أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - وديع حمضي - هابرماس وإعادة بناء مشروع الحداثة















المزيد.....


هابرماس وإعادة بناء مشروع الحداثة


وديع حمضي
الحوار المتمدن-العدد: 5624 - 2017 / 8 / 29 - 17:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المحور الأول :إعادة بناء مفهوم العقلنة
إن ما سينصب عليه اهتمامنا في هذا الفصل هو "هابرماس" وكيفية تعامله مع مواقف سابقيه، أي رواد مدرسة فرانكفورت "هوركهايمرو"أدورنو"و"هربرت ماركيوز" هؤلاء نظروا إلى المشروع الغربي نظرة متشائمة،وتجلت بالأساس في كتبهم ك "أفول العقل" و"جدل التنوير"،ثم" الإنسان ذو البعد الواحد"فمن خلال هاته الأعمال وصل الرواد إلى نتيجة أساسية وهي اللاجدوى من الحداثة والتنوير أو انتهاء مشروع الحداثة وانتكاسته،ونفس الخلاصة وصلت إليها تيارات ما بعد الحداثة معبرين عن فشل مشروع الحداثة وإفلاسه.فيما هابرماس وعلى طرفي نقيض سيركز جهوده في مواصلة المشروع الحداثي بوصفه مشروعا لم يكتمل بعد.
1- مفهوم العقلنة
ينطلق هابرماس من تحديد مفهوم العقلنة التي أراد ماكس فيبر من خلالها تحديد بنية المجتمع الحديث ومن ثم شرحه وتوضيح معالمه:"تعني بداية اتساع المجالات الاجتماعية التي تخضع لمعايير الحسم العقلاني" .ويتم على ضوء هذا التعريف إخضاع شتى مجالات الحياة لمقاييس ومعاييرعقلانية.هذا ويمكن الإشارة مع هابرماس أنه ومنذ كتابه"التقنية والعلم كإيديولوجيا"،وهو مهتم بمفهوم العقلنة عند ماكس فيبر ،وذلك من منطلق أن ماكس فيبر لم يستطيع القيام بتأطير نظري لعملية العقلنة في المجتمع الحديث،وعليه اوجد نفسه مضطرا كما يرى:"إلى إعادة صياغة المفهوم الفيبري في إطار نظام مُختلِف الإحالات للتمكن من مناقشة أساس النقد الذي يوجهه ماركوزه لماكس فيبر وكذلك الأطروحة القائلة بالوظيفة المزدوجة للتقدم العلمي باعتباره قوة منتجة وإيديولوجيا" .
فبإدخال ماكس فيبر لمفهوم العقلنة حاول وصف وتشخيص انعكاسات التقدم التقني والعلمي على المجال المؤسسي للمجتمعات التي انخرطت في مشروع التحديث،وتأثيره على أنماط السلوك والعلاقات الإجتماعية،والغاية هي صياغة مجموعة من الثنائيات لفهم مختلف التحولات التي تحدث من جراء ما يفعله توسع مجالات النشاط العقلاني بالنسبة لغاية معينة،منها مثلا:"الحالة والعقد،الجماعة،المجتمع،تضامن آلي و عضوي،فئات رسمية وغير رسمية،علاقة أولية وثانوية،ثقافةومدنية،سيطرة تقليدية و بيروقراطية..." .من خلال هذه الثنائيات حاول فيبر أن يصف لنا صيرورة الانتقال من مجتمع تقليدي إلى مجتمع حديث.
سلط هابرماس الضوء على ذلك الارتباك الذي نتج لدى ماركيوز عندما لا يمكن له تفسير الظاهرة التي يعتمد عليها في تحليله للمجتمع ،لاسيما عندما يكون أمام انصهار كل من التقنية والسيطرة،أو العقلانية والقمع ،ولهذا يبدو لهابرماس أن:" ماركوز يخضع في بعض المواقع إلى غواية الاستسلام إلى فكرة علم جديد في مجال نبوءة"قيامة الطبيعة الساقطة"والمرتبطة بالتصوف البروتستانتي" . هذا ما يبين أن ما يعبه هابرماس على ماركيوز هو استسلامه لذوبان كل من التقنية والسيطرة ،وهذا ما جعل ماركيوز أمام هاته الظاهرة.
قام هابرماس بإعادة صياغة ما يسميه فيبر بالعقلنة على ضوء تمييزه بين (العمل والتفاعل):" العمل أو الفعل العقلاني الهدف أفهم إما فعلا ذاتيا وإما اختبارا عقلانيا ، أو ربما تركيبيا من الاثنين". .إن هذا التميز بين العمل والتفاعل، قاد هابرماس إلى تصور ماركس الذي اهتم فقط بالعمل والإنتاج داخل دائرة العقل الأداتي، بمعنى أن ماركس ركز على العمل، متجاهلا جانبا آخر لا يقل أهمية عن العمل، بل ويشكل المنطلق أو بالأحرى الشرط الأساس للتواصل ،ألا و هو التفاعل الإنساني، إن التفاعل كنشاط تواصلي له دور حاسم في تشكيل بنية المجتمع، لذلك قام هابرماس بمراجعة نقدية لمفاهيم ماركس وإعادة صياغتها انطلاقا من اعتبارات جديدة، وهذه المراجعة شملت فقط مفهومي العمل و التفاعل، لكن هذه المراجعة النقدية لم تكن الوحيدة من نوعها التي نادى بها هابرماس بهدف بناء نظرية عقلانية للمجتمع.
1-1 نقد ماركيوز لماكس فيبر
هاجم ماركيوز في مؤتمر هايدلبرج(1965)ما اعتبره الجانب السلبي في فلسفة فيبر كعالم اجتماع تجريبي،واتهمه بأنه يدعم الوضع القائم وأنه تناقض مع كونه سياسيا إلى جانب كونه اجتماعيا(سوسيولوجيا)،ولكن ماركيوز أغفل :"أن فيبر برغم عقلانيته وإيمانه بتجربة العلم كان يتخوف من التغيير المفزع الذي تحولت به الوسائل الاقتصادية والتقنية إلى غايات في ذاتها بعد أن كانت في الأصل تستهدف تحرير الإنسان .فهذه من بين الجوانب الرئيسة التي حاول من خلالها ماركيوز أن يسطر على مكامن الخلل في نظرية فبير "العقلنة"،فيما أن هابرماس لاحظ بأن ماركيوز لم ينتبه إلى تخوف فيبر من انعكاسات العقلنة على مختلف مجالات الحياة،وأن فيبر أبدى خيبة أمله من الحداثة والتحديث.
إذا كان فيبر قد رأى أن العقلانية هي قانون العلم،فإنه ظل واعيا بحدود هذه العقلانية وأخطارها:"وإذا كانت مهمة العقل عنده هي حساب العلاقه بين الوسائل والغايات،فلن يكون بوسع البشر أن يتنصلوا من مسؤولية اختيارهم وأن قدراً ضخما من المسؤولية قد يتجاوز الطاقة الأخلاقية للأفراد وقد يجرفهم إلى خصم اللاعقلانية .هذا ما عبر عنه ماركيوز معتبرا إياه بالطابع اللاعقلاني للعقلانية على أن السيطرة أصبحت تجلي من تجليات الجهاز التقني،فماركيوز والنظرية النقدية (الجيل الأول والثاني) كانوا واعون بأخطار تطور التقنية،لهذا الغرض أعطوا للعقلانية القيبرية بعدا مشخصا يتساوق مع تحولات المجتمع الرأسمالي وما أفرزه من أعراض مرضية سبق الإشارة إليها في هذا البحث.



2-1:تأثير ماكس فيبر على هابرماس
تأثر هابرماس بعقلانية ماكس فيبر التي تختزل عنده في ثلاثة مجالات أساسية،مجال الوقائع الموضوعية العلمية،ومجال المعايير المشروعية،ومجال القيم والدلالات الرمزية،وقد حاول هابرماس إعادة صياغة هذا البناء العقلاني الاجتماعي :"فأضحت شروط ودوافع السلوك العقلاني من منظوره لا تقتصر على المستوى المعرفي الأداتي، بل تمتد أيضا إلى مجال الأخلاق العملية .بهذا المعنى لا يغفل هابرماس أهمية العقلانية الأداتية الموجهة بهدف معين ولها دور في تلبية المتطلبات والحاجيات المادية لمجتمع ما.بيد أنه يؤكد على جانب أخر له قدر كبير من الأهمية،وهو فهم التفاعل الداخلي بين الذوات انطلاقا من تبادل الحوار بواسطة اللغة؛لتصبح العقلانية من هذا المنظور بمثابة استعداد لذوات لديها القدرة على القول والفعل،لأن الهدف من هذا هو الوصول إلى فهم العالم المعيش،غير أن الأمر لا يتوقف على نتائج العلم والتقنية بقدر ما يتعلق بالدور الذي يمكن أن تقوم به "العقلنة" ،أي بدور المؤول أو(المفسر) وتكون قادرة على المساهمة في حركة التفاعل بين الأبعاد المعرفية والأداتية،والممارسة الأخلاقية والتعبير الجمالي... إلخ لتتخلى الفلسفة عن دور (القاضي الثقافي) وتقوم بدور المؤول والوسيط.
كما أن العقلنة عند هابرماس قد توسعت لتصبح منفتحة على معظم التجارب الاجتماعية والإنسانية،بعد أن كانت حكرا على المجال الاقتصادي أو الثقافي ،لم تبق العقلنة فقط تعني نزع السحر عن العالم والموروث الثقافي،وإنما أصبحت ركنا أساسيا من أركان التفاعل والتواصل الاجتماعي.وذلك لتأسيس وبناء نظرية اجتماعية تتجاوز حدود الذات أو التأمل الذاتيوتنخرط في المجتمع.

المحور الثاني :هابرماس ومسألة الحداثة
1-التحديث
قبل أن يستهل هابرماس حديثه عن مفهوم الحداثة توقف قبل ذلك عند مصطلح التحديث،ويقدم هابرماس بداية نبذة تاريخية حول هذا اللفظ.حيث ظهرت لفظة تحديث في الخمسينات من القرن الماضي وتعني منذ ذلك الحين،البحث النظري الذي يتناول من جديد المسألة التي طرحها ماكس فيبر(العقلنة) هذا من جهة،أما من جهة (علم الاجتماع الوظيفي)،فيشير مفهوم التحديث إلى جملة سيرورات تراكمية ترتبط ببعضها بعضا:"فهو يعني بناء تحديث الموارد وتحويلها إلى رؤوس أموال،ونمو القوى الإنتاجية وزيادة إنتاجية العمل،كما يشير إلى إنشاء سلطات السياسية،وأشكال العيش المدني والتعليم العام وأخيرا يشير إلى علمنة القيم والمعايير" .حسب هذا التعريف تعمل نظرية التحديث على فصل الحداثة عن جذورها التاريخية لتحتفظ بمثل هكذا عبارات كأوربا العصور الحديثة،بهدف إخضاع العصور لنموذج حيادي،و يتم من خلاله إغفال الإطار المكاني والزمني الذي نشأت وتطورت فيه الحداثة،بل أكثر من هذا فنظرية التحديث لم تكتف بهذا النموذج ،وإنما اتجهت إلى أن:"تقطع الصلة الداخلية التي تصل بين الحداثة والاستمرار التاريخي للعقلانية الغربية" .
كما يستخدم لفظ التحديث:"لوصف العمليات التي بواسطتها تكتسب هذه المستويات من التنمية" .ومنه يكون التحديث بمثابة تلك المحاولات والتطلعات التي تستهدف تحقيق النماذج الغربية،أو هي تلك الإمكانية التي من خلالها نتصور البنيات المؤسسية القادرة على استيعاب التحولات المختلفة التي تطرأ على زمن المجتمع.وعليه فالتحديث هو الحداثة في حالة الفعل والحركة.
1-1:الحداثة:
يعتبر هيغل كمرجعية أساسية استند إليها هابرماس من أجل تحديد ملامح الحداثة ومعرفة إرهاصاتها التاريخية،ويعد هيجل من منظور هابرماس الفيلسوف الأول الذي طور مفهوم الحداثة،فالبرجوع لهيغل يتسنى لنا فهم معنى ودلالة الصلة الداخلية بين الحداثة،ومفهوم العقلانية لماكس فيبر،وذلك ليعيد هابرماس النظر في مفهوم الحداثة عند هيجل.ويرى هابرماس أنه ليس من المفيد أن نستبعد مزاعم وإدعاءات ما بعد الحداثيين،القائمة على طرد الحداثة واستبعادها،لكن هذا من منظور هابرماس:"لم يحققا سوى التمرد عليها مرة أخرى، والحقيقة ربما يكتفيان بإلباس تواطئهما مع تقليد جليل لرد الفعل ضد الأنوار وشاح ما بعد الأنوار" .ويتضح من هذا أن الحداثة مع هابرماس تتواجد بين مرحب بها ؛ أي من يقيم لها تعريف،ومن يحاربها كخطاب على اعتبار أننا نحيا عصور ما بعد الحداثة والأنوار.
كان هيجل قد استخدم مفهوم الحداثة في سياق تاريخي أشار من خلاله إلى "الأزمنة الجديدة أو"الأزمنة الحديثة"،ويقابلها بالإنجليزية أو الفرنسية (Modern times)(Temps moderne) ،هذه الأزمنة تشير إلى تلك الأزمنة الثلاثة السابقة بدأً بعصر النهضة مرورا باكتشاف العالم الجديد وصولا إلى حركة الإصلاح الديني،هذه الأحداث الثلاثة المهمة حدثت حوالي (1500):فالحداثة من منظور (جورج بلانديي) تستعمل لوصف الخصائص المشتركة للبلدان الأكثر تقدما على صعيد التنمية التكنولوجية،السياسية،الاقتصادية والاجتماعية" .وتجدر الإشارة للتقسيم الهيجلي رغم الإشكالية المتعلقة بالعصور الوسطى فهذا التقسيم لازال ساريا المفعول حتى الآن :"لتعيين حقب التاريخ(تاريخ حديث،تاريخ وسيط،تاريخ قديم)" .علاوة على هذا يميز هابرماس هو الآخر بناءً على التصنيف الهيجلي ،بين البداية الزمنية للحداثة التي حدثت حوالي القرن 15 وبداية الوعي بها:"ولم يتم إدراكها كتجديد إلا في القرن الثامن عشر" .ويعبر هيجل عن مفهوم الحداثة بواسطة عبارات متعددة وكأنه"أشرقت الشمس بطريقة رائعة" ولعل التعبير الأشهر هو روح العصر.
كتب هيجل في مقدمته لفينومينولوجيا الروح:"ليس من الصعب أن ندرك أن زمننا هو زمن ميلاد وزمن انتقال إلى عصر جديد لقد انفصلت الروح عما كان عليه العالم حتى تلك اللحظة،عالم وجودها وتصورها،أنها حافة اغراق كل هذا في الماضي،وهي تعمل على تصوره[...] .هيجل هنا يتحدث عن لحظة انفصال الروح ولحظة ميلاد ، معبرا عن نشأة الحداثة في الغرب إذا كنا قد تحدثنا عن البداية الزمنية للحداثة وأشرنا إلى لحظة الوعي بها،فإنه من الحري بنا أن نتتبع مع هيجل كيف تم الوعي بها ومتى؟في هذا المستوى يحدثنا عن الوعي التاريخي للحداثة الذي يتضمن تحديدا للأزمنة الجديدة و"الزمن الراهن.هذا ويحتل الزمن الحاضر مكانة متميزة في أفق الأزمنة الحديثة،وكما يرى هيغل فزمننا هو" الزمن الراهن"،وفي ذات السياق رصد هيجل انتقال أوربا إلى الزمن المعاصر الذي بدأ مع الأنوار والثورة الفرنسية،بمعنى الزمن الذي عايشه أناس أبانوا عن مدى قدرتهم في البروز والتمييز.
القارئ لكتاب القول الفلسفي للحداثة يجد أنه انطلاقا من الأزمنة الجديدة نستطيع إعادة إنتاج تلك القطيعة بين الأزمنة الجديدة والماضي،بمعنى أن الأزمنة الجديدة بمثابة الخط الفاصل بين الأزمنة الجديدة والماضي.ونستطيع أن نقول مع هابرماس إن الحداثة هي:" الوعي بالمرحلة التاريخية، التي تقييم علاقة مع الماضي من أجل أن تفهم ذاتها باعتبارها نتيجة لنوع من الإنتقال أو العبور من الماضي إلى الحاضر" . فالوعي كما تصور هابرماس هو من يحدد مرحلة تاريخية من أخرى وذلك لإقامة علاقة بين والحاضر والماضي بغية فهم العابر من الأزلي،ولقد صيغت خلال القرن الثامن عشر مفاهيم لازالت تحتفظ إلى الآن بدلالاتها،كمفاهيم الثورة،التقدم،التحرر،التطور،الأزمة،روح العصر...) .هذا ولم يأخذ لفظ حديث دلالة إلا في اللغات الأوربية الحديثة،وفي زمن متأخر.حيث تحتفظ كلمة حديث أو "حداثةّ"بنواة دلالة جميلة معبرة عن الفن الطليعي.وفي سياق متصل يرى بودليير أن التجربة الجمالية تختلط وتمتزج بأخرى تاريخية للحداثة الجمالية،فهي أي الحداثة لحظة تقاطع إحداثيات الحاضر والأزل:"الحداثة هي الانتقالي،العابر،الجائز وتشكل نصف الفن ونصفه الأخر هو الأزلي اللا متغير" .قد أراد بودليير من خلال هذا القول أن يعرف الحداثة على ضوء علم الجمال أو الجماليات وذلك من خلال الثابت والمتغير والعابر والأزلي؛ بمعنى أن الحداثة تقع بين العابر والأزلي أو هي نقطة تقاطع بين الاثنين.
فالحداثة الجمالية في نظر هابرماس أنتجت ثقافة بأكملها،بحيث من خلالها سادت قيم تحقيق الذات أي إعطاء الأولوية للفرد والعقل والتفكير،بل"إن ثقافة الحداثة تعادي كل الأعراف وفضائل اليومي الذي تعقلن تحت ثقل الضغوط الاقتصادية والإدارية" .هذا ما اهتم به هابرماس على اعتبار أطروحته القائلة بأن مشروع الحداثة لم يكتمل بعد فالحداثة الفنية لازالت متواصلة.
1-1:الحداثة مشروع لم يكتمل بعد
يعد هابرماس بوصفه فيلسوف الجيل الثاني لمدرسة فرانكفورت من المدافعين عن الحداثة،باعتبارها مشروعا لم يكتمل بعد أخذين في الحسبان تلك المزاعم التي تروج لأفول وإفلاس الحداثة،في هذا المستوى يدعو هابرماس إلى ضرورة التخلص من تلك الانكسارات أو التمركزات التي حصلت فيما مضى،أما مشروع هابرماس فيتمثل في العقل التواصلي الذي ما هو إلا امتداد لعصر الأنوار.
فالحداثة من منظور هابرماس لا تتعلق بمرحلة تاريخية معينة كمرحلة النهضة والتنوير أو المرحلة المعاصرة :"وإنما تحدث كلما تجددت العلاقة بالقديم وتم الوعي بالمرحلة الجديدة" .ويهدف هابرماس من هكذا قول أن يوضح بأنه بدلا من التخلي عن مشروع الحداثة وتركه،وجب القيام بفحصه نقديا وذلك بهدف إظهار سلبيات وإيجابيات المشروع الغربي،حتى يتسنى استخلاص الدروس اللازمة من ذلك.وأهم فكرة يرفضها هابرماس عند المحافظين الجدد هو:"معارضتهم للعقل الأداتي وربطه بفكرة إرادة القوة والهيمنة من دون تقييم لدوره في العلم وبناء الحضارة" .فالعقل الأداتي حسب هابرماس له ماله وعليه ما عليه ؛فهو قد يكون مفيدا في تطور العلم أو في بناء الحضارة وازدهارها،وقد يكون العكس،لكن شريطة حسن استخدامه وتوظيفه.
تعد نظرية هابرماس بمثابة مراجعة شاملة للأفكار التي انتهى إليها الجيل الأول بعد الحرب العالمية الثانية،فأفكارهم أصبحت تنسجم وتتساوق مع أفكار تيارات ما بعد الحداثة.خصوصا عندما تعلق الأمر بنقدهم الشامل للعقل والعقلانية،ووصف الحداثة الغربية بأنها ليست سوى عقلانية أداتية تنهض على حساب الإنسان والمجتمع والتقدم.بينما تقوم رؤية هابرماس على إعادة الثقة في مشروع الحداثة من خلال الكشف عن طريق حداثية أخرى في التقدم تعتمد على مفهوم العقل التواصلي،الذي من شأنه أن يعمل على زيادة العقلنة الاجتماعية في مجال الأخلاق والقانون، ويشجع على ظهور تنظيمات ديمقراطية وقوانين وضعية فعالة.
بموجب هذا فإن هابرماس:"ينظر إلى العقلنة على أنها نوعان أو شكلان ؛ عقلنة تنزع إلى توسع نطاق الفعل الأداتي في مجالات الإنتاج المادي والتقني،وعقلنة أخرى تنزع إلى تعميق التجربة الإنسانية عبر ما يسميه توسيع نطاق الفعل التواصلي في مجال الأخلاق والحياة الاجتماعية،أي إلى أنسنة النتاجات العقلانية .ويسعى هابرماس انطلاقا من تحديده لنموذجيين للعقلنة إلى وضع ملامح لموضوعه المتعلق بالحداثة ،موضحا أنها "مشروع لم يكتمل بعد" ،ويشير هابرماسها هنا إلى فكرة الحداثة الجمالية عند"بودليير" التي تأخذ بدورها حدودا أكثر وضوحا ،والذي يتميز بمواقف تتمركز حول وعي متغير للزمن،وهذا:"الوعي يصف ذاته مستعملا استعارة مكانية ومنه إعطاء الأهمية لما هو جديد يعني حقا تمجيد حالية لما هو جديد ماضيا ذاتي التجديد،فالوعي الجديد للزمن يهدف إلى حاضر نقي متوقف،والحداثة بوصفها حركة تنقي ذاتها هي توق إلى الحضور الحق . فالحداثة تحتاج إلى الوعي بذاتها حتى يتأتى لها أن تواصل الحركة لا أن تتوقف عند عتبة معينة قد تكون نكوصا وعودة للوراء.
نجد هناك نقط التقاء بين رواد مدرسة فرانكفورت (الجيل الأول) في عملية نقدهم للمجتمع الحديث وللعقلانية التي أسسته،لأن أزمة العقل ترجع من منظورهم إلى أزمة الفرد ،ومن مظاهرها(الاغتراب والتشيؤ، وفقدان المعنى،أزمة الوعي أي موت الإنسان المعنوي ،وبروز الإنسان المادي).لقد قادهم هذا الوضع في النهاية،إلى نوع من نقد العقل الأداتي . وبالتالي سقوطهم في نزعة تشاؤمية إزاء كل ممارسة تدعي عقلنة الواقع،لقد آمنوا في بداية نشاطهم الفكري أن النقد لا يمكن أن يتبلور إلا من خلال ذات جماعية،هل معنى هذا أن النظرية النقدية استنفدت كل طاقاتها الإبداعية،أم أن نمط سؤالها في حاجة إلى إعادة تحيين، وأن اندفاعها السلبي يستدعي إعادة النظر؟لذا يدعو هابرماس إلى ضرورة تكثيف الجهود لإعادة الثقة في الحداثة الثقافية،وذلك على ضوء الاستفادة من:"الأخطاء التي رافقت مشروع الحداثة ومن مشاريع الإبطال الثقافي المغالية بدلا من أن نعلق خسارة الحداثة ومشروعها فقد يكون الفن مخرجا من إخرجات الحداثة الثقافية" .فهابرماس كان على وعي بما خلص إليه الجيل الأول الذي فقد ثقته في الفن الذي أصبح كمنتوج وكبضاعة ؛بمعنى أن الثقافة الاستهلاكية قد زيفت الفن بهدف صناعة الثقافة الجماهيرية القائمة على الاستهلاك،وبهذا تحول الفن من طريق للتحرر والخلاص إلى نمط من القمع والاستبداد،لكن هابرماس حاول إعادة فحص الثقافة وذلك لعودة الفن الطليعي(النخبوي) الذي تحدث عنه بودليير.
رغم كل الانتقادات التي وجهت للحداثة والعقلانية،ورغم بعض النتائج التراجيدية التي ولدتها العقلانية التقنية فإنه لا يمكن بأي حال من الأحوال التخلي عن العقل والدعوة إلى التخلص منه،فالعقل يبقى الموضوع الأساسي للفلسفة ،وفي ذات الوقت الأداة المشتركة بين الناس فأي تخلي عن العقل فهو تخلي عن الفلسفة والتفلسف.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- لقد سقطت تلك المساحيق التي تجعل من الباهث لامعا


المزيد.....




- كيف أثر تغير المناخ على وجود مصر القديمة؟
- تطابق في موقف تركيا وإيران بشأن كردستان
- نتنياهو: سنرد على مصدر النيران بشكل سريع
- لماذا تكثر نزلات البرد والإنفلونزا في الشتاء؟
- السيسي يأمر قوات البحرية بـ-الاستعداد- (صور)
- توسك يستبعد تدخل الاتحاد الأوروبي لحل الأزمة حول استقلال كتا ...
- مبعوث ترامب للتسوية الفلسطينية الإسرائيلية يصل القاهرة
- تكلفة باهظة لتحرير الرقة
- سائح سعودي ضرب زوجته بالسوط يمثل أمام محكمة فلوريدا
- ترامب يجتمع بيلين للبحث عن رئيس للبنك المركزي


المزيد.....

- مسمار في جدار الذاكرة / رداد السلامي
- أكاذيب حول الثورة الروسية / كوري أوكلي
- الجزء الثاني : من مآثر الحزب الشيوعي العراقي وثبة كانون / 19 ... / فلاح أمين الرهيمي
- الرياح القادمة..مجموعة شهرية / عبد العزيز الحيدر
- رواية المتاهة ، أيمن توفيق / أيمن توفيق عبد العزيز منصور
- عزيزى الحب / سبيل محمد
- الناصرية في الثورة المضادة / عادل العمري
- أصول الفقه الميسرة / سعيد رضوان
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكرة والسياسة والاقتصاد والمجتم ... / غازي الصوراني
- مثلث الخطر اسرائيل - تركيا ايران / جمال ابو لاشين


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - وديع حمضي - هابرماس وإعادة بناء مشروع الحداثة