل، مجتمع الأسياد والمستعبدين.
الشيخ يملك الأحسن من كل شيء، المزارع، المواشي، الجياد، البغال، بوشفر، الخماسية، أواني الفضة، كل ذلك على حساب قوة عمل الفلاحين الفقراء، عصر العبودية الجديدة، باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
الباشا يستعين في حكمه، بالفقهاء، بالزاوية، نصب فقيه القصبة قاضيا، القضاء في خدمة الإقطاع، في إصدار أحكامه، تحرير عقود ممتلكاته، يستعين بالعدول، أعوان القاضي، يستعين بموشي، الحزان لتوفير ماء الحياة، دوري التاجر الفرنسي لتوفير أحسن الخمور، من خمور بوردو. خليفة الباشا، ابنه، حاكم القصبة، يقضي لياليه، في فرجة أحواش ن تمغرين، تمزيغين، من غروب الشمس إلى طلوع الفجر.
تمادى في الليالي الحمراء، لا يستيقظ إلا بعد الزوال، رياح الغربي نخرت دماغه، أصبح مدمنا، منحرفا، ينتظره المتقاضون، أمام القصبة، منذ الصباح الباكر، بعد سفر طويل ليلا، طيلة الصباح، الشيوخ الخونة حائرون، في هذا الأمر، يستقبلهم بالمساء، بالليل إقامة أحواش، أنهكهم، لم يستطيعوا مواصلة خدماتهم، لا يستمتعون بالراحة.
الشيخ الخائن يلتقط اللحظة، فكر في الأمر، قال:
ـ هذه فرصتي الأخيرة، طريقي إلى القصبة مفتوح، لن أفوت فرصتي.
مازال يحلم بحكم القلعة، ينتظر أن يخلع الباشا الخليفة، ابنه، من صلب دمه، ليمنح له مفاتيح القلعة، شيخ غبي، لا يعرف كم يبلغ ثمن ذلك.
ما أروع القصبة، زارها الفنان، الرايس الحاج بلعيد، وصفها في أغنيته المشهورة، رائعته "أسيف ن سكتان" وادي سكتانة.
قضى الشاعر الفنان ليلة أحواش، هناك بالقصبة، بعد رحلته بوادي إسكتان، جاب دواوير الوادي، أبهره جمالها، غنى عن المكان، عن القصبة، صور جمال الطبيعة، تصويرا فنيا يبهر السامعين.
غنى عن جمال القصبة، النوافذ، الزليج، الشرفات، انبهر الفنان، في تلك الليلة، ليلة أحواش، الألحان الأمازيغية، بالصوت الأنثوي، جمال الأنوثة، في نغماتها، ألحانها، انبهر الرايس الحاج بلعيد، صور انبهاره، في صور شعرية جمالية، غاية في البلاغة، غاية في الخيال، يعتذر، يتساءل، يستنجد. يعبر عن تعلقه بالمكان، ترفض قدماه المشي، يخاطب رأسه، عقله، يطلب منه الوقوف، أن يبيعه، تعلق بحب جديد.
جمال الطبيعة، رقصة أحواش، أمازيغيات، فتيات جميلات، جمال طبيعي، جعل الفنان يخاطب عقله، يخاطب رأسه، تصور رائع لمكان جميل، على لسان الرايس الحاج بلعيد، الفنان الأمازيغي.
قصيدة، من عمق التعبير العفوي، لفنان موهوب، يغني، يشعر، دون سابق إصرار، يتفاعل مع المكان، جاب دواوير سوس، تجمعات الأمازيغيين. منذ طفولته، ببلدة تهلا الجميلة، بملاحها الكبير، تجمع كبير لليهود بالجنوب، تعلم العزف على الرباب، على يد الفنانين اليهود، أصبح معلم أغنية سوس.
الشيوخ الخونة منبهرين، في تلك الليلة، قمة جمال الموسيقى الأمازيغية، فنان كبير، سافر إلى باريس، التقى الفنانين الكبار هناك، أعجبوا به، فنه، ألحانه، شعره، روائعه، غادر القصبة بعد تلك الليلة، في طريقه إلى بلدته، تبعه نحس الشيوخ الخونة، فقد حنجرته. تم التخلص منه، دس السم في الطعام، طريقة خفية يستعملها الأعداء ضد خصومهم، أسهل طريقة، سلكها أحد الشيوخ الخونة، لم يستسغ تجاهل الفنان له، عدم زياته بقصبته، أرسل وراءه من يدس في طعامه السم، فقد الفنان حنجرته الذهبية، فقد كل ما يملك، مات الفنان مسموما، في روايات لأهل البلدة.
اجتمع الشيوخ الخونة، على مائدة الشيخ المخلوع، يتشاورون في الأمر، خاطبهم:
ـ لم يعد لدينا وقت للتفرغ لأحوالنا، حكم قبائلنا، أصبحنا مستعبدين، لم يعد الفرق بيننا وبين عامة الناس.
كان الشيخ الخائن، في عهد الشيخ الشهم، يخرج من بلدته، حاملا وشايته إلى الباشا، يمتطي بغلا، أنثى قوية، في اتجاه مراكش، وراءه مستعبده، يشد بذيلها، يجري وراءها، يتوقف في الطريق، يستريح عند شيخ خائن آخر، حليفه، يقضي ليلته هناك. يتآمران على الشيخ الشهم، يودعه صباحا، يمر بغابات جبال الأطلس، على ضفاف الوديان المتلألئة، الباشا ببلدته، في راحة، خارج مراكش. يمر بدوار السور، به أكبر ملاح، أكبر تجمعات اليهود، يشتري أحسن الحلي، أواني فضية، خماسية مرسعة بالفضة، هدايا للباشا، يلتمس لقاءه.
يشد المستعبد البغل، يربطها، يشد سلاح الشيخ، خماسية، ينتظر أمام الباب، البواب، ينحني أمام الباشا، سيدي، شيخ من القصبة، يحمل الهدايا والزعفران، يدخل، يقدم التحية باحترام شديد:
ـ سيدي الباشا، كل شيوخ القصبة في انتظارك، يقدمون الولاء.
يعقد الموعد، يطلب الحماية ضد الشيخ الشهم، هكذا تآمر عليه، اليوم أصبح مستعبدا. يقطع الشيخ المستعبد، نفس المسافات، حاملا الهدايا، يمشي وراءه الشيوخ الخونة، يحملون الهدايا، يعتقد أنها فرصته الأخيرة، ليحصل على غايته، ينتظر دائما الفرصة، للوصول إلى حكم القلعة. يقدم الولاء للباشا، هذه المرة يخاطر، يجازف، لقد مل من ممارسة خليفة الباشا بالقصبة، الليالي الحمراء، أحواش، السهر، الخمر، ماء الحياة، الجواري، كل فتاة، غير محظوظة، في صف أحواش، تجذب أنظاره، تلتحق بالخادمات، جارية أخرى، مستعبدة أخرى.
هو أمازيغي بن الباشا، حليف الاستعمار، إقطاعي، يسيطر على الأرض، يستغل الفلاحين، يستعبدهم، حتى مياه سيروا الفضية، جلبها، حرم الفلاحين من السقي، غرس المستعبدون أشجار اللوز، على طول وعرض القصبة.
المستعبدون يعملون، يحرسون، يقدمون جميع الخدمات، الشيوخ الخونة، يستعبدون، يملكون مستعبدين، أصبحوا اليوم مستعبدين، يطلبون العفو من الباشا، الاطلاع على الأمر، يقدمون الولاء، الهدايا، ينحنون أمامه، يطلبون عرض مشكل السلطة بالقصبة، الباشا ينتفض:
ـ السلطة؟ لديكم خليفتي، من صلب دمي، ابني.
الشيخ الخائن:
ـ لا بأس سيدي، إننا نخاف على السلطة، على الخليفة، لهذا حضرنا أمامك، خوفا من ضياع السلطة بين يديه، أعداؤك يتربصون به.
هناك موالون للشيخ الشهم، غير راضين على حكم الباشا، معارضون، حاربهم، سخر الشيوخ الخونة، المستعبدون، يراقبونهم، يمنعونهم من استغلال أراضيهم.
لما علم الباشا بالأمر، قدر موقفهم، استضافهم، أمر خادمه:
ـ جهز دار الضيافة، هؤلاء الناس ضيوفي.
يرد الخادم:
ـ نعم سيدي.
يردد الشيوخ الخونة:
ـ نعم سيدي.
دخل الشيوخ الخونة، بعد عناء كبير، مكثوا يومين أمام القصر، ينتظرون دورهم، نفذ كل طعامهم، حتى الشعير، التبن، أخيرا، هم في قصر الضيافة.
تناولوا عشاء ملكيا، كؤوس الشاي، تأكد الباشا من غباء هؤلاء الناس، أوفياء لقاهرهم، يقدرون من يهينهم، يتربصون بجيرانهم، بعائلاتهم، يضربون المسافات، يحملون الهدايا، ينحنون، يركعون، يعبدون الباشا.
هذه الليلة، قضاها الباشا في حيرة من أمرهم، يفكر:
ـ يخافون على سقوط سلطة الباشا؟
هكذا حال الخونة، غباوتهم تقودهم إلى الخيانة، حانت فرصتهم، لم يدركوها، ضعفاء العقول، لم يفهموا أنهم يشكلون قوة جبارة، باستطاعتهم اعتقال خليفة الباشا، لديهم قوة، لكنهم جبناء، لا يستحقون الحرية.
قضى الشيخ الخائن ليلته يفكر:
ـ هل أفوز بالسلطة هذه المرة؟ يبدو أن الباشا راض علي، عند حسن ظنه، من يستحق الخلافة غيري؟
في الصباح، تناولوا الفطور، استقبلهم الباشا، شكر الشيخ الخائن، وعدهم بزيارة القصبة للوقوف على الأمر. جهز لهم الخادم البغال، أعطاهم ما يكفيهم من الطعام، الشعير، التبن، انصرفوا فرحين، يمرحون، يعتقدون أنهم انتصروا، يعتقد الشيخ المستعبد أن السلطة بيده.
قضى خليفة القصبة ليلته، من ليالي السمر، ليلة حمراء، أحواش ن تمغرين، الشيخ الخائن في فرحة عارمة، مع باقي الشيوخ الخونة، ينتظرون قدوم الباشا، وعدهم بحسم الأمر، زيارة القصبة أمر سلطوي، الوقوف على نفوذ سلطته، حصن حصين لحكم الجنوب.
انطلق موكب الباشا، تتقدمه سيارته، السيارة الملكية، هدية من اليوطي، تبعه الفرسان، المشاة، المستعبدون، يشدون بأذيال الأحصنة والبغال. قبل ذلك بأسبوع، تم تمشيط المنطقة، العسكر ينتشر بجبال الأطلس، يخترق الدواوير، يرهب الفلاحين، يجمع المخزنية الفروض، تمويل رحلة الباشا إلى القصبة.
النساء يخرجن منذ الصباح الباكر، جنبات الطرقات مليئة، رقصات أحواش ن تمغرين، الهدايا محمولة على البغال، تنتظر مرور الموكب، في موكب ملكي، أينما حل، يتوقف، تقديم التمر والحليب. استقبال ملكي. بنى الباشا طقوس حكمه، على غرار دواوين سلاطين القبيلة.
السلطان على ظهر فرسه، حكمه كان قاسيا، شديد القساوة، قمع كل ثورات الأمازيغ، بالجبال، السهول، الوديان، نصف قرن من إخماد نيران الثورات.
يصل موكب الباشا إلى تفنوت، معقل الفقيه سيدي إفني، الأسطورة، حكم الجن، حضر الجن، أخرج الجن، كل النساء يزرن مقامه، في مزاره بالبحيرة، يعرضن عقدهم النفسية، أرواح شريرة تسكنهم، زيارته، شفاء، رحمة، الرقية، الفقيه يضاجع النساء، تدخل المرأة، يضاجعها، تصرخ، تشتد المضاجعة، يرتفع الصياح، النساء خارج خيمة المضاجعة، يسترقن السمع لصرخاتها، ينتظرن دورهن.
الخرافة تسكن عقل المرأة، لما عزلها الرجال، أبعدوها عن السياسة، عن الحكم، عن السلطة، لما قتلوا تيهيا، عزلوا مريم، اعتقلوا الشيخ الشيم، تقام ليالي المضاجعة بالقصبة، ليس بالرقية، على حال سيدي إفني، إنما عبر مقدمات فنية، ألحان، نغمات، رقصة أحواش، ليالي حمراء، مضاجعة الفتيات، الشيوخ الخونة يسترقون الهمس لصرخاتهن، وشايتهم تصل الباشا حليف الاستعمار.
قضى الباشا، ليلة بيضاء، أحواش ن تمغرين، أعطى أوامره لخليفته، بشدة يده الحديدية على المنطقة، نشر جواسيسه، بالجبال، الوديان، الغابات. حذره من شرارة ثورة الجنوب، الثوار ما زالوا صامدين بتخوم الصحراء، معقل الصمود، البنادق ترفع عاليا، في سماء جبال الأطلس.
الباشا يخاف على عرشه، يتحرك إلى القصبة، يحل بها صباحا، باكرا، يجد باب القصبة يعج بالمتقاضين، جيشهم الشيخ الخائن، ينتظر سيده، يستقبله، استقبال الملوك، التمر والحليب، الهدايا، التهاليل، الزغاريد. خليفته بالقصبة في نوم عميق، كعادته، قضى ليلة حمراء.
دخل الباشا إلى القصبة، استقبل المتقاضين، كل نزاعاتهم حول الأرض، الماء، فلاحون تم استعبادهم، علاقاتهم عداوة، تحولت كل نزاعات الحدود، بين القبائل، إلى نزاعات عائلية، شخصية، بالجبال، الغابات، المراعي، العيون، الوديان، نزاعات شخصية. توصل الاستعمار إلى تفريق الفلاحين، خلق نزاعات هامشية بينهم، تمت تغذيتها من طرف الشيوخ الخونة، بعد تعيينهم، سقوط القلعة، اعتقال الشيخ الشهم، اغتياله. نشروا جواسيسهم، زرعوا الفتن، النزاعات، محكمة خليفة الباشا تمتلأ بالمتنازعين، أمام القصبة.
قبل دخول الفرنسيين إلى الهضبة، بنى الباشا القصبة، فتح الطريق لنائب المقيم العام الفرنسي. الباشا يأمر، ينهى، أحكامه لا تستأنف، يستعين بقاضي القصبة، فقيه القلعة، يفك جميع ألغاز السيطرة على الأرض، الماء، الغابات، الزواج، الطلاق، الإرث.
قاضي قضاء الشرع، الشريعة والحكم، القاضي والباشا، الدين والسلطة، الشريعة وسيلة للاغتناء، ثروته بالزاوية، يضرب بها المثل، قطيع أغنامه، رأسه بقمة الجبل، ذيله بباب منزله، حصد كل هذه الثروة من خدمات السلطة، مات، ترك ابنا معتوها.
يستيقظ خليفة الباشا، يتناول الفطور، يحس بحركة غير عادية بالقصبة، يسأل إحدى الجواري في الأمر، تجيبه:
ـ سيدي، سيدي الباشا بالقصبة، بالقاعة.
يستفيق من غفوته:
ـ فعلها الوشاة، مصيبة.
الوشاة، الجواسيس، المتآمرون، المؤامرة، المناورة، الوشاية، صفات الشيوخ الخونة.
دخل الخليفة إلى قاعة المحكمة، الباشا يترأس الجلسة، القاعة مليئة، الشيوخ جالسون، جلس بهدوء، انحنى، سلم على الباشا، أبوه، حاكم الجنوب.
أمره الباشا أن يتقدم، إلى قفص الاتهام، وقف أمامه، نطق بالحكم:
ـ حبسه.
أمام أعين الشيوخ الخونة، أمر إمخزنين باعتقاله، دخل السجن، بناية، بعيدة عن القصبة، معزولة غربا، باناها للمعتقلين السياسيين، سجناء الرأي، الحق العام، أصبح الخليفة أحد زوارها.
رفع الباشا الجلسة. بهذا الفعل، قدم الباشا درسا قاسيا للشيوخ الخونة:
ـ كل من سولت له نفسه التقرب من السلطة يلقى نفس المصير، لا مساومة على سلطة القبيلة، من خان قبيلته ليس أهلا بالسلطة.
جمع الباشا الشيوخ الخونة، خاطبهم، الخائن يصغي للأوامر، ينتظر جزاءه، يردد:
ـ ترى هل أكون حاكم القصبة؟
آخر فرصة ينتظرها لدخولها، حذرهم الباشا:
ـ المراقبة الصارمة، كل الحذر من الأعداء.
خارج القصبة، أحواش ن تمغرين، كل التناقضات قائمة هذا اليوم، في ظل حكم الإقطاع، اعتقال خليفة الباشا، ابنه من صلب دمه، أحواش والاعتقال، الباشا يضحي بحرية ابنه، من أجل الحكم، تخويف الجميع، حتى الشيوخ الخونة أنفسهم، الوشاة، خرج الجميع بعد أمر الباشا. في أسايس، مكان أحواش، يجلسون على منصة خاصة، استقبال ملكي، التمر والحليب، الشاي بالزعفران، اللوز المقلي.
المستعبدات بالقصبة، بدهاليزها يمررن بنزق، دخان مداخن أنوال القصبة يرتفع عاليا، منذ الصباح الباكر، مداخن بلا صناعة، فقط صناعة الفحم والخبز، إعداد اللحم المشوي.
تدار المستعبدة، من أصول إفريقية، أمام تفرانت منذ الصباح الباكر، وجهها يحترق.
يدار أمام فرارين المشوي، رؤوس أغنام بأكملها. اثنا عشر فرنا من الطين تشتعل، بداخلها نار فحم من حطب أركًان، فحمه يشتعل بلا انقطاع، دائم الحرارة، نار لا تخمد.
الباشا يستمتع، رقصة أحواش، متميزة، رقصة تمغرين، ألحانها، نغماتها، إيقاعها، الحناجر الأمازيغية، تتعالى، هو من أصول أمازيغية، خان الأمازيغية، خان الوطن، تحالف مع الاستعمار، الخيانة لا تعرف وطنا، لا تعرف هوية، هويتها بيع الوطن، استعباد الإنسان، الوطنية لا عرق لها، لا دين لها، هويتها الدفاع عن الوطن، الخونة يتناولون الطعام، على إيقاعات أحواش، بشره كبير، جشع الريع، ريع السلطة والأرض.
قاضي القصبة، يختم الوليمة بالدعاء، انسحب الخدم المستعبدون، تناولون ما تبقى من الطعام، العسكر، إمخزنين، يتناوبون على الحراسة، حاكم الجنوب، انتظار المجهول، العدو المجهول، جميع القادمين، رجالا، نساء، تفرقوا، توجهوا إلى دواويرهم.
بعد صلاة العصر، صلى الباشا، وراء القاضي، بجانبه الخلفاء، إلا خليفة القصبة، ابنه، المعتقل، عبرة للجميع، جميع الشيوخ الخونة، المقدمين، الأعوان، الجواسيس.
الشيخ الخائن، ينتظر، يتساءل:
ـ هل أحظى برضى الباشا؟ هل يعينني خليفة على القصبة؟ قدمت له خدمات جليلة، أكيد، ليس هناك من هو أحسن مني.
شيخ غبي، كسول، ينتظر السراب، القاضي يسلم، يرفع الدعاء، الباشا يفتح محفظته، يخرج كاغيطا، يعطيه للقاضي، مرسوم تعيين الخليفة، خليفة القصبة.
بدأت الجلسة الخاصة، الباشا يعلن فتح الجلسة، القاضي يتلو نص المرسوم، يقف الخليفة الجديد، من أقرباء الباشا، من قبيلته. لا يمكن أن تخرج الخلافة من قبيلته، يخاف من الخونة، يبدأ طور جديد من الاستعباد.
توالى على القصبة عدة خلفاء، آخرهم الحاج حمادي، بعد اعتقال ابن الباشا، طور جديد من الحكم، اليد الحديدية، الخليفة حاكم قاسي، ينفذ أوامر الباشا كاملة، يضيف اجتهاداته القمعية المتطورة، يستعين باستشارات الشيوخ الخونة، يضيفون اجتهاداتهم.
الخونة يحومون حول القصبة، يسعون للظفر بعطف الخليفة، يعرف الشيخ الخائن جيدا أن مكانه خارج القصبة، خدمة الباشا، الاجتهاد في تطويع الفلاحين الفقراء، آباءهم، أخواله، أعمامه، أحفاده، كل المضطهدين يزيد اضطهادهم.
في كل صباح يقف الشيوخ الخونة أمام القصبة، ينتظرون، يحملون وشاياتهم، أحقادهم على الفلاحين الفقراء، يعتبرون ذلك جزءا من عملهم، يراقبونهم، في حركاتهم، في سكناتهم، يضيفون أكاذيب، عندما لا يجدون ما يحملونه للخليفة، إرضاء لسلطته.
يجوبون الدواوير، يرهبون الفلاحين الفقراء، ينتزعون منهم ممتلكاتهم، يبالغون في جمع الفروض، لتمويل بناء القصبة، إدارتها، صيانتها، أدواتها، على حساب دمهم وعرقهم.
دخل الفرنسيون، حطوا قرب القصبة، بعد تأمين الطريق، حطوا بالهضبة، قرب الزاوية، في ملكية فلاحين ينحدرون من الصحراء، أيت منصور، دفعهم البحث عن العيش، الفرار من جفاف الصحراء، القحط، إلى العمل بمزارع الوادي، حط القضاة بقمم الجبال، بنوا قلاعهم.
الشاوش حمادي، حامل عصا القمع الفرنسي، طوع الفلاحين بالوادي، إلى جانب الحاج حمادي بالقصبة، رمزان للقمع المزدوج، الاستعمار والإقطاع.
الفلاحون الفقراء بالزاوية، بين مطرقة القصبة وسندان الهضبة، السلطة الاستعمارية المزدوجة، الوجه الحقيقي لعبودية القرن العشرين، على إيقاع سمفونية تحالف الإقطاع والاستعمار، انهارت كل مبادئ البورجوازية الفرنسية، حقوق الإنسان بالمفهوم الإقطاعي، في مشي حثيث للرأسمال التجاري، سرق الثروات الطبيعية، استغلال العمال والفلاحين، بالمناجم والأوراش.
الثروات الطبيعية يتم تدميرها، ارتكب الاستعمار جريمة في حق أركًان، غاباته تمتد إلى الشاوية شمالا، الصحراء جنوبا، جبال الأطلس شرقا، على ساحل المحيط الأطلسي غربا. خلال الحرب العالمية الأولى، بدأ المستعمر الفرنسي في ارتكاب جريمته، قطع شجر أركًان. توقفت قطارات بوردو، مارساي، ليون، نانت، توقف استغلال الفحم الحجري بجل المناجم، نقص حاد في الفحم، الفرنسيون في حاجة إلى التدفئة، العمال مجندون في الحرب، طلبات الفحم تتضاعف، حطب أركًان هو الخلاص، الحرب نحس على هذه الشجرة، الثروة الطبيعية، التراث التاريخي، الحضاري، أرضية البناء المادي للغة الأمازيغية.
القصر بمراكش في سبات عميق، سذاجة السلطان، قصة الدراجة الهوائية، تعم البلاد، السلطان على دراجته الهوائية، الفرنسيون يعبثون بالبلاد، استغلال الإنسان والطبيعة، الإقطاع والاستعمار بالجنوب، محاصرة ثورة الشيخ حمد، تمتد الثورة إلى الصحراء، عجز المستعمر أمام رمال الصحراء، عانقت رمال بلاد الساحل.
الفلاحون الفقراء بالزاوية بين المطرقة والسندان:
ـ مطرقة الشاوش حمادي، مخزني القبطان الفرنسي، نائب المقيم العام بالهضبة، أمازيغي، رجل قوي البنية، طويل القامة، ضخم، يركب حصانه، الدابة تفقد توازنها، جثة من لحم وعظم، لا يقوى دماغه على التحكم فيها، همه الوحيد ابتلاع الطعام بشره، عشرات الكيلوغرامات، مهمته الوحيدة، إرهاب الفلاحين.
ـ سندان الحاج حمادي، خليفة الباشا، حاكم القصبة، أمازيغي، من قبيلة الباشا، همه الوحيد تطويع الفلاحين، نشر الرعب في أوساطهم، القضاء على فكرة الثورة في صفوفهم.
هذان الشخصان، الطاغيان، أرهبا الفلاحين، لما يتحركان، كل الأشجار تتمايل، مياه الوادي تولول، تختفي الحيوانات، تقام المحاكمات، الجنايات، بدار الاستعمار، بالهضبة، بدار الباشا، بالقصبة، حكايات وحكايات، يتداولها الفلاحون، يتوارثها الأبناء والأحفاد، حكايات القهر، الاضطهاد.
بعد دخول الفرنسيين، توفي قاضي القصبة، قاضي الباشا، سيطر على جزء كبير من أملاك مزارع الفلاحين، فقط مزارع الزاوية احترمها، خوفا من شيخها.
خليفة الباشا، نائب المقيم العام، قاضي التوثيق، الثالوث الذي يعبث بمصير الفلاحين الفقراء، ركيزة حكم الاستعمار والإقطاع.
القضاة قديما، يقيمون فروع الزوايا، زوايا خاصة بهم، يملكون ثقافة العصر، علوم عصورهم، يملكون المستعبدين، الثروة.
شيوخ القبائل، يملكون المستعبدين، الثروة، لا يملكون علوم عصرهم، يملكون القوة العسكرية، الباشا ضمن هؤلاء.
حكم الباشا بالجنوب، حكم القبيلة، العائلة، الأعمام، الإخوة، الأولاد، في دولة القبيلة، تحالف مع الاستعمار، الإقطاع والبورجوازية.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,524,548,284
- مأساة يغود - الثورة والثورة المضادة
- مأساة يغود - الزاوية
- مأساة يغود - القسم الأول، الفصل الأول، القبيلة
- مأساة يغود - مقدمة رواية - أول رواية من سلسلة روايات
- ثورة أكتوبر في علاقتها بثورات الشعوب المضطهدة
- التجربة الثورية الفيتنامية : تأسيس جيش -الحركة تتعسكر- سرد ا ...
- التجربة الثورية الفيتنامية : تأسيس جيش - سرد الجنرال جياب - ...
- التجربة الثورية الفيتنامية : تأسيس جيش - سرد الجنرال جياب - ...
- التجربة الثورية الفيتنامية : تأسيس جيش - سرد الجنرال جياب - ...
- حراك الريف من منظور زائر متعلق بالريف
- درس في ثورة الريف العطيمة
- تحالف السياسيين المحترفين والمثقفين الأكاديميين ينهزم أمام ق ...
- إلى السيد ماكرون الصغير بكلماته الصغيرة أمام الشعب المغربي
- الريف يرسم الطريق الثوري لليسار
- توطيد دولة الحق، سنوات الرصاص، عمل الذاكرة وحقوق الإنسان - م ...
- الأمازيغية والصراع الطبقي وبناء الدولة
- دور المخابرات في عرقلة الوعي السياسي الطبقي - تالوين نموذجا ...
- أي دلالة لفاتح ماي في عصر الإمبريالية ؟
- الأرض، الحرية والديمقراطية 14
- الأرض، الحرية والديمقراطية 13


المزيد.....




- بوريطة يجري مباحثات مع جاويش أوغلو
- وفاة الفنانة التشكيلية اللبنانية هوغيت الخوري كالان
- أزياء النجوم تجذب الأنظار في حفل جوائز إيمي 2019
- قصيدة
- مسلسل -تشيرنوبل- التلفزيوني يفوز بـ3 جوائز Emmy
- بن إسماعيل.. مصور مراكش الثقافية والفنية منذ ثلاثة عقود
- الأمير مولاي رشيد يستقبل الدوق الأكبر ولي عهد اللوكسمبورغ وع ...
- «الخارجية الفلسطينية» تستدعي نائب رئيس الممثلية الأسترالية ع ...
- الفنان التشكيلي المغربي المهدي قطبي
- -قلب خساية-... بشرى تحذف سخريتها من فستانها في -الجونة السين ...


المزيد.....

- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام
- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - امال الحسين - مأساة يغود - الثورة والثورة المضادة - ج 2