أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - مالك بن نبي: فلسفة الفكرة الحضارية















المزيد.....

مالك بن نبي: فلسفة الفكرة الحضارية


ميثم الجنابي
الحوار المتمدن-العدد: 5655 - 2017 / 9 / 30 - 14:23
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ان فلسفة الفكرة الحضارية عند مالك بن نبي هي الصيغة الأكثر نضجا لتقاليد الإصلاحية الإسلامية الحديثة. فقد استمد فكرته عن الحضارة البديلة (العربية الإسلامية) من فكرته السياسية، والعكس صحيح أيضا. بل يمكننا القول، بان كل منها يكمّل الآخر بصورة عضوية، وينطلقان من منهج واحد ورؤية موحدة. بمعنى أن الفكرة السياسية هي فكرة حضارية، والفكرة الحضارية هي فكرة سياسية. وكلاهما ينطلقان من الواقع التاريخي والتجربة التاريخية ويؤسسان لآفاقهما التاريخية. من هنا يمكن فهم الصيغة المفارقة لبحثه عن اثر الدين في أساس كل حضارة ومنشئها، وفي الوقت نفسه دعوته لكي يكون المبدأ الأخلاقي الايجابي في تأسيس البدائل الحضارية في العالم الافروآسيوي (والإسلامي والعربي جزء منه) ليس دينيا. ففي هذه الصيغة المفارقة تنعكس خصوصية الفكرة الإصلاحية الإسلامية عند مالك بن نبي وجوهرية الفكرة التاريخية فيها.
فقد اعتقد مالك بن نبي، بان الحضارة لا تنطلق إلا من مبادئ دينية. وقد تكون الحضارة النصرانية والإسلامية احد نماذجها الرفيعة. بمعنى تأثير وجوهرية الديانة النصرانية والإسلامية في تصنيع حضاريتيهما. وعمم موقفه هذا للدرجة التي جعلته يقول، بان "الحضارة لا تنبعث إلا بالعقيدة الدينية. وينبغي أن نبحث في أية حضارة من الحضارات عن أصلها الديني الذي بعثها. وينطبق هذا على اثر البوذية والبرهمية" . وانطلق في تعميمه هذا مما اسماه "بعناصر الحضارة الخالدة في الدين". وكتب بهذا الصدد يقول، بان "قوة التركيب لعناصر الحضارة خالدة في جوهر الدين، وليست ميزة بوقت ظهوره في التاريخ. فجوهر الدين مؤثر صالح في كل زمان ومكان" .
غير أن هذه الصيغة التاريخية اللاهوتية في الموقف من منشأ الحضارة واثر الدين فيها، تبقى ضمن إطار الرؤية التاريخية سواء فيما يتعلق بمسار الحضارة أو الموقف منها والبدائل المحتملة. فمسار الحضارة العام يتراوح ما بين الصعود والسقوط، في حين يكشف تاريخ الأمم والحضارات عن أن صعود بعضها ملازم لسقوط أخرى. ومن ثم فلكل منها دوره التاريخي. بينما نراه ينظر إلى علاقة النهضة الحضارية بالبدائل نظرته إلى قضية تاريخية وثقافية ملموسة. من هنا استنتاجه القائل، بان الحلول الفعلية للبدائل الحضارية لا يمكن أخذها من نماذج الشرق والغرب، انطلاقا من أن مشكلاتنا خاصة. ومن ثم فان النهضة ينبغي أن تكون بمستواها. من هنا استنتاجه المبدئي أو المنهجي عن أن ما يقوم بدراسته ليس "المشاكل التي تخص عام 1948، بل هي من المشاكل التي تخص عام 1367" .
بينما الاستناد إلى النفس وتاريخها الثقافي الذاتي ينبغي هو الآخر أن يكون تاريخيا واقعيا. فقد دخل في صيرورة الحضارة الإسلامية، كما يقول مالك بن نبي، عاملان أساسيان وهما كل من الفكرة الإسلامية والإنسان المسلم . وما صنعته الحضارة الإسلامية كان يتوافق مع روحها وروحانيتها. أما المهمة الحالية فتقوم في "أن نصنع رجالا يمشون في التاريخ، مستخدمين التراب والوقت والمواهب في بناء أهدافهم الكبرى" ، أو ما اسماه بالعناصر الثلاث الجوهرية في بناء الحضارة. ففي العالم الاسلامي أياد وعقول كافية. والمهمة تقوم في التوجيه، اي توجيه الإنسان صوب "دفعة دينية" بحيث "يكتسب بأثرها معنى الجماعة ومعنى الكفاح" . أما مضمون أو حقيقة هذه "الدفعة الدينية" فأنها تتطابق في فكر ومواقف مالك بن نبي مع "المبدأ الأخلاقي الايجابي"، اي الذي يتوافق مع مضمون الحضارة الإسلامية بوصفها حضارية مبنية على "أساس المبدأ الأخلاقي وليس الجمالي". وضمن هذا السياق استنتاجه القائل، بان "الفكرة الافروآسيوية ينبغي أن تؤسس منهجها الأخلاقي على مبدأ ايجابي، وبحيث لا يكون في جوهره دينيا" .
تستند آراء ومواقف واستنتاجات مالك بن نبي بصدد القضية الحضارية إلى رؤية منهجية حددت أيضا فكرته السياسية. فهو ينطلق من فكرة عامة تقول، بان "كل تفكير في مشكلة الإنسان هو في النهاية تفكير في مشكلة الحضارة". وبالتالي، فان "مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته. ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها" . ويستند هذا الاستنتاج إلى رؤية فلسفية عن التاريخ واسعة الانتشار ومختلفة التفاسير ومتنوعة التأويلات. وضمن آراء ومواقف مالك بن نبي فأنها تهدف إلى إثارة العزيمة والإرادة السياسية الفاعلة استنادا إلى رؤية ثقافية وحضارية عن النفس مبنية على أساس التراث السابق، والواقع المعاصر، ورؤية الآفاق المستقبلية. ومن ثم تحتوي على قدر من التفاؤل العملي الواقعي المبني على أساس برنامج يناسبه في الرؤية المنهجية والتوظيف الفعلي. فهو ينطلق بهذا الصدد من أن "الشعوب تلعب أدوارها، وكل واحد منها يبعث ليكوّن حلقته في سلسلة الحضارات". احدها ينبعث وآخر يزول . ذلك يعني أن الحضارة الإنسانية العامة واحدة لها حلقاتها المرتبطة بالأدوار التاريخية التي تقوم بها الأمم المتنوعة. وبالتالي، فان المهمة الحضارية القائمة أمام العالم الاسلامي والعربي هي مهمة تاريخية وثقافية من نوع خاص. من هنا موقفه واستنتاجه العملي بهذا الصدد، والقائل، بان "الاستعمار ليس من عبث السياسيين ولا من أفعالهم، بل هو من النفس ذاتها، التي تقبل ذل الاستعمار". وبالتالي، فان "كابوس الاستعمار لا ينتهي بالكلمات الخطابية". فالسياسة التي تجهل قواعد الاجتماع وأسسه هي "دولة تقوم على العاطفة في تدبير شئونها، وتستعين بالكلمات الجوفاء في تأسيس سلطانها" .
ذلك يعني ، أن البديل الحضاري ينبغي أن يربط في كل واحد نقد النفس ونقد العقل العملي للغرب الاستعماري، اي نقد فلسفته الحضرية الفعلية وأثرها بالنسبة للعالم الاسلامي والعربي (والافروآسيوي). فهو ينطلق من تفاؤل تاريخي واقعي يستند إلى فكرة قد لا تخلو من الطابع الخطابي لكنها دقيقة، تقول، بان طاقة الشعوب لا تنضب ولا يمكن الوقوف ضدها. ومفارقة الظاهرة بالنسبة للعالم الاسلامي والعربي (والافروآسيوي) تقوم في أن الغرب هو من ساعد على توسيعها رغم سعيه لصدها . فقد "برهنت الأحداث التاريخية على عجز الغرب الأوربي الأخلاقي عن أن يحتل مكان القيادة في العالم" . وذلك لان الفضائل الأوربية هي "فضائل داخلية أنانية لا إشعاع لها"، وان "العقل الأوربي هو نفسه ذاتي أناني من الوجهة الأخلاقية". وبالتالي، فان "الفضيلة الغربية لا وجود لها بالنسبة إلى العالم، لانها لا تشع على عالم الآخرين. والغربي لا يحمل فضائله خارج عالمه. فخارج الحدود الأوربية لا يكون إنسانا، بل أوربيا" . وترتب على ذلك استنتاجه العام القائل، بأنه ليس للحضارة الأوربية "ضوءا أخلاقيا ساميا يكشف لها جوانب المشكلات الإنسانية"، بل أنها "ردت هذه المشكلات إلى المنطق العقلي المجرد" . لهذا لا تظهر "المشكلات الإنسانية في العواصم الأوربية". والسبب يقوم في أن العقل الأوربي يعرّيها من بعدها الأخلاقي الإنساني. انه ينظر إليها بمعايير الكمية، أي المصالح الاقتصادية والإستراتيجية . ومع ذلك ينبغي النظر إلى هذه الحالة باعتبارها ظاهرة عابرة. وقد شبّه مالك بن نبي الاستعمار الأوربي الحديث "بعربة اليد التي كانت نافعة في أوربا القرن التاسع عشر". غير أن معضلة هذه الظاهرة تقوم في أن الأوربيون مازالوا متمسكين بها لا يريدون الاستغناء عنها . ومع ذلك فهي عرضة للزوال، وذلك لان الاستعمار حسب عبارة مالك بن نبي "مرحلة من مراحل التطور الإنساني"، ومن ثم فان "مصيره شبيه بمصير اختراع استنفذ أغراضه وتخلّف بفعل التقدم الإنساني المستمر".
غير أن هذه الإزالة مرتبط بالبدائل التي يبلورها العالم الافروآسيوي على المستوى الأخلاقي والعملي، اي على مستوى الرؤية المنهجية والبدائل المناسبة لها. ووضع ذلك في صورة بيانية قوامها أن من أقام المسارح والمنابر للمهرجين، ومن أشعل المصابيح الكاذبة، ومن جمّل الأصنام ليلحقوا الهوان بالفكرة، هؤلاء كلهم سوف يتهاون أمام "شمس المثالية" التي تعلن قريبا "انتصار الفكرة، وانهيار الأصنام، كما حدث يوم تحطّم هبل في الكعبة" . فمرحلة البطولة ودور الأبطال التي مر بها العالم الاسلامي في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين تشرف على نهاياتها. لاسيما وأنها كانت "مرحلة إغفال حل المشاكل التي مهدت للاستعمار وتغلغله". والمهمة المستقبلية تفترض بلورة وتحقيق منهج جديد للرؤية الحضارية. ومضمونه يقوم في أن "كل تفكير في مشكلة الإنسان هو في النهاية تفكير في مشكلة الحضارة". من هنا استنتاجه عن أن "مشكلة الإنسان الافروآسيوي هي في جوهرها مشكلة حضارة". وكما كان الاستعمار في القرن التاسع عشر عنصرا هاما في تعريف الحضارة الغربية، حيث كان يعد صفة مميزة لتوسع تلك الحضارة وأساسا لحركتها ونموها" كذلك تصبح "معاداة الاستعمار وتكمل مؤقتا تعريف الفكرة الافروآسيوية، باعتبارها حضارة" .
ولم يضع مالك بن نبي إشكاليات الحضارة البديلة ضمن سياق الصيغ الواسعة الانتشار آنذاك عن تعارض الشرق والغرب ولا ضمن مختلف النماذج الأخلاقية المجردة وما شابه ذلك، بل نظر إليها، كما يقول، باعتبارها "مشكلات عضوية" مرتبطة "بكيفية تشييد بناء قائم على الحقائق النفسية الاجتماعية في هذه البلاد، ومشكلات التوجه القائم على حقائق الوضع العالمي" . ذلك يعني أن مشكلة الحضارة بالنسبة للعالم العربي هي مشكلة ثقافية سياسية عملية. من هنا قوله، عن إن المقياس الذي تقاس بها ألوان النشاط الاجتماعي والسياسي هي الحضارة . والحضارة بالنسبة لمالك بن نبي هي "مرّكب ثقافي". فإذا كانت وحدة اللغة أو الجنس ضرورية لتكوين امة، فان هذا الشرط ليس محتوما لتكوين حضارة. فالغرب الأوربي على سبيل المثال ليس وحدة عنصرية أو لغوية بل مرّكب ثقافي. ووضع هذه النتيجة في أساس موقفه القائل، بأنه "لكي ترتفع الكتلة العربية الآسيوية من مستوى التلفيق والاصطناع السياسي إلى مستوى مفهوم الحضارة، يجب أن نأخذ بنظر الاعتبار عاملين، عامل الثقافة وإطاره الذي يحيط به" . وهذه بدورها هي ما اسماه بالحقائق النفسية الاجتماعية، ومشكلات التوجه القائم على حقائق الوضع العالمي.(يتبع...)
***





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- البديل الحضاري الإسلامي عند أنور الجندي(5-5)
- البديل الحضاري الإسلامي عند أنور الجندي(4)
- البديل الحضاري الإسلامي عند أنور الجندي(3)
- البديل الحضاري الإسلامي عند أنور الجندي(2)
- البديل الحضاري الإسلامي عند أنور الجندي(1)
- البديل الحضاري عند سيد قطب(3)
- البديل الحضاري عند سيد قطب(2)
- البديل الحضاري عند سيد قطب(1)
- الحضارة الإسلامية في الفكر الاسلامي المعاصر (3)
- الحضارة الإسلامية في الفكر الاسلامي المعاصر(2)
- الحضارة الإسلامية في الفكر الاسلامي المعاصر(1)
- الحضارة الإسلامية في مرايا المناهج الغربية(4)
- الحضارة الإسلامية في منهج التعارض الحضاري
- الحضارة الإسلامية في مرايا المناهج الغربية- المنهج التاريخي
- الرؤية الغربية لقضايا وإشكالات -الشرق والغرب-
- الاستشراق-الوجه الآخر للمركزية الأوربية ووعيها الذاتي
- الحضارة الإسلامية في دهاليز الوعي الغربي (الأوربي)
- نهج الحضارة ومنهج البدائل
- فلسفة الحضارة ووعي الذات القومي الثقافي
- إشكاليات الحضارة بين الفلسفة والسياسة


المزيد.....




- القواسمي لـRT: عباس سيتوجه إلى السعودية بعد اجتماع القيادة ا ...
- السرّاج في الجزائر لبحث الأزمة الليبية
- وزراء خارجية تونس ومصر والجزائر يدعون الأطراف الليبية للحوار ...
- تصاعد الحرب الإعلامية بين طهران والرياض
- المفتي شوقي علام لـ-RT-: مصر محصنة ضد الفتن
- ماكرون: مضطرون للتحدث إلى الرئيس السوري بشار الأسد
- دبي تفتتح مستشفى خاصا بالإبل
- -فايننشال تايمز-: بوتين حقق تقدما في استعادة روسيا مكانتها ك ...
- رفع حالة التأهب بمصر مع اقتراب الأعياد
- بوتين يشكر ترامب على معلومات استخباراتة أحبطت هجوما إرهابيا ...


المزيد.....

- الاسلوب القويم لتعامل الاسرة مع اطفالها / حامد الحمداني
- ما بعد الحداثة / نايف سلوم
- في ذكرى يومها العالمي: الفلسفة ليست غير الحرية في تعريفها ال ... / حسين الهنداوي
- النموذج النظري للترجمة العربية للنص الفلسفي عند طه عبد الرحم ... / تفروت لحسن
- السوفسطائي سقراط وصغاره / الطيب بوعزة
- في علم اجتماع الفرد / وديع العبيدي
- أرسطو و النظريات ما قبل سقراطية حول المعرفة / الشريف ازكنداوي
- نظرية القيمة / رمضان الصباغ
- نسق اربان القيمى / رمضان الصباغ
- نسق -اربان - القيمى / رمضان الصباغ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - مالك بن نبي: فلسفة الفكرة الحضارية