أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سامح سعيد عبود - الأناركية الفردية والأناركية الأنانية















المزيد.....


الأناركية الفردية والأناركية الأنانية


سامح سعيد عبود
الحوار المتمدن-العدد: 5613 - 2017 / 8 / 18 - 11:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الأناركية الفردية والأناركية الأنانية
الأناركية الفردية
الأناركية الفردية اتجاهٌ فلسفيٌّ يؤكد كثيرا على فكرة المساواة في الحرية، والملكية الفردية، آخذة الكثير من مبادئ وتقاليد الليبرالية الكلاسيكية. ويعتقد الأناركيون الفرديون أنَّ الوعي الفردي والتكوين الذاتي يجب ألَّا يحدهما شيء سواء كان هيئة جماعية أو سلطة عامة.
تشير الأناركية الفردية إلى العديد من تقاليد الفكر داخل الحركة الأناركية التي تؤكد على حرية الفرد وإرادته واستقلاله في مواجهة أيِّ نوع من أنواع العوامل الخارجية مثل الجماعات والمجتمع والتقاليد والنظم العقائدية، والأناركية الفردية ليست فلسفة واحدة، ولكنها تشير إلى مجموعة من الفلسفات الفردية التي تتصارع في بعض الأحيان.
يعمل الأناركيون الفرديون عبر تغيير تدريجي للوصول إلى تحرير الفرد من ما يعتقدون أنَّه القوانين القمعية والقيود الاجتماعية للدولة الحديثة، والسماح لجميع الأفراد ليحددوا ذواتهم، ويخلقوا قيمهم بأنفسهم. بدلا من رمي القنابل أو حمل السلاح لإسقاط الدولة، ويكمن الاعتراض على فكرة القضاء الفوري على الدولة بوسائل عنيفة من الخوف من أنَّ ذلك سوف يكون غير مضمون النتائج، وحيث قد يؤدي إلى إقامة دولة أكثر ضررا للأفراد، وأكثر قمعية لهم من الدولة التي سبق اسقاطها. وهذا ينطبق بشكل خاص بين أولئك الأناركيين الفرديين الذين يعتبرون العنف والدولة كمتلازمين أو وجهي عملة، أو الذين يعتقدون بعقم العنف في حد ذاته، حيث أنَّ رد فعل الناس ضد نتائج العنف، يمكن أنْ تؤدي بزيادة جهود “إنفاذ القانون”إلى مزيد من القمع والعنف في دائرة مغلقة، حيث العنف لا يولد سوى العنف.
وهم يستندون على مفارقة يتم التغافل عنها من الثوريين المثاليين المتبنيين للعنف من أجل التغيير الاجتماعي..هيَ أنَّهم بفرض حتى وهم يقودون ثورة بهدف وحيد هو التطبيق الفعلي لإعلانات ومواثيق حقوق الإنسان وبروتوكلاته على سبيل المثال..على طبقات تنتهك هذه الحقوق وترفضها لأنها تمس مصالحها المضادة لمصالح الثوار. وهيَ على أتم الاستعداد للدخول في معركة حول السلطة التي يحاول الثوار انتزاعها منها، من أجل منعهم بشراسة من تحقيق أهدافهم التي تهدد مصالحهم الحيوية، سوف يستخدمون في ذلك كل الوسائل الممكنة، وكل أسلحتهم بما فيها انتهاك كل حقوق الثوار الإنسانية، ولن تردعهم في ذلك مثل عليا لا يملكونها في الأصل، ولا يعيرون لها احتراما وتقديسا كالثوار الحالمين. هؤلاء الثوار الذين حينما تصطدم سكرة الحلم الجميلة على صخرة الواقع القاسية، فسوف يضطرون في سياق تلك المعركة أنْ ينتهكوا كل تلك الحقوق التي ما ثاروا إلَّا لتحقيقها..فسوف ينتهكون الحق في الحياة والسفر والتنقل..وسوف يعتقلون وينفون ويعدمون دون محاكمات أو بمحاكمات لا تراعي قواعد التقاضي السليمة...وسوف يصادرون أموال ويفصلون من العمل، ويمنعون بالقوة المعارضين لإجراءاتهم من حقوق التعبير والتجمع والتنظيم..إلخ، لأنهم لو لم يفعلوا ذلك فلن يحققوا أيَّ نصر على أعدائهم، وسوف يهزمون لا محالة من أعداء ثورتهم ذات الأهداف النبيلة...فالمسيح صاحب مقولة “أدر خدك الأيسر لمن لطمك على خدك الأيمن” تم صلبه وفق الاعتقاد المسيحي، والمهاتما غاندي داعية اللاعنف تم اغتياله على يد متعصب هندوسي، مثلما تم اغتيال مارتن لوثر كنج رائد حركة الحقوق المدنية السلمية في الستينات على يد عنصري أبيض..لأن الثورة السياسية هيَ صراع عنيف على السلطة، وهيَ أكثر الأفعال سلطوية، وليست نزهة خلوية، ولا معركة حقوقية أمام محاكم التاريخ.
طبقا لبيتر كروبوتكين، كان ويليام جودوين في كتابه تساؤلات بخصوص العدالة السياسية، وأثرها على الفضيلة والسعادة العامة (جزءان، 1793)، هو “أول من صاغ المصطلحات السياسية والاقتصادية للأناركية، مع أنَّه لم يسم الأفكار التي طورها في عمله” حيث أكد جودوين بأن الشيطان في الإنسان أو (الجانب السيِّئ للإنسان) هو نتيجة الخراب المجتمعي لا نتيجة الطبيعة البشرية الشريرة، ولذلك تغيرت تدريجيا نظرته تجاه “الحكومة”، فاعتبر أنَّ“الحكومة بطبيعتها معارضة ومعاكسة لأيِّ تطور جيد للعقل البشري”وهيَ أحد عوامل هذا الخراب المجتمعي، الذي يخلق (الجانب السيِّئ للإنسان)، واعتبر جودوين أنَّ أيَّ تمييز في تمتع الأفراد بحقهم المتساوي في الحرية، على أيِّ أساس أمر غير محتمل وغير مقبول.
كتب وليام جودوين في عام 1793، كتاب “تساؤلات بخصوص العدالة السياسية، وأثرها على الفضيلة والسعادة العامة”، الذي يعتبره البعض أول تعبير عن الأناركية المعاصرة. وكان واحدا من النصوص الحديثة المهمة التي أسست للعقلانية والنفعية والذي ورد فيه “إنَّ الحكومة لها تأثيرٌ مخرب بطبيعتها على المجتمع، وأنها تديم التبعية والجهل”.
واعتقد وليام جودوين أنَّ انتشار استخدام العقل لدى الجماهير سوف يتسبب في نهاية المطاف بأن تذوي الحكومة كقوة لا لزوم لها. وعلى الرغم من أنَّه كان لا يعترف بالشرعية الأخلاقية للدولة، فانه كان ضد استخدام الأساليب الثورية لإزالة الحكومة من السلطة فورا. وبدلا من ذلك، دعا لاستبدالها بعملية التطور السلمي التدريجي حتى تتلاشى من تلقاء نفسها، ويرى جودوين في مقابل العمل الثوري لإسقاط الدولة القبول بدولة الحد الأدنى في الوقت الحاضر باعتبارها “شرا لا بد منه”، والتي سوف تصبح غير ذات أهمية على نحو متزايد وعاجزة عبر انتشار تدريجي للمعرفة بين المواطنين.
كان الجزء الأول من كتاب جودوين المشار إليه خلاصة تبرير إدموند بيرك للمجتمع الطبيعي السابق للمجتمع الحديث، أو النقد الأناركي للدولة الحديثة، وقد اعترف جودوين بتأثير بيرك على هذا الجزء. أما بقية الكتاب فهو رؤية جودوين الإيجابية لكيفية عمل مجتمع أناركي (وفقا لمذهب الدولة الحارسة). كان كتاب العدالة السياسية لغودوين مؤثرا للغاية في وقته وكان بمثابة الاستجابة المكتوبة الأكثر شعبية على الثورة الفرنسية، بعد كتابات بيرك المحافظ الناقد لها، وباين الثوري المؤيد لها. واعتبر عمل غودوين من قبل العديد من معاصريه هو إلقاء الضوء على طريق وسط بين نقيضين ملتهبين بيرك وباين.
وتفسير ذلك أنَّ الأناركية المعاصرة في أحد التصورات، نشأت كرد فعل ثوري ضد بعض أسوء خصائص الدولة الحديثة، وهيَ المركزية وزيادة التدخلية في حياة الأفراد والجماعات، التي أضعفت من حرية الفرد واستقلاله، كما قلصت استقلالية البلدات الصغيرة لصالح الحكم المركزي للعاصمة، ولذلك كانت الاتحادية الطوعية من أسفل لأعلى هو ما رفعته الأناركية شعارا ضد المركزية الشديدة للدولة الحديثة، وهيمنتها المتزايدة على حياة الأفراد والجماعات في مقابل مجتمعات الاستقلال الذاتي الصغيرة التي عرفتها البشرية قبل ظهور الدولة الحديثة، والتي كان فيها السكان المحليون يتمتعون فيها بدرجة عالية من الحكم الذاتي والاستقلالية عن المركز.
فعند إجابته على تساؤله ما هيَ الحكومة؟ أجاب جوزيف بيير برودون:
أنْ يُحكم شخصٌ معناه أنْ يراقب، ويتم تفتيشه، ويتم التجسس عليه، وتوجيهه، وتحريكه بالقانون، وترقيمه، وتنظيمه، وإلحاقه، وتصنيفه، وتلقينه، للسيطرة عليه، وتدقيقه وتقيمه، ولومه، وأمره، من قبل مخلوقات لا تملك أيَّ حق ولا أيَّ حكمة ولا أيَّ فضل للقيام بذلك. أنْ يكون الانسان محكوما معناه أنَّ عند كل عمل يقوم به، وفي كل معاملة يمارسها، يتم تسجيله، عده، خضوعه للضريبة، وللأختام الرسمية، تعرضه للقياس، وللتقييم، وللترخيص، وضرورة الاستئذان، وتعرضه للوم، والمنع، والحرمان، وتعرضه للتصحيح، والإصلاح، والعقاب، تحت ذريعة المنفعة العامة، وباسم المصلحة العامة، يحدد وجوده، ووضعه في الحياة، ويكون خاضعا للمساهمة بها للخدمة العامة مدنية أو عسكرية، وباسمهما يتم استغلاله، واحتكاره، ونهبه، وعصره، ويقع ضحية للخداع والسرقة والموت أحيانا. ثم، عند أدنى مقاومة، وعند نطقه الكلمة الأولى من الشكوى، يتم قمعه، وتغريمه، وتعذيبه، وذمه، ومضايقته، ومطاردته والاعتداء عليه بالهراوات ونزع سلاحه وتقييده وخنقه، وسجنه، والحكم عليه، وإدانته، وإطلاق النار عليه، ونفيه، والتضحية به، وبيعه، وخيانته. وفوق كل هذا، السخرية منه واشعاره بالغضب، والذل والإهانة. هذه هيَ الحكومة، هذه هيَ عدالتها. هذه هيَ أخلاقها.
ومن ثم ندد جودوين في كتابه بأسس القانون وحقوق الملكية، وحتى بمؤسسة الزواج، كمظهر من مظاهر “الاستعباد العقلي” للشعب، وأبدى نفوره من أيِّ مجتمع قائم على قواعد مفروضة من أعلى، واعتبر المقومات الأساسية للمجتمع مجرد قيود على التطور الطبيعي للأفراد، وعلى استخدام قدراتهم المنطقية للتوصل إلى طريقة تبادل المنافع والمصالح للتنظيم الاجتماعي فيما بينهم، ورأى أنَّه في كل الأحوال، تعمل الحكومة ومؤسساتها لتقييد تطوير قدرتنا على العيش بالكامل وفقا لممارسة خالية من تحكمها فينا. ومن ثم فإنَّه لا يوجد أيُّ التزام فردي أو واجب للانصياع للدولة وأوامرها وقوانينها، وأن الدولة ليس لها الحق في قيادة الأفراد تحت أيِّ مبرر.
بنفس كلمات كتاب العدالة السياسية فإنَّ معناها لدى المؤلف “هو تبني مبادئ للأخلاق والحقيقة في الممارسة المجتمعية، بعد أنْ انفصلت الأخلاق عن السياسة وهو ما يرغب في استعادته”، وبالتالي كان اسم العمل تحقيقا في مبادئ المجتمع والحكومة والأخلاق. فلسنوات عديدة اقتنع جودوين بأن النظام الملكي نوعا من الحكومة الفاسدة بشكل لا يمكن تجنبه”، ولذلك أعرب عن رغبته في حكومة ببنية أبسط، وتدريجيا أصبح يعتبر أنَّ“الحكومة بحكم طبيعتها تصد التطور الطبيعي للعقل”، مما يدل على معتقداته المناهضة للدولة، والتي في وقت لاحق اعتبرت أناركية.
وإيمانا من جودوين بكمال العرق البشري، فكان يعتقد أنَّه لا توجد مبادئ فطرية، ولا طبيعة بشرية، وبالتالي لا يوجد ما يسمى بالميل الأصلي للشر، واعتبر أنَّ“الفضائل والرذائل لدينا يمكن أنْ تُعزى إلى الحوادث التي تصنع تاريخ حياتنا، وإذا كانت هذه الحوادث يمكن تجريدها من كل اتجاه غير سليم، فسوف يتم اجتثاث الرذائل من العالم”. فكل سيطرة أكثر أو أقل من الإنسان على الإنسان لا تطاق، وسوف يأتي اليوم الذي سوف يفعل فيه كل إنسان ما يبدو الحق في عينيه، وأيضا أنْ يفعل ما هو في الواقع أفضل للمجتمع، لأنه سيتم الاسترشاد في اختياره بكل مبادئ العقل الخالص.
وترافق هذا التفاؤل في الطبيعة البشرية مع التجريبية القوية لدعم اعتقاد غودوين أنَّ صدور الأفعال المنكرة من البشر تعتمد فقط على التأثير المفسد للظروف الاجتماعية عليهم مثلها مثل الأفعال المقبولة، وأنه بتغيير هذه الشروط المفسدة يمكن إزالة الشر في سلوك الإنسان. وهذا مماثل لأفكار زوجته ماري ولستونكرافت بشأن تفسيرها لأوجه القصور في النساء التي ترجعها إلى إحباطهن أثناء تربيتهن في الأسرة الأبوية الذكورية التي ترسخ دونيتهن أمام تفوق الرجال.
لاحظ بيتر كروبوتكين أنَّ جودوين عندما “يتحدث عن الملكية، قال إنَّ حقوق كل واحد “يجب أنْ تنظمها العدالة وحدها: فالأشياء يجب أنْ تذهب للذي يحتاجها أكثر”. وبذلك كان استنتاجه أقرب ما يكون للشيوعية”.
ولكل ما سبق يعتبر جودوين المفكر المؤسس للأناركية الفردية، حيث يقبل الأناركيون الفرديون أحيانا بوجود دولة الحد الأدنى على مضض باعتبارها “شرا لا بد منه”، وأمر مؤسف لا يمكن تجنبه، وهو قبول عادة ما يكون مؤقتا وانتقاليا إلى حين توفر الظروف المواتية لإزالتها، ويقولون إنَّ المواطنين ليس لديهم إلتزامٌ أخلاقيٌّ لطاعة الدولة عندما تتناقض قوانينها مع استقلاليتهم وحريتهم الفردية. بينما تتطلب رؤية جودوين، من الأفراد التصرف وفقا لأحكامهم الخاصة، والسماح لكل فرد آخر بنفس الحرية. ودعا جودوين إلى الفردية المتطرفة، مقترحا أنَّ جميع أشكال التعاون في العمل يجب أنْ يتم القضاء عليها على فرضية أنَّ هذا من شأنه أنْ يفضي أكثر لتحقيق الصالح العام.
كما يمكن تلخيص آراء وليام جودوين عن الاقتصاد كما يلي: “بتخيل إمكانية وجود مجتمع تتوفر فيه كل التخصصات في مختلف الحرف والمهن لإنتاج مختلف السلع والخدمات التي يحتاجها أفراد المجتمع، والذي من شأنه أنْ يؤدي لتنفيذ كل إنسان المهمة التي عليه، والتي تمليها عليه حرفته أو مهنته بأعظم كفاءة ممكنة، وأنه بعد اشباع احتياجاته منها، عليه أنْ يوزع الفائض من منتجاته وخدماته لمن قد يحتاجون إليها، ويتلقي في نفس الوقت ما يحتاجه من الأشياء الأخرى التي ينتجها جيرانه مما يفيض عن احتياجاتهم، بشرط أنْ يكون دائما على أساس التهادي الطوعي أو التوزيع المجاني، وليس على أساس التبادل التجاري سواء بالمقايضة أو بالنقد. ويبدو واضحا من رؤية جودوين أنَّه على الرغم من تكهناته الثاقبة حول مستقبل تطور التكنولوجيا التي تجاوزت الإنتاج الحرفي الفردي الذي يتمسك به، إلى الإنتاج الآلي الرأسمالي، فإنه يتمسك بمجتمع ما قبل هذا التطور التكنولوجي الذي شهد بداياته وآثاره، وما أسفر عنه من تحول اجتماعي، أيْ أنَّه انحاز إلى المجتمع الذي يقوم على اقتصاديات الحرف اليدوية والزراعة البستانية”، باعتبارها النمط الأكثر تماشيا مع تحقيق الحرية الإنسانية والاستقلالية الفردية، وهو محق في ذلك، بشرط لو كان هذا النظام متحررا من القمع والاستغلال الاقطاعي، كما ساد في القرون الوسطى ما قبل الثورة الصناعية، ولو كان يمكنه الوفاء بالاحتياجات البشرية المتزايدة التي وفرتها الصناعة الآلية، والتي مقابل ما وفرته من سلع وخدمات، حولت البشر لتروس في خط الإنتاج لتلبية احتياجات السوق، وخضوعهم لمتطلباته وتقلباته وآلياته.
وبالإضافة إلى جودوين فقد كان لهنري ديفيد ثورو (1817-1862)، تأثير هام في تأسيس الأناركية الفردية في الولايات المتحدة وأوروبا. وهو مؤلف أمريكي، وشاعر، وطبيعي، ومقاوم لدفع الضرائب، وناقد للتكنولوجيا، ومساح، ومؤرخ، وفيلسوف. ومن المعروف أنَّ لكتبه، تأثيراعلى التيار الداعي للعيش البسيط في المحيط الطبيعي بعيدا عن حياة المدن الحديثة وتعقيداتها وتكنولوجياتها، وتبنيه لأسلوب العصيان المدني للمقاومة الفردية للحكومة، والمعارضة الأخلاقية لمظالم الدولة. الذي أثر فيما بعد في كل من تولستوي وغاندي ومارتن لوثر كينج، وفي وقت لاحق نهاية القرن 19 وبداية القرن20، وظهرت دورية “الحرية” الواسعة التأثير في الولايات المتحدة، والتي أنصهرت فيها أنانية كل من بنيامين تاكر وشتيرنر مع الاقتصاديات التبادلية لكل من وارن وبرودون.
جذبت الأناركية الفردية من هذه التأثيرات المبكرة في مختلف البلدان مجموعات صغيرة، ولكنها متنوعة من الأكاديميين والفنانين والأدباء والمثقفين البوهيميين، من دعاة الحب الحر والفكر الحر، والأناركيين الطبيعيين العراة، والنباتيين، والنشطاء المناهضين لرجال الدين ومؤسساته، والمتمردين على قواعد المجتمع ومؤسساته وسلطاته، وكذلك الخارجين عن القانون من الأناركيين المتمردين الذين شكلوا ما أصبح يعرف باسم تيار اللاشرعية وإعادة بناء الذات الفردية.
الأناركية الأنانية:
نشر الفيلسوف الألماني ماكس شتيرنر. كتابه: الأنا وملكيته، في عام 1844، وهو النص المؤسس للفلسفة الأناركية الأنانية. ويعني تصور ماكس شتيرنر الأناني، أنَّ“الواحد الفريد من نوعه” الذي “يملك نفسه وأفكاره وإرادته واستقلاله” حقا هو الذي لا يعترف بأيِّ واجبات تجاه الآخرين؛ ويفعل ما هو حق له في حدود ما تسمح به قوته وإمكانياته. وإن حق الملكية يتحدد وفقا لشتيرنر لا في حدود ما يسمح به القانون والدولة مثلا، ولكن في حدود قدرة الشخص على الحصول على الشىء والاستحواز عليه، والدفاع عنه في مواجهة المنافسين من الأنانيين الآخرين.
يفترض شترينر أنَّ البشر ينقسمون لنوعين؛ الأناني الطوعي الواعي بأنانيته والمعترف والمعتز بها، والذي لا يعترف بأيِّ سلطة تعلو رغباته ومصالحه وأهوائه، والأناني غير الطوعي الذي يخفي أنانيته أو لا يدركها، بالانصياع والخضوع لسلطة تعلوه كالدولة أو الله أوالقانون أوالمصلحة العامة أو الوطن إلخ، وذلك ليخفي أنانيته التي يخجل من التصريح بها سواء لنفسه أو للآخرين، فهذا الإيمان بالقوة التي تعلوه، هذا التبرير بأشباح الدين والدولة والقانون والأخلاق يحقق مصالحه الأنانية في النهاية عبر هذا الخضوع والانصياع للقوة التي تعلوه، مع الاحتفاظ بصورة محببة عن نفسه لنفسه وللآخرين.
وفقا لشتيرنر، فإنَّ القيد الوحيد على حقوق الفرد هو قدرته على الحصول على ما يشتهيَ، بغض النظر عن تعاليم الله، أو قوانين الدولة، أو قواعد الأخلاق. فالحقوق لدى شتيرنر، هيَ مجرد أوهام في العقل، ولذلك تمسك بأن المجتمع كيان غير موجود إلَّا كوهم في عقول الناس، ولكن “الأفراد الفريدون في نوعهم فقط هم الموجودون في الحقيقة”. ودعا شتيرنر لتأكيد الذات الفردية، وتوقع من الأنانيين تشكيل اتحادات وجمعيات غير نظامية متجددة باستمرار من قبل جميع الأطراف الداخلين فيها بكامل حريتهم”والتي يتم دعم استمرارها من خلال فعل الإرادة الفردية لكل فرد منهم، “ فيستطيع الأفراد تركها عندما تتناقض مع مصالحهم، وينضمون إليها عندما تتفق ومصالحهم، وهو الشكل الذي اقترحه شتيرنر للتنظيم الاجتماعي البديل عن الدولة. ويدعي الأناركيون الأنانيون أنَّ الأنانية سوف تعزز الاتحاد الحقيقي والعفوي بين الأفراد، وقد ألهمت الأنانية العديد من التفسيرات لفلسفة شتيرنر. وقد أعاد اكتشافها والترويج لها الأناركي الفردي الألماني جون هنري ماكاي.
يرفض الأناركي الأناني الإخلاص لأيِّ“فكرة عظيمة، أو سبب، أو عقيدة، أو نظام، أو دعوة نبيلة”، معتبرا أنَّ الأناني لا يوجد لديه قضية سياسية بل “يعيش لنفسه” دون النظر إلى“ما إذا كانت حالة الإنسانية جيدة أو سيئة. حيث كتب شتيرنر “ لماذا أرمي أيَّ اهتمام بعيدا عني هو ليس اهتمامي في الحقيقة؟ ...ما هو الخير ؟ ما هو الشر ؟ أنا نفسي هو اهتمامي الوحيد، وأنا لست خيرا أو شريرا. ولذلك ليس لكل من الشر والخير أيُّ معنى بالنسبة لي”.
ويبدو أنَّه يرى أنَّه عندما تهتم بالسياسة، فهذا معناه تقديس شبح اسمه الدولة، شبح يسحق فرديتك وحريتك واستقلالك وحكمك لذاتك، معناه أنك تعترف بشرعية الدولة كمؤسسة، وتعول عليها، وعلى أنْ تتولى أمورك باعتبارك قاصرا فاقد الأهلية، وتمثلك سواء باختيارك أم بدونه. والحقيقة أنَّ كل دول العالم في نظر الأناركيين كيانات غير شرعية، والحدود الدولية بينها غير شرعية، وهيَ فاقدة لأيِّ معنى أو مبرر، ولا يجوز الدفاع عن وجودها، وكل دول العالم بلا استثناء مؤسسات قمعية هدفها الحفاظ على الملكية الخاصة، وعبودية العمل المأجور، والعمل الجبري، والنظام الطبقي، وامتيازات النخبة المالكة والحاكمة والمسيطرة، وتصنع جهل محكوميها، وتحافظ عليه، وتديمه، ومن ثم تفقد أيَّ قيمة أخلاقية تستحق الاحترام...كل دول العالم كيانات هرمية تحافظ على علاقات السيد والعبد، التابع والمتبوع، المتسلط والمتسلط عليه...الفروق فقط في نوع القفاز الذي ترتديه ليخفي قبضتها الحديدية على رقبتك.
بالنسبة للفيلسوف الأناركي الأناني الألماني ماكس شتيرنر “الملكية الخاصة هي الشبح أو الوهم”الذي يحيا بنعمة القانون”، وأن الشىء” يصبح “ملكي” فقط بتأثير القانون “. وبعبارة أخرى، الملكية الخاصة توجد بشكل مجرد“من خلال حماية الدولة لها، تنشأ وتستمر وتتلاشى بنعمة الدولة”. وإدراكا لحاجتها إلى حماية الدولة، يدرك شتيرنر أيضا أنَّه“لا يوجد أيُّ اختلاف لدى “المواطنين الصالحين”، ما إذا كان الملك مطلق أو دستوري، ما إذا كانت الدولة جمهورية أو ملكية، ما إذا كان القانون إلهيَ أو وضعي لو كان فقط يحمي ملكيتهم الخاصة. وماذا يكون مبدأهم الحقيقي إذن، والذين يحمونه دائما ويخفونه دوما باسم “الحب”“الأخلاق”“الدين”“الوطنية” ؟ لا ليست كل هذه الأشباح والأوهام سالفة الذكر التي لا تتجاوز رؤوسهم”، بل بالأحرى “الحيازة التي تحمل لهم فائدة وتحقق لهم مصلحة”...“الرأسمال...والعامل الخاضع له”.
يرى شتيرنر أنَّ فكرة الحرية كفكرة الملكية باعتبارها شبحا لا يوجد سوى في الدماغ، وبدلا من ذلك دعا البشر “ليمتلكوا أنفسهم”. وهذا يعني ببساطة أنْ يضعوا أنفسهم في مركز الأشياء، ومن ثم أنْ يجعلوا أكثر ما يمكن من العالم ملكا لهم. لذا عليهم أنْ يمتلكوا منظومات الأفكار والاعتقاد عوضا عن أنْ يكون الوضع معاكسا بأن تمتلكهم الأفكار والمعتقدات، ويجب أنْ يتم تحليل كل شيء بحسب كم هو مفيد بالنسبة لهم.
واجهت الأنانية ومازالت انتقادات حادة ورفضا حاسما من الأناركيين الجماعيين بدءا من باكونين وكروبوتكين، ولا يعتبرها معظمهم أناركية في حقيقتها، وإن كان البعض يعتبرها مفيدة في هدم الأيديولوجيات الشمولية التي تستند على الترويج لفناء هوية الفرد الحقيقية في هوية جماعية زائفة مفروضة عليه من أعلى مثل القبيلة والقومية والدولة والطائفة الدينية والوطن. فالأناركيون الجماعيون يقولون إنَّه لا يمكن لك التمتع بالحرية إلَّا عبر علاقتك الجماعية، فالعيش بمفردك وداخل شرنقتك لن يمنحك الفرصة للحرية، فضلا على أنَّ التمتع بالحرية يشترط المساواة بين البشر، وإلا استعبد القوي فيهم الضعيف، فالمساواة بينهم إذن شرط من شروط الحرية لا يمكن أنْ توجد من غيرها.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,925,410,817
- الأناركية فى القرن العشرين
- تاريخ الأناركية حتى نهاية القرن التاسع عشر
- حول مفهوم الأناركية
- تمهيد قراءة نقدية فى الأناركية
- القصة الحقيقية للإيجو
- الجهود الذاتية فى تفهنا الأشراف
- التعليم التحررى والتعاونى
- تجارب الإدارة الذاتية العمالية
- اتحاد موندراجون التعاونى نموذج مناسب للعصر
- جمنة تأميم شعبى وإدارة ذاتية
- البسايسة .ثورة كل يوم.. أمل و عقبات ومخاوف
- الخاتمة... كيف تنجح التعاونية ؟
- التعاونيات والثقافة والقيم السائدة
- صعوبات التمويل كعائق أمام نجاح التعاونيات
- التعاون فى ظل قواعد السوق الرأسمالى المهيمنة
- التعاون فى ظل التدخل الحكومى
- تشريعات التعاون وتأثيرها على التعاونيات
- تعونة المنشئات المستعادة
- التعاونيات كحل عملى لمشكلات الواقع الاجتماعى
- الاقتصاد التعاونى والتنمية


المزيد.....




- أمريكا تعلق على هجوم الأهواز.. وإيران تستدعي ممثلي دول أوروب ...
- تنزانيا: فرق الإنقاذ تواصل البحث عن ناجين في حادثة غرق عبار ...
- طهران تستدعي ثلاثة دبلوماسيين أوروبيين بعد هجوم الأهواز
- القوات الأوكرانية توثق حالات قصف لمواقعها في دونباس
- روحاني: الجماعة التي قامت بالهجوم الإرهابي مدعومة من دول خلي ...
- روبوتات -غازبروم- الروسية تزود السيارات والطائرات بالوقود
- شاهد.. ظهور نادر لولي العهد السعودي السابق
- بالصورة.. -قطعة حلوى- لتيريزا مي تضع الاتحاد الأوروبي في موق ...
- أولمرت: عباس الوحيد القادر على تحقيق السلام مع إسرائيل
- فيضانات مرعبة تضرب تونس وتخلف خسائر بشرية ومادية


المزيد.....

- كيف يعمل يوسف الشاهد على تطبيق مقولة -آدام سميث- : «لا يمكن ... / عبدالله بنسعد
- آراء وقضايا / بير رستم
- حركة الطلاب المصريين فى السبعينات / رياض حسن محرم
- تقدم الصراع الطبقي في ظل تعمق الأزمة العامة للامبريالية / عبد السلام أديب
- كتاب -امام العرش مرة أخرى- / عادل صوما
- الطائفيّة كثورةٍ مضادّة السعوديّة و«الربيع العربيّ» / مضاوي الرشيد
- المثقف ودوره الاجتماعي: مقاربة نظرية المثقف العربي وتحديات ا ... / ثائر أبوصالح
- مفهوم الديمقراطية وسيرورتها في إسرائيل / ناجح شاهين
- فائض الشّباب العربيّ والعنف في تقارير التنمية البشرية العربي ... / ميسون سكرية
- مرة أخرى حول المجالس / منصور حكمت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سامح سعيد عبود - الأناركية الفردية والأناركية الأنانية