أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شيماء هادي راضي - قصة قصيرة مترجمة















المزيد.....

قصة قصيرة مترجمة


شيماء هادي راضي
الحوار المتمدن-العدد: 5655 - 2017 / 9 / 30 - 14:24
المحور: الادب والفن
    


في الوقت المناسب

مارديها سمبسون*


كان النهار مشمساً بقسوة مع رياح حارة تهب من الشمال. ما عادت الطيور ترتاد الحديقة الرمضاء كل صباح، نصف ساعة بعد طلوع الضياء، وتكون الحرارة قد بلغت خمساً وأربعين درجة.
في ذلك البيت المظلل، تقشرُ أرينا اليقطينة وتنثر أوراق الريحان الجافة عليها وقد ملأت علب الماء قبل مطلع الفجر من بئرٍ يقعُ في نهاية الطريق حيث كان منتزهاً للعامة ذات يوم. استغرق ذلك طويلاً، كل عام الماء يتدفق وهو أكثر عكرة وثقلاً. الليلة الماضية، امسكت أرينا بيد المضخة لثلاث ساعات متواصلة لأجل تعبئة وعائين كبيرين بالماء. لقد وضعت إصبعاً على عنق أحدهما ولمست قطرة من الماء ثم لعقتها، الملوحة كانت أكثر من ذي قبل، فتغضنت شفتاها بنفور.
مصائد الماء التي كانت تعمل في الشتاء الماضي لم تعد تنتجُ أي رطوبة لأن الليالي لم تكن معتدلة البرودة. مسدت شعرها الطويل برفق حيث بدا فضياً بعد أن كان أسوداً كسواد الببغاء.
يشاهدها مارك، هي تعرف بأنه جائع، لقد أصبح رجلاً الآن، لكنه لايزال صغيراً، لم يزدد حجمه مثل أخوتها عندما بلغوا أشدَّهم. لمحت نظرة غضب في عينيه، أضافت الماء الى الخليط وحركته، والآن هي تتذوقه وتقنع نفسها بأنه ذو قيمة غذائية. سكبت ثلثين في طاسة سيراميك خضراء، إنها هدية زواجها من زمن بعيد. ومثلها مارك كذلك ولدَ في المركز، وكان بإمكانه إكمال تعليمه خلال شبكة الانترنت بمساعدة جده بعد أن أغلقت المدارس أبوابها. الآن أصبح الأمر جلياً له بأن يرحل نحو الجنوب من أجل مستقبلٍ أفضل. لقد انتظرها، كان صبوراً، بينما هي كانت قلقة متوجسة فيما إذا كان ذلك إمارة سوء تغذية، أفرغَ الوعاء قبل ان تبتلعَ هي لقمتين من الطعام لا أكثر. أقترح مارك:
"لنذهب الى جدي هذه الليلة؟" في هذه اللحظة ظنت إنه يفكر بعظاءة مشوية طازجة، لم تترك أي من العظايا في المدينة، فقد أُكلت كلها منذ زمن طويل، مع ذلك هنالك وحول مكان جيمس، يستطيع والدها وبمصيدة أن يصطاد واحدة او اثنتين في الاسبوع. منذ وقت طويل سيارتها آلت الى مجرد صندوق صدأ مع إطارات ممزقة ملتحقة بالسيارات الاخرى المتروكة منذ أزمة البترول. بإمكانهم أخذ الحصان، ربما يتوفر بعض العشب الشجيري هناك. عليهم السير، مر وقت طويل مذ أن ركبت الجواد "أبوني"، أنه هزيل جداً، عظامه برزت كثيراً.
وبينما كان يراقبها بتمعن، يسألها مارك:
"هل نذهب؟"
حدقت وهي تتساءل هل قصد الذهاب الى جده أو الرحيل بعيداً، الذهاب جنوباً لنلتحق بوالده؟ ليس هناك من سائل في جسمها لتنفقه على الدموع، الملح المتبقي يلدغ لسانها. إنها تشعر بحالة حزن دائمة، حسناً، على الأقل جيمس لا يزالُ حياً. ينبغي عليها زيارته، وأن تتذكر ذلك. لقد تجاوز السبعين ولا يزال ملازماً بيته الواقع على كتلة شجيرات. لقد أحب الريف كثيراً مسخراً كل مهاراته الغريبة ليتحدى كل مستحيل: في أحد الأيام كان عليه أن يستسلم لحرارة وجفاف البلد ويذهب جنوباً بعد أكثر من خمسين عاماً من الحياة عاشها في الوسط. كان عمر أرينا ما يقارب الخمسين عاماً، لقد أحبت الريف بشغف كوالدها، والآن هي تقتلع. إنها تفتقدُ دان كثيراً منذ رحيله جنوباً حيث حتم عليه عمله كعالم هيدرولوجيا أن يتبع الماء الذي لم يعد متوفراً هنا. لقد أتى للزيارة وشيئا فشيئاً يتوق إليها لتلحق به، ولكنها قلقة بشأن أبيها ومستقبله إن هي رحلت. عليها أن تبعث برسالة الى دان من مكان جيمس. ورغم كل الظروف والخيبات، كان والدها دائما يستطع تدبر الأمر وإصلاح اتصالات الانترنت العاطلة واكتشاف طرق جديدة للتغلب على الصعوبات الحقيقية، فهو يمتلك صحون لاقطة معدة لأغراض الطوارئ وموصولة بخطوط الهاتف وشبكة الاتصالات من خلال الأقمار الصناعية المتروكة في المدار، فقد أتخذ المرح العنيد في تحديه للمحتوم والمنافي للعقل.
قالت أرينا:
" نعم لنذهب." ثم أردفت قائلة:" إذا سرنا بثبات سنصل قبل منتصف الليل، سآخذ قيلولة لأستجمع قواي لما هو قادم".
يجيبها مارك وهو يتوسد الأرض ويستلقي ساكناً محدقاً الى السقف:" فكرة جيدة"
مشتْ أرينا الى حمام مغلق وبسطت جسمها على أرضية القرميد غارقة في نوم عميق. ضخُ الماء إثناء الليل قد أعياها أكثر من المعتاد. قرقرة خفيفة ترقرقت منها فيما بعد ثم انقلبت على معدتها عندما كان مارك يغط في نومه، وفي عالم الحلم تجد أرينا نفسها بين ذراعي دان.
جيمس نائم، في الخارج، الشمس تضرب بأشعتها على الأرض، هناك على السطح صفوف من الألواح الشمسية، ومربعات صغيرة متبقية من أضواء حديقة مهجورة حول البلدة، البعض من دكان البضائع المستعملة والأخريات الأكبر حجما ًمقتطعة من هياكل سيارات السباق الشمسية المتروكة على جانب الطريق لسنوات مضت. حديقته ذات السطح الشمسي توهجت، إنها منسقة في مجاميع، مئات من لوحات الشحن منتشرة على كل سطح أملس وكذلك على الحافات الناتئة من السطح. إنه يديرهم كل يوم بكل صبر وسلاسة. في أي وقت لديه مئة منها للحاسوب والهاتف وضوء الطوارئ والسيارة. اخترع جيمس سيارته الهجينة من بقايا سيارات شمسية مخلفة بعد سباقات طويلة، إنه يتركها للشحن طوال النهار ويقودها فقط أثناء الليل، فهو تقريبا مكتفي ذاتياً. والآن خلد للنوم.
لأنه تقدم في العمر ودرجات الحرارة مرتفعة، روّضَ جيمس بدنه ليغرق في النوم، يسبت ثم يستعيد نشاطه، في حال درجة الحرارة بلغت أكثر من سبع وأربعين. يكمن نشاطه في الليل فإنه يستيقظ عندما تنخفض درجة الحرارة ممتلئاً بالطاقة لأن حياته بعد الظلام تصبح أكثر حيوية، عندها يبدأ بتفقد مصائد العظايا. لقد شعر بخفقات قلبه، ثم وثب هلعاً من نومه ليجد بقعة باردة.
لاحظت أرينا مارك وقد أوثق حقيبتين على ظهر الجواد أبوني وعندما انطلقوا عند مغيب الشمس اتبعوا قاع النهر الجاف من طرف البلدة الى مكان جيمس. في الظلام أدركت أرينا ظلالاً معتمة لجمال ناجية وكان الليل هادئأ للغاية. الطرقُ هادئة حتى في النهار، والقطارات والحافلات لم تعد تشكل خطراً على السكك المتشابكة وكذلك الاسفلت الذائب. مع ذلك ينبغي عليك الاصغاء الى قطار ما قد يندفع مصادفة أثناء الليل. لم يعرف أحد من أين قدمت ولم تتوقف في البلدة. البعض قال لقد نقلت مخلفات نووية قاطعة ما كان صحراء في البدء. مارك كان متيقناً من رؤيته لبنادق محمولة على قمة هياكلها المصفَّحة.
لقد غادروا بقايا طريق القطران المفتت وتوغلوا خلال كثبان الرمل الكثيفة في طريق الجنبات. فقد تجاوزوا قاع النهر القديم محصنين بهياكل اشجار الصمغ، خيمت أرينا هناك كالطفل حيث اعتادت الببغاوات ذات الذيول الحمراء أن تجثم. وبينما كان هزيم الرعد يقطع سلسلة أفكار أرينا تراءى لهم بريق سطح بيت جيمس من خلال الأشجار. ينظر مارك أليها، فتقول مندهشة:
"يبدو وكأنه الرعد الذي يعقبه المطر". السماء لم تمطر منذ زمن طويل، مارك لم يدرك ما تقوله. الهزيم بات أقرب، أنها تحسه خلال قدميها المرتعشتين، وبغتة كان هنالك جيَشانٌ ضخم في الأسفل. وتتمسكُ أرينا بلجام الجواد أبوني شاعرة بالتيه. وعندما تمايلت الأرض صهل الجواد ثم تهاوى مبتعداً عن أرينا. بعد ذلك تعود الأرض ساكنة هادئة، وتنتصب أرينا مشتدًّة الساقين وتحاول أن تفهم ما حدث. يخاطبها مارك قائلاً:
"أماه، لقد جُرح أبوني."، فتنظر أرينا من بعيد لترى الجواد يجثو هنالك وهو يصارع بوهن ويؤرجح ساقاه ولا يستطع النهوض لذلك قررا أن يتركاه كي يستريح فأوثقاه الى شجرة.
عندما بلغا شرفة جيمس، كانت أرينا ترى أباها من خلال النافذة يدعس على دراجة محوَّرة ليولد الطاقة اللازمة لتشغيل التلفاز وبينما هو يشاهدُ نشرة أخبار آخر الليلة، تسمعُ أرينا حديثاً عن نشوب حروب المياه ولاجئي الكوارث البيئية. عند دخولهما ابتسم جيمس لكنه داوم على مشاهدة الأخبار وبعد انتهاء التقارير المالية عن تجارة المياه رحب بهما. يبتسم مارك ابتسامة عريضة بينما يقسم جده عظاءتين مجففتين مقرمشتين مع متاع لذيذ طازج مخبأ في علب قديمة محفوظة، والآن يفتحُ واحدةً ويصبُ عصير الطماطم، يا لها من مأدبة! لقد أكلوا ببطء وهدوء، لم يبقوا شيئاً من العصير الأحمر.
جيمس يسألُ أرينا:
" هل أنت ذاهبة معه صوب الجنوب؟"
تجيبه أرينا: " لست متأكدة."
والآن يخبرهما جيمس:
" حسناً السيارة جاهزة للذهاب، أستطيعُ أن أصحبكما في المرحلة الأولى، ستحتاجون الى أماكن مناسبة لتقيموا مخيماً كل يوم، هذا إن عزمتما على بلوغ هدفكما."
مارك يصغي لهُ بحدة، ويضيف الجد قائلاً: "ليلة الغد سآخذ كما الى كهوف الخفاش لتشعروا بالبرودة فيها وكذلك في الطريق المؤدي اليها. هيا لنرزم ما يلزمنا من العدة، فلنسترح الآن ثم ننطلق غداً عند الغروب."
ويخرجُ مارك قائلاً: "حسناً، سأذهب لأجلب حقائبي وأتفقدُ أبوني."
الضياء الذي يسبق الفجر أشعلَ السماءَ فأصبحت محمرة من خلف سحب الغبار العائمة. ولمحَ مارك عدة صقور تحوم عالياً، فقدمَ الى مكان الجواد أبوني وعندها رأى أشكالاً معتمة مقطعة ومتفرقة في الظلال. بعد ذلك تصفق الصقور أجنحتها وتبتعد. تجنب مارك النظر الى بقايا الجلد والعظام المضمَّخة بالدماء ثم قبض على حقائبه ورجع أعقابه مسرعاً:
" الكلاب، لقد هلك الجواد أبوني."
أرينا وجيمس رزما عدة التخييم ووضعاها مع الطعام والماء في السيارة وكذلك كل أشياء مارك كانت في حقائبه، ثم إمتدا ليسترخيا وكانا على وشك أن يناما، فدخل مارك، سمعته أرينا لكنها لم تسمع صوت حوافر الجواد. مارك يتمتم: "لقد هلك." شعرت أرينا بغصة وهي تقول:
"لكن..."
ويهزُ مارك رأسه دون حاجته لأن يفصح. أرينا تولي وجهها نحو الجدار: " آه، لا " والآن يخلدُ الرجلان للنوم لكنها لم تغمض عيناها منذ وقت طويل. عندما استيقظت كان المساء، وكان جيمس منحنياً على حاسوبه المغبر والسماعات على رأسه، وسيلة تواصله الأولى مع العالم البعيد والاصدقاء في المناطق المعتدلة هي شبكة الانترنت. أرينا تودُ إرسال بريداً الكترونياً لزوجها دان لتشعر بالراحة عند قراءة ما يردها من بريده. أخذت أرينا تمعن النظر الى كتف جيمس في الشاشة لكنه لم يلحظها، لقد كان ملاذ ماء حقيقي متمرغاً في حمام حقيقي . صوت رش الماء في أذنيه أختلط بصورة الشلالات والأمواج، ثم تمطى عندما انقطع الاتصال:
"أريدُ ان أكتشف بعض الحلول من أجل طعام حقيقي هنالك بعض المواقع الممتعة. حالاً ستكتمل العلب..." عندما رأى وجهها توقف قائلاً:
" حسناً والآن نعود للحقيقة، أني مستعد للذهاب." وتقف أرينا الى الوراء مرعوبة، رأسها يدور فتمسك نفسها وتقول:
" لا، لا، لدي ما يكفي، أن ذلك يأتي من رجاحة الرأي الآن أعرف ما يتوجب فعله، سأذهب مع مارك نحو الجنوب، دان ينتظرنا منذ وقت طويل، يعزعلي فراقك، لكن وقت الذهاب قد حان."
ويلتقط جيمس مشعله الشمسي وبعض الأشياء ثم يستدر نحوها ويقول:
" أتفهم ذلك، لا تقلقي بشأني فلدي كل ما أحتاج إليه، سأعطيك رسالة للمصرف، أنا هنا في غنى عن نقودي المدخرة هناك، أنت بحاجة لها." صرخت أرينا:
" أبي" ثم عانقته بلطف لأنه أصبح هشاً ضعيفاً بعد ذلك صافحها ثم خرج الى السيارة.
تحركت السيارة ببطء، إنها لم تكن لتستوعب حمولة كهذه، مع ذلك فقد سارت. جيمس يراوغ الأخاديد الموجودة على بقايا الطريق السريع. أرينا تعود بها الذاكرة لتقول:" حدث مرة أن إصطحبتني الى الكهوف عندما كنت صغيرة، مارك لم يأتي بعد، أنه لا يعرف شيئاً عنها."
جيمس ينظر الى الطريق وعيناه ُمتكيفة مع الليل لكن الطريق بدت مختلفة له، حدق الى النجوم
موجها نفسه:" آه خط السكك القديم! أذن هذا هو الطريق" ثم توجه جنوباً.
السيارة الصغيرة تتخبط بتأني على الأخاديد الرملية بموازاة خط السكك الحديد. وأخيراً لمحَ جيمس الخط المنعطف، واستدار منحدراَ الى الجانب الآخر. شيئاً فشيئاً تصبحُ الطريق غامضة وعندها يتقدم مارك ليعثر على آثار طريق قديمة. بعد فترة وجيزة صاح جيمس:
" ها هم هنا!" ثم توقف مترجلاً وناول مارك وأرينا الحقائب والعدة وقادهما الى مكانٍ بدا كمنخفض في أرض يباب، وبينما هما يتبعانه رأى مارك المدخل المظلم، وماهي إلا هنيهة حتى كانوا في الكهوف، حيث كان الهواء بارداً. كان جيمس يهز المشعل ببطء الى الأعلى، فظهر السقف المقوَّس محفوفاً بمئاتٍ من الأجمات الصغيرة البنية الناعمة، وبعدئذ انعطفوا منطلقين بهياج الى عمق الأرض. يضحكُ جيمس قائلاً:
" آه، فطيرة خفاش للفطور!"، وتضع أرينا ذراعيها على رأسها، ويسألُ مارك:
"الى أين يقود ذلك؟ ويجيبه جيمس:
" إنها كهوف كلسية على ما أذكر رغم إني لم أكتشفها من قبل، لنتفحص ونعرف فيما لو كان الداخل أكثر برودة." فيقودهما الى سلسلة من الأنفاق، لقد اعتادت أعينهم العتمة، فشرعوا يُعلِمون كل شعب سلكوه بحجر أو بخدش. وتعرِجُ أرينا قائلة:
" يمكننا البقاء هنا لفترة، إن المكان أفضل من البيت."
ويجيب مارك:
" إني عازم على الرحيل نحو الجنوب يا أمي."
بعد حين يلمح جيمس سلسلة طحالب شاحبة غريبة، لكنه عندما تقدم خطوة نحوها وإذا بهزيم خفيف يتعالى تحت أقدامهم ويقترب شيئاً فشيئا. وقفوا متسمرين هادئين وكانت أقدامهم ترتج. بعد ذلك ساد الهدوء ثانية، لقد بدوا مرهقين وسرعان ما نصبوا مخيماً على شفا صخرة ناعمة. جيمس يصارع من أجل أن ينام بيد أن المكان لم يكن دافئاً حتى خلال النهار. وأخيراً غلبهم النوم جميعاً في عمق الأرض، وبعدما استيقظوا توجه جيمس بهما نحو عمق أكثر الى متاهات الأنفاق. بدت الرحلة مثل حلم بلا نهاية، فأخذ جيمس يضيء المصباح لبعض الأحيان ليوفر ما به من طاقة، وفي تلك الأثناء عثروا على تكوينات صخرية غريبة ورموز من صلصال نقشت على جدران الصخور، ودوائر مائية وصور أسماك جميلة تضيء في الظلام، ليس لديهم أدنى فكرة عنها ولا حتى إن كان الوقت نهاراً أم ليلاً.
وتنساب أرينا وتنحدر حيث ينعطف النفق، وما أن تثبت يداها تدرك إن الأرض كانت رطبة فيصيح مارك ويضيء جيمس المصباح وينظران من حولهما الى الجدران المقوسة الرطبة التي تعلوهما. وعندما يتأرجح المصباح، يلمحون أمامهم السواد المترأرئ لبركة تحت الأرض. فيتساءل مارك إن كان ذلك وهماً وتقوم أرينا بسحب نفسها والزحف على ركبتيها الى أمام. أما جيمس فيستشعر طريقه بشديد الحذر ويضع المصباح على صخرة ويضطجع على بطنه ثم يسحب نفسه الى حافة المياه فيغترف حفنة من الماء ويُمعن النظر هناك. لقد كان الماء صافياً بارداً، لعقها بلسانه فكان الماء عذباً، فأردفَ قائلاً:
"إنه مكمن مائي عميق، الماء قديم جداً، أنه هنا منذ أن كان العالم ناشئاً مفعماً بالحياة، في البدء لنشرب قليلاً منه حتى تعتاد أجسامنا اليابسة عليه تدريجياً."
بعد ذلك تجعل أرينا وجهها ملامساً للماء برفق، وتستشعر سطحه بشفاه منبسطة ثم ترشف قليلاً منه بفمها الجاف فتشعر بالنداوة العذبة ترطب لسانها. وخشية أن تفزع أي مخلوق أو أن تتزحلق في الوحل، أدارت رأسها وغمرت خديها في الماء وببطء شربت منه كمية أكثر. وهنا كان مارك يضحك ويغترف الماء البارد ويسكبه على رأسه وأكتافه حتى أصبح جلده بارداً. أخذوا يرشون الماء و يرتشفوه ضاحكين. بعد ذلك جلب مارك التمر الجاف والفاكهة فأكلوها مع مشروب آخر قبل شروعهم بالنوم ووضعهم المصباح على مرتفع صخرة. والآن ثمَّة طقطقةٌ تخترق الأذن قد أيقظتهم وتلتها سلسلة من الدُمدمات كانت تهدر في داخل الكهف. أخذ سطح الصخرة يرتفع ويهتز، وسيطرت الفوضى على المكان، فأمسك كل منهم الآخر في الظلام مستنشقين غباراً لاذعاً. بعد أن تلاشت الهدرات الهيولية، برز صوت قرقعة الأحجار الهاوية. في تلك اللحظة تمسكُ أرينا أنفاسها وذراع أبيها، هي ترفض فكرة أنهم يمكن أن يدفنوا أحياء.
حينما أخذ جيمس المصباح الى جانبه وكاد أن يضيئه، صاح مارك:" أنظر! أنظر!"، فكان هنالك بركة مظلمة ساكنة، ماءها يجري ملتوياً مشرقاً فضياً، ويصب بسرعة، بيد أن مستوى الماء لم ينخفض. بعد قليل لمح جيمس حركات سريعة للأسماك، كل شيء قد تغير، الماء تغير من اللون الوردي الى الأزرق متلألأً على السطح، أرينا تقف مرتعشة لاهثة متمسكة بالصخور، حيث تلاحظ في الاعلى الصخرة التي كان سطحها بالأمس معتماً أصبح مشرقاً مضيئاً، فوقفت أرينا مندهشة: "أبي، مارك، أنظرا!، صاح مارك:" السماء!"، ثم قال جيمس متمعناً: " انشقت الأرض، لابُد أنه تحول زلزالي كبير، الطبقات التكتونية* تحركت."
عندما شعروا بالأمن، سارعوا لرؤية ما حدث فتسلقوا الصخور الى موقع مناسب ثم حدقوا في دهشة، كل شيء قد تغير، ويقول مارك:
" أنظرا الى السلاسل الجبلية"
هنالك صدع فُتح الى الشمال، حيث كان بإمكانهم مشاهدة التلألأ النائي للمياه الجارية، عندها قالت أرينا: دان سوف لن يصدق ذلك." ثم يتبعها جيمس قائلاً:
" ربما إنه نطاق الصدع الطبقي وإن سطح المحيط القديم قد انهار وذلك بدوره غير كل شيء."
وعندما ارتفعت الحرارة خلال النهار، وجدوا صخرةً معلقة عالياً تظلل بركةً. بعد ذلك قام مارك بغزوات في الخارج عائداً بغنائم: الاولى كانت عظاءتين مصعوقتين إثر الصخور الساقطة، وأخرى تثير الدهشة وهي أرنب مكتنز. اكتشف جيمس شقاً في الصخرة حيث كان الماء الحار يزبد، فقامت أرينا بطبخ وليمة لهم، فأكلوا وشربوا وتحمموا ثم ناموا وما استفاقوا إلا عند الغروب. إنه لأمر مهول لم يروه من قبل. عبر الريف البعيد ثمة ضياء ذهبي يتلألأ على النهر الجاري ثم شاهدوا في أعالي السماء الشمالية شيئاً بدا كسحابة متحركة أخذت تدنو أكثر وإذا بها طيورٌ عائدةٌ للوطنِ ثانيةً.

*التكتوني: متعلق بنشوء اديم الأرض.


*الكاتبة في سطور:
مارديا سمبسون: كاتبة من استراليا الوسطى. حاصلة على ماجستير في تعليم الكبار. أعمالها الشعرية نشرت في بعض دور النشر مثل (لاندرمارك) و(يلو موون) و(اوفرلاند) و(تلوتس برس ليفنك رووم). وتكتب ايضاً للصحف الفنية، وعرضت أعمالها في كانبيرا وأليس سبرنكس وجاكرتا.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647





- هذا ماقرره مؤتمر البام..استقالة العماري معلقة حتى الدورة الا ...
- المسلسلات التلفزيونية الروسية تغزو السوق العالمية
- العماري:اتصلت بزعماء أحزاب لتقديم استقالة جماعية لكنني صدمت ...
- دراسات عن أعلام من الحلة في الفكر والثقافة والأدب – 5
- الشاعر والقاص أمير بولص لـ (الزمان ): مازلت أحبو والشعر يرسّ ...
- بالصور: أفريقيا في أسبوع
- قصر جاسر.. حضور فلسطين وحضارتها
- منع عرض فيلم برام الله لاتهام مخرجه بالتطبيع
- السلك الديبلوماسي الإفريقي بالرباط: بعيدون عن التصريحات -غير ...
- فيلم -الزائرة- يشارك في مهرجان أنطاليا السينمائي


المزيد.....

- تسيالزم / طارق سعيد أحمد
- وجبة العيش الأخيرة / ماهر رزوق
- abdelaziz_alhaider_2010_ / عبد العزيز الحيدر
- أنثى... ضوء وزاد / عصام سحمراني
- اسئلة طويلة مقلقة مجموعة شعرية / عبد العزيز الحيدر
- قراءة في ديوان جواد الحطاب: قبرها ام ربيئة وادي السلام / ياسين النصير
- زوجان واثنتا عشرة قصيدة / ماجد الحيدر
- بتوقيت الكذب / ميساء البشيتي
- المارد لا يتجبر..بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- من ثقب العبارة: تأملات أولية في بعض سياقات أعمال إريكا فيشر / عبد الناصر حنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شيماء هادي راضي - قصة قصيرة مترجمة