أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - امال الحسين - مأساة يغود - الثورة والثورة المضادة















المزيد.....



مأساة يغود - الثورة والثورة المضادة


امال الحسين
الحوار المتمدن-العدد: 5746 - 2018 / 1 / 3 - 21:06
المحور: الادب والفن
    


هناك من الرجال، من لا تستهويه السلطة، يرفضها، يقف ضدها. أبو مولود يكرهها، عمل بوصية أبيه:
ـ لا تتقرب من سلطة قطاع الطرق.
يسافر في رحلات طويلة، خارج بلدته، في رحلته إلى المشرق، مع قافلة التجار، شاهد مخاطر الطريق. تذكر قصة التجار مع التهامي، قائد قطاع الطرق. يبحث دائما عن الجديد، عن أفكار جديدة، مكان جديد، رفاق جدد، تنقل كثيرا، غادر بلدته الصغيرة مبكرا، بحثا عن العلم والمعرفة.
تزوج من امرأة فلاحة، نشاطه العلمي، ساهم في زواجه خارج قبيلته، بعيدا عنها، اكتفى بزوجة واحدة، زينب، أنجب معها مولود وثلاث بنات، ذك الشبل من ذلك الأسد، صلب، عنيد. من عائلة عريقة، مارست الفلاحة بعد خسارتها في التجارة، تمسكت بالعلم، رفضت خدمة السلطة، استقرت بجبال الأطلس، منذ ستة قرون.
بعد الزواج، غادر البلدة، إلى أحواز مراكش، بلدة جميلة، على ضفاف واد متلألئ، هناك كانت ولادة مولود، خارج بلدة أمه، بعيدا، بمدرسة عتيقة، بدأت طفولته واندلاع الثورة الأولى، بقيت بصماتها بذاكرته، خزنت كل ما كان يسمعه في أحاديث أبيه، عن الاستعمار والثورة.
مولود بالمدرسة العتيقة، يستمتع بأحاديث أبيه، مع أصدقائه، عن دخول المستعمرين، آنفا، الشاوية، بعد انهيار دولة القبلية، دولة قطاع الطرق. الاستعمار في مواجهة ثورة الشيخ حمد، المنبثقة من الزاوية الصحراوية. قامت على أسس القومية، الدين، الولاء، ملك في مملكته، من الجنوب إلى الشمال، على سواعد الفلاحين، انتفاضة حملة السلاح والقلم.
يجلس مولود بجانب أبيه، بعقل ثاقب، طفل ذكي، يستمع إليهم، في حديثهم عن الفرنسيين، المعمرين، الكفار كما يسميهم الفقهاء، أحوالهم، لباسهم، ثقافتهم، دينهم. طفل كبر قبل الأوان، الطفل أبو الرجل.
عاش أطوار الثورة الأولى طفلا، بتلك المدرسة، بأحواز مراكش، أبوه يعلم الطلبة، ما تلقاه من علوم عصره، طالبا المزيد من العلم والمعرفة، في رحلاته، تعرف على عالم أرحب خارج قرية أجداده. قبل دخول الاستعمار، عاشت مراكش في ظل ثورات مستمرة، من أجل الحرية، أدت إلى انهيار الدولة المركزية، دولة قطاع الطرق، التي استمرت قرونا. بعد إسقاط حكم تيهيا، جميع حكام دول القبائل يتخذون الدين مطية، سار التهامي على دربهم بشكل أكثر دموية.
لم تنشأ الدولة شبه الحديثة إلا بعد غزو الاستعمار الفرنسي، نشط حكم شيوخ القبائل في الأطلس والصحراء، نشطت الصراعات بين القبائل، نشأ فريقان، تاحكًانت وتاكًزولت، شبه حزبين متصارعين، تفرق الفلاحون إلى فريقين، حاول الشيخ حمد، قائد ثورة الجنوب، توحيدهم، لم يستطع، واجه الاستعمار بما لديه من مناصرين، انطلاقا من الزاوية الصحراوية، لما دخل مراكش، خلع الباشا.
عمل أبو مولود بوصية أبيه، رفض لقاء الباشا، رفض تقديم الولاء، استقر بجبال الأطلس شمالا، بين الفجاج، تتدفق بها مياه بحيرة إفني، من الجهة الشمالية لجبل توبقال، موقع القصة الخرافية للفقيه سيدي إفني، في الجهة الجنوبية توجد بلدة أجداده، وأجداد زينب، زوجته.
أبو مولود، من بين الفقهاء الذين بايعوا الشيخ، تمت طقوس البيعة بمراكش الحمراء، غادرها الباشا، تحالف مع الاستعمار، في حرب ضد ـ ثورية، ضد الشيخ الثائر.
مولود، في رفقة أبيه، لم يفهم معنى حديثه، مع رفاقه، عن الاستعمار، الثورة، الشيخ، الكفار، ذاكرته موشومة بالذكريات، رافقته طيلة حياته الموشومة بالمعاناة، لم تفارقه، لم يفقد ذاكرته في أيامه الأخيرة، يتحدث عن طفولته، عن هذا الحدث بالضبط.
عاش مولود مع أبيه طفولة متقدمة، كبر قبل الأوان، استمع إلى أحاديثه مع أصدقائه عن المستعمرين:
ـ دخل النصارى الشاوية، احتلوا آنفا، الفرنسيون، الكفار، لباسهم مختلف عن لباس المسلمين، يضعون الطرابيش على رؤوسهم، يلبسون أقمصة وسراويل طويلة، لا يلبسون الجلباب والسلهام، ينتعلون أحذية قوية، سباط، كفار دخلوا بلادنا، يجب مقاومتهم.
يشير إلى سلاحه بزاوية أخربيش بالمسجد، لا يفارقه، ورثه أبا عن جد، من ثقافة الآمازيع. قوي البنية، جريئا، لا يهاب السلطة، استمد أنفته من عائلة تؤمن بالحرية، واعية بلعبة الحكم والسلطة، رفضت خدمة الدولة المركزية ومعها دول الحكم الذاتي، ضد أرستقراطية المدينة ومعها أرستقراطية البادية، اهتمت بالعلم والمعرفة وقاية من شر السلطان.
لما دخل الشيخ حمد مراكش، حضر أبو مولود حفل ولائه، الشيخ السلطان، ملك في مملكته، كل الأحرار، يحجون إلى مراكش، يساندون الثورة، يلتمسون قوة الثائر، يقيمون الصلوات، الأدعية، طالبين النصر على الكفار المستعمرين، يجندون المجاهدين. يأتي التغيير دائما من الجنوب، هذا ما تعلمه مولود من أبيه، تحقق منه المستعمر، بعد ثورة الجنوب.
الطفل مولود يرحل مع أمه، إلى بلدتها، لم يتسع وقت أبيه لرعايته، انشغل بشؤون الثورة ضد الاستعمار، رفع سلاحه عاليا من أجل الجهاد، ضد الكفار، كما يسميهم الفقهاء، في الوعي القومي المسلح بالدين، الإسلام ضد المسيحية، في غفلة عن تطور الدولة الحديثة بالغرب، من الإقطاع إلى البورجوازية.
بعد اقتراب موكب الشيخ حمد من مراكش، حمل أبو مولود سلاحه، في سبيل حرية البلاد، يرفض سلطة قطاع الطرق، في اشتياق لقاء الشيخ، الذي خلع الباشا، أعلن مراكش عاصمة مملكته، رفع السلاح عاليا في وجه الاستعمار. جمع متاعه في الحين، منح الطلبة الصغار عطلة، صاحب معه الطلاب الكبار، حمل سلاحه، يتبعه هؤلاء وراءه، تقدم أمام الشيخ حمد:
ـ أنا من جندك، في الصفوف الأولى، أقاتل الكفار المستعمرين.
أمر الشيخ قائد جيشه، الفقهاء لا يحاربون، هم حملة العلم، سلم العتاد الحربي للطلبة، التحقوا بصفوف الجيش، الأمازيغ صيادون بطبعهم، أثناء رحلاتهم بجبال الأطلس، الصحراء، لا يفارقهم السلاح، بالغابات، بالواحات، موطن الأسود، الفهود، الغزلان، المهاء.
لم تستمر الحرب كثيرا، قوة المستعمر أقوى من جيش المقاومة، الجيوش الفرنسية مدربة على الحرب، تعلموا من الحرب الاستعمارية بالجزائر، طوروا فنون الحرب، أسلحة متطورة، فتاكة، في مواجهة جيش غير نظامي، جماهير الفلاحين الحاملين لأسلحة بسيطة، سجل التاريخ انهم قاوموا المستعمر في مهده، رفضوا الخضوع.
لم يقاوموا طويلا، لكنهم أرعبوا المستعمر، سطروا طريق الثورة، أشعلوها مقاومة كالنار في الهشيم. استمرت المقاومة، لم يعرف المستعمر يوما استراحة المحارب، رغم بطشه، جبروته، بقي ضعيفا أمام إرادة الشعب، التي جسدها الفلاحون حملة السلاح. رغم خيانة الباشا، نمت المقاومة، جيلا بعد جيل، ورث الفلاحون حمل السلاح، أبا عن جد، استمرت الثورة، عمت الحرب جبال الأطلس.
قاوم الثوار المستعمر بجيشه المنظم، انهزموا أمام قوة الاستعمار، كل الأحرار منكسرون، لم يستسيغوا انتصار الكفار على المسلمين، كما يقول الفقهاء. لم يفهموا بعد أن لعبة الحرب تغيرت، قوانين الحرب الاستعمارية تطورت.
في دولة القبيلة، دولة قطاع الطرق، كانت الحرب عفوية، رغم شراسة المقاتلين، الأمازيغ، رغم الشجاعة، الإقدام، الجرأة، التضحية، كل هذه الصفات، لم تصمد أمام قوة المستعمر، لا الصلوات، لا الأدعية، لا بركة الشيخ، كل هذه المقومات الأخلاقية، لم تصمد أمام السلاح المتطور، استراتيجية الحرب الجديدة، دولة القبيلة أمام دولة البورجوازية، معادلة متناقضة:
ـ بين عقلية القبائل المتناحرة وعقلية الديمقراطية البورجوازية.
ـ بين الأحزاب القبلية، تاحكًانت وتاكًزولت، والأحزاب البورجوازية.
ـ بين المفهوم القبلي للسلطة والمفهوم الرأسمالي.
ضاعت ثورة الشيخ حمد، الباشا، أتباعه، في تحالف مع الاستعمار، تناقضات دولة القبيلة ودولة البورجوازية، أسقطت الثائر من عرشه، استمرت مقاومة الفلاحين.
تلقى أبو مولود صدمة قوية، بعد هزيمة ثورة الجنوب، أمام الجيش الفرنسي، لم يستسغها، فهم أن تآمر قواد القبائل، الخونة، سبب مباشر، الباشا، أعوانه، كل القواد الخونة تكالبوا على الثورة، طغيانهم يسود، ينتظر مولود الطفل في المستقبل. رجع إلى بلدة زينب، التحق بأسرته الصغيرة، استقر بمدرستها، يعطي الدروس، يقيم الصلوات، يزور بلدته، مسقط رأسه، يخرج مساء، على ظهر فرسه، حاملا سلاحه، يدخل ليلا، يزور العائلة، أبوه على فراش الموت، يخرج قبل الفجر، يتسلق جبال الأطلس، الباشا يتربص بالثوار. في صيف حار، مات أبوه، لم يتمكن من حضور جنازته. في ذلك الصيف، موكب الباشا على مشارف بلدة أبيه، في طريقه إلى قلعة مريم، للقضاء على تمرد الشيخ الشهم.
أسد الأطلس، يواجه عملاء الاستعمار، لم يستطع الباشا اختراق جبال الأطلس، قلعة مريم، سد منيع، حصن حصين، جيوشها تهاجمه، الخونة يتراجعون، أرعبهم، فتح للثوار، جيوش ثورة الجنوب، الطريق لمهاجمة الباشا، بعقر داره، بمراكش.
ـ الثورة تأتي من الجنوب، التغيير يأتي دائما من الجنوب.
الفرنسيون يعرفون هذه المقولة جيدا، مقولة يرددها أبوه على لسان أجداده، يلقنها له، لمسها المستعمر من ثورة الجنوب. لجأ الشيخ حمد إلى مديمة الجنوب، تحصن بها، يتم حصارها من طرف الإقطاع والاستعمار، الشيوخ الخونة يرأسهم الباشا، خرج منها الثوار. هي بداية حصار قلعة مريم، لم تسقط القلعة، مازالت واقفة، شامخة.
التاريخ يعيد نفسه بشكل مأساوي، ذكر المدينة بحصارها الأول، بعد بناء دولة قطاع الطرق، بلاد يغود تنتفض، نصف قرن من إخماد الثورات، آخرها ثورة مدينة الجنوب. في عز بناء دولة قطاع الطرق، حط قائدها على مشارف مدينة المدينة، بنى معسكر جيشه الجرار، أحفاد قتلة تيهيا، الأفارقة الطوارق الخونة، استباحوا الأرض، النساء، الجواري، إلا واحدة أعلنها زوجة له. أينما حل، يدمر البلاد، يحتل الأرض، يستعبد الرجال والنساء، يغتصب ملكة جمالها، تصير جارية في قصره.
حصار مدينة الجنوب، ينذر بسقوط القلعة، الشيخ الشهم، أسد الأطلس، حائر، من الشرق، يراقب مملكة الجنوب، الشيخ حمد ملك في مملكته، يرفض الاستسلام، بالجنوب الغربي للأطلس، على شاطئ الأطلسي، ترفع رايات الحرية.
جميع الخونة، ضد الثورة، الشيخ حمد، شهامته، إيمانه بالحرية، الثورة، ضد المستعمر، أعوانه، رفض الاستسلام والخيانة، رفض الجلوس مع الخونة، في طاولة واحدة مع الأعداء، أعداء جماهير الفلاحين. بعد هزيمة الثورة بمراكش، قطع الشيخ وجيشه جبال الأطلس، وصل مدينة الجنوب، اعتصم بها، حط الاستعمار بأحوازها، الشيوخ الخونة يحومون حولها، ينتظرون دخولها. قاوم الثوار تحالف الإقطاع والاستعمار، فئة قليلة صمدت أمام جبروت المستعمر، سقطت المدينة، غادروها.
الشيخ حمد بقلعته بالجنوب، يقدر الفرنسيون قوته، تستمر ثورته، القواد الخونة ينهزمون بالأطلس الصحراوي، بالساحل، الشوط الثاني من ثورة الجنوب ينطلق، تندلع نيران الحرب، في الجنوب الشرقي للأطلس، إلى مراكش يهرع الشيوخ الخونة، يحومون حول دار الباشا، تسللوا، يركعون بالمشوار، يقبلون الأيادي، يطلبون التخلص من أسد الأطلس.
خبر أبو مولود تضاريس جبال الأطلس، المنطقة الاستراتيجية، الجغرافية الشاسعة، توبقال، سيروا، صغرو، درعة، راس الواد، سوس، الصحراء، لعبت دورا أساسيا في تغيير السلطة عبر العصور، مناطق جبلية، مفتوحة على الهضاب، السهل، الصحراء، ثروات معدنية ومائية هائلة.
حوض سيروا، نتاج بركان مليوني سنة، عبارة عن معادن نفيسة، ليس من سلسلة الأطلس، تضاريس جيولوجية حيوية، في حركتها عبر مئات آلاف السنين، ولادة كنوز الدنيا، ببلاد يغود.
حوض توبقال، بحيرة إفني، قصة خرافية، بطلها الفقيه سيدي إفني، أعلى قمة، ثروات مائية هائلة، تغذي سهل سوس، أحواز مراكش، درعة.
استراتيجية عسكرية مزدوجة، الأطلس والصحراء، سوس العليا تطل على فيافي الصحراء، على بحر الظلمات، المحيط الأطلسي، البحر والجبال.
توفي قائد ثورة الجنوب، تستمر الثورة، رياح مقاومة الجنوب عاتية، من غرب سوس العليا، من شرقه، في كل الاتجاهات، أبو مولود لم يعد يستهويه السفر بعيدا، انقطعت رحلاته، انهزمت ثورة الشيخ حمد، الباشا، يسيطر على مراكش، يتجه نحو آخر قلاع الصمود بالجنوب، قلعة مريم، ضد الشيخ الشهم، المتمرد. موكبه يعبر جبال الأطلس، أدرار ندرن، كناية عن هدير البركان. من تلوات إلى بحيرة إفني، يحط بأسراكً، على قدم توبقال، معقل الفقيه سيدي إفني، تحدثت عنه الروايات المتداولة بين الفلاحين، ساكن البحيرة، سلطان الجن.
مياه البحيرة وفيرة، تجري سلسبيلا، تسلب عقول الفلاحين، تهتز العقلية الخرافية للأمازيغ الأقدمين، اهتزاز الأرض لبركان توبقال، يتداولون قصصا خرافية حول سيدي إفني، حاكم الجن.
بحيرة عميقة، تضرب في أعماق جذور جبل توبقال، تعانق مياه الأطلسي، على إيقاع هدير بركان، ضرب في أعماق الزمان، لفضت الأرض حممها، صنعت سدا منيعا، حجز مياه البحيرة، فتح فوهاته، في أرض عميقة. تخرج المياه من أعماق الأرض، تنتفض، تنساب، على طول فجاج جبال الأطلس، بالوديان المخترقة لسلاسلها. تعانق مياه سيروا، الجبل الخرافي، كنز من كنوز الدنيا، تتناغم مياههما، مجتمعة، تنساب سلسبيلا، في وادي سوس، في اتجاه مياه الأطلسي المالحة.
سيروا، حصيلة بركان هائل، منذ مليوني سنة مضت، تولد عنه خزان هائل من المياه الفضية، على طول الأطلس، هضابه الخصبة، ترسوا عليها ترسبات حمم البركان، أعطت ولادة نبتة الزعفران الذهبية، التي أبهرت يغود ساكن الأطلس. أيادي يغودة، المرأة الفلاحة، تتناولها بلطف شديد، في فصل الخريف، استعدادا لفصل الشتاء، حيث شدة البرد، تداعب زهرة الزعفران، من طلوع الفجر إلى أواخر الليل.
مياه سيروا الفضية، المنبعثة من أعماق الأرض، منذ مليوني سنة، تعانق مياه توبقال الذهبية لتغمر وادي يغودا، يعم الخصب بالسهل، المحفوف بغابات أركًان، الشجرة الخرافية التي ألهمت يغود تركيب لغة الكلام، تامزيغت. أركًان الأرضية المادية لإنتاج اللغة، الثقافة الأمازيغية، في تناغم مع مناجم الذهب والفضة بالأطلس.
جمال الطبيعة، الهائلة، لم يعد يستهوي أبو مولود، قلاع الصمود بالجنوب، تسقط تباعا، الثورة المضادة، تعم بلاد يغود، إخضاع سوس، الأرضية المادية لتمركز الرأسمال في الزراعة، شق الطريق من الأطلسي إلى درعة، إلى مناجم الفضة، تقسيم السهل إلى شقين، بناء ضيعات المعمرين.
توقف موكب الباشا، على مشارف بحيرة إفني، يستحضر روايات الفقيه سيدي إفني، يتقمص شخصيته الخرافية، إدماج الخرافة بالواقع، ترجمها بشكل درامي، في عصر مناقض لعصر الفقيه، في تناقض بين مصالح الفلاحين ومصالح الإقطاع، ينبعث روح الفقيه من جديد، على إيقاع نغمات الاستعمار. الفقيه حاكم الجن، الباشا حاكم الإنس، إدماج الإنس والجن، السلطة والدين، الواقع والخيال. في خطاب، مستلهم من قصة سيدي إفني:
ـ أرسلني سيدي إفني، حاكما عليكم، أطيعوني، أعبدوني، أنا قائدكم الأعلى، أنتم جنودي، أحميكم من الاستعمار.
يتأمل مياه الفجاج الذهبية، المتلألئة، يقف بملتقى الوديان، أمسوزارت، سواقي أيت إكًران. الفلاحون الفقراء، بقدم البحيرة، تحت بقايا حمم بركان توبقال الباردة، الجبل مازال يقذف رماده باستمرار، من أعلى، فوق رؤوسهم، الفلاحون مسلحون، السلاح جزء من ثقافتهم. يطلون من على قمم الجبال، إسك نغري.
على طول هذه القمم، أسكاون، يتم إشعال النار، إنذارا بقدوم الأعداء، الكل حائر، ينتظر، العسكريون المرابطون بالجبال مستنفرون، ينتظرون أوامر الشيخ الشهم، لا يعلمون أن الأوضاع تغيرت، فشلت ثورة الجنوب، ثورة الشيخ حمد، حان دور المتمرد. في خاطب من وعي سيدي إفني:
ـ أنا جئتكم اليوم، أبشركم، بخبر سيدي إفني، عن الحرية، الديمقراطية، العدالة، المساواة، أحمل وثيقة الحماية، على فوهات المدافع، بيدي اليمنى بندقية، بيدي اليسرى رسالة الاستعمار، أبني لكم حكما عادلا، أحميكم من النصارى، أنا حاكمكم، باسم الحق، أرسلني إليكم سيدي إفني، أحمل رسالته، آمر بالمعروف، أنهى عن المنكر.
في الصيف، تقام حفلات أحواش ليلا، احتفالا بجني الإنتاج الفلاحي، على نغمات ألحان أمازيغية، إيقاع البنادر والطبول، بأياد الفلاحين. من نغمات تويزي، جمع المحصول الزراعي، بالمزارع والغابات، إلى رقصات أحواش بالنوادر ليلا، حتى الرعاة يحضرون الحفل، يتركون الغنم والماعز بالعزبان، إفغلن، بالمناطق الفسيحة الممتدة بأعالي الجبال، أكًدال، موطن الأسود الأطلسية، الفهود.
بعد تناول العشاء، خبز شعير، عسل، سمن، كؤوس الشاي، كسكس الشعير، لبن البقر، التين والعنب البيئي الطبيعي، يقام الحفل، أحواش العازبات. فتيات موشحات رؤوسهن بحلي من الفضة، ورد الغنباز، عبق الحبق، لباسهن ألوان زاهية، حذاء ناعم، إدوكان، بأرجلهن، يرقصن، برشاقة فائقة، على نغمات الطموح، طموح بناء أسرة، أم أطفال. كل فتاة، تبرز أنوثتها، قدرتها على الإنجاب، مسؤولية البيت، في وسط صف أحواش، جميعهن على قامة واحدة، الصغيرات يتعلمن الرقصة، يقفن بجانبي الصف. فتيات بجمال أمازيغي، في رشاقة، كسبنها من طبيعة المنطقة الخضراء، المياه الذهبية المتدفقة، من أعلى الجبال، إلى طلوع الفجر، يستمر احتفال موسم صيف معطاء. الفتيان يتراقبون، شطحات الفتيات، أصواتهن الملائكية. عندما يبلغ الفتى أشده، يبرز قوته، يحمل السلاح، يقتحم الغابات، استعدادا لتحمل المسؤولية، يخرج لصيد الأسود والفهود، حمل السلاح جزء من ثقافة الأمازيغ.
الصيف يحمل معه خيراته الطبيعية، الشعير، اللوز، الكًركًاع، الحليب، اللبن، الجبن، العسل، أركًان، خيرات طبيعية، تداعبها أيدي الفلاحات الفقيرات، أيادي نظيفة. المرأة الفلاحة تعمل طول السنة، بالمزارع، البيت، الغابة، بلا كلل، تنتج، تصنع طعاما، لأفراد العائلة، للضيوف، للضيف مكانة عالية في ثقافة الأمازيغ.
بعد ليلة بيضاء، قضاها الجميع مع نغمات أحواش، النساء يتوجهن إلى المطبخ، أنوال، لإعداد الفطور، أزكيف، للرجال والأطفال، تتسابق الفتيات إلى المزارع، يرجعن قبل اشتداد أشعة الشمس الصيفية. فتيات عازبات، عليهن حقوق للأبقار، صغار الغنم والماعز، يحملن العشب الأخضر، إلى الزريبة، على ظهورهن كالعربات، في مجموعات، بين المزارع، على إيقاع نغمات ألحان أمازيغية، شجية حينا، فرحة أحيانا، نشوة الحياة الطبيعية، ببوادي بلادي.
رغم المعاناة، القهر، التهميش، تسري في عروقهن، نشوة الحياة الطبيعية، الخالية من التصنع، بدمائهن الزكية، بعرق جبينهن، على سواعدهن، يعشن، يلدن، يرضعن، يربين أطفالا، على التعاون، التضامن، تيويزي، الإخلاص للجماعة، في أفراح الزواج، الميلاد، الأعياد، يلتمسن قيمة الحياة، الطبيعة، البراءة، التلقائية، الاختلاط البريء، من أجل بناء أسرة.
كل أبواب المنازل مفتوحة، كل المنازل ترحب بالقادمين، من العائلة، الأقارب، الأصدقاء، الضيوف، الغرباء، للجميع مكان، في قلب العائلة الأمازيغية، قلوب مفتوحة، رحبة، ثقافة أمازيغية، حرية طبيعية، الأمازيغ أحرار بطبعهم. دخل الاستعمار، فقدت كل هذه المفاهيم معانيها الطبيعية.
لم يستسغ الباشا طبيعة أمازيغ توبقال، أحرار ببلادهم، ثقافة الحرية، طبيعة المنطقة الخلابة، يراها، بعين جشع المستعمر، رقصة أحواش، لم تستهوه، رغم نغمات نسائية ملائكية، تحت أصوات خرير المياه المتدفقة، سلسبيلا، إنما هدفه الأخير، قلعة مريم. يقف بأسراكً، مركز توبقال، يعلن إخضاع بلدة سيدي إفني، في طريقه إلى قلعة مريم. قضى ليلة أحواش، يفكر في إخضاع الشيخ الشهم، يرتشف كؤوس الشاي، يتناول اللوز المقلي، العسل، السمن، خبز الشعير، يفكر في القضية.
الخيرات الطبيعية، من طبيعة توبقال، لم تستهوه، هدفه الذي يشغله هو إخضاع الأطلس، القضاء على تمرد الشيخ الشهم، استكمال خريطة استعمار الجنوب، قضى ليلته يفكر في هذا الأمر. كل أنظاره، تتجه إلى القلعة، هناك شيخ مهموم، الشهم المتمرد، يريد وضع حد لحكمه، يتربص به الشيوخ الخونة. الشيخ الخائن يسعى إلى الحكم من جديد، يتلمس من تقديم ولائه طريقا إلى القلعة، يدق أبواب الفلاحين، يعاهدهم بالرخاء في عهد الاستعمار.
سار الموكب في اتجاه القلعة، توقف ببلدة أبي مولود، منطقة استراتيجية بالأطلس، مطلة على سهل سوس، أعلن إخضاعها، على مشارف راس الوادي. هناك، بملتقى مياه سيروا الفضية ومياه توبقال الذهبية، على مشارف مسقط رأس أبي مولود، المتعلق بالحرية حد السفر بعيدا، في الزمان والمكان، قال عنه مولود:
ـ يحب الحرية، الاطلاع على ثقافة الآخرين، يسافر كثيرا.
موكب الباشا براس الوادي، يستقبله حليفه، يقيم استقبالا ملكيا، حفاظا على موقعه في السلطة، على نغمات رقصات المستعبدين، إسمكًان، تعبيرا عن سيادة العبودية، يقدم الولاء، التعاون للقضاء على تمرد الشيخ الشهم.
الباشا يصل إلى الجبل، فوق القلعة، يراقبها، حول الشيوخ الخونة، في خيمته، يرسل إلى الشيخ الشهم وفدا، يحمل رسالته، من أجل الصلح، مكيدة، خديعة. تناول الشهم الغداء، جمع رجال القلعة، أخبرهم:
ـ أذهب إلى الباشا، دون سلاح، إن رجعت، لن أتسلم السلطة تحت إمرته، أرجع إلى بلدتي، الفلاحة والحرية، إن اعتقلني، قتلني، لا تحاربوه، لا أريد هدر دمائكم، أذهب وحدي، تبقى القبيلة. حكمه أكيد، يكون قاسيا، ثمن حريتكم يكون أغلى، لا تحاربوه الآن، لا معنى لحرب خاسرة، علموا أولادكم معنى الحرية، الأرض أثمن من الحرية، لا تتركوا الأرض، لا تبيعوها، أرضكم، حريتكم، ضعوها بين أعينكم. سيأتي يوم الحرية، لا تترددوا، احملوا سلاحكم، تسلقوا الجبال، كنوا أحسن قدوة في القتال، علموا أولادكم الرماية، ترقبوا ذلك اليوم. لا تتأثروا بسقوط القلعة، إن دخلها اليوم، أكيد يخرجها غدا، الغد ليس ببعيد، الحرب مستمرة، من أجل يوم الحرية، أودعكم، لن أحكم بعد اليوم.، ما لا أعرفه، هل أموت اليوم أم غدا ؟
لم يستسلم الشيخ الشهم، اعتقله الباشا، لم يعرف مصيره، قبره، لم يدرك الشيوخ الخونة أنهم باعوا أنفسهم، خانوا سلطة القلعة، التي بنتها المرأة، لن يكون لهم شأن بعدها. مستعبدون، يعانقون الوشاية، يقيضون حريتهم، الخيانة مهنتهم، يتربصون بعضهم ببعض، القبائل مستعبدة. بوعيهم العفوي، الزائف، لم يستطيعوا إدراك هدف الاستعمار، تحالفه مع الإقطاع ضد الفلاحين، يعتقدون أنهم ناجون من بطشه.
استطاع الباشا خداع المتمرد، في الخيمة التي بناها، معه الشيوخ الخونة، دخل الشهم وحيدا، اعتقله، نفاه، قتله، لم يعرف قبره. قال له العسكري دامبارك، قبل أن يذهب:
ـ يا شيخ ! أأمرنا أن نسحقهم.
يعرف الشيخ جيدا القوات المرابطة هناك، ارتباطها بالاستعمار، فضل تقديم نفسه، يعلم جيدا أن الصلح مع الأعداء، مكيدة، فضل التضحية بنفسه، وقاية لقبيلته. يعرف أنها نهايته، لا يمكن للحر أن يعيش في ظل حكم الأعداء، إما أن يكون أو لا يكون.
دخل الشهم الخيمة، بدون سلاح، لا معنى للحرب، في شروط تندر بالهزيمة، هكذا يكون الأحرار، اغتنم الباشا الفرصة، قبض على الرجل، كبله، أمام الشيوخ الخونة. لم يدركوا أن في هذا الفعل، احتقارهم، اعتقالهم، استعمارهم، لا يفهمون هذه الأمور.
يعتقد الشيخ الخائن، أن الباشا ساذج، عفوي، أن يعتقل أكبر الشيوخ، في منطقة المقاومة ضد المستعمر، ويقدم له الحكم هدية لخيانته. رجع الخائن إلى بلدته، حقيرا، غاب الشهم عن الأنظار، لم يعرف مصيره، مات شهيدا.
باحمد قائد عسكري، طويل القامة، قوي البنية، أجداده من صنهاجة الملثمين، القادمين من الصحراء، إحكًان، يتعاطون التجارة، استقروا ببلدة الشيخ الشهم، يتنقلون بين الأطلس والصحراء. اعتزل العمل العسكري، رفض سيطرة الباشا، سلم السلاح، فضل الفلاحة على الخضوع، شهامة الرجل، أدرك أنه لا معنى لحمل السلاح، بعد اعتقال القائد الشهم، الرافض للاستعمار.
تم القضاء على ثورة الشيخ حمد بالجنوب، احتلال قلعة مريم، آخر معاقل المقاومة بسوس العليا، الطريق مفتوح أمام المستعمر. لم يفهم الشيخ الخائن معنى الاستقلال، فتح الباب أمام الاستعمار، من الجنوب الغربي إلى الجنوب الشرقي، من المحيط الأطلسي إلى درعة، حدود الجزائر المقاومة، من أجل الوصول إلى خيرات الجنوب الشرقي. المعادن الثمينة هناك، اليوم يتم استغلالها.
بداية نشوء الطبقة العاملة بالمدن والبوادي، بالمناجم والأوراش، تعبيد الطرق أكبر مشاريع هذه الأوراش، يراقبها العسكر الفرنسيون، مولود من العمال المضطهدين، يشتغلون بدون أجر، يتم استعبادهم في معسكرات الاستغلال.
تم اعتقال الشيخ الشهم، احتلال قلعة مريم، سقطت شهامة القبيلة، فتح الباشا الطريق للاستعمار، الآذان صاغية، الأفواه حائرة:
ـ ذهب الشيخ ؟ ذهبت قوة القبيلة ؟ ذهب الشهم ؟
يملك ستين سلوقيا، عند خروجه للصيد، تهتز الجبال، الأشجار ترتعش، مياه الوادي تولول، ذهب الشهم، أخباره، أسراره، مصيره، قبره.
رفض باحمد الخضوع لسلطة الباشا، رجع إلى بلدته، يساعد الفلاحين على تنظيم نوبات مياه السقي، صارم، ديمقراطي، محترم من طرفهم. يستمتعون بحكاياته حول الحركة، يحكي مغامراته العسكرية، من كومندو الشيخ الشهم، لا يهاب الموت، شعاره، المثل الشعبي الصحراوي:
ـ من يركب الجمال لا يهاب الكلاب.
وضع باحمد سلاحه:
ـ لن أحمل السلاح بعد اليوم، سلاحي الجديد، الفلاحة والحرية.
وضع الرجل سلاحه، انصرف إلى بلدته، فضل الفلاحة على الخيانة، تقبيل الأرض على تقبيل الايدي، لم يتعلم من الشيخ الشهم الركوع، تعلم رفع الهامات، عاليا، السلاح في وجه الطغاة، عاليا، حارب الخونة، لم يرض بحمل السلاح بعد نفي القائد. رجع إلى بلدته، عائلته عريقة، من صنهاجة الملثمين التجار، استقروا بها بعد تأسيس دولة قطاع الطرق، الزراعة نشاطهم الأساسي، التجارة ثانوية، عانى أجداده من تداعيات التهامي، قائد قطاع الطرق. مفارقة تاريخية، بين التهامي والباشا، تاريخ من التناقضات:
ـ بين الفلاحين الأحرار، حملة السلاح، والتجار الإقطاعيين، شيوخ سلطة دولة قطاع الطرق.
ـ بين الفلاحة والتجار، قامت سلطة القبائل والزوايا، الصراعات الحزبية، المذهبية والقبلية، البوبكريون واليعقوبيون ، الحكًونيون والكًزوليون.
ـ بين حزبي تاحكًانت وتاكًزولت ضاعت ثورة الجنوب، آخر قلاعها تسقط، قلعة مريم، غاب الشيخ الشهم.
باحمد يضع سلاحه، بقيت رواياته الشيقة حول الحركة، يحترمه الفلاحون، يشكل توزيع مياه السقي مصدر الصراعات، في عهد الشيخ الشهم، سادت سلطته حتى في توزيع النوبات، يعرفونه جيدا، وجدوا فيه الخلاص لمشاكلهم. أمين على منبع المياه، خزانه، تافراوت، لا يتجاوز أحد النظام الذي يضعه، يقضي ليلته بالمنيع، الكل ينضبط. وجد ضالته في خدمة الفلاحين، أمزال، القائم على تنظيم النوبات، عوض حمل السلاح بممارسة الفلاحة، تشبع بالحرية.
في دولة قطاع الطرق، من حمل السلاح يكون سيد نفسه، المستعبدون خاضعون لسلطة أحفاد التهامي، لما دخل الاستعمار تغيرت المفاهيم، سلطة الباشا تسود، تحولت قلعة مريم، دخلها الخونة.
في عهد الشهم، باحمد العسكري، همه الوحيد حمل السلاح، الاعتناء به، تنظيفه من البارود، إطلاق الرصاص، استعدادا للمواجهة المفترضة. الاعتناء بالحصان، تدريبه بالجبال، الهضاب، الوادي، استعدادا للحركة، اليوم، لديه كامل الوقت للتفكير في الزواج، في الأسرة. استقر ببلدته، اندمج مع الحياة المدنية، قرر الزواج، كل الفلاحين يساندونه، يقدمون الهدايا، أقاموا له حفلا لائقا بالرجل، يرون فيه قدوة في المعاملة.
تزوج، اهتم بالفلاحة، الوسيلة الوحيدة لكسب لقمة العيش، في بلدته، بين جنان الزيتون، اللوز، غابة أركًان، المياه المتدفقة، الفضية، من حوض سيروا، الجبل الخرافي. لحياته معنى أرقى، اندمج في المجتمع والطبيعة، في ظل قوانين دقيقة، منحت حياة الفلاحين، امتدادا في الزمان والمكان. حياته تتخذ مسارا جديدا، يجمع منتوجه الفلاحي، كل أسبوع، في اتجاه السوق الأسبوعي، العيش رغيد، وفرة المياه، منحت وفرة المنتوج الزراعي.
أصبحت أسرته متعددة، ثلاثة أولاد وبنت واحدة، فاطمة، حمل معه صفات شهامة الشيخ، في طبعه، علاقته مع أبنائه، مع زوجته، مع الفلاحين، خصومه، أعداؤه.
نظرته إلى الحياة كبيرة، انطلاقا من تاريخه الحافل، بالمغامرات، الحركة، الحروب، الصيد، حفلات الانتصار، تاريخ جعله ينظر إلى الأشياء بكل بساطة، حسب مكانتها، في أمور تقرير المصير، مصير القبيلة. قال المتنبي:
ـ وتصغر في عين الكبير العظائم.
في ظل قيادة الشيخ الشهم، واجه أعتى سلطة قبيلة، الباشا، حاكم درعة تافيلالت، لم يمسسه نفوذه، لم يصل إلى قلعة مريم إلا بدعم قوة الاستعمار. اليوم، يعيش باحمد حياة بسيطة، في بساطتها معنى أرقى وأشمل، حياة رجل شهم، لم يخن القضية، ظلت ترافقه مدى حياته، حركاته، علاقاته، أنشطته، في المزارع، غابات أركًان. يجلس قرب مسجد البلدة، يتجمع حوله الفلاحون، يعطي توصياته حول نوبات الماء:
ـ لا أريد أن أرى المياه تضيع، من ضيعها يؤدي ثمن يوم عمل، من تجاوز حصته يعوضها مضاعفة، لن أتسامح مع المخالفين.
يحدد أوقات النوبات اليومية، ينطلق الفلاحون إلى الجنان، يمر بالمنبع، يراقب حالة السواقي، يعطي نصائحه للمتهاونين، يعرفهم جيدا، يركز عليهم أثناء المراقبة.
هكذا يقضي أيامه، في خدمة الفلاحين، من عائلة فلاحة، يتعامل معهم كباقي المستفيدين من المياه، بالمساواة، الصرامة، الانضباط، عند جنى كل محصول زراعي، يتوصل بنصيبه. يتنقل بين بلدته والزاوية، التي أصبحت مركزا تجاريا، تعرف على مولود، التاجر، ترسخت علاقاتهما.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,003,039,911
- مأساة يغود - الزاوية
- مأساة يغود - القسم الأول، الفصل الأول، القبيلة
- مأساة يغود - مقدمة رواية - أول رواية من سلسلة روايات
- ثورة أكتوبر في علاقتها بثورات الشعوب المضطهدة
- التجربة الثورية الفيتنامية : تأسيس جيش -الحركة تتعسكر- سرد ا ...
- التجربة الثورية الفيتنامية : تأسيس جيش - سرد الجنرال جياب - ...
- التجربة الثورية الفيتنامية : تأسيس جيش - سرد الجنرال جياب - ...
- التجربة الثورية الفيتنامية : تأسيس جيش - سرد الجنرال جياب - ...
- حراك الريف من منظور زائر متعلق بالريف
- درس في ثورة الريف العطيمة
- تحالف السياسيين المحترفين والمثقفين الأكاديميين ينهزم أمام ق ...
- إلى السيد ماكرون الصغير بكلماته الصغيرة أمام الشعب المغربي
- الريف يرسم الطريق الثوري لليسار
- توطيد دولة الحق، سنوات الرصاص، عمل الذاكرة وحقوق الإنسان - م ...
- الأمازيغية والصراع الطبقي وبناء الدولة
- دور المخابرات في عرقلة الوعي السياسي الطبقي - تالوين نموذجا ...
- أي دلالة لفاتح ماي في عصر الإمبريالية ؟
- الأرض، الحرية والديمقراطية 14
- الأرض، الحرية والديمقراطية 13
- الأرض، الحرية والديمقراطية 12


المزيد.....




- محكمة ترفض شكوى تشهير تقدمت بها ممثلة أفلام إباحية ضد ترامب ...
- محكمة ترفض شكوى تشهير تقدمت بها ممثلة أفلام إباحية ضد ترامب ...
- فنزويلا تدعم حلا تفاوضيا لقضية الصحراء المغربية
- كاستانير وزيرا جديدا لداخلية فرنسا
- فرنسا: تعديل وزاري يشمل حقيبتي الداخلية والثقافة
- ويل سميث يمازح جمهوره من أعلى برج خليفة (صورة)
- فرنسا: تعديل وزاري يشمل حقيبتي الداخلية والثقافة
- هجوم على السعودي ناصر القصبي بسبب تغريدة عن فنان قطري
- إقبال عالمي على الرسوم المتحركة الروسية
- صدر حديثًا كتاب بعنوان -الموالد القبطية- تأليف الدكتور القس ...


المزيد.....

- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - امال الحسين - مأساة يغود - الثورة والثورة المضادة