أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صيقع سيف الإسلام - ميلينكوليا















المزيد.....



ميلينكوليا


صيقع سيف الإسلام

الحوار المتمدن-العدد: 5567 - 2017 / 6 / 30 - 01:19
المحور: الادب والفن
    


إن ما حدث تلك الليلة استدعى أن أجلب مذكراتي وأسجله كي يبقى محصنا ضد النسيان ، ولو كانت تلك المذكرات التي استعملتها قد غبرتها الأيام في أمكنة شوهت أوراقها _من فرط الإهمال طبعا _ ولأنني أحب التحدث في صلب الموضوع مباشرة ، فسأختصر لكم القصة التي فرضت علي العودة إلى مذكراتي :
أنا مراهق ثانوي ( 17 سنة ) لا أمتلك من المميزات إلا عبارة غيبية تقال لي من بواب مدرستي :
« حافظ على مودتك اتجاه الأشياء كلها ، فهي غذاء الحب الإنساني الذي تملكه . . . لا شيء نادر مثل الحب »
أما دون هذه المقولة فلا أستطيع أن أنسب لنفسي شيئا حقيقيا يمكن أن أنافس به ، لكن الأقدار تسوق دوما اللامتوقع في محطات الحياة العديدة ، و التي عشت أحدها في صباح يوم الثالث عشر من شهر تموز _عودة بخمس سنين إلى الوراء_ لما صادف بل دعنا نقول استلزم الحال أن أكون عند عجوز هرم لا معرفة سابقة لي به ، وهو كما سأصفه لكم : شيخ طويل ذو لحية بيضاء تناسب وجهه المستنير ، يضع نظارات طبية غليظة _لا يستطيع وجهي حملها_مع أن إحدى عينيه منزوعة ، وقد حل محلها عين زجاجية تشبه الحقيقية لكن بلا إبصار _كما أخبرني هو لاحقا _إلا أن نظرته ثاقبة توحي بشخصية عميقة تفرض نوعا من الإجلال و التقدير المهيمن . إنك لا تستطيع إلا أن تخاف _خوف العظمة_من شخصيتنا هذه ، خوف سوف يخالطه احترام كبير كما ستعرفون لاحقا . . . تملك شخصيتنا شفاها وردية اللون ، ابتسامة تعكس الهدوء و السلام الداخلي مع ثقة في النفس و رجاحة شديدة في العقل ، حتى أنني أحسست بعد ابتسامته لي بإحساس من يقف وسط محيط أزرق شاسع يتموج بهدوء فيستطيع أن يبلعك ويغرقك ، لكنه يرحمك ويدعك حيا .
لن أصف المكتب الذي وجدت فيه هذا الشيخ ، و بدءا من الآن سيكون اسم شخصيتنا هذه « زوسيما ». . . إن سبب استعمالي لهذا الإسم هو التناظر الكبير بين شخصيتنا و شخصية فيدور دستويفسكي التي خلقها تحت اسم « زوسيما » في أفضل رواية كتبت على الإطلاق : رواية الإخوة كارامازوف _كما قال سيجموند فرويد_ولا يخفى عليك أيها القارئ لمذكراتي أنك ستلاحظ جودة مذكرات لا سبيل لمراهق في تسطيرها ، و السبب أني الآن أنقحها بعد عبور سنين ، و بعد استيعاب أشياء من شخصيتنا « زوسيما » لم اهضمها كما يليق في وقتها ، ثم كي أكون منصفا سأحاول أن أتقمص شخصية المراهق التي كنتها ساعة لقائي بالشيخ . . .ساعة لقائي بـ « زوسيما » .
استمر اللقاء بيننا قرابة الساعة فقط ، كنت خلالها صامتا مطبقا على فمي ، في حين كان زوسيما يتولى أغلب الحديث ، الذي من ضمنه عبارة رددها لي : « الصامت دائما أفضل من المتكلم » . . . دخلت المكتب بخطوات خجولة ، و الشيخ زوسيما يقف وراء مكتبه يراقب صورة معلقة على حائط جداره ، وإصبعه معلقة في وسط الصورة ، وقبل أن أقدم على أية كلمة ، شرع الشيخ في حديث مع نفسه كأنني غير موجود بالغرفة ذاتها معه ، فبلغ من أمره أنه لم يستدر لي حتى ، مؤديا ذلك أن أبصر ظهره فقط ، أنال صوته بسمعي أيضا لا أكثر ، أما بصري و قبل أن أركز على تلك الصورة المعلقة ، لمحت ساعة رملية موضوعة على سطح المكتب ، حيث ساعدتني على تحديد قيمة زمن اللقاء الذي دام _قرابة ساعة كما أشرت سابقا_ و أرجو أن تغفروا لي نسيان تفصيلة صغيرة ، فلست أذكر على وجه اليقين أن الساعة الرملية كانت ملائمة للتوقيت المتعارف عليه ، أما مما لا ريب فيه أنني و أنا مراهق استشعرت بقيمة الزمن وكلي آذان تنصت للشيخ زوسيما ، وإليكم الأحداث :
-الساعة الرملية في بدايتها :
الصورة المعلقة في الحائط كانت تحوي أشكالا مختلفة : جرسا ، سلما ، ساعة رملية ، ميزانا .. الخ ، وكان هناك رجل متكئ على يده في الصورة يفكر ، رجل يملك جناحين في ظهره ، يبدو عليه أنه كان يفكر في لغز يحيره ، هناك وضع زوسيما اصبعه تماما على الرجل . . . ثم بادر زوسيما بالقول : « إن الحياة التي يعيشها المرء لمتضاربة متناقضة من أولها لآخرها ، هي سعي لأجل ماذا ؟ وبأي كيفية ؟ . . .أو ربما يجب أن أصف الشخص الذي يحيا بالتناقض لا الحياة نفسها . . نعم هو ذاك . . وسأجرؤ مرة أن اسأل : ما الشيء الذي من أجله يحيا الإنسان ؟ . .سؤالي في الأخير هو بحث عن الهوية و الجوهر ، عن الشيء الذي منه يستمد منه كل موجود حقيقته ، و حتى أكون واضحا مع نفسي في غاية إدراك هويتي ، أطرح كذلك طرحا فرعيا : إنني وعلى حالتي هذه فيلسوف صوفي ، سائح في الكون ، أجد سعادتي في تأليف المؤلفات للتدليل على الأفضل في الأمور التي تيسر لي شيء من فهمها ، بل ولذتي الكبرى في ارواء ظمأ الإنسانية داخلي بأفعال الخير و الإحسان التي ما بارحتني منذ نعومة أظافري . إن هذا هو مفهومي للسعادة ، لكنه واضح القصور فالمقومات التي ذكرتها_لذة التأليف و الإنسانية كمثال_جاءتني نتيجة عوامل اجتماعية وظرفية و مسارات فكرية تبنيتها، كما هو الحال في سعادة الفلاحيين بهطول الأمطار طمعا في ثراء المحصول ، كما هو الحال ليلة ولادة رضيع جديد لزوجين حديثين ينظران للدنيا بالطموحات و الأحلام . . . إن سعادتي و سعادة كل من الفلاحين و الزوجين الحديثين ربما تختلف في المقدار ، لكنه اختلاف متقارب لا تكاد تبرز له قيمة تأثير فالموضوع الذي يجلب السعادة أيا كان _كغاية منها نبحث عن الهوية_له متعلق كذلك مع الشخص الحامل للمشاعر الجميلة و التي نصفها بالسعادة ، رب شيء هين له ذلك الأثر البالغ على قلب أحدهم كونه مستقبلا ذواقا للسعادة ، و رب شيء بالغ التأثير عظيم الأثر لا قيمة له على قلب أحدهم كونه ذو ذائقة مختلفة ، ولأنه ليس في وسعنا أن نصف ذائقة بالصواب وأخرى بالخطأ ، فلا مناص من القول أنه لا غاية تختبئ وراء كل هذه المعاناة ، وراء كل هذه الإرادة في الحياة ، وعليه تكون السعادة ذات طابع فردي فقط مع أية مقومات كوسيلة لها ، مهما اختلفت المقومات سيكون ذلك الإنسان سعيدا في حالة من الحالات . .أو . . أو هناك شيء مشترك بين جميع البشر هو يمثل السعادة العظمى ، و دونه تكون السعادة على حسب المقومات بحسب القرب من مقومات تلك السعادة العظمى ، وهذا سيفرض علينا وجود غاية هي ذلك الشيء المشترك . . يمكننا أن نسميه المشترك الإنساني و الذي سيدلنا على الهوية التي نبحث عنها في الأخير . حينها ربما سنجيب الرجل المتكئ على ذراعه و نزيل حيرته »
سأعترف لكم أني في تلك المرحلة من العمر ، بل قل العمر العقلي الصغير جدا سابقا منعني من فهم السؤال الذي يحاول طرحه زوسيما ، السؤال المناقض لتصوراتي كلها _سابقا و حاليا كما سأذكر لكم لاحقا_إلا ان التفاصيل القادمة يمكن أن تزيل الغشاوة قليلا عن القارئ . إن زوسيما يحاول البحث عن الأسلوب الأمثل في الشعور بالسعادة ، و هل الأمور التي تجعله يشعر بالرضى عن نفسه كافية . إن فلاحا من الطبقة الكادحة ينظر إلى نمط عيشه انه قاصر ، وان الحياة المثلى هي تلك التي يمتلكها سيد نبيل من الأمراء ربما ، و زوسيما يريد الوصول إلى أن لذته في التأليف و حبه للإنسانية و كل الأفعال الخيرية هل كانت قاصرة ؟ ، و هل كان زوسيما يمثل فلاحا كادحا قاصرا بمفهومه للسعادة ذاك ، وقد جهل وجود نمط حياة افضل ، وجود سيد نبيل من الامراء كان غافلا عنه ...ثم اعتبرت شخصيتنا أن الجواب عن هذا السؤال هو مدخل نحو إدراك الهوية الحقيقية للإنسان ، وأستبق الأحداث هنا مشيرا إلى أن الشيخ زوسيما صاحب الوجه المستنير يبحث عن شيء اسمه « الإنسان العالمي » . يوضح لنا ذلك بنفسه قائلا_كما ذكر ذلك أثناء حديثه أمام الصورة المعلقة_:
« الإنسان العالمي هو من اكتشف هويته الحقيقية ، والتي لا سبيل لإدراكها إلا بفهم الجامع و المشترك الإنساني بين الأفراد البشرية »
ثم تكمل شخصيتنا طرحها السابق : « . . . و نزيل حيرته . . . هذا قطعا سيتطلب منا أن نباشر بكلمة : ماذا لو كنت ..؟ . . كلمة تفتح سلسلة من الفرضيات في مستهل الجواب عن معضلة صاحب الصورة المتكئ على ذراعه . . ماذا لو كنت :
-فلاحا فرنسيا من القرن18:
إن كوني فلاحا فرنسيا من القرن الثامن عشر ضمن نوازعي الفطرية التي أملكها يعني أن اسمي «فرانسو»، قد أصاب الصلع رأسي إلا من جانبيه عن وراثة جينية من أجدادي الفلاحيين ، أما لحيتي فهي حمراء اذا كبرت وسوداء في بداية نبوتها ، فيها شيء كثير من الشيب ، ظهوره طبعا كان مبكرا لهول المعاناة التي عشتها منذ صغري بين الحقول ، ولقلة المتعة التي لم نكابدها إلا سويعات مع صعوبة الأيدي المتشققة التي ظفرنا بها نتيجة معاركنا مع الأرض . إنني كفرانسو لا أملك شيئا من الثقافة وهمي الوحيد أن أزوج ابنتي«آني» إلى فلاح الأرض المجاورة المنعوت بــ «ستاندال» فهو أغنى مني ، وله أرض تعادل مساحتها مرتين من التي أملكها ، يقال أنه يشرب الخمر كثيرا ويضرب أمه ، لكن أنا متأكد من طيبة قلبه . . .قال لي يوما «أنا أعيش بالعقل لا بالقلب منذ مدة طويلة ، إنني أزن أهوائي وأفعالي وأحللها بنوع من حب الاستطلاع الحيادي البارد » . . إن عبارة مثل هذه يصعب أن ينطقها إلا بطل من الزمان ، ليس أحدا كستاندال ، إلا أن اقتباسه كاف في إثبات أنه أفضل ثقافة مني . هو من نوع الفلاحيين الذين تحدث عنهم تولستوي وجعلوه يترك الإلحاد ، أفضل من ذلك هو يتكلم قريبا من فرنسية الأمراء و البرجوازيين ، يتلفظ بالحرف « آغ » بدل « آر ». . .قد سرت شائعة كذلك أنه استطاع تقبيل يد إحدى بنات الأمراء ، لا أعرف هذا على وجه الدقة ، لكني لا أستبعده ، على الأقل ليس أصلعا مثلي و لحيته تامة السواد . . . الخلاصة أن ستاندال مناسب لابنتي العزيزة ، لذلك يجب الاستعداد ، منزلي فقير و خزانة ملابسي تحوي رداءين فقط ، الأول أبيض رقيق و الثاني بني خشن أهداه إلي قس القرية ، ومنذ ذلك الوقت لم أفوت صلاة الأحد ، حتى أنني في الشهر الأخير زرت الكنيسة ثلاث مرات في الليل لأختلي بنفسي ، إن إيماني بالرب هو ما يجعل العيش ممكنا . . لا أستطيع أن أكون ملحدا حتى لو كنت مثقفا ، تلك هي السعادة في نظري . قبل « آني » كانت هناك « صوفيا » طفلتي البريئة الأولى التي ماتت بعد شهرين من ولادتها ، فهل سيخبرني أحد أنني لن أستطيع لقاء ابنتي مرة ثانية، أنه لا عزاء لي . . . فقط لا يمكنني تقبل ذلك ، هكذا اؤمن بالرب أنا ، إيمانا بالعودة وبالحياة الثانية كما قال أحد الأدباء الروس _نسيت اسمه_« لو كانت الحقيقة ليست هي المسيح ، وعلي أن أختار الحقيقة أو المسيح ، فسأختار المسيح » .
إنني كفلاح فرنسي _فرانسو_نمط حياتي بسيط ، و الأشياء التي تبهج قلبي ساذجة ، وكوننا الآن في نقطة العناية بحديقة أحد كبار الرهبان فسعادتي كلها تتمثل في انتهاء ذلك اليوم الشاق بشرب كؤوس متتابعة من الخمر الرخيص الثمن ، مع قبلة على جبين ابنتي الغالية « آني » ، لا يمكنني أن أتخيل سعادة أبعد من هذه ، فحلم صيرورتي من الأمراء قد تبخر منذ أمد بعيد ، ثم ها أنا ذا ابن للمدرسة الواقعية ، بالتحديد بعد وفاة زوجتي . »
إنني نسيت أن أذكر لكم_ قبل انخراط الشيخ زوسيما في تقمص شخصية الفلاح الفرنسي _أولا أن الشيخ كان يشير بإصبعه إلى سيف قصير في الصورة مرمي على الأرض أمام الرجل ذي الجناحين المتكئ على ذراعه ، ثانيا وهي مكتبة معتدلة الحجم على يمين الصورة مغطية الجدار تقريبا ، كلها مملوءة بالأدب الروسي . من ذلك العبارة التي قالها ستاندال هي من رواية « بطل من هذا الزمان » للمؤلف « ليرمونتوف» ، وكي أنبهك أيها القارئ مستقبلا من كثرة الاقتباسات التي يجيدها الشيخ زوسيما من الروس ، ومما غفلت عنها كثيرا أيام مراهقتي ولازلت في واقع الأمر أعاني من ذلك ، ذلك أن فهم شخصية واسعة العقل و النظر مثل زوسيما يتطلب عمرا من الزمن ، وإن فئة قليلة من القراء سيدركون أبعاد ما تقصده شخصيتنا ، فهي تشبه « هيبوليت » من رواية « الأبله » لما قال : « كل فكرة عبقرية وكل رأي جديد بل وكل رأي جاد ينشأ في دماغ إنسان ، أقول إن كل شيء من هذا القبيل ، إنما يشتمل على بقية لا يمكن نقلها إلى الآخرين ، ولو وقف المرء على محاولة الإفصاح عنها كتبا بكاملها ، أو ظل يقلب الأمر على وجهه مدة خمسة وثلاثين عاما ، إن تلك البقية لن تخرج من رأسك بأية حال من الأحوال ، ستظل باقية فيه أبد الآبدين ، ستموت أنت قبل أن تستطيع نقلها إلى أحد ، وربما كانت هي التي تشتمل على الشيء الجوهري » .
إن زوسيما كان ينقل إصبعه عند شيء جديد_في الصورة_ كلما تقمص شخصية أخرى بسؤاله : ماذا لو كنت ... ؟ . . . ثم يكمل زوسيما بعد أن نقل إصبعه هذه المرة إلى ميزان في الصورة . . . قائلا : « ماذا لو كنت . .
-فيلسوفا في أثينا :
أنا أرخيتاس أنتمي إلى المدرسة الفيثاغورية و خريج من أكاديمية أثينا الأفلاطونية ، درست المنطق الصوري و نظرية ديمقريطس في المادة المخالفة للتصور الأرسطي _الطبائع الأربعة_و لأني فضلت فكرة ديمقريطس فقد كنت أضحوكة المجتمع اليوناني ، ليس فقط إنكاري لمفهوم الطبائع الأربع للمادة بل صاحبه أيضا فكرتي عن المعرفة و كونها تطلب لغاية منها لا لذاتها . . . إن هذه السخرية من المجتمع قد أعادت في ذاكرتي إعدام سقراط فلم أتزوج ، بل توقفت عن طرح الأفكار المخالفة ، ثم على الفيلسوف أن لا يتزوج و يحافظ على حياته ، حيث الأولى به أن يكون رجل دولة و استراتيجيا يقوم بتسيير شؤون الشعب الخاص به ، وإن من جلدتنا اليونانية من ضحكت عليهم . .يقولون : « العلم الطبيعي _الفيزيقي_ يجعل الشخص أفضل من الفيلسوف » ، وأرد عليهم قائلا : « لا تقارن أبدا العالم بالطبيعيات بذاك صانع الحضارة_الفيلسوف_»
بل دعني أزيد هؤلاء و الشعب اليوناني نصحا بالقواعد الأبيقورية « لا تخف من الله ، لا تخف من الموت ، لا تخف من الألم ، عش ببساطة ، ابحث عن المتعة و الحكمة ، ابحث عن اصدقاء واعقد صداقات وكن حسن المعاملة لاصدقائك ، كن مخلصا في حياتك و عملك ، ابتعد عن الشهرة و الطموح السياسي » .
إنني لا اؤمن بالاله نتيجة معضلة أبيقور ، و إن النماذج اليونانية الوثنية لا تقنعني ، فإن كان هناك إحتمال لوجود إله فهو ذاك الرب المنفصل عن العالم المتأمل في كمال و عظمة ذاته . . . و سأعترف أني أخفي هذه الحقيقة عن الوسط الذي أحيا فيه خوفا على حياتي _كما ذكرت سابقا_وهو شيء تعلمته من « كهف أفلاطون » : القصة الرمزية التي ذكرها أفلاطون في كتابه « الجمهورية » كيف أن الشخص العائد من رؤية الواقع الحقيقي إلى المحبوسين داخل الكهف وإخبارهم بخطأ تصوراتهم سوف يقابل بالإنكار و الرفض ، بل ربما حتى التعدي على هذا الإنسان المتنور وقتله . . . لا شك أن أفلاطون ساق هذا المعنى متقصدا مصير استاذه سقراط ، لذلك آثرت البقاء مختبئا ، ولو أني على يقين مما أملكه من مهارة فلسفية كأي يوناني عميق ، فذاك موجود في دمائنا ، ثم ها أنا أحاول أن أقنعك بأن الإختباء أفضل من المجاهرة :
إن المرء يا صديقي يعيش لنفسه مهما بلغت رتبته الإجتماعية و الفكرية في أي وسط كان ، وإنني كفيلسوف تحت اسم « أرخيتاس » أجعل حقي في الحياة مقدما على سائر الحقوق ، فالمجتمع اليوناني الوثني كغيره من المجتمعات يثور ضد الأطروحات التي تعارض الأمور التي كبر عليها ، فهل من الحكمة تضييع تلك التجارب و الأفكار المثالية التي استخلصتها بجهد و طول انتظار . . . قلت هل من الحكمة أن تضيعها على مجتمع لا يحسن أن يفهمها ، وإن فهمها بعضهم_وما أندرهم_كانو بعيدين عن فهم تطبيقها أو عيشها كخبرة و فطرة مزروعة في الإنسان ، أليس بالأفضل حالا لو عاش سقراط مرتاحا عن محاولة فاشلة هي هداية مجتمع إلى حقائق تنويرية ، لا تلبث أن يأتي من بعد هؤلاء مجتمع وريث ينساها أو يؤمن بها عن جمود ، فيخلق لنا ضحية أخرى ، هي سقراط آخر في زمن آخر و مجتمع آخر . . . رب قائل يقتبس كلمات مقدسة : الحقائق المكتومة تتحول إلى سموم ، وليتحطم كل ما يمكن أن يتحطم تحت وطأة حقيقتنا ، فهناك دوما بيت للبناء على الأنقاض . . . الجواب : إن هذه الحقائق كانت مكتومة عن الغير ، لا مكتومة عن الإنسان التي يحملها في عقله وقلبه ، هذا وحده كفيل في منعها عن الاستحالة إلى سموم ، و ها أنا مرة ثانية أمضي متعمقا في المسألة :
إن كل مجتمع يملك سقراطا خاصا به يقف أمام خيارين ، الأول الاندماج و السعي في تبليغ التنوير إلى ذاك المجتمع ، مع العلم أن ذلك سيكون مكلفا حتما ، بل موصلا للسجن و التعذيب أو القتل حتى ، ولسنا مجبرين على الأمل السخيف في نجاة سقراط واحد أو اثنين من بين عشرات الإحتمالات الفاشلة . . . علينا بالحس التاريخي ، الشيء الوحيد الذي تعلمناه من التاريخ هو أننا لم نتعلم من التاريخ ، و المجتمعات الإنسانية جمعاء أبرزت مقدرتها على إمكانية بلوغ إنهاء حياة كل سقراط يحاول تنويرها ، سقراط قد تنقضي أيامه في سن الثلاثين ، وهنا نقطة مهمة : أليس توفير سنين قادمة مع إمكانية مضاعفة ذلك التنوير الداخلي لسقراطنا هذا كثلاثين عاما أخرى . . .قلت أليس أفضل من انقضاء أيامه مع حقائق متواضعة ، تنويرية نعم لكن متواضعة لإمكانية زيادتها و تعميقها . . . رب قائل ثان يتلفظ : تنويره لغيره لا لغيره إنما لنفسه في نهاية الأمر وإلا لن يترقى . . . الجواب : بغض النظر عن ثبوت و صدق هذا ، فإن كان كذلك لا يلزم عنه تنوير المجتمع بل يكفي فئة صغيرة يستطيع سقراطنا انتخابها كونها مؤهلة و تحوز القدرة على الاستجابة لهذا التنوير ، غير هذا لن يوجد إلا مجموعة من البشر يأكل بعضهم بعضا ، معهم يستحيل بناء العالم ، هذا يؤدي بنا إلى الخيار الثاني الإكتفاء بالحقيقة التي يحملها كل سقراط لنفسه فقط ، حيث يظهر أن الخيار الثاني يسعف المتنورين و الأغبياء ، أما الخيار الأول فلا يسعف إلا الأغبياء و يضحي بالمتنورين ، بل الأدهى أن يخالفك متنور في مسألة هو غبي فيها و أنت المتنور في تلك المسألة ، كديمقريطس في نظرية الذرات التي قال بها و ضحك أرسطو عليه المعتقد بالطبائع الأربعة . . . إنه لا يمكننا أن نصف لا ديمقريطس ولا أرسطو بالغباء فكلاهما متنور_لحد ما_إلا أن أرسطو مخطئ ، وليس ببعيد أن يشنق مجتمع أثينا ديمقريطس على حساب غيره و سيكون من مجتمع أثينا هذا متنورون آخرون_كأرسطو_كونهم خالفوا ديمقريطس في نظريته . . . إن إيميلي دوشاتليه وافقت لايبنيتز في نظريته عن القوى التي تحكم الأجسام وخالفها جمهور من علماء فرنسا المؤيدين لميكانيكا نيوتن وكل من إيميلي و بقية العلماء متنورون . . . في هذه اللحظة قد خطر في بالي صديقي أنكساغورس و ادعاءه لفهم ديمقريطس ، ومما أجبته به : أنه لكي يزعم أحدنا أنه استطاع فهم شخص ما فضلا عن عالم أو فيلسوف ، فهو أن يمتلك القدرة على توقع ارائه وأفعاله في مسائل مختلفة ، هكذا يمكن أن نزعم معرفتنا الجيدة بشخص ما ، وهنا برز فشل أنكساغورس في توقع اراء وسلوك ديمقريطس ، مما يدل على ضعف معرفته به . . . إنني أزعم جيدا معرفتي بأفلاطون لقدرتي على توقع اراء له من غير إلمامي بها . . . المهم في الأخير أن صف اعتزال كل سقراط منا عن مجتمعه أمثل من انخراطه في حرب فاشلة . .»
لا يتوقع القارئ أن زوسيما يعتقد بالاراء التي كتبها على لسان الشخصية التي تقمصها « أرخيتاس » ، إنما هو مجرد افتراض إحتمالي بحيث لو كان فيلسوفا في أثينا ما نمط الحياة الذي سيعيش به ، ولعل القارئ انتبه إلى أن شخصية « أرخيتاس » اليونانية تحدثت عن إيميلي دو شاتليه رغم أن إيميلي معاصرة لفرنسوا فولتيير ، هذا مما يثبت أن « زوسيما » يتقمص شخصياته فقط ، أحيانا يغفل عن ذلك أيضا . . . ولأنني لا أريد الإطالة في كتابة هذه المذكرات فلن أشير لحيثياتي الشخصية ، مكتفيا بالمراهق الثانوي ، على أنني مؤمن بكل ما قالته شخصية « أرخيتاس » ، لذلك أنا مخالف _كما أشرت في بداية المذكرة_للنتيجة التي سيخرج بها زوسيما ، الآن أدعه يكمل تقمص الشخصية الثالثة _وهو مما أبدع فيه_فبعد أن نقل إصبعه من الميزان إلى السلم في صورة الرجل ذي الجناحين المتكئ على ذراعه . . . قال زوسيما : « . . ماذا لو كنت . .
-امرأة روسية :
إنني كامرأة روسية _على اختلاف النساء_سأجمع صفاتهن جميعا . . . حيث إن المرأة الواحدة هي النساء جميعا ، الفارق الوحيد هو التوقيت في السلوك . . . هكذا سأكون ناستاسيا فيليبوفنا في أبله دستويفسكي ، زوجة الخياط في معطف غوغول ، آنا كارنينا تولستوي ، نادينكا تشيخوف ، تاتيانا بوشكين ...
اسمي هو « كاترينا » وقد عشت نمطي الحياة المشهورين ، المعاناة و المتعة ، مع ذلك فأنا ابنة ضابط حدود من بطرسبورغ ، ولأن أمي متوفاة ، فقد عشت نصف حياتي الأول عند عمتي « آنيا » التي كانت مسؤولة عني لبعد أبي في العمل ، إلا أنها مسؤولية السيد مع العبد ، لا الابنة مع العمة ، أي منذ تركني والدي الضابط عندها وهي تجبرني على أداء كل الأعمال المنزلية لوحدي . . . إن غسل الأواني و ترتيب البيت بالأفرشة و الاعتناء بالحديقة _التي كانت مملوءة بالشوك_كل ذلك أفقدني جل طاقتي ، ناهيك عن الطعام الرديء الذي كانت تدعني آكله . . . إنها لم تسمح لي إلا بلقط اللمام من بقايا طعامها مع ابنتها « جولينا » _كم أبغض هذا الاسم_جولينا التي كان يتحدث الجميع عن مقدار جمالها وتفوقها الدراسي ، وكم أنها مؤهلة للدراسة في جامعة موسكو الحكومية ، في حين بقيت أنا دون تحصيل دراسي يؤهلني لجامعة مرموقة ، و الحال أني كنت جاهلة بصنيع أبي ، فقد كان يرسل كل شهر ما يعادل ثلاثين روبلا للنفقة التي تخصني مع فائض تستفيد منه عمتي_أبي فعل ذلك عامدا_الامر الذي أخفته عني عمتي ، إن المرأة هي التي ظلمت المرأة قبل الرجل ، أيامها كنت أقول للرب : لماذا لم تخلقني ذكرا حتى أنال حريتي ؟ . . . لقد كنت أصلي كثيرا_صلاة أرثوذكسية_كي أخرج من تلك المعاناة اليومية ، وهو ما استجابه لي لاحقا الرب لما علمت بأمر الثلاثين روبلا ، فصرت أقبضها بنفسي ، وأعسرت الحال على نفسي في الأشهر الأولى فلم أنفق منها إلا عشرة روبلات ، كذلك حتى يتسنى لي الأمر بالخروج من منزل عمتي إلى شقة منفصلة مستقلة . . . كلفني الإيجار لوحده خمسة عشر روبلا ، وذلك سعر متدني للكراء نلته فقط لصداقة ماكاروفتش صاحب الشقة مع أبي . . . أعترف أني فتاة مستبدة و متسلطة في داخلي ، ما إن تسنح الفرصة حتى أسعى لجعلك عبدا لي ، ومن يذلني مزيد إذلال أحبه مزيد حب . نعتني مرة أبي في صغري بأني : طائشة اللب ، لكن كل هذا لا علاقة له بشرفي أنا كاترينا ، الحال أني لما استقريت في شقتي لوحدي دون شخص يساكنني ، بدأت عمتي في اثراء الشبهات عن كوني أسمح للرجال بولوج الشقة ، وأنني أقترف علاقات محرمة ، بل بلغ بها الحد أن تسمي أشخاصا بأعيانهم مثل فرسيلوف _حارس البناية_ذلك أني دعوت فرسيلوف مرة ليساعدني مع قفل الباب أصابه الصدأ ، بل قل البناية كلها قديمة ولا عجب في صدأ شيء من تركيبها . . . إن فرسيلوف لم يتجاوز الباب حتى ، بل أصلح القفل وهو خارج الشقة تماما ، الرواق أيضا كان فارغا ، لكن عمتي علمت بالأمر ، علمت من اولئكم "العارفون بكل شيء" الذين يقتصر علمهم على : أين يعمل الموظف الكبير فلان، وماهي علاقاته ، وما مقدار ثروته ، من هي المرأة التي تزوجها ، كم كان مقدار المهر . . . الخ . إن أبي لا يستطيع تحمل مثل هذا النبأ ، لو سمع كلمة واحدة تخرج من فاه أحدهم لدعاه إلى مبارزة بالمسدسات ، المبارزة على الطريقة الروسية التي قتلت بوشكين و ليرمنتوف . . .اضطرني خوفي على أبي وعلى شرفي أن أستدعي إحدى صديقاتي ممن لسن من بطرسبورج سامحة لها بالإقامة عندي بغير تكاليف حتى ، إلا أنني اخترتها بعناية ، ميزة هذه الصديقة أنها أنثى تقرأ تبحث عن نظيرها الروحي ، حيث بكتبها كنت أستطيع أن أروي الظمأ الذي طالما صاحبني في هذا المجتمع المعتل ، لكن ثقافتي و بعد ان درست الأدب الروسي و قرأت لبيلنسكي . . . قلت ثقافتي لم تجلب علي مزيدا من الاحترام ، بل اضافت احتقارا ، ففي إحدى المرات ضمن محاضرة ألقاها أستاذ متخصص قادم من موسكو _كان يبدوا عليه أنه ذو معرفة واسعة_يشرح فيها رواية الأبله لدستويفسكي ، هناك في حيثية العنوان اشتدت المناظرة بيني وبين الاستاذ المتخصص ، فقد قلت له : أن صفة الأبله في الأمير ميشيكن هي ما نعته بها المجتمع الساذج الجاهل بمقدار ذكاء هذا الأمير ، ذلك أن دستويفسكي لم ينظر للأمير على أنه أبله بل انتقد ضمنيا نظرة المجتمع لشخص ذكي جدا مثل الأمير ميشيكن ، إن دستويفسكي ذكر غير مرة على لسان شخصيات مختلفة اعترافات بحكمة و عقل الأمير ميشيكن ، ألا يوجد في الرواية قول كيللر : بعد أقوال كهذه الأقوال التي أسمعها منك ، أصبحت عاجزا عن أن أفهم كيف أمكن أن يصفوك بأنك أبله . . . كان رد الأستاذ علي في شكل سخرية و استهزاء افتتحه بــ : الأبله صفة ثابتة في ميشيكن ، على كل حال هذا الأدب العميق لدستويفسكي _والعلم عموما_ لا يناسب المرأة فهو يتسلل تحت عباءتها و يتسلق سيقانها زاحفا ، إن ذكاء المرأة ليس ميدانه هذه المواضيع ، وتلك التي تتحدث باراء و منطق في هذه الميادين لا يمكنن أن نطلق عليها صفة « مرأة » ، إنها شيء آخر تماما . . .
اعترف أني كرهت ذلك الاستاذ كرها شديدا لازمني مدة طويلة ، حيث كان تأثيره كبيرا بأنني ذاك الكائن الذي لا يحسن إلا الطبخ وإنجاب الأولاد ، يومها نالتني عصبية شديدة احتقنت داخلي مدة ، رحت أصبها في وريقات أكتب عليها العبارة التالية ثم أحرقها : « قناع إله وضعتم على وجوهكم أيها الطاهرون ، و تحت قناع إله اختبأت دودتكم الكريهة » . . كان شيئا مريحا حرق تلك الوريقات وتخيل وجه الأستاذ القادم من موسكو ، إن المرأة تعمى تماما عن محاسن شخص اذا رأت منه ما لا يعجبها ، تماما كما فعلت مع الاستاذ المتخصص ، تغافلت عن مهارته في النقد الأدبي و التحليل العميق لشخصية هائلة مثل دستويفسكي ، الحاصل أني استفدت لكني لم أستوعب تلك الحقيقة وقتها حينما أخطأ في حقي و وصفني بتلك الطريقة الوقحة ، أطهر النساء عقلا تملك مثل هذا العمى ، إني أقول هذا بسبب الخواطر التي راودتني بعد حادثة الحوار هذه ، حيث تمنيت أن لي شخصا يمكن أن أسرد له معاناتي ، أن أحكي له تلك التفاصيل الصغيرة و السخيفة التي تخصني ، أن تنهمر دموعي على صدره و في حضنه ، ثم حين أجفف ماء عيوني سأعذبه مزيدا من العذاب و أكرهه مزيدا من الكره ، إنني من نوع المرأة التي ستتخذ هذا الشخص أضحوكة و سخرية ، لكنني في داخلي اقول لنفسي : « سأعوضه عن هذا في المستقبل حبا » . . . »
إن كل شخصية يتقمصها زوسيما ينزل بها بأعماق خافية لا يدركها المرء للوهلة الأولى ، واسألوني أنا المراهق الثانوي فلي خبرة بهذا الشأن ، و قبل ان ننظر للشخصية القادمة التي سيتقمصها زوسيما ، شخصية « الراهب المسيحي » ، لابد من بيان نقاط معينة قد غفل عنها القارئ :
إن إحاطة زوسيما بمعرفة جيدة يستعملها كأدوات متكاملة لبلوغ أفكاره ، يجعلها حصينة بعض الشيء و صعبة على النقد و الهدم ، ولو أن حديث زوسيما كان ارتجاليا أمام تلك الصورة المعلقة ، إلا أنه امتاز بصفة التماسك و التآازر ، بدءا بصورة الرجل المتكئ على ذراعه التي يطلق عليها « ميلينكوليا ». . . إن الميلينكوليا هي لوحة للرسام « البرخت دورير » جعل فيها الرجل المتكئ على ذقنه مفكرا عظيما يمثل العبقرية البشرية العاجزة عن بلوغ التنوير البشري ، حيث يحاط هذا المفكر بمجموعة من الأشياء : ميزان ، كلب هزيل ، ادوات نجار ، ساعة رملية ، اشكال هندسية مختلفة . . .ان جميع هذه الاشياء المحيطة بالرجل في الصورة إنما تمثل الانجازات البشرية التي حققتها عبر مسار الزمن ، من العلوم المختلفة كالرياضيات و الفيزياء ، وصولا إلى الحرف و الاختراعات الناجمة عن هذه العلوم ، نحو غاية هي التنوير . . . إن هذه اللوحة الميلينكوليا تمثل فكرة الشيخ زوسيما عن الإنسان العالمي الذي أشرت إليه سابقا ، و هنا يجدر الإشارة إلى الشخصيات التي فرضها الشيخ ، فلاح فرنسي من القرن الثامن عشر ، فيلسوف يوناني ، امرأة روسية . . . إن زوسيما ببساطة هنا يريد أن يجعل الشخصيات التي يتقمصها متنافرة بشدة حتى لا يبقى في النهاية إلا المشترك الإنساني الذي يجمع هذه الشخصيات ، لذلك عمد إلى :
بلدان مختلفة ( فرنسا ، اليونان ، روسيا . .) ، أنماط فكرية مختلفة ( فلاح ساذج ، فيلسوف ذكي ، امرأة تقرأ الأدب . .) ، طبقات اجتماعية متباينة ( فيلسوف محترم ، فلاح من الطبقة الكادحة ، امرأة محتقرة ومقهورة . . ) . . الخ . . الخ . . ثم هناك اللفتة الثانية : إن زوسيما لم يذهب يفترض ارتجاليا شخصيات على أسس متنافرة فقط ، بل آمن بما يقول أيضا ، حيث تخيل أنه لو يولد كزوسيما ، وولد في البيئة التي افترضها لكان على تلك الشاكلة ربما ، وقد وظف معرفته في خلق ذلك الواقع الوهمي ضمن بناء لبناته هي رؤى لنيتشه وسارتر و دستويفسكي . . . إن العبارة التي تحدثت عن أن العلم يريد أن يتسلل تحت ثوب المرأة زاحفا على فخذيها هي في الأصل شيء مقتبس من نيتشه و موقفه المتشنج من المرأة ، و لأن هذا كل ما اكتشفته تقريبا ، فما أريد أن ابلغه للقارئ أن حديث زوسيما الارتجالي_ليتني أملك ارتجاليته_فيه من العمق و الأفكار التاريخية و الفلسفية المتطاحنة الشيء الكثير . . . لا يغيب عني أيضا التنويه إلى ربط السيف القصيرة بالفلاح الفرنسي « فرانسو » ، و السلم بالمرأة الروسية « كاترينا » ، والميزان بالفيلسوف اليوناني « أرخيتاس » . . .إنني لم أهتدي إلى العلاقة التي استند إليها زوسيما ، و لعل القارئ أذكى مني ويتنبه لمسألتين : الأولى هي التي ذكرت حاليا ، الثانية هي عن الرابط المشترك بين المرأة الروسية و الفلاح الفرنسي و الفيلسوف اليوناني ؟ مسألة ستزيد وضوحا حينما يتقمص زوسيما شخصية الراهب المسيحي .
-الساعة الرملية تجاوزت النصف :
نقل زوسيما إصبعه إلى الساعة الرملية الموجودة في الصورة ثم قال : « ماذا لو كنت . .
-راهبا مسيحيا :
انني ابن اسرة فقيرة معوزة ، أب مريض يعاني من الصرع ، و أم مجنونة لا يعود لها عقلها إلا بارواء إدمان كانت تعاني منه وهو شراء تشكيلات متنوعة من الملابس في أزمنة قياسية ، إن قطعة من القماش يمكن أن تفعل فعل السحر في المرأة ، لكن جنون أمي بلغ مرحلة لم يتداوى بانقطاع تشكيلات الملابس تلك ، التي كان يوفرها راتب أبي . . . إن أبي شخص لطيف و إنساني جدا وبما أنه لا عمل له فهو لا يعرف القراءة أو الكتابة حتى ، اضطر للتعامل في صفقات مشبوهة آخرها أودت به إلى سجن مع عقوبة مقدرة بخمس سنوات إضافة إلى ضرائب اخرى لست ملما بها فأنا أجهل القانون ، بل أصفه بوصف « المغتصب » ، ثم أعترف هنا اعترافا كوني ذكرت هذه النقطة أن لي مشكلة مع القانون الذي يسير به الكون كله ، أبي كان يحاول جلب لقمة العيش لنا بغير نية أخرى للافساد ، ثم ها هو مع دائه الذي يعاني منه _الصرع_سيعاني من هول السجن أيضا ، كذلك أنتظر بشوق اليوم الذي سيكشف فيه السر لمثل هذه الفلسفة في القدر . الخلاصة أن جملة هذه الاسباب رسمت لي مسارا نحو عالم الجريمة ، أسرق وأنهب و أثور على الأخلاق و المبادئ ، أما قوانين المجتمع فلم أعبأ بها ولو لم أكن مجرما حتى ، لكن سأتواضع وأجعل استثناءا لكلامي هذا في مسألة شرب الخمر ، ففترة شبابي كلها قضيتها وأنا سكير أداوي حالي بها ، حقا إن الرجل الذي يشرب الخمر لا يصلح لفعل شيء ، ثم هناك تلك القوة الغريبة التي تهيمن على الكون كله ، التي جعلتني اشعر بالذنب و الحزن مع كل صحوة بعد معاقرة ، بعد كل سرقة ، بعد كل اعتداء أصنعه ، حتى بلغ بي الحال و آلت بي الظروف إلى مرض شديد كالذي أصاب الصبي إيليوشا حينما ظن أنه قتل الكلب يوتشكا ، وقتها كنت في السجن مما أعطاني فسحة من الوقت للتأمل و التركيز في أفعالي ، و إعادة شريط الحياة كله أمامي ، فأرادت إدارة السجن أن تجلب لي طبيبا ، الامر الذي رفضته مطالبا بقدوم أحد الرهبان حتى أقرأ عليه اعترافاتي ، اعترافات صادقة ليست كاعترافات جاك روسو ، حقيق أن أذكر أيضا أن دخولي للسجن تم بارادتي الحرة لا بإمساك السلطات بي ، وقد جعلت هذه النقطة إحدى الأفكار التي سردتها للراهب القادم من الدير ، لما اعترفت له قائلا : « إليك النتيجة التي أخلص إليها ، إليك الخاتمة التي تحل مشكلة من أكبر المشكلات في هذا الزمان وكل زمان ، إنني كمجرم قد انتهى بي الحال إلى الوشاية بنفسي إلى الكهنوت ، و المثول بين أيدي السلطة ، فلتتصور التعذيب الذي كان ينتظرني ، العجلات التي أربط بها و أشد إليها ، النيران التي ألقى فيها ، فما الذي دفعني إلى الوشاية بنفسي و الاعتراف بجريمتي ؟ لماذا ، بعد مرور سنين على ذلك ، لم أستطع الاحتفاظ بالسر إلى آخر رمق من حياتي ، لم استطع كذلك ان اصبح راهبا بنفسي ، أن أصبح ناسكا بنفسي ، تلك هي كلمة السر ، كان هناك قوة فوق قوة التعذيب ، فوق قوة النيران ، فوق قوة العادة التي ترسخت عشرين عاما ، كان هناك فكرة أقوى من كل الكوارث و المجاعات و التعذيب و الطاعون و الجذام وكل ذلك الجحيم الذي ما كان للإنسانية أن تحتمله لولا تلك الفكرة نفسها التي كانت تخضع القلوب و توجهها ،و تخصب ينابيع الحياة ، هيا أرني مثل هذه القوة . . . » . . . وضح لي الراهب المستمع أنها قوة الضمير ووصفها بأقوى برهان على وجود الرب ، البرهان نفسه الذي استند إليه إيمانويل كانط في اثبات الذات الإلهية وأثبت عدم كفاية البقية من البراهين ، ثم ختم الراهب كلامه بأنه سيوصي بإخراجي من السجن حتى ألتحق بالدير ، للتعلم على يد القس « إيموليت » وهو قس مشهور بالحب و الرحمة و الإحسان ، فقد كان غنيا و تنازل عن أكثر ممتلكاته إلى الفقراء و المساكين ، و كان كما حصل فقد خرجت من الحبس ساعيا نحو القس إيموليت الذي كان خير مرشد لقيته في حياتي ، به عرفت مصداق عبارة كان يرددها بعض المسلمين : « من لا شيخ له فشيخه إبليس » و كما أن العبارة تبدو خاطئة إلا أنها تحمل أحد أعمق المعاني ، فوجود مرشد ذكي يحسن توجيه طاقاتك ، يوفر عليك كثيرا من الأخطاء السخيفة و التفاهات المبتذلة ، نعم الأخطاء هي التي علمت الإنسان ، لكنها تلك الأخطاء المهمة ، و منها سيساعدك المرشد على الاستفادة منها استفادة أقصوية ، مثلما حدث معي مع صحبة القس الرحيم إيموليت ، وقتها سلمت بالحياة الأبدية ، ولعلني كنت أسلم بها دائما ، فقط أوقدتها شمعة الضمير لتبعد الظلمات الموحشة ، و الآن الجميع يدعونني الأب « زوسيما » ، بالرغم من استمرار جهلي بجواب عن فلسفة القدر التي أبعدت أبي ، لكن لأجل أن تؤمن لا يجب أن تحصل على جميع الأجوبة . .لكن الحق الحق أقول لكم : إن لم تقع حبة القمح في الأرض و تمت فهي تبقى وحدها ، ولكن إن ماتت فهي تأتي بثمر كثير . »
هذه هي الشخصية الرابعة التي تقمصها الشيخ زوسيما ، و بعد أن أنهى حديثه فيها ، قام مجددا بإعادة اصبعه على الرجل ذي الجناحين الذي يضع يده على ذقنه ، ثم ها هو يجيبنا أخيرا عن المشترك الإنساني ، محددا معالم نظريته في قول فاصل نهائي :
« إن التعميم لغة ساذجة لا يقع في شراكها محترف فكري ، و ها أنا ذا الشيخ العجوز سألعب باحترافية فلا أعمم . . . إنه في الشخصيات التي تقمصتها و التي ربما كنت سأكونها في أكوان أخرى أو حيوات أخرى ، قلت في هذه الشخصيات رغم تنافرها الشديد و اتجاهاتها المتباعدة شيء مشترك واحد . . . شيء واحد فقط . . . هو مشاعر الإيمان بالإله . . .انتبه إنني لم أقل : الرب أو المسيح أو الإله المتأمل في ذاته ، لأن هذه التسميات هي خطوة ثانية تأتي بعد المشاعر الإيمانية بالإله ، إله قبل تعينيه في المسيح أو الرب أو المتأمل في عظمة ذاته . . الخ . .لذلك حتى الفيلسوف أرخيتاس المنكر للإله يملك هذه المشاعر ، و قد ذكر أرخيتاس نفسه أنه يقبل بالإله الأرسطي المتأمل في عظمة ذاته اللامعتني بمخلوقاته ، إن مثل هذا الافتراض فقط يدل على وجود المشاعر الإيمانية بالإله ولو كان أرخيتاس منكرا ، خلافا للفلاح فرانسو المفضل للمسيح على الحقيقة ، خلافا أيضا لكاترينا التي كانت تدعوا الرب و تعتقد أنه استجاب لها في الثلاثين روبلا تلك ، الامر سيان كذلك بالنسبة للراهب صاحب السوابق . . . إنه فقط بهذه الفكرة وحدها يمكن تفسير نزعة كل إنسان إلى التوحيد البشري _فكرة الإيمان بالإله_فالإنسانية قد حاولت في كل الأزمان تنظيم نفسها على أساس شامل .إن هناك امما كثيرة عظيمة لها تاريخ مجيد، ولكن شقاءها كان كبيرا على مقدار نبلها، لأنها أحست أكثر من غيرها من الشعوب بالحاجة إلى توحيد النوع البشري ، إن الغزاة الكبار من أمثال تيمورلنك و جنكيزخان ، الذين مروا على الأرض مرور إعصار مخرب و عاصفة مدمرة ، كانوا يتوقون إلى أن يصبحوا سادة العالم بأسره ، ولكن شوقا واحدا عميقا إلى توحيد جميع الشعوب كان يحركهم دون أن يشعروا بذلك .
إنني كأرخيتاس لا اؤمن بالرب ، وفي عمق و حقيقة هذا الإنكار و الشك يكمن الإيمان بذاك الإله الحقيقي ، الإله الحقيقي البعيد بخطوة عن الرب الذي أنكره أرخيتاس ،فهو لا يؤمن به حتى ولا جزءا واحدا من مائة جزء من الإيمان . . . لكنه . . . لكنه ربما آمن به جزءا من ألف جزء ، إن المقادير الصغيرة في الأدوية التي تعالج الداء بالداء نفسه قد تكون هي الاقوى أثرا . . .
إنني بكلامي هذا لا اصنع فلسفة اثبت من خلالها الإله . . لا أبدا . . إنني فقط أقول أنه لا يوجد شيء اسمه هوية الإنسان بغير الإيمان بالإله ، أكرر ليس الإيمان بالرب بل الإيمان بالإله فقط ، ذلك أن تعريفي للإيمان بالإله هو ذلك القدر المشترك بين جميع الناس في تصورهم لآلهتهم التي يعبدونها ، نعم هو ذاك القدر المشترك فقط ، هو الخطوة قبل وضع تلك القوة المهيمنة في قالب ، سواءا القالب التجريدي او المادي ، فأما الإنكار الكلي فلن يعدوا أن يكون إلا حلقة عرضية قصيرة الزمن في شريط الحياة الطويل ، وفي حياة كل إنسان ، نعم هو ذاك ، الإنكار الكلي حلقة عرضية في حياة كل إنسان .
إن ثبت هذا المشترك الإنساني « الإيمان بالإله » فإنه يمكننا أن نتحدث عن هوية الإنسان ، كونها ستكون نابعة من مصدر هذا الإله ، ثم يمكننا مرة ثانية التحدث عن الإنسان العالمي الذي يتعالى عما يمثل كل شيء محلي و ظرفي ، يؤمن و يحتكم فقط إلى القيم العليا دون سواها ، يستغل العلوم و المعارف ، كذلك التطبيقات المختلفة في صناعة نمط حياة يلغي الحدود الوهمية و الخطوط الزائفة بين بني البشر ، وبينه وبين البشر ، تماما كالرجل المتكئ على ذقنه في الصورة . . . إن الإنسان العالمي هو التنوير الذي يترجم معنى الميلينكوليا و معنى السعادة العظمى »
هذه خلاصة نظرية الشيخ زوسيما التي سردها متأملا في الميلينكوليا أمامه ، كأنه يجيب الرجل المتكئ على ذقنه ، و أعترف أنني لما كنت ذاك المراهق الثانوي قد انتقدت كلام زوسيما نقدا سطحيا ربما يقع فيه أحد القراء ، حيث قلت : « أن أخذ فرضية اشترك فيها فئة ما او مجتمع ما ، ثم الاستناد عليها لا يعتبر شيئا من البرهان القيم ، مجرد فيروس اجتماعي منتشر يمكنه أن يتناسل في المجتمعات كلها » . . . إلا أن نقدي كان فاشلا على حسب جهلي بعمق المعنى الذي يرمز إليه الشيخ ، فزوسيما لم يتحدث عن ذاك الإيمان على أنه شيء مشترك معتبرا إياه كدليل ، إنما على حد تعبير المؤمنين هو « الفطرة » . . . زوسيما اعتبر أنه إذا كان هذا المشترك الإنساني ثابتا فهو لن يكون إلا شيئا فطريا مغروزا أصلا في الإنسان ، شيء يوجد في الإنسان كما يوجد العظم و اللحم و الدم ، و إني اطرح كنقد لكلامه شيئا بسيطا : انه لا مانع من ضياع هذه الهوية الإنسانية التي يحاول زوسيما اثباتها . . . و للتواضع احذر القارئ من الاعتبار بكلامي ، فلازلت أفتش في المعاني العميقة و فكرة تقمص الشخصيات التي ابتكرها زوسيما . . . إن مثل ذاك النص العميق يمكن أن يظهر عاديا ساذجا لكنه ساذج فقط لمراهقين مثلي ، و مثل كلام زوسيما سيرافقني أبدا في حياتي حتى أكشف عنه اللثام نهائيا ، حينها لن اذكره في مذكرات أخرى أكتبها ، بل سأنقده في مؤلف بحياله ، على أن ما يؤرقني رغم ان كلام زوسيما ليس مبنيا على دليل واضح ، و رغم أنه لا مانع في أن يكون الإنسان بغير هوية ، أرجو من القارئ أن يعذرني على نفي هذه الهوية ، و أن يعذرني مرة ثانية إن استطاع تحليل كلام الشيخ بأسلوب أذكى من التحليل الذي ذهبت إليه . . . قلت أن ما يؤرقني كإنسان ملحد و يجعلني أشعر بصدق كلام زوسيما _مع خوف وامتعاض_هو أنني أبحث عن أن أكون ذاك « الملحد الإنسان » ولكن هذا الملحد الإنسان لم يتفق لي أن لقيته مرة واحدة في يوم من الأيام ، وإنما لقيت « الملحد المشوش » ، نعم هكذا يجب أن يسمى ، أناس من كل نوع ، لا يستطيع المرء حتى أن يرى رؤية واضحة من هم ، بينهم كبار و صغار ، بينهم حمقى وعلماء ، و بينهم حتى أفراد من عامة الشعب ، وهم جميعا مشوشون ، إنهم يقضون حياتهم كلها في القراءة و الاستدلال و التفكير ، وقد امتلأت نفوسهم افتتانا بالكتب ، ولكنهم يظلون دائما في الشك ، لا يستطيعون أن يعزموا أمرهم على شيء ، منهم من تبعثروا تبعثرا تاما فأصبحوا لا يلاحظون أنفسهم ، ومنهم من جمدوا كالصخر على امتلاء قلوبهم بالاحلام ، ومنهم خفاف يحسون ولا يكترثون ولا يهمهم إلا أن يطلقوا السخريات تلو السخريات ، ومنهم لا يقطفون من الكتب إلا الزهرة ، ولكنهم يقطفون الزهرة التي يريدون ، ثم يظلون مشوشين لا يستقرون على حال . . . إن ما أريد أن أقوله في النهاية ، هو البحث عن ذاك الملحد الإنسان ، هو الذي سيمثل أفضل نقد لما ذكره الشيخ زوسيما في كلامه على الرجل المتكئ على ذقنه ، فالملحد الإنسان لن يكون مجرد حلقة عرضية في شريط الحياة الطويل إن كان موجودا . . . إن تلك العبارة لمرعبة مخيفة تبث في نفسي الشك في عقلي و قدراتي
« الإنكار الكلي لن يعدوا أن يكون إلا حلقة عرضية قصيرة الزمن في شريط الحياة الطويل ، وفي حياة كل إنسان » .
-انتهت الساعة الرملية
انتهت المذكرة .
قام ألكسندر_المراهق الثانوي كما سمى نفسه في المذكرة_ببعث المذكرة إلى جماعة من أصدقائه المعروفين بالذكاء وسعة الإطلاع حتى ينال جوابا في هذه القضية التي كانت تشغل باله ، ففي تلك الساعة التي استمع فيها للشيخ زوسيما تزعزع شيء من أفكاره ، مما اضطره لكتابة هذه المذكرة القصيرة لبعض اصدقائه طلبا للنقد ومقاربة الاراء . . .و الأهم من ذلك : طلبا ربما في « الملحد الإنسان »





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,553,720,476
- من أخطأ ؟
- الاحتواء
- حفيد شوبنهاور
- كيف أصبحت ملحدا ؟
- المحاكمة
- الزنزانة
- المنزل السعيد
- ولادة إنسان


المزيد.....




- -أسرار رسمية- فيلم يروي قصة مخبرة حول -غزو العراق-
- بلاغ وزارة الخارجية واستقالة مزوار تربك أجواء الندوة الدولية ...
- واقع العلم الشرعي وتحديات الثقافة الرقمية
- سينمائي عراقي يهدي جائزة دولية لضحايا الاحتجاجات العراقية
- وسط مشاركة كبيرة.. انطلاق فعاليات جائزة كتارا للرواية العربي ...
- مهرجان لندن السينمائي: -قرود- المخرج الكولومبي إليخاندرو لان ...
- السيسي عن فيلم -الممر-: -محتاجين فيلم زي ده كل 6 شهور.. شوفت ...
- هذا هو بلاغ وزارة الخارجية الذي أطاح بمزوار من رئاسة الباط ...
- السيسي عن فيلم -الممر-: -محتاجين فيلم زي ده كل 6 شهور-
- تصريحات مزوار في مراكش تجلب عليه غضب الحكومة: ماقاله غير مسؤ ...


المزيد.....

- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام
- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صيقع سيف الإسلام - ميلينكوليا