أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - البديل الحضاري الإسلامي عند أنور الجندي(2)















المزيد.....

البديل الحضاري الإسلامي عند أنور الجندي(2)


ميثم الجنابي
الحوار المتمدن-العدد: 5646 - 2017 / 9 / 21 - 20:05
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


نقد التقليد الفكري للغرب

أما في موقفه من الفلسفة نراه يدعو إلى التفريق بينها وبين العلم. فالفلسفة بالنسبة له ليس علما. من هنا تقييمه موقف الغزالي النقدي من الفلسفة في كتبه المشهورة على انه "حين هاجم الفلسفة الإلهية الوثنية"، فانه كرّم في الوقت نفسه الفلسفة العلمية في مجال الرياضيات والطبيعيات. وبالتالي، فان "الفلسفات الأوربية الحديثة من ماركسية ووجودية ونفعية ليست علوما" وذلك لانها "قائمة على النظرة الخاصة المحدودة بحدود الزمن والبيئة". بينما نراه يعتبر التصوف "بدعة" حسنة. فإذا كان من حيث أصله زهدا فعلا مقبولا وحسنا لحد ما، فان اتصاله بالفلسفة اليونانية ومفاهيم التصوف الهندي والوثنية الفارسية والهيلينية، أدى به إلى "اضطراب كبير". الأمر الذي جعله يعتبر "النوع الفلسفي للتصوف ليس إسلاميا". أما المعتزلة، التي حاول ويحاول التغريب جعلهم ذروة العقلانية الإسلامية والممثلين الفعليين لحقيقة الإسلام العقلية، فانه استنتاج يتناقض مع الواقع وحقيقة الإسلام. وبالتالي، فان "هزيمتهم" التاريخية لم تكن هزيمة للعقل والثقافة الإسلامية، بل على العكس، أنها أدت إلى هيمنة "الاعتدال الاسلامي" و"الوسطية". وعلى الرغم من أن أنور الجندي يبرز ما اسماه بالدور الايجابي الذي لعبه المعتزلة "في الدفاع عن عقائد الإسلام"، إلا أنهم "غالوا لاحقا بالعقل". ومن ثم فان "سبب هزيمتهم يكمن في غلوّهم العقلي" لما فيه من "تناقض مع اعتدال الفكرة الإسلامية".
إننا نقف هنا أمام صيغة نموذجية للاستقامة اللاهوتية العقلية في تناول أهم التيارات النظرية الكبرى في تاريخ الثقافة الإسلامية (الكلام والفلسفة والتصوف)، بل لا غيرها من حيث الجوهر، عبر إخراجها من حيز الثقافة الإسلامية "المعتدلة والوسطية"، بل واعتبارها مجرد غلوا (الكلام المعتزلي) وبدعة (التصوف) ولا علما (الفلسفة).إضافة إلى ما فيها من جهل بحقيقة الفكرة الفلسفية في الكلام المعتزلي والتصوف والفلسفة. وتكمن جذور هذه الرؤية في العداء التاريخي والثقافي والمنهجي للفلسفة بوصفها عما نظريا عقليا خالصا. على عكس كل تأملات العقل اللاهوتي، الذي يبقى حتى في اشد حالاته الاجتهادية إخلاصا "للعقل" خاضعا في أعمق أعماقه للنصوص "المقدسة" والإيمان.
والشيء نفسه نعثر عليه في مواقفه من الثورة الفرنسية و"حملة نابليون". بمعنى الخلط بين الغث والسمين، بين الرؤية النقدية السليمة وتوظيفها اللاهوتي. فقد كانت آراءه النقدية بهذا الصدد عميقة ودقيقة وسليمة مثل قوله، بان الثورة الفرنسية هي "حركة غربية مرتبطة بالمجتمع الأوربي لها وبواعثها الخاصة"، وأنها "رد فعل قوي على واقع سيئ. بل نراه يجد فيها من حيث أفكارها العامة نتاجا للفكر الاسلامي! بمعنى أنها تمثلت مفاهيم الإسلام الكبرى عن الحرية والعدل والإخاء والمساواة وما شابه ذلك. أما الحملة الفرنسية، التي يجري الترويج لها على أنها من وضعت مقدمات "اليقظة العربية"، فانه وجد فيه مفهوما خاطئا، ودعوى باطلة. إذ اعتقد، بان اليقظة العربية هي نتاج الحركة الوهابية الأولى بقيادة محمد بن عبد الوهاب. ونظر إلى هذه القضية من منطلق منهجي سليم يقول، بان "الأمم لا تتجدد من خارجها، وإنما من مصادر فكرها ومن أعماق روحها". أما شعارات الحرية والإخاء والمساواة، فأنها جميعا "مستمدة أساسا من الإسلام".
وطبق نفس هذا الموقف الأخير من مفاهيم الجهاد والتسامح والحرية، بمعنى انه حاول تدقيقها بمعايير الفكرة الإسلامية أو عبر إرجاع مضامينها إلى الفكرة الإسلامية الأولى. ومن ثم تحريرها من التأثير الغربي، باعتبارها نتاجا له ولثقافته. فالجهاد هو ليس ما يقدمه الغرب قي تعليقاته وفهمه بوصفه حربا وقتالا لاعقلانيا ومتعصبا ودينيا، بل هو فريضة إسلامية تعني حماية الفكرة والأمة من عدوان المعتدي والاستعداد المتصل بحماية النفس. أما الصيغة الأخرى التي حاول الاستعمار عبر دعايته تحويل فكرة الجهاد إلى جهاد قلبي (كما حاول الانجليز في الهند)، فانه كان يهدف إلى قتل الروح الجهادية من اجل الحق والاستقلال. أما قضية التسامح التي يعتبرها الغرب من صفاته ونتائج رؤيته وثقافته، فان أنور الجندي يعتقد بأنه ليس هناك فكرا في التاريخ الإنساني عرف معنى التسامح كما عرفه الفكر الاسلامي وخاصة في مجال العقائد المختلفة. وهو أمر جلي فيما بلغ فيه أرباب الديانات الأخرى من مكانة في الحضارة الإسلامية. وينطبق هذا على فكرة الحرية، التي يحاول الغرب مطابقتها مع نفسه، بينما هي ليست كلك. فالأمة التي تستعبد الآخرين ليست حرة. وليس هناك من شعوب استعبدت الآخرين في العصر الحديث أكثر من الغربيين. بينما كان الإسلام هو حامل فكرة الحرية وحقيقتها حسب معاييره وتصوراته. فالحرية حسب الإسلام هي القدرة على عمل كل شيء لا يضر بالغير، بما فيها الدفاع عن النفس أمام القضاء، والتفكير والحكم على الأشياء، والتعليم، والاعتقاد والقول، والتملك. أما الحرية السياسية، فأنها في الإسلام "قائمة على الشورى". وكل ذلك نابع من أن اصل فكرة ومبدأ الحرية في الإسلام هو أن الناس تولد أحراراً، وانه لا فضل لعربي على أعجمي أو ابيض على اسود إلا بالعمل النافع. وتاريخ الإسلام يكشف عن أن حرية الفكر في الإسلام كانت مضمونة ومكفولة ومدعومة. وانه لم يرهب الفكر ولم يضيق على الحرية. على العكس لقد جرى دعم العلوم واكتشافاتها. أما العقوبات التي نسمع عنها في التاريخ الاسلامي بهذا الصدد فقد كانت في اغلبها لأسباب ودواعي سياسية.
وضمن هذا السياق حاول إبراز خصوصية "العقل العربي" المنهجية والثقافية بمعايير اللاهوتية الإسلامية التأملية، التي وجدت فيه نموذجا "للتكامل والوسطية، الذي يجمع بين الدين والدنيا، والعقل والقلب والعلم والدين والروح والمادة". فهو "العقل الذي استطاع توحيد الأضداد في انسجام: المسجد والقصر، كما جمع بين العقل والطبيعة وبين الحكمة والشريعة". فالعقل" أساس ضخم لكنه وحده عاجز عن أن يصل إلى كل الصواب والمعرفة". أما العقل الاسلامي فهو" نور في القلب يعرف الحق من الباطل والخير من الشر".
ووضع هذا الموقف أيضا في أساس رؤيته لعلاقة المعرفة بالعقيدة. إذ اعتبر محاولات إحلال كلمة المعرفة عوضا عن العقيدة يؤدي إلى نتائج خطرة. فالعقائد تتصل بالأمة، وذلك لان العقائد تتشكل وتتراكم من خلال التراث والقيم والتاريخ والدين. وبما أن "الأمم الشرقية" ذات تراث الروحي يستمد مفاهيمه من آراء بوذا وكونفوشيوس والبرهمية وغيرها، من هنا إعلاءها لشأن الوجدان والقلب والبصيرة. بينما "الأمم الغربية" بتراثها اليوناني والروماني والنصراني، فأنها تتمثل عبادة القوة والجسد والعقل. أما الأمة الإسلامية ومنها العرب، فأنهم ذوي تراث توحيدي قائم على منهج تكامل العقل والبصيرة، والروح والمادة، والدنيا والآخرة، والعلم والدين. من هنا عدم صلاحية تطبيق الأحكام المتراكمة في الوعي الغربي عليهم. لهذا نراه يقول، بان مفهوم التطور والثبات السائد في اللغات الغربية لا يصلح لعالم الإسلام. وذلك، لان هذا المفهوم يستمد وجوده في الفكر الاسلامي من قانون الاعتدال والتوازن.
وطبق موقفه النقدي هذا على علاقة العروبة والإسلام. فقد انطلق من فكرة مفادها، أن الإسلام والأمة العربية مترابطان. فقد حملت الأمة العربية لواء الإسلام إلى العالم كله. وارتبطت بها قيادة الدولة الإسلامية قرونا طويلة حتى سقوط بغداد عام 656 لهجرة. وأن الإسلام هو الدين القومي للأمة العربية . بل ونراه يتوصل إلى استنتاج يقول، بان حركات النهضة العربية الحديثة كانت إسلامية من حيث جذورها. بمعنى أنها ظهرت من قلب الأمة مثل الوهابية والسنوية والمهدية وحركات الإصلاح عند الأفغاني ومحمد عبده والمدرسة السلفية في المغرب . لهذا نراه يجد في محاولات فصلهما أو إبعاد احدهما عن الآخر مجرد فكرة تغريبية. وذلك لان العلاقة بين الإسلام والعروبة حسب نظره هي علاقة عميقة الجذور. بل أن مقومات القومية العربية وثيقة الارتباط بالإسلام من حيث اللغة والتاريخ والتراث. الأمر الذي جعله يتوصل إلى أن مفهوم الوحدة العربية بحد ذاته هو إسلامي الجذور. وكما أن القوميات الأوربية لا تفصل نفسها عن النصرانية، كذلك لا معنى لفصل العرب عن الإسلام، لاسيما وان العلاقة بينهما أكثر جذرية وجوهرية. وعندما تناول قضية تحديد ماهية الحضارة الإسلامية، فانه شدد على أن الحضارة الإسلامية هي عربية وليست سامية". لان العرب ما قبل الإسلام في المشرق كانوا قبل أكثر من ألفي سنة" . وضمن هذا السياق أيضا نظر إلى فكرة الوحدة العربية على أنها ليست هدفا نهائيا، بل مرحلة نحو الوحدة الإسلامية .
من هنا تحذيره من الأفكار الواردة في كتاب (يقظة العرب) لجورج أنطونيوس، وكتاب (يقظة الأمة العربية) لنجيب عازوري، وبالأخص ما يتعلق منه بتاريخ العرب الحديث، والموقف من العثمانية، والفكرة القومية العربية. ولهذا السبب أيضا اعتبر أن من الخطأ اعتبار نصيف اليازجي وبطرس البستاني من رواد ومؤسسي اليقظة العربية الحديثة. بل ونراه يحلل وينتقد المفاهيم لمرات عديدة مثل الفينيقية، ووحدة الوجود، والفرعونية، وإخوان الصفا، والخلافة، والسلطان عبد الحميد، وحريق مكتبة الإسكندرية، والاستعمار التركي، وكتاب ألف ليلة وليلة، وكتاب الأغاني، وساطع الحصري، وكتاب الأخلاق عند الغزالي لزكي مبارك، وشخصيات المتنبي وعمر الخيام وغاندي وتولستوي وأديب إسحاق وابن المقفع وغيرهم من الشخصيات والقضايا التي يتكرر وجودها في اغلب إن لم يكن مؤلفاته.
ووجد هذا المنهج النقدي تجسيده تجاه مفهوم الحضارة والثقافة. إذ وجد في العبارة الواسعة الانتشار في الثقافة الغربية وعلومها التاريخية والسياسية عن "وحدة الحضارة" مجرد عبارة خلابة المظهر، لكنها تخفي في أعماقها الاحتقار للثقافات غير الغربية. والشيء نفسه ينطبق على مفهوم الثقافة. إذ تعادل الثقافة عند أنور الجندي معنى الفكر القومي للأمم. وفكرة ومعنى القومية يقوم على اللغة والوطن والعنصر. فالفكر الاسلامي يمثل العالم الاسلامي لكنه ينقسم إلى ثقافات عربية وفارسية وتركية وهندية وغيرها. ولكل منها اصل في الإسلام وارتباط باللغة والوطن والأجناس. من هنا عدم دقة وخرافة مفهوم الثقافة العالمية. فالثقافة العربية مثلا تختلف عن الثقافة الغربية. العربية لها أصلها وجنسها وتاريخها، بينما الغربية اي كان نوعها القومي، فتستمد مصادرها من اليونان والرومان والنصرانية واللغة اللاتينية. إن الثقافة وطنية أو قومية دوما. من هنا قوله الفاصل عن أن العلم عالمي بينما الثقافة قومية ووطنية.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- البديل الحضاري الإسلامي عند أنور الجندي(1)
- البديل الحضاري عند سيد قطب(3)
- البديل الحضاري عند سيد قطب(2)
- البديل الحضاري عند سيد قطب(1)
- الحضارة الإسلامية في الفكر الاسلامي المعاصر (3)
- الحضارة الإسلامية في الفكر الاسلامي المعاصر(2)
- الحضارة الإسلامية في الفكر الاسلامي المعاصر(1)
- الحضارة الإسلامية في مرايا المناهج الغربية(4)
- الحضارة الإسلامية في منهج التعارض الحضاري
- الحضارة الإسلامية في مرايا المناهج الغربية- المنهج التاريخي
- الرؤية الغربية لقضايا وإشكالات -الشرق والغرب-
- الاستشراق-الوجه الآخر للمركزية الأوربية ووعيها الذاتي
- الحضارة الإسلامية في دهاليز الوعي الغربي (الأوربي)
- نهج الحضارة ومنهج البدائل
- فلسفة الحضارة ووعي الذات القومي الثقافي
- إشكاليات الحضارة بين الفلسفة والسياسة
- الحضارة وإشكالية التقديس المزيف
- أبجدية اللغة وأبجدية الروح الثقافي
- تقاليد العقل الثقافي وبدائل الرؤية المستقبلية
- موت الحضارة وبقاء الثقافة


المزيد.....




- مراسل فرانس24 في اليمن: روسيا تجلي بعثتها الدبلوماسية ورعايا ...
- تركيا: خلق انطباع بانسحاب روسيا من سوريا غير واقعي
- أشهر مروحيات -مي- الروسية
- التحالف العربي يقصف مواقع تابعة للحوثيين جنوبي اليمن
- روسيا تعلق عمل بعثتها الدبلوماسية في صنعاء لتؤدي مهامها من ا ...
- لافروف: أزمة ليبيا يجب حلها برعاية أممية
- -عين اليعسوب- تكشف المجرمين من بين ملياري شخص
- الصحة الفلسطينية تؤكد مقتل شابين في غزة
- الجيش السوري يتقدم في ريف محافظة حماة
- موسكو: بوتين لم ينسق مع الحلفاء قرار سحب القوات من سوريا


المزيد.....

- في ذكرى يومها العالمي: الفلسفة ليست غير الحرية في تعريفها ال ... / حسين الهنداوي
- النموذج النظري للترجمة العربية للنص الفلسفي عند طه عبد الرحم ... / تفروت لحسن
- السوفسطائي سقراط وصغاره / الطيب بوعزة
- في علم اجتماع الفرد / وديع العبيدي
- أرسطو و النظريات ما قبل سقراطية حول المعرفة / الشريف ازكنداوي
- نظرية القيمة / رمضان الصباغ
- نسق اربان القيمى / رمضان الصباغ
- نسق -اربان - القيمى / رمضان الصباغ
- عقل ينتج وعقل ينبهر بإنتاج غيره! / عيسى طاهر اسماعيل
- الفن والاخلاق -نظرة عامة / رمضان الصباغ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - البديل الحضاري الإسلامي عند أنور الجندي(2)