أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فارس عثمان نوفل - الثورة الروسية الكبرى و مخاضها التاريخي الأول. -محنة أفّاكوم-















المزيد.....

الثورة الروسية الكبرى و مخاضها التاريخي الأول. -محنة أفّاكوم-


فارس عثمان نوفل
الحوار المتمدن-العدد: 5590 - 2017 / 7 / 24 - 16:15
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


قد سبق و أن تحدثنا، و في مقالنا السابق، عن الصورة العامة للثورات الروسية الكبرى، و أبرزنا فيها خلفية إيديولوجية لصراع داخلي فتك بالعقل الروسي التقليدي المنقسم في نفسه. أما هنا، و في هذا النص المتواضع، سنحاول تتبع الخطى التاريخية الأولى لهذه الانقسامات التي شجبت بالإيديولوجية الروسية الأرثودوكسية في القرن السابع عشر الميلادي، لتكون نموذجا جليا لتراكم الخلافات و التمويهات الفكرية المؤدية، و بحسب شهادات عدة، إلى اندلاع ثورات دينية طاحنة.

المشهد الأول: السياق التاريخي و "التراجيديا المباركة"
يبدأ التأريخ الروسي في القرن السابع عشر بذكر انتصار شعبي هام دخل الكتب تحت اسم "نهاية العصر المظلم". و بالفعل، فقد نجح الشعب الأرثودوكسي السلافي في صد العدوان الأوروبي و إعادة بناء الحكم الملكي بمبايعة ميخائيل فيودوروفيتش رومانوف حاكما جديدا لروسيا الجديدة. هكذا تم، و لأول مرة في تاريخ الدولة الطويل، انتخاب الملك في مجمع شعبي هائل ضم وفودا من مختلف شرائح المجتمع (و حتى من الطبقة الفلاحية المستضعفة). هنا، أي في عام 1613، تظهر سلالة جديدة على خشبة المسرح التاريخي، و هي سلالة حاكمة سيذيقها الدهر ألوانا من النصر البهي و العذاب المرير الذي سيوقع بآخر رومانوف، ألا و هو الإمبراطور نيقولاس الثاني، في حضيض الموت بمدينة يكاترينبورغ... إلا أن إشراقة القرن السابع عشر قد بقيت إشراقة مباركة في ذاكرة الدولة المحررة، إذ شيدت فيها السلطة المركزية من جديد، و تولى أمرها أعضاء أسرة واحدة أحسنت في جمع شتاتها المفرقة. هكذا حصلت روسيا، و بمساعدة قائدي المقاومة الشعبية مينين و بوجارسكي، على سيدين اثنين: السيد العظيم الملك ميخائيل و السيد العظيم البطريرك فيلاريت، أب السلطان الجديد الذي استلم الكرسي البطريركي عام 1619.
حينئذ بدأت التفرقة تشق طريقها في صلب هذه الإشراقة المباركة، فاختار الدهر التاريخي المذكور آنفا سبيل الإصلاحات لغرس بذور الفتنة القادمة. و كما يعلمه القارئ من كتب المؤرخين و الفلاسفة الألمان، عادة ما تندلع الثورة من أصل اقتصادي بلغ درجة راقية في تطوره المستمر. فقد سارع الملك ميخائيل و أبوه فيلاريت إلى الاقتداء بأعلى النماذج العسكرية و الاقتصادية و الكنسية الغربية، منها تنظيم الجيش و البلاط البطريركي، في حياة الدولة و نشاطها اليومي الدؤوب. أما ابن الملك ميخائيل فقد انتهج نفس المنهاج في تطوير الكيان الوطني و كلف نفسه عناء الإصلاح العسكري المتقن الذي أزالت أثره يد "المستبد المستنير" بطرس الأول؛ و لكنه، مع ذلك، وضع عبء الإصلاح الديني على عاتق البطريرك نيقون الذي بقي مستشارا للملك ألكسي ميخايلوفيتش من بعد البطريرك فيلاريت.
سنقف عند هذا الحد لنتأمل البعد الفلسفي لبدايات الثورة الإيديولوجية الأولى. فما يتجلى هنا بكل وضوح هو السعي الدائم للعقل الروسي إلى الاحتفاظ بالوحدة و روحها الجامع، أو إلى ما سماه الفيلسوف خومياكوف بـ"الجامعية" ("سوبورنوست") التي تحدث عنها رسل الشعوب السلافية و منهم الأخوين المبجلين كيريلس و ميفوديوس. فالجامعية المرتكزة على أساس متين من المرجعية الدينية و هيبة النصوص المسيحية التقليدية باتت أهم الأسباب التي دفعت بالحضارة الروسية الناشئة إلى إطلاق مشروع ثقافي شامل ضم نتاجا ضخما للشرق و الغرب المسيحيين. فالحضارة الأرثودوكسية التي عمل على إنشائها المفكر الروسي القديم هي حضارة شرقية بقدر ما هي حضارة مسيحية، و حضارة غربية بقدر ما هي مقبولة من قبل الإيمان و ليس من قبل التقليد. فها نحن نرى سمعان بولوتسكي يستعير النظام الأدبي لأعمال اللاهوتي الغربي جان مارشان في كتابه الشهير "تاج الإيمان" الذي نشأ عليه مثلما استعار من قبله مؤلفو "الكتاب القديم" المعروف أيضا بـ"باليا المفسرة" مئات المقاطع الهيلينيستية و الآبائية الوسيطة لم تمت بأي صلة إلى العالم الروسي الأصيل. إلا أن روح الجامعية حكمت على المعتقد الروسي منذ القرن العاشر، و بصفتها المحور الأول للبناء الإيديولوجي الموازي للبناء الوطني، بأنها هي التي ستقوم بتعمير الهيكل الديني لشعب لم يعرف لا بعراقته و لا بإيمانه التوحيدي المخلص.
أما فيما يخص الجانب النظري لمناظرات كثيرة شهدها تاريخ روسيا الفلسفي، فهو يعكس لنا بابا آخرا أبقته الإصلاحات المذكورة مفتوحا. و نعني بذلك أثر العصبية الوثنية القديمة التي حاولت الثقافة الروسية الجديدة أن تتخلص منها من جهة، لتوظفها لمصالح شعبية عامة من جهة أخرى. و من أروع الأمثلة الشاهدة على هذه المحاولات هي شخصية النبيلة أولغا جدة الأمير فلاديمير معمِّد الروس. فقد نقلت لنا النصوص الكنسية صفة الانتقام القاسي للنبيلة أولغا من قاتلي زوجها الحاكم إيغور بالتراب و النار، أي بالدفن و الحرق. بل، و إن أردنا استخدام أسلوب الفلاسفة الوجوديين الثقيل، فلنا القول بثبات العصبية القائمة على أساس التمييز الدائم ما بين "الوجود-المتمكن-في-جماعة" و الانزلاق إلى "وجود ماهوي" أجنبي بالنسبة إلى الدين أو القبيلة الأصليين. و نستطيع استقراء نفس القوانين الوجودية من غضب الملك يوحنا الرابع على هروب النبيل كوربسكي إلى بولندا المجاورة و دفاعه عن الرسالة الإنسانية الأرثودوكسية في وجه أنصار نظرية قدسية الملكوت الأرثودوكسي الدنيوي. فمنطق الملك واضح و بيّن: الجماعة لها حق عظيم على الفرد لا يمكن للشخص غير المبايع لذلك أن يفرط به، و لذلك تعلو منزلة الملك على درجات أعضاء المجتمع المحكوم. فالملك يستمد الهيبة الوجودية لتعصبه لمصالح المجتمع و الأمر الإلهي، و هو متفوق على كافة أصناف الأجانب – و إن كانوا هم الآخرون أرثودوكسا كالنبيل كوربسكي "الخائن".

المشهد الثاني: "مبادرة التحرير" كشق خطير في التجربة الوجودية الروسية
حان الوقت لنعود إلى حقبة الملك ألكسي و البطريرك نيقون لتتبع التناقضات الرمزية لعملهما القسري المزدوج المعنى. فنيقون، الذي رأيناه في المشهد السابق يستلم زمام المبادرة في شؤون الإصلاح الكنسي، ما لبث و أن عاث خرابا في الشأن الكنسي منتظرا نفاد صبر الملك. إذ قام البطريرك بتفعيل آلية ما يعرف بـ"مبادرة التحرير".
يقوم الباحثون المختصون في تاريخ فتنة القرن السابع عشر بتقييم مبادرة نيقون الآنفة الذكر على أنها المبادرة الثانية – و الأقل شعبية – كُرّست لتحرير و تصحيح الكتب الكنسية، منها كتب الخدم الكنسية و الكتاب المقدس. فالبطريرك يوسف كان أول من أطلق حملة واسعة سعت إلى تدقيق الترجمة الأولى للكتاب المقدس إلى اللغة السلافية (المعروفة بـ"بكتاب غيناديوس المقدس")، بل و دعت إلى العمل من أجل إعادة ترجمة نصوصها و تحقيقها تناسبا مع الأصل اليوناني. و جاءت هذه المبادرة تكملة لعمل أطلقه "المجمع المئوي" المنعقد في موسكو عام 1551؛ و قد أدان أهل المجمع، و لا سيما الملك يوحنا الرابع المشارك في عمله، تلك الفوضى الاصطلاحية التي عمت الكتب المترجمة، و التي مسّت بنص دستور الإيمان ذاته (أي بأهم الوثائق الكنسية على الإطلاق).
فحمل نيقون، و لأسباب سياسية عدة، راية البطريرك يوسف، و أمر بإجراء ترجمة عاجلة لجميع كتب الخدم الكنسية اعتمدتها الكنائس اليونانية في تلك الأثناء. فوقع المترجمون الجدد في أخطاء فادحة ما زالت واردة في كتب سلافية تستخدمها الكنيسة الروسية في حياتها الطقوسية اليومية. إلا أن نيقون لم يكتف بهذا القدر من الهذرمة السياسية – بل و أجرى إصلاحات أخرى شردت أنصار الطقس القديم و دفعتهم إلى رفع صوت مناهض صارم. فنيقون هو الذي وقع في الغربة الغربية محاولا تغيير المعتقد الشرقي الراسخ و عاداته الرصينة التي حاربتها السلطات في بداية الأمر (و من الجدير بنا أن نذكّر القارئ الفاضل بقضية الأرشيمندريت ديونيسيوس زوبنينوفسكي الذي لوحق من قبل المتروبوليت يونان لأجل حذفه لكلمة "النار" من نص طقس المعمودية المُحَقق، فاتهم باعتباره زنديق "رفض كون الروح القدس نارا")؛ فتدمير البطريرك لتجربات روسية دينية عريقة، منها النطق الثنائي بكلمة "هللويا" الذي احتجج اصحابه بقرارات المجمع المئوي و اسطورة إيفروسين بسكوفسكي، اعتمد على عقلية جديدة جاءت من صميم التطور الذاتي للعقل الروسي الديني.
كما قلنا أعلاه، وسّد العقل الروسي ديكوتومية الجامعية و العصبية لمصالح دينية خدمت أوائل القواعد الحضارية الجديدة؛ إلا أنه تجاهل البعد الإيديولوجي الإجتماعي لهذين الركنين. فالرمز الإيديولوجي يختلف عن الرمز الفلسفي بحسب الوظائف و الصيغة، و النص الحامل لهذه الرموز قد يفسر دينيا ما سيؤدي إلى حفظ الرمز و تقديسه، أي رفعه على حساب التوغل في نسيجه الحي و ما يضمه من مفاتيح تأويلية. هذا ما أتت به المسيحية الشرقية التي أخرجت الرهبنة من العدم إلى الوجود، و أشادت بوحدة النظر و التجربة في حياة الفرد الاعتيادية. أما نيقون و بطرس موغيلا و الآخرون، فقد وظفوا الجامعية و العصبية في سبيل سياسي صوّر العالم الأرثودوكسي و كأنه دار مقطعة إلى مراكز قوى و توابعها؛ و موسكو، باعتبارها "روما ثالثة" ستحكم الكون المسيحي الأزلي، وجب عليها تقليد روما و القسطنطنية (أي "روما الثانية") من حيث نفوذها الفكري و صدارتها العلمية – و إن أدى ذلك التقليد إلى انعدام النتاج الهشاش و الحساس للحضارة اليانعة. هكذا تحطمت الصورة الوجودية للشعب الروسي المؤمن: فبينما انغرق أصحاب نيقون في السياسة، قرر أنصار الطقس و المعتقد التقليديين مقاومة "المسيح الدجال" المتجسد، و بحسب تعبير مؤلفي المصنفات القديمة، في نيقون و السلطة المركزية، إذ أدرك الإنسان الروسي أن استعلاء السياسة على المعتقد لا بد و أن تأتي بحاكم فاسق وعد به سفر "الرؤيا" المبشر بنهاية العالم المادي و رفع الكنيسة المخلصة إلى السماء.
"المثل يعاقب بالمثل". ذلك المبدأ، الذي هو عينه مبدأ القصاص الإسلامي و الكثير من القوانين الجنائية العلمانية، قد لجأ إليه القدر التاريخي في قضية نيقون. فقد عزل مجمع موسكو الكبير المنعقد عام 1666 البطريرك نيقون لأسباب سياسية محضة عن إدارة الكنيسة الروسية، فلم يساعد بطاركة الشرق (و منهم بطريرك أنطاكيا) الذين حرضوا نيقون على إجراء الإصلاحات الفتاكة على التمكن من خصمه الملك؛ و لكن المجمع، و في الوقت نفسه، صدق بالإصلاحات النيقونية ليضع أنصار الطقس القديم خارج حلبة القانون.

المشهد الثالث و الأخير: "محنة أفّاكوم"
ولد القائد الفكري لأنصار الطقس القديم أفاكوم بيتروفيتش عام 1620 في عائلة القس بطرس كوندراتيفيتش، و تربى في كنف أمه الصالحة مريم المواظبة على الصلاة و الصيام. و بعد زواج أفاكوم من ابنة الحداد أنسطاسيا مارقوفنا، عين شماسا ليحصل عام 1644 على رتبة القس الكهنوتية. و سرعان ما اضطر أفاكوم، الذي اشتهر بزهده و قساوته في التعامل مع "المقصرين" من أهل الرعية، للهرب إلى مدينة يوريفيتس و من ثم إلى موسكو حيث استقر برتبة "الأول في الكهنة" مشاركا في عمل لجان التحرير التي ترأسها البطريرك يوسف. حينئذ تعرف أفاكوم على نيقون و الملك ألكسي، و انخرط في عملية تدقيق المصادر بحسب المخطوطات الروسية القديمة.
إلا أن نيقون قد انتخب خليفة للبطريرك يوسف، و بدأ حملاته الغربية الروح و المضمون على عمل أفاكوم "الشرقي". فناهض العالِم الديني أفاكوم كتبا أصدرتها لجنة أرسينيوس الإغريقي المعنية بشؤون الترجمة، و أغضب بذلك البطريرك الجديد الذي جر بصديقه الأسبق إلى زنزانة دير المار أندرونيك عام 1653. و كاد نيقون أن يجرد الكاهن رتبته الروحانية، إلا أن شفاعة الملك ألكسي غيرت من مصير أفاكوم الذي أرسل إلى منفاه في مدينة توبولسك السيبيرية. لكنه عاد إلى موسكو، و بعد عناء و تعذيب استمر أكثر من ستة أعوام، سنة 1663.
لم يترك أفاكوم دعواته الأولى إلى رفض إصلاحات الملك و البطريرك، و لم تمس بعزمه رحمة ألكسي و أمره باسترجاع الكاهن من المنفى. فبعد كرازة انتقد فيها الملك و الأساقفة الروس حصل أفاكوم على عقوبات جديدة تتابعت حتى عام انعقاد مجمع موسكو الكبير الذي أدان نيقون و جرد الأول في الكهنة رتبته الكنسية. و مع ذلك بقي أفاكوم على قيد الحياة، في حين أن أتباعه، و منهم لازر و يبيفانيوس، قد تم إعدامهم بموجب القرار الملكي. و استمر أفاكوم بكتابة أعماله و رسائله المناهضة لأفعال السلطة في منفاه حتى أمر الملك ثاودورس ألكسييفيتش، الذي أزعجته رسالة المعاقَب الجديدة، بحرق الكاهن و أتباعه في مبنى خشبي في مدينة بوستوزيورسك عام 1682. و من الطبيعي أن أنصار الطقس القديم عدّوا أفاكوم قديسا و شهيدا يستحق الثناء و التبجيل على تحمله لمحنته المرعبة، إذ أن ذكراه يحتفل بها في جميع الكنائس الروسية غير النيقونية إلى وقتنا هذا.
في الواقع يمثل القس أفاكوم حقيقة الوجود الروسي الديني المعاكس للتيار الروسي السياسي، و هو وجود مسرد للمرجعية الدينية المتجددة (و إن تجددت هذه المرجعية ببطء و حذر شديدين). فلم يكن الكاهن الشهيد إلا شخصية إصلاحية غيّرها التحريف الإيديولوجي المفروض من الخارج، أما الأوساط الشعبية التي سارعت إلى تلبية دعوة أفاكوم فلم ترد الدفاع عن القديم و القدماء، إلا أنها حاربت سقوط عنصر المرجعية من ركن الجامعية. فهم عارضوا بالرمز الديني الحي المتجسد في الصلاة و الاستشهاد السياسة التي ضحّت بالحرية و رموزها الفكرية من أجل الوصول إلى أعماق النفوذ الاجتماعي. هنا ندرك رمزية العقل الروسي التقليدي الذي نراه قد بني على أساس معقد من التعصب و الجامعية (أو الانفتاح المتحفظ) و الاستقراء الرمزي – سواء أكان الأخير دينيا أم سياسيا. فتغيير الحقل الرمزي يؤدي بالفعل إلى اصطدام أنصار التيار الديني و الفلسفي بحواجز أنشأتها جموعات عنيت بنقل مباشر للأفكار الأجنبية و فرضتها على الآخرين.
هذه هي النتيجة التي يمكننا أن نطبقها في مجال تحليل أحداث الثورة الروسية الكبرى، تلك الثورة التي ألهمتها أفكار اشتراكية محت ملامح الفلسفة الدينية. فإن العلّامة برديائيف طرد من روسيا السوفيتية كما طرد أفاكوم من موسكو إلى سيبيريا، و قتل الكاهن الفيلسوف فلورينسكي كما قتل الكاهن أفاكوم و أنصاره؛ و قد أهملت الاشتراكية حقيقة تعايش بيلينسكي و دوستويفسكي كما أهمل نيقون تعايش اللغتين الروسية و اليونانية و طقوسهما في كنائس روستوف الكبير في القرن الرابع عشر... هكذا انتصرت السياسة بمنطقها الاقتصادي على الرمز الديني؛ و انكب أصحاب لينين و بليخانوف على إعادة تعمير العقل الروسي التقليدي.
إلا أن محنة أفاكوم التي نشبت مخالبها في الماضي و الحاضر و المستقبل الروسي قد مزقت الأزلية الدينية الروسية الأصلية، فافترق أصحاب الطقس القديم و أصحاب الطقس الجديد، و ابتعد محبو أفاكوم عن محبي مجمع موسكو الكبير. فلم يفلح مجمع الكنيسة الأرثودوكسية الروسية المنعقد عام 1917 في إقامة صلح (و لو ضعيف اللبِن) ما بين المعسكرين العقديين، مع إنه اعترف بالشراكة الكنسية للنقونيين مع "أنصار الإيمان الواحد" (إيدينوفيري) من أصحاب الطقوس العتيقة. و هذا يعني أن العقل الروسي ما زال في تطور مستمر، و أن تاريخ العقل الروسي لم يدوّن بعد نظرا إلى انغماسه في البحث عن حلول و تفكيكات لإصطلاحات عريقة. إذن، ليس لروسيا المتجددة في ماضيها تاريخ، بل لم يُترَك لها شيء سوى الحاضر المرير حيث يحدث العقل الروسي معاضلا مر بها من قبل. أما أوجه الشبه الكثيرة التي أوردناها في سياق حديثنا المطول عن أول و آخر الثورات الروسية فتؤكد هذه القاعدة و تقول: إن كنا قد شهدنا أول مخاض الثورة الروسية التي انعتها الشاعر ألكسندر بوشكين بثورة "عديمة الفائدة و الرحمة"، فما بالنا في مصيرها الآتي؟ و ما بالنا بمآلها، أو، إن صح القول، بمئلاتها التاريخية القادمة؟.. على كل حال نستطيع الجزم بأن التساؤل المطروح أعلاه يفتح أمامنا آفاقا واسعة للتأمل الفلسفي في ظاهرة الثورة الروسية التي لم يخمد نيرانها بعد.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الثورات الروسية: خبرات دموية أم ارتقاء حضاري؟


المزيد.....




- الجبير يبحث الوضع في اليمن مع ولد الشيخ
- ماكين يتهم ترامب بدفع رشوة للتهرب من الخدمة العسكرية
- البابا يدافع عن القدس المحتلة ويرسم صورة سلبية للأوضاع في ال ...
- مصادر أمنية: العراق يحشد قواته قرب خط أنابيب كردي لتصدير الن ...
- طائرة معطلة تتحول إلى متحف فريد!
- الأطعمة التي يجب تناولها للحفاظ على أسنان صحية
- السجن لصحافي سوداني انتقد أسرة البشير
- تيلرسون من كابل: سنواصل القتال ضد طالبان
- لافروف يشدد على وحدة العراق ويدعو الأكراد للعمل مع بغداد
- بالفيديو: رجل يدفع سيدة من على رصيف السكة الحديدية


المزيد.....

- حوار مع أستاذى المؤمن / محمد شاور
- مسمار في جدار الذاكرة / رداد السلامي
- أكاذيب حول الثورة الروسية / كوري أوكلي
- الجزء الثاني : من مآثر الحزب الشيوعي العراقي وثبة كانون / 19 ... / فلاح أمين الرهيمي
- الرياح القادمة..مجموعة شهرية / عبد العزيز الحيدر
- رواية المتاهة ، أيمن توفيق / أيمن توفيق عبد العزيز منصور
- عزيزى الحب / سبيل محمد
- الناصرية في الثورة المضادة / عادل العمري
- أصول الفقه الميسرة / سعيد رضوان
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكرة والسياسة والاقتصاد والمجتم ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فارس عثمان نوفل - الثورة الروسية الكبرى و مخاضها التاريخي الأول. -محنة أفّاكوم-