أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جواد بولس - خذوا الحكمة من إضراب الايرلنديين















المزيد.....

خذوا الحكمة من إضراب الايرلنديين


جواد بولس
الحوار المتمدن-العدد: 5525 - 2017 / 5 / 19 - 02:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


خذوا الحكمة من إضراب الايرلنديين

لم يكن التكهن بمصير إضراب الأسرى الفلسطينيين القابعين في سجون الاحتلال مهمة يسيرة، فمنذ البداية كان الرهان على تداعياته عسيرًا، وكانت محاولة وضع تصور لنهاياته المحتملة كاللعب بالنرد وقراءة في الغيب.

لقد قلنا إن النجاح في التخطيط للإضراب وإقلاع سفينته في السابع عشر من نيسان المنصرم يُعَدان بمثابة تسجيل نصر فلسطيني وطني إستراتيجي هام، وذلك بعد حالة الوهن التي أصابت الحركة الأسيرة واستوطنت في صفوفها لأكثر من عقد ونصف من السنين العجاف، وكذلك بعد تأكد المسؤولين الإسرائيليين في مصلحة السجون، بسبب تلك الحالة المؤسفة، من عدم قدرة مجموعة من الأسرى على إنجاح خطوة بذلك الحجم والزخم، ورغم ذلك، ولأن الأمور تقاس دومًا بخواتيمها، دعَونا لهم بالسلامة، وتمنينا أن يصمدوا رغم جنون الموج في بحارهم، وغضب البرق فوق رؤسهم، وعبث الرياح وزمجرة العواصف في أوطانهم.

ثلاثة وثلاثون يومًا انقضت ولم تخط إسرائيل الرسمية ولا مسافة قدم باتجاه فتح حوار جدي مع قيادة الإضراب، وكذلك لم تبدِ قلقًا لتفاقم أوضاع الأسرى وتدهور حالاتهم الصحية، بل على العكس، فلقد شاهدنا وما زلنا نشاهد كيف يتعمد معظم السياسيين الإسرائيليين إهمال الحدث، ولا يتطرقون إليه لا من بعيد أو قريب، في حين نسمع زملاء لهم يتقصدون مهاجمة الأسرى المضربين،ولا يفوّتون فرصة إلا ويكيلون فيها وعيدهم ووعودهم بإنزال أشد العقوبات وأقساها لمجرد أن تجرأ هؤلاء الفرسان وتحدوا رغبات "السيد"وعنجهيته .

كانت ردة فعل المؤسسة الإسرائيلية عنيفة بشكل غير مسبوق، فما نقل على لسان الأسرى، بعد أكثر من ثلاثة أسابيع منعوا خلالها من التواصل مع العالم الخارجي، كانت شهادات مقلقة وصفت ما عانوه من اعتداءات جسدية خطيرة على بعضهم وممارسات قمعية متنوعة استهدفت إذلالهم وتثبيط عزائمهم في محاولات بائسة لكسر وقفتهم البطولية وصمودهم الخارق .

قد يكون القرار بمنع المحامين من زيارة الأسرى المضربين لثلاثة أسابيع متواصلة من أخطر الممارسات التي رافقت الإضراب، فعلاوة على كونه خرقًا لجميع الأعراف وقواعد القانون على درجاته ومصادره، شكل ذلك الموقف سابقة في المس بمكانة المحامين ومنعهم من أداء واجبهم وسلبهم لأبسط الحقوق وأقدسها، وعلى الرغم من تدخل المحكمة العليا الإسرائيلية وإصدارها، في اليوم التاسع عشر للإضراب، قرارًا يعترف بحق الأسرى المضربين بلقاء محاميهم، إلا أننا لم ننجح، نحن المحامين، رغم وجود ذلك القرار، ولغاية اليوم، بتنفيذ زيارات إلا لأربعين أسيرًا من بين مئات المضربين.

معظم طلبات الزيارة التي تقدم بها المحامون في مساعيهم الدؤوبة للتواصل مع الأسرى مُنيت بالفشل، وذلك لمراوغات مصلحة السجون الاسرائيلية ومماطلاتها ووضعها بمنهجية مدروسة، العراقيلَ التي أدت عمليًا إلى عدم الاستجابة لتلك لطلبات أو إلى تأجيلها أو إلغائها بحجج واهية ومبتذلة،وبأكاذيب متنوعة .

لقد نوهنا منذ البداية إلى إفتقار هذا الإضراب لعدة عوامل إسنادية كانت متاحة في تجارب الماضي وتحولت، في السنوات الأخيرة، إلى معادلات ومعطيات إشكالية وبعضها صار يشكل عوائق وعثرات؛ فالعالم الواسع منشغل بأزمات جدية لا تترك لقياداته احتياطي وقت لاستثماره في قضية، رغم أهميتها الإنسانية الكبرى، تبقى في حسابات هؤلاء شأنًا محليًا، والأشقاء العرب منهمكون كل بتثبيت حكمه وتأمين مصالحه، ولم تعد قضية أسرى فلسطين على سلم اهتماماتهم ، أما فلسطين فتبقى حكايتها الأوجع والأغرب.

قبل ثلاثة أيام عقدت فصائل من منظمة التحرير الفلسطينية مؤتمرًا صحفيًا في مدينة رام الله أعلن فيه جميع المتحدثون عن مؤازرتهم المطلقة للمضربين ومطالبهم.

انتقد البعض عقد هذا المؤتمر بعد ثلاثين يومًا من إعلان الإضراب، وأشاد آخرون، رغم التأخر في عقده، بما أعلن فيه لا سيما ما جاء على لسان مفوض التعبئة والتنظيم وعضو اللجنة المركزية لحركة " فتح" د. جمال محيسن، والذي دعا باسم " فتح" كل الجماهير الفلسطينية للانخراط في التعبير عن تأييدهم للإضراب، وأهاب بهم وحضهم على الخروج للشوارع وإيصال رسالة واضحة للاحتلال الذي يجب أن لا ينعم مستوطنوه برغد العيش وحرية الحركة، خاصة وأسرى الحرية يقبعون وراء القضبان، ويواجهون القمع وسلب حقوقهم الأساسية، على حد تعبيره.

من السابق لأوانه التحقق من فاعلية هذا المؤتمر والنداءات الصادرة عن القيادات الوطنية التي شاركت فيه، فالأيام المقبلة ستكون كفيلة بكشف مدى تأثيره، خاصة وقد غابت عنه الحركات الإسلامية وفي طليعتها حركة "حماس" الذي ما زال دورها الحركي والشعبي غائبًا بشكل ملموس، بينما يعيش الشارع الفلسطيني، بشكل عام، حالة من العزوف المَرَضي عن ممارسة النضال، والجماهير العريضة مصابة بكسل يومي طاغ ما انفك يتحول ببطء إلى حالة من "السبات الوطني" الذي يفضي تدريجيًا إلى قبول القائم على افتراض أن القادم قد يكون أسوأ.

كثيرون يقرأون الواقع بتفاصيله الرمادية، ومثلهم تفعل إسرائيل وساستها الذين يتصرفون وفق تلك القراءات، فردة الفعل العنيفة داخل السجون وما رافقها من مواقف لوزراء ومسؤولين بدت صارمة ومتوعدة تنذر كلها، في الحقيقة، باحتمال وجود سيناريو خطير لديهم يقتفي طريق حكومة مارغريت تاتشر في مواجهتها، مع بداية الثمانينيات من القرن الماضي، لإضراب المناضلين الإيرلنديين ونهايته المأساوية عندما سقط السجين بوبي ساندس، رمز الصمود والحرية، بعد ستة وستين يومًا على إضرابه عن الطعام والتحاق تسعة من رفاقه بعده وارتقائهم إلى العلا .

بعض المؤشرات تدلل على احتمال وجود ذلك السيناريو في أدراج السياسة الإسرائيلة ، وما نشهده من خطوات تصعيدية تقوم بها مصلحة السجون يشكل قرينة على ذلك، ففي الأيام الأخيرة قام ضباط في بعض السجون بتكثيف خطوات القمع بحق الأسرى المضربين وبوضع مزيد من العراقيل في وجه المحامين، ومنعهم من الزيارة، وذلك بهدف تأمين استفرادها بهم، وعزلهم الكامل وما يشكله ذلك من ضغوط نفسية عليهم.

أما قيام المسؤولين في سجن الرملة باغلاق نوافذ زنازين العزل لحجب دخول أشعة الشمس منها يعد الخطوة الأشد، برأيي، والتي تذكر بما فعله الضباط البريطانيون في زنازين بوبي ساندس ورفاقه، بعدما توصلوا في دراسة سيكولوجية إلى مدى تأثير تلك الخطوة على نفسيات الأسرى، واستخلصوا، في حينه، أن اغلاق النافذة مهما كانت صغيرة تعني عمليًا اغلاق "فسحة الأمل" الذي ينسل كل فجر مع رزمة الضوء الأولى، ويتوالد في دورة لا تنتهي تماما- كما يولد الضوء من العتمة والصباح من الفجر. إنه الأمل الذي يمد الأسير، وهو يصارع بأمعائه الخاوية، بالعزيمة والإصرار والتشبث بالحياة.

لا أعرف إذا قرأ السجان الإسرائيلي سيرة الأحرار الإيرلنديين، وقد يكونون قد قرأوها، لكنني أفترض أن كل طرق القمع تؤدي إلى نفس "الطاحونة"، ولذلك علينا أن نستلهم تلك التجرية ودروسها كي نمنع تكرارها في حالة إضراب فرسان فلسطين.

فخذوا الحكمة من إضراب الإيرلنديين. وأول ضمانات النصر هي صمود الأسرى أنفسهم، ويليها بنفس القدر والأهمية وقفة فلسطين معهم، كل فلسطين ومعها أحرار العالم .

فهل ستشهد الأيام المقبلة ما كان ناقصًا ووعود العاصفة؟





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- سكان بلا دولة، ما العمل؟
- عيد وذاكرة وشعلة
- فرح فلسطيني صغير في لندن
- ملاحظات أولية على إضراب أسرى الحرية
- إضراب الحرية في نيسان
- فتشوا عنه تجدوه
- مؤتمر الجبهة بين ناصرة وشام
- القائمة المشتركة : رصيد عامين
- ماذا إذا خاف رئيس الموساد؟
- في فلسطين أول العدل إقدام وجرأة
- فلسطين هي الآيدول
- روبوتات القضاء العسكري
- سياسة في المزاد العلني
- ماذا يعني - تدويل- المثلث والنقب والجليل؟
- سبق السيف العدل
- -بر بحر- من يجرؤ على الملام؟
- كل بيوت العرب سواسية أمام أسنان البولدوزر
- بين -أم الحيران- وقرية - المفجر- حلم!
- أقاتل ويبكي؟
- الحركة الأسيرة.. ومضى عام آخر


المزيد.....




- أنور قرقاش: نحتاج إلى موقف عربي موحد يستند إلى بعد سعودي- مص ...
- وزير الخارجية الفلسطيني: لن نقبل بأي ابتزاز أو ضغوط أمريكية ...
- إسرائيل تريد البناء على موقع أثري بالقدس
- منتدى بطرسبورغ الثقافي الدولي الـ6
- تعديل وزاري في تونس
- ماليزيا تؤكد ضلوع هاكرز من سلطنة عمان في أكبر عملية سرقة بيا ...
- الرئاسة الفلسطينية: الإدارة الأمريكية فقدت أهليتها للقيام بد ...
- ترامب: كلينتون أكبر فاشلة في التاريخ
- مصر تفتح معبر رفح للمرة الأولى منذ تسلم -السلطة- معابر غزة
- الشيخ شافي بن ناصر: من يحكم قطر مرتزقة أجانب


المزيد.....

- العلمانية وحقوق الإنسان / محمد الحنفي
- نقد النساء / نايف سلوم
- الثقافة بين طابع المساءلة وطابع المماطلة / محمد الحنفي
- هل يمكن اعتبار الجماعات المحلية أدوات تنموية ؟ / محمد الحنفي
- أوزبر جبرائيل- تفسير رواية عزازيل / نايف سلوم
- توءمة ملتصقة بين الحزب الشيوعي والتجمع / مصطفى مجدي الجمال
- المُفكر والفيلسوف الأممي -صادق جلال العظم-: تذكرة وذكرى لمرو ... / عبد الله أبو راشد
- جذور وأفاق بنية الدولة / شاهر أحمد نصر
- حوار مع أستاذى المؤمن / محمد شاور
- مسمار في جدار الذاكرة / رداد السلامي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جواد بولس - خذوا الحكمة من إضراب الايرلنديين